← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قدرة على الإنشاء. والقائلون بجواز التخصيص يقبلون دعواه، لكن الإمام في "البرهان" قال: (إذا ذكر لفظًا مقتضاه عموم العلة فورد نقضٌ فقال: "أُخَصِّص لفظي"، نُظِر: فإنْ كان النقض مُبْطِلًا، لم يُقْبَل منه التخصيص. وإنْ كان غير مُبْطِل فمِن الجدليين مَن جعله منقطعًا؛ إذْ لَمْ يَفِ بظاهر لفظه). قال: (والمختار لا يكون منقطعًا، لكنه خالف الأحسن؛ إذْ كان ينبغي له أن يشير إليه فيقول: هذه [علته] (١) فيما لا يُسْتَثْنَى) (٢). الثْاني: إذا اعتُرض بالنقض على المستدِل فلا بُدَّ له من الجواب عنه وإلا انقطع. فينبغي أن يذكر جوابه، وكذا فيما سيأتي مِن القوادح. فأما جواب النقض: - فإما يَمْنَع (٣) وجود العلة في محل النقض؛ لأنه قيد مناسب أو مؤثِّر في العلة. كما لو قيل في الحلي: (مال مُعَد لاستعمال مباح؛ فلا زكاة فيه، كثياب البذلة). فإذا نُقِض بالمُعَد لاستعمال مُحَرَّم أو مكروه، فيجاب بإخلاله بقيد الإباحة. - وإما أنْ يجيب بمنع انتفاء الحكم عن الصورة المنقوض بها إذا لم يكن انتفاؤه مذهب المستدِل؛ لأنه إذا كان مذهبه فقط أو مذهبه ومذهب المعترِض، لم يتمكن مِن ذلك. - وإمَّا أنْ يذكر مانِعًا في صورة النّقض عند مَن يرى بأنَّ النقض لِمانِع غير قادح. فلو أراد المعترِض -لَمَّا مَنَع المستدِل وجود العلة في صورة النقض- أنْ يستدل على

стр. 1997

وجودها، لَمْ يُمَكَّن مِن ذلك عند الأكثر؛ لأنه انتقال. وثانيها: يُمَكَّن؛ لأنَّ فيه تحقيق اعتراضه بالنقض، فهو مِن تمامه. وثالثها وبه قال الآمدي: يُمَكَّن ما لم يكن للمعترِض دليل أَوْلى بالقدح مِن النقض. فإنْ أمكنه القدح بطريق آخَر هو أَفْضَى إلى المقصود فلا. ورابعها حكاه ابن الحاجب: يمكَّن ما لم يكن حُكمًا شرعيًّا. وحكاه أيضًا البروي تلميذ محمد بن يحيى في كتاب "المقترح" ولم يَحْكِ غيره. ومَثَّله بما لو علل الحنفي وجوب المضمضة في الغسل بأنه عضو يجب غسله عن الخبث؛ فيجب في الجنابة. فإذَا نُقِضَ بالعَيْن، فله المنع في أنَّ العَيْن يجب غسلها عن الخبث، فليس للمعترِض أنْ يثبت عِلية وجوب غسل العَيْن مِن الخبث؛ فإنه وَضْع للكلام في مسألة أخرى والاستدلال عليها مِن الابتداء. أما إذا كان المعلَّل به وصفًا حقيقيًّا، فله ذلك، كما لو عَلل الحنفي مسألة الأجرة بأنه عقد على منفعة؛ فلا يملك عوضه بنفس العقد، كالمضاربة. فإذا نُقِض بالنكاح [فمنعَ] (١) ورود النكاح على المنفعة، فله إثباته بالدليل. انتهى وجرى عليه شارحه أبو العز جد ابن دقيق العيد لأمه، قال: لأنَّ الأمر الحقيقي يمكن الاستدلال عليه؛ لِقُرْبِه، والأحكام الشرعية إذا كانت مختلفة فهي في مظنة تَشَعُّب الظنون. والوصف الحقيقي يكون في الغالب مِن جهة عدم تَصَوُّر حقيقته، فلو دل المستدِل على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض ثم منع بعد ذلك وجودها في صورة النقض فقال المعترِض: ينقض دليلك على العلة، لم يُسْمع منه عند الجدليين؛ لأنه انتقال مِن نقض العلة نفسها إلى نقض دليلها.

стр. 1998

كقول الحنفي في التبييت: أتى بمسمَّى الصوم؛ فصحَّ، كما في النَّفل. واستدل على وجود العلة بالإمساك مع النية. فيقال: فتنتقض العلة بما لو نوى بعد الزوال. فيقول: لا نُسَلِّم وجود العلة فيه. فنقول: ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة في محل التعليل. هذا هو الصواب، ولابن الحاجب احتمال بالجواز؛ لأنَّ المعترِض في مقام دَفْع العلة، فليكن له القدح فيها تارة وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالًا ممنوعًا. الثالث: يجب على المستدِل المناظر -عند الأكثرين- الاحتراز مِن النقض إذا قُلنا: قادح. وكذا على الناظر، إلا فيما اشتهر مِن المستثنيات وصار كالمذكور. وقيل: يجب الاحتراز عنه مطلقًا. وقيل: إلا في المستثنيات مطلقًا. والله أعلم. وقولي: (وَ"الْكَسْرُ" إسْقَاطٌ لِوَصْفٍ مُوِّهَا) تمامه قولي بعده: ص: ٨٥٦ - في عِلَّةٍ، أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ ... وَ"عَدَمُ الْعَكْسِ" بِأَنْ لَا يَخْتَلِي ٨٥٧ - حُكْمٌ لِفَقْدِ عِلَّةٍ إنْ عُلِمَا ... أَوْ ظُنَّ، وَالْإبْدَالُ أَوْلَى، فَاعْلَمَا ٨٥٨ - وَقَدْحُ ذَا يُبْنَى عَلَى امْتِنَاعِ ... تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، لَا اجْتِمَاعِ الشرح: ومضمون ذلك نوعان من القوادح في العلة: الكسر، وعدم العكس. فأما "الكسر": فقال أكثر الأصوليين والجدليين: إنه إسقاط وصف من أوصاف العلة

стр. 1999

المركَّبة وإخراجه مِن الاعتبار ببيان أنه لا أثر له. وقولي فيه: (أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ) إشارة إلى أن له صورتين: إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص الذي بُيِّن أنه لَغْو لا أثر له بوصف أَعَم منه، ثم ينقضه على المستدِل. كأنْ يقول شافعي في إثبات صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها؛ فيجب أداؤها، كصلاة الأمن. فيقول المعترِض: خصوص كونها صلاة مُلغًى لا أثر له؛ لأنَّ الحج والصوم كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوصف العام وهو كونها عبادة، فننقضه عليه بصوم الحائض، فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، بل يَحْرُم. والثانية: أنْ لا يبدله، فلا يبقى إلا: وجب قضاؤها، فلا يجب أداؤها. فيقال: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه؛ بدليل صوم الحائض. فقد أَعْرَض عن ذلك الوصف بالكُلية، وذكر صورة النقض. قال الشيخ أبو إسحاق في "الملخص": (وهو سؤال مليح، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة. وقد اتفق أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به، ويسمونه "النقض" مِن طريق المعنى و"الإلزام" مِن طريق الفقه. وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين). انتهى ومن أمثلة ذلك -كما ذكره الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وغيرهما ومثَّل به أيضًا الآمدي وابن الحاجب- أنْ يقول شافعي في بَيعْ ما لم يَرَه المشتري: مبيع مجهول الصفة عند العاقد؛ فلا يصح، كما لو قال: بِعتُك عبدًا. فيقول المعترِض: ينكسر بما إذا نكح امرأة لم يَرَهَا، فإنه يَصِح مع كونها مجهولة الصفة

стр. 2000

عند العاقِد. فهذا كَسْر؛ لأنه نقض مِن جهة المعنى؛ إذِ النكاح في الجهالة كالبيع، بدليل أن الجهل بالعيْن في كل منهما يوجِب الفساد، فَوَصْف كَوْنه مبيعًا مُلْغًى، بدليل أن الرهن ونحوه كذلك. ويبقى عدم الرؤية، فينتقض بنكاح مَن لم يرها. وإنْ نزلته على الصورة الأُولى -وهي الإبدال بالأَعم- فنقول: عقد على ما لم يره العاقد؛ فينتقد بالنكاح. ومثاله أيضًا أنْ يقول شافعي في كفارة العمد: قتل مَن يُضْمن بِدِيَة أو قصاص بغير إذْن شرعي؛ فتجب كفارته، كالخطأ. فيُعترَض بأنَّ خصوص كونه يُضمن بالدية أو القصاص مُلْغًى؛ لأنها تجب على السيد في قتل عَبْده، فيبقى كونه آدميًّا أو يسقط القيد بالكُلية ويبقى ما عداه، وهو منقوض بالحربي والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن. ومن أمثلة هذا أيضًا لو قال شافعي: صلاة الجمعة صلاة مفروضة؛ فَلَمْ تفتقر إقامتها لإذن السلطان، كالظهر. فيقول المعترِض: خصوص كونها مفروضة مُلْغًى؛ لأنَّ التطوع كذلك، فيبقى كونها صلاة مطلوبة، وهو منقوض بصلاة الاستسقاء. ومن استعمال ذلك في الجدال ما أورده الشيخ في "المهذب" في "باب الزكاة" فيما نتج مِن النصاب في أثناء الحول وماتت [الأُمَّات] (١) قبل الحول فتبقى الزكاة في النتاج عند حولان حول الأمَّات، خلافًا لأبي القاسم بن بشار الأنماطي، فقال أبو القاسم: لأنَّ السخال يجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابًا، وقد زال هذا الشرط؛ فوجب أن ينقطع الحول.

