← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ومنها: حملهم حديث أبي بكر في "كتاب فريضة الصدقة" في "البُخاريّ": "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة" (١) وفي رواية أبي داود والترمذي مِن حديث ابن عمر: "وفي الغنم في أربعين شاة شاة" (٢) على أنَّ المراد: في أربعين شاة قيمة شاة؛ لأنَّ اندفاع الحاجة كما تكون بالشاة تكون بالقيمة. وهو يؤدِّي إلى بطلان الأصل؛ لأنَّه إذا وجبت القيمة، لم تجب الشَّاةِ؛ فعاد هذا الاستنباط على النَّصُّ بالإبطال، وذلك غير جائز. قيل: وفيه نظر؛ لأنهم لم يُبطلوا إخراج الشَّاةِ، بل قالوا: يتخير بين الشَّاةِ وقيمة الشَّاةِ. وهو استنباط يعود بالتعميم كما في "وليستنج بثلاثة أحجار" (٣) تعمم في الخِرَق ونحوها. وفي: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٤) تُعمَّم في كل ما يشوش الفكر، ولا يعود بالإبطال. وأُجيب بأنَّ الشارع لَعلَّه راعَى أن يأخذ الفقير مِن جنس مال الغني، فيتشاركان في الجنس، فيبطل بالقيمة، فعاد بالبطلان مِن هذه الجهة، وباب الزكاة فيه ضرْب مِن التعبُّد.

стр. 1717

قلتُ: وأيضًا فإذا كان التقدير "قيمة شاة"، يكون قولهم بإجزاء الشَّاةِ ليس بالنص، بل بالقياس، [فيترك] (١) المنصوص ظاهرًا ويخرج ثم يدخل بالقياس. فهذا عائد بإبطال النَّصُّ لا محالة. ومنها حديث: "لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام من الليل" (٢). وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجة عن ابن عمر على خلافٍ في رَفْعه ووَقْفه. ورواه الدارقطني عن عائشة [مرفوعًا] (٣). حملوه على صوم القضاء والنذر؛ بِناءً منهم على مذهبهم في صحة الفرض بِنِيَّة مِن النهار. قال ابن الحاجب: (فجعلوه كاللغز) (٤). أي: في حملهم العام على صورة نادرة. فإن ثبت ما ادَّعوه مِن الحُكم بدليل كما قالوا، فليُطْلَب لهذا الحديث تأويل قريب غير هذا، مِثل نفي الكمال، فقد قال إمام الحرمين: إنَّه أقرب مِن التأويل السابق. قال: (وهو أقرب أيضاً مما قاله الطحاوي وتبجَّح به مِن أنَّ المراد النَّهي عن الاكتفاء بِنِيَّة صوم الغد في بياض نهار اليوم، بل عليه أن يؤخَر النيَّة إلى غيبوبة الشَّمس؛ حتَّى يكون بإيقاع النيَّة في الليل مُبَيِّتًا. وزعم أن هذا التأويل يجري في جميع أنواع الصوم فرضًا ونفلًا) (٥).

стр. 1718

قال الإمام: (وهو كلام غث لا أصل له، وهو يَحطُّ مِن مرتبة الطحاوي) (١). وحاصل التأويل أنَّ "مَن لم يُبَيِّت" يشمل: مَن لم يَنْوِ أصلًا، ومَن قدَّم النيَّة على الليل فنوى قبل غيبوبة الشَّمس. فظاهر العموم بطلان صوم الجميع. وقال الطحاوي: يستقر مَن لم يَنْوِ أصلًا ومَن قدَّم النيَّة على الليل، ويخرج عنه مَن أخرج النيَّة عن الليل وأوقعها في نهار الصوم بِناءً على القياس على التطوع المنصوص عليه. وقد أطال الإمام في رَدِّه بما لا مزيد على حُسنه. ومنها حملهم قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] في آيتَيِّ الفيء والغنيمة على الفقراء منهم دُون الأغنياء؛ لأنَّ المقصود دفع الخلة، ولا خلة مع الغني. فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أنَّ القرابة هي سبب استحقاقهم ولو مع الغِنَى. فإن عللوا بالفقر وإنْ لم يكن قرابة، فعطَّلوا لفظ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]. وإنِ اعتبروهما معًا فلا يبعد، وغايته تخصيص عموم كما فعله الشَّافعي في أحد القولين في تخصيص اليتامى بذوي الحاجة. نعم، هو أنزل مِن صنيع الشَّافعي في اليتامى؛ مِن وجهين: أحدهما: أنَّه زيادة على النَّصُّ، كالإيمان في "رقبة"، وأبو حنيفة يرى ذلك نَسخًا، والنسخ لا يكون بالقياس واستنباط المعنى. بخلاف ما قال الشَّافعي في اليتامى، فإنَّه لا يرى الزيادة نسخًا. الثَّاني: أن لفظ "اليتيم" مع قرينة إعطاء المال مُشْعِر بالحاجة، فاعتباره مأخوذ من نَفْس الآية. واليتيم إذا تَجرد عن الحاجة، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة، فإنَّها مناسبة

стр. 1719

للإكرام باستحقاق خمس الخمس. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية، حمله مالك على أنَّه بيان للمصرف دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء. وقد نُقل عن الشَّافعي استبعاده، وذلك واضح؛ لأنَّ الاقتصارَ على صنْفٍ تعطيلٌ، لا تأويل؛ لأنَّ "اللام" للملك، والعطف للتشريك فيه. وقد وافقنا المالكيّة في ما لو أوصى بثلث ماله للفقراء وفي الرقاب وفي سبيل الله على أنَّه لا يجوز صرف الثلث إلى أحدها. ولذلك أوضح الشَّافعي مذهبه بمسألة الوصيَّة. قال إمام الحرمين: (ولم يظن -يعني الشَّافعي- أنَّ أحدًا يُجيز أن يُقدم في مسألة الوصيَّة على منع) (١). انتهى وقد أَحدث بعض المتأخرين منعًا؛ إلحاقًا لها بمصرف الصدقات. ولم يَرْتَضِ ابن الحاجب أن التأويل في هذه الآية من البعيد. قال: (لأنَّ مساق الآية قبلها [والرد] (٢) على لمزهم في المعْطِين ورضاهم في إعطائهم وسخطهم في منعهم يدل عليه) (٣). أي: على أنَّ الغرض بيان المصرف. وبالجملة فالجدال بين الفريقين في ذلك طويل، لا يليق بهذا المختصر. والقصد التمثيل. ومنها حديث: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه" (٤). رواه أحمد وابن حبان مِن حديث أبي سعيد

стр. 1720

مرفوعًا، وهو يُروى بالرَّفع على المحفوظ، وبه ينتهض استدلال الشَّافعي على أنَّه يحل بذكاة أُمه إذا لم يُقْدر على ذبحه. وعند الحنفية تجب ذكاة الجنين مطلقًا، ويروون الحديث بنصب "ذكاة أُمه" على تقدير "كذكاة أُمه"، فنُصِبَ على إسقاط الخافض. وعلى هذا يحملون رواية الرفع على حذف مضاف، أي: "مِثل ذكاة أُمه"، ويوجهون النصب بتوجيه آخَر، وهو أنَّه منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع، والعامل فيه "ذكاة" الأُولى، والخبر محذوف، أي: "واجبة" أو: "لازِمة" أو نحو ذلك. لكن أصحابنا وهَّموا رواية النصب، وقالوا: المحفوظ الرَّفع كما قاله الخطابي وغيره؛ إمَّا لأنَّ "ذكاة" الأُولى خبر مقدَّم، و "ذكاة" الثَّاني هو المبتدأ، أي: ذكاة أُم الجنين ذكاة له، وإلا لم يكن للجنين مزية. وحقيقة "الجنين" ما كان في البطن، وذبحه في البطن لا يمكن. فعُلم أنَّه ليس المراد أنَّه يُذكَّى كذكاة أُمه، بل إنَّ ذكاة أُمه ذكاةٌ له كافية عن تذكيته، ويؤيده رواية البيهقي: "ذكاة الجنين في ذكاة أُمه" (١). وفي رواية: "بذكاة" (٢). فالنصب إنْ ثبت فهو على حذف هذا الخافض، لا على حذف الكاف كما زعموا. قال ابن عمرون: تقديرهم حذف الكاف ليس بشيء؛ لأنَّه يَلزم منه جواز قولك: "زيد عمرًا" أي: "كعمرو". وأيضًا فحذف حرف الخفض مِن غير سبق فِعل يدل على التوسع

