← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والأول "التحريم"، أَيْ لذلك الفعل الإيجادي، أَمَّا بالنَّظَر لِتَعلُّقه بالكَف عنه فإيجابٌ له وإنْ كان في تعبيرهم بأنَّ "ما يَقْتَضي التَّرْكَ تحريمٌ" إيهامٌ أنَّه تحريمٌ له مِن حيث اللفظ وإنْ كان المراد ظاهرًا. وأَصْلُه مِن "حَرمَه" أَيْ: مَنَعَه، ومنه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، أَيْ: منعناه مِن رَضْعهن. وقولي (وهْوَ تَحْرِيمٌ، فَصُنْ) أَيْ: فَصُنْ نفسك عن الوقوع في مُتَعَلَّقه. والثاني (وهو غير الجازم) إمَّا أنْ يَكون: - بِنَهي مقصود (أَيْ مُستقل): فَـ "كَرَاهَة"، وأَصلُها لُغةً خِلافُ الإرادة، فمعنى كراهة الشرع [لشيء] (١): إمَّا عدم إرادته، أو إرادة ضِدِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. - أو بنهي غير مقصود: فَـ "خِلَاف الأولَى" كما عَبَّر به كثيرٌ هنا، وذلك بأنْ يَكون النهي في ضِمْن الأمر بِضِدِّه، فسيأتي أنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّه أو يَستلزمُه - عَلَى الخِلَاف. وقِيل: لَا [وَلَا] (٢). وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي كما سيأتي، فَعَلَى هذا لا تأتي هذه التفرقة. وأَعْجَبُ مِن ذلك عَزْوُها لإمام الحرمين. بل سيأتي أنَّ الخلاف إنما هو في الأمر النفسي، وأمَّا اللفظي فليس عَيْن النَّهي قَطْعًا ولا يَتَضَمَّنه (على الأصح). ومُرادُهم هنا إنما هو اللفظي، فأين الفَرْق؟ والتعبير هنا بِـ "خِلَاف الأَوْلَى" غيرُ صَوَاب وإنْ عَبَّر به صاحبُ "جمع الجوامع" وغيْره، والصواب ما عَبَّرتُ به في النَّظْم مِن قولي: (إنه مَنْعٌ مِن خِلَافِ الأَوْلى) (٣).

стр. 212

ولا أريد بالمنع إلا منع التنزيه كما في "المكروه"؛ وذلك لأنَّ المنع هو الحُكْم، وأمَّا "خِلَاف الأَوْلى" فهو الفِعل الذي تَعَلَّق به المنع، وسيأتي الفَرْق بين الحكم ومُتَعَلَّقه مِن الأفعال. واعْلَم أنَّ هذا القِسم قد أَهْمله كثيرٌ مِن الأصوليين، ولكنه موجود منتشر في الفقه، مُفَرَّق بينه وبين "المكروه" بما تضمنه الفَرْقُ السابق، كما في: - صوم يوم عرفة للحاج، فالأصح أنَّه خِلاف الأَوْلى، وقِيل: مكروه، وقد يُرَجَّح هذا بحديث أبي هريرة: "نَهَى ﷺ عن صوم يوم عرفة" (١). أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وفيه ضَعْفٌ وإنْ كان الحاكم صححه وقال: (على شرط البخاري). - والحجامة للصائم خِلَافُ الأَوْلى عَلَى ما رَجَّحه النووي، وقال: لأنه لَمْ يَثْبُت فيه نَهْي مقصودٌ. وقِيل: مكروه. - وكذا النفض والتنشيف في الوضوء فيهما خلافٌ. وغَيْر ذلك، وهو كثير. قال الشيخ تقي الدين السبكي: أول مَن عَلِمْناه ذَكَر هذا القِسم إمام الحرمين. ومرادُه: أَظْهَرَه ونَشَرَهُ، وإلَّا فَقَدْ نَقَلَه هو عن غَيره، فقال في كتاب الشهادات مِن "النهاية": (التعرُّض للفَصْل بين الكراهة وخِلَاف الأَوْلى مما أَحْدَثه المتأخِّرون). ثُم فَرَّق بما سبق. لكن كلام الرافعي في باب الزكاة في كراهة الصلاة على غير الأنبياء يَقتضي أنَّ الإمام أراد بالمقصودِ الخصوصَ، وبِغَير المقصودِ العمومَ؛ فيزول الإشكال السابق. قلتُ: ويأتي في كلام الإمام ما يقتضي أنَّ "خِلَاف الأَوْلى" و"المكروه" بمعنًى واحد

стр. 213

والجوابُ عنه. وقَوَّى بعضُهم ذلك، وأنَّ المراد أنَّ الكراهة لها مَرْتَبتان، أَدْوَنهما "خِلَاف الأَوْلى". وإنْ لَمْ يَكُن في الخطاب اقتضاءٌ، بل فيه تخيير بين فِعل الشيء وتَركه فهو "الإباحة". مأخوذ مِن مادة الاتساع، ومنه: باحةُ الدار، أَيْ: ساحتها. واعْلَم أنَّ الإباحة تُطْلق أيضًا على رَفْع الحَرَج، فيدخل في المباح ما كان مِن فِعل الله وفِعل غير المكلَّف، لكن لا [يَكون] (١) مِن الحُكم إلا ما فيه الإذن. ولِأَجْل هذا اختُلِف في أنَّ: الإباحة حُكمٌ شرعي؟ [أَمْ] (٢) لا؟ فقال بعض المعتزلة بالثاني؛ لتفسيره بِنَفْي الحرج، فالخلاف إذًا لفظي. واختُلف أيضًا في أنَّ الإباحة تكليف، والقول به منقول عن الأستاذ أبي إسحاق، لكن على معنى التكليف باعتقاد إباحته. ولا يَخْفَى ما فيه؛ فإنَّ الاعتقاد واجب، فهو غَيْر الإباحة. واختُلف أيضًا في "المباح": هل هو مأمورٌ به (بناء على أنَّ الأمر حقيقة في الإذْن لا في الوجوب ولا في الندب)؟ وستأتي المسألة. وقولي: (وَقَدْ يُقَيَّدُ) إلى آخِره - إشارة إلى أنَّ "الكراهة" تُطْلق على "التحريم" أيضًا إمَّا مع الإضافة إليه فَيُقال: "كراهة تحريم"، وإمَّا على الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] ويقع هذا في كلام الشافعي ومالك والأقدمين كثيرًا، كقول الشافعي: (وأَكْره آنِيَةَ

стр. 214

العاج). وقوله: (وأَكْره ممرَّ الحائض في المسجد) (١) إذَا حُمِل على حالة خوف التلويث. وقوله في باب السلم: (وأكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ)؛ لأنَّ الأعجف معيبٌ، وشرط المعيب مُفْسِدٌ. إلى غير ذلك. وربما أُطْلق "المكروه" أيضًا على "خِلَاف الأَوْلى" إنْ جُعِل غيره، كقول إمام الحرمين في "النهاية" في باب الجمعة: (إنَّ تَرْك غسل الجمعة مكروه) (٢)، مع أنه لا نهي فيه. قال: (وهذا عندي جارٍ في كل مَسْنونٍ صَحَّ الأمر به مقصودًا) (٣). انتهى قيل: ويؤيده نَصُّ الشافعي في "الأُم" على أنَّ تَرك غسل الإحرام مكروه. وقال الإمام في موضع آخر مِن "النهاية": (إنما يُقال: "تَرْك الأَوْلى مكروه" إذَا كان منضبطًا كالضحى وقيام الليل، وما لا تحديد له ولا ضابط مِن المندوبات لا يُسَمى تَرْكُه مكروهًا، وإلَّا لكان الإنسان في كل وقت مُلابِسًا للمكروهات الكثيرة مِن حيث إنه لَمْ يَقُم يُصَلي ركعتين، أو يَعُود مريضًا، ونحوه). انتهى فإذَا حُمِل على أنه أراد أنه يُطْلَقُ عليه إطلاقًا وإنْ كانت حقيقتُهما متغايرة، استقامَ مع ما سبق نقلُه عنه، وإلَّا فظاهرُه التعارُض. وقد يُطْلَق "المكروه" أيضًا على ما وقعت الشُّبهة في تحريمه، كلحم السبع، ويَسير النبيذ، ونحو ذلك مِن المسائل المختلَف في تحريمها كما هو مُصَرَّحٌ بذلك في الفقه. وذكره الغزالي في "المستصفى"، واستشكله بأنَّ مُعْتَقِد التحريم يَحْرُم عليه، وغَيْره يَحِل له، فلا وَجْه للكراهة. وقد قال الأبياري في "شرح البرهان": ليس في الفقه مسألة

стр. 215

أَصْعب مِن القول بالكراهة في ذلك؛ فإنه مخالِف للفريقين و [لدليليهما] (١)، فهو خَرْقٌ للإجماع. قلت: قد يُجاب بأنَّ الخلاف أَوْرَثَ في القلب ريبةً؛ فَكُرِهَ، ككراهة أَكْل مال مَن في مالِه حرامٌ، وكراهة الماء المشمَّس، وغير ذلك مما ليس فيه دليل صريح بالكراهة. واعْلَم أنَّ في إطلاق "الكراهة" على هذه الأمور الأربعة خلافًا في: أنَّه حقيقةٌ في [التنزيه] (٢) مجازٌ في غيره؟ أو مشترك؟ وَجْهان لأصحابنا حكاهما ابن سراقة لكن في التنزيه والتحريم. وفي "المستصفى" إطلاق اشتراكه بين الأربعة ولكن نازعه العبدري في شرحه. تنبيهان أحدهما: ما سبق في أنَّ خِلَافَ الأَوْلَى بنهي غير مقصودٍ - فيه (غَيْر ما سبق) أمران آخَران: أحدهما: أنَّ في كَوْنه مَنْهِيًّا عنه [خِلَافًا] (٣) مِثل الخلاف في أنَّ "المندوب" [مأمورٌ به] (٤) أَوْ لَا؛ لأنه بطريق التبعية له كما سبق. ثانيهما: أنَّ أدلة الأحكام لا تتقيَّد استفادتها مِن صريح الأمر والنهي، بل يَكون بِنَصٍّ أو إجماع أو قياس. والنَّصُّ إمَّا أنْ يَكون أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبرًا [بمعناها] (٥)، أو إخبارًا