стр. 2001

فقال الشيخ: (وما قاله أبو القاسم ينكسر بولد أُم الولد، فإنه ثبت له حق الحرية بثبوته للأم، ثم يسقط حق الأم بالموت ولا يسقط حق الولد) (١). انتهى وتقرير الكسر أن الأنماطي لما كان معنى دليله أن هذه السخال مال زكوي تابع للأُم، فيجب سقوط التبعية بموت الأُم، فَيَرِد الكسر بالإلغاء في وصف الزكوي: - إما بالإبدال كأولاد تبعت الأُم في حُكمها إلى آخِره، فينتقض بولد أم الولد. - وإما بلا إبدال فيبقى [بنعت] (٢) الأمهات في حُكمها، فيسقط بموت الأمهات، فينتقض بولد أم الولد. هذا تمام تقرير الكسر، وقد وضح أنه نقض وارد على المعنى كما ذكره أستاذ أهل الجدل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وتبعه ابن السمعاني وغيره. تنبيهات الأول: تفسير البيضاوي "الكسر" بأنه "عدم تأثير أحد الجزئين ونَقْض الآخَر" كما سبق تمثيل ذلك بصلاة الخوف -راجع إلى تفسيرنا المذكور، خلافًا لمن زعم أنه غيره. الثاني: فسره ابن الحاجب -تبعًا للآمدي- بأنه: (وجود الحكمة المقصودة مع تَخَلُّف الحكم). ثم قال: (والمختار أنه لا يبطل، كقول الحنفي في العاصي بِسَفَره: مسافر؛ فيترخص، كغير العاصي؛ للمشقة فيهما. فيُعترَض بالصنعة الشاقة في الحضر) (٣). كنحو الحمالين، فإنها

стр. 2002

موجودة ولا تَرَخُّص. ثم ساق ابن الحاجب دليل ذلك والاعتراض عليه والجواب. وأما تفسير "الكسر" الذي ذكرناه فسماه -تبعًا للآمدي- بـ "النقض المكسور"، وهو تسمية لا يعرفها الجدليون. وزعم أن هذا لا يقدح في العلية، فقال: (وفي النقض المكسور -وهو نقض بعض الأوصاف- المختار: لا يبطل. كقول الشافعي في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة) إلى آخِر ما سبق تقريره في هذا المثال. لكنه احتج على مختاره بما يقتضي أنه لا يخالف قول الأكثرين بأنَّ الكسر قادح، فقال: (لنا: إنَّ العلة المجموع، فلا نقض). أيْ: لأنه لم يتخلف الحكم عن المجموع، بل عن بعض الأوصاف. ثم قال: (فإن بيَّن -أيِ المستدِل- عدم تأثير كونه مبيعًا، كان -أيْ ذلك القيد- كالعدم، فيصح النقض، ولا يفيد مجرد ذِكره دَفْع النقض) (١). فيقال: الكسر إنما هو إذا بيَّن المستدِل إلغاء بعض الأوصاف كما قيدناه، فإذا لم يُبيِّن، فلا يُسمى "كسرًا"؛ لأنه لم يأت به على وجهه. ولا يختص هذا بالكسر، بل كل اعتراض لم يُؤتَ به على وَجْهِه كان غير مقبول. وإنما أَحْوَجَه أنْ يقول: (وإن بيَّن) كَوْنه لم يأتِ بذكر معنى "الكسر" على اصطلاحهم، فثبت بذلك أنه لا يخالف الأكثر إذا أُتِي بالكسر على الوجه الذي ذكروه. وأيضًا: فإذا رجع إلى النقض (والنقض قد سبق فيه المذاهب واختياره تفصيلًا فيه) فلا يَسَعه أنْ يطلق اختيار أنه غير قادح، فإنهما مِن هذه الجهة سواء.

стр. 2003

وأما قول الآمدي: (إنَّ الأكثرين على أنَّ الكسر ليس بقادح) فمردود بنقل الشيخ أبي إسحاق أنَّ الأكثرين على أنه قادح. وكذا قول الهندي: (إنَّ الكسر نقض يَرِد على بعض أوصاف العلة، وهو مردود عند الجماهير إلا إذا بيَّن الخصم إلغاء القيد) (١). فيقال له: إنما نسميه "كسرًا" إذا بيَّن كما سبق تقريره في كلام ابن الحاجب. وأما "عدم العكس" فالمراد به: أنْ لا ينتفي الحكم بانتفاء المدَّعَى أنه علة. فهو مقابل للطرد، وهو: أنْ يوجد بوجوده. فالعلة إنْ كانت مُطَّردة منعكسة فواضح، أو غير مُطَّردة فهو الاعتراض بالنقض، أو غير منعكسة فهو المراد هنا. وفي القدح به خلاف مُرتَّب على جواز تَعدُّد العلة ومنعه. فإنَّ الحكم إذا وُجِد والعِلة منتفية فقدْ يَكون لِعِلة أخرى. فمَن منع تَعدُّد العِلة جَعَل ذلك قادحًا؛ لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله. ومَن أجاز، لا يجعله قادحًا. وإليه أشرتُ في النَّظم بقولي: (وَقَدْحُ ذَا) البيت. أي: إنَّ المانع مِن تَعدُّد العِلَل لا يريد به اجتماع أوصاف يكون مجموعها عِلة، بل يكون كُلٌّ علة بانفراده، وسبق الخلاف في ذلك مُبيَّنًا. وربما عُبِر عن الاعتراض بِـ "عدم العكس" بأنه هل يُشترط في العلة الانعكاس كما يشترط الاطِّراد؟ أو لا كما هو عبارة ابن الحاجب؟ فقد تَحرر مِن ذلك أن الذي يُعَد مِن القوادح "عدم العكس". فتسمية صاحب

стр. 2004

"المحصول" ذلك بِـ "العكس" -وعليها جَرَى في "جمع الجوامع"- فيها نظر، إلا أنْ يُؤَوَّل؛ ولذلك عَبَّرتُ عنه في النَّظم بقولي: (وَ"عَدَمُ الْعَكْسِ" بِأَنْ لَا يَخْتَلِي حُكْمٌ لخلو عِلته)، وهو بالخاء المعجمة من "الخلو". ومرادي أنْ لا ينتفي بانتفاء العلة؛ لأنَّ هذا معنى عدم الخلو مِن الحكم ووجود الخلو مِن العلة. قال الهندي: (ولا يقال: "أنْ لا ينتفي عند انتفاء علته"؛ لأنه يقتضي أنْ يكون قد خَلَا مِن العِلل كلها) (١). وهذا قادح قطعًا؛ لأنه لم يسلم له عِلة. واعْلَم أنه يدخل تحت قولنا: (أنْ لا ينتفي الحكم لانتفاء عِلته) صورتان: إحداهما: أن ينتفي في ذلك الأصل، مثل أن يقول شافعي في منع بيع الغائب: مبيع غير مرئي؛ فلا يصح، كبيع الطير في الهواء. فيُعترض عليه بأنَّ عدم الرؤية قد ينتفي بأنْ يكون رأَى الطير في الهواء ومع ذلك البيع باطل لِعِلة أخرى وهي عدم القُدرة عليه. فوُجِد حُكم الأصل المعَيَّن بشخصه لِعِلة غير المنتفية. الثانية: أن يوجد الحكم مع انتفاء الوصف في صورة أخرى، كما لو استدل حنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله: صلاة لا تقصر؛ فلا يُقَدَّم أذانها على وقتها، كالمغرب. فيقول الشافعي: قد انتفى الوصف في صورة أخرى مع وجود الحكم، كالظهر، فإنه يُقْصر ولا يُقَدَّم أذانه على وقته.

