ملوك المغاربة بذلك وهو الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأُموي المعروف بِـ "الرَّبَضِي" (١) صاحب الأندلس، وكان قد نظر في رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها ولم يملك نفسه أنْ وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته، فقال له يحى بن يحمى: تصوم شهرين متتابعين. فلمَّا بَدر يحيى سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ليحيى: ما لك لم تُفْتِه بمذهب مالك وهو التخيير بين العتق والإطعام والصيام؛ فقال: لو فتحنا له هذا الباب سَهُل عليه أنْ يَطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حَملْتُه على أصعب الأمور؛ لئلَّا يَعُود.
وأما "المرسل": فهو ما لم يُعْلم أن الشرع ألغاه أو اعتبره. وربما سمي ذلك: "المصالح المرسلة". والخلاف فيها محكي عن مالك. وفي كلام ابن الحاجب ما يقتضي انقسام "المرسل" إلى مُرْسَل ملائم ومرسل غريب. أي: إنِ اعتُبر جنسه البعيد في جنس الحكم فهو الملائم، وإلا فهو "الغريب".
فالغريب بهذا التفسير غير الغريب بالتفسير السابق.
قال ابن الحاجب: (فإنْ كان - أيِ المرسل - غريبًا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقًا) (٢).
أي: ولأ يُظَن بمالك أن يخالف فيه.
قال إمام الحرمين: (لا نرى التعلُّق عندنا بكل مصلحة، ومَن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ) (٣). انتهى
نعم، سبق أن ما ثبت إلغاؤه قَسِيم للمرسل، لا قِسم منه، ولا مشاححة في الاصطلاح.
стр. 1962
ثم قال (١): (وإن كان ملائمًا - أيْ مُرْسَلاً ملائمًا - فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله، وذُكِر عن مالك والشافعي) (٢).
وانتُقِد عليه في نقله عن الشافعي ذلك؛ فإنَّ الذي يعتبره الشافعي إنما هو الذي شهد الشرع باعتباره كما سبق، وبأنَّ الإمام والغزالي لا يُطْلِقان، كما قد صح عن مالك أنه يعتبر جنس المصالح مطلقًا.
ثم قال ابن الحاجب: (المختار ردُّه). أيْ: كما هو مذهب الأكثر.
وحاصل ما في المرسل مِن الخلاف مذاهب:
أحدها: المنع مطلقًا، وعليه الأكثرون. وإليه أشرتُ بقولي: (فَذَاكَ "مُرْسَلٌ" يَكُونُ مُلْغَى).
ويقابل هذا المذهب الثاني: وهو القبول مطلقًا؛ لإفادته ظن العِلية. وهو المنقول عن مالك، وسبق مخالفة ابن الحاجب والأكثرين له.
وبالغ إمام الحرمين في الرد عليه، وقال: (الذي ننكره مِن مذهب مالك تركه رعاية ذلك، وجريانه على استرساله في الاستصواب مِن غير اقتصاد) (٣).
قال: (ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يُعْهَد مِثلها، ونقول له: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنف أو اصطلام شفة، وأبدى رأيًا لا تنكره العقول صائرًا إلى أن العقوبة شُرعت لحسم الفواحش، وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة، لَلَزِمَكَ التزام هذا؛ لأنك تُجَوِّز
стр. 1963
لأصحاب [الإيالات] (١) القتل في التُّهَم العظيمة، حتى نَقل عنك الثقات أنك قلت: "أقتل ثلث الأُمة في استبقاء ثلثيها").
قال: (ثم إنَّا نقول له ثانيًا: لا يجوز التعلق بكل رأي. فإنْ أبَى ذلك، لم نجد مرجعًا نقر [عنده] (٢) إلا ما ارتضاه الشافعي مِن اعتبار المصالح المشبهة [بما] (٣) عُلِم اعتباره. وإنْ لم يذكر ضابطًا وصرح بأنَّ ما لا نَص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي واستصحاب ذوي العقول، فهذا اقتحام عظيم، وخروج عن الضبط، ومصير إلى إبطال أبَّهة الشريعة، وأنَّ كُلًّا يفعل ما يرى، ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأوَّلون) (٤). انتهى
والله أعلم، ثم عرضت بذكر باقي المذاهب في المسألة بقولي:
ص:
٨٣٥ - إنْ يَكُنْ في غَيْرِ مَا عِبَادَةْ ... وَلَيْسَ مِنْ هَذَا لِمَنْ أَرَادَهْ
٨٣٦ - مَصْلَحَةٌ قَطْعِيَّة كلِّيَّهْ ... مِنَ الضَّرُورِيِّ؛ فَذِي الْمُضِيَّهْ
٨٣٧ - دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهَا الدَّلِيلُ ... فَهْيَ مِنَ الْحَقِّ، بِهِ نَقُولُ
الشرح: فالمذهب الثالث: التفصيل بين العبادات وغيرها:
فما كان من العبادات فلا يجوز التعليل بالمرسل فيه؛ لِمَا فيها من لحاظ التعبد.
стр. 1964
وما كان من غير العبادات كبيع ونكاح وحدود وقصاص فيجوز؛ لأنَّ الملاحظ فيها المناسبات اللائحة في مصالحها. وهذا قول الأبياري شارح "البرهان"، وزعم أنه الذي يقتضيه مذهب مالك.
المذهب الرابع: قول الغزالي واختاره البيضاوي: أنه يُعَلَّل به بثلاثة قيود:
أن يشتمل ذلك "المناسب المرسل" على مصلحة ضرورية كلية قطعية، فإنْ فات شيء من الثلاثة فلا يعتبر. فالضرورية ما يكون من الضروريات الخمس السابقة، والقطعية ما يُجْزَم بحصول المصلحة فيها، والكُلية ما تكون موجِبة لفائدة تَعُم المسلمين.
مثاله: ما لو تَتَرس الكفار حال التحام القتال بأسارى المسلمين وقطعنا بأنَّا إنْ رمينا الترس نقتل مسلمًا بلا جريمة صدرت منه، وإلا فيُقطع باستئصال المسلمين.
قال الغزالي: (فحفظ المسلمين أَقْرب إلى مقصود الشرع؛ لانا نقطع بأن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حَسْم سبيله عند الإمكان. وإذا لم نَقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل. فليس في معنى اجتماع هذه القيود في هذه الصورة ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، فإنه لاْ يحل رَمْي الترس؛ إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة.
وليس في معنى ذلك جَمْع في سفينة لو طرحوا واحدًا لَنَجوا وإلا غرقوا جميعًا؛ لأنها ليست كُلية؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، ولَعَلَّ مصلحة الدِّين في بقاء مَن طُرِح أَعْظم منها في بقاء مَن بقي في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا، فلا رخصة فيه. وكذا ليس في معنى ذلك ما إذا لم يُقْطَع بظفرهم، فإنها ليست قطعية، بل ظنية) (١).
نعم، قال الغزالي في "المستصفى": (إن الظن القريب مِن القطع كالقطع) (٢).
стр. 1965
وقوَّى هذا السبكي في "شرح البيضاوي"، قال: (وقد حكى الأصحاب في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وَجْه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع. وقد يقال: إنَّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها، والخلاف إنما هو في حالة الخوف) (١).
تنبيهان
الأول: هذه المسألة التي فيها القيود الثلاثة زعم الإمام الرازي والآمدي وجمع أنها لا بُدَّ مِن إخراجها من المصالح المرسلة التي يمنعها الشافعي وغيره، فقالوا: إن الشافعي لم يَقُل بالمرسل إلا في هذه المسألة.
ولكن الحقّ أن هذه ليست من ذلك أصلًا؛ لأنَّ "المرسَل" هو ما لم يدل دليل على اعتباره ولا إلغائه. وهذه دَلَّ الدليل فيها على الاعتبار؛ لأنَّ الكَف عن دم معصوم قد عارضه أنَّ في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حَصْر لها، وربما يُسْفك الدم الذي كففنا عنه معهم.
ونحن نَعلم أنَّ الشرع يُؤْثِر حِفظ الكُلي على الجزئي، وأنَّ حِفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار أَهَم في مقصود الشرع؛ فرجعت المصلحة فيه إلى حِفظ مقصود شرعي عُلِم كَوْنه مقصودًا بالنَّص أو بالإجماع، فليس هذا خارجًا مِن الأصول، لكنه لا يسمى "قياسًا" بل "مصلحة مرسلة"؛ إذ القياس إنما يكون على أصل مُعَيَّن، ولكن هذه المعاني لَمَّا كانت مقصودة عُرِفت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال سُميت "مصلحة مرسلة".
قال الغزالى: (وإذا فَسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف
стр. 1966
فيها، بل نقطع بكونها حُجة. وحيث جاء خلاف فهو عند تَعارض مصلحتين ومقصودين، فيرجح الأقوى؛ ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الكفر وللشرب؛ لأنَّ الحذر مِن سفك دم أشد مِن هذه الأمور، ولا يُباح به الزنا؛ لأنه في مثل محذور الإكراه) (١).
وإلى كَوْنه لا يُستثنى مِن المناسب المرسل أشرتُ بقولي: (وليس مِن هذا) إلى آخِر الأبيات.
الثاني:
نشأ من تقييد هذه المسألة بالقيود الثلاثة مسائل فيها الخلاف:
منها: "ضرب المتهم؛ لِيمر بالسرقة إنْ كان سرق" فيه مصلحة، قال به مالك، ونحن نمنع؛ لمعارضة هذه المصلحة لمصلحة المضروب؛ إذ قد يكون بريئًا. وترك الضرب في المُذْنِب أَهْوَن مِن ضرب البريء ولو لَزِمَ منه مصلحة عامة وهي أنْ لا يُفتح باب يَعْسُر معه انتزاع الأموال، فإنَّ الضرب فتح باب لتعذيب البريئين.