стр. 216

بالحكم، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، "إنَّ الله ينهاكم أنْ تحلفوا بآبائكم" (١)، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. أو بِذكْر خاصَّةٍ [لأحدها] (٢)، كَوَعِيدٍ على فِعل شيء أو على تَركه، وَوَعْدٍ على فِعْل أو تَرْك، أو نحو ذلك. فإذَا لم تتوقف "الكراهة" و"المنع مِن خِلَاف الأَوْلى" عَلَى صيغةٍ كغيرهما، فكيف يتأتَّى هذا الفَرْق؟ إلَّا أنْ يُقَال: إذَا ثَبت بدليل معنى الأمر به، [تضمَّن] (٣) معنى النهي عن ضده بِأي صيغةٍ دَلَّت، فاعْلَمه. الثاني: اختُلِف في أنَّه تكليفٌ أَوْ لَا - كما اختُلف في الندب، والخلاف مُفَرَّعٌ على أنَّ التكليفَ إلزامُ ما فيه كلفة أو طَلَبُه. وبالثاني قال القاضي، والله أعلم. ص: ١١٩ - وَمَا بِهِ تُعَلَّقُ الْأَحْكامُ ... يُصَاغُ [مِنْهَا] (٤) اسْمٌ [بِهِ الْإعْلَامُ] (٥) ١٢٠ - فَالْفِعْلُ ذُو الْإيجابِ "وَاجِبٌ" فُرِضْ ... وَلَازِمٌ حَتْمٌ وَمَكْتُوبٌ وَمَضْ ١٢١ - وَرَسْمُهُ: مَا ذُمَّ فِيهِ التَّارِكُ ... وَانْفِهْ بِذِي النَّدْبِ؛ فَلَا يُشَارِكُ الشرح: لَمَّا كان كثيرٌ يتسامحون بإطلاق اسم نوع الحكم على مُتَعَلَّقه مِن الفعل وعكسه،

стр. 217

فيقولون مَثلًا: (الحكم إمَّا واجب أو مندوب) إلى آخِره، ويقولون في الفعل: (إنه إيجابٌ أو نَدْبٌ) إلى آخِره، تَعَرَّضتُ للفَرق بينهما بحسب الحقيقة، وأنَّ الواجب ما تَعَلَّق به الإيجابُ، والمندوبَ ما تَعَلَّق به الندبُ، إلى آخِره، فَيُصاغ لكل فِعل مِن الحكم الذي تَعَلَّق به اسمٌ يَحْصُل به الإعلام والتمييز عن بقية الأفعال، فبيَّنْتُ ذلك، وضممت لكل واحد ما يُسَمى به مِن الأسماء بِوفاقٍ وخِلاف. وتسْري هذه الأسماء إلى نفس الأحكام المتعلِّقة، فيُصاغ منها اسم لها، وذكرتُ [رَسْم] (١) كل نوع مِن هذه الأفعال؛ للإيضاح كما فعل البيضاوي وإنْ عُلِمَت حدودها مِن حدود الأحكام المتعلِّقة بها. فالقِسم الأول: الفعل الذي تَعَلَّق به الإيجاب: "مُوجَبٌ" بالفتح اسم مفعوله، و"واجِبٌ"؛ لأنه مطاوِع "أَوجَبَ" كما سبقت الإشارة إليه. ويُسَمَّى بأسماء أُخَر، منها: "الفَرْضُ" مِن "فَرضَ" بمعنى: قَدَّر. فإنْ أَطْلقته على "الإيجاب" كان حقيقة، أو على "الواجب" فهو مِن إطلاق المصدر على المفعول؛ لأنه مَفْرُوض. وفي تَرادُف هذين الاسمين خِلافٌ بَعْد الاتفاق على أنَّ معناهما "اللازِمُ"، فالجمهور على الترادُف، وقالت الحنفية: "الفَرْض" ما ثَبت بدليل قَطْعي كالكتاب والسُّنة المتواترة، مِثل الصلوات الخمس وصوم رمضان، و"الواجِبُ" ما ثَبت بدليلٍ ظني، كالوتر وزكاة الفطر. وزعموا أنَّ ذلك مراعاة للمعنى اللُّغوي؛ لأنَّ "الفَرْض" لُغَةً: التقدير، فلا بُدَّ مِن عِلم أنَّ الله تعالى قَدَّره، و"الوجوب": السقوط، فَيُعْلَم أنَّه ساقط علينا، ولكن لا نَعْلم أنَّ الله قَدَّرَه. ولنا: أنَّ الفَرْض المُقَدَّر أَعَم أنْ يَكون عِلْمًا أو ظنًّا، والواجب الساقط أَعَم منهما أيضًا؛ فلَم تظهر مناسبة. بل قال الشيخ أبو حامد وغيره مِن أصحابنا: لو عكسُوا الاصطلاح لكان

стр. 218

أَوْلى؛ لأنَّ لفظ "الوجوب" لا يحتمل غيرَه، بخلاف "الفَرْض" فإنَّه يحتمل معنى التقدير. عَلَى أنهم قد خالفوا ذلك في نحو جعل القَعْدة في الصلاة فرضًا ومسح رُبع الرأس فرضًا، والوضوء مِن الفصد فرضًا، والصلاة - على مَن بَلغ في الوقت بَعْدما أدَّاها - فرضًا، والعُشر في الأقوات وفيما دون خمسة أوسق، وشِبْه ذلك، وليس في شيء منها قَطْع. وربما فَرَّقُوا بينهما - كما قاله الشيخ أبو حامد وابن بَرهان - بأنَّ "الفَرْض" ما لا خِلافَ فيه، و"الواجب" ما اختُلف فيه. وحَكَى القاضي في "التقريب" وابن القشيري تَفْرقة أخرى: أَنَّ "الفرض" بِنَصِّ القرآن، و"الواجب" ما ثَبت بِغَير وَحْيٍ مُصَرَّحٍ به. وأَلْزَمَهم القاضي بأنْ لا يَكون الثابت بالسُّنة فَرْضًا (كَنِيَّة الصلاة وَدِيَة الأصابع والعاقلة)، وأنْ يَكون الإشهاد عند التبايع ونحوه مِن المندوب الثابت [بالقرآن] (١) "فَرْضًا". قلتُ: إلا أنْ يُراد ما ثَبت وجوبه؛ فلا يَرِد هذا الأخير. أمَّا ما قاله أصحابنا في باب الحج: (إنَّ "الواجب" ما جُبر بِدَم، و"الركْن" ما لم يُجْبر) فتفرقة بين الركن والواجب، لا بين الفرض والواجب. وكذلك ما حَكَى الرافعي عن العبَّادي فيمن قال: (الطلاق واجِبٌ عَلَيَّ) تطلق، أو: (فَرْضٌ عَلَيَّ) لا تطلق - ليس لعدم ترادفهما، بل لاقتضاء العُرف ذلك. ونقل عن البوشنجي أنَّ الجميع كنايات إلَّا: "لَازِمٌ لِي"؛ فإنه صريح عند الأكثر، فلا إشكال فيه حينئذ. ومنها أيضًا: "اللازِم" [مِن اللزوم] (٢)، وهو لُغَةً: عدم الانفكاك عن الشيء. فيقال

стр. 219

للواجب: "لازِمٌ" و"ملزومٌ به"، ونحو ذلك، كما في حديث الصدقة: "ومَن لزمه بنت مخاض وليس عنده، أخذ منه ابن لبون" (١). أَيْ: وَجَبَ عليه ذلك، وهو شائع كثير. ومنها: "المحتوم"، مِن "حتمتُ الشيء أحتمه حَتْمًا" إذَا قضيته وأَحْكَمْته، وحتمته أيضًا: أَوْجَبْته. قاله الجوهري. قال تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أَيْ: واجب الوقوع بِوعدِه الصادق وإلا فهو تعالى لا يجب عليه شيء، فيقال في الواجب: حتم ومحتوم ومحتم، ونحو ذلك. ومنها: "المكتوب"، مِن: "كَتَب الشيء" إذَا حتمه وأَلْزَم به، وتُسَمَّى الصلوات المكتوبات لذلك، ومنه حديث: "خمس صلوات كتبهن الله" (٢)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]. أمَّا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية - فَقِيل: المراد وَجَب، وكانت الوصية فرضًا ونُسِخَت، وقِيل: يجب أنْ يُوصِي بما يحتاج للوصية مِن ذِكْر الدَّيْن والوديعة ونحو ذلك. وقِيل: المرادُ: كتب في اللوح المحفوظ، فلا يَكون مما نحن فيه. وقولي: (وَمَضْ) أَيْ: لمع وظهر، مِن قولهم: (وَمَضَ البرقُ)، أَيْ: لمع. والمراد أنَّ الواجب ظهر بهذه الأسماء. وأمَّا رَسْم الفعل "الواجب" فهو: ما يُذَمُّ تاركه. فَـ "ما" جِنس يَشمل الأفعال كلها. و"يُذَم" خاصَّةٌ خرج بها "المباح"؛ فإنه لا ذَم في فِعله

стр. 220

ولا في ترَكه. و"تاركه" خاصَّةٌ أُخرى تُخْرِج "الحرام"؛ فإنه يُذَم فاعِلُه، وتُخْرِج "المندوب" و"المكروه" و"خِلَاف الأَوْلى"؛ فإنه لا ذَم في تركها، بل يمدح في الأخيرين. [والتعبير بِـ "ما يُذَم" أَوْلَى مِن تعبير القدماء بِـ "ما يعاقَب" أو بِـ "ما يُتَوَعَّد بالعقاب"] (١)؛ لجواز العفو، ولأنَّ المندوب قد يعاقَب فيه، مِثل القتال لتارك الجماعة أو الأذان (على رَأْي). وقد يُجاب بأنَّ المراد: الذي مِن شأنه أنْ يُعاقَب على تركه؛ لِمَجِيء ما يَدُل على ذلك شرعًا، ولا يَلْزم في كل تاركٍ؛ لِجَوَاز العفو في البعض، فَلَمْ يَدخل فيه. وهذا أَحسَنُ مِن: - الجواب بأنَّ الخُلْف في الوعيد كَرمٌ؛ لأنَّ خُلف الوعيد مِن الله تعالى مُحَال. - ومِن جواب ابن دقيق العيد بأنَّ المراد: يُعاقَب على جنسه ولو بَعْض التاركين؛ فإنه لا بُدَّ مِن عقاب بعض العصاة؛ لأنَّا نقول: "تاركه" عامٌّ بالإضافة، فَحَمْله على البعض مجازٌ. - ومِن جواب العبدري في شرح "المستصفى" بأنه ليس في الشريعة توعُّد بالعقاب مُطْلق، بل مُقَيَّد بِشَرط أنْ لا يتوب المكلَّف وأنْ لا يُعْفَى عنه؛ لأنَّا نقول: هذا يحتاج إلى صحة استقراء وبيان في كل وعيد. وهو أيضًا أَوْلى مِن التعبير بِـ "ما يُخَاف على تاركه"؛ فَقدْ زَيَّفَه إمام الحرمين بما يُظَن وجوبُه وليس بواجب. واعْلَم أني لم أُقَيِّد ذلك كالبيضاوي (٢) بِكَونه "شرعًا"؛ لِمَا سبق أنَّ العقل لا حُكم له،

