← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ففِعل الصلاة أَدل مِن وصفها بالقول؛ لأن فيه المشاهدة. وأما استفادة وجوبها أو ندبها أو غيرهما فالقول أقوى وأوضح؛ لِصراحته. وخالف أبو الحسين، فقال: إنَّ المتقدِّم هو البيان، قولًا كان أو فعلًا. ويَلزمه -كما قال ابن الحاجب- نَسخ الفعل بالقول إذا وقع الفعل متقدِّمًا مع إمكان الجمع بينهما؛ لأَنا إذا حملنا الفعل على البيان أو الخصوصية، جمعنا بين القول والفعل، بخلاف النسخ، فإنه إبطال للمنسوخ. وقولي: (مَثِّلْ بِذَا، لَا تَأْثُرَا)، أي: اجعله مثالاً على تقدير أنْ لو وقع، أما كونه قد وقع وصار حديثًا مأثورًا فلا، وهو معنى قولي: (لَا تَأْثُرَا). يقال: آثرت الحديث آثره، أي: نقلته، فأنا آثر والحديث مأثور. و"الألف" مِن (تَأْثُرَا) بدل مِن نون التوكيد الخفيفة. ويقع في كلام كثير من شُراح "المختصر" والبيضاوي جَعْل ذلك حديثًا، وليس كذلك كما بينته، بل كلام القاضي تاج الدين السبكي في "شرح المنهاج" يُوهم ذلك. والله أعلم. ص: ٧١٧ - وَمَنْ أُرِيدَ فَهْمُهُ فَيَجِبُ ... لَهُ الْبيانُ حَسْبَمَا يَسْتَوْجِبُ الشَّرح: هذه المسألة قد سبقت في أنَّ لنا قِسمًا مِن "المجمَل" يستمر بلا بيان إلى آخِر الدهر، وذلك إنما يكون عند عدم الحاجة إلى بيانه، بأنْ لا يكون مِن دلائل الأحكام المكلَّف بها. فأما إذا كان كذلك وأريد بالخطاب إفهام المخاطَب به؛ لِيعمل به فِعلًا أو اعتقادًا، فيجب أن يبُيَّن له ذلك على حسب ما يراد بذلك الخطاب؛ لأن الفهم شرط التكليف. فأما مَن لا يراد إفهامه ذلك فلا يجب البيان له باتفاق.

стр. 1752

ولهذا قال بعضهم: إنه لا يجب البيان في الخطاب إذا كان خبرًا لا يتعلق به تكليف، وإنما يجب في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها. قلتُ: والمسألة تلتفت إلى "تكليف المُحال" وهو تكليف الغافل، وقد سبق امتناعه، بخلاف "التكليف بالمُحَال". والله أعلم. ص: ٧١٨ - وَعَنْ زَمَانِ الْفِعْلِ لَا يُؤَخَّرُ ... نَعَمْ، إلَيْهِ وَاقِعٌ؛ فَيُؤْثَرُ الشَّرح: أي: إذا عُلِمَ أنه يجب البيان عند الحاجة، فهل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بما يحتاج للبيان؟ أوْ لا سواء أكان ذلك في بيان المجمل أو غيره من تخصيص أو تقييد أو نسخ أو نحو ذلك؛ له حالان: إحداهما: تأخيره عن وقت العمل بالخطاب، وهو معنى قولي: (عَنْ زَمَانِ الْفِعْلِ)، أي: الفعل الممتثل به الخطاب. والثانية: تأخيره عن وقت الخطاب إلى زمان تَوجُّه التكليف بمباشرة الفعل، لا عنه. فأما الأُولى (وهي التأخير عن الوقت الذي إذا أُخِّر البيان عنه، لم يتمكن الكلَّف من المعرفة بما تضمنه الخطاب) فلا يقع فيها تأخير البيان وإنْ جاز أن يقع بِناء على جواز التكليف بالمحال، وهو الراجح كما سبق، خلافًا للمعتزلة؛ لأن العلة في عدم وقوع التأخير عن وقت العمل أن الإتيان بالشيء مع عدم العلم يه ممتنعٌ، فالتكليف بذلك تكليف بما لا يُطاق. ولهذا قال إمام الحرمين: إنْ منعنا التكليف بما لا يطاق فلا يجوز تأخير البيان عن وقت

стр. 1753

الحاجة، وإلا جاز. ولكن لم يقع؛ لأن التكليف بالمحال غير واقع. أي: الذي ليس مُحَاله لِتَعَلُّق عِلم الله تعالى بأنه لا يقع؛ لأنَّ ذلك واقع قطعًا كما سبق في موضعه. فالتعبير بأنه "لم يقع " أصوب مِن "لا يجوز". وأما وقت الحاجة فالمراد به -كما قال إمام الحرمين- تَوَجُّه الطلب، وبه يجاب عن كون الأستاذ لم يستحسن التعبير ب "الحاجة"، قال: لأنها تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأنَّ للمؤمنين حاجة إلى التكليف. قال: فالعبارة الصحيحة -على مذهبنا- أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب. وهو مُشَاححة لفظية، والمعنى واحد كما بيَّناه. نعم، ترددوا في أنَّ المراد بوقت الحاجة أو وقت الفعل زمن يمكن فيه الفعل، أو زمن يضيق بحيث لا يمكن فيما دونه الفعل. كالظهر مثلًا هل يجب بيانها بمجرد دخول الوقت؛ أو لا يجب إلا إذا ضاق وقتها؟ صرح أبو الحسين في "المعتمد" وغيره بالثاني، والقاضي أبو بكر بالأول. واستُشكل بتعليلهم المنع في أصل المسألة بأنه مِن التكليف بما لا يطاق. ويمكن جوابه بأنه لما دخل الوقت، تَعَلَّق الطلب به، فكيف يُطلب منه ما لا علِم له به؟ وأما الحالة الثانية وهي "تأخير البيان إلى وقت الحاجة" لا عَنْهُ: فأرجح المذاهب أنه جائز وواقع مطلقًا، سواء أكان للمبيَّن ظاهر يُعمَل به (كتأخير بيان التخصيص وبيان التقييد وبيان النَّسخ) أوْ لا (كبيان المجمَل). وبهذا قال أكثر أصحابنا وغيرهم، وعليه جمعٌ من الحنفية، واختاره الإمام الرازي وأتباعه، وابن الحاجب. ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن الشافعي نفسه، ونُقل عن

стр. 1754

الأشعري وعن المزني وعن ابن أبي هريرة وغيرهم، وإليه ذهب المحققون من المتأخرين كالقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيىرازي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] و"ثُمَّ" للتراخي، وقال في قصة نوح: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] والعموم يتناول ابنه؛ ولهذا سأل عن إهلاكه. وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية. وسأل ابن الزِّبَعْرَى عن دخول عيسى والملائكة، فجاء. البيان بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وغير ذلك. الثاني: المنع مطلقًا، فلا يقع مجُمَل إلا والبيان معه، وكذا غير المجمَل. وينقل عن أبي إسحاق المروزي والصيرفي وأبي حامد المروروذي والدَّقاق، وهو قول المعتزلة وكثير من الحنفية، وإليه صار ابن داود الظاهري، ونقله ابن القشيري عن داود نفسه وعن غيرهم. نعم، الصيرفي رجع، فقد قال الأستاذ أبو إسحاق: إنه نزل به أبو الحسن الأشعري ضيفاً، فناظره، فلم يَزَل به حتى رجع إلى مذهب الشافعي. نعم، عبارته في كتاب "الدلائل والأعلام" مُصرِّحة بالتفصيل الآتي، وهو: المذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمَل دُون غيره، وذلك جابى على اعتقاد الصيرفي أن الصيغة العامة إذا وردت، [يجب] (١) اعتقاد عمومها والعمل بموجبها. وَيلزم مِن رجوعه عن منع التأخير -فيما نقله الأستاذ عنه- رجوعه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة. ولذلك نَقل هذا القول الثالث عن الصيرفي القاضيان أبو الطيب وعبد الوهاب، ويُنقل أيضا عن كثير مِن الحنفية، حتى قال أبو بكر الرازي: (هو عندي مذهب أصحابنا؛ لأنهم

стр. 1755

يجعلون الزيادة على النص نَسخًا إذا تراخت عنه، فلا يجيزونها إلا بمثل ما يجوز به النَّسخ، ولو جاز عندهم تأخير البيان في مِثله، لَمَا كانت الزيادة نَسخًا، بل بيانًا) (١). الربا: يجوز تأخير بيان العموم؛ لأنه قبل البيان مفهوم، بخلاف المجمَل؛ لأنه قبل البيان غير مفهوم. حكاه الماوردي والروياني وجهًا لأصحابنا، وكذا حكاه ابن السمعاني عن بعضهم، وحكاه ابن برهان عن عبد الجبار. فيتعجب مِن قول القاضي عبد الوهاب: (إنه لم يَقُل به أحد). وأما المازري فنقله عن بعضهم، وقال: لا أثق به. والخامس: يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي، لا الأخبار كالوعد والوعيد. حكاه الماوردي عن الكرخي وبعض المعتزلة، ومنع السمعاني ذلك عن الكرخي. قال الماوردي: ولم يَقُل به أحد مِن أصحاب الشافعي. والسادس: عكسه، حكاه الشيخ أبو إسحاق، ونازع بعضهم فيه وفيما قبله بأنَّ الكلام في خطاب التكليف، لا في الأخبار. السابع: يجوز تأخير بيان النَّسخ دون غيره. حكاه في "المعتمد" عن أبي على وابنه وعبد الجبار. والثامن: يجوز فيما ليس له ظاهر، كالمشترك (قال الإمام الرازي: والمتواطئ. وفيه نظر)، دُون ما له ظاهر كالعام والمطلق والمنسوخ، فإنه يجوز تأخير بيانه التفصيلي دُون الإجمالي، فإنَّ الإجمالي يُشترط وجوده عند الخطاب؛ حتى يكون مانعًا من الوقوع في الخطأ، فيقال: هذا العام مُراد به خاص، أو: هذا المطلق مُراد به مقيد، أو: هذه النكرة مراد بها مُعيَّن، أو: هذا الحكم سيُنسخ.