стр. 1721

فيه. وعلى تقدير صحة النصب، فيجوز أن يكون على الظرفية، أي: وقت ذكاة أُمه. فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وهو حينئذٍ دليل للشافعي؛ لأنَّ الثَّاني إنَّما يكون وقتًا للأول إذا أغنى الفعل الثَّاني عن الأوَّل، ويرجح هذا التقدير موافقته لرواية الرفع. وأمَّا ما قالوه في تقدير الرَّفع فساعدهم ابن جني -على عادته- وقال: إذا حمل على ما قاله أبو حنيفة، يكون المجاز وقع في الخبر، وهو الكثير، فكان الحمل عليه أَوْلى. وهذا مردود بما قاله ابن عمرون؛ لأنَّ سياق الحديث وسؤالهم: أنلقيه؟ أَم نأكله؟ لم يكن لأنهم شكوا أنَّ ما أدرك ذكاته وذكي مِن هذا الصنف المأكول يحل أكله، وإنَّما سألوه عن ما تَعذَّر فيه الذبح؛ فوجب حمله على ذلك؛ ليكون الجواب مطابقًا للسؤال. ومنها حديث الحسن، عن سمرة، عن النَّبيِّ ﷺ : "مَن مَلَكَ ذا رَحِم مَحْرَم فهو حُر" (١). رواه أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجة والطبراني، والترمذي وقال: لا نعرفه مسندًا إلَّا مِن حديث حماد عن قتادة عن الحسن. وقد [تكلم] (٢) في هذا الحديث غير واحد مِن الحفَّاظ، وقد رُوي مِن قول عمر ومن قول الحسن، وقال النَّسائيّ: (حديث منكر). ورُوي من حديث ابن عمر وعائشة. فعَلَى تقدير صحته حمله بعض الشَّافعية على الأصول والفروع؛ لأنَّ مذهب الشَّافعي اختصاص العتق بذلك، لا مطلق الرَحم. لكن ليس للشافعي احتياج لهذا الحمل في ثبوت الحكم، إنَّما له أدلة أخرى مشهورة في الفروع، مع ضعف هذا الحديث من الأصل. فليس هذا الحمل بمرضِي عند الحُذاق.

стр. 1722

ومنها حديث: "لعن الله السارق يسرق البيضة؛ فتقطع يده، ويسرق الحبل؛ فتقطع يده" (١). أخرجه البُخاريّ ومسلم عن أبي هريرة. حمله بعضهم على البيضة مِن الحديد وحَبل السفينة. حكاه ابن قتيبة عن يَحْيَى بن أكتم. ووَجْه بُعده أنَّه ليس موضع تكثير لما يقطع به السارق، إنَّما هو موضع تقليل؛ إذ لا يقال: قبح الله فلاناً؛ عرض نفسه للضرب في عقد جوهر. إنَّما يقال: عرض يده في خلق رث. وإنَّما سياق الحديث في تَدَرُّج السارق مِن القليل إلى أن يصعد، فأول ما سرق بيضة الدجاج مثلاً والحبل الذي ثمنه يسير، وإنْ كان لا يُقطع بهما لكنه يتدرج إلى أن يسرق أكثر فأكثر حتَّى يسرق نصابًا؛ فتُقطع. وأمَّا الجواب بأن ذلك كان أولاً ثم جاء الإعلام بأنه لا يُقطع إلَّا في ربع دينار فصاعدًا فَفِيه بُعْد. ومنها حديث: "أُمر بلال أن يشفع الأذان" (٢). أخرجاه. نقل عن بعض السلف أن الأذان فرادى، وأن الحديث محمول على أن يجعل أذانه شفعاً لأذان ابن أم مكتوم. وضُعِّف بأنَّ بلالًا كان يؤذن بِلَيْل، وابن أم مكتوم يتأخر حتَّى يقال له: "أصبحت أصبحت" (٣)، فكيف يكون [الأوَّل] (٤) شفعًا للثاني؟ !

стр. 1723

وفيه نظر؛ فقد روي في حديث آخَر أنَّ أذان ابن أم مكتوم كان يتقدم على أذان بلال (١). والأجود الرد بغير ذلك، وهو ثبوت كوْن الأذان مثنى. وقد أشرتُ إلى هذه التأويلات البعيدة كلها بقولي في النَّظم: (مِثل ذَا لَنْ يُقْبَلَا). والله أعلم.

стр. 1724

الفصل الخامس في "المُجْمَل" و "المُبَيَّن" ٦٩٨ - قَدْ فُسِّرَ "الْمُجْمَلُ" وَ"الْمُبين" ... فِيمَا مَضى، وَهَا هُنَا [يُبيَّنُ] (١) ٦٩٩ - أَنَّ مِنَ الْمُبين ابْتِدَاءَ ... آيَةَ ﴿وَالسارق﴾ لَا مِرَاءَ الشَّرح: أي: ومن أقسام القول: "المُجْمَل" و "المُبَيَّن". وقد سبق أيضاً في تقسيمات الألفاظ تفسيرهما ومحلهما، ولكن نذكر هنا مِن أمثلتهما وأحكامِهما طَرفًا يتضحان به. ولنُقدِّم على ذلك أنَّه قد سبق أنَّ المجمل أصله مِن الجمل وهو الجمع، ونزيد هنا أنَّ من معانيه اللغوية أيضاً: الإبهام، مِن "أَجْمَل الأمر" أي: أَبْهَمه. ومنها: التحصيل. مِن "أَجْمل الشيء": حَصَّله. فيمكن أن يكون الاصطلاحي من واحد منها. وأمَّا في الاصطلاح فذكروا له تعريفات، والمختار ما أسلفناه من التعريف هناك، إلَّا أن قولي فيه: (مَا لَمْ تتضح دلالته) يشمل ما هو المقصود هناك مِن أقسام القول، ويشمل الفعل أيضاً؛ لأنَّه لا تتضح دلالته. ولذلك اختاره ابنُ الحاجب، وضَعَّفَ تفسيره بِـ "اللفظ الذي لا يُفهم منه عند الإطلاق

стр. 1725

شيء" بأنه يدخل فيه المُهْمَل والمستحيل (١). أي: لأنَّه لا يُفهم مِن المُهْمَل شيء، وأمَّا المستحيل فليس بشيء. وانتُقِد ذلك بأن قوله: "عند الإطلاق" يقتضي أنَّه يُفهم منه شيء عند التّقييد، فلا يدخل المهمل ولا المستحيل؛ لأنهما لا يُفهم منهما شيء لا عند الإطلاق ولا عند التّقييد. قلت: إذا لم يُفهم منه عند الإطلاق شيء، فتقييده في ذلك وعدم تقييده سواء؛ لأنَّ التّقييد لا يُحدِث للمطلق دلالة بعد أن لم تكن. وإنَّما الحادث مِن دلالة المطلق عند التّقييد مِن مجموعهما، لا مِن اللفظ وَحْده. قال ابن الحاجب: (ولا ينعكس) (٢). أي: هذا التعريف؛ لجواز فَهْم أحد المحامل منه على الجملة وهو أحد هذين. فيُفْهِم انتفاء غيرهما؛ ولأن ذلك قد يكون في الفعل كقيامٍ مِن الرَّكعة الثَّانية مِن غير تَشَهد، فإنَّه مجمَل؛ لاحتمال الجواز والسهو مع أنَّه ليس بلفظ. وسبق أيضاً أنَّ "المبيَّن" إنَّما يكون مِن الابتداء، أو إمَّا أنه كان مجُمَلًا ثم صار مبيَّنًا. فمِن الذي عَدَّه بعضهم مِن "المجمَل" وهو مِن المبيَّن في الابتداء قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. قال بعض الحنفية: مجُمَل؛ لأنَّ اليد تطلق على ما هو للكوع وما هو للمنكب وما هو للمرفق؛ فيكون مشتركًا، وهو مِن المجمَل. والقطع: يطلق على الإبانة وعلى الجرح؛ فيكون مجمَلًا. والصحيح أنَّه لا إجمال في ذلك؛ لأنَّ اليد حقيقة إلى المنكب؛ لصحة إطلاق بعض اليد لِمَا دُونه، والقطع حقيقة في إبانة المنفصل، فلا إجمال في شيء منهما، فإطلاقها إلى الكوع مجاز قام الدليل على إرادته في الآية وهو فِعل النَّبيّ ﷺ والإجماع. والله أعلم.

стр. 1726

ص: ٧٠٠ - وَمثْلُهَا تَحْرِيمُ الُامَّهَاتِ ... وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الشَّرح: أي: ومما عُدَّ مِن "المجمَل" وهو مِن "المبيَّن" نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فإنَّه يحتمل تقديرات، فزعم الكرخي والبصري وبعض أصحابنا أنَّه مجُمَل. والصحيح -وهو مذهب الشَّافعي كما قال ابن برهان- أنَّه مِن "المبَين"، قال: خلافًا للحنفية؛ لأنَّ الحذف إذا قامت عليه قرينة، وضحت دلالته؛ لأنَّ العُرف دَلَّ على أحد التقديرات وهو الفعل المقصود مِن تلك الذّات التي أُسْنِد التحريم إليها، بدليل أنَّه لو قال لغيره: "حرمت عليك هذا الطَّعام"، عُقِل منه تحريم الأكل، فكذلك يُعقَل مِن تحريم الميتة تحريمُ أكلها، وكذلك الأمهات المعقول فيهن تحريم نكاحهن، فلا إجمال. واحتج لهذا الشَّيخ أبو حامد باحتجاج الصّحابة بظواهر هذه الأمور ولم يرجعوا إلى غيرها، فلو لم يكن مِن المبيَّن، لم يحتجوا بها. نعم، إذا لم يتضح أحد المجازات المقَدَّرة بقرينة ولا بشهادة عُرف، قُدِّر الجميع؛ لأنَّه الأقرب إلى الحقيقة، كقوله ﷺ : "لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها؛ فأكلوا ثمنها" (١). فلو لم يَعُم جميع التصرفات، لَمَا اتجه اللعن في البيع. وقد سبق شرح هذا كله في دلالة المقتضى [في] (٢) باب العموم في أنَّه يَعُم؟ أوْ لا؟