ومنها: الزنديق [المُتستر] (٢) إذا تاب، المصلحة في قتله وأنْ لا تُقبَل توبته. وبه قال مالك، لكن الأصح عندنا القبول؛ لقوله ﷺ : "أُمرت أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذَا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم" (٣).
وتأويله بغير الزنديق تأويل بلا دليل، ويعارض مصلحة قتله وعدم قبول توبته بِنفرة مَن يريد التوبة مِن الإسلام؛ لأنه يقول: لا يعصمني من القتل. و [ينتشر] (٤) ذلك
стр. 1967
ويستعينون بالهرب وبالحرب. هذا ما نَص عليه الشافعي في "المختصر"، وقطع به العراقيون، وصححه المتأخرون. وخالف فيه بعض الأصحاب، ووافقهم الروياني.
وقيل: لا تُقبل مِن المتناهين في الخبث، كدعاة الباطنية. قاله القفال.
وقيل: إنْ أُخِذ لِيقتل فتاب، لا تُقبل توبته. وإنْ جاء تائبًا، قُبِلَت. قاله الأستاذ أبو إسحاق.
وقيل: لا تُقبل إنْ تكررت رِدته. قاله أبو إسحاق المروزي.
وفروع الباب كثيرة، والمدارك فيها شهيرة، وفي هذا القدر هنا كفاية. والله أعلم.
ص:
٨٣٨ - وَالْمُفْسِدُ اللَّازِمُ لِلْمُنَاسِب ... يَخْرُمُ غَيْرَ رَاجِحِ التَّنَاسُبِ
الشرح:
لَمَّا سبق أنَّ المناسب تثبت عِليته إذا اعتبره الشرع لا ما إذا ألغاه أو لم يعتبره ولم يَلْغِه، بينتُ هنا أنه هل تنخرم مناسبته بأنْ يشتمل على مفسدة معارِضة لِمَا فيه مِن المصلحة؛ أو لا؟
فقلتُ: إنها تنخرم في مَحَلَّين: أن تكون المفسدة راجحة على تلك المصلحة، أو مساوية. وهُما داخلان تحت قولي: (غَيْرَ رَاجِحِ التّنَاسُبِ). أي: أما إذا كانت المصلحة التي في "المناسب" راجحة على المفسدة، فلا خلاف أنها لا تنخرم، كما لو لم تكن مفسدة أصلًا.
والانخرام بالمفسدة الراجحة والمساوِية هو ما اختاره ابن الحاجب والصفي الهندي من المذهبين في المسألة، وهو الراجح. والإمام الرازي وأتباعه - كالبيضاوي - رجحوا الثاني، وهو عدم انخرام المناسبة بذلك.
стр. 1968
والمراد بالانخرام أن لا يُعمل بالوصف في التعليل، لا أنَّ المصلحة التي اشتمل عليها تزول بوجود المفسدة، فيكون تَخَلّف التعليل به لِمَانِع، لا لعدم المقتضِي.
ومَن قال: (لا تنخرم) يقول: إنَّ هذا ليس بمانع. وإنما كان القول بالانخرام راجحًا؛ لأنَّ دَرْءَ الفاسد مُقَدَّم على جَلْب المصالح عند التعارُض. ويدل له أن العقلاء يعدُّون فِعل ما فيه مفسدة مُساوية لمصلحة عَبَثًا وسفهًا، كمَن سلك مَسْلكًا يُفَوِّت درهمًا ويُحَصِّل آخر مِثله أو أَقَل منه.
قلت: قد سلك الفقهاء ذلك في مسائل ولم يعدُّوه عبثًا حتى يمتنع، فقالوا: إنَّ رهن الولي ونحوه شيئًا يساوي مائة على ثمن شيء يشتريه لموليه يساوي مائتين بمائة مؤجلة جائز؛ لأنَّ ذلك الرهن إذا تلف عند المرتهن والفرض أنه لا ضمان عليه فيه يسلم له الشيء المشترى بمائة وهو يساوى مائتين، فلم يَفُت على المولى شيء. فهذا عرَّض الرهن - الذي بمائة - للتلف بحصول مائة زائدة في المبيع، إلا أنْ يُجاب بأنَ المفسدة فيه ليست محُقَّقة، بخلاف مسألتنا.
ومما رُتِّب على القول بخرم المناسبة بذلك لو كان للبلد الذي يقصده المسافر طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخَر، فسلك الأبعد لغير غرض، لم يَقْصر في أصح القولين؛ لأن المناسب - وهو السفر البعيد - عُورِض بمفسدة وهو العدول عن الأقرب لا لمعنى، بل كأنه حَصر قَصْده في أنْ يُفَوِّت ركعتين مِن الرباعية في مُدة ذلك. وفي معنى ذلك أنْ يدخل المسجد وقت الكراهة بقصد تحية المسجد، أو يقرأ آية سجدة في الصلاة ليسجد، أو نحو ذلك.
واعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة بتحقيق المانع المعارِض مع وجود المقتضِي فلا بُدَّ له مِن الاعتراف بالمناسبة، سواء أكانت المصلحة مرجوحة أو مساوية، وإلا لكان انتفاء الحكم لِانتفاء المناسبة، لا لِوجود المانع المعارِض. والله أعلم.
стр. 1969
ص:
٨٣٩ - وَالسَّادِسُ: الَّذِي يُسَمَّى "شَبَهَا" ... بَيْنَ مُنَاسِب وَطَرْب أَشْبَهَا
٨٤٠ - مُعْتَبَرٌ إنْ فُقِدَ الْمُنَاسِبُ ... أَعْلَاهُ إنْ رُتبتِ الْمَرَاتِبُ
٨٤١ - هُوَ قِيَاسُ "غَلْبَةِ (١) الْأَشْبَاهِ" ... حُكْمًا وَوَصْفا، بَعْدهُ يُبَاهِي
٨٤٢ - مَا كَانَ صُوريًّا، وَأَمَّا السَّابعُ ... فَ "الدَّوَرَانُ": الِاقْتِرَانُ الْوَاقِعُ
٨٤٣ - لِلْحُكْمِ مَعْ وَصْفٍ، إذَا مَا يُوجَدُ ... يُوجَدُ، وَالْعَكْسُ، وَظَنّا يُوجِدُ
الشرح:
السادس مِن مسالك العلة: "الشَّبَه" بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، أصل معناه: المشبه. يقال: هذا شَبَه هذا وشِبْهه (بكسر الشين وسكون الباء) وشبيهه. كما تقول: مَثَله ومثْله ومَثِيله. وهو بهذا المعنى يُطلق على كل قياس؛ لأن الفرع لا بُدَّ أن يُشْبه الأصل. لكن غلب إطلاقه في الاصطلاح الأصولي على هذا النوع الآتي بيانه.
لكن إنْ أُريدَ الذي دَلَّ على العلة فهو مصدر أو اسم مصدر، وإنْ أريد نفس العلة فهو وصف بمعنى المشبه.
ولهم في تفسيره حينئذٍ عبارات:
إحداها: أنه وَصْف يُشبه المناسب في إشعاره بالحكم لكن لا يساويه، بل دُونه، ويشبه الطردي في كونه لا يقتضي الحكم بمناسبة بينهما.
стр. 1970
فهو بين المناسب والطردي، وهو معنى قولي: (بَيْنَ مُنَاسبٍ وَطَرْدٍ). أي: طردي. وإنما حذفت الياء منه مسامحةً؛ لأنه مُقابِل للمناسب، فيُعْلَم أنه طَرْدي، لا طرد. فإنَّ معنى "الطرد" بدون "ياء" سيأتي تفسيره بِغَير الطردِي. وسيأتي أيضًا تفسير "الطردي".
ومعنى قولي: (أَشْبَهَا) أي: أَشْبَه كُلًّا منهما.
والحاصل أن "الشَّبَه" مَنزله بين منزلتين، فهو يشبه المناسب الذاتي من حيث التفات الشرع إليه، ويُشبه الوصف الطردي مِن حيث إنه غير مناسب.
فهو يتميز عن "المناِسب" بأنه غير مناسب بالذات، وبأنَّ مناسبة المناسب عقلية وإنْ لم يَرِدْ شرْع، كالإسكار في التحريم، بخلاف الشَّبَه. ويتميز عن الطردي بأنَّ وجود الطردي كالعدم، بخلاف الشَّبَه، فإنه يُعتبر في بعض الأحكام. وسيتضح ذلك بالأمثلة.
الثانية: وبها قال القاضي أبو بكر وقضية ما في "البرهان" لإمام الحرمين: أنَّ الوصف المقارِن للحكم إنْ ناسَبَه بالذات فهو "مناسب"، كالسكْر للتحريم، أو بِالتبع -أيْ بالالتزام- فهو "الشَّبَه"، كالطهارة لاشتراط النية، فإنَّ الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية، إنما تناسبه مِن حيث إنها عبادة.
فإن لم يناممبه مطلقًا فهو "الطرد"، وهو حُكم لا يعضده معنى ولا شَبَه، كقول بعضهم: الخل مائع لا تبنى القنطرة على جِنسه، فلا تُزال به النجاسة كالدهن. فكأنَّ عِلة إزالة النجاسة بالماء أنه تُبنى القنطرة على جِنسه. فالماء القليل وإنْ لم تُبْنَ عليه القنطرة لكن تُبْنَى على جنسه.