стр. 1756

أما البيان التفصيلي فليس ذِكره مع الخطاب شرطًا. نَقل هذا المذهب الإمام الرازي وأتباعه عن أبي الحسين والدَّقاق والقفال وأبي إسحاق. فأما أبو الحسين فصحيح، وأما القفال فالظاهر أنه الشاشي، لكن سبق أنه موافق للجمهور، بل هو موجود صريحا في كتابه "التبصرة". وأما أبو إسحاق فإنْ كان المروزي كما صرح به الإمام، فقد سبق عنه النَقل بموافقة المعتزلة على المنع، وحكى عنه القاضي عبد الوهاب الثالث، وقال الهندي: إنَّ عنه روايتين. وإن كان الشيرازي فقد صحح في "شرح اللمع" الجواز مطلقًا. والتاسع: حكاه ابن السمعاني عن أبي زيد: أنَّ بيان المجمَل إنْ لم يكن تبديلاً ولا تغييرًا، جاز مقارنًا وطارئًا، وإلا فيجوز مقارنًا، لا طارئًا. ثم ذكر أنَّ الاستثناء مِن بيان التغيير. قال أبو زيد: والخلاف الذي بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص، فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء، فلا يجوز إلا مقارنًا، وعند الشافعي مِن قبيل بيان المجمل، فيصح مقارنًا وطارئًا. فمَن أُوصِي له بخاتم ولعمرو بِفَصِّه بكلام متصل، فالفص كله للثاني، ويكون تخصيصه بيانًا كالاستثناء. فإنْ فَصَل الوصية بالفص، كان الفص بينهما؛ لأنه في الفصل ليس بيانًا. قال: وأما بيان المجمل منفصلًا فجائز، فمَن أَقَر بشيء، جاز أن يُبينه متصلًا ومُنفصلًا. والعاشر: يجوز في النسخ ولا يجوز في غيره. بل قيل: إنَّ محل الخلاف في غيره، وأما هو فباتفاق. وهو مقتضَى كلام القاضي وإمام الحرمين، وبه صرح ابن برهان والغزالي وغيرهما. ولكن الخلاف محَكي في الكل كما سبق، ومنهم مَن يوحِّد بَين هذا وبين القول الخامس ويقول: (إن التعبير في الخامس أَجود؛ لعمومه). وفيه نظر.

стр. 1757

تنبيهات الأول: ذكر المازري مِن فوائد الخلاف في المسألة ورود خبر الواحد متأخرًا عن عموم الكتاب، رافعًا لبعض مقتضاه، كحديث: "مَن قتل قتيلًا فله سلبه" (١). الثاني: القائلون بجواز التأخير اختلفوا في جواز التدريج بالبيان -بأن يُبيِّن تخصيما بعد تخصيص -على مذاهب: أحدها (وهو قول الأكثر ومنهم القاضي): يجوز ذلك في الثاني والثالث، وما بعدهما كالأول. فيقال مثلًا: (اقتلوا المشركين)، ثم يقال: (سُلخ الشهر)، ثم يقال: (الحربيين)، ثم يقال: (إذا كانوا رجالًا). والثاني: المنع في الثاني وما بعده، لأنَّ قضية البيان أنْ يكمله أولًا. والثالث: يجوز ذلك في المجمل، وأما في العموم فعلى الخلاف في البيان الأول. الراب يجوز إذا علم المكلف أنَّ فيه بيانًا متوقعًا. ومنهم مَن يأخذ مِن هذا قولًا آخَر مفصِّلا في أصل [المسألة] (٢)، فيقول: يمتنع تأخير بعض البيان، ولا يمتنع تأخير الكل. التنبيه الثالث: المانعون لتأخير البيان اختلفوا في مسألتين: إحداهما: هل يجوز للرسول ﷺ تأخير تبليغ ما أُوحي إليه مِن الأحكام إلى وقت الحاجة؟

стр. 1758

الأكثر: نعم؛ لأن وجوب معرفتها إنما هو للعمل، فلا حاجة له قبل وقت العمل. وقيل: لا، لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]. ورُدَّ بأنَّ الأمر ليس للفور، وبأن المراد: بَلِّغ القرآن. وفي هذا نظر؛ إذ لا فرق بين القرآن والسُّنَّة في ذلك. نعم، حكى صاحب "المصادر" عن عبد الجبار أنَّ المنزل إنْ كان قرألا، فيجب تبليغه في الحال؛ لقصد انتشاره وإبلاغه. أو غير قرآن، لم يجب. الثانية: إسماع العام المقصود تخصيصه بدون مخُصِّصه -جوَّزه الأكثر، ومنعه أبو الهذيل والجبائي في التخصيص بالسمع، لا بالعقل. الرابع: إذا تعارض دليلان كل منهما بيانٌ في شيء مجملٌ في آخَر، كحديث: "فيما سقت السماء العشر" (١) بيانٌ في الإخراج مجملٌ في المقدار، وحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٢) بيانٌ في المقدار مجمَلٌ في الإخراج. فتَمسَّك أبو حنيفة بالأول في عدم اعتبار النصاب، وتمسَّك الشافعي بالثاني في اعتباره. قال الماوردي: (ومذهبنا يترجَّح بأنَّ بيان المقدار في خبرنا قاضٍ على إجمال المقدار مِن خبرهم، كما أنَّ البيان بالإخراج مِن خبرهم قاضٍ على إجمال الإخراج من خبرنا) (٣). الخامس: يدل للجواز وقوع ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] ثم بيَّن ﷺ أنَّ السَّلَب للقاتل، نزلت الآية في بدر، والحديث كان في

стр. 1759

[حنين] (١). وجاء بيان ذوى القربى أنهم بنو هاشم وبنو المطلب دُون بني عبد شمس وبني نوفل، مع كون الأربعة بني عبد مناف. وكذا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] نزلت، ثم بيَّن جبريل. وكذا الزكاة، وكذا السرقة، وغير ذلك مما بيَّنه ﷺ على تدريج. السادس: ثمرة الخلاف في المسألة: إذا اطَّلع المجتهد على عموم في القرآن ثم على ما يرفع بعضه من السُّنَّة، فإنْ منعنا تأخير البيان وكان الخبر متواترًا، كان نسخًا، وإلا فلا نأخذ به. وإنْ أَجزنا تأخير البيان، كان ذلك تخصيصًا إنْ قلنا: [يُخَصَّص] (٢) المتواترُ بالآحاد. ويُمثَّل بما سبق ونحوه. ومن هنا يُعرف وجه الاحتياج إلى معرفة التواريخ؛ لِمَا يترتب عليها مِن أحكام الشرع. السابع: إذا قلنا بالمنع مِن تأخير البيان، فالمختار عند ابن الحاجب وغيره جواز تأخير إسماع المخصّص الموجود. وهو رأي أبي هاشم والنظام وأبي الحسين. وقال الجبائي وأبو الهذيل: [ممتنع] (٣) في الدليل المخصص السمعي دُون العقلي. وعلى الأول: فمَن ليس موجودًا حال نزول المخصّص، لا يُشترط إسماعه؛ لعدم إمكانه. ويجب تعميم الموجودين بالإسماع، ولا يكفي البعض؛ ولذلك استدل بأن فاطمة ﵂ سمعت آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] ولم تسمع: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" (٤).