стр. 221

بل للشرع. ولا بِكونه "قَصْدًا" لِيَخرج المتروك بلا قصد (كَتَرْك النائم والساهي والمُكْرَه)؛ لأنَّا نقول: لا نُسلِّم أنَّ هذا ترك؛ لأنَّ التارك مَن خطر بباله الشيء وكَفَّ عنه، فالموجود مِن هؤلاء انتفاء الفعل وهو أَعَم مِن التركِ، والذمُّ إنما هو للترك. فَمَن نام حتى خرج الوقت، يقال فيه: (لم يُصَلِّ)، ولا يُقال: (تَرَك)؛ ولذلك لم يتعرض القاضي ولا غيره لذلك. ولم أُقَيِّده كالبيضاوي أيضًا بِـ "مُطْلقًا" استظهارًا (١) على دخول فرض الكفاية والمخَيَّر والموسَّع، وَتَرْك المريض والمسافر الصوم، فإنهم تركوه مع كَوْنه واجبًا عليهم إلا أنهم لم يتركوا مطلقًا، بل الترك في فرض الكفاية لِظن أنَّ الغير فَعَل، وفي المخَيَّر لِفِعل خصلةٍ أخرى، وفي الموسَّع للفعل في ثاني الحال، وفي المريض والمسافر لِفعلهما بعد زوال العذر حتى قال الإمام الرازي: إنَّ الواجب عليهما أَحَدُ الشهرين، وأما ترك الحائض فليس مِن هذا؛ لأنه لم يجب عليها، بل يُقطع بذلك، وسيأتي بيانُ ذلك كله. لِأني أقول (٢): إنَّ مَن فَعَل، لا يُقال: (إنه تَرَك)، فلا يُحْتاج إلى "مُطْلَقًا"، وفَرْض الكفاية وإنْ لم يفعل أَصلًا فَلِتَبَيُّن أنَّ الوجوب قد سقط عنه. وقولي: (وَانْفِهِ بِذِي النَّدْبِ فَلَا يُشَارِك) شُروعٌ في الفعل الذي تَعلَّق به الندب، وبدأتُ هنا بِرَسْمه، فذكرتُ أنَّه يُنْفَى [منه] (٣) هذا القيد (وهو الذم لِتاركه)، ويُؤتَى معه بأنه يُمدح فاعِلُه، وذلك معنى قولي:

стр. 222

ص: ١٢٢ - بَلْ يُمْدَحُ الْفَاعِلُ فِيهِ، وَلْيُسَمْ ... مَنْدُوبًا اوْلَى سُنَّةً بِهَا يُتَمْ ١٢٣ - وَمُسْتَحَبًّا طَاعَةً وَقُرْبَهْ ... مُرَغَّبًا نَفْلًا لِمَنْ أَحَبَّهْ الشرح: فيقال: "المندوب": ما يُمْدَح فاعِله، ولا يُذَم تاركُه. فخرج بِقَيْد المدحِ "المباحُ"، وبإضافته للفاعلِ "الحرامُ" و"المكروه" و"خِلَافُ الأَوْلى"؛ فإنَّ المدح لتاركها. وبِنَفْي ذم تاركِه "الواجبُ"؛ فإنَّ المندوب لا يُشاركه في ذم التارك. واعْلَم أنَّ المراد بِكَونه "يُمْدَح فاعِله، ولا يُذَم تاركُه" الذي مِن شَأْنه ذلك. وكذا لو غُيِّر لَفْظُ "يُمْدح" بِـ "يُثاب" وقُصِد ذلك، سواء في "الواجب" و"المندوب"؛ لأنهما قد لا يثاب فاعلهما؛ لِعارِض، كالصلاة في الدار المغصوبة، فإنَّ [المُرَجَّح] (١) أنها تصح ولا يُثابُ (فَرْضًا كانت أو [نَدْبًا]) (٢) خِلَافًا لِمَا بحثه صاحب "المَطْلَب" كما سيأتي في موضعه، وكَترْك الزنا وغيره مِن المحرَّمات مِن غَيْر استحضاره وكَفِّ النفْس عنه بالقصد؛ فإنه واجبٌ ولا ثواب فيه، وكذا ترْك المكروهات. ولهذا قال القرافي: (ليس كل واجب يُثاب على فِعله، ولا كل محرَّم يثاب على تركه). قال: (فالأول كنفقة الزوجة والقريب ورَدِّ المغصوب والوديعة، لا ثواب فيها حتى تستحضر ويقصد الامتثال، والثاني كترك الزنا وشرب الخمر) (٣). انتهى قلتُ: وَوزانُ ذلك مِن المندوبات: إبراءُ المُعْسِر وإقراضُ المحتاج، ونحو ذلك.

стр. 223

تنبيهان أحدهما: يُؤخذ مِن كَوْن المندوب لا ذَمَّ في تركه أنه إذَا شَرع فيه وتركه، لا يُذم؛ فلا يَكون إتمامُه واجبًا، وأنه لا فَرْق في تركه بين أنْ يَكون ابتداءً أو بَعْد الشروع. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك، فأوجَبَا إتمامه بالشروع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ولنا: أنَّ النبي ﷺ كان أحيانًا يَنْوي صوم التطوع ثم يفطر، أَخرجه [مسلم] (١) وغيره (٢)؛ فيُحمل النهي في الآية على التنزيه؛ جَمعًا بين الدليلين، هذا إنْ لم يُفَسَّر ﴿وَلَا تُبْطِلُوا﴾ بأنكم [تحبطوها] (٣) [بِالرِّدَّة، بدليل الآية التي قَبْلها، أو أنَّ المراد] (٤): ولا تُبْطلوها بالرياء. نقله ابن عبد البر عن أهل السُّنة، ونقل عن المعتزلة تفسيرها بمعنى: لا تبطلوها بالكبائر. لكن الظاهر تفسيره بما تَقدم. واحتجَّ له أيضًا بحديث الأعرابي: "قال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال له ﷺ : لا، إلَّا أنْ تطوَّع" (٥). أَيْ: فَيلْزمك التطوع وإنْ كان تَطوعًا في أصله. وعندنا: الاستثناءُ منقطع؛ بدليل أنَّ النبي ﷺ قد أَبْطَل تَطوعه كما سبق.

стр. 224

وقال ابن المنير: [وقع لي في ذلك مأخذٌ] (١) لطيف، وهو أنَّ الصوم والصلاة ونحوهما عبادة لا تَقبل التجزئة، فَقَطْعُها تَجْزئة، أَيْ إيقاع بَعْضِ عبادة، وذلك حرام؛ لأنه تَعَبُّد فاسد. قال: ونَظِيرُه عتق البعض يَسْري للباقي مع اليسار، ومع الإعْسار لا يَسْرِي؛ لإمكان التجزئة. قال: أما التَّنَفل على الراحلة - وإنْ كان فيه تَرْك بعض الأركان - فللضرورة. قلتُ: فقدْ اضطربت المناسبة التي أَبْداها لوجود التجزئة مرة مع الصحة ومرة مع البطلان، فلا يلتفت إليها. وأيضًا فَفَرق بين أنْ يقصد تجزئة العبادة ابتداءً وبين أنْ تبطل وتُجْعَل كأنْ لم تَكُن. ومما استشكل على أبي حنيفة في ذلك: تجويزه للمتنفل بعد أنْ [يشرع] (٢) أنْ يصلي قاعدًا؛ فلذلك خالفه صاحباه، فمنعَا القعود؛ طَرْدًا للقياس. على أنَّ أبا نصر العراقي نقل عن أبي حنيفة في كتاب الصداق أنَّ له الخروج مِن صوم التطوع، إلَّا أنه يجب عليه القضاء. نَعَم، أبو نصر أَوَّلَه كما نقل ذلك أبو علي السنجي (مِن أصحابنا) في "شرح الفروع". فإنْ قِيل: ما وَجْه الوجوب في إتمام حج التطوع لمن شرع فيه عندكم؟ قلتُ: ذكر الماوردي جوابين: أحدهما: لأنَّ نَفْلَه في غالب الأحكام كَفَرْضه؛ فإنهما متساويان في النية، فيقول في كل منهما: لبيك بالحج، مِن غير أنْ يُعَيِّن فَرْضًا أو نَفْلًا، أو يُحْرِم مُطْلقًا ثُم يصرفه لِمَا شاء، سواء ذلك في الفرض أو في التطوع. ولو لَبَّى بلا نية، لَمْ ينعقد، بخلاف العكس. ومتساويان أيضًا في الكفارة بإفساد أحدهما بجماع، وفي لزوم الفدية في الإتلافات والاستمتاعات؛ فَوَجَبَ أنْ يتساويَا في لزوم الإتمام.

стр. 225

الثاني أجْوَدهما (وبه أجاب الشافعي في "الأُم"): أنه يجب المضيُّ في فاسد التطوع كواجِبه، فإتمامُ صحيحِ التطوعِ أَوْلَى. عَلَى أنَّ هذا السؤال قد أُفْسِدَ مِن أَصْله بأنَّ الحج لا يمكن وقوعه تَطوعًا؛ فإنَّ [إقامة شعار البيت] (١) مِن فروض الكفايات، وهي تَلْزم بالشروع (على الأصح). نَعَم، قال الرافعي: (ينبغي أنْ تَكون العمرة كالحج، بل الاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام كذلك، فإنَّ إحياء البقعة يحصُل به) (٢). وإنْ كان في "الروضة" قد تَعَقَّبه بما لا يلاقيه، فليُتأمَّل. والعمرة كالحج في كل ما تَقدم كما أشار إليه الرافعي فيما ذكره مما سبق. نَعَم، قِيل: لنا مسائل يجب فيها إتمامُ التطوع عندنا غير الحج والعمرة، منها ما قال بعضهم: الأضحية سُنة وتلزم بالشروع. وذكره الساجي في نصوص الشافعي. قلتُ: إنْ أُرِيدَ بِلزوم الإتمام وجوبُ التصدق بشيء منها (وهو الظاهر)، فهذا إنما هو خارجٌ مَخْرَج الشروط، لا تتميم حقيقة. ونظيره استقبال القِبلة والستر في صلاة التطوع. ومنها في "شرح الفروع" لأبي على السنجي أنَّ أبا زيد المروزي وبعض الأصحاب أوجبوا إتمام الطواف المندوب على مَن شرع فيه، وغَلَّطهما. وحَمَله بعضُهم على الطواف الواجب في الحج والعمرة المتطوع بهما؛ فرجع ذلك إلى مسألة إتمام الحج والعمرة التطوعين. التنبيه الثاني: يُؤخَذ مِن كَوْنه "يُمدح فاعلُه" أنَّ المدح لا ينفك بخوف اعتقاد العامة وجوبه فيترك - كما قاله مالك ونقله الدارمي في "استذكاره" عن أبي إسحاق المروزي مِن أنَّ السُّنة قد يَكون تَرْكُها أَفْضَل لذلك، كقراءة الجمعة يوم الجمعة، ونحو ذلك.

