أو التزمه سليمًا عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه، ولا يحصل به غرض المستدِل) (١).
الرابع:
قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب "الفروق": (الفرق قسمان، أحدهما: بظاهر كتاب أو سُّنة، فيستغنى حينئذٍ عن المعنى، فلو كشف عن ذلك وفرق بالمعنى، كان زيادة بيان، وإنْ لم يوجد ذلك فلا يحتاج إليه. والثاني: الفرق بالمعنى إما فرق فصل أو فرق جمع) (٢).
ثم مثَّل الفرق بالنَّص بالفرق بين تحريم المخابرة وجواز المساقاة بما قال الشافعي من أنَّ الفرق بينهما أنَّ النبي ﷺ نهي عن المخابرة وجوز المساقاة لأهل خيبر.
قال: (ويمكن أن الإجارة أغنت عن المخابرة، وأما إجارة الأرض بما تقتضيه المساقاة فغير جائزة؛ فلهذا دعت الضرورة إلى المساقاة) (٣). انتهى
فعُلِم منه أنه يجوز الفرق بالنص وأنَّ الشافعي ﵁ فرق به. والله تعالى أعلم.
ص:
٨٧٠ - ثُمَّ "فَسَادُ الْوَضْعِ": أَنْ يُبَيَّنَا ... أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا
٨٧١ - بِوَضْعِهِ بِهَيْئةٍ صَالِحَةِ ... لِأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْمُثْبَتِ
٨٧٢ - كَالْأَخْذِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَغْلِيظِ ... وَوَاسعٍ مِنْ ضَيِّقٍ حَفِيظِ
٨٧٣ - وَمنْهُ مَا الْجَامِعُ فِيهِ اعْتُبِرَا ... بِنَصٍّ أوْ إجْمَاعٍ أنْ قَدْ أَثَّرَا
стр. 2032
الشرح:
أي: ومن القوادح "فساد الوضع"، أي: بيان أن الدليل موضوع على غير هيئته التي يجب اعتبارها في ترتيب الحكم عليه واستنتاجه منه، وهذا ليس خاصًّا بالعلة، بل ولا بالقياس؛ فلذلك قلتُ: (أَنْ يُبَيّنا أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا) إلى آخره. أي: أُحْكِمَ. يقال: أتقن الشيء إتقانًا، أي: أَحْكَمَه. ورجل تِقْن -بكسر التاء وإسكان القاف- أي: حاذق. حتى يجري مثل ذلك في القياس المنطقي كما أشرنا إليه في المقدمة.
والقصد هنا ما يتعلق بالقياس.
وقولي: (كَالْأَخْذِ) إلى آخِره - مثالان لذلك:
أحدهما: أنْ يؤخَذ التخفيف مِن محل التغليظ، كقول الحنفي: القتل العمد جناية عظيمة؛ فلا كفارة فيها، كسائر الكبائر مِن سُكْر وفِرار من الزحف ونحو ذلك.
فيقول المعترِض: كَوْنه جناية عظيمة يناسب أنْ تجب الكفارة تغليظًا، لا تخفيفًا بإسقاطها.
ثانيهما: أنْ يؤخذ التوسيع مِن التضييق، كقولهم في أنَّ الزكاة على التراخي: مال وجب لدفع الحاجة؛ فكان على التراخي، كالدية على العاقلة.
فإنَّ كَوْنه لدفع الحاجة يناسب أنه على الفور، لا على التراخي.
ونحو ذلك أن يؤخذ الإثبات مما يقتضي النفي، كأنْ يقال في المعاطاة في المحقرات: بيع لم يوجد فيه سوى الرضا؛ فوجب أن لا ينعقد، كما في غير المحقرات.
فيُقال: حصول الرضا يناسب الانعقاد لا نَفْي الانعقاد؛ لقوله ﷺ : "إنما البيع عن
стр. 2033
تراض" (١).
ومن "فساد الوضع" نوع آخَر وهو ما اقتصر عليه ابن الحاجب، وهو كون الجامع ثبت اعتباره بنَص أو إجماع في نقيض الحكم، كقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع: سبع ذو ناب؛ فكان سؤره نجسًا، كالكلب.
فيقول المعترِض: علقت على العلة نقيض مقتضاها؛ لأنَّ كَوْنه سبعًا عِلة للطهارة؛ بدليل: أنه ﷺ دُعِي إلى دار قوم، فأجاب دُون دار آخَرين، فقال: "إن في دارهم كلبًا". فقيل له: وفي دار الذين أجبتهم هرة. فقال: "الهرة سبع" (٢).
فكان نَصًّا على أنَّ كونه سبعًا عِلةٌ للطهارة، فكيف يعلل به النجاسة؟ !
كذا مثَّل به الشيخ أبو إسحاق في "الملخص"، ومثَّله ابن الحاجب على وَفْق مذهب المالكية في مسح الرأس في الوضوء ثلاثًا، فقال: (مسح؛ فيُسَن فيه التكرار، كالاستطابة).
أي: كالاستنجاء بالحجر؛ لأنَّ التثليث فيه عندهم سُنة، وهو وَجْه عندنا.
قال: (فيرد أنَّ المسح معتبر في كراهة التكرار على الخف).
стр. 2034
أي: فهو نقيض الحكم؛ إذْ لو كان المسح عليه لاستحباب التكرار، لَمَا علل به كراهة التكرار في الخف.
وفيه نظر؛ لأنَّ [علة] (١) كراهة التكرار في الخف إنما هي الإتلاف، لا المسح.
وأيضًا: فإنما كَوْنه عِلة لضد الحكم بالمناسبة، لا بالنَّص ولا بالإجماع.
نعم، لم يمثل لصورة ثبوت الضد بالإجماع؛ ولذلك جعل الشيخ أبو إسحاق بدل الإجماع كَوْن الأصول تشهد لضد الحكم، وكذا إمام الحرمين كما مثَّلنا به في الكفارة في العمد، فرجع الكل إلى أمرين: أن يدل نَص على ترتيب ضد الحكم على ذلك الوصف، أو تدل الأصول بالمناسبة عليه.
تنبيه: جواب هذا الاعتراض بتقرير المُدَّعَى، كأنْ يُقَرر في مثال التغليظ أنَّ للوصف جهتين، يناسب بإحداهما التغليظ وبالأخرى التخفيف، أو يبين أن الوصف ليس مُشْعرًا بنقيض الحكم المطلوب، أو يُسَلِّم ذلك ولكن يبين وجود مانع في أصل المعترِض. والله أعلم.
ص:
٨٧٤ - أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ، أَمَّا الْمُسْمَى ... "فَسَادَ الِاعْتِبَارِ" فَهْوَ عَمَّا
٨٧٥ - مَا قَبْلَهُ؛ لِأنهُ مُخَالَفَهْ ... لِلنَّصِّ أَوْ إجْمَاعِهِمْ إذْ خَالَفَهْ
الشرح: قولي: (أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ) متعلق بما قبله، أي: إنَّ [النص] (٢) والإجماع أثَّر في نقيض الحكم، وقد سبق تقرير ذلك.
стр. 2035
وقولي: (أَمَّا الْمُسْمَى) إلى أخِره فهو نوع آخَر مِن القوادح، وهو المسمى بِـ "فساد الاعتبار"، وهو كَوْن القياس مخالفًا للنص أو للإجماع، فإنَّ ذلك يدل على فساده كما سبق، سواء كان النص:
- نَص القرآن، كما يقال في التبييت: صوم مفروض؛ فلا يصح بِنية من النهار، كالقضاء. فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أنَّ كلَّ صائم يحصل له أجر عظيم، وذلك يَستلزم الصحة.
- أو كان النص سُنَّة، كما يقال: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد مشتمل على غرر، فلا يصح، كالسلم في المختلط. فيُقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة ما في السُّنة أنَّ رسول الله ﷺ رخص في السلم (١).
أما مخالفة الإجماع فكقول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يُغسِّل امرأته؛ لأنه يَحْرُم النظر إليها، كالأجنبية.
فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أنَّ عليًّا غَسَّل فاطمة.
وفي حُكم مخالفة النص والإجماع أن يكون إحدى مقدمات القياس هي المخالِفة للنص أو الإجماع، ويُدَّعَى دخوله في إطلاق مخالفة النص أو الإجماع كما اكتفيتُ بذلك في النَّظم.