стр. 1727

أما إذا قُلنا بأن الأحكام تتعلق بالذوات وأنها توصف بالحِل والحرمة كما ذهب إليه المعتزلة ويُعْزَى للحنفية أيضاً، فعدم الإجمال فيها واضح. نعم، اختلفوا في الأحكام هل تكتسب بها الذوات صفة؟ أوْ لا؟ فالجمهور على المنع وأنها مِن صفات التعلق. فإذا قيل: هذا الشيء نجس، فليس النجاسة ولا كونه نَجِسًا راجعًا إلى نفسه ولا إلى صفة للذات، بل الذّات على حالَتَي الطهارة والنجاسة سواء، لم تستفد بهذا الحكم صفة زائدة قائمة بها، وإنَّما استفادت تَعلُّق حُكم الاجتناب -مثلاً- في النجاسة بها، وفي الخمر تَعلُّق التحريم بشربها، وأشباه ذلك. كما إذا عَلِمْتَ أنَّ زيدًا قائم أو قاعد، لم يكتسب زيد بذلك وصفاً، ولا تغَير مِن صفاته شيء. وذهب السرخسي وفخر الإسلام -مِن الحنفية- إلى أنَّ الحكم يتعلَّق بالعين كما يتعلق بالفعل، وتكتسب العين وصفًا به. قال القاضي في "التقريب": واعتل مَن زعم أنَّ التحريم والوجوب يرجعان إلى ذات الفعل بضرْبٍ من الجهل، وهو أنَّه لو توهم عدم الفعل؛ لَعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن تكون أحكامه هي هو. قال: وهذا باطل؛ لأنَّه قولٌ يوجِب أن يكون جميع تصرفات الأجسام وأحكامها وأقوالها وأفعالها هي هي؛ لأنَّه لو تصوّر عدم الجسم؛ [لعُدمت] (١) أحواله وأكوانه وجميع تصرفاته، [فيجب] (٢) أن يكون هو عبارة عن أفعاله ونحو ذلك، ولا يقول بذلك عاقل. قال: واعتلوا أيضاً بقولك: هذا حلال وهذا حرام. وجوابه أنَّه لا اعتبار بالإطلاقات التي منها حقيقة ومنها مجاز.

стр. 1728

وأعلم أن القاضي أبا الطَّيِّب جعل مِن أمثلة المسألة قوله ﷺ : "لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض" (١). قال: (فمن أصحابنا مَن قال: مجُمَل؛ لأنَّ الأعيان لا تدخل في التحريم، بل الأفعال. ويحتمل أنَّ المقدَّر "المروردَّ أو "المكث"، فيتوقف فيه؛ إذ ليس إضمار أحدهما بِأَوْلى مِن الآخَر). انتهى لكنْ قام الدليل على جواز المرور، وهو: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فتعيَّن المُكث، فلا إجمال. والله تعالى أعلم. ص: ٧٠١ - وَفي الْوُضُوءِ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، وَفي ... "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأ" نُفِي ٧٠٢ - كَذَاكَ: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليْ" ... وَنَحْوُهُ، فَوَاضِحٌ ذَا مُنْجَلِيْ الشَّرح: هذه ثلاثة مواضع أخرى قيل: إنها مُجْمَلة. والصحيح خِلافُه. أحدها: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)﴾ [المائدة: ٦]، ذهب بعض الحنفية إلى أنَّه مجُمل؛ لتردده بين الكل والبعض، وأن السُّنَّة بيَّنت البعض. وحكاه في "المعتمد" عن أبي عبد الله البصري. والمرجَّح أنَّه لا إجمال، لأنَّ: مَن ذهب إلى أن الوجوب متعلق بالبعض -كالشافعية- اعتمادًا على إفادة "الباء"

стр. 1729

التبعيض، أو أنَّه لو لم يكن المراد بعد دخول "الباء" البعض، لم تكن لها فائدة؛ فإنَّ "مسح" يتعدى بنفسه. أو أن الرأس آلة و "الباء" للاستعانة، والآلة لا يمسح بجميعها، فلا إجمال عنده. ومَن رأى مسح الكل -كالمالكية على المشهور عندهم- لِتعلُّق الحكم بالرأس، والأصل والحقيقة هو الكل، فلا إجمال أيضاً عنده. ومَن قال: إن القدر المشترك بين مسح الكل والبعض، فيَصْدُق مسح البعض. ونَسَبه في "المحصول" للشافعي. وقال البيضاوي: (إنَّه الحقُّ). لكنَّه مخالف لما أسلفه من أنَّ "الباء" تجيء للتبعيض كالآية. ونقل ابن الحاجب عن الشَّافعي وأبي الحسين وعبد الجبار ثبوت التبعيض بالعُرف، لكن نقل في "المعتمد" عن أبي الحسين أن اللُّغة تقتضي مسح الجميع. ثم قال ابن الحاجب: (وعلى قول الشَّافعي ومَن وافقه لا إجمال) (١). انتهى وعبارة الشَّافعي في كتاب "أحكام القرآن": فكان معقولًا في الآية أنَّ مَن مسح مِن رأسه شيئًا فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلَّا هذا، وهو أظهر معنييها، أو مسح الرأس كله. قال: (فدلت السُّنَّة على أن ليس على المرء مسح رأسه كله. وإذا دلت السُّنَّة على ذلك، فمعنى الآية أنَّ مَن مسح شيئًا مِن رَأسه أَجزأَه). انتهى فلم يثبت الشَّافعي التبعيض بالعُرف كما زعمه ابن الحاجب. ومَن قال بالإجمال زعم أن السُنَّة بينت المراد وهو مسحه ﷺ على ناصيته وكمل على العمامة، ففي رواية عن أبي حنيفة: إذا مسح بناصيته، أجزأه، وهي ما بين النزعتين، وهي أقل من الربع. والرواية الأخرى المشهورة عنه وبها قال أبو يوسف: أنَّه لا بُدَّ مِن مسح ربع

стр. 1730

الرأس بثلاثة أصابع. وقال زفر: (الواجب الربع مطلقًا كيف مسحه). وقال محمَّد بن مسلمة مِن المالكيّة: (يجوز اقتصاره على الثلثين). وقال أشهب: (على الثُّلث). والكل تَعلَّقَ ببيان ما في الآية مِن الإجمال على رأيهم. ثانيها: قوله ﷺ : "رُفع عن أُمتي الخطأ"، وقد سبق في باب العموم تخريجه وفي وَجْه دلالة الاقتضاء منه وتقرير أنَّه ونحوه ليس من المجمل. والقائل بأنه مجُمل: أبو الحسين وأبو عبد الله البصريان وبعض الحنفية، ويُحكى أيضاً عن القدرية. قالوا: لتردده بين نفي الصورة والحكم. وأيضًا إذا لم يكن نفي المذكور مرادًا، فلا بُدَّ مِن إضمار لمتعلق الرَّفع وهو متعدد. وأُجيب عن الأوَّل بأنَّ نفي الصورة لا يمكن أن يكون مُرادًا؛ لِمَا فيه مِن نسبة كلامه ﷺ إلى الخُلْف، فتَعيَّن أن المراد نفي الحُكم. وأمَّا الثَّاني: وهو احتمال المضمرات، فقد دلَّ الدليل على المراد إمَّا بالعُرف أو غيره على ما سبق نظيره في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. فيقال هنا: دلَّ العُرف بأن المرفوع المؤاخذة والعقاب كما قرره القاضي في "التقريب"، وجرى عليه ابن الحاجب. بل قال ابن السمعاني: (إنَّه يمكن أن يقال: إنَّه معقول المعنى لغةً أيضاً، ألا ترى أنَّه إذا

стр. 1731

قال لعبده: "رفعت عنك جنايتك"، عُقِل منه رفع المؤاخذة؟ ) (١). أما التضمين؛ فلأنه مِن خطاب الوضع كما سبق في الكلام في خطاب الوضع في مقدمة الكتاب. فيقال هنا: إنَّ هذا ليس بعقاب، بل جُبران للمتلفات؛ ولذلك يجري في مَن ليس مُكلَّفًا أصلًا، كالصبي والمجنون. أو: إنَّ هذا العموم في نفي المؤاخذة مخصَّص بالدليل، إمَّا الإجماع أو غيره كما هو موضح في محله. نعم، انتُقد على ابن الحاجب و "جمع الجوامع" في قولهما في "باب المقتضَى": (إنَّه لا عموم فيه)، مع قولهما هنا: (إنَّه لا إجمال). وجوابه أنَّه لا يلزم مِن نفي عمومه ثبوت الإجمال، لأنَّ بعض المقدرات إذا دلَّ الدليل عليه مِن غير أن يقال بالعموم في كل المقدرات، انتفى العموم والإجمال كما بيناه هنا، وسبق أيضاً تقريره هناك. وحاصل ما ذُكر في هذه المسألة مِن المذاهب -كما قاله الاصفهاني في "شرح المحصول"- ثلاثة: - مجمل. - ومحمول على رفع الإثم ناجزًا والعقاب آجلًا. وهو مذهب الغزالي؛ لِمَا سبق مِن العُرف، إلَّا أنَّه يستثني الضَّمان كما سبق. - ثالثها واختاره في "المحصول": محمول على رفع جميع الأحكام الشرعيّة.

