قيل: والتحقيق أنَّ المطلق قسمان:
- واقع في الإنشاء، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] , وهو الدال على الحقيقة مِن حيث هي. وعليه يُحمل كلام "المحصول" وأتباعه.
- وواقع في الخبر، كَـ "رأيت رجُلًا"، فالمراد واحد مِن الجنس. وعليه ينزل كلام ابن الحاجب.
تنبيهات
الأول: المطلق قطعيُّ الدلالة على الماهية عند الحنفية وظاهر فيها عند الشافعية كالعام، وهو يشبهه كما سبق؛ لاسترساله على كل فرد، إلا أنه على سبيل البدل، ولهذا قيل: عام عموم بَدَل.
الثاني: الإطلاق والتقييد مِن عوارض الألفاظ باعتبار معانيها اصطلاحًا. فإنْ أُطلِق في عُرف على المعاني فلا مُشَاححة في الاصطلاح، وهُما أمران نسبيان باعتبار الطرفين.
فمُطلق لا مطلق بعده (كَـ "معلوم")، ومُقيَّد لا مقيد بعده (كَـ "زيد")، وبينهما وسائط يكون مِن المقيد باعتبار ما قَبْل ومن المطلق باعتبار ما بَعْد، كجسم وحيوان وإنسان.
قال الهندي: فالمطلق الحقيقي ما دل على الماهية فقط، والإضافي مختلف.
فالحاصل أنَّ الشيء قد يكون مطلقًا باعتبار ومُقيَّدًا باعتبار. كَـ "رقبة مؤمنة" مطلق باعتبار سائر الرقاب المؤمنة، ومقيَّد باعتبار مُطْلَق الرقبة. وذلك إنما يكون في الاعتباري، لا الحقيقي.
الثالث: قال صاحب "خلاصة المآخذ": (اختيار مشايخ خراسان وما وراء النهر أن المطلق ثابت في الأذهان دُون الأعيان، وحُكمه حُكم العام إلى قيام دليل التعيين). انتهى
стр. 1682
وحينئذٍ فيكون في العمل بالمطلق قبل البحث عن المقيد الخلاف في العموم.
أنْايع: قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (إنَّ الآمدي وابن الحاجب إنما وَحَّدَا بين المطلق والنكرة؛ لِتَوَهُّمهما أن المطلق هو النكرة) (١).
قيل: ولم يتوهماه، إنما تَحققاه [كمَا] (٢) ذكرناه مِن الباعث لهما على ذلك، وإلا فلا يخفَى عليهما ولا على غيرهما أن مفهوم الماهية بلا قيد ومفهومها مع قيد الوحدة متغايران. وإنما التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج، وذلك لابُدَّ أن يكون واحدًا غير مُعَيَّن.
ولهذا وافق صاحب "البديع" ابن الحاجب على مقالته، ثم قال فيما بعد: (إن الحق تفسير المطلق بالماهية مِن حيث هي) (٣). ولذلك فرّعا ما سيأتي. والله أعلم.
ص:
٦٧٨ - فَالْأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ مِنْ مَاهِيَّهْ ... لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ عَلَى الْجَلِيَّهْ
٦٧٩ - لَكِنْ بِهِ يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ ... فَغَيْرُهُ "مُقَيَّد"، يُقَاُل:
الشرح:
أي: يتفرع على أنَّ المطلقَ الدالُّ على الماهية من حيث هي (لا مَع وحدة شائعة؛ لأن ذاك النكرة) أنَّ الأمر بالمطلق أمر بالماهية، ولكن لَمَّا لم يحصل إلا في ضمن جزئي، اقتضى ذلك أنه مطلوب مِن حيث ما يحصل به الامتثال، لا أن الجزئي مطلوب ابتداءً.
стр. 1683
وأما على طريقة الآمدي وابن الحاجب فالأمر بالمطلق أمر بجزئي من جزئيات الماهية، لا بالكُلي المشترك. فالمطلوب بـ "اضْرِب" مثلًا فِعل جزئي من جزئيات الضرب من حيث مطابقته للماهية الكُلية المشتركة؛ لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان.
وضُعِّف ذلك بوضوح الفرق بين الماهية بشرط شيء وبشرط لا شيء ولا بشرط. وحينئذٍ فالمطلوب الماهية من حيث هي، لا بقيد الجزئية ولا بقيد الكلية. واستحالة وجودها في الخارج إنما هو من حيث تجردها, لا في ضمن جزئي، وذلك كافٍ في القدرة على تحصيلها.
نعم، ابن الحاجب يقول: إن الماهية مطلوبة أولًا باعتبار دلالة المطلق عليها بالمطابقة، ولما توقف وجودها على جزئي، كان ذلك الجزئي مطلوبًا من حيث توقف وجودها عليه؛ فآلَ الأمر إلى أن المطلوب بالمطلق جزئي وإن لم يكن بالمطابقة.
وممن حكى ما قرره الإِمام الرازي وأتباعه -مِن أن الأمر بالمطلق أمر بالكلي المشترك- عن مذهب الشافعي أبو المناقب الزنجاني، وقال: (إن مُقابِلَه مذهب أبي حنيفة).
تنبيه:
أَبْدَى الصفي الهندي احتمالًا في "باب القياس" في الكلام على حُجية قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] أنه إذن في كل جزئي من جزئيات الماهية. حيث اعترض الخصم بأن الدال على الكُلي لا يدل على الجزئي، فلا يَلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي من الكُلي الذي هو مُطْلَق الاعتبار.
فقال الهندي: (يمكن أن يجاب بأن الأمر بالماهية الكلية وإنْ لم يَقتضِ الأمر بجزئياتها لكن يقتضي تخيير المكلَّف في الإتيان بكل واحد مِن تلك الجزئيات بدلًا عن الآخَر عند عدم القرينة المعيِّنة لواحد منها أو بجميعها، ثم التخيير بينها يقتضي جواز فِعل كل واحد
стр. 1684
منها) (١).
وقولي: (فَغَيْرُهُ "مُقَيَّدٌ") إشارة إلى أن تعريف مقابِل المطلق -وهو المقيد- بمقابِل تعريف المطلق. فيقال: المقيد الذي يدل على الماهية بقيد.
وقولي: (يُقَالُ) تتمته قولي بعده والله أعلم:
ص:
٦٨٠ - هُمَا كَذِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ... فِيمَا مَضَى لَكِنْ مِنَ التَّخْصِيصِ
٦٨١ - بِذَيْنِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ اتَّحَدْ ... حُكْمُهُمَا وَمُوجِبٌ فِيمَا وَرَدْ
٦٨٢ - وَمُثْبَتٌ كِلَاهُمَا وَأُخِّر ... مُقَيَّدٌ لِوَقْتِ أَنْ تَقَرَّرَ
٦٨٣ - عَمَلُ مُطْلَقٍ، فَمَنْسُوخٌ بِهِ ... في غَيْرِ ذَا الْمُطْلَقِ قُلْ بِحَمْلِهِ
٦٨٤ - عَلَى مُقَيَّدٍ، نَعَمْ، إنْ نُفِيَا ... فَقَائِلُ الْمَفْهُومِ قَالَ: أُجْرِيَا
٦٨٥ - تَقْيِيدُهُ بِهِ وَلكِنَّهُمَا ... فَمُطْلَقٌ بِضِدِّ وَصْفٍ قُيِّدَا
٦٨٦ - وَذَانِ إنْ أَمْرًا وَنَهْيًا وَرَدَا ... مِنْ ذِي عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، فَاعْلَمَا
٦٨٧ - أَمَّا اللَّذَانِ اخْتَلَفَا في السَّبَبِ ... أَوْ حُكْمِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُوجِبِ
٦٨٨ - فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِيهِمَا عَلَى ... مُقَيَّدٍ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ حُمِلَا
الشرح:
أي: المطلق والمقيد كالعام والخاص في كل ما سبق مِن المخصِّصات المتفق عليها والمختلف فيها والمختار والمُزَيَّف على ما فُضل هناك كما أشار إلى ذلك ابن الحاجب وغيره.
стр. 1685
ونزيدهما مسألة في حمل المطلق على المقيد.
ولا يقال: كان ينبغي -إذا كانت داخلة في تعميم التشبيه بالعام والخاص من حيث إنَّ العام محمول على الخاص والمطلق محمول على القيد -أن لا تُفْرَد بالذكر.
لأنَّا نقول: تخالفهما مِن وجوه أخرى، وهي أنَّ لنا هنا مَن يرى يحمل المقيد على المطلق، ولا قائل هناك يحمل الخاص على العام.
وأيضًا فالحمل هناك للعام على غير المُخرَج بالتخصيص، وهنا بالعكس، العمل هنا للمطلق على نفس المقيد.
وأيضًا فمِن أقسام ورود المطلق والمقيد ما قد يكون فيه تخصيص، وما يكون حملًا لا تخصيصًا.