ونحو ذلك: قول مَن يرى طهورية [المستعمل] (١): ما تُبنى القنطرة على جنسه فجازت الطهارة به؛ قياسًا على غير المستعمل. فبناء القنطرة في ذلك لا مناسبة فيه، ولا معنى له، بل
стр. 1971
أمر طردي.
فحاصل تفسير القاضي للشَّبَه أنه وَصْف مُقارِن للحكم مُناِسبٌ له بالتَّبع. أو يقال: مُستلْزِم لِمَا يناسبه. هذا ما نُقل عن القاضي، لكن الذي في "مختصر التقريب والإرشاد" أنَّ "قياس الشَّبَه" هو: إلحاق فرع بأصل؛ لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف مِن غَيْر أنْ يُعتقد أنَّ الأوصاف التي شابَهَ الفرعُ فيها الأصلَ عِلةُ حُكمِ الأصل.
الثالثة: أن الوصف الذي لا يناسب الحكم إنْ عُلِم اعتبار جنسه القريب في جنس الحكم القريب فهو "الشَّبه"؛ لأنه مِن حيث كونه غير مناسب يُظن عدم اعتباره، ومِن حيث إنه عُرِف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم مع أنَّ غيره مِن الأوصاف ليس كذلك يُظَن أنه أَوْلَى بالاعتبار؛ فتَردَّد بين أن يكون معتبرًا أو لا.
وإنْ لم يُعْلم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب للحكم فهو الطرد.
مثال الشبه: إيجاب المهر بالخلوة على القول القديم للشافعي، فإنَّ الخلوة لا تناسب وجوب المهر؛ لأن وجوبه في مقابلة الوطء إلا أنَّ جنس هذا الوصف - وهو كون الخلوة مظنة الوطء - مُعتبَر في جنس الوجوب وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.
الرابعة: أنَّ "الشبه" هو: الوصف الذي لا تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام، ولكن أُلِفَ مِن الشرع الالتفات إليه في بعض الأحكام، فهو دُون المناسب وفوق الطردي؛ فلذلك سُمي "شبهًا"؛ لِشبهِهِ لكل منهما.
وذلك كقول الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تُراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء، كطهارة الحدث. فإنَّ الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لِتَعَيُّن الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنسبة إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام -كمس المصحف والصلاة والطواف- يُوهِم اشتمالها على المناسب.
стр. 1972
وهذا القول نقله الآمدي عن أكثر المحققين، وهو الأقرب إلى قواعد الأصول. وهذا قريب مِن العبارة الأُولى، بل العبارات كلها عند التأمل تكاد أن تتحد.
وإنما قصدنا بذلك زيادة الإيضاح بتكرار معنى "الشَّبَه" بعبارات مختلفة. وقد قال إمام الحرمين: إنه لا يتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.
قولي: (مُعْتَبرٌ) إلى آخِره هو "خبر" المبتدأ وهو "الَّذِي يُسَمَّى".
والغرض بذلك أنه إذا عُرف معنى "الشَّبه" فهل يجوز التعليل به؟ أولا؟
فيه مذاهب:
أرجحها المنقول عن الشافعي: نعم، لكن بشرط أن لا يكون هناك وصف مناسب يُعَلَّل به. فقد قال القاضي في "التقريب": أجمع الناس على أنه لا يُصار إلى قياس الشَّبه مع إمكان قياس العِلة. فالخلاف إنما هو فيما تَعذَّر فيه قياس العلة ولم يوجد إلا الوصف الشبهي؛ فيكون علة. وكان قدماء أصحابنا يستعملونه في المناظرات.
قال ابن السمعاني: (وقد أشار الشافعي إلى الاحتجاج به في مواضع مِن كُتبه، كقوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم: طهارتان، فكيف تفترقان؟ ) (١). وغير ذلك.
ودليل الاحتجاج به أنه يفيد ظن وجود العلة، أمَّا على القول بأن له مناسبة ما فظاهر، وأمَّا على الباقي فلأنه لا بُدَّ للحكم مِن علة؛ لأنه لا يُشرع إلا لحكمة، وتلك العلة إما هذا الوصف أو غيره، وا لأصل عدم غيره؛ فتعَيَّن.
المذهب الثاني: وهو قول القاضي أبي بكر والصيرفي وأبي إسحاق المروزي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي زيد الدبوسي وغيره مِن الحنفية: أنه ليس بحجة. لكنه عند القاضي
стр. 1973
صالح لأنْ يُرَجَّح به كما ذكره في "باب ترجيح العلل" من "التقريب"، وقال: إن اعتبار الشَّبه يؤثَر عن الشافعي، ولا يكاد يصح عنه مع عُلو رُتْبَتِه في الأصول.
وجنح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى حمل ما نُقل عن الشافعي مِن ذلك على الترجيح، وقال: إنما أراد الشافعي ترجيح إحدى العِلتين في الفرع؛ لكثرة الشَّبه.
الثالث: أنَّ الشَّبه إنما يُحتج به في التعليل إذا كان في قياس فرع قد اجتذبه أصلان، فَيلْحَق بأحدهما [بِغَلَبَة] (١) الأشباه، ويسمونه "قياس [غَلَبَة] (٢) الأَشْبَاه"، وهو ما يدل عليه نَص الشافعي في "الأُم" الآتي ذِكره بعد ذلك. لكن على القول الأول إنما يكون هذا أرجح أقسام الشَّبه، لا أنَّ اعتباره مُتَعَين.
نعم، على القول بأنَّ الشَّبه حُجة خِلاف آخَر وهو أنَّ الشافعي يعتبر المشابهة في الحكم؛ ولهذا أَلحقَ العبد المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل بجامع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُباع ويُشترى.
ومن أمثلته: أنْ نقول في الترتيب في الوضوء: عبادة يُبْطِلها الحدَث؛ فكان الترتيب فيها مستحقًّا، أَصْلُه الصلاة. فالمشابهة في الحكم الذي هو البطلان بالحدَث، ولا تَعَلُّق له بالترتيب، وإنما هو مجرد شبه.
ومنها: الأخ لا يستحق النفقة على أخيه؛ لأنه لا تحرم منكوحة أحدهما على الآخَر؛ فلا يستحق النفقة، كقرابة بَنِي العَم.
واعتبر أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة المشابهة في الصورة دون الحكم، كقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة. وقياس الحنفية في حرمة اللحم، وكَرَدِّ وطء
стр. 1974
الشبهة إلى النكاح في سقوط الحد ووجوب المهر؛ لشبهه بالوطء في النكاح في الأحكام. ويقتضى ذلك قتل الحر بالعبد كما يقول أبو حنيفة؛ ولهذا نقل عنه إمام الحرمين في "البرهان" كابن عُليَّة، وقال: إنه ألحقَ التشهد الثاني بالأول في عدم الوجوب، فقال: تشهُّد؛ فلا يجب، كالتشهد الأول.
ونحو ذلك عن أحمد، إذ قال بوجوب الجلوس للتشهد الأول؛ لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة؛ فوجب، كالجلوس الأخير.
وقال الإمام الرازي: (المعتبَر حصول المشابهة فيما يُظَن أنه مُستلزِم لِعِلَّة الحكم، أو أنه عِلة للحكم، سواء أكانت المشابهة في الصورة أو المعنى) (١).
ثم الذين قالوا بِعِلية الشبه في الحكم وفي الصورة اختلفوا أَيُّهما أَوْلى؟
فقيل: الشبه في الحكم أَوْلى. وقيل: هو والصوري سواء.
فيتلخص - عند عدم قياس العلة - في الشَّبه سبعة مذاهب:
- البطلان مطلقًا.
- اعتباره في الحكم ثُم في الصورة.
- اعتباره فيهما سواء.
- اعتباره في الحكم فقط.
- في الصورة فقط.
- فيما يُظَن استلزامه للعلة.
- في قياس "غَلَبة الأشباه" فقط، وهو ظاهر نَص الشافعي. إذ قال في "الأم" في "باب
стр. 1975
اجتهاد الحاكم" ما نَصه: والقياس قياسان، أحدهما: أن يكون في معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خِلافُه. ثم قياس الشبه أنْ يشبه الشيء بالشيء مِن الأصل، والشيء مِن الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره.
قال الشافعي: (وموضع الصواب فيه عندنا - والله أعلم - أنْ ينظر، فأيهما كان أَوْلى بشبهِه صَيَّره إليه، إنْ أَشْبَه أحدهما في خصلتين والآخَر في خصلة، ألحَقَه بالذي هو أَشْبَه في خصلتين) (١). انتهى
فلذلك أوجب الشافعي القيمة في قتل العبد بالغة ما بلغت؛ لأنه يشبه الأموال في أكثر الأحكام ويشبه الأحرار في قليلٍ منها؛ فوجب اعتبار الكثرة.
وحينئذٍ فإذا رتبت أنواع الشَّبه عند القائل باعتباره مطلقًا، فأعلاها قياس غلبة الأشباه إذا كان في الحكم، ثم إذا كان في الصفة، ثم إذا كان في الصورة.
وإلى ذلك أشرتُ بقولي في النَّظم بعد قِيَاس "غَلْتةِ الْأَشْبَاهِ": (حُكْمًا)، أي: فهو المقدَّم.
وقولي: (وَوَصْفًا، بَعْدَهُ) أي: بعد الحكمي.
وقولي: (يُبَاهِي) - جملة حالية، أي: حال كون هذا الذي يشابه في الوصف يباهي ما كان صوريًّا.