стр. 2005

وقد جمع البيضاوي "عدم التأثير" و"عدم العكس" في قادح واحد؛ لِتَقارُب معنييهما عنده؛ لأنَّ "عدم التأثير" أنْ [يبقى] (١) الحكم بعد انتفاء الوصف في ذلك الأصل، و"عدم العكس" أنْ يثبت الحكم في صورة أخرى بِعِلة أخرى، ومثّلَهما بالمثالين السابقين، فلَم يجعلهما معًا مِن "عدم العكس" كما ذكرناه. ولهذا تعقب الهندي مَن غاير بينهما، وقال: إنَّ كُلًّا منهما داخِل في مسمَّى "عدم العكس". ثم قال البيضاوي: (إنَّ الَأوَّل يَقْدَحُ إِنْ مَنَعْنَا تَعْلِيلَ الوَاحِدِ بِالشَّخْصِ بِعِلَّتَين، وإنَّ الثاني يقدح إنْ منعنا تَعْلِيلَ الوَاحِد بِالنَّوْعِ بعِلتَّين) (٢). وهو ظاهر؛ لأنَّ الذي في أصل واحد تَعددت العِلة فيه في مُعَيَّن مُشَخَّص، والذي في صورة أخرى تَعددت العلة فيه في نوع؛ لأنَّ المنع في التقديم في الرباعية غير المنع في التقديم في غير الرباعية، ونوعهما واحد وهو منع التقديم على الوقت. وجعل ابن الحاجب الصورتين معًا مِن أقسام "عدم التأثير"، وسيأتي بيانه [هناك] (٣)، وكأنَّ ذلك لأنَّ ادِّعَاء عدم الوصف المعلَّل به وأنَّ الحكم وُجِد -طريقُه أنَّ الوصف إذا أُلغِي بعدم تأثيره، كان عَدَمًا. واعلم أن قولنا: (ينتفي الحكم بانتفاء الوصف) [المراد] (٤) انتفاء عِلمه أو الظن به كما أشار إليه ابن الحاجب وغيره، لا انتفاء نفس الحكم؛ لأنه لا يَلزم مِن انتفاء الدليل على

стр. 2006

الصانع انتفاؤه، بل انتفاء العلم به فقط. وهو معنى قولي في النَّظم: (إنْ عُلِمَا أَوْ ظُنَّ). أي: عُلم ذلك الانتفاء أو ظُن، لا انتفاء نفس الحكم. ثُمَّ إذا انتفى الحكم -أَيِ العِلم به أو الظن- فإما بأنْ لا يكون له حُكم أو بأنْ يكون بإبدال حُكم بضده. والثاني أبلغ، وإليه أشرتُ بقولي في النَّظم: (وَالْإبْدَالُ أَوْلَى)، وشاهده حديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ فقال النبي ﷺ : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فقالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال، يؤجَر" (١). فجعل النبي ﷺ ضد حُكم الوطء المباح -وهو الإثم- في الوطء الحرام الذي هو ضد الوطء المباح، [لافتراقهما] (٢) في عِلة الحكم وهو كون هذا مباحًا وذلك حرامًا. ويدخل مثل هذا فيما يُسمى بـ "قياس العكس" كما سبق بيانه في تعريف القياس في باب الأدلة وأمثلة ذلك والاختلاف في كونه قياسًا أو مِن قبيل التلازم، فليراجَع. ومما يمثَّل به أيضًا أنْ يقول الحنفي في القتل بالمُثقل: لَمَّا لم يجب القتل بصغير المثقل، لَمْ يجب بكبيره؛ بدليل عكسه، فإنه لَمَّا وجب القصاص بكبير الجارح، وجب بصغيره. فالعكس بهذا المعنى لا يُشترط اتفاقًا؛ لجواز أنْ يوجب الشارع القصاص بكل جارح ويَخُص القصاص في المثقل بالكبير. تنبيه: قال إمام الحرمين في التدريس: إنَّ الذين يشترطون العكس في العلة اختلفوا: فمنهم مَن

стр. 2007

قال: لا بُد مِن عكس على العموم كما شرطنا الاطِّراد عمومًا. وقال الأستاذ أبو إسحاق: يُكتفى بالعكس ولو في صورة واحدة. قلتُ: ولكن الأول هو الأظهر. والله أعلم. ص: ٨٥٩ - وَ"عَدَمُ التَّاْثِيرِ": كَوْنُ الْوَصْفِ ... غَيْرَ مُنَاسِبٍ؛ فَلَيْسَ يَكْفِي ٨٦٠ - لِذَاكَ خُصَّ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى ... وَمَا لَهُ اسْتِنْبَاطُ وَصْفٍ يُعْنَى ٨٦١ - عِنْدَ اخْتِلَافٍ، وَلَهُ أَقْسَامُ ... وَمُثُلٌ يُدْرَى بِهَا الْمَرَامُ الشرح: أيْ: ومن القوادح في العلة "عدم التأثير"، كأنْ يقول المعترِض: هذا الوصف الذي عُلِّل به غير مناسب للتعليل؛ لكونه طرديًّا، أو لاختلال شرط من شروط العِلة فيه؛ فلا يُكتفَى به في التعليل. ووجْه تسميته بذلك أن المراد بالتأثير هنا اقتضاؤه ذلك إما بمعنى المُعَرِّف أو المؤثِّر على ما سبق مِن الخلاف. فإذا لم يُفِد أثرًا، فلا تأثير له. وسبق أنَّ البيضاوي عرَّفه -تبعًا لإمامه- بثبوت الحكم بدون الوصف في ذلك الأصل بخصوصه، بخلاف "عدم العكس"، فإنه في صورة أخرى. لكن تعريفه بما ذكرناه أَعَم مِن هذا التفسير؛ لأنَّ تفسيرنا أنْ يوجد الوصف ولكنه غير مناسب، سواء وُجِد الحكم أو لم يوجد. مع أنَّ الحكم إذا وُجِد، قد لا يوجد معه الوصف. وينبني على التعريفين بيان ما يقدح فيه مِن العلل. فَعَلى تفسيرنا لا يكون قادحًا إلا في قياس المعنى دُون الشبه والطرد، وأنْ لا يكون إلا في العلة المستنبَطة المختلَف فيها دُون

стр. 2008

المنصوصة أو المستنبطة المُجْمَع عليها. نعم، سيأتي في أقسامه ما له فائدة في الجملة، فلا يكون "عدم التأثير" في أصل الحكم فيه قادحًا. ويأتي بيان ذلك موضحًا، وإلى ذلك أشرتُ بقولي: (لَهُ أَقْسَامُ وَمُثُلٌ يُدْرَى بِهَا الْمَرَامُ)، أي: المقصود. وإنما لم أذكرها في النَّظم لقصد الاختصار. فأقسام "عدم التأثير" أربعة: - ما لا تأثير له أصلًا. - وما لا تأثير له في حُكم ذلك الأصل. - وما اشتمل على قيد لا تأثير له. - وما لا يظهر فيه شيء مِن ذلك ولكن لا يطرد في محل النزاع؛ فيُعْلَم مِن ذلك عدم تأثيره. ولكل قِسم اسم يُعْرَف به. فالأول: عدم التأثير في [ذات] (١) الوصف. أي: لا تأثير له أصلًا؛ بِكونه طَرْدِيَّا كما سبق في مثال: (الصبح صلاة لا تُقصر؛ فلا يُقَدَّم أذانها). ويرجع حاصله إلى المطالبة بصلاحية كَوْنه عِلة. الثاني: له تأثير لكن لا في [حُكم] (٢) الأصل، كما سبق في مثال بيع الغائب: مبيع غير مرئي؛ فلا يصح، كالطير في الهواء. فيعارَض بأنَّ العلة العجز عن التسليم.

стр. 2009

وَيرجع حاصله إلى معارَضة بِعِلة أخرى. نعم، هذا المثال قرره القاضي أبو الطيب في "تعليقته" في الكلام على بيع الغائب بتقرير آخَر. فقال: لنا: أنه باع عَيْنًا لَمْ يَرَ منها شيئًا؛ فلا يصح، كما لو باع النوى في التمر. قال: فإنْ قيل: قولكم: "لم ير منها شيئًا" لا تأثير له في الأصل؛ لأنَّ بعض النوى إذا كان ظاهرًا نراه وبعضه غير ظاهر فإنَّ البيع لا يصح. فالجواب: أنه ليس مِن شرط التأثير أن يكون موجودًا في كل موضع، وإنما يكون وجود التأثير في موضع واحد، وتأثيره في بيع البطيخ واللوز، فإنه يرى بعضها ويكون بيعها صحيحًا. وقال الإمام في "البرهان": (عدم التأثير في الأصل هو تقييد عِلة الأصل بوصف لا أثَر لأجله في الأصل. كقول الشافعي في منع نكاح الأَمة الكتابية: أَمة كافرة؛ فلا تُنكح، كالأَمة المجوسية. فلا أثر للرق في الأصل). قال: (والمحققون على فساد العلة بذلك، وقيل بصحتها؛ إذْ للرق على الجملة أثر للمنع، وشبهه بالشاهد الثالث المستظهَر به. وهو ضعيف؛ إذِ الثالث متهيئ لوقوعه ركنًا عند تَعذُّر أحد الشاهدين، بخلاف الرق). ثم قال الإمام: (إنَّ ذلك الوصف إذا لم يكن له أثر ولا غرض فيه، فهو لَغْو، ولا تبطل العلة؛ لاستقلالها مع حذف القيد) (١). الثالث: أنْ يكون في جملة ما عُلِّل به قيد لا تأثير له في حُكم الأصل الذي قد عُلِّل به،