стр. 226

ولا يخالف هذا ما سبق مِن كَوْنه قد لا يُثاب عليه لِعارِض؛ لِقيام الدليل هناك دُون هذا. وقولي: (وَلْيُسَم) إلى آخِره - إشارة إلى أسماء الفعل "المندوب"، منها ذلك، مأخوذ من لفظ "الندب" المتعلق به، والأصل "مندوب إليه"، فَحُذفت الصلة؛ اختصارًا، لكن هذا إنما يحتاج إليه إذَا لم يسلط الندب (أَىْ: الطلب) على الفعل نفسه. ومنها: "السُّنة" و"الأَوْلى" و"المستحب" و"الطاعة"، ونحوه كَـ "التطوع"، وفي الحديث: "قال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا أنْ تطوَّع"، و"القربة" وإنْ كانت قد تُطْلَق على الواجب أيضًا كما في حديث: "ولن يَتقرب إلَيَّ المتقربون بِمِثْل ما افترضت عليهم" (١)، و"الرغبة"، و"المُرَغَّبُ فِيه"، و"النَّفْل" مأخوذ مِن معنى الزيادة؛ لأنه زائدٌ على الفَرْض، وفُسِّر به قولُه تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] إنْ قُلنا: نُسِخ التهجُّد في حقه كما قاله النووي في "الخصائص" في النكاح، بل يَكون هذا دليلًا له، وقِيل: المراد: زيادة في الوجوب عليك على ما هو واجبٌ على الأُمَّة. وقولي: (لِمَنْ أَحَبَّهْ) متعلق بِقَولي (يُتَم)، [أَيْ: يُتَم تعريفُه بهذه] (٢) الأسماء ومَا بعدها لن أحب أنْ يتعرف أسماء هذا النوع. واعْلَم أنَّ ما ذكرنا إنما هو على تقدير أنَّ معنى هذه الأسماء كلها واحد، وأنها مترادفة، وهو الأصح. وذهب بعض أصحابنا إلى التغاير في بعضها، فقال القاضي حسين والبغوي: "السُّنة" ما واظب عليه النبي ﷺ ، و"المستحب" ما فعل مرةً أو مرتين، وأَلْحَقَ بذلك

стр. 227

بعضُهم ما أمَر به ولَمْ يُنْقَل أنَّه فَعَلَه، و"التطوُّعُ" ما لم يَرِد فيه بخصوصه نَقْلٌ. وردَّه القاضي أبو الطيب في "منهاجه" بأنَّ النبي ﷺ حج مرة، وفي أفعاله فيه ما هو سُنة، وكذا لم يُصَلِّ للاستسقاء ويخطب إلَّا مرةً، وهُما سُنة. وقال الحليمي: "السُّنة" ما استُحِب فِعْلُه وكُره تركه، و"المستحبُّ" ما لم يُكره تركه. وقِيل: "النفل" و"التطوع" واحد، وهو ما سِوَى "الفرض"، و"السُّنة" و"المستحب" [مِن أنواعهما] (١). وقِيل: "السُّنة" ما فَعَله النبي ﷺ ، و"المستحب" ما أمر به سواء فَعَله أَوْ لا، أو فَعَله ولم يُداوم عليه. نقله في "المَطْلَب" في باب الوضوء، كأنه لحظ في "السُّنة" معنى الدوام. وقِيل: "السُّنة" ما ترتبت كالراتبةِ مع الفريضةِ، و"النفلُ" و"الندبُ" ما زاد على ذلك. حكاه الشيخ أبو إسحاق في "اللمع". وللمالكية تفرقَةٌ أخرى: أنَّ ما أَمَر به الشرعُ وبالغ فيه "سُنَّةٌ"، وأولُ المراتب تطوعٌ ونافلة، وبينهما فضيلةٌ ومُرغبٌ فيه. وربما سميت "السُّنة" هيئة، كما قاله أصحابنا في الصلاة [فيما] (٢) لا يُجْبَر بسجود السهو، وكما قاله أبو حامد فيما يتهيَّأ به للوضوء، كالتسمية وغسل الكفين، لكن في الحقيقة ليست هذه التسمية له من حيث هو، بل في هذا المَحَل الخاص؛ لمناسبة تَخُصُّه. وفي "زوائد الروضة" أول باب صلاة التطوع تسمية "السُّنة" حَسَنًا عند مَن يجعلها أسماء مترادفة، وإنما لم أذكره لما سيأتي أنَّ "الحسن" إنما سُمي به مِن حيث كونه مأذونًا شرعًا.

стр. 228

فائدة: قال ابن العربي: أخبرنا الشيخ أبو تمام بمكة أنه سأل الشيخ أبا إسحاق ببغداد عن قول الفقهاء: "سُنة"، و: "فضيلة"، و: "نَفْل"، و: "هيئة". فقال: هذا عامته في الفقه، ولا يقال إلَّا فرض وسُنة، لا غير. [وأمَّا] (١) أنا فسألت أبا العباس الجرجاني بالبصرة، فقال: هذه ألقاب لا أصل لها، ولا نَعرفها في الشرع. والله أعلم. ص: ١٢٤ - وَمَا بِهِ قَدْ عُلِّقَ التَّحْريمُ ... فَهْوَ الَّذِي فَاعِلُهُ مَذْمُومُ ١٢٥ - وَهْوَ الْحَرَامُ الْحَظْرُ وَالْمَعْصِيَةُ ... وَالْإثْمُ وَالْمَزْجُورُ وَالْفَاحِشَةُ ١٢٦ - وَالذَّنْبُ وَالسَّيِّئَةُ الْقَبِيحُ ... وَحَرَجٌ عُقُوبَةٌ تَجْرِيحُ الشرح: أَيْ: ما تعلق به التحريم هو الذي يُذم فاعِلُه. فيخرج بِقَيْدِ "الذَّم": ما سوى الحرام والواجب، وبإضافة الذمِّ للفاعلِ: الواجبُ. والمراد: الذي مِن شأنه أنْ يُذم فاعله وإنْ تَخَلَّف، كَمَن وَطئ أجنبية يظنها زوجته كما سيأتي. ولم أُقيده بِكَونه "قَصْدًا" ولا بِـ "شَرْعًا"؛ لِمَا سبق في الواجب، ولا بِـ "مُطْلَقًا" وإنْ كان في التحريم ما هو مُخَيَّر كما سيأتي؛ لأن الفعل متى وُجِد في المخيَّر، كان مذمومًا حرامًا. ولم أَقُل: (ويثاب تاركه)؛ لأنَّ "المكروهَ" يشاركه في ذلك و"خِلَافَ الأَوْلى"، وقد خَرجَا بِقَيْد ذم الفاعل، وأيضًا فَقدْ لا يثاب؛ لِعَدَم استحضاره كما سبق. ويُسَمَّى: - "مُحَرَّمًا": اسم مفعول مِن حَرَّمَه تحريمًا.

стр. 229

- و"حرامًا": وصف فاعل مِن حَرُم يَحْرُم؛ لأنه مطاوع "حَرَّم" المُضعَّف كما سبق تقرير نظيره في "الواجب". - ويسمى "مَحْظُورًا": مِن الحظْر وهو المنع، فسُمِّي الفعل بالحكم المتعلق به. - ويُسمى أيضًا "معصيةً"، و"إثمًا"، و"حَرَجًا"، و"مزجورًا"، و"زَجْرًا"، و"فاحشةً"، و"ذنبًا"، و"سيئةً"، و"قبيحًا"، و"عقوبة"، و"تجريحًا"، و"جَرْحًا"؛ لأنها تترتب على فِعله، فبهذا التقدير تصح تسميته بذلك، والله أعلم. ص: ١٢٧ - وَمَا لَهُ كَرَاهَةٌ "مَكْرُوهُ" ... تَارِكُهُ يُمْدَحُ، لا يَعْرُوهُ ١٢٨ - في الْفِعْلِ ذَمٌّ، وَ"خِلافُ الْأَوْلَى" ... مِثْلٌ، وَلَكِنْ مَنْعُ كُرْه أَوْلَى الشرح: أَيْ: ما يتعلق به الكراهة يُسمَّى "مكروهًا". ورَسْمُه: ما يُمْدَحُ تارِكُه، ولا يُذَمُّ فاعِلُه. فخرج بـ "يُمْدَحُ": المباحُ، وتقييدِه بِالـ "تارك": الواجبُ والمندوبُ؛ فإنَّ المدح فيهما على الفعل. وخرج بِعَدَم ذَمِّ فاعله: الحرامُ؛ لأنه وإنْ شارك "المكروه" في مدح التارك لكن يفارقه في ذم الفاعل. وأمَّا "خِلَاف الأَوْلَى" فَسُمِّي بذلك لأنه خِلَاف المندوب الذي مِن أسمائه "الأَوْلَى" كما سبق، وهو مشارِكٌ له في رَسْمه، إلَّا أنَّ هذا مُقَيَّد بكونه بِنَهْيٍ غير مقصود؛ ليخرج "المكروه"، وحينئذ فالمنع في "المكروه" أقوَى مِن المنع في "خلاف الأَولى"، وهو معنى قولي: (وَلَكِنْ مَنْعُ كُرْهٍ أَوْلَى)، أَيْ: أَقْوَى باعتبار كَوْنه بِنَهْيٍ مقصود، فإنَّ هذا يدل على الاعتناء بالمنع فيه، وقد يُطلق "المكروه" على "خلافِ الأولى" كما سبق، والله أعلم.