نعم، الشافعي - كما سبق - لا يقول بالشَّبَه الصوري كما بيَّنه ابن برهان وغيره، وكذا نقله ابن السمعاني عن أصحابنا.
стр. 1976
تنبيهات
أحدها:
مما يدور بين أصلين فيكون من قياس غلبة الأشباه: الظهار، فإنه لفظ محرم معدود من الكبائر، لكنه دائر بين القذف والطلاق، فيتفرع من ذلك ما لو قال: (أنتِ علَيَّ كعين أمي). فإنْ أراد الكرامة فليس بظهار، أو الظهار فظهار على المذهب. أو أطلق فَعَلَى أيهما يُحْمَل؟ وجهان، أرجحهما: يُحمل على الكرامة. ويتجه أن حالة الإطلاق مترددة بين مشابهة الطلاق والقذف، فقضية مشابهته للطلاق أنْ يُحمل على الظهار؛ لأنه كان طلاقًا في الجاهلية. وقضية مشابهته للقذف أنْ يُحمل على الإكرام؛ وذلك لأنه لو قال: (عينك طالق)، طلقت. ولو قال: (زَنَتْ عَيْنك)، لم يكن قذفًا.
ومنه: زكاة الفطر مترددة بين المؤنة والقُرْبة، ويبنى عليه فروع في بابها.
ومنه: الكفارة مترددة بين العبادة والعقوبة.
ومنه: الحوالة مترددة بين الاستيفاء والاعتياض.
ومنه: المسابقة مترددة بين الإجارة والعارَّية.
ومنه: اللعان متردد بين اليمين والشهادة، وينبني عليه لعان الذمي والرقيق. والصحيح الصحة فيهما.
ومنه: الجنين يُشبه الجزء والمنفرد. فإذا قال: (بِعْتكها إلا حملها)، فعَلَى الأول باطل كما لو استثنى جزءًا، وعلى الثاني صحيح كما لو قال: (بِعْتُك الاثنين إلا هذا).
الثاني:
بَنَى القاضي قياس الشَّبه على أنَّ المصيب مِن المجتهدين واحد؟ أو الكل؟ فعَلَى الأول
стр. 1977
يبطل قياس الشبه، وعلى الثاني صحيح؛ لأنَّ كل مجتهد مأمور باتِّباع ما غلب على ظنه.
[فكان] (١) القاضي يقول: إنَّ رَدَّ قياس الشَّبه ليس قطعيًّا، بل بالظن.
ولكن مقتضَى كلام إمام الحرمين أنه لا يوافقه على ذلك.
نعم، في البناء على ذلك نَظَر ظاهر.
الثالث:
قال القاضي أبو حامد المروروذي في أصوله: إنَّا لا نعني بقياس الشبه أن يشبه الشيء بالشيء مِن وَجْه أو أكثر؛ لأنه ليس في العالم شيء إلا وهو يُشْبه شيئًا آخَر مِن وَجْه أو أكثر، لكن نعني أنه لا يوجد شيء أَشْبَهَ به منه. فلا يوجد شيء أَشْبَه مِن الوضوء بالتيمم؛ فَيُلْحَق به، وأكثرَ أصحابنا من الاحتجاج به.
قال: لإفادته الظن كما في أصل قياس العِلة، فإنه إنما احْتُجَّ به لإفادته الظن.
واعترض ذلك الأبياري بأنه قياس في الأصول؛ فلا يُسْمَع.
وجوابه: أنه لم يحتج بنفس القياس، بل استند به إلى تكليف الشارع بما غلب على الظن كما في القياس ونحوه، فالمدار على الضرورة؛ لأنَّ النصوص لا تَفِي بالحادثات، وقياس العِلة قد لا لفي بغير المنصوص.
الرابع:
قال ابن الحاجب: (إنَّ عِليَّة الشَّبَه تثبت بجميع مسالك العِلة) (٢).
أي: مِن نَص أو إجماع أو غيرهما. أي: بأنْ يدل على اعتبار هذا الوصف في بعض
стр. 1978
الأحكام، فيكون ذلك مرشدًا إلى اعتباره في هذا الحكم.
قال: (وفي إثباته بـ "تخريج المناط" - أيِ [المناسب] (١) - نَظَر) (٢).
قيل: والحقُّ أنه لا يثبت؛ لأنَّ المناسب قسيم الشَّبه، فكيف يثبت به؟ !
قلت: إنْ كان المراد - وهو الظاهر- بِـ "دلالة مسالك العلة" أنْ يدل على اعتبار ذلك الوصف في بعض الأحكام لا في ذلك الحكم كما قررناه، فالكل في ذلك سواء.
ويظهر أن هذا إنما هو على تفسير الشَّبه بأنه الذي اعتُبر جنسه القريب في جنس الحكم كما سبق بيانه.
وأما السابع مِن مسالك العلة:
فهو "الدوران"، وسَّماه الآمدي وابن الحاجب "الطرد والعكس"؛ لكونه بمعناه كما ستعرفه.
وهو: أنْ يوجَد الحكم - أيْ تَعَلُّقه - عند وجود وَصْف، وينعدم عند عدمه. ويُسمَّى ذلك الوصف حينئذٍ "مدارًا" والحكم "دائرًا".
ثم إنَّ الدوران إما في محل واحد: كالإسكار في العصير، فإنَّ العصير قبل أنْ يوجد كان حلالًا، فلَّما حدث الإسكار حرم، فلمَّا زال الإسكار وصار خلًّا، صار حلالًا.
وإما في محلَّين: كالطعم مع تحريم الربا، فإنه لما وجد الطعم في التفاح، كان رِبَوِيًّا، ولَمَّا لَمْ يوجد في الحرير -مثلًا- لم يكن ربويًّا.
وإنما قلنا: (عند وجود وصف) ولم نَقُل: (بوجود)؛ لأنَّ الإمام فخر الدين في "الرسالة
стр. 1979
البهائية" زَيَّفَ ذلك بأنَّ الباء تُشْعِر بالعِلية، فكيف يُستدل به على عِلية الوصف لثبوت الحكم؟
ولا قُلنا: (مع وجود)، لانتقاضِه [بالمتضايفين] (١)، فإنه يوجد أحدهما مع وجود الآخَر وينتفي [مع انتفائه] (٢)، وليس أحدهما عِلة في الآخَر
ولكني لَمَّا عبَّرتُ في النَّظم بـ "مَعْ" قيدتُه بقولي بعده: (إذَا مَا يُوجَدُ يُوجَدُ)، فيكون وجوده عِلة في وجوده بحسب حدوثه عند حدوثه وعدمه عند عدمه.
وقولي: (وَظنًا يُوجِدُ) هو بكسر الجيم مضارع "أَوْجد". ومفعول "يوجِد" قولي قَبله: (ظَنًّا).
والمراد أنَّ الدوران مفيد ظن العِلية، لا القطع. وهذا أرجَح المذاهب في المسألة، وهو ما عليه الأكثرون، كإمام الحرمين وغيره، وهو ما سلكه الجدليون، واختاره الإمام الرازي وأتباعه. وأصحابنا العراقيون مشغوفون بإثبات العِلل به حتى كاد القاضي أبو الطيب أنْ يَدَّعِي فيه القَطْع.
الثاني: أنه يفيد القَطعْ بالعِلة. وعليه بعض المعتزلة، وربما قيل: لا دليل فَوْقه.
قيل: ولَعل مَن ادَّعَى القَطعْ إنما هو مَن يشترط ظهور المناسبة في قياس العِلل مطلقًا ولا
стр. 1980
يكتفي بالسبر ولا بالدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا. فإذا انضم الدوران إلى المناسبة، ارتقَى بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأيّ وَجْه لِتَخَيُّل القَطعْ في مُجَرد الدوران.
الثالث: وعَلَيْه أكثر المعتزلة، وهو اختيار ابن السمعاني والغزالي والآمدي وابن الحاجب: أنه لا يفيد بمجرده ظنًّا ولا قطعًا. أيْ: لا يفيد ظن العِلية ولا القطع بها، لا أنه لا يفيد الحكم. بل قد يثبت الحكم بالدوران، بل وبالطرد وحده كما سيأتي في "باب الأدلة المختلف فيها" في الكلام على الاستدلال في التلازُم الذي أشار إليه ابن الحاجب.
احتجَّ مَن قال بإفادته العِليَّة ظنًّا بأنَّ الحكم لا بُدَّ له مِن عِلة، وغير المدار ليس بعلة؛ لأنه إنْ كان موجودًا قَبْل الحكم، لَزِمَ تَخلُّف الحكم عن العِلة، وإنْ لم يكن موجودًا قبله، لم يكن عِلة لذلك الحكم إذ ذاك، والأصل بقاؤه على ما كان عليه مِن عدم عِليته؛ فيغلب على الظن أنَّ المدار هو العلة.
وأما مَن أَبْطَله بأنَّ الطرد لا يؤثر والعكس لا يُشترط: فجوابه أنه يترتب على المجموع ما لا يكون عند الانفراد.
وزاد في "جمع الجوامع" - هنا - أنه لا يلزم المستدِل نَفْي ما هو أَوْلى منه، وأنه إذا أَبْدَى المعترِض وصفًا آخَر، ترَجَّح جانب المستدِل بالتعدية. ولكن هذا - مع كونه مِن مباحث الجدل - لا [يختص] (١) بالوصف الذي أثبته المستدِل بالدوران.
تنبيه:
مما استُدِل على عِليته بالدوران طهارة الكلب عند المالكية، فقالوا: عِلة الطهارة الحياة، والكلب حَيٌّ. دليل كَوْن الحياة عِلةًا لدوران، أنَّ الشاة ما دامت حية طاهرة، فإذا زالت
стр. 1981
الحياة، نجست.