стр. 1760

وسمع الأكثر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ولم يسمعوا في المجوس: "سنوا بهم سُنة أهل الكتاب" (١). رواه الشافعي وغيره. ولولا شرط إسماع الكل، لَمَا صح الاستدلال بذلك، فإنه كان للخصم أن يقول: إنما يشترط سماع البعض، وقد سمع غيرُ فاطمة وغيرُ الأكثر. والله أعلم. ص: ٧١٩ - وَجَازَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَظْنُونُ ... مَا كانَ قَطْعِيَّا، وَذَا مَزْكُونُ الشَّرح: أي: لا يشترط في البيان أنْ يكون أقوى مِن المبيَّن على ما اختاره الإمام الرازي، ونقله الهندي عن الجماهير، ولم ينقله ابن الحاجب إلا عن الكرخي، وقال: إنَّ المختار خِلاف ذلك. وهو أنه يجب كون البيان أقوى، والكرخي إنما قال: تجب المساواة حتى يمتنع بالأدنى. قال الهندي: (ولا يتوهم في حق أحد أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبيَّن في قوة الدلالة، فإنه لو كان كذلك، لَمَا كان بيانًا له، بل كان هو يحتاج إلى بيان آخَر) (٢). نعم، ابن الحاجب بعد أنْ أَطْلَق المسألة أولًا ذَكر دليلًا يقتضي تخصيصها، فإنه قال: النا: لو كان مرجوحًا أو مساويًا لألغِيَ في صورة المرجوحية الأقوى بالأدنى في العام إذا خُصِّص والمطلَق إذا قُيِّد، وفي صورة التساوي يَلزم التحكم) (٣). أي: وكلاهما لا يجوز. فإنْ كان ما اختاره هو التفصيل بين بيان العام والمطلق وبين بيان المجمَل، فهو غير

стр. 1761

مذهب مَن عَمَّم في الكل، وإلا فيكون دليلًا خاصًّا على دعوى عامة. والعجب أنه في المخصِّصات جرى على تخصيص الأقوى بالأدنى في غالب المسائل. وأما المجمَل فالاكتفاء فيه بالأدنى واضح لا خفاء به، إذْ لا تَعارُض بينه وبين المبيِّن. وقولي: (وَذَا مَزْكُونُ) أي: معلوم. والله أعلم.

стр. 1762

النوع الثالث ما يتوقف عليه مِن حيث بقاء الحُكم [أو] (١) رَفْعه، وهو"النَّسْخ "وأحكامه تقدَّم أنَّ الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة مُتوقِّف على مَعرفة ثلاثة أشياء: طريق ثبوتها في نفسها من حيث نقلها، وثبوت معرفة لغة العرب وأقسامها، ومعرفة أحكام المهم من أقسام اللغة. وقد فرغنا مِن الأولَين، فالثالث ما يتوقف مِن حيث بقاء الحكم أو ارتفاعه، وهو بيان النَّسخ وأحكامه. فأما بيان حقيقة النسخ فقد أشرت إليه بقولي: ص: ٧٢٠ - "النَّسْخُ": رَفْعُ الْحُكْمِ حَيْثُ شُرِعَا ... أَيِ: التَّعَلُّقُ الَّذِي قَدْ وُضِعَا ٧٢١ - بِمَا مِنَ الْخِطَابِ جَا في الشِّرْعَةِ ... فَهْوَ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ ٧٢٢ - لَا الرَّفْعُ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّهْ ... وَلَا سُقُوطُ الْعُضْوِ بِالْكُلمهْ ٧٢٣ - فَحُكْمُ ذَيْنِ ثَابِتٌ بِالْعَقْل ... وَالنَّسْخُ وَاقِعٌ صَحِيحُ النَّقْلِ الشَّرح: "النَّسخ" في اللغة يُطْلَق على:

стр. 1763

- الإزالة، كـ "نسخت الشمس الظل"، أي: أزالته. - وعلى النَّقل مع عدم بقاء الأول، كالمناسخات في المواريث. ومنه قول بعض المبتدعة بالتناسخ فى الأرواح، يزعمون أنَّ الأرواح تنتقل مِن هيكل إلى هيكل. - وعلى النقل مع بقاء الأول، فيكون المراد مماثلته، كنَسخ الكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. فقيل: مشترك بَيْن الإزالة والنَّقل. وعليه القاضي والغزالي. وقيل: حقيقة في الأول فقط. وهو قول الأكثرين كما قاله الهندي، وهو المختار. وقيل عكسه، وعليه القفال الشاشي. وقيل: للقدر المشترك بينهما وهو الرفع، فيكون متواطئًا. وبه قال ابن المنير في "شرح البرهان"، ولكن لا يتأتى ذلك في نحو نسخ الكتاب؛ إذْ لا رفع فيه. ثم قيل: الخُلْفُ لفظي. وقيل: معنوي، تظهر فائدته في جواز النَّسخ بلا بدل. وفيه نظر؛ لأن المدار على الحقائق العُرفية، لا اللغوية. وأيضًا فهو يُبْنَى على أنَّ الاصطلاحي نُقل من اللغوية كما نُقِلَت "الصلاة" إلى الشرعية. وإليه ذهب بعض المتكلمين، لكن الأظهر أنه كنقل "الدابة"، فنُقل من الأَعم إلى أخص. وأما "النَّسخ" في الاصطلاح فقد اختُلِفَ في أنه "رفع" أو "بيان". فمَن قال: رَفْع، قال في تعريفه: رَفْع حُكم شرعي بخطاب شرعي. ومَن قال بيان، قال: هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ. ولَمَّا كان الأَرجح الأول (وبه قال أكثر المحققين من الأصوليين، كالصيرفي والشيخ أبي إسحاق والقاضي والغزالي، وبه قال الآمدي وابن الحاجب والأبياري)، جريتُ عليه في

стр. 1764

النَّظم، وأشرتُ إلى جواب شُبهة مقابِلهِ. ومعناه: أنه لولا مجيء النَّسخ لَتقِي ذلك الحكم. وذهب الأستاذ وإمام الحرمين وأكثر الفقهاء إلى أنه بيان، ومعناه أنَّ الناسخ بَيَّن أنَّ الأول انتهى التكليف به. وأنكروا كونه رَفْعًا؛ بناءً على أنَّ الحكم راجع إلى كلام الله تعالى وهو قديم، والقديم لا يرتفع. لكن جوابه أنَّ المرفوع هو تَعلُّق الحكم، والتعلق حادث كما سبق بيانه أول الكتاب. فقد اتفق القولان على أنَّ الحكم الأول انعدم تَعلُّقه، لا ذاته، وعلى أنَّ الخطاب الثاني هو الذي حقق زوال الأول. وإنما اختلفا في أنَّ الرافع هو الثاني، حتى لو لم يجئ، لَتقي الأول؟ أو يقال: إنَّ الأول له غاية لا نَعلمها، فلمَّا جاء الدليل، بيَن انتهاءها، حتى لو لم يجئ، كان الحكم للأول وإنْ لم نعلمه؟ لكن قد سبق أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فرجع القول الثاني للأول؛ فلذلك أشرتُ بقولى: (فَهْوَ بَيَان لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ) إلى رجوعه إليه. وينحل الفرق بينهما إلى أنه زال به، أو زال عنده، لا بِه. ولكن لما لم يُعلم الزوال إلا به، استوى القولان. ونظير هذا الخلافِ الخلافُ عند المتكلمين في أنَّ زوال الأعراض بالذات أو بالضد. فإنَّ مَن قال ببقائها، لمحال: إنما ينعدم الضد المتقدِّم بطريان الطارئ، ولولاه لَتقي. ومَن لم يَقُل ببقائها، قال: إنه ينعدم بنفسه، ويحدث الضد الطارئ، وليس له تأثير في إعدام الضد الأول. ونظيره في الفقهيات الزائل العائد كالذي لم يَزُل، أو كالذي لم يَعُد. فالذي يقول بالأول: يجعل العَوْد بيانًا لاستمرار حُكم الأول.

стр. 1765

والقائل بالثاني يقول: ارتفع الحكم الأول بالزوال، فلا يرجع حُكمه بالعَود. وقد ظهر بهذا التقرير أنَّ النزاع ليس لفظيًّا مِن كل وجه، بل معنوي، لكن يعود القولان إلى مقصد واحد بالاعتبار الذي سبق. ومما يشبه ذلك تعبيرهم في الحدث بِـ "نواقض الوضوء"، و"انتقض الوضوء" كما هو رأي ابن القاص، وعبر به صاحب "التنبيه" وجمعٌ وإنْ فرَّ منه الأكثرون؛ لعدم الرفع فيه. لكن الأول أيضًا صحيح؛ لِمَا سبق. ونحوه: الفسخ للعقود هل هو مِن حين الفسخ؟ أو مِن الأصل؟ فمَن قال: مِن حينه، جعله كالنسخ هنا؛ لأنَّ المراد انتهاء المدة، لا الرفع من الأصل؛ لأن الواقع لا يرتفع. فمَن أفسد هذه العبارة بهذه الشبهة، يُجاب بذلك. إذا عَرفْتَ ذلك، رجعنا إلى شرح التعريف. فقولنا: (رَفْع): جنس. وقولنا: (حُكم شرعي) خرج به المباح بحكم الأصل عند القائل به؛ فإنَّ ذلك بحكم عقلي، لا شرعي. فإذا خرج فَرْد مِن تلك الأفراد، فلا يُسمى نَسخًا. ولهذا اعتُرِضَ على مالك في قوله: (إنَّ الكلام كان مباحًا في الصلاة في ابتداء الإسلام على الإطلاق، ثُمَّ نُسخ فيما لا يتعلق بمصلحة الصلاة بالإجماع، وبقي ما سواه على أصل الإباحة) بأنَّ هذا ليس بِنَسخ؛ لأن إباحة الكلام إنما كانت على الأصل، لا بخطاب شرعي. وقولنا: (بخطاب شرعي) خرج به ما زال الحكم فيه بأمر عقلي كالموت والجنون والنوم والغفلة ونحو ذلك. وزاد ابن الحاجب: "متأخِّر"؛ ليخرج ما لو قال: (صلِّ عند كل زوال إلى آخِر الشهر)، و [نحوه] (١) المخصصات المتصلة كلها؛ فإنها إخراج بدليل شرعي لكن مقارِن، لا متأخِّر.