стр. 230

ص: ١٢٩ - وَذُو الْإبَاحَةِ "مُبَاحٌ" جَائِزُ ... مُوَسَّعٌ وَمُطْلَقٌ وَحَائِزُ ١٣٠ - حِلًّا، خَلَا مِنْ مِدْحَةٍ وَذَمِّ ... وَقَدْ يَجِيءُ اسْمًا لِغَيْرِ الْحِرْمِ الشرح: المرادُ أنَّ مُتعلَّق الإباحة مِن الفعل يُسمَّى "مباحًا" اسم مفعول مِن "أباحه". ويُسمى "جائزا" و"مُوَسَّعًا" أَيْ: فِيه (١)، و"مُطْلَقًا" و"حَلَالًا"، وما في معناه مِن المُحَلِّ والمُحَلَّل بالفتح، وهو معنى قَولي: (وَحَائِزٌ حِلًّا). وقولي: (خَلَا مِنْ مِدْحَةٍ وَذَمٍّ) هذا رَسْم "المباح"، وهو: ما خَلَا مِن مَدْح وذمٍّ، أَيْ: لا في فِعل ولا في تَرْك. وخروجُ بَقِية الأقسام كلها مِن ذلك واضحٌ؛ لأنَّ كُلًّا منها لا يخلو مِن مدح أو ذم إمَّا في الفعل أو في التَّرك، لكن لا بُدَّ فيه مِن الإذْن؛ لأنه مُتَعَلَّقُ الإباحة، وقد سبق تفسير الإباحة بذلك؛ فَيَخْرج حُكمُ الأشياء قَبْل ورود الشرع، وفِعْلُ غَيْر المكلَّف. نَعَم، المراد بكونه لا مدح فيه ولا ذم: الذي شأنه ذلك، أو يُقال: (لِذَاتِه)؛ ليخرج ما لو تُرك به حرامٌ؛ فإنه يثاب عليه مِن تلك الجهة، ويَكون واجبًا - على رَأْي الكعبي كما سيأتي، فإنَّ ذلك لا يختص بالمباح، وما لو تُرك به واجبٌ فإنه يُذم أيضًا مِن تلك الجهة. والمراد بالمدح والذم أنْ يَرِد ما يدل على ذلك بِطَريق مِن الطُّرق، كمدح الفاعل، أو ذَمِّه، أو وَعْده، أو وَعِيده، أو غير ذلك كما سبقت الإشارة إليه، وإن ابن عبد السلام بسط ذلك في كتاب "دلائل الأحكام". وقولي: (وَقَدْ يَجِيءُ اسْمًا لِغَيْرِ الْحِرْمِ) معناه أنَّ البائع ربما أُطْلق على مُقَابِل "الحرام"، أَعَم مِن الواجب والمندوب والمكروه وخِلافِ الأولى والمُخَيَّر فيه على السواء، أَيْ بأسمائه،

стр. 231

فَيُقال: "الجائز" كذلك، و"الحلال" كذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. و"الْحِرْم" بكسر الحاء هو الحرام، قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: ٩٥] على قراءة حمزة والكسائي، [أيْ: حرام] (١) وإنْ كان المراد هناك ليس الحرام الشرعي، بل المنع أو نحوه (على اختلاف المفسرين). وسَلَك بعضُ العلماء ذلك في تقسيم الحُكم، فقال: هو قِسمان: تحريم، وإباحة. ووقع في تعليقة الشيخ أبي حامد في كتاب النكاح أنها ثلاثة: إيجابٌ، وحَظْرٌ، وإباحةٌ. ولعله أراد بِـ "الإيجابِ" مُطْلَقَ الطَّلَب، وبِـ "الحظرِ" مُطْلَقَ المنع، والله أعلم.

стр. 232

ص: ١٣١ - وَكُلُّ مَأْذُونٍ بِشَرْعٍ فَـ "حَسَنْ" ... فَذَاكَ "وَاجِبٌ" وَ"مَنْدُوبٌ" إِذَنْ ١٣٢ - كَذَا "مُبَاحٌ"، وَالَّذِي تَعَلَّقَا ... نَهْيٌ بِهِ "الْقَبِيحُ" فِيمَا أُطْلِقَا ١٣٣ - وَذَلِكَ "الْحَرَامُ" وَ"الْمَكْرُوهُ" ... "خِلَافُ الَاوْلَى" هُوْ بِهِ شَبِيهُ ١٣٤ - وَالْأَرْجَحُ الَّذِي الْإمَامُ قَالَهْ: ... ذُو الْكُرْهِ مِنْهُ لَا وَلَا مَحَالَهْ ١٣٥ - قِيلَ: وَيَنْبَغِي يَكُونُ مِثْلَهُ ... "خِلَافُ الَاوْلَى" هُوْ بِذَاكَ أَشْبَهُ الشرح: أَيْ: مما عُلِم مِن حد الحكم السابق (مِن حيث الإضافة إلى الله تعالى والتقسيم إلى اقتضاء وتخيير) أنَّ وصف الفعل المتعلق به الخطاب بِحُسن أو قُبْح إنما هو باعتبار إذْن الشارع وعدم إذنه، لا بالعقل كما يدَّعيه المعتزلة؛ فالحسَن: ما أَذِن فيه الشرع، والقبيح: ما نهي عنه؛ فيدخل في المأذون حينئذ "الواجب" و"المندوب"، وكذا يدخل "المباح"؛ لارتفاع شأنه بالإذن فيه وإنْ لم يُطلب. ويدخل في المنهي عنه "الحرام" و"المكروه" و"خِلَاف الأَوْلى"؛ لأنه شبيه بالمكروه في كَوْنه مَنْهِيًّا نَهْي تنزيه، وإنْ كان النهي غيرَ مقصود، وهو معنى قولي: (هُوْ بِهِ شَبِيهُ). نَعَم، كَوْن "المكروه" و"خِلَاف الأَوْلى" مِن القبيح فيه نظر، وإنْ كان في "جمع الجوامع" صرح بذلك في "المكروه"، لكن قال شيخُنا شارحُه الزركشي أنَّه لم يَرَه لِغَيْره، وكأنه أخذَه مِن إطلاق كثير أنَّ "القبيح" ما نُهِيَ عنه. قال: (ويمكن أنْ يريدوا النهي المخصوص - أَيْ: نَهْي التحريم - بل هو الأقربُ لإطلاقهم، وكأنَّ المُوقِع له في ذلك قولُ الهندي: إنَّ القبيح عندنا ما يكون منهيًّا عنه،

стр. 233

ونَعْني به ما يَكون تَرْكه أَوْلَى، وهو القَدْر المشترك بين المُحَرَّم والمكروه) (١). انتهى فقولي: (وَالْأَرْجَحُ الَّذِي الْإمَامُ قَالَهْ) إشارة إلى النظر المذكور في "المكروه" و"خِلَاف الأَوْلَى"، وأنَّ الأرجح الذي قاله إمام الحرمين: إنَّ "المكروه" لا قبيح ولا حسن؛ لأن "القبيح" ما يُذم عليه، و"الحسَن" ما يُثْنَى عليه، وهو ليس كذلك فيهما. ولذلك قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لَمْ نَرَ أَحَدًا نعتمده خالفَ الإمام في هذا إلَّا أناسًا أدركناهم تعلقوا بإطلاق نحو البيضاوي (٢) النَّهْيَ، وليس هذا التعلق بِأَوْلى مِن امتناع إمام الحرمين مِن ذلك) (٣). قلتُ: بل الغالب - كما سبق - في إطلاقِ النَّهْيِ التحريمُ؛ ولذلك حمل الأصفهاني كلام "المنهاج" [عليه] (٤). نَعَم، كلام إمام الحرمين إنما هو مُفَرَّعٌ على تفسير الحسن والقبيح بما يُمدح فاعله أو يُذم شرعًا، وغَيْره علَّق القُبح بالنهي لا بالذم. قِيل: وينبغي على قول الإمام ذلك في "المكروه" أنَّ "خِلَاف الأَوْلَى" كذلك، بل هو أَوْلى بأنْ يُنْفَى القُبح عنه مِن حيث إنَّ النهي فيه غَيْر مقصود. قلتُ: وينبغي أنْ يَكون "المباح" أَوْلى منهما بأنْ لا يَكون حَسنًا ولا قبيحًا؛ لانتفاء الاقتضاء فيه. نعم، تمسكوا في كَوْنه حسنًا بقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]؛ لأنَّ أَفْعَل التفضيل يقتضي المشاركة. فإذَا جُوزوا على الأحسن وهو "الواجب" و"المندوب"، يبقى المباح حَسنًا، ولا جزاء فيه.

стр. 234

قلتُ: وَفِيه نظر؛ فإنَّ الظاهر أنَّ المراد بِـ "أحسن": بِـ "الحسَن"، لا معنى التفضيل؛ بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤]، وذلك هو المطلوب، لا "المباح"؛ فإنه لا جزاء فيه، وأيضًا فيلزم أنْ يَدْخل في الحسن "الحرامُ" وغيره؛ لأنه مما قد يَعمله المكلَّف؛ فَيكون مِن المُفَضَّل عليه، وهو باطل. أو يكون التفضيل باعتبار أنَّ الجزاء أفضل مِن العمل، فكأنه قيل: يَجزيهم أجرهم بالنوع الذي هو أفضل من أعمالهم. لكن يشكل بما قاله العلماء: إنَّ كل عمل فجزاؤه خير منه، إلا التوحيد؛ فإنه أفضل مِن جزائه، ولأن "أَفْعَل" التفضيل لا يُضاف إلا إلى جنسه. تنبيهات أحدها: لأصحابنا عبارات أُخرى في الحسن والقبح - لا طائل في بَسطها، وقد أَشَرْتُ إلى شيء منها فيما سبق. وأمَّا المعتزلة فإنهم لَمَّا أناطوا الحُسن والقبح بِحُكم العقل، عَبَّروا بعبارات: منها أنَّ ما للقادرِ عليه العالِمِ بحاله أنْ يَفعله: "الحَسن". وخِلافُه: "القبيح"؛ فيدخل في "الحسنِ" الأحكامُ سوى الحرام، و"القبيح" الحرامُ فقط. ومنها أنَّ "الحسَنَ": الواقعُ على صِفَة توجب المدح. و"القبيح": الواقعُ على صفة تُوجب الذم؛ فيدخل في "الحسَنِ" الواجبُ والمندوبُ، وفي "القَبيحِ" الحرامُ فَقَط، ويبقى المباح والمكروه لا حَسنًا ولا قبيحًا. الثاني: أَطْلَق الأصوليون مقابلة الحسن بالقبيح، وفِيه نظر؛ لأنَّ مُقابِلَه إنما هو السَّيِّئ؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وأيضًا فالقبيح أَخَص مِن السَّيِّئ، كما

стр. 235

أنَّ الجميل أَخَص مِن الحسن؛ بدليل قولهم: (الحسن الجميل)؛ للترقي مِن الأدنى للأعلى، فينبغي مقابَلة الجميل بالقبيح، والحسن بالسَّيئ. نَبَّه على ذلك الشيخ جمال الدين [الأغْماتي] (١) في كتاب "المطالع". الثالث: إناطة الحسَن بالإذن أَخَصُّ مِن إناطة البيضاوي له بعدم النهي حتى أَدْخل فيه فِعل غَيْر المكلَّف (كالصبي والساهي والبهيمة) استطرادًا؛ لأنه إنما يتكلم في الفعل المتعلِّق به الخطاب، وهو فِعل المكلَّف. وألزَمُوه أنْ يسْتَطرد إلى أنْ يُمثل أيضًا بِفِعْل الله تعالى. الرابع: فيما يظهر فيه ثمرة الخلاف في هذه المسألة، وقد أشار إلى ذلك الرافعي بَعْد أنْ اقتضى كلامُه وصرح به غيرُه أنَّ أصحاب أبي حنيفة وافقوا المعتزلة على الإناطة فيهما بالعقل، فقال في باب الزنا: (لو مَكَّنت البالغة العاقلة مجنونًا أو صبيًّا فَعَليها الحد، خِلَافًا لأبي حنيفة، قال: لأنَّ فِعله - والحالة هذه - ليس بِزِنًا. قُلنا: لا نُسَلِّم أنَّه ليس بِزِنًا، بل زِنا ولكن لا يجب الحد) (٢). انتهى ووَجْه التخريج أنَّ الزنا إنما يكون في العقل قبيحًا إذا صدَر مِن المكلَّف. فما يفعله الصبي إذا لم يكن زنًا، لا تُحَدُّ المُمَكَّنَة منه. وعلى قول الشافعي هو قبيح في نفسه؛ لأنه مَنْهِي عنه ولو سقط الحدُّ فيه عن الصبي لِعَدم تكليفه. ولا يخفَى ما في هذا، وإنما ينبغي أنْ يَكون على العكس، أي: إنَّ مَن يقول: (إنه عقلي) يوجب الحدَّ على المُمَكِّنَة؛ لأنَّ العقل مدرك لِقُبْح هذا الفعل مِن حيث هو، ومَن يقول: (شرعي) لا يوجب الحد؛ لِعَدم تَعلُّق النهي بفعل الصبي. على أنَّ وجوب الحد بالتمكين إنما