وأيضًا فالحمل هنا بطريق القياس على رأيٍ، وغير ذلك من الأحكام الآتي بيانها، فاحْتِيجَ للإفراد بالذكر.
فإذا ورد مطلَق فقط أو مقيَّد فقط فحُكمه واضح، أو مطلق في موضع ومقيد في آخَر، فقصر المقيد على قيده يَطرقه الخلاف السابق في المفاهيم.
وأما تقييد المطلق بقيد المقيد فهو المراد هنا، لكن شرط فيه الماوردي والروياني أن يكون القيد معمولًا به، نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] الآية، فالمرض والسفر شرط في إباحة التيمم.
فأما إذا لم يكن معمولًا به، فلا يُحمل عليه المطلق قطعًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فليس الخوف شرطًا في القصر.
وإهمال الأصوليين هذا الشرط إنما هو لوضوحه، وحينئذٍ فللمطلق والمقيد بشرطه أحوال:
стр. 1686
الأُولى: أنْ يتحد حُكمهما والوجِب للحكم وهُما مُثبَتان أو ما في معنى الإثبات، وهو الأمر، نحو: (إنْ ظاهرتَ فأعتِق رقبة)، وفي موضع آخَر: (فأعتق رقبة مؤمنة). فهذا يُحمل فيه المطلَق على المقيَّد اتفاقًا كما قاله القاضيان أبو بكر وعبد الوهاب، وابن فورك وإلْكِيَا وغيرهم.
وممن نقل موافقة أبي حنيفة في ذلك أبو زيد في "الأسرار" وأبو منصور الماتريدي في "تفسيره" وغيرهما؟ ولهذا حمل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] على قراءة ابن مسعود: "متتابعات"، أي: إذا قيل: إنها قراءة. وأما إذا قلنا: (تفسير منه باجتهاده) كما يقوله أصحابنا، فلا.
ومن ذلك إطلاق تحريم الدم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] , وفي موضع تقييده بالمسفوح حتى يكون الدم غير المسفوح من الباقي على اللحم والعظام غير منهي عنه كما قاله النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الثعلبي في "تفسيره"، قال: (وهو مِن كبار أصحابنا، وقَلَّ مَن تَعرض للمسألة، وهو أمر مهم؛ لمشقة الاحتراز فيه؛ ولأن الله لم يَنْهَ إلا عن الدم السفوح وهو السائل) (١). انتهى
قلتُ: وكذا قال البغوي وابن القشيري في "تفسيرهما" وغيرهما أيضًا من المفسرين. بل نقل ابن عطية الإجماع على حِل الدم المخالِط للحم.
لكن في كل ذلك نظر؛ ففي "النهاية" لإمام الحرمين في "باب الرهن" أنَّ مذهب الشافعي الحكم بنجاسة الدم حالة تخلله في العروق.
وضَعَّف الإِمام اشتراط السفح بأنه ليس في سفحه وخروجه من اللحم والعروق ما يقتضي تنجسه بخصوصه، ولو كان التحريم مُقيدًا بالمسفوح لَمَا احْتِيجَ إلى استثناء الكبد
стр. 1687
والطحال.
ويدل لذلك أيضًا تضعيف أصحابنا مقالة الحنفية: إنَّ دم السمك والجراد طاهر؛ لأنه ليس مسفوحًا.
وأجاب الإمام الرازي في "تفسيره" بأن: (الآية إنما قيل فيها: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] , ويجوز أن يكون تحريم الدم على الإطلاق متأخرًا عن تحريم المسفوح) (١). انتهى قلتُ: ولا يقدح ذلك في قاعدة حمل المطلق على المقيد باتفاق في مثل هذه الحالة؛ لأن [القيد] (٢) خرج مَخْرَج الغالِب يومئذٍ؛ لأنهم كانوا يأخذون الدم المسفوح يضعونه في المصران ويجففونه ويضيفون به الناس. وشَرْط القيد كما سبق أن يكون معتبرًا.
ومما مثل به هذه الحالة أيضًا ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] , وفي موضع بِقَيْد "منه" [المائدة: ٦].
وحديث: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" (٣) وفي موضع: "إذا تطهر فلبس خُفَّيه" (٤).
وفي حديث: "فرض زكاة الفطر على كل صغير وكبير" (٥) إلى آخره، وفي موضع: "ممن
стр. 1688
تمونون" (١).
وفي: "لا نكاح إلا بولي" (٢) في موضع آخَر: "بولي مرشد" (٣).
نعم، في بعض هذه المثُل نظر مِن حيث إن العام في الأشخاص عام في الأحوال، لا مطلق. وأيضًا هذا كما قال ابن العربي هو مسألة المفهوم، نحو: "في أربعين شاة شاة" (٤)، وفي موضع: "في الغنم السائمة الزكاة" (٥). وهذا يقتضي مخالفة الحنفية في ذلك؛ لأنهم لا يقولون بالمفهوم، بل صرح ابن برهان في "الأوسط" بأن عندهم خلافًا في العمل [وأن الصحيح: يُحمل. وممن حكى الخلاف عندهم ابن السمعاني] (٦).
وحكى [الطَّرَسُوسِي] (٧) في ذلك أيضًا الخلاف عن المالكية، وأنهم مثلوه بإطلاق المسح
стр. 1689
وتقييده في موضع بِـ "إذا تطهر" كما سبق.
واستثنى منه بعض الحنابلة ما لو كان القيد آحادًا والمطلق متواترًا، قال: فإنه يبنى على أن الزيادة نسخ، وعلى نَسخ المتواتر بالآحاد. والمنع قول الحنفية.
لكن قضية ذلك أن الحمل ليس بيانًا، بل نسخًا، وفيه خلاف، والذي صححه ابن الحاجب وغيره الأول.
لكن منشأ هذا الخلاف أن الزيادة نسخ؟ أوْ لا؟ ومع ذلك لابُدَّ من تأخُّر المقيد؛ لأن الناسخ متأخر. ولكن ظاهر القول يحمل المطلق على المقيد هنا أنه لا فرق بين أن يتقدم المقيد أو يتأخر أو يقارِن أو يُجهل.
وقال الغزالي في "المستصفى": (إنَّ هذا صحيح على مذهب مَن لا يرى بين العام والخاص تقابُل الناسخ والمنسوخ) (١). انتهى
وهو يقتضي أنَّ مَن ينسخ بالعام المتأخِّر ينسخ بالمطلق المتأخِّر، ويقف عند الجهل بالتاريخ كما قاله الهندي والأردبيلي.
ولكن الحقّ أنَّ هذا لا يلزم، فقد نقل الغزالي أن القاضي مع مصيره إلى التعارض في "باب العام والخاص" -أيْ ينسخ بالمتأخِّر- نقل الاتفاق على تنزيل المطلق على المقيد في هذه الحالة، أي: ذلك لأن بين العام والخاص تَعارُضًا في نفي الحكم وإثباته، وأما المطلق والمقيد فحُكمهما متحد، فلا معارضة؛ فلا نَسخ.
стр. 1690
نعم، إذا تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، كان ناسخًا له بدليل الخطاب كما سبق نظيره في التخصيص.
وهو معنى قولي في النَّظم: (إنْ اتَّحَدْ حُكْمُهُمَا وَمُوجِبٌ) إلى قولي: (فَمَنْسُوخٌ بِهِ).
وفي هذه الحالة مذهب ثالث: أنه لا يُحمل المطلق على المقيد، لا بيانًا ولا نسخًا، بل يحمل المقيد على المطلق، سواء تَقدَّم أو تأخر.
وأما ما سبق في المتحد الحكم والوجِب وهُما مثبَتان ولم يتأخر المقيد عن وقت العمل مِن أنه يحمل المطلق على المقيد فأشرف إليه بقولي: (في غَيْرِ ذَا الْمُطْلَقِ قُلْ بِحَمْلِهِ عَلَى مُقَيَّدٍ).
الحالة الثانية:
أن يكونا مع اتحاد السبب والحكم منفيين أو في حكم المنفي وهو النهي، نحو: إلا تعتق مكاتبًا) وفي موضِع: (لا تعتق مكاتبًا كافرًا). وهو ما مثَّل به ابن الحاجب [للنفي] (١)، يريد ما في معناه، وهو النهي.
نعم، إدخال هذا القسم في المطلق والمقيد غير جيد؛ لأن النكرة في سياق النهي عامة، فَهُما عام وخاص، فيَخُص العام بالخاص مَن يحتج بالمفهوم، ومَن لا يعمل به يعمل بالأعم مطلقًا، إلا أنه يطرقه هنا ما سبق مِن أنَّ ذِكر بعض أفراد العام هل يخص؟ أوْ لا مطلقًا؟ أو إنْ كان له مفهوم، خص، [أوْ لا] (٢) فلا؟ وسبق ترجيح هذا.
وإلى هذه الحالة أشرتُ في النَّظم بقولي: (نَعَمْ، إنْ نُفِيَا) إلى آخِره.
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في حديث: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه
стр. 1691
وهو يبول" (١): (إنه وردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقًا).