стр. 1766

وإنما لم أذكر في التعريف هذا القيد؛ لأنَّ الرفع يستدعي ثبوت حُكم، والحُكم لم يثبت بأول الكلام؛ إذِ الكلام بآخِره، فكيف يرفع؟ وأيضا فيُستغنَى عن قيد "التأخر" بقولنا: (بخطاب شرعي)، فإنه إذا لم يتأخر، فكيف يكون رافعًا؟ وأيضا فالمخصِّصات [المتصلة] (١) متأخِّرة لفظًا، فلا يُخرجها قوله: (متأخر). ولهذا أَبْدَل بعضهم "متأخر" بـ "مُتراخٍ"؛ لتخرج المخصِّصات المتصلة. والكل لا يُحتاج إليه؛ لِمَا قررناه. ومما يَخرُج بقولنا: (بخطاب شرعي) مَنْ سقطت رِجْلاه، فإنه لا يقال فيه: إنه رفع بدليل شرعي، بل بالعقل. وما وقع للإمام الرازي في "المحصول" مِن جَعْل ذلك نَسخًا فضعيف. وهذا كله معنى قولي: (لَا الرَّفْعُ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّهْ) إلى آخره. فإن قيل: النسخ قد يقع بفعل النبي ﷺ ، ولا يُقال فيه: "خطاب"، فكان الصواب التعبير بِ "دليل شرعي" كما عبَّر به ابن الحاجب، أو بِ "طريق شرعي" كما عبر به البيضاوي؛ ليدخل فيه الفعل. فقد جعل الأئمة منه نَسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ ﷺ . قيل: الفعل ونحوه هو مِن خطاب الشارع؛ لأنَّ المراد به كل ما وَرَدَ مِن الشرح دليلاً على حُكم فإنه يُسمى "خطابًا"؛ لأن الخطاب قديم وهو كلام الله تعالى، واللفظ والفعل دالَّان عليه. أو يقال: إنَّ الفعل حيث قلنا: (ناسخ) فإنما المراد أنه دالّ على ناسخ، لا أن الفعل نفسه ناسخ؛ لأن للفعل أزمنة متعاقبة فلو كان هو الناسخ، لَمَا تَحقَّق نَسخ إلا بعد انقضائه، فكان

стр. 1767

قبل انقضائه واقعًا على خِلاف الحكم الثابت، وهو مُحَال. كذا قاله السبكي. وفيه نظر؛ لإطلاق العلماء أنَّ الفعل ناسخ ومخصِّص، ولا يقال: تضمن ناسخًا ومخصِّصًا. وأما ما تعلق به مِن كون الفعل له أوقات متعاقبة فمُسلَّم، ولكن نحن نقول بابتداء الفعل وَقَعَ النَّسخ، ولكن لم يُعْلم حتى انقضى الفعل، فلا يتضمن سَبْق شيء آخَر على الفعل. وإنما احتجنا لمثل ذلك في قولنا: (الإجماع على خلاف نَص يتضمن ناسخًا)؛ لأن النسخ لا يكون بعد وفاة النبي ﷺ ، فلمَّا أجمعوا، عَلِمْنَا أنَّ ثَمَّ ناسخًا كان قبل وفاته. وأما إذا أجمعت الأُمَّة على قولين وقُلنا: (إنَّ الحكم في العامِّي أنْ يأخذ بما شاء من القولين) ثم إذا مات أحد الفريقين أو رجعوا للفريق الآخَر وقُلنا: (صار إجماعًا)، فقد تَغيَّر الحكم الذي ثبت بعد وفاته بحكم ثبت بَعْده، فليس مِن قبيل النسخ، بل كان الحكم خفيًّا ثم ظهر بالإجماع، والتخيير إنما كان لخفائه وللانحصار فيهما. فإنْ قلتَ: سيأتي مِن أقسام النَّسخ أنه يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم وليس فيه رَفْع حُكم، بل رَفْع لفظ. قلتُ: تَضمن رَفْع أحكام كثيرة، كالتعبد بتلاوته، وإجراء حُكم القرآن عليه في منع الجُنب ونحوه مِن قراءته ومَس المُحْدِث إياه وحَمْله، وإبطال التلفُّظ به الصلاة، وغير ذلك. وقد حكى ابن الحاجب وغيره تعريفات أخرى للأئمة زيَّفوها، فلا حاجة للتطويل بها. بل وتزييفها يُعْرَف مِن تَأمُّل التعريف الصحيح وما وَقَعَت به المخالفة، فالاشتغال بأهم مِن ذلك أَوْلى. فإنْ قيل: التخصيص منه ما هو نَسخ (كالواقع بعد زمان الفعل) وغَيْر نسخ (وهو

стр. 1768

بخلافه كما سبق) فمِن أين يدخل النَّسخ في تعريفه ويخرج غير النَّسخ مِن تعريفه؟ قلتُ: ما كان قبل وقت الفعل لم يتقرر فيه حُكم حتى يرتفع، وما كان بعده فقد تَقرر الحكم، فبالتخصيص ارتفع، وهذا ظاهر. تنبيهات الأول: قال الشافعي في "الأم": النَّاسخ مِن القرآن: الأمر يُنزله الله بَعد الأمر بخلافه، كما حُوِّلَت القبلة. وقال في "الرسالة": (وهكذا كل ما نسخ الله تعالى وفي نَسْخه تَرْك فَرضِه، فكان حقًّا في وقته، وتَرْكه حق إذا نسخه، فيكون مَن أدرك فرَضَه [قطعنا] (١) باتِّباع الفرض الناسخ له) (٢). وأورد أمورًا ودقائق فيه لم يُسبَق بمثلها. قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": (روينا عن الزهري ﵁ أنه قال: أَعْيَا الفقهاء وأَعْجزهم أنْ يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ مِن مَنسوخه، وكان للشافعي فيه يَدٌ طُولى وسابقة أُولَى. قال أحمد: ما عَلِمْنا المجمَل مِن المفسَّر ولا ناسخ الحديث مِن مَنسوخِه حتى جالسنا الشافعي) (٣). ثم قال (وفيمن عاناه من أهل الحديث مَن أَدْخل فيه ماليس منه؛ لخفاء معنى النَّسخ

стр. 1769

وشرطه. وهو عبارة عن رَفْع الشَّارع حُكْمًا مِنه مُتقدِّمًا بحكم منه متأخر). قال: (وهذا حَدٌّ وقع لنا سالِمٌ مِن اعتراضات وَردَت على غيره) (١). انتهى الثاني: جَمَعَ كثير مِن العلماء ناسخ القرآن ومنسوخه، منهم قتادة بن دعامة السدوسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وهبة الله بن سلامة الضرير، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن الأنباري، ومكي وغيرهم. لكن يتسامحون كثيرًا في التخصيص للعمومات فيسمونها "نَسخًا"، وكذا فيمن صَنَّف في ناسخ الحديث ومَنسوخه. والنَّسخ إنما يكون للكل أو للبعض بِشرط دخول وقت الفعل كما بيناه، فينبغي لمن يتتبعه أن يتأمل ذلك وَيرُدَّ كلَّ شيءٍ إلى قاعدته. ومن أطريف، (٢) ما حُكي في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]: إنَّ ﴿وَأَسِيرًا﴾ مَنسوخ؛ لأنَّ أسرى المشركين خارجة مِن ذلك. فلما سمعته ابنته يقرأ ذلك قالت له: أخطأتَ يا أَبتِ. فقال: ولمَ؛ قالت: أجمع المسلمون على أنَّ الأسير يُطْعَم ولا يُقتل جوعًا. الثالث: قال العلماء: لا يجوز لأحد أنْ يُفسِّر كتاب الله تعالى حتى يعرف الناسخ والمنسوخ. وروى أبو جعفر النحاس بسنده إلى عِلي ﵁ أنه مَرَّ برَجُل يَقُصُّ، فقال: أَعرفتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هَلَكتَ وأَهلَكت (٣).