стр. 1732

وكذا حكى الثلاثة الأقوال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" ونسب الثالث لأكثر الفقهاء من أصحابنا وأصحابه، واختار هو الثَّاني. ثالثها: قوله ﷺ "لا نكاح إلَّا بولي" (١). وقد رواه أبو موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ "لا نكاح إلَّا بولي". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وابن حبان، وصححه ابن المديني وغيره. والمراد هنا هذا الحديث ونحوه مما فيه نفي ذوات واقعة تتوقف الصحة فيها على إضمار شيء: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب" (٢)، "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام" (٣)، وهو كثير. وقد سبق تقرير المقدَّر فيه في دلالة المقتضَى وفي عمومه أولاً. والمراد هنا أنَّ الجمهور على أنَّها ليست بمجملة؛ بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعيّة. فإن المختل منها بشرط أو ركن يصح نفيه حقيقة؛ لأنَّ الشرعي هو تام الأركان متوافر الشروط؛ ولهذا قال ﷺ للمسيء صلاته: "ارْجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ" (٤). وإذا كانت الحقيقة هي المراد نفيها، فلا يحتاج نفيها لإضمار شيء؛ فلا إجمال. وذهب القاضي أبو بكر وبعض المعتزلة إلى أنَّها مجُملة؛ بناءً منه على مذهبه في نفي الحقيقة الشرعيّة، وأنَّ الشرعي للأَعم [مِن] (٥) الصَّحيح والفاسد.

стр. 1733

نعم، القائلون بالإجمال اختلفوا في سببه على أقوال: أحدها: أنَّه لم يُرد بنفيه نفي وقوعه؛ لأنَّ ذلك مُشاهَد، وإنما أريد به أمر آخَر غير مذكور، وهو محتمل. الثَّاني: أن ذلك محُتمِل نفي الوجود ونفي الحكم. الثالث: أنَّه يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال. وبهذا صرح القاضي في "التقريب". وزعم الماوردي أنَّ القاضي مذهبه الوقف في هذه المسألة، وهو غير الإجمال؛ لأنَّ القائل بالوقف يحصر في الاحتمالين ويتوقف على رجحان أحدهما، وأمَّا القائل بالإجمال فيقول: يحتمل احتمالات كثيرة؛ فكان مجملًا. وفي هذا الفرق عندي نظر، وبالجملة فالمدْرَك في غالب هذه المسائل ما قررناه مِن الشبهة والجواب، وإلى ذلك أشرتُ بقولي: (فَوَاضِحٌ ذَا مُنْجَلِيْ). أي: فلا يُعد مِن الإجمال مع وضوخ المراد. تنبيه: اختُلف في مواضع هل هي مِن المجمل؟ أو لا؟ والخلاف فيها قوي، منها: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وللشافعي فيها أربعة أقوال: أحدها: أنَّها عامة خصَّصها الكتاب. الثَّاني: عامة خصَّصتها السُّنة. الثالث: مجملة بيَّنها الكتاب. الرابع: مجملة بيَّنتها السُّنة. واختلف قوله أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] على قولين:

стр. 1734

أحدهما: عام خصَّصته السُّنة. والثَّاني: مجمل بيَّنته السنة. ومنشأ الخلاف أن "أل" للشمول، أو عهدية، أو للجنس من غير استغراق، أو محتملة. وفيه سؤال، وهو أنَّ اللفظ في كل مِن الآيتين مُفرد مُعرَّف، فإنِ عَمَّ مِن حيث اللفظ فليعُم في الآيتين، أو المعنى فليَعُم فيهما أيضًا، وإنْ لم يَعُم لا مِن حيث اللفظ ولا المعنى فَهُما مستويان مع أن الصَّحيح في آية البيع العموم وفي آية الزكاة الإجمال. وجوابه أنَّ في ذلك سِرًّا، وهو أنَّ حِل البيع على وَفْق الأصل مِن حيث إنَّ الأصل في المنافع الحِل وفي المضار الحرمة بأدلة شرعية، فمهما حَرُم البيع فهو خلاف الأصل. وأمَّا الزكاة فهي على خلاف الأصل، لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته، فوجوبها على خلاف الأصل. والأخبار الواردة في البابين مُشعِرة بهذا المعنى، فلذلك اعتنى ﷺ ببيان المبيعات الفاسدة، كالنهي عن بيع حَبَل الحُبلة، والمنابذة والملامسة وغير ذلك، بخلاف الزكاة، فإنَّه لم يَعتنِ فيها ببيان ما لا زكاة فيه. فمَن ادَّعى وجوبها في مخُتلَفٍ فيه كالرقيق والخيل، فقد ادَّعى حُكمًا على خلاف الدليل. وأمَّا تَردُّد الشَّافعي في آية البيع هل المخصِّص [أَو] (١) المبيِّن لها الكتاب أو السُّنَّة؟ دون الزكاة، فلأنه عَقَّب على البيع بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والربا مِن أنواع البيع اللغوية، ولم يُعقِّب آية الزكاة بشيء. والله أعلم.

стр. 1735

ص: ٧٠٣ - وَإنِّمَا "الْبيَانُ" إخْرَاجٌ إلَى ... حَوْزِ التَّجَلِّي مَا يَكُونُ مُشْكِلَا الشَّرح: الإشارة بذلك إلى أنَّ هذه الأمثلة إنَّما لم يحكَم عليها بأنها كانت مجُمَلة ثم بُيِّنت فصارت من المجمَل أولاً ومن المبَيَّن آخِرًا، بل حُكِمَ عليها بأنها مُبيَّنة من الابتداء؛ لأنَّ "البيان" فُسِّر بأنه الإخراج مِن حَيِّز الإشكال إلى حيز التجلي. وهذه لم تكن في ابتدائها مُشْكِلة، بل واضحة كما بَيَّناه. واعْلَم أن البيان يُطْلق تارةً على فِعل مُبيِّن وهو التبيين، كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم. فهو اسم مصدر، لا مصدر، لعدم جريانه على الفعل. ويُطلَق تارةً على الدليل الدَّال على ذلك، وتارةً على المدلول وهو المبيَّن (بالفتح)؛ أي: مُتعلَّق التبيين ومحِله؛ فمِن ثَمَّ اختلف العلماء في تفسير "البيان". فالتعريف الذي ذكرناه جارٍ على الإطلاق الأوَّل، وهو الذي عرَّف به الصَّيْرفيُّ كما نقله ابن السمعاني وغيره، وجرى عليه إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب، إلَّا أنهم زادوا عليه: (والوضوح)؛ تأكيدًا وتقريرًا. وأُورِد عليه أنَّه غير جامع؛ لأنَّه يخرج عنه البيان ابتداءً وهو الظاهر مِن غَيْر سَبْق إجمال. قال ابن السمعاني: (فإنه ربما ورَدَ مِن الله تعالى بيان لمِا لم يخطر ببال أحد) (١). وأيضًا ففي التعبير بـ "الحيز" -وهو حقيقة في الأجسام- تَجَوُّز في إطلاقه في المعاني،

стр. 1736

ونحوه "التجلي". وأجيب عن الأوَّل: بأنَّ السامع لِما يَرِد مِن المبين بمنزلة مَن أشْكل عليه الحكم في ذلك؛ إذ لم يكن عنده عِلم من ذلك. كذا أجاب به القاضي عبد الوهاب، ولكن في تسميته عدم العلم "إشكالًا" تَجَوُّز. على أنَّ هذا فرع عن تسمية إيراد ما كان واضحاً مِن الابتداء بيانًا. وقد لا يختاره الصَّيْرفيُّ، ويخص البيان بما سبقه إشكال فبيَّنه. وعن الثَّاني: بأنَّ المجاز بالقرينة يدخل في التعاريف كما صرح به الغزالي، وسبق بيانه أول الكتاب. وعَرَّف الأكثرون -ومنهم الآمدي- البيان بأنه الدليل، والبصريُّ بأنه العِلم الحاصل عن الدليل. وهذان مُفرَّعان على الإطلاقين الآخَرين. وممن اختار تعريف الصَّيْرفيُّ: القاضي أبو الطَّيِّب وغيره مِن أئمتنا. واعترضه ابن السمعاني بأنَّ لفظ "البيان" أظهر مِن لفظ "إخراج الشيء" إلى آخِره. وقد يُمْنَع ذلك. وقال الماوردي: إنَّ جمهور الفقهاء قالوا: "البيانُ" إظهارُ المراد بالكلام الذي لا يُفهم منه المراد إلَّا به. قال ابن السمعاني: (وهو أحسن مِن جميع الحدود) (١). والعجب أنَّه أورد على الصَّيْرفيُّ المبيَّن ابتداء، ولا شك في وروده هنا، بل أولى؛ لأنَّه صرح بتَقدُّم كلام لم يُفْهَم المراد منه. وأيضًا فالبيان قد يَرِد على فِعْلٍ، ولا يُسمى مثل ذلك كلامًا.