стр. 236

هو لوقوع الفعل بينهما، فهي زانية، وهو ليس بِزانٍ، كَمَن ظن مَن على فراشه زوجته، أو بالعكس، أحدهما زانٍ دُون الآخَر. ومما عُدَّ أيضًا مِن فوائد الخلاف: أنه إذا قطع يد الجاني قصاصًا فَمَات، فلا ضمان فيه عندنا؛ لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، و"المُحْسِن" مَن أَتَى بالحسن؛ فيندرج في الآية عند مَن قال: إنه حسن. وقال أبو حنيفة: يضمن. وهذا يأتي في كل موضع كُره فيه القصاص. قلتُ: وفيه نظر أيضًا؛ فإنَّ "المحسِن" مِن "الإحسان"، لا مِن "الحسْن"، ولو دارت المادةُ على الحاء والسين والنون إلَّا أنَّ في استعمال اللغة التغايُر، لا سِيَّما وقد سمَّى الله تعالى القصاص "سيئة"؛ تنفيرًا منه، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وأيضًا فيلزم مِن ذلك أنَّ فاعل المباح له الجنة وزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. نَعَم، مِن أَحْسَنِ ما خُرِّج على الخلاف ما ذكره قاضي القضاة شهاب الدين محمود الزنجاني الشافعي في كتابه "تخريج الفروع على الأصول" بعدَ أنْ نَصب الخلاف بين جماهير العلماء في تعليقهم التحسين والتقبيح بالأمر والنهي وبين المنتمين إلى أبي حنيفة مِن علماء الأصول بأنَّ العقل له مَدْخل وأنَّ الشرع كاشِفٌ بِأَمْره ونَهْيه عن الحسْن والقُبح: (أنَّ إسلام الصبي المميِّز لا يصح عندنا؛ لِعَدم تعلُّق الأمر به، ويدل له أنَّ الإِسلامَ: الاستسلامُ، فيستدعي طلبًا. فإذا انتفَى، انتفَى. وهُم أناطوه بالعقل، والعقل يوجِب على الصبي ذلك كالبالغ، وهو عجيب؛ فإنهم قد ادَّعوا أنَّ الشرع لا يخالف العقل بل كاشف، فكيف خالفه هنا؟ ! - وأنَّ نَذْر صوم العيد والتشريق لا يصح عندنا؛ لعدم صحة الصوم فيهما، وعندهم يصح؛ لأنَّ الصوم عبادةٌ في نفْسه مأمورٌ بها، فكان حُسنه ثابتًا شرعًا وعقلًا، والنهي عنه في

стр. 237

العيد والتشريق لِأمرٍ خارج كَتَرك إجابة مَن دَعَاه لِيأكل عنده فيهما. - وأنَّ شهادة أهل الذمة بعضهم لبعض لا تُقْبَل عندنا، وعندهم تُقبل؛ لأنَّ قُبح الكذب ثابت عقلًا، وكذلك حُسن الصدق، وكُل ذِي دِين فإنه يجتنب ما هو محظور في دِينه) (١). انتهى والله أعلم. ص: ١٣٦ - وَالْأَمْرُ لَا يَشْمَلُ مَا قَدْ كُرِهَا ... مُحَرَّمًا يَكُونُ أَوْ مُنَزَّهَا ١٣٧ - فَوَقْتُ نَهْيٍ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ ... بَلْ وَاحِدًا بِالشَّخْصِ إذْ يُفَصَّلُ ١٣٨ - بِجِهَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ فَتَصِحْ ... فِي الْغَصْبِ لَكِنْ لَا ثَوَابَ يَتَّضِحْ الشرح: هذا مِن تتمة الكلام في الأفعال التي تُعلَّق بها الأحكام؛ وذلك لأنه قد سبق أنَّ الفعل إما مطلوب الإيجاد أو التَّرك، فأمَّا أنْ يَكون مطلوبهما معًا فَفِيه تفصيل: فإنْ كان مِن جهة واحدة، فممتنع؛ لأنه جمع بين الضِّدَّين؛ فلذلك صَدَّر ابنُ الحاجب كلامه في هذه المسألة بقوله: (يستحيل كَوْن الشيء واجبًا حرامًا مِن جهة واحدة إلَّا عند بعض مَن يُجَوِّز تكليفَ المُحَال) إلى آخِره. وأمَّا ابن السمعاني فعبَّر عن ذلك بقوله: (الأمر المطلَق لا يتناول المكروه). قال: (وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله) (٢).

стр. 238

ثم ذكر ما سيأتي حكايته عنه بعد ذلك. واحترز بقوله: (المطلَق) عن المقَيَّد بما يخرج الصورة التي يكون الفعل فيها مكروهًا، فلا خلاف حينئذ في عدم تناوله. وإطلاقه "المكروه" شامل للمكروه تحريمًا والمكروه تنزيهًا؛ لأنَّ النَّهي اقتضَى ترْكه، فلو أنَّ الأمر يَشمله لَكان مُقْتَضِيًا لِفعله؛ فيكون مطلوبًا فِعله وترْكه في آنٍ واحد، وهو مُحَال. وسيأتي في الأمثلة إيضاحُ ذلك. واعْلَم أنَّ موضوع هذه القاعدة أنَّ الواحد هل يكون مأمورًا مَنْهِيًّا كما ذكرناه؟ لكن الواحد إمَّا واحد بالجنس أو النوع وإمَّا واحد بالشخص. فالأول هل يكون منهيًّا مأمورًا باعتبار أفراده بأنْ يَكون بعضها مَنهيًّا وبعضها مأمورًا؟ قال الجمهور: نعم، كَمُطْلَق السجود واجبٌ لله وحرام لِغَيره، قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧]. وخالف أبو هاشم فيه فيما حكاه عنه إمام الحرمين، فقال: إنَّ المحرَّم إنما هو القصد مِن السجود، لا نفس السجود (١)؛ بناءً على أصله أنَّ النوع لا يختلف بالحسْن والقبح. والقاعدة فاسدة، فالمحرَّم القصْد والسجود معًا. وأمَّا في فَرْدٍ مِن النوع فلا، والمخالِفُ في هذا هُم الحنفية كما سبق في كلام ابن السمعاني، وهو أَعْرَفُ؛ لأنه كان حنفيًّا، ومَثَّل لذلك بالصلاة في الأوقات المكروهة، وصوم يوم العيد والتشريق، ونحو ذلك كما سيأتي إيضاحه. والثاني (وهو الواحد بالشخص): إنْ لم يَكن له إلَّا جهة واحدة، فاجتماع الأمر والنهي فيه ممتنع إلَّا عند مَن يُجَوِّز التكليف بالمُحَال لذاته. وإنْ كان له جهتان (كالصلاة في المغصوب)، فهو مأمور به مَنْهِيٌّ عنه باعتبارين (عَلَى المُرَجَّح). فإنْ قُلتَ: ما الفَرق بين هذا وبين ما سبق في فَرْد مِن النوع حيث امتنع أنْ يَكون مأمورًا

стр. 239

مَنْهِيًّا خِلَافًا للحنفية؟ قلتُ: لأنَّ الجهتين متعذرتان في الواحد من النوع، كالصلاة في الوقت المنهي، فإنها إذَا أمر بها فإنما هو مِن حيث كَوْنها صلاةً، والنهي عنها إنما هو مِن حيث كَوْنها صلاةً في هذا الوقت، فَقَدْ تَواردَا مِن حيث نوع الصلاة، ونحو ذلك صوم يَوْمَي العيد والتشريق، بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة مَثَلًا؛ فإنَّ النهي ليس مِن حيث كَوْنها صلاة، بل مِن حيث شغل المكان تَعَدِّيًا - أَعَم مِن أنْ يكون صلاة أو غيرها؛ فافترقَا. إذَا تَقَرَّر ذلك، فاعْلَم أنَّ لهذه القاعدة أمثلة، منها: ما سبق مِن الصلاة في الوقت [المنهي] (١)، فهي غير صحيحة سواء قُلنا: النهي عنها تحريم، أو: تنزيه. أمَّا التحريم فواضح، وأمَّا التنزيه فَعَلَى وَجْه قَطَع به البندنيجي وهو الراجح، فَقَدْ صرح النوويّ في "دقائق الروضة" في الكلام على الماء المشمَّس ببطلان الصلاة أيضًا فيها ولو قُلنا: كراهة تنزيه؛ وكذا قال ابن الرفعة في "المطْلَب": (الحقُّ عندي أنها لا تنعقد جَزْمًا، وإن كانت غير مُحَرمة؛ لأنَّ الكلام في نَفْل لا سبب له، فالقصدُ به إنما هو الأجْر، وتحريمُها أو كراهتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصودُه - باطل كما تَقَرر في قواعد الشريعة). انتهى وقد استشكل هذا الحكم مِن وجهين: أحدهما: أنَّ الكراهة تنزيهًا تتضمن الجواز، فكيف يجتمع مع الفساد الذي تَعَاطِي المتصف به حرام؛ لِكَوْنه تلاعُبًا؟ الثاني: أنه منتقض بنحو صوم يوم الجمعة، فإنه مكروه، وظاهر كلامهم أنه لو صامه صَحّ. وقد يجاب بأنَّ ما كان لِأمرٍ خارجي لا يَقدح في الانعقاد، والتلاعب إنما يتحقق فيما