فاعتُرض عليهم بأنَّ المذكَّى والمدبوغ طاهران ولا حياة فيهما.
فأجابوا بأنَّ العِلل الشرعية يخلف بعضها بعضا، فخلف الحياة الذكاة والدباغ.
فَرُدَّ عليهم بالسمك والجراد إذا ماتَا طاهران ولا تُحال طهارتهما على شيء آخَر يخلف الحياة. والله تعالى أعلم.
ص:
٨٤٤ - وَالثَّامِنُ: "الطَّرْدُ" بِأَنْ يُقَارِنَا ... وَصْفٌ لِحُكْمٍ، فَإذَا مَا قَارَنَا
٨٤٥ - قَوَّى، وَلَيْسَ عِلَّةً لِلنَّاظِرِ ... يُفِيدُهُ أَصْلًا، وَلَا الْمُنَاظِرِ
الشرح:
مما ذكر مِن مسالك العلة - وهو الثامن منها - المسمَّى بـ "الطرد" وهو: مقارنة الحكم للوصف وليس مناسِبًا لا بالذات ولا بالتَّبع كما سبقت الإشارة إليه في كلام القاضي. وإنما لم أقيده في النَّظم بنفي المناسبة؛ لأنه معلوم مما سبق قبله في المناسب والشبه.
مثاله: قول بعضهم في إزالة النجاسة بنحو الخل: مائع لا تُبْنَى القنطرة عليه؛ فلا تُزال به النجاسة، كالدهن.
وقول بعضهم في عدم نقض الوضوء بمس الذكر: طويل ممشوق؛ فلا ينقض مَسه الوضوء، كالبوق.
وقول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف؛ فكان كالخروف.
واعْلَم أن المقارنة لها ثلاثة أحوال:
إحداها: أنْ يُقارِن في جميع الصوَر. وبه يُشْعِر كلام "البديع" وغيره بتصوير الطرد به،
стр. 1982
حيث قالوا: إنه وجود الحكم عند وجود الوصف. وعَليه جرى في "جمع الجوامع".
والثانية: المقارنة فيما سوى صورة النزاع. وهو الذي عزاه في المحصول للأكثرين، وجرى عليه البيضاوي. فيثبت حينئذٍ الحكم في صورة النزاع؛ إلحاقًا للفَرد بالأَعَم الأغلب، فإنَّ الاستقراء يدل على إلحاق النادر بالغالب.
ولكن هذا ضعيف؛ فقد يُمْنَع أنَّ كل نادر يلْحَق بالغالب؛ لِمَا يَرِد عليه مِن النقوض الكثيرة.
وأيضا: فلا يَلْزَمُ مِن غَلبة الاقتران كَوْنُه عِلة للحكم.
الثالثة: أنْ يقارِن في صورة واحدة.
وهذا ضعيف جدًّا؛ لأن مَن يقول بالطرد فإنما مستنده غَلبة الظن عند التكرر، والفَرْض عَدَمه.
فيثبت بذلك أنَّ الطرد لا يدل على عِلية الوصف مطلقًا. وهذا أرْجَح المذاهب فيه وإنْ حصل بالمقارنة تقوية ما، وهو ما عليه الجمهور كما قاله إمام الحرمين وغيره؛ فإنه لا يُفيد عِلمًا ولا ظنًّا، فهو تَحَكُّم.
قال القاضي والأستاذ: مَن طرد عن غرر فجاهل، ومَن مارس الشريعة واستجازه فهازئ بالشريعة.
قال: ومثَّل الحليمي فساد الوضع والمخيل والطرد: الأول بِمَن تنسم نسيمًا باردًا فقال: وراءه حريق، والثاني بمن رأى دخانًا فقال: وراءه حريق، والثالث بمن رأى غبارًا فقال: وراءه حريق.
قال ابن السمعاني في "القواطع" وغيره مِن علمائنا: (قياس المعنى تحقيق، والشَّبه
стр. 1983
تقريبٌ، والطرد تَحَكُّم) (١).
الثاني: أنَّ الطرد حُجة مطلقًا، وتكفي المقارنة ولو في صورة واحدة كما سبق التعرض له.
والثالث: إنْ قارن في غير صورة النزاع. وهو ما سبق نقله عن الإمام الرازي والبيضاوي.
الربع: وهو قول الكرخي: أنه يفيد في المناظرة المناظِر، ولا يفيد المجتهد الناظر لنفسه.
قال إمام الحرمين في "البرهان": (وقد ناقض؛ إذ المناظرة بحث عن المآخذ الصحيحة، فإذا كان مذهبه أنه لا يَصلح مَأْخَذًا فهذا مراد خصمه في الجدل، وليس في الجدل ما يُقْبَل مع الاعتراف بأنه باطل) (٢).
والله تعالى أعلم.
ص:
٨٤٦ - كَذَاكَ "تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ" التَّاسِعُ ... بِأَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ مُتَابعُ
٨٤٧ - لِمَا بِهِ قَدْ عَلَّلُوا، فَيُحْذَفَا ... خُصُوصُهُ، وَبِالْعُمُومِ يُكْتَفَى
٨٤٨ - أَوْ يُحْذَفَ الْبَعْضُ مِنَ الْأَوْصَافِ ... وَبِالَّذِي [يَبْقَى] (٣) [نِيَاطٌ] (٤) كَافِي
стр. 1984
الشرح:
"التنقيح" لغةً: التخليص والتهذيب، يقال: "نقحتُ العظم" إذا استخرجت مخه.
و"المناط": مفعل مِن "نَاطَ نياطًا"، أيْ: عَلق.
والمراد: أنَّ الحكم تَعَلَّق بذلك الوصف.
فمعنى "تنقيح المناط": الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به الشارع الحكم.
وهو ضربان:
أحدهما وهو الأشهر: أنْ يَرِد وصف قد علق به حُكم لكن ظهر بالاجتهاد أن خصوص ذلك الوصف لا يَصْلُح للعِلية؛ فَيَتَعَيَّن أنْ يكون ما فيه من العموم هو العلة.
فمثال ذلك: ما فعل مالك وأبو حنيفة في حديث المُجامِع في نهار رمضان، اجتهدَا فحذفَا خصوص الجماع، وأناطَا وجوب الكفارة بما فيه مِن عموم الإفطار، فإنه إذا بَطُل الخصوص، يبقى العموم.
نعم، الإلغاء قد يكون بدليل وقد يكون بنفي الفارق وهو المسمَّى بـ "الإلغاء" الآتي بيانه بأنْ يقال: لا فارِق بين الأصل والفرع إلا ذلك الخصوص، وهو لا مدْخَل له في الحكم البَتَّة إجماعًا، كقياس الأَمَة على العبد في السراية، فإنه ﷺ قال: "مَن أعتق شركًا له في عبد، قوّم عليه الباقي" (١). فيقال: لا فارق بين الأَمة والعبد إلا خصوص الذكورة وهو مُلْغًى بالإجماع؛ إذْ لا مدخل له فى العِلِّية.
стр. 1985
وهذا الذي تسميه الحنفية بِـ "الاستدلال"، ويفرقون بينه وبين "القياس"، فيخصون "القياس" بما يكون فيه الإلحاق بِذِكر الجامع الذي لا يفيد إلا الظن، و"الاستدلال" بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القَطْع، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونَسخه، فجوَّزوا الزيادة على النص به ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد. بل يقول بهذا أكثر منكري القياس أو منكره في نوع خاص كأبي حنيفة، فإنه ينكر القياس في الكفارة ومع ذلك يستعمل "تنقيح المناط" فيها؛ لأنه يسميه "استدلالًا" كما سبق. ولكن حاصله تأويل ظاهر بدليل.
قال ابن التلمساني: واعتراف مُنكرُو القياس بهذا النوع بناء على مسألة أخرى وهي أن النَّص على التعليل هل هو نَص على التعميم؟ أو لا؟
فمَن قال: نعم، اعترف بهذا وأنكر القياس.
والحقُّ أنَّ هذا كله اصطلاح، وإلا فالكل قياس، وكُل مِن النوعين قد يكون الجامع فيه قطعيًّا وظنيًّا.
نعم، القطع في نوع "لا فارِق" أكثر.
واعلم أنه قد يقال في هذا النوع من "تنقيح المناط": هذا الحكم لا بُدَّ له مِن عِلة؛ لِمَا سبق، وهي:
- إما المشترك بين الأصل والفرع، كالرق في المثال السابق.
- أو المختص بالأصل، كالذكورة.
والثاني باطل؛ لأنَّ الفارق مُلْغى؛ فتعَيَّن الأول، فيَلْزَم ثبوت حُكم الأصل في الفرع؛ لثبوت عِلَّته فيه.
ولا يكفي في إيراده: هذا الحكم لا بُدَّ له مِن مَحل، وهو إما المشترِك أو مُمَيِّز الأصل
стр. 1986
عن الفرع، والثاني باطل؛ لأنَّ الفَرق مُلْغًى، فيلزم أنْ يكون محله المشترك؛ فيثبت الحكم في الفرع بالضرورة.
كأنْ يقول الحنفي: وجوب كفارة الإفطار له محَل، وهو إما خصوص الوقاع أو مُطْلَق المفَطِّر، والأول باطل؛ لأنَّ خصوص الوقاع مُلْغًى (كخصوص القتل بالسيف لوجوب القصاص)؛ فَتَعَيَّن الثاني؛ فتجب الكفارة على مَن أَفْطَر بالأكل.