стр. 1737

واعْلَم أنَّ الشَّافعي في "الرسالة" قال: ("البيان" اسم جامع لأمور متفقة الأصول مُتَشعِّبة الفروع) (١). وليس مراده تفسيره كما فهمه ابن داود وقال: إن البيان أبين من التفسير. وإنَّما مراده أنَّه أنواع مختلفة المراتب، بعضها أَجْلَى مِن بعض، فمنه ما لا يحتاج لتَدبُّر، ومنه ما يحتاج له. وقد قال ﷺ : "إنَّ مِن البيان لَسِحرًا" (٢). فبيَّن أنَّ بعض البيان أظهر مِن بعض. ويدل عليه أنَّ الله تعالى خاطبنا بالنص والظاهر وبالمنطوق والمفهوم والعموم والمجمل والمبين وغير ذلك مما سبق، ولذلك عَقد الشَّافعي لكل مِن الأنواع بابًا، فقال: "باب البيان الأوَّل"، "باب البيان الثَّاني"، وهكذا. وللحنفية في أصولهم اصطلاحات في البيان وأقسامه مشهورة. والله أعلم. ص: ٧٠٤ - نَعَمْ، مِنَ "الْمُجْمَلِ" في الْقُرْآنِ ... وَسُنَّةٍ نَوْعٌ بِلَا بَيَانِ ٧٠٥ - وَ"الْمُتَشَابِهُ" اسْمُهُ كَمَا مَضَى ... وَمَثَّلوهُ بِأُمُورٍ تُقْتَضَى ٧٠٦ - وَمنْهُ مَا إجْمَالُهُ قَدِ انْمَحَى ... بِمَا أَتَى مِنَ الدَّلِيلِ أُوضِحَا ٧٠٧ - كَقَوْلِهِ جَلَّ عَلَا: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ ... ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، وَعَلَيْهِ الْوَقْف ٧٠٨ - مُرَتَّبٌ، وَالْقُرْءِ في الْمَقْرُوءِ ... في آيَةِ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ ٧٠٩ - وَمِثْلُهُ الضَّمِيرُ في جِدَارِهِ ... في خَبَرٍ في وَضْعِ خُشْبِ جَارهِ

стр. 1738

الشرح: أي: إذا تحرَّر معنى الإجمال والبيان، انبنى عليه معرفة ما ورد مجُمَلاً ولم يَرِد بيانه، وما كان مجُمَلًا ووَرَدَ بيانه. فالوارد مِن المجمَل إمَّا في الكتاب أو السُّنة أو في كلام العرب وغيرهم؛ فذكرنا هنا الأنواع الثلاثة: الأوَّل: ما وَرَدَ في القرآن مجُمَلاً ولم يأت بيانه، ويسمى "المتشابه" كما سبق في تقسيم الألفاظ أن النَّصُّ والظاهر يقال لهما "المُحْكَم"، وغيرهما المقابِل لهما -وهو الذي لم تتضح دلالته لا في الابتداء ولا في الانتهاء- يقال له: "المتشابه". والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. وهذا لِأَصَح الأقوال دليل واضح، والثَّاني: أنَّ القرآن كله محُكم؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، والثالث: كله متشابه؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. فعَلَى الصَّحيح ليس المراد بالمحكم والمتشابه في الآيتين الأخيرتين ما أُرِيدَ في الأُولى، بل المراد بالمحكم في الكل أنَّه لا خلل فيه بوجه مِن الأوجُه، بل في غاية البلاغة والإحكام لِما أريدَ فيه من المقاصد. والمراد بأنَّ الكل متشابه أي: يشبه بعضه بعضًا في الحقِّ والصدق والإعجاز وفي البلاغة والمعاني اللطيفة، وأنَّ بعض معانيه يشبه بعضاً مِن الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والقصص والأخبار وغير ذلك مما ليس له انحصار. وعلى القول بانقسامه إلى محكَم ومتشابه ففي المراد بكلِّ منهما أقوال كثيرة، أَرْجَحُها ما اقتصرتُ عليه هنا مِن أنَّ "المحكم" المتضح المعنى كيف كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وأنَّ "المتشابه" ما لم يتضح، وعِلمُه عند الله لم يُطْلِع عليه عباده.

стр. 1739

وأمَّا ما كان أولاً غير متضح ثم وضح فهو القسم الثَّاني، وقد بيَّناه عقب هذا، وهو ما أريد في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؛ إذِ الآية الأُولى وهي: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لا حصر فيها؛ بدليل "منه" الدّالة على البعض. نعم، في ثبوتِ هذا القسم -وهو الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولم يُطلع الأمة عليه وربما أَطْلَع عليه بعض أصفيائه دُون الأُمة- خِلافٌ. فقال الراغب في مقدمة تفسيره: (ذهب عامة المتكلمين إلى أنَّ كل القرآن يجب أن يكون معلومًا وإلا أدَّى إلى إبطال فائدة الانتفاع به) (١). ويناسب هذا القول أنَّ المفسرين لم يحجموا عن تفسير شيء من القرآن ويقولوا فيه: (إنَّه متشابه لا يَعلمه إلَّا الله)، بل فسروا كل ما فيه حتَّى الحروف المقطعة في أوائل السور ونحوها. وأمَّا الآيات المشكل ظاهرها -كآيات الصفات- فللناس فيها طريقان: منهم من لا يخوض فيها بتأويل، ويؤمن بها كما جاءت على مُراد الله تعالى مع التنزيه عن النقائص وكُل ما قام الدليل العقلي والنقلي على استحالته على الله تعالى، وهو طريق السلف والأئمة الماضين. والطريق الثَّاني: الخوض في التأويل بما يناسب المقام مما قام الدليل عليه من لغة العرب؛ لأنَّ الله تعالى لا يخاطبنا إلَّا بما يُفهَم مِن كلامهم وعُرِف مِن أوضاعهم، حقيقةً كان أو مجازًا. وهذا طريقة الخَلَف المحققين، وربما وَجَب في هذا الزمان القول به؛ لِمَا انتشر مِن فساد

стр. 1740

المجسمة والمبتدعة ودعوتهم لمن لا معرفة له إلى بدعتهم [تخييشًا] (١) عليهم بورود الظواهر وأن ذلك غير محُال، وأنَّ هذا طريقة السلف. ولا يُعْلِمُونهم باتفاق الطريقين على التنزيه، فنسأل الله السلامة. وقد بيَّنا ذلك في غير موضع مِن هذا الكتاب (٢). والمقصود أنَّ هذا القسم مِن المجمل المسمَّى بِـ "المتشابه" يمثَّل بنحو أوائل السور عند مَن لا يرى تفسيرها وبالآيات والأحاديث المشكلة المعنى عند مَن لا يرى الخوض في تأويلها. وقولي: (وَمنْهُ مَا إجْمَالُهُ قَدِ انْمَحَى بِمَا أَتَى مِنَ الدَّلِيلِ أُوضِحَا) إشارة إلى القسم الثَّاني مِن المجمل وهو الذي كان مجملًا في الابتداء ثم بُيِّن بعد ذلك بالدليل، فصار مبيِّنًا في الانتهاء، وهو لا ينحصر. ومنه بيان نحو ما سبق في: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وفي نحو: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] على ما سبق من أحد أقوال الشَّافعي، وفي ما ادُّعي إجماله من آية السرقة ونحوها مما أسلفناه عند القائل بأنه مجُمل، فإنَّه يقول: إنَّه بُيِّن بعد ذلك. بل ذلك جارٍ في جميع الأسماء الشرعيّة الواقعة في القرآن والسُنَّة، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، و ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فمِن أصحابنا مَن قال: هي مجُملة؛ لأنَّ المراد مِنها لا تدل عليه اللُّغة. ومنهم مَن قال: عامة خُصَّ منه ما دخل لغةً وخرج شرعًا. والحقُّ أنَّها -تفريعًا على ثبوت الحقائق الشرعيّة- مُبيَّنة، لا إجمال فيها.

стр. 1741

ومنه أيضاً تخصيص العام، ومنه النسخ إذا قلنا: بيان، لا رَفْع. وسيأتي. ومثلتُ ذلك في النَّظم بأمثلة، منها: وهو في التركيب لا في الإفراد: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فإن الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أن يكون الولي؛ لأنَّه الذي يعقد نكاح المرأة؛ لأنها لا تُزوج نفسها، ويحتمل أن يكون الزوج؛ لأنَّه الذي بيده دوام العقدة والعصمة. ثم وقع الاختلاف في بيانه، فقال الشَّافعي في القديم -وهو مذهب مالك - بأنه الولي، وعليه جَمْعٌ مِن التّابعين وفقهاء المدينة: الزُّهريّ، وربيعة، يزيد بن أسلم، والحسن، ورُوي عن ابن عباس، وهو قول أحمد. وقال الشَّافعي في الجديد: إنَّه الزوج. وبه قال أبو حنفية، وحُكي عن علي وابن عباس وجبير بن مطعم وابن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد والثوري. وللقول بالقديم عندنا شروط: أن يكون الولي أباً أو جدًّا، وأن يكون قبل الدخول، وأن يكون عن دَيْن، لا عَيْن، وأن تكون بكرًا عاقلةً صغيرةً أو سفيهةً على المرجَّح، وأن يكون بعد الطلاق أو معه بِخُلع على الأرجح. ومحل بسط ذلك الفقه. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنَّه يحتمل أن يكون الكلام تَمَّ عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. أي: إنَّه سبحانه استأثر بِعلمه، فيكون الوقف عليه، والذي بعده مبتدأ وخبر؛ لأنَّ كون الجملة خبرًا عمدة أَوْلى [مِن أن] (١) يكون حالًا فضلة كما سيأتي تقريره. ويحتمل أن لا يوقَف عليه، ويكون "والراسخون" عطفًا على الذي قبله؛ لأنَّ الراسخين أيضاً يَعلمونه بإعلام الله تعالى لهم، فلمَّا احتمل واحتمل، كان مجمَلًا.