стр. 1770

وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]: هي مَعرِفة القرآن ناسخه ومَنسوخه، ومحُكَمه ومُتشابهه، ومُقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله، وأمثاله (١). وقولي: (وَالنَّسْخُ وَاقِعٌ صَحِيحُ النَّقْلِ) هو شروع في ما يتعلق بالنسخ بعد معرفة حقيقته. فمن ذلك أنَّ النَّسخ هل يجوز؟ أوْ لا؟ وهل وقع؟ أو لا؟ فأمَّا الجواز فالمخالِف فيه اليهود -غير العيسوية- وبعض غلاة الرافضة، ونقله الشيخ أبو إسحاق وسليم والإمام الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني مِن المعتزلة، إلا أنه صرَّح بأنَّ المنع إنما هو في القرآن خاصةً، لا على الإطلاق. ونقل الآمدي وابن الحاجب عن أبي مُسلِم أنه يخالف في الوقوع، لا في الجواز. ومنهم مَن قال: إنه جائز عقلًا. حكاه أبو زيد عن بعض المسلمين ممن لا يُعتد بخلافه. ثم المانع مِن جوازه منهم مَن قال: لأنه يستلزم البداء، وهو محُال. وإنْ جَوَّزه الرافضة. ومنهم مَن سّمَاه "تخصيصًا". وقيل غير ذلك، والكل باطل، فالصواب جوازه عقلًا وشرعًا. وأما الوقوع فواقع لا محالة، وَيلزم مِن ذلك الجواز؛ فلذلك اقتصرتُ في النَّظم على مسألة الوقوع. وقولي: (صَحِيحُ النَّقلِ) أي: كونه واقعًا صحيح النقل ما بين تَواتُر وآحاد كما سيأتي تفصيله في الباب.

стр. 1771

نعم للنسخ شروط منها: كَوْن المنسوخ حُكما شرعيًّا لا عقليًّا، وأنْ [يكون منفصلًا] (١) متأخرًا عن المنسوخ، وأن يكون النسخ بخطاب شرعي، وأن لا يكون المنسوخ مُقيَّدًا بوقت ينتهي بانتهائه. وقد علمت هذه الشروط من تعريفه، وسبق شرحها. ومنها: أن يكون النَّاسخ أقوى مِن المنسوخ أو مِثله، لا أَضْعَف منه. قال إلْكِيَا: والعقلُ يقضي بهذا، ودَلَّ عليه الإجماع. ومنها: أنْ يكون المنسوخ مما يجوز أنْ يكون مشروعًا وأنْ لا يكون، فلا يدخل النَّسخ أصل التوحيد بحال؛ لأنَّ الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يَزَل ولا يزال، ومنها ما عُلِمَ بالدليل أنه مُتَأَبد، كشريعة نبينا محمد (٢) ﷺ . ومنها: أن لا يكون مما هو على صِفة واحدة لا يتغير، كمعرفة الله تعالى مما يجب له ويستحيل عليه ويجوز له؛ ولهذا يمتنع نَسخ الأخبار كما سيأتي؛ إذ لا يُتصور وقوعها على خِلاف ما وقعت عليه. أما المعلَّق بلفظ "أبدًا" ونحوه فسيأتي بيانه. ومنها: أن يكون بَيْن الناسخ والمنسوخ تَعارض. وقد يقال: لا يحتاج لهذا الشرط، لأن هذا مِن ضرورة تَصوُّر النَّسخ؛ لأنه إذا أمكن

стр. 1772

الجمع، فلا تَعارض؛ فلا نَسخ. فلهذا لا يقال: نُسِخ صوم عاشوراء برمضان، ولا كل صدقة بالزكاة. غايته أنه وافق نَسخ وجوب صوم عاشوراء (على تقدير صحة ذلك) فَرض رمضان، ووافق رَفعُ فَرْضٍ غير الزكاة فرضَ الزكاة، فالنسخ واقع عند ذلك، لا بِه، ولذلك فائدة تظهر فيما بَعْد في بعض المسائل. تنبيه: كان شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني يَعيبُ على الأصوليين ذكر خلاف اليهود في النَّسخ ويقول: الكلام في أصول الفقه فيما هو مُقرَّر في الإسلام وفي اختلاف الفِرق الإسلامية، أما خلاف الكفار فإنما يناسب ذِكره في كُتب أصول الدين. وأما أبو مُسلِم فهو محمد بن بَحر الأصفهاني. قال ابن السمعاني: (وهو رجل معروف بالعلم وإنْ كان قد انتسب إلى المعتزلة، ويُعد منهم، وله كتاب كبير في التفسير، وله كتب كثيرة، فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه؟ ! ). انتهى قال السبكي: (وقد وقفتُ على تفسيره، وليس هو الجاحظ كما تَوهمه بعضهم). قال: (وأنا أقول: الإنصاف أنَّ الخلاف بين أبي مُسلِم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مُسلِم يجعل ما كان مُغَيًّا في عِلم الله تعالى كما هو مُغَيًّا باللفظ، وسمَّى الجميع "تخصيصًا"، ولا فرق عنده بَيْن أن يقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأن يقول: "صوموا" مُطْلَقًا (١) وعِلمه محيط بأنه سينزل: "لا تصوموا وقت الليل". والجماعة يجعلون الأول تخصيصًّا والثاني نَسخا. ولو أنكر أبو مسلم النسخ، لَزِمَه إنكار شريعة المصطفى ﷺ ، وإنما يقول: كانت شريعة السابقين مُغيَّاة إلى مبعثه ﷺ . وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أنَّ هذه الشريعة مخصِّصة للشراع السابقة؟ أو ناسخة؟ فهي منتهية إلى مبعث

стр. 1773

نبيِّنا قطعًا، وما تَجدد في شرعنا موافقًا لبعض شرائعهم فليس لكونها باقية، بل كل مشروع مفتتح التشريع) (١). ثم قال: (إنَّ ما ادَّعاه ابن الحاجب مِن الإجماع على أن شريعتنا ناسخة فصحيح، ولا ينافيه حكاية بعضهم الخلاف في كونه تخصيصًا أو نسخًا؛ لِما قررناه، فالخلاف لفظي). ثم قال: (وسيكون لنا عودة إلى ذِكر ذلك عند المسألة) (٢). أي: مسألة شرع مَن قبلنا هل هو شرع لنا؟ والله أعلم. ص: ٧٢٤ - وَلَوْ يَكُونُ ذَاكَ قَبْلَ الْفِعْلِ ... في قِصَّةِ الذَّبِيحِ هَذَا مَجْلِي الشَّرح: أي: لا يُشترط في النَّسخ أنْ يَرِد الناسخ بَعْد فِعل المنسوخ، بل يجوز أن يَرِد قبل فِعله. أي: قبل التمكن منه؛ فلذلك لم نعُد هذا مِن شروط النسخ. كما لو قال: (حجُّوا هذه السَّنة)، ثم يقول قَبْلَه (٣): (لا تحجُّوا). وخالف في ذلك الصيرفي والمعتزلة وأكثر الحنفية كما حكاه ابن السمعاني، ونقله غيره عن أكثر الحنابلة أيضًا، فمنعوا ذلك. ولكن الجمهور على الجواز. وقال القاضي في "التقريب": إنه قول جميع أهل الحق.

стр. 1774

دليله أنَّ إبراهيم ﵊ أمره الله بذَبْح ولده، ثم نسخ ذلك عنه قبل الفعل. أما كَوْنه أمره بالذَّبح فدليله قوله: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] جوابًا لقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، وذلك الذَّبح؛ لأنَّ مقدماته لا توصَف بمثل ذلك، ولقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾، فلو لم يكن أُمِر بذبحه، لَمَا احتاج للفداء. وأما كَوْنه نَسخ فإنه لو لم يُنسخ لَوُجِد الذبح؛ لضرورة الامتثال، لكنه لم يذبح؛ فدلَّ على النسخ، وشاهِدُه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا كله جَلي؛ فلذلك قلتُ في النَّظم: (في قِصَّةِ الذَّبِيحِ هَذَا مَجلي). وللخصوم أجوبة وشُبَه ليس للتطويل بها فائدة غير تحقيق الدليل، ولَسنا بصدد الأدلة. [نعم] (١)، وقع اضطراب في التعبير عن المسألة، فعبَّر ابن الحاجب بِ "النَّسْخ قبل وقت الفعل" (٢). قيل: وهي قاصرة عن الغرض وإنْ كانت عبارة الأكثرين، وإنَّ الأحسن في التعبير أن يقال: "نَسْخ الشيء قبل مُضِي مقدار ما يَسَعُه مِن وقته"؛ ليدخل فيه ما إذا حضر وقت العمل ولكن لم يمضِ مقدار ما يسعه، فإنَّ هذه الصورة في محل النزاع أيضًا. وقد يجاب بأنَّ المراد بما قبل الوقت: ما قبل خروجه، لا قبل دخول وقته فقط. وحينئذٍ فيشمل الأمرين، ويكون هذا مواففا للتعبير بِ "النسخ قَبْل التمكن مِن الفعل". فيكون المراد بالوقت: ما يمكن فيه الفعل حِسًّا وشرعًا، لا الوقت المقدَّر حتى تكون المسألة خاصة