وقال: (فمِن الناس مَن أخذ بهذا العام، وقد سبق إلى الفَهم أنَّ العامَّ محمولٌ على الخاص، فيختص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث؛ لأنَّ هذا الذي قِيل متجه في باب الأمر والإثبات، فإنا لو جعلنا الحكم للمطلق في صورة الإطلاق مثلًا، كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد وقد تناوله لفظ الأمر، وذلك غير جائز.
وأما في باب النهي فإذا جعلنا الحُكم للمقيد، أَخْلَلْنَا بمقتضَى اللفظ المطلق مع تَناوُل النهي له، وذلك غير سائغ) (٢). انتهى
ومراده أنه في حالة النهي يخرج عن كونه مطلقًا ومقيدًا، بل عامًّا وخاصًّا كما ذكرناه، وإنْ سُمي مطلقًا ومقيدًا فمجاز كما عبَّر به هو عنهما آخِرًا.
وإذا كان عامًّا، فذكر الخاص بذلك الحكم هي مسألة ذِكر بعض أفراد العام، أي: فلا تخصيص. لكن قد سبق أن ذلك حيث لا مفهوم له، وإلا فالراجح التخصيص.
فإن قيل: العموم إنما هو فيما دخل عليه النهي، وهو فِعل الإمساك.
قيل: قد قرر هو قبل ذلك أنَّ العام في الأشخاص عامٌّ في الأحوال والأزمنة والأمكنة.
ثم قال عقب ما سبق: (إن هذا العمل إذا قُدِّرَا حديثين، أما إذا قُدِّرَا حديثًا واحدًا، فالزائد في الرواية الأخرى زيادة عَدْل يجب العمل بها) (٣).
стр. 1692
الحالة الثالثة:
أن يكون أحدهما في معنى النفي والآخَر في معنى الإثبات، بأنْ يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا.
مثل: (إنْ ظاهرت فأعتق رقبة)، ويقول: (لا تملك رقبة كافرة). فلابُدَّ من التقييد بنفي الكفر؛ لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة. فالحمل في ذلك ضروري، لا من حيث إن المطلق حُمل على المقيد؛ ولذلك قال ابن الحاجب: إنه واضح.
وإلى هذه الحالة أشرتُ في النظم بقولي: (وَذَانِ إنْ أَمْرًا وَنَهْيًا وَرَدَا) إلى آخره.
فَـ "ذان" إشارة إلى ما سبق مِن المطلق والمقيد، وتسميتهما بذلك مع كونهما عامًّا وخاصًّا مجَازٌ كما سبق.
الحالة الرابعة:
أنْ يختلفَا في السبب والحكم، كتقييد الشاهد بالعدالة وإطلاق الرقبة في الكفارة، فلا يحمل أحدهما على الآخر اتفاقًا كما نقله القاضي أبو بكر وإمام الحرمين وإلْكِيَا وابن برهان والآمدي وغيرهم.
لكن نقل الباجي عن القاضي أبي محمَّد - مِن المالكية - أن: (مذهب مالك فيه حمل المطلق على المقيد؛ لأنه روي عنه أنه قال: عجبٌ مِن رجل عظيم مِن أهل العلم يقول: إن التيمم إلى الكوعين. فقيل له: إنه حمل ذلك على آية القطع. فقال: وأين هو من آية الوضوء؟ ).
أي: فلمَ لا حَمله على آية الوضوء؛ لأن كُلًّا منهما طهارة؟ !
قال الباجي: (وهذا التأويل غير مُسلَّم؛ لأنه يحتمل أنه إنما يحمله على آية الوضوء
стр. 1693
بقياس أو عِلة، والخلاف إنما هو في العمل بمقتضى اللفظ) (١).
قلت: وأيضًا فيكون مِن الحالة الآتية. وهي مع اتحاد السبب كما سيأتي التمثيل به، والكلام هنا إنما هو عند اختلافهما.
نعم، للشافعي قول في كفارة القتل بجواز الإطعام كما في الظهار، فيخرج منه خلاف في هذه الحالة.
نعم، إنْ كان يُلتفت فيها إلى أنه:
- هل هو من باب القياس؟ فيمتنع؛ لأن من شرط القياس اتحاد الحكم.
- أو باللفظ؟ فيحمل عليه.
واعلم أن هذه الحالة تخرج مِن ذِكري في النَّظم ما فيه اتحاد في الموِجب أو في الحكم أو فيهما، فيخرج ما اختلفا فيهما، فلا يحمل.
الحالة الخامسة:
أن يتحد السبب ويختلف الحكم، كإطلاق اليدين في [آية] (٢) التيمم وتقييدهما بالمرافق في آية الوضوء، وموجِبهما واحد وهو الحدث، أو هو مع الوقت، أو الوقت فقط على الخلاف المذكور في الفقه.
وظاهر إطلاقهم أنه لا خِلاف في العمل هنا، لكن ابن العربي في كتابه "المحصول" حكى فيه الخلاف الآتي في الحالة التي بعدها بين الحنفية والشافعية، وكذا حكى فيه أبو الخطاب الحنبلي روايتين عن أحمد، ومثَّلاه بما سبق، وكذا مثل القاضي في "التقريب".
стр. 1694
بل مقتضَى إطلاق ابن الحاجب أنه لا يُحمل فيه اتفاقًا، فإنه قال: (إنِ اختلف حكمهما مثل: "اكْسُ ثوبًا"، و "أَطْعِم طعامًا نفيسًا"، فلا يحمل أحدهما على الآخر بِوَجْهٍ اتفاقًا) (١).
وهذا يشمل ما إذا اتحد السبب وما إذا اختلف. وكذا المثال الذي مَثَّل به يحتمل الأمرين.
الحالة السادسة:
أن يختلف السبب ويتحد الحكم، كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار واليمين، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل، فالحكم واحد، وهو وجوب الإعتاق، والسبب مختلف، وهو الظهار والقتل واليمين.
وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يُحمَل على قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
فهذا هو موضع الخلاف بيننا وبين الحنفية كما سيأتي.
وإليها وإلى الحالة التي قبلها أشرتُ في النظم بقولي: (أَمَّا اللَّذَانِ اخْتَلَفَا في السَّبَبِ) إلى آخر البيتين.
وحاصل الخلاف - في هذه الحالة الأخيرة - مذاهب:
أحدها: أن الطلق يُحمل على المقيد بمقتضَى اللغة مِن غير دليل ما لم يَقُم دليل يحمله على الإطلاق. قال الماوردي والروياني في "باب القضاء": (إنه ظاهر مذهب الشافعي). وقال الماوردي في "باب الظهار": (إنه عليه جمهور أصحابنا).
وقال سُليم: إنه ظاهر كلام الشافعي. وحكاه القاضي عبد الوهاب عن جمهور
стр. 1695
أصحابهم.
ونقله إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، لكنه رَدَّه بقوله: (إن أقرب طريق هؤلاء أن كلام الله تعالى في حُكم الخطاب الواحد؛ فيترتب فيه المطلق على المقيد).
قال: (وهذا من فنون الهذيان؛ فإنَّ قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة، لبعضها حُكم التعلق والاختصاص ولبعضها حُكم الانقطاع. فمَن ادَّعَى تنزيل جهات الخطاب على حُكم كلام واحد مع العلم بأنَّ في كتاب الله تعالى النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة، فقد ادَّعَى أمرًا عظيما) (١). وأطال في ذلك.
والمذهب الثاني: أنه لا يحمل عليه بنفس اللفظ، بل بدليل آخَر من قياس ونحوه، كما يخصَّص العموم بالقياس. فإنِ انتظم قياس بشروطه أو غيره كذلك قُيِّد به وإلا فالمطلق باقٍ على إطلاقه والمقيَّد على تقييده. وهذا هو الأظهر مِن مذهب الشافعي كما قاله الآمدي وصححه هو والإمام الرازي وأتباعهما.
وإليه أشرت بقولي في النظم: (أَيْ: بِالْقِيَاسِ حُمِلَا). فيحتاج كل حَمْلٍ إلى عِلة جامعة يقع بها الإلحاق.
ففي المثال السابق -وهو تقييد الرقبة بالإيمان- الجامِعُ كَوْنُ كل منهما كفارة، وفي تقييد اليدين في التيمم بالمرافق الجامعُ أنَّ كلًّا منهما طهارة في حدث في أعضاء منها اليدان.
وممن ذهب إلى هذا القول القفال الشاشي، ونقل عن ابن فورك، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين وابن القشيري والغزالي وابن برهان وابن السمعاني.
ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": إنه الأقرب.
стр. 1696
واختاره القاضي أبو بكر ونَسبه للمحققين، وقال: لو كان تقييد المطلق لِتَقيُّد المقيَّد، لجاز إطلاق المقيَّد لإطلاق المطلَق، وهو لا يجوز إجماعًا. أي: لأن الذي لا يحمل المطلق على المقيد يعمل بالمقيد في محله بلاشك.