وفي معنى ذلك أن يكون الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس، كإلحاق المصرَّاة بغيرها مِن العيب في حُكم الردِّ وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع؛ لأنَّ هذا القياس مخالف
стр. 2036
لصريح النَّص الوارد فيها، أو كان تركيبه مُشعرًا بنقيض الحكم المطلوب.
وإنما سُمي هذا النوع بذلك لأنَّ اعتبارَ القياس مع النَّص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد؛ لحديث معاذ، فإنه أخَّر الاجتهاد عن النص.
فإنْ قيل: هذا النوع يؤول إلى الذي قبله؛ لأنَّ كُلًّا منهما اجتهاد في مقابلة النص، فما وَجْه تمييزه عنه؟ ولذلك جعلهما الشيخ أبو إسحاق واحدًا.
فالجواب: أنَّ مِن أنواع فساد الاعتبار كَوْن تركيبه مُشْعِرًا بنقيض الحكم المطلوب، فهو أَعَم مِن فساد الوضع.
فلذلك قال الجدليون في ترتيب الأسئلة: إنَّ فساد الاعتبار مقدَّم على فساد الوضع؛ لأنَّ فساد الاعتبار نَظَر في فساد القياس مِن حيث الجملة، وفساد الوضع أَخَص باعتبار لأنه يَستلزم عدم اعتبار القياس؛ لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه.
وممن قال: (إنَّ فساد الاعتبار أعم) الهندي، لكن هذا لا يتأتى على تفسيرهما بما سبق.
نعم، للمستدل تقديم هذا السؤال على سؤال المنوعات؛ لأنه لَمَّا كان فاسد الاعتبار، أَغْنَى ذلك عن منع مقدماته، وله أنْ يؤخره؛ لأنَّ المستدِل يُطالَب أولًا بتصحيح مُقدِّمات ما ادَّعاه مِن صحة القياس، فإذا قام بذلك فإنْ أَمْكَن إثبات مقتضاه أثبت، وإلا رُدَّ؛ لعدم اعتباره.
تنبيه:
جواب هذا السؤال بأحد وجوه:
منها: الطعن في النَّص الذي ادُّعِي أنَّ القياس على خِلافه، إما بمنع صحته؛ لضعف إسناده، أو منع دلالته، أو غير ذلك.
ومنها: المعارَضة بنص آخَر؛ فيسلم القياس حينئذٍ.
стр. 2037
ومنها: أنْ يُبين المستدِل رجحان قياسه على النَّص الذي ذُكِر أنه معارض بما ذكر في خبر الواحد.
كقولنا في متروك التسمية: ذَبْح صَدَر مِن أَهله في محله؛ فيحل، كذبح ناسي التسمية.
فيورد المعترِض: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويقول: قياسك فاسد الاعتبار؛ لمعارضة هذا النَّص.
فيقول المستدِل: هذا محمول على تحريم مذبوح عَبَدة الأوثان، فإنَّ عدم ذِكر الله أمر غالب على أهل الشرك. فإذا انقدح هذا الاحتمال، صير إليه؛ بدليل الحديث الصحيح: "أنَّ قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم ما ندري أَذَكروا اسم الله عليه؟ أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : سموا عليه وكلوا" (١).
ومنها: منع ظهور دلالته على ما يَلزم منه فساد القياس.
ومنها: أنْ يُدَّعَى أن النَّص المعارَض به [مُؤَوَّل] (٢) بدليل يرجحه على الظاهر.
ومنها: أنْ يقول بموجَبه، أي: يُبْقِيه على ظاهره، وَيدَّعِي أنَّ مدلوله لا ينافي القياس. إلى غير ذلك من الطرق.
ومما يمثَّل به في كثير مِن الأجوبة قياسنا المثقل على المحدد، فيعارَض بما رواه علي- كرم الله وجهه- من قوله ﷺ : "لا قود في النفس وغيرها إلا بحديدة" (٣). فيطعن المستدِل في سنده بأنَّ في رواته مُعلَّى بن هلال، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. ومُعلَّى قال ابن معين: (كان يضع الحديث).
стр. 2038
ويمنع ظهوره في مقصدهم بأنْ يقول: مِن محتملاته الظاهرة أنه لا يمنع الاستيفاء إلا بحديدة كما ذهب إليه بعض العلماء وتأوله بأن لا قود يَعُم النفس وغيرها إلا بحديدة بخلاف المثقل، إذ ليس فيه من النكاية في الباطن ما في المحدد، فليس عمومه كعموم المحدد. ألا ترى أنَّ الضرب بِعَصا خفيفة لا يوجِب القصاص، والجرح اليسير يوجب؟
ويقول بموجَبه، وذلك إذا قتل بحديدة فلا يُقاد منه إلا بحديدة. ويعارضه بما في "الصحيحين" من أنَّ: "يهوديًّا رض رأس امرأة بين حجرين، فقتلها؛ فرضخ رسول الله ﷺ رأسه بين حجرين" (١). ويرجح قياسنا باعتضاده بالحديث وغير ذلك من المرجِّحات. والله أعلم.
ص:
٨٧٦ - وَ"الْمَنع" قَدْ يَكُونُ لِلْعِلِّيَّهْ ... وَطَلَبِ التَّصْحِيحِ بِالْجَلِيَّهْ
٨٧٧ - أَوْ مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ فِيهَا يُعْتَبَرْ ... أَوْ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ ثَابِتًا يُقَرْ
الشرح:
من القوادح: "المنع"، وهو: منع العِلية في الوصف الذي عَلَّل به المستدِل، والمطالبة بتصحيح ذلك.
قال ابن الحاجب: (وهو مِن أعظم الأسئلة؛ لعمومه و [تَشعُّب] (٢) مسالكه).
أي: إنه يَعُم كل ما يُدَّعَى أنه عِلة، وطُرقه كثيرة مختلفة، ويقال له: "سؤال المطالبة".
стр. 2039
وحيث أُطلقت المطالبة فلا يقصد في العُرف سوى ذلك. ومتى أُريدَ غيره ذُكِر مُقَيَّدًا، فيقال: المطالبة بكذا.
وفي قبوله خلاف، والأصح المختار قبوله، وإلا لأدَّى الحال إلى اللعب مِن التمسك بكل طرد من الأوصاف، كالطول والقصر، فإنَّ المستدِل يَأْمَن المنع ويتعلق بما شاء مِن الأوصاف.
وقيل: لا يُقبل؛ لأنَّ القياس رَدُّ فرع إلى أصلٍ بجاِمع، وقد وُجِد، فَفِيمَ المنع؟
ورُدَّ بأنَّ ذلك [بظن] (١) الصحة، والوصف الطردي مظنون الفساد.
وجواب سؤال المنع بأنْ يُثبت المستدِل عِلية الوصف بأحد الطُّرق المفيدة للعلة من إجماع أو نَص أو مناسبة أو سبر أو غير ذلك مما سبق.
وقولي: (أَوْ مَنع) إلى آخِره -أي: إنَّ المنع إما أنْ يُطْلق أو يُقَيّد، كمنع كون الوصف الذي عَلل به المستدل معتبَرًا في ذلك الحكم بخصوصه، بل في أعم منه.
كقولنا في إفساد الصوم بغير الجماع من أكل وشرب: لا تجب الكفارة؛ لأنها شُرعت زَجْرًا عن ارتكاب الجماع الذي هو محذور الصوم؛ فاختص به، كالحد.
فيقول المعترِض: لا نُسَلم ذلك، بل شُرعت زجرًا عن مُطْلق محذور الإفطار، وذلك شامل للجماع وغيره.
فيجيب المستدِل عن ذلك بأنَّ الشارع إنما رَتَّب الكفارة على خصوص الإفطار بالجماع، وليس غَيْرُه في معناه؛ فوجب أن تكون العلة هي الجماع فقط.
وكأنَّ المعترِض يُنَقِّح المناط بحذف خصوص الجماع، فإنه لا أثر له، ويُبْقِي مُطْلَق
стр. 2040
الإفطار؛ لأنه المناسب، فيحقق المستدِل المناط بأنَّ ذلك الوصف الذي طرحه المعترِض ملائم مؤثِّر؛ فلا يُطرح، فيُقدَّم برجحانه؛ لأنَّ التحقيق يرفع النزاع.