стр. 1742

ثم بعد ذلك مَن يرى بأنَّ لنا مجمَلًا استأثر الله تعالى بعلمه وهو "المتشابه"، يقول: تَبين بالدليلِ التمامُ عند: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. ومَن يرى بخلاف ذلك، لا يقف، وهو الراجح، وعليه يصح التمثيل. وإليه أشرف بقولي: (وَعَلَيْهِ الْوَقْفُ). ويكون قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ جملة حالية من المعطوف دون المعطوف عليه؛ لِتعذُّر عودها للمعطوف عليه، كما تقول: "جاءني زيد وعمرو راكبًا)؛ لأنَّ وجوب اشتراك المتعاطفين إنَّما هو في العامل، لا في كل شيء. أما إذا أَمْكَن العَوْدُ للكل، فإنَّه يَعُود للكل كما سبق في تَعَقُّب الاستثناء ونحوه جُمَلًا أو مفردات. والحاصل في هذه الآية أنَّ الواو مُترددة بين العطف والاستئناف. ومما يرجح القول بأن الوقف ليس على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مع ما سبق مِن أنَّ الله لا يخاطبنا بما لا نفهم: أنَّ أحدًا لا يقول: إنَّ رسول الله ﷺ [لا] (١) يَعلم المتشابه. فإذا جاز أن يَعرفه الرسول، جاز أن يَعرفه الربانيون مِن صحابته وأتباعهم مِن أئمة أُمته. كان ابن عباس إذا قرأ الآية يقول: "أنَا مِن الراسخين في العلم" (٢). ويقول في قصَّة أهل الكهف ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]: "أَنا مِن أولئك القليل" (٣). وقال مجاهد: لو لم يكن للراسخين في العلم حظٌّ مِن المتشابه إلَّا أن يقولوا: "آمَنَّا به"، لم يكن لهم على الجاهل فَضْل؛ لأنَّ الكل يقولون: "آمَنَّا به". وقيل: التقدير في الآية: (يقولون: عَلِمنا وآمَنَّا به)؛ لأنَّ العِلم بالشيء سابق على الإيمان

стр. 1743

به كما ترجمه البُخاريّ: "باب العِلم قبل القول والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] الآية، فبدأ بالعِلم". وقد سبقه إلى هذا سفيان بن عيينة؛ إذْ لا يُتصور الإيمان مع الجهل. وأيضًا فلو لم يَعْلم الراسخون المتشابه، لم يكونوا راسخين، ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال. فإن قيل: فما الحكمة في إنزال المتشابه والحاجة للعباد إنما هو البيان والهدى؟ قلت: أما على إمكان عِلمه فلأنْ يبحث عنه العلماء ويتبصروا في دقائقه وغوامضه؛ فيُؤجَروا على ذلك، وليحذروا مِن قول المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ولمَا في الامتحان بذلك مِن ما أُعِدَّ مِن ثواب الاجتهاد كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الروم: ٤٥] الآية، فنبههم على أنَّ أعلى المنازل هو الثواب، فلو كان القرآن كله محُكمًا لا يحتاج لِتأويل، لسقطت المحنة وبَطُل التفضيل واستوت منازل الخلق، ولم يظهر بذلك فضل العالم على الجاهل. وما لم يوقف على معناه إمَّا لتعذُّره -على القول باستئثار الله تعالى بعلمه- أو بعد البحث فلَم يُعْرف، فيكون الامتحان بالإيمان به. ومن فوائده: هدم مذهب القائلين بأنه يجب على الله تعالى مراعاة مصالح العباد، كالمعتزلة. ومنها إقامة الحجة على مَن نزل القرآن بلسانهم وهُم عاجزون عن الوقوف على ما فيه مِن السر والحكمة والبلاغة. ومنها قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنَّه يحتمل الحيض والطهر، لكن يتبين المراد به بالدليل من خارج.

стр. 1744

فالشافعي لَمَّا حمله على الطهر، حمله لقوله ﷺ في طلاق ابن عمر: "مُره فليراجعها حتَّى تحيض ثم تطهر". قال: "فتلك العدة التي أمر الله" (١). وأيضًا فقال: ثلاثة (بالتاء). فلو كان المراد الحيضة، لَقال: (ثلاث قروء). وغير ذلك مِن الأدلة. وأبو حنيفة لَمَّا حمل على الحيض، ذَكر دليله. فَعَلَى كل حال هو مِن المجمَل الذي بيّن بعد ذلك. ومنها حديث أبي هريرة في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعن جارٌ جارَه أن يغرز خشبة في جداره" (٢). فإنَّ الضمير في "جداره" يحتمل عوده على الغارز، أي: لا يمنعه جاره أن يفعل ذلك في جدار نفسه. وعلى هذا فلا دلالة فيه على القول القديم عندنا أنَّه إذا طلب جاره منه أن يضع خشبة في جداره المطلوب منه، وجب عليه التمكين. ونَصَّ عليه الشَّافعي في "مختصر البويطي"، وقوَّاه النووي. ويحتمل أن يعود على الجار الآخَر، فيكون فيه دلالة على ذلك. لكن يُرجِّح الأوَّل موافقته لقاعدة العربيَّة في عَوْد الضمير إلى أقرب مذكور. وكلٌّ مِن القولين يُدَّعَى فيه أنَّه تبيّن المجمَل بالدليل على المدعَى. ولكن للقديم شروط معروفة في الفقه. ومن الأمثلة -ولم أتعرض له في النَّظم- قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، فإنَّه قد استثنى مِن المعلوم ما لم يُعْلم؛ فصار الباقي محتملًا؛ فكان مجُملاً. وقد سبق ذلك في أنَّ العام بعد التخصيص حُجَّة أوْ لا، وسبق إيضاحه.

стр. 1745

ومثله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فإن الحقَّ لَمَّا لم يكن معلومًا، كان مجمَلًا. وكذا قوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلَّا صلحًا أَحَل حراماً أو حرم حلالًا" (١). على ما في التمثيل بهذين مِن نظر. وبالجملة فقد تَبين المراد من ذلك كله بالدليل. والله أعلم. ص: ٧١٠ - وَمَثّلوا "الْمُجْمَلَ" غَيْرَ الْمُنْزَلِ ... بِلَفْظِ "مُخْتَارٍ" مِنَ الْمُؤَوَّلِ ٧١١ - بِفَاعِلٍ في الْأَصْلِ أَوْ مَفْعُولِ ... " [زيدٌ طَبِيبٌ مَاهِر] (٢) ذُو قُوْلِ" الشَّرح: هذا هو القسم الثالث: وهو المجمل في كلام العرب وغيرهم مِن غير الكتاب والسُّنَّة، وهو معنى قولي: (غَيْرَ الْمُنْزَلِ). فإن الكتاب والسُّنَّة منزلان. فمنه لفظ "مختار"، فإنَّه محتمل أن يكون اسم فاعل وأصله "مخُتير" بالكسر على وزن مُقتدر، وأن يكون اسم مفعول على وزن مُعتبر. تحركت "الياء" فيهما بعد فتحة، فقُلِبَت "أَلِفًا". قال العسكري: (ويتميز بحرف الجر، تقول: "هذا مختار لِكذا" في الفاعل، و "مختار مِن

стр. 1746

كذا" في المفعول) (١). والفرق بَيْن هذا وبين نحو "قروء" أنَّ الإجمال طَرأَ على هذا باعتبار الإعلال والعمل التصريفي كما بيَّناه، و "القرء" مجُمَل مِن حيث وضعه، مع أنَّ كُلًّا منهما إجماله مِن حيث هو مُفرد، لا بواسطة تركيبه كما سبق من الأمثلة. وحاصله أنَّ المجمل أعم مِن المشترك؛ لأنَّ المجمل يشمل ما احتمل معنيين سواء واللفظ فيهما حقيقة أو مجاز، أو أحدهما حقيقة والآخر مجاز مساوٍ للحقيقة كما بيَّنا ذلك في تقسيم اللفظ في بحث اللغات. فلذلك يدخل فيه ما كان صالحاً لمتماثلين بوجه من الوجوه، كالنور للعقل وللشمس، والجسم للسماء وللأرض، والرجُل لزيد ولعمرو. كذا ذكره الغزالي، وفيه نظر ظاهر؛ لأنَّه [يَلزم] (٢) أنَّ كل متواطِئ مجمَل. وقولي: (زَيْدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ) معطوف على ما سبق، حُذف منه حرف العطف، أو هو مِن باب سَرد الأمثلة. وهو مثال [المجمَل] (٣) باعتبار التركيب، لا الإفراد. وذلك أنَّ "ماهر" يحتمل عَوْده إلى ذات "زيد" وإلى وصفه المذكور وهو "طبيب". ولا شَكَّ أنَّ المعنى مُتفاوت باعتبارهما وإنْ كان بينهما فرق. وهو مِن الأمثلة التي ليست مِن الكتاب ولا السُّنَّة ولا مِن كلام العرب. ومما لم أذكره في النَّظم أيضاً وهو كالذي قَبْلَه: "الثلاثة زوج وفرد". فإن اللفظ متردد بين العَوْد للأجزاء وبين العود للصفة، وإنْ شئت قلت: بين جمع الأجزاء وبين جمع