стр. 240

يَكون النهي فيه لِذَات الشيء أو لِوَصفه اللازم كما سيأتي تقريره في باب الأوامر والنواهي. فالصلاة في الوقت المكروه لِمَعْنَى التشبُّه بمن يَسجد للشمس عند طلوعها أو غروبها أو ظهور سلطنتها بتمام ارتفاعها قَبل أنْ تنهبط، وهذا المعنى مُلازِم لنوع الصلاة التي لا سبب لها، فالفساد مِن هذه الجهة حصل، لا [في] (١) المكروه مِن حيث هو. ولزوم الجواز في المكروه إنما هو [حيث] (٢) لم يَقْترن به ما يُوجِب فساده حتى يكون محرمًا مِن هذه الحيثية فقط وإنْ كان جائزا في أَصْله؛ بدليل حكاية خِلَاف في المباحات المُخِلَّة بالمروءة الرادَّة للشهادة: هل تَحْرُم؟ أوْ لا؟ وأمَّا كراهة صوم يوم الجمعة فإنما هو للضعف عن كثرة العبادة والذِّكر فيه، وليس ذلك بوصف لازِم حتى يفسد؛ فافترقا، فتأمَّله. ومنها ما قاله ابن السمعاني عقب كلامه السابق، حيث قال: (والخلاف تظهر فائدته في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فعندنا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا منكوسًا، وعندهم يتناوله، فإنهم - وإنِ اعتقدوا كراهته - قالوا فيه: يُجْزِئ؛ لدخوله تحت الأمر. وعندنا لا يدخل؛ لأنه لا يجوز أصلًا، فلا طواف بدون شرطه - وهو الطهارة - ووقوعه على الهيئة المخصوصة). قال: (وحُجَّتنا أنَّ الأمر للوجوب حقيقةً، وللندب والإباحة مجازًا، وليس المكروه واحدًا مِن الثلاثة) (٣). انتهى ومنها ما قال إمام الحرمين: (إنَّ هذه المسألة مَثَّلها الأئمة بالترتيب في الوضوء، فَمَنْ لا

стр. 241

يراه، يقول: التنكيس مكروه، فلا يدخل تحت الأمر) (١). نَعَم، قال إلْكِيا الطبري: إنَّ الكراهة في هذا إنما [هو] (٢) لِمَعْنًى خارج، وهو مخالفة [عبادة] (٣) السَّلَف، ومحل الخلاف إنما هو حيث لا يَكون لمعنى خارج. ثُم لا يصح التمثيل به إلا إذا كان التنكيس مكروهًا وإذا فَعله كان محُرَّما. وهذا عندهم، وأمَّا عندنا فواجب، فتركه يُخِل بهيئة الوضوء؛ فلا يُجْزِئ، فهو كما سبق في الطواف. قلتُ: وليس هذا مخالِفًا لِما سبق مِن أنَّ المكروه تنزيهًا باطلٌ - على المُرَجَّح عند النووي وابن الرفعة؛ لِما بَيَّنَّا أنَّ ذلك إذا كان لِمَعْنًى مُلازِم للماهية بحيث يكون كالذاتي لها، لا لِخارج غير ملازم. ومنها: إعادة صلاة الجنازة لا يصح على احتمال لإمام الحرمين قَوَّاه النوويّ؛ لأنها لا تستحب. وقِيل: تُكْره. فَعَلَى الكراهة [تُعَدُّ] (٤) مِن هذه القاعدة، وكذا على أنه خِلاف المستحب؛ لأنه منهي ولو كان بنهي ضِمْني لا مستقل. ومنها: لو نذر الإحرام مِن دويرة أهله وقُلنا: (إنه مِن الميقات أفضل) كما رجحه النووي، خِلافًا لترجيح الرافعي أنه مِن دويرة أهله أفضل، فإنه يصح نَذْره؛ لأنه مقصود وإنْ كان غيْره أفضل، كما في نَذْر الحج ماشيًا وإنْ قُلنا: الركوب أفضل. قلتُ: ودخوله في القاعدة مِن حيث إنه - على ترجيح النووي - خِلَافُ الأَوْلى، فهو

стр. 242

مَنْهي عنه نهيًا ضمنيًّا، والصحة فيه إنما هي [لِكَوْنه] (١) لِمَعْنًى خارجي كما سبق في نظيره، وكذا إذا قُلنا بالوجه الضعيف: (إنه من دويرة أهله مكروه). فَقَوْل بعض المتأخرين: (إنه ينبغي أنْ لا ينعقد - عَلَى القول بالكراهة؛ عملًا بهذه القاعدة) مردودٌ بما قررناه. ومنها: الصوم يوم الشك [تَطَوُّعًا] (٢) حرام وغير منعقد؛ للقاعدة. وفي انعقاد نذر صومه وجهان، الأصح المنع، كما لو نذر صوم يوم العيد. وهذه الأمثلة كلها فيما إذا اجتمع الأمر والنهي في فَرْد مِن نوع غير شخصي. أما مثال الواحد بالشخص إذا كان له جهتان فكما سبق مِن الصلاة في الدار المغصوبة مثلًا، فإنه يصح أنْ يدخل تحت الأمر مِن جهة، ويَكون مِن الجهة الأخرى مَنهيًّا عنه، وهو معنى قولي: (بَلْ وَاحِدًا بِالشَّخْصِ إذْ يُفَصَّلُ بِجِهَتَيْنِ). أَيْ: إنَّ الأمر لا يتناول المكروه (تحريمًا كان أو تنزيهًا)، لكن إذا كان واحدًا بالشخص وله جهتان، فإنه يَكون متناولًا له، فهو منصوب عطفًا على مفعول "يَشْمَلُ" (وهو "مَا" الموصولة في قولي: مَا قَدْ كُرِهَا) بِـ "بَلْ". وهذه المسألة طويلة الذيل، ويذكرها الأصوليون مستقلة، ولكنها فرعٌ عن القاعدة السابقة كما بينَّاه، فتُذْكر لتقرير القاعدة، وذِكرها في الفروع أَلْيَق. والحاصل أنَّ الجمهور جَوَّزوا كَوْن الصلاة في هذه الصورة واجبةً حرامًا باعتبارين، فتكون صحيحة؛ لأنَّ متعلَّق الطلب ومتعلَّق النهي في ذلك متغايِران؛ فكانَا كاختلاف المحلين؛ لأنَّ كل واحدة مِن الجهتين منفكة عن الأخرى، واجتماعهما إنما هو باختيار المكلَّف، فليسا متلازمين، فلا تَناقُض. وقال أبو علي وأبو هاشم الجُبَّائِيَّان وأبو شمر الحنفي والزيْديَّة والظاهرية: إنها غير

стр. 243

صحيحة. وحكاه المازري عن أصبغ المالكي، وبه قال أيضًا الإمامُ أحمد، واختاره القاضي أبو بكر، وابن العارض المعتزلي في "النكت"، وحكاه القاضي [حسين] (١) وابن الصباغ وجْهًا لأصحابنا، واختاره في "المحصول". ثُم افترقوا فِرقتين، ففِرقة قالت: لا يَسقط بها الفرض. وهو المنقول عن أحمد. وفِرقة ذهبت إلى السقوط، لكن عندها، لا بها. قال في "المحصول": (لأنَّ السلف أجمعوا على أنَّ الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلاة المؤدَّاة في [الدور] (٢) المغصوبة، ولا طريق إلى التوفيق بينهما إلا بما ذكرناه). قال: (وهو مذهب القاضي أبي بكر) (٣). انتهى لكن قال الصفي الهندي: (الصحيح أنَّ القاضي إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأمَّا إذَا لم يثبت ذلك، فلا يقول بسقوط الطلب بها ولا عندها) (٤). انتهى وقد علِمتَ أنَّ الإجماع لا يَثبت مع مخالفة أحمد و [مَن] (٥) سبق ذِكره. وممن منع الإجماعَ إمامُ الحرمين وابنُ السمعاني وغيرُهما. وقد حكى القاضي حسين في [تعليقته] (٦) وَجْهين لأصحابنا أيضًا في ذلك: أحدهما: لا يصح؛ للغصب.

стр. 244

والثاني: يصح؛ لأن المعصية ليست في عَيْن الصلاة، بل للمُقام في أرض الغير. انتهى وقولي: (لَكِنْ لَا ثَوَابَ يَتَّضِحْ) أَيْ: مع القول بأنها تصح: هل فيها ثواب؟ أو لا؟ نقل النووي في "شرح المهذب" عن القاضي أبي منصور (ابن أخي ابن الصباغ) أنَّ المحفوظ مِن كلام أصحابنا بالعراق أنها تصح ولا ثواب فيها. ونقل عن شيخه ابن الصباغ في "الكامل" أنه ينبغي حصول الثواب عند مَن صححها. قال القاضي: وهو القياس. واعْلَم أنَّ ابن الرفعة في "المطلب" قال: عندي أنَّ محل الخلاف في الفرض؛ لأن فيها مقصودَيْن: الأداء والثواب، فإذَا انتفى الثواب، صَحَّت. وقد قال الشافعي: إنَّ الرِّدة تحبط أجر الأعمال الواقعة في الإِسلام، ولا تجب إعادتها لو أَسْلم، وكذا مَن أُخِذَت منه الزكاة قهرًا، لا يُثاب، ويسقط عنه الخطاب. أمَّا صلاة النفل فالمقصود فيها واحد وهو الثواب، فإذَا لم يَحصل، لا ينعقد. قال: (وإطلاق مَن أَطْلَقَ محمولٌ على الفَرْض). انتهى تنبيه تفرع مِن هذه المسألة فرعان: أحدهما: أنَّ الخارج مِن المغصوب مثلًا بِقَصْد التوبة والإقلاع - آتٍ بواجب وإنْ كان النهي منسحبًا عليه حتى يتم خروجه؛ فلذلك قال إمام الحرمين: إنه [مُرْتَبِكٌ] (١) في المعصية. أَيْ: مُشْتَبِكٌ فيها. قال: لكن مع انقطاع تكليف النهي. أَيْ: لأنَّ التكليف بِتَرْك الإقامة أَمْرٌ بتحصيل الحاصل، فالمعصية فيه استصحابية. فَـ (تضعيف الغزالي ذلك بأنَّ

стр. 245

التكليف إذا انقطع فَلِمَاذا تستند المعصية؟ واستبعاد ابن الحاجب له لأجْل ذلك) فيه نَظَرٌ؛ فإنه لم يَقُل: (انقطع النهي)، بل: (التكليف به). أَيْ: انقطع إلزامُه بالكفِّ عن الإقامة، لا استصحاب ذلك النهي، ولذلك قال في "جمع الجوامع": إنَّ ما قاله الإمامُ دقيقٌ. قِيل: ونظيره قول الفقهاء فيمن ارتد ثُم جُن ثم أفاق وأَسْلم: إنه يجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون؛ لانسحاب حُكم الرِّدة. قلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ القضاء لا يتوقف على الأمر بالأداء؛ بدليل الحائض في الصوم، ونحو ذلك. واعْلَم أنَّ الشيخ أبا محمد (١) نقل في "الفروق" في كتاب الصوم أنَّ الشافعي نَصَّ على تأثيم مَن دخل أرضًا غاصبًا، قال: (فإذا قصد الخروج منها، لم يكن [عاصيًا] (٢) بخروجه؛ لأنه تارِك للغَصْب). انتهى وما نقله موجود في "الأُم" في كتاب الحج في المُحْرِم إذَا تَطَيَّب، فقال: (ولو دخل دار رجُل بغير إذْنٍ، لم يَكن جائزًا له، وكان عليه الخروج منها، ولم أَزْعُم أنَّه يُحرَّجُ بالخروج وإنْ كان يمشي ما لم يُؤْذَن له؛ لأنَّ مَشْيَه للخروج مِن الذنْب، لا لزيادة منه، فهكذا هذا الباب) (٣). انتهى وهو مِن النفائس. ومن مادة هذه المسألة لو قال: (إنْ وطئتُك فأنت طالق). فيجوز له الوطء (على المرجَّح، ونَصَّ عليه في "الإملاء")، ويُؤمَر بالنزع؛ لأنَّ الطلاق يقع بالتغييب، وحال النزع لا يُوصَف بأنه في حرام.