стр. 1775

بالمؤقَّت فقط. وعبَّر البيضاوي بقوله: (يجوز نسخ الوجوب قبل العمل) (١). فوافقته في النَّظم إلا في ذِكر الوجوب، فإنه لا فرق بين الواجب وغيره في ذلك. وقد تُعُقِّب عليه بأمور تَرِد على كل مَن وافقه، وهو أنه: - يشمل ما قبل دخول وقت العمل وما بعده قبل مُضِي زمن يَسَعُه، وفي معناه إذا لم يكن له وقت ولكن أُمر به على الفور ثم نُسخ قبل التمكن. وإجراء الخلاف في هذه الثلاثة واضح. - ويشمل ما بعد خروج الوقت، وليس ذلك من محل الخلاف سواء كان مأمورًا [فيه] (٢) بالقضاء أو قُلنا: الأمر به يتضمن الأمر بالقضاء. بل جزم ابن الحاجب بأنه لا يجوز، واقتضى كلامه الاتفاق عليه. - ويشمل ما [قبل] (٣) خروج الوقت وبَعد التمكُّن مِن فعله، وليس ذلك من محل النزاع؛ فقد حكى الآمدي فيه الاتفاق، وكذا الإمام في "البرهان" وابن برهان في "الوجيز". ولكن الجواب عن ذلك كله بأنَّ كُلَّ نسخٍ لا بُدَّ أن يكون قَبْل الفعل (٤)، فَعُلم أنَّ المراد

стр. 1776

بقولنا: (قَبْل الفعل): قَبْل التمكن منه وإنْ لم يفعل. فخرج ما بعد الفعل وما قبله بعد التمكن، فرجعت العبارة إلى ما قَبْل التمكُّن مِن الفعل. والله أعلم. ص: ٧٢٥ - وَذَاكَ لِلْقُرْآنِ كلِّهِ امْتَنَع ... وَالْبَعْضُ فِيهِ جَائِز كيْفَ وَقَعْ ٧٢٦ - تِلَاوَة أَوْ حُكْما اوْ مَا جُمِعَا ... "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ" في الزِّنَا مَعَا ٧٢٧ - فَحُكْمُهَا بَاقٍ، وَلَفْظٌ رُفِعَا ... وَفي تَصَدُّقٍ لِنَجْوَى مُنِعَا ٧٢٨ - حُكْمٌ، وَلَفْظُهُ مِنَ الْبَاقِي، وَفي ... عَشْرٍ مِنَ الرَّضْعَاتِ تَحْرِيم نُفِي الشَّرح: الذي يَرِد عليه النسخ إما كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غير ذلك، فبدأت بالأول. فنسخ جميع القرآن ممتنعٌ، بالإجماع كما قاله الإمام الرازي وغيره؛ لأنه معجزة نبينا محمد ﷺ المستمرة على التأبيد ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]. ففي بعض التفاسير: إنه لا يأتي ما يُبْطِله. وفي بعضها غير ذلك. ولا يمتنع تعميم النفي في كل ما قيل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وأما نَسخ بعضه فجائز، خِلافًا لأبي مسلم الأصبهاني كما نقله الإمام عنه. وقولي: (كَيْفَ وَقَعْ) إلى آخِره -إشارة إلى تقسيم كيفية وقوع النسخ في بعضه، فقسمته إلى ثلاثة أقسام:

стр. 1777

- ما نُسخ تلاوته، وحُكمه باقٍ. - وما نُسخ حُكمه فقط، وتلاوتُه باقية. - وما جُمع فيه نسخُ التلاوة والحكم. وذكرت لكل واحد مثالًا على الترتيب. فالأول: وهو ما نُسخت تلاوته دُون حُكمه: مثاله: ما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أو يقول قائل: لا نجد حَدَّين في كتاب الله تعالى، فلقد رجم رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لَأثْبتُّها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، فإنَّا قد قرأناها) (١). وفي "الصحيحين" (٢) نحوه. وقد تابع عمر جمعٌ من الصحابة على ذلك، [كأبي ذر] (٣) فيما رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه. وفي رواية أحمد وابن حبان أنها كانت في سورة الأحزاب (٤). وروى زيد بن ثابت في "معجم الطبراني الكبير" -وأبي فيما رواه ابن حبان- قال:

стр. 1778

(كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: الشيخ والشيخة) (١) إلى آخِره، والعجماءُ -فيما رواه الطبراني- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة" (٢). والمراد بالشيخ والشيخة: المحصنان، حدهما الرجم بالإجماع. فالحكم باقٍ واللفظ مرتفع؛ لرجم رسول الله ﷺ ماعزًا واليهوديين وغيرهم. والثاني: ما نُسخ حُكمه وبقي لفظه: وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]. ففي "الترمذي" عن علي أنها لَمَّا نزلت قال لي النبي ﷺ : "ما ترى دينارًا؟ " قال: لا يطيقونه. قال: "نصف دينار؟ " قال: لا يطيقونه. قال: "ما ترى؟ " قال: شعيرة. فقال له النبي ﷺ : "إنك لزهيد" (٣). قال علي: ([فَبِي] (٤) خفَّف الله عن هذه الأُمة بترك الصدقة، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ

стр. 1779

تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾). ثم قال (١): حسن. قال: ومعنى قوله: "شعيرة" أي: وزن شعيرة مِن ذهب. وأخرجه أيضًا البزار في "مسنده" وقال: الا نعلم روى هذا الكلام عن النبي ﷺ إلا عِلي) (٢). قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد، قال: قال عِلي: "ما عمل بها أحد غيري حتى نُسخت". وأحسبه قال: "وما كانت إلا ساعة من نهار" (٣). لكن رُد ما قاله البزار بما في "معجم الطبراني" بسنده (٤) إلى سعد، قال: "نزلت فِيّ ثلاث آيات من كتاب الله تعالى: تحريم الخمر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] الآية، و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ الآية". قال: "فقدمت شعيرة، فقال ﷺ : إنك لزهيد. فنزلت الآية الأخرى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ " (٥). ويمثل لهذا القسم أيضًا بالاعتداد في الوفاة بالحول، وهو قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نُسخ بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وإنما لم أُمثل بهذا المثال وإنْ كان عليه جمهور المفسرين وهو مثال أكثر الأصوليين ونقله البخاري عن ابن عباس؛ لأن مِن العلماء مَن ذهب إلى أنها غير منسوخة، ففي

стр. 1780

"صحيح البخاري" بسنده عن مجاهد أنه قال: (إنها غير منسوخة) (١). وعليه أيضًا أبو مسلم الأصبهاني، وقد سبق أنه يمنع النَّسخ مُطلقًا، أو يمنعه في القرآن وهو المحرَّر في النقل عنه، وقال هنا: إنَّ وَضْع الحمل قد يكون عند تمام حول، فلم يرتفع إلا ما إذَا كان غَيْر الحول، ورفع البعض تخصيص، لا نَسخ. ورُد: بأن العدة إنما هي وضع الحمل، لا بالمدة. وإنْ صادف موافقة، فخصوص السَّنة فيه لَغْو لا عِبرة به. وهذا وإن كان جوابًا صحيحًا لكن أبو مسلم ومجاهد لم يمنعا النَّسخ لِمَا ذُكِر حتى يجاب عنه به. فأما مجاهد فإنه قال: إنِ اختارت السكنى، اعتدت بحول كما في إحدى الآيتين، وإنْ لم تختر، فبأربعة أشهر وعشر كما في الآية الأخرى. فلا تَعارُض؛ فلا نَسخ. وأما أبو مُسلم: فإنَّ عدة الحول عنده لمن أوصى زوجها لها بنفقة حول وسكناه، فإنْ خرجت قَبْله وخالفت وصية زوجها بعد المدة التي ضربها الله تعالى لها وهي أربعة أشهر وعشر، كان لها أن تتزوج؛ لأنَّ الجاهلية كانوا يوجبون الحول؛ لأنَّ الزوج كان يوصي