стр. 2010

وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أنْ لا فائدة لِذِكره أصلًا، كقولهم في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا في دار الحرب، فلا ضمان عليهم، كالحربي. فقَيْد "دار الحرب" طَرْدي لا فائدة في ذِكره؛ فإنَّ مَن أَوْجَب الضمان أوجَبه مطلقًا، ومَن نفاه نفاه مطلقًا. فيرجع إلى ما رجع إليه القِسم الأول، وهو المطالبة بتأثير كَوْنه في دار الحرب. ثانيها: لا تأثير لذلك القيد، ولكن له فائدة في القياس، كما يقال في اشتراط العَدد في الحجر المُسْتَنْجَى به: عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية؛ فاعتُبِر فيها العَدد، كرمي الجِمار. فقَيْد: "لم يتقدمها معصية" لا تأثير له، لكن لِذكره فائدة؛ إذْ لو حذفه لانتقضت عِلته بالرجم. وهذا أيضًا راجع للأول كالذي قبله. ثالثها: له فائدة لكن المعَلِّل لا يضطر إليه في ذلك القياس؛ ولهذا يُسمى "الحشو". كما لو قيل في أن الجمعة تصح بغير إذن الإمام: (صلاة مفروضة؛ فلم تفتقر إقامتها إلى إذنه، كالظهر). فذِكر الفَرْض لا فائدة فيه؛ لأنَّ النفل كذلك. وإنما ذكر لتقريب الفرع مِن الأصل وتقوية الشَّبه بينهما؛ إذ الفرض بالفرض أَشْبَه مِن غيره. الرابع: ما له تأثير لكن لا يطرد في ذلك الفرع ونحوه مِن محال النزاع. كقولنا في ولاية المرأة: زوَّجَت نفسها مِن غير كُفء؛ فلا يصح، كما لو زُوِّجَت مِن غير كُفء. فالتزويج مِن غير كفء -وإنْ ناسب البطلان- إلا أنه لا اطراد له في صورة النزاع التي هي تزويجها نفسها مطلقًا؛ فبَانَ أنَّ الوصف لا أثر له في الفرع المتنازَع فيه. وحاصل هذا أنه كالثاني مِن حيث إنَّ حُكم الفرع هنا مضاف إلى غير الوصف المذكور. كذا قاله ابن الحاجب في "مختصره" الصغير، وتبعه في "جمع الجوامع"، لكنه قال في الكبير: إنه كالثالث. وقيل: إنه الصواب.

стр. 2011

واعْلَم أنَّ هذا القسم كيف كان مبني على قبول الفرض، مَن قبله رَدَّ هذا، ومَن منعه قَبِل هذا. كما لو قال المسئول عن [نفود] (١) عتق الراهن: (أفرض الكلام في المعسِر)، أو عن مَن زوجت نفسها: (أفرض فيمن [زوجت] (٢) مِن غير كُفء). فإذا خَصَّ المستدِل تزويجها نفسها مِن غير الكُفء بالدليل، فقد فرض دليله في بعض صوَر النزاع. وحاصل الخلاف في الفرض مذاهب: أحدها: المنع. وبه قال ابن فورك بشرط أن يكون الدليل عامًّا لجميع مواقع النزاع؛ ليكون دفعًا لاعتراض الخصم مطابقًا للسؤال. الثاني: وبه قال الجمهور: الجواز؛ لأنه قد لا يساعده الدليل على الكل، أو يساعده غَيْر أنه لا يَقْدر على دَفْع كلام الخصم، بأنْ يكون كلامه في بعض الصوَر أشكل، فيستفيد بالفرض غرضًا صحيحًا. ولا يفسد بذلك جوابه؛ لأنَّ مَن سأل عن الكل فَقَدْ سأل عن البعض. الثالث: وبه قال ابن الحاجب: إنْ كان الوصف المجعول في الفرض طردًا فمردود، وإلا فمقبول. وقال ابن التلمساني: الوجه أنْ يقال: قد يستفاد بالفرض تضييق مجاري الاعتراض على الخصم -وهو مِن مقصود الجدل- أو وضوح التقرير. ولهذا المعنى عدل الخليل ﵊ في تقرير الاستدلال على النمرود بالأثَر على المؤثِّر إلى الأوضح عند النمرود بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية.

стр. 2012

والرابع: أنه يجوز بشرط البناء. أي: بناء ما خرج عن محل الفرض [على] (١) محل الفرض. ثُم اختُلف في طريق البناء، فقيل: يكفي أن يقول: ثبت الحكم في بعض الصوَر؛ فيَلزم القول بثبوته في الباقي؛ ضرورة أنْ لا قائل بالفَرْق. وقيل: لا يكفيه ذلك، بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض بجامع صحيح كما هو قاعدة القياس. وقيل: إنْ كان الفرض في صورة السؤال فلا يحتاج إلى البناء. وإنْ عدل [في] (٢) الفرض إلى غير محل السؤال فلا بُدَّ حينئذٍ من بناء السؤال على محل الفرض بطريق القياس. والله أعلم. ص: ٨٦٢ - وَ"الْقَلْبُ": دَعْوَى مَا بِهِ اسْتُدِلَّا ... عَلَيْهِ أَوْ لنَا مَعًا قَدْ دَلَّا ٨٦٣ - إمَّا بِتَصْحِيحِ مَقُولِ الْمُعْتَرِضْ ... أَوْ لَا، بَلِ الْإبْطَالُ فِيهِ يَعْتَرِضْ ٨٦٤ - وَمنْهُ مَا "قَلْبَ الْمُسَاوِي" يُسْمَى ... يُنْفَى بِهِ مَعَ اسْتِوَاءٍ حُكْمَا الشرح: أي: مِن القوادح أيضًا "القَلْب"، وهو: - إمَّا الخاص بباب القياس، وهو الذي تعرَّض له البيضاوي وغيره هنا؛ لأنَّ كلامهم

стр. 2013

في القياس، فعرَّفوه بِـ "أنْ يربط المعترض خِلاف قول المستدل على عِلَّته التي ذكرها إلحاقًا بالأصل الذي جعله مَقِيسًا عليه". - وإمَّا الأَعَم مما يُعترض به على القياس وعلى غيره مِن الأدلة، وهو ما ذكرته في النَّظم: أنْ يدَّعي المعترِض أنَّ ما استدل به في المسألة على ذلك الوجه دليلٌ عليه لا في غير تلك المسألة ولا مِن غير ذلك الوجه. وذلك مفهوم من قولي: (مَا بِهِ اسْتُدِلَّا)، فيخرج عنه ما لو كان ذلك في مسألة أخرى أو في المسألة لكنِ من غير ذلك الوجه، كأنْ يكون للمستدل مِن طريق الحقيقة فيستدل به المعترِض مِن طريق المجاز. وهو ضربان؛ لأنَّ ما يأتي به المعترِض إما أن يكون دليلًا على المستدِل، لا لَهُ، وإما أنْ يدل لكل منهما، لا للمستدِل وحده. وهو معنى قولي: (عَلَيْهِ أَوْ لَنَا مَعًا). أي: أو يقول المعترِض: هذا دليل لي ولك، فهو لنا معًا. قال الآمدي: والأول قَلَّ ما يتفق له مثال في الأقيسة. ومثاله من النصوص: استدلال الحنفي في توريث الخال بقوله ﷺ : "الخال وارث مَن لا وارث له" (١). فيقول المعترِض: هذا يدل عليك، لا لك؛ إذ معناه نَفْي توريث الخال بطريق المبالغة، أي: الخال لا يرث. كما يقال: الجوع زاد مَن لا زاد له، والصبر حيلة مَن لا حيلة له. أي: ليس الجوع زادًا ولا الصبر حيلةً. ثم ينقسم "القلب" مِن وَجْه آخَر إلى ثلاثة أقسام:

стр. 2014

أحدها: أن يدل على تصحيح مذهب المعترِض مِن غير تَعَرُّض لإبطال مذهب المستدِل. والثاني: أن يكون لإبطال قول المستدِل صريحًا. والثالث: أن يكون لإبطاله ضمنًا، لا صريحًا. فأما الأول: فكاستدلال الحنفية على اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف بقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص؛ فلا يكون مُجَرَّده قُربة، كالوقوف بعرفة، فإنه إنما صار قُربة بانضمام عبادة أخرى إليه وهو الإحرام. فيقول الشافعي: لبث مخصوص؛ فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بعرفة. وأما الثاني: فكما يقولون: مسح الرأس ركن مِن أركان الوضوء؛ فلا يكفي فيه أَقل ما ينطلق عليه الاسم؛ قياسًا على الوجه. فيقول الشافعي: مسح الرأس ركن مِن أركان الوضوء؛ فلا يُقَدَّر بالربع، كالوجه. ففيه نفى مذهب المستدِل صريحًا، ولم يُثْبت مذهبه؛ لاحتمال أنْ يكون الحقُّ هو الاستيعاب كما هو قول مالك. وأما الثالث: فكقولهم في بيع الغائب: عقد معاوضة؛ فيصح مع عدم الرؤية للمعقود عليه، قياسًا على النكاح. فيقول الشافعي: عقد معاوضة؛ فلا يثبت فيه خيار الرؤية، كالنكاح. فثبوت خيار الرؤية لازِم لصحة بيع الغائب عندهم، وإذا انتفى اللازم، انتفى الملزوم. وهذان داخلان في قولي: (أَوْ لَا، بَلِ الْإبْطَالُ فِيهِ يَعْتَرِضْ)، فإنه يشمل الإبطال بالتصريح وبالتضمن. وقولي: (وَمِنْهُ مَا "قَلْبَ الْمُسَاوِي" يُسْمَى) هو بنَصب "قلب" مفعولا ثانيًا لِـ "يُسمى"، قُدِّم على العامل. والإشارة بذلك إلى أن مِن "القلب" نوعًا يسمى "قلب المساواة"، وهو أنْ