ومن المقيد أيضًا أنْ يمنع كون حُكم الأصل ثابتًا.
كما لو قال شافعي: الخل مائع لا يرفع الحدث؛ فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن.
فيقول الحنفي: لا أُسَلم الحكم في الأصل؛ فإنَّ الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة.
وقد اختُلِف في سماع هذا الاعتراض، فنقل عن الشيخ أبي إسحاق أنه لا يُسْمَع ولا يجب على المستدِل ذِكر الدلالة على الحكم، بل له أنْ يقول: إنما قِستُ على أصلي.
وهو بعيد؛ لأنَّ القياس على أصل غير ثابت حُكمه عند الخصم -لا بطريق الاعتبار ولا بطريق الدلالة على عِلته- لا ينتهض دليلًا على الخصم.
نعم، يستقيم ذلك إذا فرّع على مذهب نفسه، لكن لا يتصور في ذلك منع ولا تسليم.
كذا نقل ابن الحاجب وغيرُه ذلك عن الشيخ أبي إسحاق، والموجود في "الملخص" له سماع المنع في ذلك.
ثم إذا قُلنا بسماعه، فهل ينقطع المستدِل بذلك؟ فيه مذاهب:
أصحها: لا؛ لأنه منع مقدمة مِن [جملة] (١) مقدمات القياس، فليُمَكَّن من إثباته كسائر المقدمات.
الثاني: نعم؛ لأنه انتقال مِن حُكم الفرع إلى حُكم الأصل.
والثالث: إنْ كان جليًّا يَعرفه أكثر الفقهاء، انقطع، أو خفيًّا لا يَعرفه إلا الخواص فلا. وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق. ونقل ابن برهان في "الأوسط" عنه أنه استثنى مِن الجلي ما
стр. 2041
إذا تَقدم منه في صَدْر الاستدلال هذا الشرط بأنْ يقول: (إنْ سَلَّمْتَ وإلا نقلتُ الكلام إليه)، فلا يُعَد منقطعًا.
والرابع: يتبع في ذلك عُرف المكان، فإنَّ للجدل عُرفًا ومراسم في كل مكان. فإنْ عَدَّ أهل المكان ذلك انقطاعًا، انقطع، وإلا فلا.
ثم إذا قُلنا بأنَّ المنع يُسْمَع وعلق المستدِل إقامة الدليل عليه، فإذا أقام الدليل، فهل ينقطع المعترِض بمجرد الدلالة؛ لأنَّ اشتغاله بالاعتراض على دليل المنع خارج عن المقصود الأصلي؟ أو لا؟
المختار: أنه لا ينقطع، بل للمعترِض أنْ يعود ويعترض على دليل محل المنع، إذْ لا يَلزم مِن وجود صورته دليلُ صحته.
وبالجملة فيتوجه للمعترِض سبعة منوع مُرَتَّبة:
ثلاثة تتعلق بالأصل، وثلاثة بالعلة، وواحد بالفرع.
بأنْ يقول أولًا: لا نُسَلِّم حُكم الأصل.
سلَّمْنا، ولكن لا نُسَلِّم أنه مما يُقاس عليه.
سلَّمْنا، ولكن لا نُسَلم أنه مُعَلَّل.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم أن هذا الوصف [عِلته] (١)؛ لعدم ظهوره أو عدم انضباطه أو نحو ذلك.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم وجُوده فيه.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم أنه مُتَعَد.
стр. 2042
سلمنا، ولكن لا نُسلم وجوده في الفرع.
وسيأتي لنا خلاف في إيراد الاعتراضات هذه وغيرها والترتيب فيها.
تنبيه:
إذا توجه المنع على إثبات العلة بشيء مِن طُرقه فوَجْه تَوَجُّه الاعتراض فيما أثبت بطريق النص أن يَدَّعي المعترِض الإجمال في ذلك النص وأنه متردد بين أمرين، إذْ شَرْطه الظهور في المقصود، أو يَدَّعي أنه مُؤَوَّل بدليل آخَر، أو يَدعي القول فيه بالموجَب. ولا يلزم ما ذكره المستدِل.
وإنْ كان النَّص مِن السُّنة فيورد الطعن في سندها ونحوه، حيث توجه له الطعن بأنَّ الحديث مرسَل أو موقوف أو في سنده مَن لا يُقْبَل أو أنَّ بعض شيوخه قال فيمن رواه عنه: لم يَرْوِه عني.
وفي بقية الطُّرق ما سبق في الاعتراضات. والله أعلم.
ص:
٨٧٨ - كَذَا "اخْتِلَافُ الضَّابِطِ" الْمُعْتَبر ... نَفْيُ وُثُوقِ جَامِعٍ مُصَوَّرِ
الشرح:
من الاعتراضات أيضًا أن يقول المعترِض: إنَّ في قياسك اختلاف الضابط، (أي: بين الأصل والفرع)، فليس ضابط الأصل فيه هو ضابط الفرع، فلا وثوق بما ادَّعَيْته جامعًا بينهما.
مثاله: قولنا في شهادة الزور بالقتل: تسببوا بالشهادة إلى القتل عمدًا، فعليهم القصاص، كالمُكْرَه.
стр. 2043
فيقول المعترض: الضابط في الفرعِ الشهادةُ، وفي الأصلِ الإكراه؛ فلا يتحقق التساوي بينهما.
وحاصل هذا السؤال يرجع إلى منع وجود عِلة الأصل في الفرع.
وفي "شرح المقترح" لأبي العز حكاية قولين في قبوله، قال: ومدار الكلام فيه ينبني على شيء واحد، وهو أنَّ المعتبَر في القياس القَطعْ بالجامع؟ أو ظن وجود الجامع كاف؟ وينبني على ذلك القياس في الأسباب، فمَن اعتبر القَطعْ، منع القياس فيها؛ إذْ لا يُتصور عادةً القَطعْ بتساوي المصلحتين، فلا يتحقق جامِع بين الوصفين باعتبار يثبت حُكم السببية لكل واحد منهما. ومَن اكتفى بالظن، صحح ذلك؛ إذ يجوز تَساوي المصلحتين، فيتحقق الجامِع، ولا يمتنع القياس.
تنبيه:
إنما لم أذكر مِن القوادح ما ذكره ابن الحاجب وغيرُه: اختلاف جنس [المصلحة] (١)؛ اكتفاء باختلاف الضابط؛ لأنَّ تَعدُّد الضابط في الأصل والفرع تارةً يكون مع اتحاد المصلحة وتارةً يكون مع اختلافها، فإذا قدح مع الاتحاد فلأَنْ يقدح مع اختلاف الجنس في التأثير أَوْلى، فإنه يحصل جهتين في التفاوت: جهة في كمية المصلحة ومقدارها، وجهة في إفضاء ضابطها إليها؛ فالتساوي يكون أَبْعَد.
وبالجملة فجواب اعتراض اختلاف الضابط أنْ يُبين أنَّ الجامع هو عموم ما اشترك فيه الضابطان، أو يُبين أنَّ إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود مثل إفضاء ضابط الأصل إليه أو أَرْجح.
стр. 2044
أما لو بَيَّن إلغاء التفاوت في الصورتين فإنه لا يفيد، كما لو ألغى التفاوت بين قطع الأنملة إذا سرى إلى النفس وقطع الرقبة في وجوب القصاص بحفظ النسب وإنْ كان قطع الرقبة أشد إفضاءً. فإنما لم يُفدْه ذلك؛ لأنه لا يَلزم مِن إلغاء تَفاوُت القاتل إلغاء كل تفاوت. والله أعلم.
ص:
٨٧٩ - جَوَابُ كُلِّهَا بيانُ ضِدِّهِ ... بِحُجَّةٍ قَامَتْ لَهُ بِقَصْدِهِ
الشرح:
أي: كل ما ذكرناه من القوادح يكون جواب المستدِل فيه بإثبات ضد ما قاله المعترِض، ويقيم الدليل على ما يثبته مِن ذلك بحيث يحصل له قصده وينفي ما قاله المعترِض.
وقد بينتُ في الشرح فيما سبق جواب كل واحد واحد على التفصيل.