فيُجاب بأنَّ الشارع رَتَّب على المركَّب؛ فلا يَلْزَم أنْ يثبت الحكم على الأَعَم.
وحاصله أنه لم يَقُم دليل على إلغاء الخصوص، والفرض أنَّ له مناسبة في الحكم، فلا يُلغى.
الضرب الثاني:
أنْ يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيُحذف بعضها عن درجة الاعتبار إما لأنه طردي أو لثبوت الحكم على بقية الأوصاف بدونه، ويُناط بالباقي. فهو بمنزلة لفظ عام أُخرج بعضه وبُيِّن المراد به بالاجتهاد.
كَتَعَيُّن أوصاف في حديث الأعرابي: كَوْن المجامِع أعرابيًّا، وكونه زيدًا، وكون المجامَعة زوجة أو أَمة، أو في قُبُلها، وكَوْنه شَهْر تلك السَّنة. وَهِيَ كُلها مُلغاة؛ لأنها طَرْدِيَّة سِوَى الوقاع في نهار رمضان بجماع أفسد به آثمًا به لِذَاته. هذا على مذهبنا.
وأبو حنيفة ومالك يَلْغِيَان مع ذلك كَوْنه وقاعًا، ومَنَعَا إفساد صوم رمضان.
فإنْ قِيل: ما الفرق بين هذا وبين "السبر والتقسيم" وقد جعله الإمام منه؛ لكونه وُجِد منهما؟
قيل: لكن الفرق بينهما أن "السبر والتقسيم" لا بُدَّ فيه مِن تعيين الجامِع والاستدلال على العِلة، وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العِلة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض لِعِلة
стр. 1987
جامعة، بل يتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كَذَا ولا مدْخَل له في التأثير كما سبق في "مَن أعتق شركًا له في عَبْد" (١).
ونحوه: "أيما رجُل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (٢)، فإنَّ المرأة كذلك.
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد في معنى الأَمَة.
"مَن باع عبدًا وله مال، فماله للبائع إلا أنْ يشترط المبتاع" (٣)، فالأَمة كالعبد.
وحديث موت الفأرة في السمن (٤)، فغيره مِن عسل ودهن كذلك. والله أعلم.
ص:
٨٤٩ - وَمَا بـ "تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ" يُعْرَفُ ... أَنْ تَثْبُتَ الْعِلَّةُ فِيمَا يُوصَفُ
٨٥٠ - بِالْوَصْفِ مِنْ آحَادِهِ، كَمَا إذَا ... حُقِّقَ سِرْقَةٌ لِنَبْشٍ أُخِذَا
الشرح:
لَمَّا جرت عادة أهل الأصول والجدل إذا ذكروا "تنقيح المناط" أنْ يتعرضوا
стр. 1988
لتفسير ما يسمى "تحقيق المناط" و"تخريج المناط" وكنتُ قد قدمتُ في المسلك الخامس - وهو "المناسبة" - تفسير "تخريج المناط" وذكرتُ آنفًا "تنقيح المناط"، فلم يَبْقَ إلا "تحقيق المناط"، فبينتُه هنا.
والحاصل في الفرق بين الأمور الثلاثة أن: "تخريج المناط": هو استخراج وصف مناسب يُحكم عليه بأنه عِلة ذلك الحكم.
و"تنقيح المناط": أنْ يُنَقَّى مِن الأوصاف ما يَصْلح ويُلْغَى بالدليل ما لا يَصْلح.
و"تحقيق المناط": أنْ تجيء إلى وصف دَلَّ على عِليته نَصٌّ أو إجماع أو غيرهما مِن الطُّرق ولكن يقع الاختلاف في وجوده في صورة النزاع، فتُحَقِّق وجودَه فيها.
مثاله: أن نقول: أَخْذ المال خفْيَة هو عِلة للقطع، فَنُحَقِّق وجود ذلك في النباش المتنازَع فيه في أنه يُقْطَع كالسارق أو لا.
ونحو ذلك: السكوت عِلة في البِكر للاكتفاء بسكوتها، فتُحَقِّق فيمن زالت بكارتها بغير نكاح.
وهذا معنى قولي: (فِيمَا يُوصَفُ بِالْوَصْفِ مِنْ آحَادهِ). أي: مِن المحل المتنازع فيه مِن الآحاد الموجود فيها ذلك الوصف عنده ونُوزع في وجودها فيه.
وقولي: (حُقِّقَ سِرْقَةٌ) أي: الأخذ خفْيَة؛ لأنه معنى السرقة.
نعم، هل يُشترط القَطعْ بتحقيق المناط؟ أَم يُكتفَى بالظن فيه؟
أقوال حكاها ابن التلمساني، ثالثها: الفَرق بين أن تكون العلة وصفا شرعيًّا فيُكتفَى فيه بالظن، أو حقيقيًّا أو عرفيًّا فيُشترط القَطعْ بوجوده. قال: وهذا أَعْدَل الأقوال.
ومناسبة التسمية في الثلاثة ظاهرة؛ لأنه أولًا استخرجها مِن منصوص في حُكم مِن غير نَص على عِلته، ثم جاء في أوصاف قد ذُكِرَت في التعليل فنَقَّح النَّص ونحوه في ذلك، وأخذ
стр. 1989
منه ما يَصْلح عِلة وألْغَى غيرَه. ثُم لَمَّا نُوزع في كَوْن العِلة ليست في المحل المتنازَع فيه، بَيَّن أنها فيه وحَقَّق ذلك. والله أعلم.
ص:
٨٥١ - وَالْعَاشِرُ: "الْإلْغَاءُ" فِيمَا يُفْرَقُ ... كَأَمَةٍ بِالْعَبْدِ حِينَ يُعْتَقُ
٨٥٢ - بَعْضٌ لَهُ؛ فَتَحْصُلُ السِّرَايَه ... وَذَا و"طَرْدٌ، دَوَرَانُ" غَايَهْ
٨٥٣ - لِذِي الثَّلاثِ شَبَة يُفِيدُ ... لِلظَّنّ في الْجُمْلَةِ، لَا يَزِيدُ
الشرح:
العاشر من المسالك: "الإلغاء"، والمراد به إلغاء الفارق بين الفرع والأصل فيما ذُكِر في الأصل ورُتِّب الحكم عليه. فهو بيان أنَّ الفرع لم يُفارِق الأصل إلا فيما لا تأثير له في الحكم؛ فَيَلْزَم اشتراكُهما في المؤثِّر فيه.
فَيُعَيَّن هنا فارِق ويُنْفَى، وكذا يُعَيَّن بالتقسيم والسبر ويُنْفَى.
وطريق نَفْيِه أنْ يُبين أنَّ ذلك أمر طردي لا تأثير له؛ فيجب إلغاؤه. فإنْ حصل ذلك عن دليل قاطع فالقياس قطعي، وإلا فظني.
مثال القطعي: قوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد" (١). فَصَب البول في الماء لا فارِق بَيْنه وبيْن البول في الماء، وكذا صَب غير البول مِن النجاسات.
стр. 1990
ومثال المظنون: قوله ﷺ : "مَن أعتق شركًا له في عَبْد قُوم عليه" (١). فالأَمة كذلك بلا فارِق. وإنما لم يُجعل ذلك مِن المقطوع كالذي قَبله خلافًا لمن تَخيل ذلك؛ لأنَّ الاحتمال فيه قائم، كأنْ يلاحِظ الشرع في عِتق العبد أنْ يستقل بنفسه في الجهاد والجمعة وغيرهما مما لا مدْخَل فيه للمرأة. لكن الظن القوي فيه أنْ لا فَرْق؛ لأنَّ المقصود التخلص مِن موت الرق بحياة الحرية.
والفرق بين هذا وبين "تنقيح المناط" أنَّ هذا لم يعتضد بظاهر في التعليل بمجموع أوصاف، و"تنقيح المناط" فيه ذلك.
نعم، قد يكون السبر الدال على نَفْي الفارق قاطعًا، والفارق المحقَّق طَرْدًا مَحْضًا؛ فَيَبْلُغ نَفْي الفارق رُتبة المؤثِّر بدليل قاطع، ويترقى عن المؤثِّر بدليل ظاهر كما سبق.
واعلم أنه قد سبق في "تنقيح المناط" بحث يتعلق بما ذُكر هنا، فلا حاجة إلى إعادته.
وقولي: (وَذَا و"طَرْدٌ") إلى آخِره - أي: إنَّ هذه الطُّرق الثلاث من مسالك العلة (التي هي: طريق الإلغاء، وطريق الطرد، وطريق الدوران) حيث قيل: (إنها تفيد العِلية) فإنما تفيد شبهًا للعلة، لا [عِلَّة حقيقية] (٢)؛ لِكَونها إنما غَلَّبْت ظن العِلية في الجملة، وليس فيها تعيين حِكمة لذلك كالوصف ولا جهة المصلحة فيه، بخلاف بقية المسالك. والله أعلم.
стр. 1991
تذنيب في قوادح [العِلّة] (١):
٨٥٤ - مِنْ ذَلِكَ: "النَّقْضُ"، وَذَا تَخَلُّفُ ... حُكْمٍ عَنِ الْعِلَّةِ حَيْثُ تُعْرَفُ
٨٥٥ - وَمَانِعٌ سَمَّاهُ تَخْصِيصًا لَهَا ... وَ"الْكَسْرُ" إسْقَاط لِوَصْفٍ مُوِّهَا
الشرح:
قد يطرأ على مَن يُثبت عِلية الحكم اعتراض يَقدح في عِلية ما ادَّعاه عِلة، وذلك من أحد وجوه يُعبَّر عنهابِ "القوادِح"، وربما كانت قادحة لا في خصوص العلة؛ فلذلك ترجمها ابن الحاجب بِـ"الاعتراضات".