стр. 2015

يَكون في الأصل قِسمان: أحدهما: مُنْتَفٍ في الفرع باتفاق الخصمين. والآخَر: متنازَع فيه بينهما. فإذا أراد أنْ يثبته في الفرع قياسًا على الأصل، فيقول المعترِض في التسوية بينهما في الفرع؛ بالقياس على الأصل. ويَلْزَم مِن وجود التسوية في الفرع عدمُ ثبوته فيه. وهو معنى قولي: (يُنْفَى بِهِ مَعَ اسْتِوَاءٍ حُكْمَا). وذلك كقولهم في نية الوضوء: طهارة بالماء؛ فلا يفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة. تنبيهات الأول: "القلب" يتضمن أن دليل المستدِل صح ولكنه دليل عليه كما قررناه، لكن صحته إنما هي على تقدير التسليم، وهذا مأخوذ من تسمية "القلب" معارضة، فإنَّ المعارَضة لا تُفْسِد العلة، بل تمنع مِن التعلق بها إلى أنْ يثبت رجحانها مِن خارج. وفي قول: إنَّ "القلب" تسليم للصحة مطلقًا. وهذا مأخوذ مِن قول بعض أصحابنا: القلب شاهد زور، كما يشهد لك يشهد عليك. وهذا نظير قول ابن السمعاني في توجيه سؤال القلب: (إنه يُعَلق على العلة ضد ما عَلَّقه المستدل مِن الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أَوْلى مِن الآخَر، ويبطل تعلقهما بها). كذا قرره السبكي، وأنَّ الأقوال مستخرجة مِن ذلك. لكن قال الإمام في "البرهان": (ذهب ذاهبون إلى رَدِّه؛ لكون ما جاء به القالب ليس مناقضًا لِما صرَّح به المعلِّل، بل هو كالمعارضة [الحائدة] (١). وذهب ذاهبون إلى قبوله؛

стр. 2016

[لكون] (١) العلة وقلبها يشتمل على حُكمين يستحيل الجمع بينهما، فهو مناقض للمقصود) (٢). قال: ولا يمكن القالب أن يعتقد صحة قلبه لكون قياس [المعلل] (٣) قلبًا له، بل هو عنده من باب معارضة الفاسد بالفاسد، بخلاف المعارضة، إذ قد تكون صحيحة؛ لترجيحها على قياس المعلل. نعم، نازعه بعضهم في ذلك، وقال: ربما كان القلب أرجح من قياس المعلل، فيكون صحيحا، فهو كالمعارضة. وقد أشار الإمام فيما بعد إلى ذلك. وقال النيلي في "جدله": (القسم الأول من "القلب" -وهو ما يدل على المستدِل لا لَهُ- مِن قبيل الاعتراضات، ولا يتجه في قبوله خلاف. وأما الثاني: وهو ما يدل على المستدِل مِن وَجْه آخَر -كمثال الاعتكاف ومسح الرأس وبيع الغائب- فاختلفوا فيه هل هو اعتراض؟ أو معارضة موجودة فيه؟ وذكر لهذا الخلاف فوائد، منها: إذا قيل: معارضة، جازت الزيادة في علته، كقوله في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبيد؛ فلا ينعقد؛ قياسًا على خيار الرؤية، كالنكاح. وإنْ قيل: اعتراض، لَمْ تَجُز الزيادة). انتهى والفرق بين "المعارضة" و"الاعتراض" أنَّ "المعارضة" كدليل مستقل، فلا يتقدر بدليل المستدِل. و"الاعتراض" مَنعٌ، فتمتنع الزيادة عليه؛ لئلَّا يكون كذبًا على المستدِل؛ حيث يُقَوِّله ما لم يَقُل.

стр. 2017

ومنها: إنْ قلنا: معارضة، جاز قَلْبه مِن المستدِل كما تُعارِض العلة كما سبق في مثال بيع الفضولي. ومَن قال: إنه اعتراض، لَمْ يُجِز ذلك؛ لأنه منع، والمنع لا يمنع. ومنها: إنْ قُلنا: معارضة، جاز أنْ يتأخر عن المعارضة؛ لأنه كالجزء منها. وإنْ قُلنا: اعتراض، لَمْ يَجُز، ووجب تقديمه عليها؛ لأنَّ المنع مُقَدَّم على المعارَضة. ومنها: إنْ قُلنا: معارضة، قَبِلْنا منه الترجيح. وإنْ قلنا: اعتراض، فلا؛ لأنَّ المعارضة تَقبل الترجيح كالدليل المبتدأ، والمنع لا يَقبل الترجيح. الثاني: أنَّ قلب المساواة قد اختلف في قبوله بالخصوص. فقال بقبوله الأكثرون، كالأستاذ وإمام الحرمين والشيخ أبي إسحاق. وقال بردِّه القاضي وابن السمعاني وطائفة ممن قبل أصل القلب لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، فإنَّ الحاصل في الأصل نَفْي وفي الفرع إثبات؛ ولهذا المستدِل يعتبر الوصفين في الأصل، والمعترِض لا [يعتبرهما] (١) بمقتضَى القلب. وُيرجِّح قول الأكثر أنَّ القياس على الأصل إنما هو عند عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة وفي الفرع عدمها؛ إذ هذا الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جُعِل جامِعًا. هذا ما حرره شيخنا أبو عبد الله الزركشي في "شرح جمع الجوامع"، وهو نفيس؛ فلذلك اقتصرتُ على ذِكره.

стр. 2018

الثالث: جعل بعضهم مِن أقسام "القلب" ما يكون فيه تصحيح مذهب المعترِض مع إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو بغير تصريح. فالأول: كما يقال في بيع الفضولي: عقد في حق الغير بلا ولاية؛ فلا يصح، كالشراء له. فيقول المعترِض: تَصرُّف في مال الغير بلا ولاية؛ فيصح، كالشراء للغير، فإنه يصح للمشترِي وإنْ لم يصح لمن اشترى له. والثاني: كقول الحنفي في الصوم في الاعتكاف: لبث في محل مخصوص؛ فلا يكون قُربة بنفسه، كالوقوف بعرفة. وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكن لم يتمكن مِن التصريح به؛ لأنه لا أصل له يقيسه عليه. فيقول الشافعي للمعترض: لبث في محل مخصوص؛ فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بعرفة. فقد تَعرَّض للعلة بتصريحه بنقيض المقصود. نعم، قال إمام الحرمين في هذا المثال: إن الصوم عبادة مستقلة، فكونه شرطًا بعيد. وانتُقِد عليه بأنه لا بُعد؛ فإنَّ الإيمان عبادة في نفسه، وهو شرط في العبادات. والفرق بين هذين القِسمين والقِسمين السابقين مِن الثلاثة المذكورة قبل التنبيهات: أنَّ ذينك قصد فيهما إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو ضمنًا فقط، وهذان قصد فيهما تصحيح مذهب المعترِض ومعه إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو بلا تصريح كما هو ظاهر لمن تأمله؛ فلذلك جمع في "جمع الجوامع" الأقسام الأربعة كما ذكرناه. والله أعلم.

стр. 2019

ص: ٨٦٥ - وَ"الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ": أَنْ يُسَلَّمَا ... دَلِيلُهُ، وَمَا النِّزَاعُ انْعَدَمَا الشرح: أي: ومن القوادح "القول بالموجَب" بفتح الجيم، وهو تسليم الدليل (أي: مُقتضَى الدليل) مع بقاء النزاع. ولا يختص بالقياس كما يوهمه تفسير الإمام الرازي بأنه: "تسليم ما جعله المستدِل موجَب العِلة". فلذلك فسرته بهذا المعنى العام الذي يشمل القياس وغيره. وشاهِد ذلك مِن القرآن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] جوابًا لقول عبد الله بن أبي سلول أو غيره ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فإنه لَمَّا ذكر صفة -وهي العزة- وأثبت بها حُكمًا وهو الإخراج مِن المدينة، ردَّ عليه بأنَّ تلك الصفة ثابتة لكن لغير مَن أراد ثبوتها له، فإنها ثابتة لغيره، باقية على اقتضائها للحُكم وهو الإخراج، فالعزة موجودة لكن لا له، بل لله ولرسوله وللمؤمنين. ومن أمثلته أيضًا قول بعضهم: وإخوان حَسبْتُهُم درُوعا ... فكانُوها ولكن لِلأَعَادِي وخِلْتُهم سهامًا صائبات ... فكانُوها ولكن في فؤادِي وقالوا: قد صَفَتْ مِنَّا قلوب ... لقد صدقوا ولكن مِن ودادِي وقول الآخر: قلتُ: ثَقلتُ إذْ أتيتُ مرارا ... قال: ثقلتَ كاهلي بالأيادي وهو نوع مِن بديع الكلام.