стр. 1781

لزوجته بالنفقة والسكنى حولًا كاملًا، فبيَّن الله تعالى أن العمل بهذه المدة لأجل الوصية غير لازمة؛ لأن الوصية بذلك لا تلزم، فلا نسخ. وهذه الطريقة هي التي اختارها الإمام الرازي في تفسيره أيضًا، وقال: (إنها في غاية الصحة). وذهب الشيخ تقي الدين السبكي إلى أنها غير منسوخة بطريقة رابعة، وهي أنَّ الله تعالى أنزل في المتوفَّى عنها زوجها آيتين: آية العدة بالأشهر، وآية الوصية. ومعناهما أنه جعل للأزواج وصية منه بِسكنى حَول كامل بعد وفاة زوجها، سواء أوصى الزوج بذلك أو لم يُوص. قال (١): (وهذا هو ظاهر الآية، فلا يخرج عنه بغير دليل) (٢). فإنْ قيل: فما ذكرته مِن التمثيل بآية النجوى قد اعترضه أبو مسلم بأن ذلك كان بسبب التمييز بين المنافق وغيره؛ لأنَّ المؤمن يمتثل والمنافق يخالف. فلما تميزَا، زال بزوال وقته، ومثل ذلك لا يكون نسخًا. وجوابهم عنه بأنه "زال الحكم كيف كان" ضعيف جدًّا؛ لأنَّ الزوال بزوال الوقت ليس نسخًا قطعًا كما سبق. بل الجواب أن الواحدي حكى الإجماع على أن هذه الآية منسوخة. وقول أبي مسلم: (إن ذلك كان للتمييز) ممنوع؛ لأنَّ النبي ﷺ كان عالمًا بالمنافقين وسمَّاهم لحذيفة صاحب سِره. وإنْ أريدَ التمييز للصحابة، فيبعُد أن يتميز الفريقَان في ساعة واحدة.

стр. 1782

وقد أُجِيبَ عنه بأجوبة أخرى مُعْتَرَضة، وفي هذا كفاية؛ خشية التطويل. وكذلك اعترض أبو مسلم بغير ذلك، وأُجيب عنه بما ليس هذا محل بسطه. وأما الثالث: وهو ما نُسخ لفظُه وحُكمه: فمثاله حديث عائشة ﵂ فيما رواه مسلم: "كان مما أُنزل عشر رضعات معلومات، فنُسخن بخَمس معلومات" (١). فلم يبق لهذا اللفظ حُكم القرآن، لا في استدلال ولا في غيره؛ فلذلك كان أصح الوجهين جواز مَس المحدِث ما نُسخ لفظُه، أَعَم مِن أنْ يُنسخ حُكمه أو لا. قال أصحابنا: ولذلك تبطل الصلاة بِذكره فيها. نعم، حكى الرافعي أول "باب حد الزنا" عن ابن كج أنه حكى وجهًا أنه لو قرأ قارئ آية الرجم في الصلاة، لم تفسد. أما المنسوخ حُكمه دُون لفظه فله حُكم القرآن بإجماع المسلمين، ويستدل به فيما لم يُنسخ مِن الأحكام. وإلى المثال المذكور للقسم الثالث أشرتُ بقولي: (وَفي عَشْر مِنَ الرَّضْعَاتِ تَحْرِيمٌ نُفِي بِالْخَمْسِ)، وهي اللفظة المبدوء بها أول البيت الذي بعده كما سنذكره.

стр. 1783

تنبيهات الأول: هذه الأقسام فيها خِلاف سوى ما سبق عن أبي مُسلِم الأصبهاني من منع النسخ بشيء في القرآن بالكُلية. فمنع بعض الأصوليين نسخ الحكم دون التلاوة، قال: لأن القصد من التلاوة حُكمها، فإذا انتفى الحكم فلا فائدة في بقائها. حكاه جماعة من الحنفية والحنابلة، وهو قادح في دعوى بعضهم الإجماع على الجواز. ومنع بعضهم نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وبه جَزَم شمس الأئمة السرخسي. ومنع بعضهم القسمين معًا، قال: لأن أحدهما فيه بقاء الدليل بلا مدلول، والآخَر بقاء المدلول بلا دليل. والصحيح الجواز؛ لأنهما شيئان متغايران، فيجوز رفع أحدهما وإبقاء الآخر. الثاني: قسم أبو إسحاق المروزي والماوردي وابن السمعاني وغيرهم النَّسخ في القرآن ستة أقسام: أحدها: ما نُسخ حُكمه وبقي رَسْمُه، وحُكم الناسخ ورسمه باقيان، كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ عدة الوفاة حولًا بأربعة أشهر وعشر. ثانيها: ما نُسخ حكمه ورَسْمه، وهُما في الناسخ ثابتان، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، وصيام عاشوراء برمضان على رأْيٍ. وقيل: إنما كان استقبال بيت المقدس بالسُّنَّة، فنسخ بالقرآن. ثالثها: ما نُسخ حكمه وبقي رسمه، ورُفع رسمُ الناسخ وبقي حكمه، كقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] الآية بِـ "الشيخ والشيخة" إلى آخِره.

стр. 1784

فإنْ قيل: رجم المحصن إنما أُخِذ من حديث عبادة بن الصامت في "مسلم" مرفوعًا: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (١). قيل: النسخ بـ "والشيخ والشيخة"، والحديث مُقَرِّر أنه لم يُنسخ. وضُعِّف بأنَّ التأسيس أرجح مِن التأكيد، وبأن الحديث إنما ورد مبيِّنًا للسبيل في: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فهو إما مستقل أو مُبيِّن للسبيل، لا متعلق بآية الرجم. رابعها: ما نُسخ حكمه ورسمه وبقي حكم الناسخ لا رسمه: كحديث عائشة في العَشر رضعات، فإن الخَمْس حُكمها باقٍ دُون لفظها. وأما قول عائشة: "فتوفي النبي ﷺ وهُن فيما يتلى من القرآن" (٢) فَمُؤَوَّل كما قال ابن السمعاني بأن مرادها: يُتلى حُكمه، أو أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغه نَسخ تلاوته يتلوه وهو معذور. وإنما أُوِّل بذلك؛ لإجماع الصحابة على تركها مِن المصحف حين جمعوا القرآن، وأجمع عليه المسلمون بَعدهم. خامسها: ما نُسخ رسمه وبقي حكمه ولكن لا يُعلم ناسخه. ففي "الصحيحين" من حديث أنس أنه كان في القرآن: "لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، لابتغى أن يكون له ثانٍ، ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" (٣). ورواه أحمد، وقال: (كان هذا قرآنا، فنُسخ خطه).

стр. 1785

قال ابن عبد البر في "التمهيد": (قيل: إنه من سورة "ص") (١). نعم، في رواية: "لا ندري أشيء نزل؛ أو شيء كان يقوله؟ " (٢). ويمثل أيضًا بما في "البخاري" في الجهاد في "باب العون بالمدد" في حديث السبعين الذين قتلهم رعل وذكوان وعصية ومكث ﷺ يقنت يدعو عليهم شهرًا، عن أنس أنهم قرءوا فيهم قرآنا: "ألا بَلِّغوا عنا قومنا بأنَّا قد لقينا ربنا، فَرَضِي عنَّا وأرضانا" ثم رُفع بعد ذلك (٣). وبالجملة: فمثل هذا كثير، ولهذا قيل في سورة الأعراف: إنها كانت نحو البقرة. وكذا سورة الأحزاب كما سبق قريبًا. نعم، مَثل بعضهم بذلك ما نُسخ لفظه وبقي حُكمه. سادسها: ناسخ صار منسوخًا وليس بينهما لفظ متلو، كالإرث بالحلف والنصرة نُسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة، ثم نُسخ التوارث بذلك. ذكره الماوردي. قال ابن السمعاني: (وهذا يدخل في النسخ مِن وَجْه). قال: (وعندي أن القسمين الأخيرين في إدخالهما في النسخ تَكلُّف) (٤). الثالث: تمثيل ما نُسخ تلاوته وبقي حُكمه بِ "الشيخ والشيخة إذا زنيا" استُشكل مِن حيث يَلزم

стр. 1786

مِن ذلك أن يثبت قرآن بالآحاد وأنَّ ذلك القرآن نُسخ حتى لو أنكره شخص كَفَر، ومَن أنكر مِثل هذا لا يَكفر. وإذا لم يثبت قرآنيته لم يثبت نَسْخ قرآن. بل ويجري هذا الاعتراض في مثال ما نُسخ حُكمه وبقي تلاوته ونَسخهما معًا؛ وذلك لأنَّ نَسخ المتواتر بالآحاد لا يجوز كلما سيآتي. وأجاب الهندي عن أصل السؤال بأنَّ التواتر إنما هو شرط في القرآن المثبَت بين الدفتين، أما المنسوخ فلا. سَلَّمْنَا، لكن الشيء قد يثبت ضِمنًا بما لا يَثبت به أصله، كالنسب بشهادة القوابل على الولادة، وقبول الواحد في أن أحد المتواترين بعد الآخر، ونحو ذلك. قلت: وجواب آخَر، وهو أنَّ الصدر الأول يجوز أنْ يقع فيه التواتر ثم ينقطع فيصير آحادًا. فما رُوي لنا بالآحاد إنما هو حكاية عن ما كان موجودًا بشروطه. فتأَمَّله. الرابع: وقع إشكال في قول عمر ﵁: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها"، فإنه إنْ كان جائز الكتابة كما هو ظاهر اللفظ، فهو قرآن متلو، ولكن لو كان مَتلُوًّا لوجب على عمر المبادرة لكتابتها؛ لأنَّ مَقال الناس لا يَصلح مانعًا مِن فِعل الواجب. قال السبكي: (ولعلَّ الله أن يُيَسِّر علينا حَل هذا الإشكال، فإنَّ عمر ﵁ إنما نطق بالصواب، ولكنَّا نتهم فَهْمَنا) (١). قلت: يمكن تأويله بأنَّ مراده: "لَكتبتُها مُنبِّها على أنها نُسخت تلاوتها"، لِيَكون في كتابتها في محلها أمنٌ مِن نسيانها بالكُلية، لكن قد يكتب مِن غير تنبيه فيقول الناس: زاد عمر، فتركت كتابتها بالكُلية، وذلك مِن دَفْع أَعظم المفسدتين بأخفهما. والله أعلم.