стр. 246

وخالف أبو هاشم في المسألة، فزعم أنَّ فِعله متصف بكونه حرامًا كَلُبثه. قال: لأنه قبيح لِعَيْنه وإنْ كان مأمورًا به مِن حيث إنه انفصال عن المكث، لكنه أَخَلَّ بِأَصْله الآخر وهو منْع التكليف بالمُحَال، فإنه قال: لو خرج عَصى، ولو مكث عصى؛ فهو تكليف بمحال. الثاني: ما حقق به إمام الحرمين غرضه في المسألة السابقة، وهي أنَّ الساقط على جريح إنْ بقي عليه قَتَلَه، وإنْ تحوَّل عنه قتَلَ آخَر، وهُما متكافئان. وهي مسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء. قال إمام الحرمين: (لم أقف فيها مِن قول الفقهاء على ثبتٍ، والوجه القَطْع بسقوط التكليف عنه مع استمرار حُكم سخط الله وغضبه) (١). وقد سأله الغزالي عن هذا، فقال: كيف تقول: "لا حُكم" وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة مِن حُكم؟ ! فقال: حكم الله أنْ لا حُكم. قال الغزالي: فقلتُ له: لا أفهم هذا. وهذا في غاية التأدُّب مع إمامه؛ ولهذا قال في "المنخول" في مَوْضِعٍ كَقَول الإمام: (لا حُكم فيه أصلًا، فلا يؤمَر بمكث ولا انتقال) (٢). ونقله عن الإمام آخِر الكتاب، ثم قال: (ولم أفهمه بَعْدُ) (٣). وجَوَّز معه - في غيْر هذا الكتاب - أنْ يُقَال: يتخيَّر. قال بعض المحققين: لعلَّ الإمام أراد أنه لا حُكم متجددًا غيْر الحكم الأصلي الذي هو البراءة، فإنَّ ذلك لا تَخْلُو منه واقعة.

стр. 247

نَعَم، رجَّح ابن المنير أنه ينتقل عن الذي سقط عليه؛ لجواز أنْ يموت المنتقل إليه قَبْل أنْ يصير إليه؛ فَيَسْلم مِن المعصية؛ فإنَّ بقاءه على الأول معصية مُحَقَّقة، وإقلاعه عنها واجب، كالخروج مِن الدار المغصوبة. ولا يخلو ما قاله مِن نظر، وتقييد المسألة بتكافؤهما مُخْرِج لِنَحْو ما لو كان [الذي] (١) يسقط عليه مُسْلِمًا والمُنْتَقل إليه كافرًا لكنه معصوم بِصِغَر أو أمان، فإنَّ ابن عبد السلام قال بعد فرضها في صغيرين: الأظهر عندي لزوم الانتقال؛ لأنه أَخَفُّ مفسدة. قال: لأنَّ قتل أولاد الكفار جائز عند التترس بهم حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين، أما الكافر غير المعصوم فينتقل إليه جَزْمًا. والله أعلم. ص: ١٣٩ - وَ"الْوَضْعُ": جَعْلُ سَبَبٍ لِحُكْمِ ... أَوْ شَرْطٍ، اوْ مَانِعٍ، اوْ مَا [سُمِّي] (٢) ١٤٠ - [لِوَفْقَهِ] (٣) الشَّرْعَ "صَحِيحًا"، وَإذَا ... خَالَفَ "فَاسِدًا"؛ لِذَاكَ نُبِذَا الشرح: قد سبق أنَّ الحكم الشرعي ضربان: ما فيه اقتضاء أو تخيير، وما ليس فيه اقتضاء ولا تخيير ولكنه وَضْعِي، أَيْ: مِن الوضع الشرعي. وسبق أنه خبر، لا إنشاء، بخلاف الأول (وهو التكليفي)، فَلَما انتهى الكلام فيه شرعْتُ في بيان الوضعي. و"الوضع" الذي يُنْسَب إليه "الحكم الوضعي" هو:

стр. 248

- جَعْلُ [الشَّارع] (١) شيئًا سَبَبًا لِحُكْمٍ، أو شرطًا له، أو مانعًا يمنع مِن اعتباره. - أو: جَعْلُه (إذَا كان موافِقًا للشرع بوجود سببه وشَرْطه وانتفاء المانع فيه) "صحيحًا"، ويسمى بذلك تسمية شرعية. وإذَا خالف ذلك باختلال شيء مِن الثلاثة، يَكون "فاسِدا"، ويُسمى بذلك شرعًا. وقد سبق في هذا الضرب أنَّ منهم مَن يرده إلى الأول، وأنه يُدْخِله - بالتأويل - فيما فيه اقتضاء أو تخيير، وهو بعيد. وأنَّ منهم مَن لا يُسميه حُكمًا؛ لأنه ليس بإنشاء، بل خبر، وهو خِلاف لَفْظِي. وفي ذلك قول ثالث في الصحة والفساد فقط: إنهما أَمْران عقليان، لا شرعيان. وإليه جنح ابن الحاجب وقرر ذلك في "المُنْتَهَى" بأنه يَبْعُد أنْ يكون الحكم بهما شرعيًّا؛ لأنَّ كَوْن الفعل موافِقًا للشرع أو غير مُوافق - مُدْرَك بالعقل. ولكن رُدَّ بأنَّ الشرع إذا كان له في ذلك مدخل، فكيف يَكون عقليًّا؟ ! وبعض شُراحه زعم أنَّ ذلك إنما هو في العبادات فقط، وأمَّا تَرَتُّب آثار العقود عليها فَشَرْعي قَطْعًا. ولكنه مردود بِعَدم الفَرْق؛ لأنَّ [الترَتُّب] (٢) فيهما معًا مُدْرَك بالعقل، وإنما حُكِم - على القول الراجح - بأنه شرعي لِكَوْن الشرع له فيه مدْخَل كما سبق قَبْل؛ ولذلك يحكم القاضي في العقود بالصحة والفساد، وهو لا يحكم إلا بأمر شرعي، لا عقلي. قُلتُ: لكن هذا يُقَوِّي التفرقة؛ لأنَّ ذلك إنما هو في غير العبادات، إلَّا أنْ يُقال: الحكم لأجْل التنازع، وليس مثله في العبادات. أو: يَكون في العبادات إذا علق بها طلاق أو عتق أو

стр. 249

نذر. قال الشيخ صلاح الدين العلائي: إنَّ أنواع خطاب الوضع المشهورة: السبب، والشرط، والمانع. وزاد بعضهم: الصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة. وجَرَى عليه الآمدي. وزاد القرافي نوعين آخرين: التقديرات الشرعية والحجاج. فالأول: - إعطاء الموجود حُكم المعدوم، كالماء الذي يخاف المريض مِن استعماله فواتَ عُضْوٍ ونَحْوه، فيتيمم مع وجوده حسًّا. - وإعطاء المعدوم حُكم الموجود كالمقتول تورث عنه الدية، وإنما تجب بموته ولا تورث عنه إلا إذا دَخَلتْ في مِلْكه، فَيُقَدَّر دخولها قبيل موته. والثاني (وهو الحجاج): ما يستند إليه القضاة في الأحكام مِن بَيِّنَة وإقرار ونحو ذلك مِن الحُجَج. قال: (وهي في الحقيقة راجعة إلى السبب، فليست أقسامًا أخرى). انتهى بمعناه. وقولي: (جَعْل) إشارة إلى أنَّ الحكم الوضعي هو كَوْن الشيء مجعولًا سببًا، أو شرطًا، [إلى آخِره] (١)، لا ذات السبب ولا ذات المُسَبَّب؛ فإنَّ الأول ليس حُكمًا قَطْعًا، والثاني حُكم قَطْعًا، وكذا تقرير الباقي. وقولي: (اوْ مَا سُمِّي) عَطْف على ما أُضيف إليه "جَعْل"، أَيْ: [أو] (٢) جَعْلُ المُسَمَّى

стр. 250

صحيحًا؛ لموافقة ذلك للشرع. والتقدير في الكُل: جَعْلُ سببِ الشيء سببًا، وشَرْطِه شرطًا، ومانعِه مانعًا، وجَعْلُ الصحيحِ صحيحًا، والفاسدِ فاسدًا. فمفعول "جَعْل" الثاني محذوف في الكل؛ لِلعِلم به، والله أعلم. ص: ١٤١ - فَالسَّبَبُ الَّذِي يُضَافُ الْحُكْمُ لَهْ ... في عَدَمٍ أَوْ في وُجُودٍ حَصَّلَهْ ١٤٢ - مِثْلُ الزَّوَالِ وَالطَّلَاقِ، فَادْرِي ... وَالشَّرْطُ إنْ يُرَدْ بِهِ مَا يَجْرِي الشرح: هذا شروع في تعريف أقسام الحكم الوضعي الخمسة، وبيان معانيها. الأول: السببُ: وهو لُغَةً: ما يُتَوَصَّل به إلى الشيء، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] الآية. وفي الاصطلاح: قد اشتهر في كثير مِن كُتب الأصول وغيرها أنه: ما يَلْزَم مِن وجودِه وجودُ شيء، ومن عدمِه عدمُه لذاته. والتقييد بِكَوْن ذلك "لذاته" للاستظهار على: - ما لو تخلَّف وجود المُسَبَّب مع وجدان السبب؛ لِفَقْد شرط أو لمانع، كالنِّصَاب قَبْل الحَول، ومَن فيه سبب الإرث ولكنه قاتِل أو رقيق أو نحوهما. - وعلى ما لو وُجِد المُسَبَّب مع فقدان السبب، لكن لوجود سبب آخر، كالرِّدَّة المقتضية للقتل - إذَا فُقِدَت ووُجِد قَتْل يُوجِب القصاص، أو زِنا مُحصن. فتخَلُّف هذا الترتيب عن السبب لا لذاته، بل لمعنى خارج.
следующие страницы →