وإنما تَرجمتُ عليها بِ "قَوادِح العِلة"؛ لأنها تَرجع إلى القَدْح في العِلة كما ستعرفه، ولأنَّ أَغْلبها مُوجَّه إلى العلة بالخصوص.
قال ابن الحاجب: (وهي راجِعة إلى مَنعْ - أيْ في المقدمات - أو مُعارَضة) (٢). أي: في الحكم.
فمِن ذلك "النَّقْض"، والكلام فيه مِن مشكلات عِلم الأصول والجدل، فلنقتصر على ما يتبين به المقصود، وهو أنَّ الوصف المُدَّعَى عِلة يوجد في بعض الصوَر وَيتخلَّف عنه الحكم؛ فيكون ذلك قادحًا في عِليته على المختار المرجَّح.
مثاله: أنْ يُقال في تعليل وجوب تبييت النية في الصوم الواجب: (صوم عَرِي أوَّلُه عن النية؛ فلا يَصِح، كالصلاة). فينقض العِلة - وهي العراء في أوله - بصوم التطوع، فإنه يصح مِن غير تبييت.
стр. 1992
ثُم تَخلُّف الحكم عن الوصف إما في وصف ثبتت عِليته بنص قطعي أو ظني أو باستنباط. والتخلُّف إما لمانع أو فَقْد شرط أو غيرهما. فهي تسعة؛ مِن ضرب ثلاثة في ثلاثة.
فأَرجَح المذاهب فيه أنه قادح في الأحوال التسع. وهذا مذهب الشافعي وجميع أصحابه إلا القليل منهم كما قاله ابن السمعاني في "القواطع"، (قال: وهو قول كثير من المتكلمين. وقالوا: تخصيصها نَقْضٌ لها، ونقضُها يتضمن إبطالها) (١).
وعلى هذا فالفَرق بين هذا وبين جواز تخصيص العموم ويبقى في الباقي حُجة على المرجَّح كما سبق - أنَّ العام يجوز إطلاقه على بعض ما تَناوَله، فإذا خُصَّ فلا محذور فيه. وأما العِلة فهي المقتضية للحُكم، فلا يتخفَف مقتضاها عنها، فَشُرِط فيها الاطِّراد.
نعم، في "شفاء الغليل" للغزالي أنه لا يُعْلم للشافعي في ذلك نَص. وكأنه يريد صريحًا أو فيما اطَّلع عليه، وإلا فمناظرات الشافعي مع خصومه طافحة بذلك. وقد حفظ غيرُه عن الشافعي ذلك، بل جعلوا ذلك مِن مُرجِّحات مذهب الشافعي على غيره من المذاهب، وهو أنَّ عِلل مَذهبه لا يقع فيها نَقْض، بل هي سالمة منه.
وأطال السبكي في "شرح المختصر" في نَصْر هذا القول وأطاب واستطرد إلى ما في مذهبنا مِن القواعد التي تستثنى منها، فذكرها وأحال بسطها على كتابه في القواعد، فليراجَع ما أشار إليه في ذلك منهما.
والمذهب الثاني: أنَّ النقض لا يَقدح مطلقًا. وهو المنقول عن أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وشهرته عن الحنفية أكثر غير أنهم ما سمحوا بتسميته "نقضًا" وسموه "تخصيص العِلة".
لكن ابن السمعاني قال: (إن هذا قول العراقيين منهم، وقال أبو زيد: إنه مذهب أبي
стр. 1993
حنيفة وأصحابه. وأما الخراسانيون منهم فقالوا بالقول الأول، حتى قال الماتريدي منهم: تخصيص العِلة باطل).
قال: (ومَن قال بتخصيصها فقد وَصَفَ الله بالسَّفَه والعبث) (١)؛ إذْ أيُّ فائدة في وجود العِلة ولا حُكم؟ !
والثالث: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا في صورها الست، ويقدح في المستنبطة في صوَرها الثلاث.
الرابع: عكْسه، وهو القدح في المنصوصة مطلقًا وعدم القدح في المستنبطة. كذا أَطلق حكايته ابن الحاجب، ولكن قَيده السبكي في شرحه بأنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان بمانع أو عدم شرط، بدليل ما ذكره ابن الحاجب بعده وهو:
الخامس: أنه لا يقدح في المستنبطة ولو بلا مانع أو عدم شرط، دُون المنصوصة. خلافًا لِمَا يُطْلقه كثيرٌ مِن شراح "المختصر"، فإنه يَلْزَم منه تكرار.
والسادس: أنه إذا كان التخلُّف لمانع أو فَقْد شرط فلا يقدح مطلقًا، سواء في العلة المنصوصة والمستنبطة. واختاره البيضاوي والهندي.
السابع: يقدح مطلقًا إلا أنْ يَرِد على سبيل الاستثناء ويعترض على جميع المذاهب كالعرايا. وحكاه في "جمع الجوامع" عن الإمام الرازي.
ولكن الذي في "المحصول" أنه إنْ تَخلَّف لمانع فلا يقدح، وإلا قدح.
ثم قال: (فإنْ كان واردًا على سبيل الاستثناء فقال قوم: لا يقدح، سواء أكانت العلة معلومة أو مظنونة. أمَّا المعلومة فلأَنَّا نَعلم أنَّ مَن لم يُقْدم على جناية، لم يؤاخَذ بضمانها. ثم
стр. 1994
هذا لا ينتقض بضرب الدية على العاقلة؛ لخروج ذلك بالدليل.
وأما المظنونة فكالتعليل بالطعم، فإنه لا ينتقض بمسألة العرايا، فإنها وَرَدَت على سبيل الاستثناء رخصةً).
ثم قال: (واعْلم أنا [لا] (١) نَعلم ورود [التنصيص] (٢) على سبيل الاستثناء إلا إذا كان لازمًا على جميع المذاهب، مثل مسألة العرايا، فإنها لازمة على جميع العِلل كالقوت والكيل والمال والطعم.
وإنما قلنا: إنَّ الوارد على مورد الاستثناء لا يقدح في [العلة] (٣) لأنَّ الإجماع لما انعقد على أنَّ حُرمة الربا لا تُعَلل إلا بأحد الأمور الأربعة فإنَّ مسألة العرايا واردة على أربعتها، فكانت واردة على علة قطعنا بصحتها. فالنقض لا يقدح في مثل هذه العلة. وأما أنه هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ فقد اختلفوا فيه، والأَوْلى الاحتراز منه) (٤). انتهى ملخصًا.
والثامن: إنْ كانت علة حظر، لم يَجُز تخصيصها، وإلا جاز. حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.
التاسع: يقدح في المنصوصة إلا إذا كان بظاهر عام، فإنه إذا كان بقاطع، لم يتخلَّف الحكم عنه. وإذا كان خاصًّا بمحل الحكم، لم يثبت التخلُّف، وهو خِلاف الفَرْض.
وأما في المستنبطة فيجوز فيما إذا كان التخلف لماح أو انتفاء شرط، ويقدح فيما إذا كان التخلُّف دُونهما. وهو مختار ابن الحاجب.
стр. 1995
والعاشر: إنْ كان التخلف لمانع أو فَقْد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يَقبل التأويل، لم يقدح، وإلا قدح. وهو رأي الآمدي. وإنما حكم على النص بقبول التأويل لأنَّ مراده به ما هو أعم مِن الصريح والظاهر.
تنبيهات
أحدها: قال إمام الحرمين في "البرهان" وابن الحاجب أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي لا فائدة له؛ لاتفاق المجوِّز والمانع على أن اقتضاء العلة للحكم لا بُدَّ فيه مِن عدم التخصيص، وسلَّموا أنَّ المعلِّل لو ذكر القيد في ابتداء التعليل لاستقامت العلة. فرجع الخلاف إلى أن ذلك القيد العدمي هل يسمى جزء العلة؟ أو لا؟
لكن رد ذلك في "المحصول" (١) بأنَّا إذا فسرنا العلة بالداعِي أو الموجِب، لم يجعل العدم جزءًا مِن العلة، بل كاشفًا عن حدوث جزء العلة. ومَن جوَّز التخصيص لا يقول بذلك. وإنْ فسرنا العلة بالأمارة، ظهر الخلاف في المعنى أيضًا؛ لأنَّ مَن يثبت العلة بالمناسبة يبحث عن ذلك القيد العدمي، فإنْ وجد فيه مناسبة، صحح العلة وإلا أَبطلها. ومَن يجوِّز التخصيص لا يطلب المناسبة أصلًا مِن هذا القيد العدمي.
وأما نَفْي الفائدة فمردود بأنَّ للخلاف فوائد:
منها: جواز التعليل بِعِلتين، وقد سبق بيان ذلك.
ومنها: انقطاع الخصم. وإذا ادَّعى بَعد ذلك أنه أراد بالعموم الخصوص وباللفظ المطلق ما وراء محل النقض، لا يُسْمَع دَعْواه؛ لأنه يُشبه الدعوى بعد الإقرار، فلا يُسمع إلا ممن له
стр. 1996
قدرة على الإنشاء.
والقائلون بجواز التخصيص يقبلون دعواه، لكن الإمام في "البرهان" قال: (إذا ذكر لفظًا مقتضاه عموم العلة فورد نقضٌ فقال: "أُخَصِّص لفظي"، نُظِر: فإنْ كان النقض مُبْطِلًا، لم يُقْبَل منه التخصيص. وإنْ كان غير مُبْطِل فمِن الجدليين مَن جعله منقطعًا؛ إذْ لَمْ يَفِ بظاهر لفظه).