والجميع راجع إلى ما ذكرته هنا في النَّظم، فإنَّ كل واحد فيه إثبات ضد الاعتراض بشرط إقامة حجته عليه. والله أعلم.
فائدة:
٨٨٠ - مِنَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي تَعُمُّ ... سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، ذَا أَهَمُّ
٨٨١ - بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ ذَا غَرَابَهْ ... أَوْ مُجْمَلًا؛ لِطَلَبِ الْإجَابَهْ
الشرح:
لَمَّا انتهى القول في السؤالات المتعلقة بالقياس وكان كثير منها يجري في غير القياس كما سبق، بيَّنا هنا أنَّ مِن الأسئلة التي هي عامة في القياس وغيره سؤال الاستفسار، وهو الذي
стр. 2045
بدأ به ابن الحاجب الاعتراضات؛ لأنه المتقدم على كل اعتراض. وهو: طلب معنى اللفظ؛ إما لإجمال - كالقرء - أو غرابة.
كما إذا قال في الكلب الذي لم يعلم: خِراش لم يُبْل؛ فلا يطلق فريسته، كالسيد.
فَـ "الخراش" بكسر الخاء المعجمة وقبل الألف راء وبعدها شين معجمة هو الكلب. ومعنى (لم يبل): لم يختبر.
قال الجوهري: (بلاه الله وأبلاه الله بلاء حسنًا، وابتلاه: اختبره) (١).
والفريسة. الصيد، مِن "فرس الأسد فريسته": إذا دقَّ عنقها. ثم كَثُر حتى أُطلِق على كل قتل "فرسًا". والسيد: الذئب.
وقولي: (لِطَلَبِ الْإجَابَهْ) أي: يدَّعي المعترِض ذلك؛ ليطلب إجابة المستدِل عنه. لكن "بيان كونه مجملًا أو غريبًا حتى يحتاج إلى التفسير" على المعترِض على الأصح؛ لأنَّ الأصل عدم الإجمال وعدم الغرابة، فيُبَيِّن أن اللفظ لمتعددٍ، ولا يُكَلَّف بيان التساوي لِغيره. فإنْ قال: (إنَّ الأصل عدم رجحان بعضها) فهو جيد، ويكون ذلك تبرعًا مِن المعترِض.
نعم، "بيان أنه ليس بمجمل ولا غريب" على المستدِل؛ لأنَّ شرط الدلالة على المراد عدم إجماله أو غرابته، وبيان شَرْط الدليل على المستدِل.
وجواب هذا الاعتراض بضد ما اذُعِي كما سبق في جواب الأسئلة المذكورة من قبل، وكما أشعر به قولي هنا: (لِطَلَبِ الْإجَابَهْ).
فيقول المستدِل في جوابه: هذا ظاهر في مقصودي. ويبين ذلك:
- إما بنقل مِن اللغة، كما إذا اعترضه في قوله: (الوضوء قُربة؛ فتجب فيه النية) بقوله:
стр. 2046
الوضوء يُطلق على النظافة وعلى الأفعال المخصوصة، فما الذي تريد بالذي تجب فيه النية؟ فيقول: حقيقته الشرعية الأفعال المخصوصة.
- أو مِن العُرف، كالدابة.
- أو يقول: ظاهر بقرينة معه، مثل قوله: (قُرء تحرم فيه الصلاة؛ فيحرم الصوم). فقرينة تحريم الصلاة فيه تدل على أن المراد به الحيض.
وفي الغرابة مثل: (ظلمة زوجت نفسها؛ فلا يصح). فالظُّلمة: المرأة؛ بدليل قوله: (زوجت نفسها).
- أو بتفسير مقصوده، بأنْ يقول: مرادي المعنى الفلاني. لكن لا بُدَّ أنْ يفسره بما يحتمله اللفظ وإنْ بَعُد، كما يقول: (يخرج في الفطرة التَّور). ويفسره بالقطعة مِن الأقط.
فلو قال المستدِل: (هو غير ظاهر في غير مرادي باتفاق مني ومنك؛ فيكون ظاهرًا في مرادي؛ لئلا يَلزم الإجمال).
فمنهم مَن ردَّه؛ لرجوعه إلى قوله: (إنَّ الأصل عدم الإجمال) والفرض أنَّ المعترِض يُبين أنه مجمل.
وأيضًا: فلا يَلزم مِن عدم ظهورِه في الآخَر ظهورُه في مقصوده؛ لجواز عدم الظهور فيهما جميعًا.
وصَوَّبه بعضهم؛ دَفْعًا لمحذور الإجمال، وذلك حيث لا يكون اللفظ مشهورًا بالإجمال. أما إذا اشتهر بالإجمال - كالعين والقرء والجون - فلا يصح فيه دَعْوَى الظهور أصلًا.
أما إذا فسره بما لا يحتمل، فلعب؛ فلا يُسمع؛ لأنَّ غايته أنه نطق بِلُغَةٍ غير معروفةٍ.
стр. 2047
قال [الخوارزمي] (١): وهو الحقُّ.
وقال [العَميدي] (٢): لا يَلزمه التفسير أصلًا.
لكن هذا كله إذا لم يكن اللفظ مشهورًا. فإنْ كان مشهورًا، فالجزم تبكيت المعترِض. وفي مِثْله يُقال: "مُر فتعَلَّم، ثُمَّ ارْجِع فَتكلم".
تنبيهان
الأول: الاستفسار: استفعال مِن "الفسر"، وهو لُغة: طلب الكشف والإظهار، ومنه "التفسير".
ومن الغرابة خلط اصطلاح باصطلاح كما يقال في القياسات الفقهية لفظ "الدور" أو "التسلسل" أو "الهيولا" أو "المادة" أو "المبدأ" أو "الغاية". نحو أن يقال في شهود القتل إذا رجعوا: لا يجب القصاص؛ لأنَّ وجوب القصاص تَجَرَّد مبدؤه عن غاية مقصودة، فوجب أنْ لا يثبت.
وكذا ما أشبه ذلك من اصطلاح المتكلمين، إلا أنْ يعلم مِن حال خصمه أنه يَعرف ذلك، فلا غرابة حينئذٍ.
الثاني: إنما كان الاستفسار مقدم الاعتراضات؛ لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ، استحال فيه تَوجُّه المنع أو المعارضة. وهُما مردُّ الاعتراضات كلها كما سيأتي.
وكان الشيخ عماد الدين الإسنائي يقول: في عَدِّ "الاستفسار" من الاعتراضات نظر؛
стр. 2048
لأنه طليعة جيش الاعتراضات، لا منها؛ لأنها خدش كلام المستدِل، و"الاستفسار" ليس فيه خدش، بل تَعَرُّف للمراد وتَبَيُّن للمطلوب؛ لِيَتَوَجَّه عليه السؤال.
وَيقْرُب مِن هذا حكاية الهندي عن بعض مُتأخِّري أهل الجدل أنه أنكر هذا السؤال. وهذا واضح؛ لأنَّ غايته استفهام، لا اعتراض.
وقد نقل ابن الحاجب في "مختصره الكبير" عن القاضي أبي بكر أنه قال: ما ثبت فيه الاستبهام، جاز فيه الاستفهام. والله أعلم.
ص:
٨٨٢ - كَذَلِكَ "التَّقْسِيمُ": أنْ يُرَدَّدَا ... بَيْنَ الَّذِي مَمْنُوعُ بَعْضٍ عُدِّدَا
٨٨٣ - جَوَابُهُ بِالْحَمْلِ لِلْمَذْكُورِ ... بِلُغَةٍ أَوْ عُرْفٍ اوْ ظُهُورِ
الشرح:
من الأسئلة العامة في الأدلة سؤال "التقسيم"، وهو كون لفظ المستدِل في دليله مترددًا بين معنيين فأكثر، المسلَّم منها لا يُحَصِّل المقصود، والممنوع هو المحصِّل له، لا إنْ كانا يحصلانه معًا أو لا يحصلانه معًا، فإنَّ التقسيم حينئذٍ لا معنى له؛ لأنَّ المقصود إما حاصل على التقديرين أو ليس بحاصل على التقديرين.
نعم، لو كانَا يُحصِّلان المقصود لكن البعض يَرِد عليه من القوادح ما لا يَرِفى على الآخَر، كان ذلك من التقسيم؛ لأنَّ فيه غرضًا صالحًا.