стр. 1747

الصفات، فهو محتمل من حيث هو، أي: مِن حيث دلالة اللفظ، لا الواقع. وإن كان أحد الاحتمالين -وهو كونه مركبًا مِن زوج وفرد- هو الواقع. ولا يخفَى ما في ذلك مِن نظر. فلذلك أسقطته مِن أمثلة "جمع الجوامع" كما مَثَّل مصنفه به في "شرح المختصر". وقولي: (ذُو قُوْلِ) أي: مِن مهارته له قولٌ مُعتبر كيف فُرِض عود ماهر. والله أعلم. ص: ٧١٢ - أَمَّا الدَّلِيلُ في الْبيانِ فَإلَى ... قَوْلٍ وَفِعْلٍ قَسْمُهُ قَدْ فُصِّلَا ٧١٣ - فَإنْ يَكُنْ عَنْ مُجْمَلٍ تَأخَّرَا ... فَسَابِق إنْ عِلْمُ سَبْقِهِ جَرَى ٧١٤ - أَمَّا مَعَ الْجَهْلِ فَذُو الْبيانِ ... الْقَول، أَيْ لِقُوَّة التّبيانِ ٧١٥ - كَذَا إذَا تَنَافَيَا، وَهْوَ كَمَا ... طَافَ طَوَافَيْنِ وَكَانَ أَحْرَمَا ٧١٦ - أَيْ قَارِنًا لَكِنَّهُ قَدْ أَمَرَا ... بِوَاحِدٍ، مَثِّلْ بِذَا، لَا تَأثرَا الشَّرح: لما انتهى الكلام في المجمل وأقسامه الثلاثة وكان الثالث منها يكون مجُمَلًا أو، ثم يجيء ما يبينه فيصير مبينا وعُرف معنى "البيان"، ذكرتُ هنا أنَّ الدليل المبيِّن إما قول أو فعل. فالقول يكون مبينا اتفاقًا، وهو إما مِن الله أو مِن رسوله ﷺ . فالأول كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، فإنه مُبيِّن لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. هذا إذا قلنا بأن المراد بالبقرة بقرة مُعيَّنة، وهو المشهور. وعن ابن عباس خِلافه، وأنه قال: "لو ذبحوا أي بقرة كانت؛

стр. 1748

لأجزأهم ذلك، ولكنهم شددوا، فسألوا؛ فشدد الله عليهم" (١). الثاني كقوله ﵊ فيما رواه البخاري من حديث ابن عمر: "فيما سقت السماء أو كان عثريّا العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر" (٢). ورواه مسلم عن جابر بنحوه (٣). وهو مبيِّن لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. واستفدنا مِن هذا المثال أنَّ السُّنَّة تُبيّن مجُمَل الكتاب، وهو كثير، كما في الصلاة والصوم، والحج والزكاة والبيع والربا وغالب الأحكام التي جاء تفصيلها في السُّنَّة. وأما الفعل فالمراد به فِعل الرسول ﷺ ، وفي كونه بيانًا خلاف. فالجمهور: نعم، وخالف شرذمة يسيرة فيه. دليل الجمهور -كما قال ابن الحاجب- أنه ﷺ الصلاة والحج بالفعل وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤)، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٥). روى الأول مسلم في حديث جابر الطويل، والثاني البخاري من حديث مالك بن الحويرث. لا يقال: إن الذي وقع به البيان قول، وهو قوله: "صلوا" و"خذوا". لأَنا نقول: إنما دلَّ القول على أنَّ فِعله بيان، لا أنَّ نفس القول وقع بيانًا. وأيضًا فالفعل مُشاهَد، والشاهدة أَدَل، فهو أَولى مِن القول بالبيان.

стр. 1749

وفي الحديث: "ليس الخبر كالمعاينة" (١). رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا، وابن حبان، والطبراني وزاد فيه: "فإن الله تعالى أخبر موسى بن عمران ﵇ عما صنع قومه من بعده، فلم يُلْقِ الألواح، فلمَّا عاين ذلك، ألقَى الألواح" (٢). وأما شُبهة الخصم بأنَّ الفعل يطول فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله -فمردود؛ [لأنه] (٣) قد يطول بالقول ويزيد على زمان الفعل. وأيضا فهو أقوى مِن القول في البيان كما سبق. واعلم أنه يدخل في الفعل ما سبق في بيان السُّنَّة في "باب الأدلة"، وأنَّ الترك فِعل؛ لأنه كَف، فيكون مِن الترك بيان، وذلك كترك التشهد الأول بعد فِعله ﷺ إياه، فإنه بيان أف غير واجب. والإشارة والكتابة: قال صاحب "الواضح" من الحنفية: لا أعلم خلافا في أنَّ البيان يقع بهما. وقولي: (فَإنْ يَكُنْ عَنْ مُجْمَل تَأَخَّرَا)، أي: إذا تَقرر أنَّ البيان يكون بالقول وبالفعل، فلو تأخر عن المجمَل قولٌ وفعلٌ فما الذي يكون بيانًا؟ ففي قولي: "يَكُنْ" ضمير الشأن، والألف في "تأخرا" ضمير القول والفعل، فهي "ألِف" اثنين، لا "ألِف" الإطلاق.

стр. 1750

لتأخرهما عن المجمَل حالتان: إحداهما: أن يتفقا في غرض البيان بلا تنافٍ. والثاني: أن يكون بينهما تنافٍ. فأما الأُولى: [فأنْ] (١) يسبق أحدهما ويُعلم، فهو المبيِّن، قولًا كان أو فعلًا. وإنْ لم يُعلم السابق فلا يُقضَى على واحد منهما بأنه المبيِّن بعينه، بل يُقضَى بحصول البيان بواحد لم يُطّلَع عليه وهو الأول في نفس الأمر، والتأكيد بالثاني. وقيل: يتعيَّن -في حالة الجهل بالسابق- غيرُ الأرجح للتقدم حتى يكون هو المبيِّن؛ لأنَّ المرجوح لا يكون تأكيدًا للراجح؛ لعدم الفائدة. واختاره الآمدي. ولكن جوابه أنَّ المؤكِّد المستقل لا يَلزم فيه ذلك، كالجمَل التي يُذكر بعضها بعد بحض للتأكيد. فإنَّ التأكيد يحصل بالثانية وإنْ كانت أضعف بانضمامها إلى الأُولى. وإنما يَلزم كَوْن المؤكّد أقوى في المفردات، نحو: جاءني القوم كُلهم. الثانية: إذا لم يتفق الفعل والقول بل تنافيَا في الحكم كما لو رُوي أنه ﷺ أمر بعد نزول آية الحج في القِران بطواف واحد، ورُوي أنه طاف قارنًا طوافين، فالمختار عند الجمهور -منهم الإمام وأتباعه وابن الحاجب- أنَّ المبيِّن هو القول، سواء كان قبل الفعل أو بعده. ويُحمل الفعل حينئذٍ على الندب أو على الوجوب المختص به ﷺ ؛ وذلك لأن القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدال بنفسه أقوى مِن الدال بِغَيره. لا يُقال: قد سبق أن الفعل أقوى في البيان. لأنَّا نقول: التحقيق أنَّ القول أقوى في الدلالة على الحكم، والفعل أَدل على الكيفية.