стр. 2020

ووروده في الأدلة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يستنتج من الدليل ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه. مثل أنْ يقول في المثقل: قتل بما يَقْتل غالبًا؛ فلا ينافي وجوب القصاص، كالإحراق. فيقول المعترِض: عدم المنافاة ليس محل النزاع ولا يقتضيه، وأنا أقول بذلك أيضًا، ولا يكون ذلك دليلًا عَلَيَّ في محل النزاع الذي هو وجوب القصاص وهو ليس عدم المنافاة ولا ملازمه. الثاني: أنْ يستنتج منه إبطال ما يتوهم أنه مَأْخَذ مذهب الخصم. كقولنا في القتل بالمثقل أيضًا: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوَسَّل إليه. فيقول الخصم: أنا أقول بموجَب ذلك وهو التفاوت في الوسيلة، ولكن لا يَلْزَم مِن ذلك وجوب القصاص الذي هو محل النزاع؛ إذ لا يَلزم مِن إبطال كَوْن التفاوت في الوسيلة مانعًا انتفاءُ كل مانع ووجود الشرائط، فيجوز أنْ لا يجب القصاص؛ لِمانع آخَر أو لِفوات شرط أو لِعدم المقتضِي. والصحيح أنَّ المعترض إذا قال: ليس هذا مَأْخَذِي، يُصَدَّق؛ لأنه أَعْرَف بمذهبه. وقيل: لا يُصَدق إلا ببيان مَأْخَذ آخَر؛ إذ ربما كان ذلك مأخذه ولكنه مُعانِد. ورُدَّ بأنه لو أوجبنا عليه ذِكر المأخذ فإنْ مَكَنَّا المستدِل من إبطاله، لَزِمَ قَلْبُ المستدِل معترِضًا والمعترض مستدِلًّا. وإنْ لم نمكنه فلا فائدة في إبداء المأخذ؛ لإمكان ادِّعائه ما لا

стр. 2021

يَصْلُح؛ ترويجًا لكلامه. قال ابن الحاجب: (وأكثر القول بالموجَب هذا القِسم) (١). أي: الذي يستنتج فيه إبطال ما يتوهم أنه مأخذ الخصم ولم يكن كذلك. وإنما كان هذا أكثر لخفاء المآخِذ وقلَّة العارفين بها والمطَّلِعين على أسرارها، بخلاف محَالّ الخلاف، فإنَّ ذلك مشهور، فكَم مَن يَعرف محل الخلاف ولكن لا يَعْرف المأخذ. وهذان المثالان فيما إذا كان ذلك في جانب النفي، ولكن قد يكون ذلك في إثبات، نحو: الخيل يُسابَق عليها؛ فتجب فيها الزكاة، كالإبل. فنقول بالموجَب لكن زكاة التجارة، والنزاع في زكاة العين. ودليلكم إنما أنتج الزكاة في الجملة. فإنِ ادَّعى أنه إنما أراد زكاة العين، فليس هذا قولًا بالموجَب. فيقال: العبرة بدلالة اللفظ، لا بقرينته. كذا أجاب الهندي. ولكن قد يقال: إذا كانت اللام للعهد، فالعهد مُقَدَّم على الجنس والعموم. ثُم العلة ليست مناسبة لزكاة التجارة، إنما المناسب المقتضي هو النماء الحاصل. الثالث: أن يكون دليل المستدِل مقتصرًا فيه على المقدمة الكبرى مسكوتًا عن الصغرى. فيرد القول بالموجب من أجل حذفها. مثل أنْ يقول الشافعي في وجوب نية الوضوء: كُلما ثبت أنه قُربة، اشتُرِط فيه النية، كالصلاة. وَيسكت عن قوله: الوضوء قُربة.

стр. 2022

فإذا اعتُرض بالقول بالموجب، يقال: هذا مُسلَّم، ولكن مِن أين يَلزم اشتراط النية في الوضوء؟ وإنما ورد هذا لكون الصغرى محذوفة. فلو ذُكِرَت، لَمْ يَتَوَجَّه له اعتراض بالقول بالموجَب، وإنما يَرِد الاعتراض بالمنع للصغرى، بأنْ يقال: لا نُسلِّم أن الوضوء قُربة. نعم، يُشترط في الصغرى أن تكون غير مشهورة. أما لو كانت مشهورة فإنها تكون كالمذكورة، فيُمنَع ولا يؤتَى بالقول بالموجَب. تنبيهات الأول: قال الجدليون: إنَّ في القول بالموجَب انقطاعًا لأحد المتناظرين؛ لأنَّ المستدِل إنْ أثبت ما ادَّعاه، انقطع المعترِض. وما قالوه صحيح في القِسمين الأولَين كما عُرف، وبعيد في القسم الثالث؛ لاختلاف المرادين؛ لأنَّ مُراد المستدِل أنَّ الصغرى وإنْ كانت محذوفة لفظًا فإنها مذكورة تقديرًا، والمجموع يفيد المطلوب. ومراد المعترض أن المذكور لمَّا كان الكبرى وحدها وهِيَ لا تفيد المطلوب، تَوَجَّه الاعتراض. الثاني: جواب القِسم الأول بأنه محل النزاع أو مُستلزِم لمحل النزاع. كما لو قال شافعي: لا يجوز قتل المسلم بالذمي؛ قياسًا على الحربي. فيقال بالموجَب؛ لأنه يجب قتله به. وقولكم: (لا يجوز) نفي للإباحة التي معناها استواء الطرفين، ونفيُها ليس نَفْيًا للوجوب ولا مُستلزِمًا له. فيقول الشافعي: المَعْنِي بِـ "لا يجوز" تحريمه، ويَلْزم مِن ثبوت التحريم نفيُ الوجوب؛ لاستحالة الجمع بين الوجوب والتحريم.

стр. 2023

وعن الثاني: بأنْ يبين في المستنتج أنه المأخذ بالنقل عن أئمة المذهب. وعن الثالث: بأنَّ الحذف لإحدى المقدمتين سائغٌ عند العِلم بالمحذوف، والمحذوف مراد ومعلوم؛ فلا يضر حذفُه. والدليل هو المجموع، لا المذكور وحده. وكُتب الفقه مشحونة بذلك، بل لا يكاد يوجد ذِكر المقدمتين في قياس إلا نادرًا؛ قَصْدًا للاختصار [أو] (١) للاشتهار أو للقرينة. الثالث: كون القول بالموجَب قادحًا في العِلة ذكره الآمدي والهندي، ووجَّهوه بأنه إذا كان فيه تسليم موجَب ما ذكره المستدِل مِن الدليل وأنه لا يرفع الخلاف، عَلِمْنَا أنَّ ما ذكره ليس بدليل للحكم. ونازع القاضي تاج الدين السبكي في ذلك في "شرح المنهاج"، وقال: (إنَّ هذا يُخرج لفظ "القول بالموجَب" عن إجرائه على قضيته، بل الحق أنَّ القول بالموجَب تسليمٌ له، وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين، وإليهم المرجع في ذلك. وحينئذٍ لا يتجه عَدُّه مِن مُبْطِلات العِلة) (٢). انتهى وبذلك صرح أيضًا إمام الحرمين في "البرهان"، فقال: متى تحقق، انقطع المستدِل. وليس اعتراضًا في الحقيقة؛ لاتفاق الخصمين فيه على صحة العِلة. وقد سبق في التنبيه الأول أن الجدليين يقولون بأنَّ فيه انقطاعًا لأحد المتناظرين، فليراجَع. والله أعلم.

стр. 2024

ص: ٨٦٦ - وَ"الْقَدْحُ": أَنْ يُخْدَشَ في الْمُنَاسَبَهْ ... أَوْ كَوْنهِ أَفْضي إلَى مَا نَاسَبَهْ ٨٦٧ - أَوْ في انْضِبَاطٍ أَوْ ظُهُورٍ يُدَّعَى ... جَوَابُ كُلٍّ بِبيانِ الْمُدَّعَى الشرح: مِن القوادح في العِلِّيَّة أيضًا ما اشتهر بِاسْم "القدح"، وذكرت منه أربعة أنواع: أحدها: القدح في مناسَبة الوصف للحكم المستدَل عليه؛ لِمَا يَلْزَم فيه مِن مفسدة راجحة على المصلحة التي مِن أَجْلها قُضِيَ عليه بالمناسبة أو مساوية لها؛ وذلك لِمَا سبق مِن أنَّ المناسبة تنخرم بالمعارضة. وإنما أُعِيد ذلك هنا لأجْل التقسيم وبيان أن ذلك من جملة القوادح الواردة على المستدِل حتى يحتاج للجواب عنها بما سيأتي. الثاني: القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود، وهو المصلحة المقصودة مِن شَرْع الحكم. كما لو عَلل المستدِل حُرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء المؤدِّي إلى الفجور، فإذا تَأبَّد التحريم، انسَدَّ باب الطمع المفْضِي إلى مقدِّمات الهَمِّ والنظر المفْضِي إلى ذلك الفجور. فيقول المعترِض: بل سد باب النكاح أفْضَى إلى الفجور؛ لأنَّ النفس تميل إلى الممنوع، كما قال: والقلب يطلب من يجوز ويعتدي ... والنفس مائلة إلى الممنوع ولكل شيء تشتهيه طلاوة ... مدفوعة إلا عن المدفوع

стр. 2025

الثالث: القدح في أنَّ الوصف منضبط، بل هو مضطرب، كالتعليل بالحكمة. كالمشقة في القَصْر، والزَّجْر في التعزير، والحرج في الفطر، فإنها لا تتميز، وتختلف بالأشخاص والأحوال والزمان؛ فلا يمكن تعيين القَدْر المقصود منها. الرابع: القدح في كون الوصف ظاهرًا، بل هو خفي. كالرضا في العقود، والقصد في الأفعال الدالة على الإزهاق في وجوب القصاص؛ فإنَّ الحكم الشرعي خفي، والخفي لا يُعَرِّف الخفي. قولي: (جَوَابُ كُلٍّ بِبَيَانِ الْمُدَّعَى) إشارة إلى أنَّ طريق المستدِل في دفع كل واحد مِن هذه الأربعة ببيان ما ادَّعاه في كل منها. فأما الأول: فجوابه ببيان ترجيح تلك المصلحة التي في العِلة على تلك المفسدة التي يُعترَض بها تفصيلًا وإجمالًا. وأما الثاني: فجوابه تبيين أنَّ التأبيد يمنع عادةً مِن ذلك بانسداد باب الطمع؛ فيصير بتطاوُل الأمر وتماديه كالطبيعي بحيث لا يبقى المَحل مُشْتَهى، كالأُمهات. وأما الثالث: فجوابه ببيان أنه منضبط: - إما بنفسه، كما تقول في المشقة والمضرة: إنه منضبط عُرفًا؛ بِناء على جواز التعليل بالحكمة إذا انضبطت، وقد سبق بيان ذلك. - وإما بوصفه، بأنْ تكون العلة هي الوصف المنضبط المشتمل على الحكمة، كالمشقة في السفر، والزجر بالحد في الزنا بمائة جلدة والقذف بثمانين، ونحو ذلك. وأما الرابع: فجوابه بأنْ يُبين ظهوره بصفة ظاهرة، كضبط "الرِّضَا" بما يدل عليه مِن الصّيَغ، وضبط "العَمْد" بفعل يدل عليه عادةً، كاستعمال الجارح والمثقل أو غير ذلك مما هو مبسوط في محله من الفقه. والله أعلم.