مثاله: أنْ يقال في ثبوت الملك في زمن خيار الشرط: وُجِد سبب الملك للمشترِي؛ فوجب أنْ يثبت. ويُبين وجود السبب بأنه بَيعْ صَدَر مِن أَهْله في محَله.
فيعترَض بأنَّ السبب إما مُطْلق البيع أو البيع الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع، والثاني
стр. 2049
مُسلَّم لكنه مفقود في صورة النزاع؛ لأنه مشروط بالخيار.
ومثاله في أكثر من اثنين:
لو قيل: المرأة بالغة عاقلة؛ فيصح منها النكاح، كالرجُل.
فيقول المعترِض: العاقلة إما بمعنى لها تجربة، أو لها حُسن رأي وتدبير، أو لها عقل غريزي. والأول والثاني ممنوعان، والثالث مُسلَّم لكن لا يكفي؛ لأنَّ الصغيرة لها عقل غريزي ولا يصح منها النكاح.
واختُلف في قبول هذا السؤال، فقيل: إنَّ سؤال الاستفسار يُغْني عنه، فلا حاجة إليه. والمختار أنه يُقبل لكن بَعْد ما يُبَيِّن المعترِض محَل التردد.
وقولي: (جَوَابُهُ) إلى آخِره - أيْ: جواب هذا الاعتراض أنْ يقول المستدِل: (لفظي الذي ذكرتُه محمول على المعنى الذي يؤدي للدلالة، والدال لي على حمله على ذلك اللغة أو العُرف الشرعي أو العُرف العام أو كونه مجازًا راجحًا بِعُرف الاستعمال).
أو يقول: (أحد الاحتمالات - وهو ما يدل لي - ظاهر)؛ بسبب ما انضم إليه مِن القرينة في لفظ المستدِل إنْ كان هناك قرينة لفظية أو عقلية أو حالية بحيث لا يحتاج إلى إثباته لغةً ولا عُرفًا. وهو معنى قولي: (أوْ ظُهُورِ).
تنبيه:
لم أذكر في الاعتراضات ما أشار إليه ابن الحاجب من التركيب؛ لأنه قد تَقدم في شروط حُكم الأصل، وقد أحاله هو أيضًا على ما ذكره هناك. فسبق أنه راجع إلى منع حُكم الأصل أو منع العلة أو وجودها.
ولذلك لم أذكر منها سؤال التعدية ولا سؤال تعدد الوضع؛ لرجوعها إلى المعارضة، فإنها معارضة خاصة.
стр. 2050
ولم أذكر أيضًا سؤال اختلاف جنس المصلحة؛ لِمَا سبق آنفًا مِن الجواب عنه.
وأما سؤال المعارضة فَلِمَا سبق أيضًا في شروط العلة مِن اشتراط عدم المعارِض المُنافي.
فقول ابن الحاجب في الاعتراضات: (إنها خمسة وعشرون) قد عَلِمْتَ تَداخُلها مما سبق في تقريرها. والله أعلم.
ص:
٨٨٤ - وَالِاعْتِرَاضَاتُ الْجَمِيعُ رَاجِعَهْ ... لِلْمَنْعِ أَوْ مُعَارَضَاتٍ [وَاقِعَهْ] (١)
الشرح:
قال الجدليون: الاعتراضات راجِعة إما إلى مَنعْ في مقدمة من المقدمات أو معارَضة في الحكم، فمتى حصل الجواب عنهما فقد تم الدليل، ولم يَبْقَ للمعترِض مجال، فيكون ما سوى ذلك من الأسئلة باطلًا؛ فلا يُسْمَع.
وقال بعض الجدليين وتبعهم ابن السبكي في "شرح المختصر": إنها كلها ترجع إلى المنع فقط؛ لأنَّ المعارَضة منع للعلة عن الجريان.
نعم، قال بعضهم: إلا الاستفسار؛ لأنه طلب بيان المراد من اللفظ.
قيل: بل يمكن رجوعه أيضًا إلى المنع؛ لأنَّ الكلام إذا كان مُجْمَلًا لا يحصل غرض المستدِل بتفسيره، فالمطالبة بتفسيره تستلزم منع تحقق الوصف ومنع لزوم الحكم عنه.
стр. 2051
تنبيهان
الأول: في ترتيب الاعتراضات:
فهي إما أنْ تكون من جنس واحد (كالنقوض والمعارضات في الأصل والفرع) أو من أجناس مختلفة (كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة).
فإنْ كانت مِن جنس واحد، جاز إيرادها معًا اتفاقًا، ولا يَلزم منه تَناقُض ولا انتقال مِن سؤال إلى آخَر.
وإنْ كانت من أجناس:
فإنْ كانت غير مُرتبة، فقدْ منع أهل سمرقند التعدد فيها؛ لِلْخَبْط اللازم منها والانتشار، وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحد؛ حرصًا على الضبط.
قالوا: ولا يَرِد علينا إذا كانت مِن جنس؛ فإنَّا جَوَّزنا تَعدُّدها وإنْ أَدَّت إلى النشر؛ لأنَّ النشر في المختلِفة أكثر منه في المتفقة.
وجَوَّز الجمهور الجمع بينها، وهو الحقُّ.
وإنْ كانت مترتبة طبعًا مثل حُكم الأصل ومنع العِلية، فإنْ منع الحكم بَعد ثبوته طبعًا فقدْ أساء.
[فيقول] (١): لا نُسلِّم ثبوت الحكم في الأصل. ولئن سلَّمنا فلا نُسلِّم أن العلة فيه ما ذكرت.
ففي الأخير تسليم للأول؛ فَيَتَعَيَّن الأخير للجواب؛ فلا يستحق ما قَبْله الجواب.
стр. 2052
قال ابن الحاجب: (والمختار جوازه؛ لأنَّ التسليم ليس بتحقيقي، وإنما هو تقديري).
قال الهندي: وهو الحق، وعليه العمل في المصنفات.
وإذا كان كذلك، [فَتُرَتَّب] (١) الأسئلة، وإلا لكان إيرادها بلا ترتيب منعًا بعد تسليم. فإنك لو قلت: (لا نُسلم أن الأصل مُعلَّل بكذا)، فقدْ سلَّمتَ ضمنًا ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد ذلك؟ !
وقد يقال: إذا كان التسليم تقديريًّا، فلا يضر ذلك.
قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (ولم لا يَرقى المستدِل؟ فيقول: "لا أُسلِّم أنَّ الأصل معلَّل بكذا، بل لا أُسلم ثبوت الحكم فيه" كما يقول: "لا أُسلِّم الحكم، وإنْ سلَّمته فلا أُسلِّم العِلة"، فيكون الأظهر تجويز ذلك) (٢). نعم، إذا ثبت الترتُّب في إيرادها، فيقدم ما يتعلق بالأصل ثم بالعلة ثم بالفرع كما بيَّناه قريبًا.
الثاني: في ضابط لأهل الجدل:
وهو أن المنع في الدليل إما أن يكون لمقدمة من مقدماته قبل التمام أو بَعْده.
والأول: إما أن يكون مجردًا عن المستند أو مع المستند وهو "المناقضة"، فهي منع مقدمة مِن الدليل سواء ذُكر معها مستند أو لا.
قال الجدليون: ومستند المنع هو ما يكون المنع مَبنيًّا عليه، نحو: لا نُسلم كذا، أو: لِمَ لا يكون كذا؟ ولا نُسلم لزوم كذا، وإنما يَلْزَم هذا أنْ لو كان كذا.
ثم إنِ احتيج لانتفاء المقدمة، فيسمى عندهم "الغصب"، أي: غصب منصب التعليل.
стр. 2053
فهو أن يتصدى المعترِض لإقامة الدليل على فساد مقدمة من مقدمات الدليل.
وهو غير مسموع عند النُظَّار؛ لاستلزامه الخبط في البحث.
نعم، يتوجه ذلك مِن المعترِض بعد إقامة المستدِل الدليل على تلك المقدمة.