стр. 1787

ص: ٧٢٩ - بِالْخَمْسِ، وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ ... بِمِثْلِهِ، أَوْ سُنّةٌ تُنْتَسَخ ٧٣٠ - بِمِثْلِهَا، اوْ هُوَ بِهَا، أَوْ عَكْسُهُ ... فَقَسْمُهُ لِتِسْعَةٍ نُحِسُّهُ ٧٣١ - يُمْنَعُ مِنْهَا خَبَرُ الْآحَادِ ... يَنْسَخُ ذَا تَوَاتُرِ الْإسْنَادِ ٧٣٢ - فَاثْنَانِ يَخْرُجَانِ، ثُمَّ أَرْبَعَه ... لِفَقْدِهَا تَوَاترا مُمْتَنِعَهْ ٧٣٣ - يَبْقَى [ثَلَاثَةٌ] (١) كَنَسْخِ الْأَشْهُرِ ... [لَدَى] (٢) الْوَفَاةِ الْحَوْلَ فِيمَا قَدْ دُرِي ٧٣٤ - وَ"كُنْتُ عَنْ زِيَارةِ الْقُبُورِ ... نَهَيْتكُمْ، زُورُوا" رَجَا التَّذْكير ٧٣٥ - وَالْمَنع لِلصَّائِمِ مِنْ مُبَاشَرَه ... لَيْلًا بِسُنَّةٍ بِآيٍ ظَاهِرَهْ الشَّرح: لفظة: "بِالْخَمْسِ" متعلقة بالذي قبلها مِن المثال، وسبق شرحه، وما بعد ذلك هو تقسيم للناسخ والمنسوخ في الكتاب والسُّنَّة متواترة كانت أو آحادًا بما يمكن الانقسام إليه عقلًا وبيان الواقع مِن الأقسام وما لم يقع أو امتنع وقوعه. فيقال: المنسوخ إما قرآن أو سُنَّة متواترة أو سُنَّة آحاد، والناسخ ثلاثة أقسام كذلك، فينتهي -بضرب ثلاثة في ثلاثة- إلى تسعة. وهو معنى قولي: (وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ)، فهذا قِسم. وقولي: (أَوْ سُنَّةٌ تُنْتَسَخُ بِمِثْلِهَا) تحته أربعة أقسام؛ لأن المنسوخ إما متواترة أو آحاد،

стр. 1788

والناسخ إما متواتر أو آحاد. فهذه الأربعة مع الأول خمسة. وقولي: (أوْ هُوَ بِهَا) الضمير المذكر للقرآن، والمؤنث للسُنَّة، تحته قِسمان: قرآن بِسُنة متواترة، وقرآن بسنة آحاد. وقولي: (أَوْ عَكْسُهُ) أي: يكون الناسخ قرآنا والمنسوخُ إما سُنَّة متواترة أو آحاد. فهذه أربعة مع تلك الخمسة تصير تسعة ظاهرة محسوسة، وهو معنى قولي: (فَقَسْمُهُ) بفتح القاف وضم الميم والهاء، وهي ضمير النَّسخ الذي هو مورد التقسيم. والضمير في (تُحِسّهُ) عائد للقسم. وقولي: (يُمْنَعُ مِنْهَا) إلى آخِره -أي: يمتنع مِن هذه الأقسام التسعة نسخ المتواتر بالآحاد؛ لضعفه كما سنذكره، فيخرج اثنان: نَسخ القرآن بالسّنَّة الآحاد ونَسخ السّنَّة المتواترة بالسّنَّة الآحاد، ثم يخرج من الباقي بعد هذين الاثنين أربعة، وهي: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، وعكسه، ونسخ السُّنَّة المتواترة بمثلها، ونَسخ الآحاد بالسّنَّة المتواترة. وإنما خرجت هذه الأربعة لِمَا سبق في الكلام في الإسناد أنَّ السُّنَّة لا يتحقق فيها متواتر لفظي في هذه الأزمان، بل كلها آحاد، إما في أولها وإما في آخِرها وإما مِن أول أسانيدها إلى الآخِر، وأنَّ ما ذكره كثير مِن أحاديث متواترة بَيَنَّا خِلاف ما ادَّعاه. نعم، في الزمن القريب مِن النبي ﷺ كان التواتر موجودًا في كثير، ولكن صار بعد ذلك آحادًا، وإنما نتكلم بحسب ما صار الآن. وكذلك لا كلام في المتواتر معنًى، وحينئذ فبقي -بعد إسقاطه ستة من التسعة- ثلاثةُ أقسام: نَسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السّنَّة الآحاد بالسُّنَّة الآحاد، ونسخ السّنَّة الآحاد بالقرآن. وذكرت في النَّظم أمثلة الثلاثة. فأما نسخ القرآن بالقرآن فكنَسخ الاعتداد بالحول في الوفاة بأربعة أشهر وعشر كما

стр. 1789

سبق ذكره، وهو معنى قولي: (فِيمَا قَدْ دُرِي). أي: [ما] (١) عُلم. وكذلك ما سبق من [الأقسام، أي: ] (٢) نسخ التلاوة دُون الحكم، ونسخهما. أما نسخ السُّنَّة الآحاد بمثلها فكما في "صحيح مسلم" عن بُريدة أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" (٣). ورواه الترمذي بزيادة: "فإنها تذكركم الآخرة" (٤). وقال: حسن صحيح. وإلى هذه الزيادة أشرتُ بقولي: (رَجَا التَّذْكِير)، ولكن قَصرتُ "رجا" للضرورة. فإن "الرجاء" ضد الخوف بالمد، و"الرجا" بمعنى الناحية مقصور كما أشار ابن دريد في "المقصور والممدود" لذلك بقوله: كم من حقير في رجا ... بئر لمنقطع الرجاء ووَجْه الشاهد في الحديث أنه ﷺ قال: "كنت نهيتكم"، فصرَّح بأنَّ النهي كان مِن السُّنَّة. ويمثَّل بأمثلة كثيرة، كنسخ المتعة ونسخ الوضوء مما مسته النار، وغير ذلك. ولابن الجوزي كتاب لطيف جمع فيه أحد وعشرين موضعًا، وتعقب في بعضها، وتعقب غيره كثيرًا منها. وفي ما أوردناه مِن المثال كفاية. أما نسخ السُّنَّة بالآحاد بالقرآن فمثاله ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلًا،

стр. 1790

نُسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، هذا على رأي الجمهور الذين جوَّزوا نَسخ السُّنَّة بالقرآن وأنه وقع، ومَثَّلوا وقوعه بهذا وبأنَّ التوجُّه إلى البيت المقدَّس كان بالسُّنَّة، فنُسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وبأن عاشوراء كان واجبًا، فنُسخ بالقرآن وهو قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [الآية] (١). ولكن نُقل عن الشافعي قول بالمنع في ذلك، وأجاب مَن رجحه بأنَّ الشافعي لا ينكر الجواز العقلي كما يوهمه كلام ابن الحاجب حيث قال: (الجمهور على جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن، وللشافعي قولان) (٢). ثم قال: (لو امتنع إما لذاته) إلى آخِره. وأما ما استندوا إليه في الوقوع من قصة المباشرة فقد يُمنع بما ذكره أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ"، وأنَّ الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام بعد أن ينام الإنسان كان محُرَّمًا، ثم شُكي إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. وكذا ذكره النحاس، فلم يُصرِّحا ولا غيرهما بأنَّ تحريم ذلك كان بالسُّنَّة. أي: فيجوز أن يكون بقرآن نُسخ لفظه واستمر حُكمه حتى نُسخ بالقرآن الثابت لفظًا وحُكمًا. قلتُ: إطلاقهما يقتضي أنَّ ذلك كان بسُنة وإلا لَذُكِر المنسوخ. نعم، في "البخاري" مِن حديث البراء قال: "لَمَّا نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم. فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
следующие страницы →