стр. 2026

ص: ٨٦٨ - وَ"الْفَرْقُ": رَاجِعٌ إلَى مُعَارَضهْ ... في الْأَصْلِ أَوْ في الْفَرْعِ فِيمَا عَارَضَهْ ٨٦٩ - وَذَا بِإبْدَاءٍ لِمَعْنًى فَارِقِ ... بَيْنَهُمَا مُبَيِّنَ التَّفَارُقِ الشرح: أي: ومن القوادح أيضًا "الفرق"، وهو: إبداء المعترِض معنى يحصل به الفرق بين الأصل والفرع حتى لا يلحق به في حُكمه. وذلك بأحد طريقين: الأولى: أنْ يجعل المعترِض تَعَيُّن صورة الأصل المقِيس عليها هو العلة في الحكم. كقول شافعي في وجوب النية في الوضوء: طهارة عن حدث؛ فاعتُبرت فيه النية، كالتيمم. كما قال الشافعي ﵁: طهارتان، فأنَّى تفترقان؟ ! فيقول المعترِض بِالفَرْق: العِلة في الأصل كَوْن الطهارة بتراب، لا مُطلَق الطهارة. فذكر له خصوصية لا تعدوه، وهذا أَصْوب مِن قول بعضهم: إنَّ خصوصية كونها طهارة ضعيفة، فإنه يُرَدُّ بمشاركة وضوء دائم الحدث -كسلس البول والمذي- له في ذلك. وأيضًا: فضَعْف الطهارة ليس هو المقتضِي لوجوب النية؛ فإنَّ القائل بالنية في الوضوء يوجبها في هذا الوضوء وغيره. ونحو ذلك في قول الحنفي في التبييت: صوم عين؛ فيتأدَّى بالنية قبل الزوال، كالنفل. فيقال: صوم نفل؛ فيبنى على السهولة؛ فجازَ بِنِيَّة متأخرة، بخلاف الفرض. وبالجملة فهذا القسم راجع إلى مُعارَضة في الأصل، أي: معارَضة عِلة المستدِل فيه بعِلة أخرى، ولهذا بناه الجمهور -وجَرى عليه البيضاوي وغيرُه- على تعليل الحكم بِعِلَّتين فصاعدًا.

стр. 2027

ووجه البناء: أنَّ المعترِض عارَضَ عِلة المستدِل بِعِلة أخرى. فمَن منع التعليل بعلتين، رآه اعتراضًا؛ لِما يَلزم منه مِن تَعدُّد العِلل، وهو ممتنع عنده. ومَن لم يمنع، لم يَره سؤالًا قادحًا؛ لجواز كون الحكم له علتان. قال ابن السبكي: (وعندي أنه يبنى قبل ذلك على جواز التعليل [بالعلة القاصرة] (١)، فإنْ منع، فالفَرْق مردود. وكأنهم سكتوا عن هذا البناء؛ لضعف القول بمنع القاصرة. ثم إذا جَوَّزناه، احتمل أنْ يمنع هذا؛ لتغايُرهما قصورًا وتَعَدِّيًا، واحتمل أن يكون جائزًا؛ إذْ لا تنافي بينهما، وهذا أرجَح. وهو مقتضى كلام ابن السمعاني وغيره) (٢). الطريق الثاني: أن يجعل تَعَيُّن الفرع مانعًا مِن ثبوت حُكم الأصل فيه. كقولهم: يُقاد المسلم بالذمي، قياسًا على غير المسلم، بجامع القتل العمد المحض العدوان. فيقول المعترِض: إنَّ تَعَيُّن الفرع -وهو الإسلام- مانع مِن وجوب القصاص عليه. ولعله أيضًا مبني على جواز التعليل بالقاصرة، لكن بناه البيضاوي وغيره على أن النقض مع المانع هل يقدح؟ وقد سبقت المسألة.

стр. 2028

تنبيهات الأول: ذهب كثير من المتقدمين إلى أنه معارضة في الأصل والفرع معًا، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا. وذكر إمام الحرمين أنه وإن اشتمل على معارضة لكن ليس المقصود منه المعارضة، وإنما الغرض منه المناقضة للجمع. فالكلام في الفرق وراء المعارضة، وخاصته وسِره [فِقْه] (١) [يناقِض] (٢) أصل الجَمْع. وقد رده مَن يقبل المعارضة. وبالجملة ففي قبوله مذهبان: أحدهما: أنه مردود، فلا يكون قادحًا. وعزاه ابن السمعاني للمحققين، وقال: إنه ليس مما تمس العلة التي نَصبها المعلِّل بوجه ما. ووجَّهه غيره بأنَّ الوصف الواقع فرقًا إنِ استقل بالمناسَبة فهو عِلة أخرى، ولا تناقض بينهما. وإنْ لم يستقل بل كان يُكمل المصلحة، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، بل المستقل هو المعتبر. وأصحهما أنه مقبول؛ لأنه على أي وَجْه وَرَد يُوهن غرض المستدل مِن الجمع ويُبْطِل مقصوده. حتى إنَّ الشيخ أبا إسحاق ذكر في "الملخص" أنه أفقه شيء يجري في النظر، وبه يعرف فقه المسألة.

стр. 2029

وذكر إمام الحرمين أنه الذي عليه جماهير الفقهاء؛ لأنَّ شرط علة الخصم خلُوها مِن المعارِض. وزعم ابن السمعاني أنه عند المحققين أَضْعَف سؤال يُذكر، وليس مما تمس العلة التي نصبها العلل بوجه ما. وبالغ في الرد على الإمام. ولخص ذلك ابن السبكي في "شرح المختصر" بما فيه مقنع، فليراجَع منه. والحقُّ ما سبق أنه إذا كان معارَضة في الفرع فهو قادح؛ تفريعًا على سماع النقض وقَدْحه مطلقًا، وإنْ كان في الأصل فمبني على تَعدُّد العِلل. الثاني: اختُلف في أنه سؤال واحد؟ أو سؤالان؟ فقيل: واحد؛ لاتحاد المقصود منه وهو قطع الجمْع. فعَلَى هذا هو مقبول قطعًا. وقال ابن سريج: سؤالان؛ لاشتماله على معارضه عِلة الأصل بِعِلة، ثم على معارضة الفرع بِعلة مستنبطة في جانب الفرع. وحينئذٍ ففي قبوله خلاف، فالمنع؛ لجمعه بين أسئلة مختلفة المراتب، فإنه ينبغي أن يكون كل سؤال على حياله، والقبول وهو الأصح ولو كان فيه جمع سؤالين؛ لأنه اضبط للغرض وأَجْمَع لشعث الكلام. قال إمام الحرمين: (حاصل مذاهب الجدليين فيه ثلاثة: ردَّه؛ تفريعًا على رد المعارضة، وهو مذهب ساقط. وقول ابن سريج واختاره الأستاذ أبو إسحاق: أنه ليس سؤالًا، واحدًا، إنما هو معارضة معنى الأصل بمعنى، ومعارضة الفرع بِعلة مستقلة، ومعارضة العلة بِعلة [مقبول]) (١).