وأما الثاني وهو المنع بعد تمامه:
فإما أنْ يكون مع مَنعْ الدليل بناء على تخلُّف حُكمه، فيُسمى "النقض الإجمالي"؛ لأنَّ "النقض التفصيلي" هو تخلُّف الحكم عن الدليل للقدح في مقدمة مُعيَّنة من مقدماته، بخلاف الإجمالي، فإنه تخلُّف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته لا عَلى التعيين.
وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول، فهو "المعارضة"، فهي تسليم للدليل؛ فلا يُسْمع منه بَعْدها مَنْعٌ فضلًا عن سؤال الاستفسار.
فيقول المعترِض: (ما ذكرتَ مِن الدليل وإنْ دلَّ على ما تَدَّعِيه فعندي ما ينفيه أو يدل على نقيضه). ويُثبته بطريقة، فهو ينقلب مُستدِلًّا؛ فلهذا لم يَقبله بعضهم؛ لِمَا فيه مِن انقلاب دست المناظرة، إذ يَصِير المستدِل مُعترِضًا والمعترض مستدِلًّا.
لكن الصحيح القبول؛ لأنَّ ذلك بناءٌ بالعَرَض هدمٌ بالذات، فالمستدِل مُدَّعٍ بالذات مُعترِضٌ بالعَرَض، والمعترِضُ بالعكس، فصارا كالمتخالفين.
مثاله: المسح ركن في الوضوء؛ فيُسن تثليثه، كالوجه.
فيعارضه بأنه مسحٌ؛ فلا يُسَن تثليثه، كالمسح على الخفين.
نعم، على المعَلِّل دَفْع الاعتراض عنه بدليل، ولا يكفيه المنع المُجَرَّد. فإنْ ذكر دليله ومنع ثانيًا فكما سبق، وهكذا حتى ينتهي الأمر إما إلى الإفحام أو الإلزام.
فَـ "الإفحام" عندهم: انقطاع المستدِل بالمنع أو بالمعارَضة.
و"الإلزام": انتهاء دليل المستدِل إلى مقدمات ضرورية أو يقينية مشهورة يَلزم المعترِض
стр. 2054
الاعتراف بها، ولا يمكنه الجحد؛ فينقطع بذلك.
فإذَن "الإلزام" مِن المستدِل للمعترِض، و"الإفحام" مِن المعترِض للمستدِل. والله أعلم.
تنبيه:
٨٨٥ - مِنَ الْقِيَاسِ مَا هُوَ "الْجَلِيُّ" ... [ذَا] (١) النَّفْيُ في فَارِقِهِ قَطْعِيُّ
٨٨٦ - أَوْ ذُو احْتِمَالٍ ضَعْفُهُ قَوِيُّ ... فَغَيْرُ هَذَيْنِ هُوَ "الْخَفِيُّ"
الشرح: ذكرت في هذا التنبيه تقسيمين للقياس:
أحدهما: من حيث القوة والضعف.
وثانيهما: من حيث المعنى المشترك بين الأصل والفرع.
وأخرت التنبيه على التقسيمين عن تمهيد القياس وأنواعه وأنواع عِلله؛ لتوقُّف فَهْمها على ذلك.
فالتقسيم الأول - وهو ما اشتمل عليه هذان البيتان - انقسام القياس إلى جَلِي وخَفِي.
فالجلي: ما قُطِع بنَفْي الفارق فيه، كقياس الأَمة على العبد في سراية العتق في قوله ﷺ : "مَن أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل" (٢). الحديث. فإنَّا نقطَع بعدم اعتبار الشارع الذكورة والأنوثة فيه.
ونحوه: قياس الصبية على الصبي في حديث: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على
стр. 2055
تركها وهُم أبناء عشر" (١). فإنَّا نَقطع أيضًا بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة فيه، ونَقطع بأنْ لا فارِق بينهما في الموضعين سوى ذلك.
وكذا إذا لم يُقْطَع بنفي الفارق ولكن احتمال الفارق يكون ضعيفًا جدًّا، فإنه مُلْحَق بالقَطْع بنفيه.
مثاله: إلحاق العمياء بالعوراء في حديث المنع من التضحية بالعوراء (٢) مع أنه قد يُتخيَّل - على بُعْد - افتراقهما مِن حيث إنَّ العمياء تُرشد إلى مكان الرعي الجيد؛ فترعى؛ فتسمن، والعوراء توكل إلى نفسها وهي ناقصة عن البصيرة؛ فلا ترعى حق الرعي؛ فتكون مظنة للهزال.
فغير هذين المذكورين في "الجلي" مِن الأقيسة يكون خَفيًّا.
تنبيهات
أحدها: أنَّ من الأصحاب مَن يقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام: جلي، وواضح، وخفي.
فالجلي ما ذُكِر.
والخفي: قياس الشَّبه.
والواضح: ما بينهما.
стр. 2056
وقيل: "الجلي" ما كان ثبوت الحكم في الفرع فيه أَوْلى مِن الأصل.
و"الواضح": ما كان مساويًا لثبوته في الأصل، كالنبيذ مع الخمر.
و"الخفي": ما كان دُونه، كقياس اللينوفر على الأرز بجامع الطعم وكونه ينبتُ في الماء.
وقيل غير ذلك، وكُلها أمور اصطلاحية لا مشاححة فيها.
الثاني: عبَّر الإمام في "المحصول" وأتباعه عن تقسيمه باعتبار القوة والضعف بأنه إما قطعي أو ظني.
فالقطعي: ما تَوقَّف على العِلم بِعلة الحكم في الأصل، ثم العلم بحصول مِثلها في الفرع. فحينئذٍ يقع تَيَقُّن الإلحاق ولو كان نَفْس الحكم ظنيًّا. ألا ترى إلى قياس الضرب على التأفيف؟ فإنَّ الإلحاق فيه قطعي - لِمَا ذكرنا - والحكم ظني لأنه مستفاد من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ودلالة اللفظ ظنية كما تَقرر؛ لِمَا فيه من الاحتمالات المشهورة.
فإنْ فقد أحد العِلمين السابقين، فالقياس ظني، كقياس التفاح على البُر في الربا، فإنَّ كَوْن العلة هي الطعم ليس بقطعي؛ لاحتمال أن تكون هي الكيل أو القوت.
نعم، ثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى مِن ثبوته في الأصل، كما في قياس الضرب على التأفيف، وما دُون القنطار على القنطار في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد يكون مساويًا، كما سبق في قياس الأَمة على العبد في السراية، والصبيَّة على الصبي في الأمر بالصلاة لسبع.
وهذان النوعان هُما المسمى بِـ "القياس في مَعْنى الأصل" كما سيأتي في النَّظم، وبِـ "القياس الجلي"؛ لوجود القَطْع فيهما بِنَفْي الفارق.
стр. 2057
وقد يكون أَدْوَن، وذلك كسائر الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم كما قاله الإمام الرازي.
قال: (وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون، فلا تنحصر) (١).
وهذا التقسيم واضح فيما إذا كان الحكم في القياس ظنيًّا.
فإنْ كان قطعيًّا، قال الإمام: (فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة) (٢).
واعترضه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف.
وما اعترض به مَبْنِي على أنَّ [العلوم] (٣) تتفاوت.
واعْلَم أنه قد ظهر أنه لا منافاة بين كون القياس قطعيًّا ويين كون الحكم فيه ظنيًّا، خلافًا لمن وهم في ذلك.
الثالث:
قد سبق في تقسيم الألفاظ أن ما كان حُكم الفرع فيه أَولى مِن الأصل أو مساويًا فيه مذاهب:
أحدها: أنه مفهوم موافقة، ويسمى "فحوى الخطاب" إنْ كان أَولى، و"لحنه" إنْ كان مساويًا، وهو على ما هو الغالب في كلام الأصوليين والفقهاء.
стр. 2058
وأنَّ الشافعي ﵁ وإمام الحرمين والإمام الرازي وجَمعًا يجعلونه من باب القياس. وقد نصب الإمام في "المحصول" وأتباعه أدلة ذلك هنا. والله أعلم.