ونقله الماوردي أيضًا عن ابن أبي هريرة، ونقله القاضي عبد الوهاب عن جمهور المالكية وغيرهم، ونقله الأستاذ أبو منصور عن ابن سريج، ونقله الروياني عن بعض أصحابنا وضعَّفه كما ضعفه الماوردي، ونُقل عن كثير غير هؤلاء.
على أنَّ بعض المتأخرين زعم أن هذا كله لا يقاوم ما سبق من النقل في المذهب الذي قبله عن نفس الشافعي ومذهبه وهُم أعرف بذلك.
لكن في "مناقب الشافعي" لابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى: (سمعت الشافعي يَعِيب على مَن يقول: لا يُقاس المطلَق من الكتاب على المنصوص. وقال: يلزم مَن قال هذا أنْ يُجيز شهادة العبيد والسفهاء؛ لأن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال: ولكن المطلق يقاس على المنصوص في مِثل هذا، فلا يجوز إلا العدل). انتهى
وهو صريح في أن الحمل بالقياس.
وقال ابن برهان: كل دليل يجوز تخصيص العموم به يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا؛ لأنَّ المطلق عام مِن حيث المعنى، فيجوز التقييد بفعله ﵇ وتقريره - خلافًا لبعضهم - وبمفهوم الخطاب.
وقال ابن فورك وإلْكِيَا والقاضي عبد الوهاب: إنَّ القائلين بأنه قياس اختلفوا: هل القياس تخصيص للمطلق؟ أو زيادة فيه؟ والصحيح الأول، صححه عبد الوهاب وغيره.
وفي "المنخول" للغزالي: (إن القائلين بالقياس اختلفوا، فقيل: لا يجوز الاستثناء من محل
стр. 1697
التقييد، فليكن من محل آخر، وهو عدم إجْزَاء [المرتد] (١) بالإجماع).
قال: (وهذا باطل، وإنَّ المستنبط مِن محل التقييد إنْ كان مخيلًا صالحاً، قُبِل، وإلا فهو باطل؛ لعدم الإخالة) (٢).
والمذهب الثالث: قال الماوردي: أَوْلى المذاهب يُعمل بالأغلظ حُكمًا من المطلق والمقيد إلا أنْ يدل على الحملِ على الآخَر دليلٌ.
الرابع: التفصيل بين أن يكون القيد في المقيد وصفًا فيحمل المطلق عليه كالإيمان في الرقبة كما سبق، أو ذاتًا فلا، كالتقييد بالمرافق في الوضوء دُون التيمم. وهو حاصل كلام الأبهري الآتي نقله في الشروط. وحينئذٍ فيكون هذا القول هو عَيْن القول بحمل المطلق على المقيد، وغايته أن ذلك شَرْطه.
الخامس: لا يحمل المطلق على المقيد مطلقًا، لا من حيث القياس ولا من حيث اللغة باللفظ. وهو مذهب الحنفية، ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر المالكية بعد أن قال: إن الأصح عندهم أنه يحمل عليه قياسًا؛ لأن تقييد الخطاب في محل لا يقتضي تقييده في محل آخر؛ كما أن تخصيص العموم في موضع لا يوجب تخصيص العموم في موضع آخر.
ومنشأ خلافهم في المسألة أمور:
أحدها: أن المطلق هل هو ظاهر فيما يشمله؟ أو نَص فيه؟
فإنْ قُلنا: نَص، فلا يحمل على المقيَّد بالقياس، لأنه يكون نسخًا، والنسخ بالقياس ممتنع.
ثانيها: أن الزيادة على النص نَسخٌ عندهم وتخصيصٌ عند الشافعي كما نقله في "المنخول" عنه والنسخ لا يجوز بالقياس، ويجوز التخصيص.
стр. 1698
ثالثها: عدم حُجية المفهوم عندهم، فلا يحمل المطلق عليه؛ لذلك.
تنبيهات
الأوَّل:
يُشترط في حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة السادسة شروط:
منها: أن يكون القيد صفة، نحو تقييد الرقبة بالإيمان، لا ذاتًا كالإطعام في كفارة القتل، فلا يحمل على الظهار في وجوبه عند تعذُّر صوم الشهرين على أصح قولَي الشَّافعي، وكحَمل التَّيمم في الأعضاء الأربعة على الوضوء في ذلك، بل يقتصر على الوجه واليدين.
قال الماوردي: (ولذلك حمل إطلاق اليدين في التَّيمم على قيد المرافق في الوضوء؛ لأنَّ ذلك صفة في اليدين، لا أصل مستقل كما في الرأس والرجْلين) (١). انتهى
ومنهم مَن منع ذلك؛ لأنَّه في ذات الساعدين زيادة على الكوعين. ومَن ثَم رجح ذلك النووي، فقال: يجب المسح في التَّيمم للكوعين.
وممن ذكر هذا الشرط القفال الشاشي والشَّيخ أبو حامد والماوردي والروياني، ونقله [المازري] (٢) عن الأبهري من المالكيّة.
إلَّا أن القفال مَثَّل بالتيمم إلى المرفقين للصفة كما زعمه الآمدي.
وفيه ما سبق مِن أنَّه حمل في ذاتٍ، لا في صفة.
وقضية رد أصحابنا على الحنفية (في منعهم حمل المطلق على المقيد لكونه زيادة على
стр. 1699
النص) [بأنَّ] (١) زيادة الصفة ليست زيادة؛ لدخولها تحت المطلق -أنَّ إثبات الذّات بالحمل لا يجوز اتفاقًا؛ لأنَّه زيادة قطعًا.
لكن الماوردي نقل عن ابن خيران في "باب القضاء" أن المطلق يحمل على المقيد في الأصل أيضاً، كإثبات الطَّعام في كفارة القتل. أي: على أحد القولين.
ومن أمثلة عدم إثبات أصل بالحمل: إذا اختار المُحْرِم في جزاء الصيد إخراج الطَّعام، فيُفرِّقه على ثلاثة؛ لأنَّ "مساكين" جمعٌ أقَله ثلاثة، ولا يوجِب عليه إطعام ستة حَملًا على كفارة الإتلاف في الحج، فإنَّه يجب لستة؛ لأنَّ ذلك زيادة ذوات ثلاث.
ومنها: أن لا يتردد المطلق بين مقيدين متضادين يحتمل حَمْله على كل منهما. وسيأتي بيان ذلك في الفرع الآتي.
ومنها: أن لا يكون في الإباحة. ذكره ابن دقيق العيد في حديثي المحرم إذا لم يجد نعلين فإنَّه يلبس الخفين. فقال هناك: إنَّ المطلق لا يُحمَل على المقيد في جانب الإباحة؛ إذْ لا تَعارُض.
ومنها: أن لا يمكن الجمع بين المطلق والمقيد. فإن أمكن، فلا يُحمل أحدهما على الآخَر.
ذكره ابن الرفعة في "المطلب"، قال: كحديث ابن عمر: "من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع" (٢). وفي رواية: "مَن باع عبداً فماله للبائع" (٣) بدون ذِكر
стр. 1700
"وله مال". فإن الرّواية الأُولى تقتضي أنَّ بعض العبيد لا يكون له مال، فتكون الإضافة فيه للتمليك. والمال فيه محمول على ما يُملِّكه السيد إياه، وليس كل عبد يملّكه السيد مالاً. والثانية تشمل كل عبد، فكانت الإضافة فيها إضافة تخصيص، لا تمليك، فيحمل على ثيابه التي عليه؛ فإنَّه لابُدَّ غالبًا لكل عبد مِن ثياب.
قال: فهذه الرِّواية مُطلقة تنزل على ما ذكرناه، فلا حاجة إلى تقييدها بحالة تمليك السيد المال؛ لأنَّ الجمع ممكن.
ومنها: أن لا يكون المقيد ذُكِر معه قَدْر زائد يكون ذلك القيد لأجله، كـ. "إنْ قتلت، فأعتق رقبة"، وفي موضع: "إن قتلت مؤمنًا، فأعتق رقبة مؤمنة"، فلا يحمل المطلق هنا على المقيد؛ لأنَّ التقييد إنما جاء للقدْر الزائد؛ فيقتصر عليه.
ولذلك لَمَّا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وفي الآية الأخرى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] فقال أصحابنا: يحمل مطلق الآية الثَّانية على تقييد الأُولى بأن يموت وهو كافر. خلافًا لأبي حنيفة حيث قال بإحباط العمل بالرّدة وإنْ لم يتصل بالموت.
فبحث فيه بعض المحقّقين بأن في المقيد زيادة يَرْجِع القيدُ لها ليست في المطلق، فكيف يحمل على المقيد؟ والزيادة هي الخلود في النَّار، وَمن لم تتصل رِدَّته بالموت بل أَسْلَم قَبْله، لا يخلد في النَّار.
وأيضاً فالآيتان عام وخاص، لا مطلق ومقيد.