стр. 2030

قال: (والثالث المختار أنه مقبول مطلقًا، هو ما ارتضاه كلُّ مَن ينتمي إلى التحقيق) (١). فعُلم أنَّ القائل بأنه سؤالان لم يَقبله على أنه فرق، بل معارضة. الثالث: إذا قلنا: قادح، فقيل: يجب على الفارق نفيه عن الفرع؛ لأنَّ قصده افتراق صورتين. وقيل: لا يجب. وقيل بالتفصيل بين أن يصرح في أفراد الفرق بالافتراق بين الأصل والفرع فلا بُد من نفيه عنه، وإنْ لم يصرح بل قصد المعارضة ودليله غير تام فلا. وقال المقترح: إنه أقرب إلى الصواب. هذا إذا كان المقيس عليه واحدًا، فإنْ تَعدَّد، فقيل بالمنع؛ لإفضائه للانتشار مع إمكان حصول المقصود بواحد منها. وهو المختار ولو جاز تَعدُّد العِلل. وقيل: يجوز؛ لِما فيه من تكثير الأدلة، وهو أقوى في إفادة الظن. نعم، إذا فرَّعنا على جواز التعدد إذا فرق المعترض بين أصل واحد وبين الفرع، هل يكفيه ذلك؟ الأصح كما قاله الهندي: نعم؛ لأنَّ غرض المستدِل الإلحاق بالأصول كلها وإلا لم يعدده. والثاني: يحتاج أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد. وقال الهندي: (المختار إنْ كان غرض المستدل مِن الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان وغلبة الظن المخصوص، فالفرق المذكور قادح في غرضه ومُحَصِّل لغرض المعترِض. وإنْ كان غرضه إثبات أصل المطلوب أو إثباته برجحان فمهما بقي قياس واحد

стр. 2031

أو التزمه سليمًا عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه، ولا يحصل به غرض المستدِل) (١). الرابع: قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب "الفروق": (الفرق قسمان، أحدهما: بظاهر كتاب أو سُّنة، فيستغنى حينئذٍ عن المعنى، فلو كشف عن ذلك وفرق بالمعنى، كان زيادة بيان، وإنْ لم يوجد ذلك فلا يحتاج إليه. والثاني: الفرق بالمعنى إما فرق فصل أو فرق جمع) (٢). ثم مثَّل الفرق بالنَّص بالفرق بين تحريم المخابرة وجواز المساقاة بما قال الشافعي من أنَّ الفرق بينهما أنَّ النبي ﷺ نهي عن المخابرة وجوز المساقاة لأهل خيبر. قال: (ويمكن أن الإجارة أغنت عن المخابرة، وأما إجارة الأرض بما تقتضيه المساقاة فغير جائزة؛ فلهذا دعت الضرورة إلى المساقاة) (٣). انتهى فعُلِم منه أنه يجوز الفرق بالنص وأنَّ الشافعي ﵁ فرق به. والله تعالى أعلم. ص: ٨٧٠ - ثُمَّ "فَسَادُ الْوَضْعِ": أَنْ يُبَيَّنَا ... أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا ٨٧١ - بِوَضْعِهِ بِهَيْئةٍ صَالِحَةِ ... لِأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْمُثْبَتِ ٨٧٢ - كَالْأَخْذِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَغْلِيظِ ... وَوَاسعٍ مِنْ ضَيِّقٍ حَفِيظِ ٨٧٣ - وَمنْهُ مَا الْجَامِعُ فِيهِ اعْتُبِرَا ... بِنَصٍّ أوْ إجْمَاعٍ أنْ قَدْ أَثَّرَا

стр. 2032

الشرح: أي: ومن القوادح "فساد الوضع"، أي: بيان أن الدليل موضوع على غير هيئته التي يجب اعتبارها في ترتيب الحكم عليه واستنتاجه منه، وهذا ليس خاصًّا بالعلة، بل ولا بالقياس؛ فلذلك قلتُ: (أَنْ يُبَيّنا أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا) إلى آخره. أي: أُحْكِمَ. يقال: أتقن الشيء إتقانًا، أي: أَحْكَمَه. ورجل تِقْن -بكسر التاء وإسكان القاف- أي: حاذق. حتى يجري مثل ذلك في القياس المنطقي كما أشرنا إليه في المقدمة. والقصد هنا ما يتعلق بالقياس. وقولي: (كَالْأَخْذِ) إلى آخِره - مثالان لذلك: أحدهما: أنْ يؤخَذ التخفيف مِن محل التغليظ، كقول الحنفي: القتل العمد جناية عظيمة؛ فلا كفارة فيها، كسائر الكبائر مِن سُكْر وفِرار من الزحف ونحو ذلك. فيقول المعترِض: كَوْنه جناية عظيمة يناسب أنْ تجب الكفارة تغليظًا، لا تخفيفًا بإسقاطها. ثانيهما: أنْ يؤخذ التوسيع مِن التضييق، كقولهم في أنَّ الزكاة على التراخي: مال وجب لدفع الحاجة؛ فكان على التراخي، كالدية على العاقلة. فإنَّ كَوْنه لدفع الحاجة يناسب أنه على الفور، لا على التراخي. ونحو ذلك أن يؤخذ الإثبات مما يقتضي النفي، كأنْ يقال في المعاطاة في المحقرات: بيع لم يوجد فيه سوى الرضا؛ فوجب أن لا ينعقد، كما في غير المحقرات. فيُقال: حصول الرضا يناسب الانعقاد لا نَفْي الانعقاد؛ لقوله ﷺ : "إنما البيع عن

стр. 2033

تراض" (١). ومن "فساد الوضع" نوع آخَر وهو ما اقتصر عليه ابن الحاجب، وهو كون الجامع ثبت اعتباره بنَص أو إجماع في نقيض الحكم، كقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع: سبع ذو ناب؛ فكان سؤره نجسًا، كالكلب. فيقول المعترِض: علقت على العلة نقيض مقتضاها؛ لأنَّ كَوْنه سبعًا عِلة للطهارة؛ بدليل: أنه ﷺ دُعِي إلى دار قوم، فأجاب دُون دار آخَرين، فقال: "إن في دارهم كلبًا". فقيل له: وفي دار الذين أجبتهم هرة. فقال: "الهرة سبع" (٢). فكان نَصًّا على أنَّ كونه سبعًا عِلةٌ للطهارة، فكيف يعلل به النجاسة؟ ! كذا مثَّل به الشيخ أبو إسحاق في "الملخص"، ومثَّله ابن الحاجب على وَفْق مذهب المالكية في مسح الرأس في الوضوء ثلاثًا، فقال: (مسح؛ فيُسَن فيه التكرار، كالاستطابة). أي: كالاستنجاء بالحجر؛ لأنَّ التثليث فيه عندهم سُنة، وهو وَجْه عندنا. قال: (فيرد أنَّ المسح معتبر في كراهة التكرار على الخف).

стр. 2034

أي: فهو نقيض الحكم؛ إذْ لو كان المسح عليه لاستحباب التكرار، لَمَا علل به كراهة التكرار في الخف. وفيه نظر؛ لأنَّ [علة] (١) كراهة التكرار في الخف إنما هي الإتلاف، لا المسح. وأيضًا: فإنما كَوْنه عِلة لضد الحكم بالمناسبة، لا بالنَّص ولا بالإجماع. نعم، لم يمثل لصورة ثبوت الضد بالإجماع؛ ولذلك جعل الشيخ أبو إسحاق بدل الإجماع كَوْن الأصول تشهد لضد الحكم، وكذا إمام الحرمين كما مثَّلنا به في الكفارة في العمد، فرجع الكل إلى أمرين: أن يدل نَص على ترتيب ضد الحكم على ذلك الوصف، أو تدل الأصول بالمناسبة عليه. تنبيه: جواب هذا الاعتراض بتقرير المُدَّعَى، كأنْ يُقَرر في مثال التغليظ أنَّ للوصف جهتين، يناسب بإحداهما التغليظ وبالأخرى التخفيف، أو يبين أن الوصف ليس مُشْعرًا بنقيض الحكم المطلوب، أو يُسَلِّم ذلك ولكن يبين وجود مانع في أصل المعترِض. والله أعلم. ص: ٨٧٤ - أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ، أَمَّا الْمُسْمَى ... "فَسَادَ الِاعْتِبَارِ" فَهْوَ عَمَّا ٨٧٥ - مَا قَبْلَهُ؛ لِأنهُ مُخَالَفَهْ ... لِلنَّصِّ أَوْ إجْمَاعِهِمْ إذْ خَالَفَهْ الشرح: قولي: (أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ) متعلق بما قبله، أي: إنَّ [النص] (٢) والإجماع أثَّر في نقيض الحكم، وقد سبق تقرير ذلك.

стр. 2035

وقولي: (أَمَّا الْمُسْمَى) إلى أخِره فهو نوع آخَر مِن القوادح، وهو المسمى بِـ "فساد الاعتبار"، وهو كَوْن القياس مخالفًا للنص أو للإجماع، فإنَّ ذلك يدل على فساده كما سبق، سواء كان النص: - نَص القرآن، كما يقال في التبييت: صوم مفروض؛ فلا يصح بِنية من النهار، كالقضاء. فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أنَّ كلَّ صائم يحصل له أجر عظيم، وذلك يَستلزم الصحة. - أو كان النص سُنَّة، كما يقال: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد مشتمل على غرر، فلا يصح، كالسلم في المختلط. فيُقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة ما في السُّنة أنَّ رسول الله ﷺ رخص في السلم (١). أما مخالفة الإجماع فكقول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يُغسِّل امرأته؛ لأنه يَحْرُم النظر إليها، كالأجنبية. فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أنَّ عليًّا غَسَّل فاطمة. وفي حُكم مخالفة النص والإجماع أن يكون إحدى مقدمات القياس هي المخالِفة للنص أو الإجماع، ويُدَّعَى دخوله في إطلاق مخالفة النص أو الإجماع كما اكتفيتُ بذلك في النَّظم. وفي معنى ذلك أن يكون الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس، كإلحاق المصرَّاة بغيرها مِن العيب في حُكم الردِّ وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع؛ لأنَّ هذا القياس مخالف
следующие страницы →