стр. 1751

ففِعل الصلاة أَدل مِن وصفها بالقول؛ لأن فيه المشاهدة. وأما استفادة وجوبها أو ندبها أو غيرهما فالقول أقوى وأوضح؛ لِصراحته. وخالف أبو الحسين، فقال: إنَّ المتقدِّم هو البيان، قولًا كان أو فعلًا. ويَلزمه -كما قال ابن الحاجب- نَسخ الفعل بالقول إذا وقع الفعل متقدِّمًا مع إمكان الجمع بينهما؛ لأَنا إذا حملنا الفعل على البيان أو الخصوصية، جمعنا بين القول والفعل، بخلاف النسخ، فإنه إبطال للمنسوخ. وقولي: (مَثِّلْ بِذَا، لَا تَأْثُرَا)، أي: اجعله مثالاً على تقدير أنْ لو وقع، أما كونه قد وقع وصار حديثًا مأثورًا فلا، وهو معنى قولي: (لَا تَأْثُرَا). يقال: آثرت الحديث آثره، أي: نقلته، فأنا آثر والحديث مأثور. و"الألف" مِن (تَأْثُرَا) بدل مِن نون التوكيد الخفيفة. ويقع في كلام كثير من شُراح "المختصر" والبيضاوي جَعْل ذلك حديثًا، وليس كذلك كما بينته، بل كلام القاضي تاج الدين السبكي في "شرح المنهاج" يُوهم ذلك. والله أعلم. ص: ٧١٧ - وَمَنْ أُرِيدَ فَهْمُهُ فَيَجِبُ ... لَهُ الْبيانُ حَسْبَمَا يَسْتَوْجِبُ الشَّرح: هذه المسألة قد سبقت في أنَّ لنا قِسمًا مِن "المجمَل" يستمر بلا بيان إلى آخِر الدهر، وذلك إنما يكون عند عدم الحاجة إلى بيانه، بأنْ لا يكون مِن دلائل الأحكام المكلَّف بها. فأما إذا كان كذلك وأريد بالخطاب إفهام المخاطَب به؛ لِيعمل به فِعلًا أو اعتقادًا، فيجب أن يبُيَّن له ذلك على حسب ما يراد بذلك الخطاب؛ لأن الفهم شرط التكليف. فأما مَن لا يراد إفهامه ذلك فلا يجب البيان له باتفاق.

стр. 1752

ولهذا قال بعضهم: إنه لا يجب البيان في الخطاب إذا كان خبرًا لا يتعلق به تكليف، وإنما يجب في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها. قلتُ: والمسألة تلتفت إلى "تكليف المُحال" وهو تكليف الغافل، وقد سبق امتناعه، بخلاف "التكليف بالمُحَال". والله أعلم. ص: ٧١٨ - وَعَنْ زَمَانِ الْفِعْلِ لَا يُؤَخَّرُ ... نَعَمْ، إلَيْهِ وَاقِعٌ؛ فَيُؤْثَرُ الشَّرح: أي: إذا عُلِمَ أنه يجب البيان عند الحاجة، فهل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بما يحتاج للبيان؟ أوْ لا سواء أكان ذلك في بيان المجمل أو غيره من تخصيص أو تقييد أو نسخ أو نحو ذلك؛ له حالان: إحداهما: تأخيره عن وقت العمل بالخطاب، وهو معنى قولي: (عَنْ زَمَانِ الْفِعْلِ)، أي: الفعل الممتثل به الخطاب. والثانية: تأخيره عن وقت الخطاب إلى زمان تَوجُّه التكليف بمباشرة الفعل، لا عنه. فأما الأُولى (وهي التأخير عن الوقت الذي إذا أُخِّر البيان عنه، لم يتمكن الكلَّف من المعرفة بما تضمنه الخطاب) فلا يقع فيها تأخير البيان وإنْ جاز أن يقع بِناء على جواز التكليف بالمحال، وهو الراجح كما سبق، خلافًا للمعتزلة؛ لأن العلة في عدم وقوع التأخير عن وقت العمل أن الإتيان بالشيء مع عدم العلم يه ممتنعٌ، فالتكليف بذلك تكليف بما لا يُطاق. ولهذا قال إمام الحرمين: إنْ منعنا التكليف بما لا يطاق فلا يجوز تأخير البيان عن وقت

стр. 1753

الحاجة، وإلا جاز. ولكن لم يقع؛ لأن التكليف بالمحال غير واقع. أي: الذي ليس مُحَاله لِتَعَلُّق عِلم الله تعالى بأنه لا يقع؛ لأنَّ ذلك واقع قطعًا كما سبق في موضعه. فالتعبير بأنه "لم يقع " أصوب مِن "لا يجوز". وأما وقت الحاجة فالمراد به -كما قال إمام الحرمين- تَوَجُّه الطلب، وبه يجاب عن كون الأستاذ لم يستحسن التعبير ب "الحاجة"، قال: لأنها تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأنَّ للمؤمنين حاجة إلى التكليف. قال: فالعبارة الصحيحة -على مذهبنا- أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب. وهو مُشَاححة لفظية، والمعنى واحد كما بيَّناه. نعم، ترددوا في أنَّ المراد بوقت الحاجة أو وقت الفعل زمن يمكن فيه الفعل، أو زمن يضيق بحيث لا يمكن فيما دونه الفعل. كالظهر مثلًا هل يجب بيانها بمجرد دخول الوقت؛ أو لا يجب إلا إذا ضاق وقتها؟ صرح أبو الحسين في "المعتمد" وغيره بالثاني، والقاضي أبو بكر بالأول. واستُشكل بتعليلهم المنع في أصل المسألة بأنه مِن التكليف بما لا يطاق. ويمكن جوابه بأنه لما دخل الوقت، تَعَلَّق الطلب به، فكيف يُطلب منه ما لا علِم له به؟ وأما الحالة الثانية وهي "تأخير البيان إلى وقت الحاجة" لا عَنْهُ: فأرجح المذاهب أنه جائز وواقع مطلقًا، سواء أكان للمبيَّن ظاهر يُعمَل به (كتأخير بيان التخصيص وبيان التقييد وبيان النَّسخ) أوْ لا (كبيان المجمَل). وبهذا قال أكثر أصحابنا وغيرهم، وعليه جمعٌ من الحنفية، واختاره الإمام الرازي وأتباعه، وابن الحاجب. ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن الشافعي نفسه، ونُقل عن

стр. 1754

الأشعري وعن المزني وعن ابن أبي هريرة وغيرهم، وإليه ذهب المحققون من المتأخرين كالقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيىرازي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] و"ثُمَّ" للتراخي، وقال في قصة نوح: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] والعموم يتناول ابنه؛ ولهذا سأل عن إهلاكه. وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية. وسأل ابن الزِّبَعْرَى عن دخول عيسى والملائكة، فجاء. البيان بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وغير ذلك. الثاني: المنع مطلقًا، فلا يقع مجُمَل إلا والبيان معه، وكذا غير المجمَل. وينقل عن أبي إسحاق المروزي والصيرفي وأبي حامد المروروذي والدَّقاق، وهو قول المعتزلة وكثير من الحنفية، وإليه صار ابن داود الظاهري، ونقله ابن القشيري عن داود نفسه وعن غيرهم. نعم، الصيرفي رجع، فقد قال الأستاذ أبو إسحاق: إنه نزل به أبو الحسن الأشعري ضيفاً، فناظره، فلم يَزَل به حتى رجع إلى مذهب الشافعي. نعم، عبارته في كتاب "الدلائل والأعلام" مُصرِّحة بالتفصيل الآتي، وهو: المذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمَل دُون غيره، وذلك جابى على اعتقاد الصيرفي أن الصيغة العامة إذا وردت، [يجب] (١) اعتقاد عمومها والعمل بموجبها. وَيلزم مِن رجوعه عن منع التأخير -فيما نقله الأستاذ عنه- رجوعه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة. ولذلك نَقل هذا القول الثالث عن الصيرفي القاضيان أبو الطيب وعبد الوهاب، ويُنقل أيضا عن كثير مِن الحنفية، حتى قال أبو بكر الرازي: (هو عندي مذهب أصحابنا؛ لأنهم

стр. 1755

يجعلون الزيادة على النص نَسخًا إذا تراخت عنه، فلا يجيزونها إلا بمثل ما يجوز به النَّسخ، ولو جاز عندهم تأخير البيان في مِثله، لَمَا كانت الزيادة نَسخًا، بل بيانًا) (١). الربا: يجوز تأخير بيان العموم؛ لأنه قبل البيان مفهوم، بخلاف المجمَل؛ لأنه قبل البيان غير مفهوم. حكاه الماوردي والروياني وجهًا لأصحابنا، وكذا حكاه ابن السمعاني عن بعضهم، وحكاه ابن برهان عن عبد الجبار. فيتعجب مِن قول القاضي عبد الوهاب: (إنه لم يَقُل به أحد). وأما المازري فنقله عن بعضهم، وقال: لا أثق به. والخامس: يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي، لا الأخبار كالوعد والوعيد. حكاه الماوردي عن الكرخي وبعض المعتزلة، ومنع السمعاني ذلك عن الكرخي. قال الماوردي: ولم يَقُل به أحد مِن أصحاب الشافعي. والسادس: عكسه، حكاه الشيخ أبو إسحاق، ونازع بعضهم فيه وفيما قبله بأنَّ الكلام في خطاب التكليف، لا في الأخبار. السابع: يجوز تأخير بيان النَّسخ دون غيره. حكاه في "المعتمد" عن أبي على وابنه وعبد الجبار. والثامن: يجوز فيما ليس له ظاهر، كالمشترك (قال الإمام الرازي: والمتواطئ. وفيه نظر)، دُون ما له ظاهر كالعام والمطلق والمنسوخ، فإنه يجوز تأخير بيانه التفصيلي دُون الإجمالي، فإنَّ الإجمالي يُشترط وجوده عند الخطاب؛ حتى يكون مانعًا من الوقوع في الخطأ، فيقال: هذا العام مُراد به خاص، أو: هذا المطلق مُراد به مقيد، أو: هذه النكرة مراد بها مُعيَّن، أو: هذا الحكم سيُنسخ.
следующие страницы →