على أنَّ الآية المطْلَقة التي تَعلَّق بها الحنفية فيها: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، وذلك لا يكون فيمن عاد للإسلام؛ ولأجْل ذلك نَصَّ الشَّافعي في "الأم" على أن الرِّدَّة بمجردها تُحبط العمل وإنْ لم تتصل بالموت -على معنى: ذهاب الأَجْر.
стр. 1701
ومنها: أن لا يمنع مِن الحمل مانع، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية، لم يُقيد بالدخول وقيدت به في عِدة الطلاق في قوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية، فلا يقيد في الموت بالدخول؛ للمانع، وهو بقاء أحكام الزوجية بعد الموت، وهو أنَّها ترثه وتُغسله، بخلاف المطلَّقة بائنًا، فمنع ذلك من التّقييد والتخصيص.
الثَّاني:
وقع في "الوسيط" للغزالي في "باب قطاع الطَّريق" أنَّ المقيد يحمل على المطلق عكس ما هو المذهب، وذلك حيث احتجَّ للقول بأنَّ توبة قاطع الطَّريق بعد القُدرة عليه تُسقط عنه الحد.
قال: (لأنه تعالى خصص هنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، وأَطلَق في آية السرقة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]) (١).
أي: فيُعمل بالمطلَق وهو سقوط حد القاطع، قُدِر عليه أو لم يقدر؛ حملًا على عموم آية السرقة.
قلتُ: ويمكن أنَّه فعل ذلك لأنَّه عام، لا مطلق. وآية التّقييد ذِكْر بعض أفراد العام، وقد سبق بيان ذلك.
نعم، عمل الأصحاب بذلك في صورة، وهي حديث: "يمسح المسافر ثلاثة أيَّام بلياليهن" (٢). لا يتقيد بهذه الإضافة، بل ثلاث ليالٍ مع الأيَّام مطلقًا؛ حملًا على إطلاق:
стр. 1702
"يمسح المقيم يومًا وليلة" (١).
قلتُ: يجوز أن يكون ذلك لتوجه المعنى، فيلحق قياساً لما سبق من اشتراط نفي الدليل على العمل بالمطلق مطلقًا.
الثالث: اللفظ المطلق إذا تَطرق إليه التّقييد، حكى فيه السمناني في "الكفاية" الخلاف في الاحتجاج بالعام بعد التخصيص.
وفيه نظر؛ فإن المطلَق هنا صار بعد التّقييد مرادًا به المقيَّد ليس إلَّا، وإلا فلا فائدة في الحمل. إذْ لو قِيل بالعمل بالمطلَق فيما بقي من الأفراد، لم يتحقق حَمْلُ المطلَق فيه على المقيَّد.
الرابع: قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" في قولهم: (إنَّ المطلَق يُكتفَى بالعمل به مَرة، فلا يكون حُجَّة فيما زاد): إنَّه إنْ أُرِيدَ يُكتفَى به فِعلاً فمُسلَّم، أو حَمْلًا عليه فممنوع. فإذا قال: "أَعتِق رقبة" وأعتقت، لا يَلزم إعتاق أخرى؛ لحصول المقصود مِن غير أن يكون هناك عموم. وكذا "إنْ دخلتِ الدار فأنتِ طالق" فدخلت مرَّة، انحلت اليمين، بخلاف ما إذا قال: "أعتق رقبة" وحملناها على المؤمنة، فإنَّه يمتنع إجزاء الكافرة. والله أعلم.
ص:
فرع:
٦٨٩ - الْمُطْلَقُ الَّذِي لَهُ قَدْ وَرَدَا ... قَيْدَانِ فِيهِمَا تَنَافٍ قَدْ بَدَا
٦٩٠ - يَكُونُ بِالْأُولَى مُقَيَّدًا، وَإنْ ... تَسَاوَيَا، فَالْغِ كلَيْهِمَا، وَدِنْ
٦٩١ - بِمُطْلَقٍ، قُلْتُ: وَنَصُّ الشَّافِعِيْ ... في "الْأُمِّ" ثُمَّ في "الْبُويطِيْ" التَّابع
стр. 1703
٦٩٢ - بِأنَّهُ يُعْمَلُ بِالْقَيْدَيْنِ ... أَيْ: [مبهم] (١) مُنْحَصِر في ذَيْنِ
٦٩٣ - وَذَاكَ في غُسْل مِنَ الْكَلْبِ وَرَد ... "إحْدَى" فَفِي "أُولَى" وَ"أُخْرَى" الْمُسْتَنَدْ
الشَّرح:
أي: تفرع عمَّا سبق في حمل المطلق على المقيد أنَّه لو كان مقابل المطلق مقيدان متضادان، فعَلَى أيهما يحمل؟ يُنظر:
إمَّا أن يكون السبب مختلفًا، فلا يجوز حمل المطلق على أحدهما إلَّا بدليل، وحينئذٍ فما لم [يدل] (٢) قياس ولا غيره على الحمل عليه، يفرض عدمًا، ويحمل على ما دل عليه الدليل. ولأجل ذلك لم أذكر في النَّظم هذه الحالة، بخلاف الحالة الآتية.
وقد سبق أنَّ مِن شروط حمل المطلق على المقيد أن لا يتردد بين مقيدين متضادين، ووعدنا ببسطه هنا، فنقول:
ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور والشَّيخ أبو إسحاق في "اللمع" وإلْكِيا.
وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الاتفاق، ولكنه ليس بجيد؛ فقد حكى القفال الشاشي فيه خلافًا لأصحابنا، ولم يرجِّح شيئًا.
وممن ذكره الماوردي في "باب الكفارات" ومَثَّله بالصيام في كفارة اليمين [بأنَّ] (٣) في وجوب تتابعه قولان، أصحهما المنع؛ لأنَّه دائر بين قيدين: التتابع في صوم الظهار، والتفريق
стр. 1704
في صوم التمتع في الحج، وليس أحدهما أوْلى مِن الآخَر؛ فيبقى على إطلاقه.
وكذا ذكره الروياني في "باب كفارة اليمين" وغيرها، قال: وهذا مما سبق الشَّافعي إليه ولم يُسبق فيه.
ومَثَّله بعضهم بتردد إطلاق اليدين في التَّيمم بين الوضوء المقيَّد بالمرافق وقطع السرقة المقيَّد بالكوع بالإجماع. ولكن الأَشبَه به أَرْجَح في الحمل وهو الوضوء؛ لأنَّ التَّيمم بَدَلُه، وهُما طهارتان.
فإن لم يوجد مرجِّح، قال إلْكِيَا: يجب الوقف.
وكذا قال الإمام في "المحصول": (إنَّ مَن لا يرى تقييد المطلق أصلًا، لا يقيد هنا بأحدهما. ومَن يرى أنَّ التقيد باللفظ لا بالقياس، لا يقيده أيضاً بأحدهما. ومَن يراه بالقياس فيُلحقه بما القياس عليه أَوْلى) (١). انتهى
ولهذا قيل: يرجح حمل مطلق الصوم في كفارة اليمين على كفارة الظهار في التتابع، لا على صوم التمتع في التَّفريق، لاسيما والتفريق فيه ليس هو التَّفريق المراد بين كل يوم مع آخر، بل في موضع واحد.
والشافعي له قولان في وجوب التتابع في كفارة اليمين، الجديد: المنع، لا لعدم حمل المطلق على أَوْلى القيدين، بل لعدم وجوب ما في صوم الظهار والقتل من التغليظ بالشهرين، فغلظ بالتتابع أيضاً؛ لعظم مفسدتهما. وليس ذلك في كفارة اليمين؛ لِخِفَّة الأمر، لاسيما إذا كان الحنث خيرًا.
وإنْ كان السبب واحدًا: وهو ما ذكرته في النَّظم، فإن كان حملُه على أحدهما أرجَح مِن الآخَر بأنْ كان القياس فيه أظهر، قُيِّد به؛ لأنَّ العمل بالقياس الأَجْلَى أَوْلى.
стр. 1705
فإن تَساويَا، فيُعمل بالمطلَق، ويُلغَى القيدان. كالبَيِّنتيْن إذا تعارضتَا، فإن الأرجَح فيهما لتساقط وكأن لا بَيِّنَة هناك.
وهو معنى قولي: (فَالْغِ كِلَيْهِمَا، وَدِنْ)، فحذفت الهمزة من "ألغ"؛ لضرورة النظم. ومعنى قولي: "دِنْ" أي: اعمل بالمطلق دِينًا وشرعًا.
ولك أن تدخل مسألة المختلفين في قول النَّظم أنَّه يتقيد بالأَوْلى من المقيدين، وإنْ تساويَا، عُمِل بالمطلق.
ويُمثَّل بقوله تعالى في قضاء رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفي كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنَّه متردد - كما سبق- بين صوم الظهار والقتل وبين صوم التمتع.