ص:
٨٨٧ - وَمنْهُ مَا يُسْمَى "قِيَاسَ الْعِلَّةِ" ... أَيِ: الَّذِي فِيهِ صَرِيحًا أَتَتِ
٨٨٨ - أَمَّا الَّذِي يُعْرَفُ بِـ "الدّلَالَةِ" ... أَيْ: بإضَافَةٍ لَهُ في الجمْلَةِ
٨٨٩ - فَهْوَ بِلَازِمٍ لَهَا، فَالَاثَرِ ... فَمَا بِحُكْمٍ أَلْحَقُوا مُعْتَبَرِ
٨٩٠ - وَالْجَمْعُ إنْ يَكُنْ بِنَفْيِ الْفَارِقِ ... "قِيَاسُ مَعْنَى الْأَصْلِ"، ذَا لِلْحَاذِقِ
الشرح:
هذا هو التقسيم الثاني للقياس باعتبار المعنى الجامع فيه، وهو انقسامه إلى: قياس عِلة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل.
وذلك لأنه إما أن يكون بِذِكر الجامع أو بإلغاء الفارق.
فإنْ كان بذكر الجامع، فذلك الجامع إنْ كان هو العلة فهو "قياس العلة". وهو معنى قولي: (الَّذِي فِيهِ صَرِيحًا أَتَتِ).
وذلك كقولنا في القتل بالمثقل: قَتْل عمد عدوان؛ فيجب فيه القصاص، كالجارح.
وإنْ لم يكن الجامع نفس العلة وإنما هو وصف لازِم للعلة أو أثَر مِن آثارها أو حُكم مِن أحكامها، فهو "قياس الدلالة". وإليه أشرت بقولي: (أَيْ: بإضَافَةٍ لَهُ). أي: بإضافة لفظ "قياس" إلى لفظ "دلالة"، فيقال: "قياس الدلالة". سُمي بذلك لكون المذكور في الجامع بينهما دليل العِلة، لا نَفْسها.
стр. 2059
ومَثَّل ابن الحاجب ما يكون الجامع فيه [يلازِم العلة] (١) بقياس قَطْع الجماعة بالواحد على قَتْلهم بالواحد بواسطة اشتراكهما في وجوب الدية على الجميع، فإنَّ الجامع الذي هو وجوب الدية على الجماعة [يُلازِم] (٢) العِلة في الأصل وهي "القتل العمد العدوان". ووجوب الدية عليهم إنما هو أحد مُوجَبَي العلة الذي هو وجوب الدية ليستدل به على مَوجَبها الآخَر وهو وجوب القصاص عليهم.
والأَوْلى أنْ يجعل هذا مثالًا لكون الجامع حُكمًا مِن أحكام العلة، ويمثل للجامع بما يُلازِم العلة بقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الملازمة للسُّكْر.
وأما مثال كون الجامع أثرًا مِن آثار العلة فكقولنا في المثقل: قَتْل أَثمِ به صاحبُه مِن حيث كونه قتلًا؛ فأوجَبَ القصاص، كالجارح.
وأما إلغاء الفارق وهو المسمى بِـ "القياس في معنى الأصل" فقد سبق بيانه. فالحاذق يميز بين هذه الحقائق. والله أعلم.
стр. 2060
خاتمة في الأدلة المختلَف فيها
٨٩١ - مِنْ ذَاكَ: "الِاسْتِقْرَاءُ" في الْمَرْضِيِّ ... تَتَبُّعُ الْكُلِّيْ مِنَ [الْجُزْئِيِّ] (١)
٨٩٢ - لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ لِذَاكَ الْكُلِّي ... فَمَا يُرَى مُسْتَوْعِبًا لِلْكُلِّ
٨٩٣ - لَا صُورَةِ النِّزَاعِ، ذُو [تَمَامِ] (٢) ... وَذَا يُفِيدُ الْقَطْعَ في الْأَحْكَامِ
٨٩٤ - وَمَا بِهِ تَتبُّعٌ لِلْأَكثَرِ ... فَنَاقِصٌ يُفِيدُ ظَنَّ الْمُكْثِرِ
٨٩٥ - وَرُبَّمَا سُمِّيَ في الْمُغَلَّبِ ... إلْحَاقَ فَرْدٍ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَب
الشرح:
لما انتهى الكلام في الأدلة المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، [تشوقت] (٣) النفوس إلى بيان ما وراء المتفق عليه، وهو "الأدلة المختلف فيها"، فجعلت ذلك خاتمة للكلام في أدلة الفقه.
فمن ذلك: "الاستقراء"، وهو: تَتَبُّع أمر [كُلى] (٤) من جزئيات؛ ليثبت الحكم لذلك الكُلي.
وهو نوعان: استقراء تام، واستقراء ناقص.
فأما "التام" فهو إثبات حُكم في جزئي؛ لثبوته في الكُلي. نحو: "كل جسم متحيز"، فإنَّا
стр. 2061
استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكُل مِن ذلك متحيز.
فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كُلِّي وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات. فكل جزئي من ذلك الكلي يُحكم عليه بما حُكم به على الكُلي إلا صورة النزاع؛ فيُستَدل بذلك على صورة النزاع، وهو مفيد للقطع، فإنه القياس المنطقي المفيد للقطع عند الأكثرين.
قال الهندي: وهو حُجة بلا خلاف.
وأما "الاستقراء الناقص": فهو الذي تُتُبِّع فيه أكثر الجزئيات؛ [لإثبات] (١) الحكم للكُلي المشترك بين جميع الجزئيات بشرط أنْ لا تتبين العلة المؤثرة في الحكم.
ويسمى هذا عند الفقهاء بِـ "إلحاق الفرد بالَأعَم الأَغْلَب"، ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء في أكثر، كان أقوى ظنًّا.
وقد اختُلف في هذا النوع، فاختار صاحب "الحاصل" والبيضاوي والهندي أنه حجة لكنه يفيد الظن، لا القطع؛ لاحتمال أن يكون ذلك الجزئي مخالفًا لباقي الجزئيات المستَقْرَأة.
وقال الإمام الرازي: الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل، ثم بتقدير الحصول يَكون حُجة.
وبهذا يُعلم أنَّ الخلاف الواقع: في أنه يفيد الظن أوْ لا؟ [أن] (٢) الظن المستفاد منه هل يكون حجة؟
стр. 2062
نعم، لقائل أن يقول: الدليل المنفصل لا يُصَيِّر ما لا يفيد الظن مفيدًا للظن.
فإنْ أراد بالدليل المنفصل ما يعضد الاستقراء فالمفيد حينئذٍ مجموع الاستقراء والدليل المنفصل، لا الاستقراء بالدليل المنفصل، وإنْ أراد بالدليل المنفصل ما يدل على أنه مفيد للظن أو أنه حُجه فسنذكره مِن بَعد ذِكر المثال.
وقد مثَّله البيضاوي وغيره بقولنا: الوتر يُصَلَّى على الراحلة؛ لأنَّا استقرأنا الواجبات - القضاء والأداء من الظهر والعصر وغيرهما - فلم نَرَ شيئًا منها يُؤدَّى على الراحلة.
والدليل على أنه يفيد الظن أنَّا إذا وجدنا صُوَرًا كثيرةً داخلةً تحت نوع واحد واشتركت في حُكم ولم نر شيئًا مما نعلم أنه منها خرج عن ذلك الحكم، أفادتنا هذه الكثرة قَطْعًا ظَنَّ الحكم بعدم الأداء على الراحلة في مثالنا هذا من صفات ذلك النوع وهو الصلاة الواجبة.
ومنهم مَن استدل عليه بأن القياس التمثيلي حُجة عند القائلين بالقياس من الحكم الشرعي، وهو أَقَل مَرتبة مِن الاستقراء؛ لأنه "حُكم على جزئي؛ لِثبوته في جزئي آخَر"، والاستقراء "حُكم على كُلي؛ لِثبوته في أكثر الجزئيات"؛ فيكون أَوْلى من القياس التمثيلي.
ولكن هذا مدخول؛ لأنه يُشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخَر أن يكون بالجامع الذي هو عِلة الحكم، وليس الأمر كذلك في الاستقراء، بل هو حُكم على الكل بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته. ولا يمتنع عقلًا أن يكون بعض الأنواع مخالِفًا للنوع الآخَر في الحكم وإنْ انْدَرَجَا تحت جنس واحد.
وإذا كان مفيدًا للظن، كان العمل به لازِمًا، وربما استُدل على ذلك بما رُوي من قوله ﷺ : "نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر" (١) كما استدل به البيضاوي. لكنه حديث لا
стр. 2063
يُعرف، قال السبكي: (سألت عنه شيخنا الحافظ الذهبي فلم يَعْرفه) (١).