قال: (والمختار لا يكون منقطعًا، لكنه خالف الأحسن؛ إذْ كان ينبغي له أن يشير إليه فيقول: هذه [علته] (١) فيما لا يُسْتَثْنَى) (٢).
الثْاني: إذا اعتُرض بالنقض على المستدِل فلا بُدَّ له من الجواب عنه وإلا انقطع. فينبغي أن يذكر جوابه، وكذا فيما سيأتي مِن القوادح.
فأما جواب النقض:
- فإما يَمْنَع (٣) وجود العلة في محل النقض؛ لأنه قيد مناسب أو مؤثِّر في العلة. كما لو قيل في الحلي: (مال مُعَد لاستعمال مباح؛ فلا زكاة فيه، كثياب البذلة). فإذا نُقِض بالمُعَد لاستعمال مُحَرَّم أو مكروه، فيجاب بإخلاله بقيد الإباحة.
- وإما أنْ يجيب بمنع انتفاء الحكم عن الصورة المنقوض بها إذا لم يكن انتفاؤه مذهب المستدِل؛ لأنه إذا كان مذهبه فقط أو مذهبه ومذهب المعترِض، لم يتمكن مِن ذلك.
- وإمَّا أنْ يذكر مانِعًا في صورة النّقض عند مَن يرى بأنَّ النقض لِمانِع غير قادح.
فلو أراد المعترِض -لَمَّا مَنَع المستدِل وجود العلة في صورة النقض- أنْ يستدل على
стр. 1997
وجودها، لَمْ يُمَكَّن مِن ذلك عند الأكثر؛ لأنه انتقال.
وثانيها: يُمَكَّن؛ لأنَّ فيه تحقيق اعتراضه بالنقض، فهو مِن تمامه.
وثالثها وبه قال الآمدي: يُمَكَّن ما لم يكن للمعترِض دليل أَوْلى بالقدح مِن النقض. فإنْ أمكنه القدح بطريق آخَر هو أَفْضَى إلى المقصود فلا.
ورابعها حكاه ابن الحاجب: يمكَّن ما لم يكن حُكمًا شرعيًّا. وحكاه أيضًا البروي تلميذ محمد بن يحيى في كتاب "المقترح" ولم يَحْكِ غيره.
ومَثَّله بما لو علل الحنفي وجوب المضمضة في الغسل بأنه عضو يجب غسله عن الخبث؛ فيجب في الجنابة. فإذَا نُقِضَ بالعَيْن، فله المنع في أنَّ العَيْن يجب غسلها عن الخبث، فليس للمعترِض أنْ يثبت عِلية وجوب غسل العَيْن مِن الخبث؛ فإنه وَضْع للكلام في مسألة أخرى والاستدلال عليها مِن الابتداء.
أما إذا كان المعلَّل به وصفًا حقيقيًّا، فله ذلك، كما لو عَلل الحنفي مسألة الأجرة بأنه عقد على منفعة؛ فلا يملك عوضه بنفس العقد، كالمضاربة. فإذا نُقِض بالنكاح [فمنعَ] (١) ورود النكاح على المنفعة، فله إثباته بالدليل. انتهى
وجرى عليه شارحه أبو العز جد ابن دقيق العيد لأمه، قال: لأنَّ الأمر الحقيقي يمكن الاستدلال عليه؛ لِقُرْبِه، والأحكام الشرعية إذا كانت مختلفة فهي في مظنة تَشَعُّب الظنون. والوصف الحقيقي يكون في الغالب مِن جهة عدم تَصَوُّر حقيقته، فلو دل المستدِل على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض ثم منع بعد ذلك وجودها في صورة النقض فقال المعترِض: ينقض دليلك على العلة، لم يُسْمع منه عند الجدليين؛ لأنه انتقال مِن نقض العلة نفسها إلى نقض دليلها.
стр. 1998
كقول الحنفي في التبييت: أتى بمسمَّى الصوم؛ فصحَّ، كما في النَّفل. واستدل على وجود العلة بالإمساك مع النية.
فيقال: فتنتقض العلة بما لو نوى بعد الزوال.
فيقول: لا نُسَلِّم وجود العلة فيه.
فنقول: ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة في محل التعليل. هذا هو الصواب، ولابن الحاجب احتمال بالجواز؛ لأنَّ المعترِض في مقام دَفْع العلة، فليكن له القدح فيها تارة وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالًا ممنوعًا.
الثالث:
يجب على المستدِل المناظر -عند الأكثرين- الاحتراز مِن النقض إذا قُلنا: قادح. وكذا على الناظر، إلا فيما اشتهر مِن المستثنيات وصار كالمذكور.
وقيل: يجب الاحتراز عنه مطلقًا.
وقيل: إلا في المستثنيات مطلقًا. والله أعلم.
وقولي: (وَ"الْكَسْرُ" إسْقَاطٌ لِوَصْفٍ مُوِّهَا) تمامه قولي بعده:
ص:
٨٥٦ - في عِلَّةٍ، أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ ... وَ"عَدَمُ الْعَكْسِ" بِأَنْ لَا يَخْتَلِي
٨٥٧ - حُكْمٌ لِفَقْدِ عِلَّةٍ إنْ عُلِمَا ... أَوْ ظُنَّ، وَالْإبْدَالُ أَوْلَى، فَاعْلَمَا
٨٥٨ - وَقَدْحُ ذَا يُبْنَى عَلَى امْتِنَاعِ ... تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، لَا اجْتِمَاعِ
الشرح: ومضمون ذلك نوعان من القوادح في العلة: الكسر، وعدم العكس.
فأما "الكسر": فقال أكثر الأصوليين والجدليين: إنه إسقاط وصف من أوصاف العلة
стр. 1999
المركَّبة وإخراجه مِن الاعتبار ببيان أنه لا أثر له.
وقولي فيه: (أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ) إشارة إلى أن له صورتين:
إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص الذي بُيِّن أنه لَغْو لا أثر له بوصف أَعَم منه، ثم ينقضه على المستدِل.
كأنْ يقول شافعي في إثبات صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها؛ فيجب أداؤها، كصلاة الأمن.
فيقول المعترِض: خصوص كونها صلاة مُلغًى لا أثر له؛ لأنَّ الحج والصوم كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوصف العام وهو كونها عبادة، فننقضه عليه بصوم الحائض، فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، بل يَحْرُم.
والثانية: أنْ لا يبدله، فلا يبقى إلا: وجب قضاؤها، فلا يجب أداؤها.
فيقال: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه؛ بدليل صوم الحائض. فقد أَعْرَض عن ذلك الوصف بالكُلية، وذكر صورة النقض.
قال الشيخ أبو إسحاق في "الملخص": (وهو سؤال مليح، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة. وقد اتفق أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به، ويسمونه "النقض" مِن طريق المعنى و"الإلزام" مِن طريق الفقه. وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين). انتهى
ومن أمثلة ذلك -كما ذكره الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وغيرهما ومثَّل به أيضًا الآمدي وابن الحاجب- أنْ يقول شافعي في بَيعْ ما لم يَرَه المشتري: مبيع مجهول الصفة عند العاقد؛ فلا يصح، كما لو قال: بِعتُك عبدًا.
فيقول المعترِض: ينكسر بما إذا نكح امرأة لم يَرَهَا، فإنه يَصِح مع كونها مجهولة الصفة
стр. 2000
عند العاقِد. فهذا كَسْر؛ لأنه نقض مِن جهة المعنى؛ إذِ النكاح في الجهالة كالبيع، بدليل أن الجهل بالعيْن في كل منهما يوجِب الفساد، فَوَصْف كَوْنه مبيعًا مُلْغًى، بدليل أن الرهن ونحوه كذلك. ويبقى عدم الرؤية، فينتقض بنكاح مَن لم يرها.
وإنْ نزلته على الصورة الأُولى -وهي الإبدال بالأَعم- فنقول: عقد على ما لم يره العاقد؛ فينتقد بالنكاح.
ومثاله أيضًا أنْ يقول شافعي في كفارة العمد: قتل مَن يُضْمن بِدِيَة أو قصاص بغير إذْن شرعي؛ فتجب كفارته، كالخطأ.
فيُعترَض بأنَّ خصوص كونه يُضمن بالدية أو القصاص مُلْغًى؛ لأنها تجب على السيد في قتل عَبْده، فيبقى كونه آدميًّا أو يسقط القيد بالكُلية ويبقى ما عداه، وهو منقوض بالحربي والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن.
ومن أمثلة هذا أيضًا لو قال شافعي: صلاة الجمعة صلاة مفروضة؛ فَلَمْ تفتقر إقامتها لإذن السلطان، كالظهر.
فيقول المعترِض: خصوص كونها مفروضة مُلْغًى؛ لأنَّ التطوع كذلك، فيبقى كونها صلاة مطلوبة، وهو منقوض بصلاة الاستسقاء.
ومن استعمال ذلك في الجدال ما أورده الشيخ في "المهذب" في "باب الزكاة" فيما نتج مِن النصاب في أثناء الحول وماتت [الأُمَّات] (١) قبل الحول فتبقى الزكاة في النتاج عند حولان حول الأمَّات، خلافًا لأبي القاسم بن بشار الأنماطي، فقال أبو القاسم: لأنَّ السخال يجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابًا، وقد زال هذا الشرط؛ فوجب أن ينقطع الحول.