نعم، ما ذكر في مسألة اتحاد السبب إذا لم يكن أَوْلى بأحد القيدين مِن طرحهما والعمل بالمطلق هو ما أجاب به القرافي قول بعض الحنفية له: إنَّ الشَّافعية خالفوا قاعدتهم في حمل المطلق على المقيد في حديث الولوغ، فإنَّه قد جاء: "إحداهن بالتُّراب" (١) وهو مطلق، وجاء في رواية: "أُولاهن" (٢) وفي رواية: "أُخراهن" (٣)، وهُما قيدان متنافيان، فلم يحملوا، وجَوَّزوا
стр. 1706
التتريب في كُلِّ مِن السبع.
فقال له القرافي: (ذلك إنَّما هو حيث يكون قيداً واحدًا، أما في القيدين فيُعمل بالمطلق) (١).
وما ذكره هو ما جَرَى عليه أصحابنا في الفقه مِن عدم تَعَيُّن شيء مِن السبع، وقالوا: التتريب في الأُولى أَوْلى، لا واجب. لكن نَصَّ الشَّافعي في "الأم" على تَعيُّن الأُولى أو الأَخيرة، وكذا نَصَّ فيما نقله البويطي في "مختصره"، وهو معنى قولي: (ثُمَّ في "الْبُوَيْطِيْ" التَّابع) أي: الذي هو مِن أتباع الشَّافعي الآخِذين بنصوصه، فهو عمل بالقيدين على معنى أن الواجب أحدهما لا بِعَيْنه، وأحدهما قَدْر مشترك، فهو القيد، لا كُل مِن [المشخصين] (٢)، وفائدته دَفْع الخمسة المتوسطة بين الأُولى والأخيرة.
وبحث الشَّيخ تقي الدين السبكي في ذلك أنَّه ينبغي وجوبه في كليهما؛ لورود الحديث فيهما ولا تَنافي في الجمع بينهما.
قلتُ: لكن الشَّافعي إنَّما عَوَّل في إحدى المرتين -الأُولى والأَخيرة- على حديث التّقييد بذلك كما سنذكره.
وقد جريتُ في النَّظم على ما نقلوه عن النَّصُّ أنَّه عمل بالقيدين، أي: بالإبهام، فاعْلَمه.
فأمَّا نَص الشَّافعي في "الأم" فذكره في باب ما ينجس الماء مما خالطه، فقال: (أخبرنا سفيان، عن أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أُولاهن أو أُخراهن بالتراب") (٣).
стр. 1707
وأورد أحاديث أخرى، وقال في النجاسة: (فإن غسل واحدة يأتي عليه طهر، وهذا مِن كل شيء خالطه إلَّا أن يشرب فيه كلب أو خنزير فلا تطهر إلَّا بأنْ يغسل سبع مرات. وإذا غسلهن سبعًا، جعل أُولاهن أو أُخراهن بتراب، لا تطهر إلَّا بذلك) (١).
ولفظ نَص "البويطي" في أثناء "باب غسل الجمعة" قال (يعني الشَّافعي): (وإذا ولغ الكلب في الإناء، غُسل سبعًا أُولاهن أو أُخراهن بالتُّراب، فلا يُطهره غير ذلك، وكذلك رُوي عن رسول الله ﷺ ). انتهى
وهو يشير إلى ما سبق عن "الأم" مِن ورود الحديث بالتقييد بالأُولى أو الأخيرة. وإذا كان الحديث كذلك، فليس مما نحن فيه مِن ورود مقيدين متنافيين.
فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يعمل الأصحاب بذلك؟ بل جوَّزوا أن يكون التُّراب في إحداهن إلَّا ما ذكره المرعشي في ترتيب الأقسام مِن التّقييد كما في "البويطي" و "الأم".
قلتُ: لأنَّ الشَّافعي نَصَّ على ذلك أيضاً، ففي "عيون المسائل" ما نَصه: إلَّا أن يشرب فيه كلب أو خنزير فلا يجزئ إلَّا غسلها سبعًا إحداهن بالتُّراب، لا يطهر إلَّا بذلك.
ولفظة: "إحداهن" كما نقلها في "عيون المسائل" عن الرَّبيع عن الشَّافعي نقلها حرملة عن الشَّافعي. كذا أفاده شيخنا شيخ الإسلام البلقيني في كتاب "ترتيب الأم".
قلتُ: ونَصُّ الشَّافعي السابق لا يُنافي هذا المذكور؛ لأنَّ هذا كالمجمَل وذاك تفصيل له، أو مطلق وذاك تقييد له. فَتَأَمَّله.
стр. 1708
واعْلَم أنَّ حكايتهم حديث: "أخراهن" بالانفراد إنما أخِذت من رواية: "وعفروه الثامنة بالتراب" (١)، وليس فيها دليل؛ فإن المراد بها أن الثامنة زيادة على السبع بالماء. فسواء تَقدمت أو توسَّطت أو تأخرت هي ثامنة مِن حيث إنَّها تراب، وهي إحداهن من حيث المزج بواحدة؛ ولهذا شُرط المزج وإنْ رجح السبكي الاكتفاء بتعفير التُّراب، ومحل بيان ذلك الفقه.
تنبيه:
السؤال المذكور عن بعض الحنفية لازِم للحنفية أيضاً، فإنهم يحملون المطلق على المقيد إذا اتفق السبب والحكم. ونظير هذا السؤال سؤالان آخَران:
أحدهما: أنَّ أبا حنيفة قال: (لَّا يجري التحالف بين المتبايعين إلَّا إنْ كانت السلعة قائمة، أما في التالفة فالقول قول المشترى). وعندنا يتحالفان مطلقًا مع أنَّه روي عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان، تحالفاً" (٢) ورُوي بقيد: "والسلعة قائمة" (٣)، فلِمَ لا حُمل المطلق على المقيد عندنا؟
وجوابه: أنَّه وَرَدَ بقيد آخَر ضد ذلك، وهو: "إذا اختلف المتبايعان و [المبيع] (٤) مستهلك، فالقول قول البائع" (٥). رواه الدارقطني. فرجعنا إلى أصل الإطلاق أو الانحصار
стр. 1709
في [القيدين] (١)؛ [إذْ لا غيرهما] (٢)، فانحصر العمل بِأحد [المقيدين] (٣) وهو العمل بالمطلق.
وأيضاً: [فالمقيِّدان] (٤) ضعيفًا الإسناد، وأمَّا قول الغزالي في كتاب "المآخذ": (إنَّ المقيَّد بقيد "الهلاك" أَجمع أهل الحديث على صحته) فممنوع؛ لِمَا ذكرناه.
وأيضاً: فلأنه إذا كان التحالف مع قيام السلعة مع إمكان الاستظهار بالرجوع إلى القيمة وتَعَرُّف صفاتها، فالتحالف مع تلفها وعدم إمكان الرجوع إلى صفاتها أَوْلى.
ثانيهما:
أنَّ في كتاب "فريضة الصدقة" في فريضة الإبل: "فإن زادت على عشرين ومائة" (٥)، جاءت الزيادة مقيدة في حديث ابن عمر: "فإن زادت واحدة" (٦). فلا يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة إلَّا ما في مائة وعشرين. فلِمَ لا حُمل المطلق على المقيد؟
وجوابه: أنَّا حملْنا وقُلنا: الواجب حقتان.
إنَّما يَرِد ذلك على الإصطخري الذي يقول: (إنَّ مطلق الزيادة كافٍ). فيجب عنده في الزائد -[ولو بعض] (٧) الحادي والعشرين- ثلاث بنات لبون. والله أعلم.
стр. 1710
الفصل الرابع في "الظاهر" و "المؤَوَّل"
٦٩٤ - تَفْسِيرُ كُلٍّ وَصَحِيحُ الثَّانِي ... وَفَاسِد - لَهَا مَضي بَيَانِي
٦٩٥ - لَكِنْ نَقُولُ: إنْ وَهَى الدَّلِيلُ ... فَعِنْدَ ذَاكَ يَضْعُفُ التَّأوِيل
٦٩٦ - كحَمْلِ "أَمْسِكْ أَرْبَعًا" عَلَى: ابْتَدِي ... نِكَاحَهُنَّ، مَا لَهُ مِنْ عَضُدِ
٦٩٧ - وَنَحْوه ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ عَلَى ... سِتِّينَ مُدًّا، مِثْلُ ذَا لَنْ يُقْبَلَا
الشَّرح:
أي: هذا الفصل فيما سبق مِن [أحد] (١) المهمات مِن أقسام القول، وهو: "الظاهر" و "المُؤَوَّل". وقد سبق تفسير كل منهما في مباحث الأقوال، وسبق أن التأويل ينقسم إلى صحيح وفاسد وتفسير كل منهما.
فقولي: (لَهَا) أي: للأمور الثلاثة (مَضى بَيَانِي) فتعلق اللام بالمصدر وهو "بيان"، والإشارة بالسبق إلى قولي في تقسيم المنطوق إلى "نص" و "ظاهر".
(وَالَّذِي قَدْ ضَعُفَا فِيهِ احْتِمَالٌ "ظَاهِرٌ" قَدْ عُرِفَا) أي: "الظاهر" ما يدل على معنى مع احتمال إرادة معنى غيره مرجوح، بخلاف "النَّصُّ"، فإنَّه الذي لا يحتمل غير معنى.
وسواء في "الظاهر" أن يكون:
стр. 1711
- دلالته من حيث اللُّغة، كـ "الأسد" مع احتمال الشجاع.
- أو من حيث العُرْف، كـ "الغائط"، فإنَّه يحتمل معناه الأصلي وهو المكان المطمئن.
- أو من حيث الشرع، كـ "الصَّلاة" مع احتمال إرادة الدعاء كما في ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وأصل "الظاهر" في اللُّغة: الواضح.
وأمَّا المؤول تأويلًا صحيحًا أو فاسدًا فسبق في قولي:
وَإنْ عَلَى الْمَرْجُوحِ جَا دَلِيلُ ... فَتَرْكُ ظَاهِرٍ لَهُ تَأْوِيلُ
صَحِيحٌ، اوْ مَا أَشْبَهَ الدَّلِيلَا ... فَفَاسِد، وَلَيْسَ ذَا مَقْبُولَا
أَوْ لَا لِشَيْءٍ أبدًا فَلَعِبُ ... وَلَيْسَ في التَّأوِيلِ هَذَا يُحْسَبُ
وسبق شرح ذلك كله.
وقولي هنا: (لَكِنْ نَقُولُ) أي: نزيد هنا على ما سبق أنَّ التأويل إذا كان دليله ضعيفًا، كان مردودًا كما سبقت الإشارة إليه هناك، ويُسمى "التأويل البعيد"، بخلاف ما دليل إرادة الخفي فيه قوي، فإنَّه صحيح، ويسمى "التأويل القريب".
فمن القريب بل المتعين تأويل آيات الصفات والأحاديث المشْكلة، فإن الدليل العقلي والشرعي قائم على عدم إرادة ظاهره، بل اتفاق السلف والخلف على منع حمله على الظاهر إذا خالف التنزيه. وقد سبق تقرير ذلك مرات (١).
وأمَّا في أدلة الأحكام الفرعية فكثير، كتأويل: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
стр. 1712
بالسواك" (١) أي: أمر إيجاب، فإن مطلَق الأمر قد ورد في قوله: "استاكوا" (٢).
وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا.
وأمَّا التأويلات البعيدة فذكرت في النَّظم منها مثالين:
أحدهما: تأويل الحنفية قوله ﷺ لغيلان بن سلمة وقد أسلم على عشر نسوة: "أَمْسِك أربعًا وفارق سائرهن" (٣) على أن المراد: ابتدئ نكاح أربع إنْ شئت بعد مفارقتك [مَن] (٤) تقرر نكاحه مِن الأربع الأوائل.
ونحوه تأويل "الأربع" بالأوائل، أي: أمسك الأربع الأوائل وفارق سائرهن، وهو مَن بقي بعد الأوائل.
ووَجْه بُعده أن مخاطبة مَن تَجدد إسلامه مِن غير سَبْق بيان لشروط النكاح بذلك مع أن الحاجة داعية إليه لِقُرْب عَهْده بالإسلام -في غاية البُعد، ومع أنَّه لم ينقل تجديد قط لا منه ولاِ من غيره.
وأيضًا: فالابتداء يحتاج إلى رِضَى مَن يبتدئها، ويصير التقدير: فارِق الكل، وابتدِئ بعد ذلك مَن شئت. فيضيع قوله: "اختر أربعاً"؛ لأنهن قد لا يرضين -أو بعضهن- أن يرجع إليه.
стр. 1713
وأيضًا: الأمر للوجوب، وكيف يجب عليه ابتداؤه وليس بواجب في الأصل؟
ومن ثَمَّ قال أبو زيد مِن الحنفية: هذا الحديث لا تأويل فيه، ولو صح عندي لقُلتُ به.
ولهذا قلتُ في النَّظم: (مَا لَهُ مِنْ عَضُدِ)، أي: ليس لتأويلهم بذلك شيء يعتضد به. وقد سبق فوائد تتعلق بهذا الحديث في قاعدة: "ترك الاستفصال"، فليراجع.
قال ابن الحاجب: (وأمَّا تأويل قوله ﷺ لفيروز الديلمي وقد أَسلم على أختين: "اختر أيتهما شئت" (١) فأبعد) (٢).
أي: تأويله بمثل ما سبق في حديث غيلان أَبْعَد؛ لِما سبق مِن الأمرين، وزيادة أمر ثالث وهو التصريح بقوله: "أيتهما شئت"، لظهوره في أن التَّرتيب غير معتبَر.
ولهم أيضاً تأويل ثالث يشملهما، وهو أنَّه لعل هذا كان قبل حَصر النساء وقَبْل تحريم الجمع بين الأختين. وهو مردود بما سبق.
المثال الثَّاني:
تأويلهم قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] على إطعام طعام ستِّين مسكينًا، وهو ستون مُدًّا ولو كان ذلك لمسكين واحد في ستِّين يومًا؛ لأنَّ المقصود دفع الحاجة، وحاجة ستِّين كحاجة واحد في ستِّين يومًا؛ فاستويَا في الحكم.
ووجْه بُعْده أنَّه تعطيل للنَّص؛ إذ جعلوا [المعدوم] (٣) -وهو "طعام"- مذكورًا، فيصح كونه مفعولًا لِـ "إطعام"، وجعلوا المذكور -وهو "ستِّين مسكينًا"- عَدمًا مع صلاحيته لكونه مفعولًا لِـ "إطعام" مع ظهور قصد العدد؛ لفضل الجماعة وبركتهم وتظافُر قلوبهم على
стр. 1714
الدعاء للمحسن، وهذا لا يوجد في الواحد؛ ولهذه الحكمة شُرِعَت الجماعة في الصَّلاة وغيرها.
وأيضًا فلا يجوز استنباط معنى مِن النَّصُّ يعود عليه بالإبطال.
قال إمام الحرمين: (ولأنَّ "أطعم" يتعدى إلى مفعولين، والمهم منهما ما ذُكر، وغير المهم هو المسكوت عنه، وقد ذكر الله عدد المساكين وسكت عن ذِكر [الطَّعام] (١)، فاعتبروا المسكوت وتركوا المذكور، وهو عكس الحق) (٢).
وانتصر المازري (٣) للحنفية بوجهين: فقهي، ونحوي:
فالفقهي: أنَّه لا يَلزم مِن قولهم إبطال النَّصُّ إلَّا إذا جوَّزوا إعطاء المسكين الستين مُدًّا دفعةً، أما في ستِّين يومًا فكل يوم ذلك المعطَى يَصدُق عليه أنَّه مسكين. فإذا أطعِم في ستِّين يومًا، كان إطعام ستِّين مسكينًا؛ لأنهم لم يُعيِّنوا المعطَى، إنَّما ذلك على سبيل الاتفاق مثلًا.
وأمَّا النّحوي: فذكر أن سيبويه يُقدِّر المصدر بـ "ما" ويقدره بـ "أن". فهنا يُقدَّر بـ "ما"، أي: فما يُطعِم ستِّين مسكينًا. وإليه جنح أبو حنيفة. وغيرُه يُقدِّر بـ "أن".
ورُدَّ الأوَّل بأنَّ تعطيل النَّصُّ بالاتحاد حاصل سواء في ستِّين يومًا أو دفعةً، وقد سبق حِكمة الجمع.
ورُدَّ الثَّاني بأنَّ الذي يُقدِّره سيبويه إنَّما هو في المصدر العامل، يُقدِّره بالحرف المصدري مع الفعل على تفصيله المشهور في الماضي والحال والمستقبل.
قال ابن السبكي: (وقد أرسلتُ إلى الشَّيخ جمال الدين ابن هشام وهو أَعْلَم هذه
стр. 1715
الأقاليم الآن بالعربية، فقال: لا يعْرف ما قاله المازري في كلام سيبويه) (١). انتهى
وحينئذٍ فما قاله المازري إنَّما هو إذا كانت "ما" موصولة بمعنى "الذي" حتَّى يكون مُعبّرًا به عن الأمداد التي هي الطَّعام.
ومن أمثلة البعيد أيضاً تأويلهم قوله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارَقُطْني عن عائشة: "أيُّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢) على الصغيرة والأَمَة والمكاتِبة.
ووجه بُعده أنَّ الصغيرة ليست بامرأة في لسان العرب، وقد ألزموا سقوط هذا التأويل على مذهبهم، فإن الصغيرة لو زوجت نفسها، كان العقد عندهم صحيحًا [لكن] (٣) يتوقف على إجازة الولي. فلما ألزِموا بذلك، فروا إلى حمله على الأَمة، فألزموا بطلانه بقوله ﷺ : "فلها المهر" (٤). ومَهْر الأَمَة إنَّما هو لسيدها، ففروا مِن ذلك إلى حمله على المكاتبة، فقيل لهم: هو أيضاً باطل؛ لأنَّ صيغة العموم الصريحة [المؤكدة] (٥) بضم "ما" معها في قوله: "أيُّما" على صورة نادرة لا تخطر بالبال غالبًا وذلك بالنسبة للمخاطَبين في غاية البُعد.
وقد رتبها في "المختصر" وتبعه في "جمع الجوامع" لما قررناه في الجدال، وهو مِن المحاسن المغفول عن إدراكه.
стр. 1716
ومنها: حملهم حديث أبي بكر في "كتاب فريضة الصدقة" في "البُخاريّ": "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة" (١) وفي رواية أبي داود والترمذي مِن حديث ابن عمر: "وفي الغنم في أربعين شاة شاة" (٢) على أنَّ المراد: في أربعين شاة قيمة شاة؛ لأنَّ اندفاع الحاجة كما تكون بالشاة تكون بالقيمة.
وهو يؤدِّي إلى بطلان الأصل؛ لأنَّه إذا وجبت القيمة، لم تجب الشَّاةِ؛ فعاد هذا الاستنباط على النَّصُّ بالإبطال، وذلك غير جائز.
قيل: وفيه نظر؛ لأنهم لم يُبطلوا إخراج الشَّاةِ، بل قالوا: يتخير بين الشَّاةِ وقيمة الشَّاةِ.
وهو استنباط يعود بالتعميم كما في "وليستنج بثلاثة أحجار" (٣) تعمم في الخِرَق ونحوها. وفي: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٤) تُعمَّم في كل ما يشوش الفكر، ولا يعود بالإبطال.
وأُجيب بأنَّ الشارع لَعلَّه راعَى أن يأخذ الفقير مِن جنس مال الغني، فيتشاركان في الجنس، فيبطل بالقيمة، فعاد بالبطلان مِن هذه الجهة، وباب الزكاة فيه ضرْب مِن التعبُّد.
стр. 1717
قلتُ: وأيضًا فإذا كان التقدير "قيمة شاة"، يكون قولهم بإجزاء الشَّاةِ ليس بالنص، بل بالقياس، [فيترك] (١) المنصوص ظاهرًا ويخرج ثم يدخل بالقياس. فهذا عائد بإبطال النَّصُّ لا محالة.
ومنها حديث: "لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام من الليل" (٢). وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجة عن ابن عمر على خلافٍ في رَفْعه ووَقْفه. ورواه الدارقطني عن عائشة [مرفوعًا] (٣). حملوه على صوم القضاء والنذر؛ بِناءً منهم على مذهبهم في صحة الفرض بِنِيَّة مِن النهار.
قال ابن الحاجب: (فجعلوه كاللغز) (٤).
أي: في حملهم العام على صورة نادرة. فإن ثبت ما ادَّعوه مِن الحُكم بدليل كما قالوا، فليُطْلَب لهذا الحديث تأويل قريب غير هذا، مِثل نفي الكمال، فقد قال إمام الحرمين: إنَّه أقرب مِن التأويل السابق.
قال: (وهو أقرب أيضاً مما قاله الطحاوي وتبجَّح به مِن أنَّ المراد النَّهي عن الاكتفاء بِنِيَّة صوم الغد في بياض نهار اليوم، بل عليه أن يؤخَر النيَّة إلى غيبوبة الشَّمس؛ حتَّى يكون بإيقاع النيَّة في الليل مُبَيِّتًا. وزعم أن هذا التأويل يجري في جميع أنواع الصوم فرضًا ونفلًا) (٥).
стр. 1718
قال الإمام: (وهو كلام غث لا أصل له، وهو يَحطُّ مِن مرتبة الطحاوي) (١).
وحاصل التأويل أنَّ "مَن لم يُبَيِّت" يشمل: مَن لم يَنْوِ أصلًا، ومَن قدَّم النيَّة على الليل فنوى قبل غيبوبة الشَّمس. فظاهر العموم بطلان صوم الجميع.
وقال الطحاوي: يستقر مَن لم يَنْوِ أصلًا ومَن قدَّم النيَّة على الليل، ويخرج عنه مَن أخرج النيَّة عن الليل وأوقعها في نهار الصوم بِناءً على القياس على التطوع المنصوص عليه.
وقد أطال الإمام في رَدِّه بما لا مزيد على حُسنه.
ومنها حملهم قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] في آيتَيِّ الفيء والغنيمة على الفقراء منهم دُون الأغنياء؛ لأنَّ المقصود دفع الخلة، ولا خلة مع الغني. فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أنَّ القرابة هي سبب استحقاقهم ولو مع الغِنَى.
فإن عللوا بالفقر وإنْ لم يكن قرابة، فعطَّلوا لفظ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]. وإنِ اعتبروهما معًا فلا يبعد، وغايته تخصيص عموم كما فعله الشَّافعي في أحد القولين في تخصيص اليتامى بذوي الحاجة.
نعم، هو أنزل مِن صنيع الشَّافعي في اليتامى؛ مِن وجهين:
أحدهما: أنَّه زيادة على النَّصُّ، كالإيمان في "رقبة"، وأبو حنيفة يرى ذلك نَسخًا، والنسخ لا يكون بالقياس واستنباط المعنى. بخلاف ما قال الشَّافعي في اليتامى، فإنَّه لا يرى الزيادة نسخًا.
الثَّاني: أن لفظ "اليتيم" مع قرينة إعطاء المال مُشْعِر بالحاجة، فاعتباره مأخوذ من نَفْس الآية. واليتيم إذا تَجرد عن الحاجة، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة، فإنَّها مناسبة
стр. 1719
للإكرام باستحقاق خمس الخمس.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية، حمله مالك على أنَّه بيان للمصرف دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء.
وقد نُقل عن الشَّافعي استبعاده، وذلك واضح؛ لأنَّ الاقتصارَ على صنْفٍ تعطيلٌ، لا تأويل؛ لأنَّ "اللام" للملك، والعطف للتشريك فيه. وقد وافقنا المالكيّة في ما لو أوصى بثلث ماله للفقراء وفي الرقاب وفي سبيل الله على أنَّه لا يجوز صرف الثلث إلى أحدها. ولذلك أوضح الشَّافعي مذهبه بمسألة الوصيَّة.
قال إمام الحرمين: (ولم يظن -يعني الشَّافعي- أنَّ أحدًا يُجيز أن يُقدم في مسألة الوصيَّة على منع) (١). انتهى
وقد أَحدث بعض المتأخرين منعًا؛ إلحاقًا لها بمصرف الصدقات.
ولم يَرْتَضِ ابن الحاجب أن التأويل في هذه الآية من البعيد.
قال: (لأنَّ مساق الآية قبلها [والرد] (٢) على لمزهم في المعْطِين ورضاهم في إعطائهم وسخطهم في منعهم يدل عليه) (٣).
أي: على أنَّ الغرض بيان المصرف.
وبالجملة فالجدال بين الفريقين في ذلك طويل، لا يليق بهذا المختصر. والقصد التمثيل. ومنها حديث: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه" (٤). رواه أحمد وابن حبان مِن حديث أبي سعيد
стр. 1720
مرفوعًا، وهو يُروى بالرَّفع على المحفوظ، وبه ينتهض استدلال الشَّافعي على أنَّه يحل بذكاة أُمه إذا لم يُقْدر على ذبحه.
وعند الحنفية تجب ذكاة الجنين مطلقًا، ويروون الحديث بنصب "ذكاة أُمه" على تقدير "كذكاة أُمه"، فنُصِبَ على إسقاط الخافض. وعلى هذا يحملون رواية الرفع على حذف مضاف، أي: "مِثل ذكاة أُمه"، ويوجهون النصب بتوجيه آخَر، وهو أنَّه منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع، والعامل فيه "ذكاة" الأُولى، والخبر محذوف، أي: "واجبة" أو: "لازِمة" أو نحو ذلك.
لكن أصحابنا وهَّموا رواية النصب، وقالوا: المحفوظ الرَّفع كما قاله الخطابي وغيره؛ إمَّا لأنَّ "ذكاة" الأُولى خبر مقدَّم، و "ذكاة" الثَّاني هو المبتدأ، أي: ذكاة أُم الجنين ذكاة له، وإلا لم يكن للجنين مزية. وحقيقة "الجنين" ما كان في البطن، وذبحه في البطن لا يمكن. فعُلم أنَّه ليس المراد أنَّه يُذكَّى كذكاة أُمه، بل إنَّ ذكاة أُمه ذكاةٌ له كافية عن تذكيته، ويؤيده رواية البيهقي: "ذكاة الجنين في ذكاة أُمه" (١). وفي رواية: "بذكاة" (٢).
فالنصب إنْ ثبت فهو على حذف هذا الخافض، لا على حذف الكاف كما زعموا.
قال ابن عمرون: تقديرهم حذف الكاف ليس بشيء؛ لأنَّه يَلزم منه جواز قولك: "زيد عمرًا" أي: "كعمرو". وأيضًا فحذف حرف الخفض مِن غير سبق فِعل يدل على التوسع