قلت: وكذا قال الحافظ المزي وغيره: إنه لا أصل له.
لكن قال شيخنا بدر الدين الزركشي أنَّ شيخه الحافظ علاء الدين مغلطاي أفاده أنَّ الحافظ أبا طاهر إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجَنزوِي رواه في كتابه "إدارة الحكام" في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما إلى النبي ﷺ ، وأصل حديثهما في "الصحيحين"، فقال المقضِي (٢) عليه: قضيتَ عَلَيَّ والحقُّ لي. فقال رسول الله ﷺ : "إنما أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائر".
وله شواهد، منها حديث قوله ﷺ في المتلاعنين: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٣). وهو في "الصحيح" (٤).
[و] (٥) حديث أُم سلمة في "البخاري": "إنما أنا بَشر، وإنه يأتيني الخصم، فلَعَلَّ بعضكم أَبْلَغ مِن بعض، فأحسب أنه أَصْدَق؛ فأقضِي له بذلك. فمَن قضيتُ له بحق مُسْلم فإنما هي
стр. 2064
قطعة مِن النار، فليأخذها أو فليتركها" (١).
وحديث أبي سعيد في الصحيحين في الذُّهَيْبَة التي بعث بها عَلِي إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها بين أربعة نفر، وفيه: "إني لم أؤمر أنْ أُنقِّب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" (٢). وقول عمر فيما رواه البخاري: "إنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا" (٣).
وغير ذلك، وهو كثير، مما يدل على أن العمل بالظن واجب.
تنبيه: ينشأ مما قررناه في "الاستقراء" أن القياسات المنطقية تدور على ذلك، فإنَّا إذا قُلنا: (العالم متغير، وكُل متغير حادث)، فكَوْن العالم متغيرًا إنما عُلم بالاستقراء التام؛ فلذلك أفاد القطع واليقين.
وإذا قُلنا: (الوضوء وسيلة للعبادة، وكُل ما هو وسيلة للعبادة عبادة)، إنما أثبتنا المقدمة الثانية بالاستقراء، وهو ظني؛ لأنه من أكثر الجزئيات.
وربما يندرج فيه أيضًا ما ذكره ابن الحاجب وغيره في الاستدلال من "قياس التلازم"، وهو تَلازُم بين "ثبوتين" أو "نفيين" أو "ثبوت ونفي" أو "نفي وثبوت"، كما نقول في المسلِم يجد الميتة: (إنْ كان مضطرًا أكل، إنْ لم يكن مضطرًا لم يأكل، إنْ كان مضطرًا لم يَحْرُم، إنْ لم يكن مضطرًا حرم).
ثم المتلازمان إنْ كانا طَرْدَا وعَكْسًا كالجسم والتأليف، يجري فيهما الأولان وهو التلازم بين ثبوتين وبين نفيين طردًا وعكسًا، بمعنى أنَّ وجود كل منهما يَستلزم وجود الآخَر، ونَفْيَه يستلزم نَفْي الآخَر، فكُل ما كان جسمًا كان مؤلَّفًا، وكُل ما كان مؤلَّفًا كان جسمًا، وكُل ما لم
стр. 2065
يكن مؤلفًا لم يكن جسمًا، وكُل ما لم يكن جسمًا لم يكن مؤلفًا.
وإنْ كانا متلازمين طردًا فقط كالجسم والحدوث، جرى فيهما الأول طَرْدًا، ويجري فيهما التَّلازُم السلبي عَكْسًا.
والمتنافيان فيهما التفصيل، فلا نُطَوِّل بذلك؛ إذِ المراد التنبيه على رجوع غالبها للاستقراء إما التام أو الناقص بحسب المحالّ، والله أعلم.
ص:
٨٩٦ - وَمنْهُ "الِاسْتِصْحَابُ" في أَصْلِ الْعَدَمْ ... [كَعَدَمِ] (١) التَّخْصِيصِ في اللَّفْظِ الْأَعَمْ
٨٩٧ - وَعَدَمِ الرَّفْعِ لِنَصٍّ قُرِّرَا ... حَتَّى يُرَى الَّذِي لَهُ قَدْ غَيَّرَا
٨٩٨ - وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْلُوبًا، كَمَا ... مِنْ ثَابِتٍ يَثْبُتُ مَا تَقَدَّمَا
٨٩٩ - لِكَوْنِ الَاصْلِ ألهُ مَا غُيِّرَا ... فَرَاجِعٌ لِمُسْتَقِيمٍ قُرِّرَا
الشرح:
أي: ومن المختلف في كونه دليلاً مُغايِرًا للأصول الأربعة: "الاستصحاب"، فذهب أصحابنا قاطبة إلى الاحتجاج به.
والمعنى: إذا كان حُكْمٌ موجودًا وهو محتمل أنْ يتغير، فالأصل بقاؤه وَنَفْي ما يُغَيِّرُه. وذلك كاستصحاب مُقْتَضَى العموم أو النَّص إلى أنْ يَرِد المخصِّص أو الناسخ.
وهو معنى قولي: (حَتَّى يُرَى الَّذِي لَهُ قَدْ غَيَّرَا). أي: غَيَّر العام بتخصيصه أو المنصوص بنَسخه.
стр. 2066
ومِن ذلك أيضًا استصحاب العَدَم الأصلي، وهو الذي عُرِف بالعقل انتفاؤه وأنَّ العَدَم الأصلي باقٍ على حالِه، كَـ: الأصل عدم وجوب صلاة سادسة وصوم شهر غَيْر رمضان. فلَمَّا لَمْ يَرِد السمع بذلك، حَكَم العقل بانتفائه؛ لِعَدَم المثبِت له.
وأصحابنا مُطبقون على حُجية الاستصحاب في ذلك وإنْ وقع الخلاف فيه عند غيرنا كما سنذكره، لكن قد يطرق ذلك خلاف عندنا مما ذكره أصحابنا في الأفعال قبل ورود الشرع في فائدة الخلاف فيه أنَّ مَن حرم شيئًا أو أباحه فسُئل عن حُجته فقال: (طلبتُ دليلاً في الشرع فلم أَجَد فبقيتُ على حُكم العقل مِن تحريم أو إباحة)، هل يصح ذلك؟ أَمْ لا؟ ثم هل يلزم خصمه المحاجة بهذا القول؟ أَمْ لا؟
ومن أنواع "الاستصحاب" أيضًا استصحاب حُكم دَلَّ الشرع على ثبوته ودوامه؛ لوجود سببه، كالملك عند حصول السبب، وشغْل الذمة عن [فرض] (١) أو إتلاف. فهذا وإنْ لم يكن حُكمًا أصليًّا فهو حُكم دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا. ولولا أن الشرع دلَّ على دوامه إلى أنْ يوجد السبب المُزِيل أو المُبرئ لَمَا زال استصحابه.
ونُقل عن بعض المتكلمين نَفْي حُجية الاستصحاب مِن حيث هو.
وعزاه الإمام أيضًا للحنفية، لكن الموجود في كتبهم قول ثالث في المسألة، وهو أنه حُجة في الدفع، لا في الرفع، أي: في "بقاء ما كان على ما كان" يَكون حُجة، وأما في رفع بإثبات شيء رافع لشيء يستدام حُكم ذلك الرافع فلا. وهذا كالمفقود، لا يورث؛ لبقاء ما كان على ما كان وهو حياته، ولا يرث؛ لأنه ليس مالكًا لمال مورثه حتى يستصحب ملكه.
قيل: وهذا القول حسن، ينبغي أن يكون عندنا تخريج مثله مما لو بلغ مصلحًا لماله صالحًا في دِينه فإنه يرتفع الحجر عنه. فلو طرأ بعد أنْ كان رشيدًا تبذير، حُجر عليه، أو فسق
стр. 2067
فلا حجر به؛ لأنَّ الحجر كان ثابتًا، والأصل بقاؤه حتى يصلح دِينه وماله.
وأما في الرشيد فقد ثبت الإطلاق، والأصل بقاؤه حتى يرتفع، فبتضييع المال يرتفع؛ لأنه مقصود الحجر، بخلاف الفسق؛ فإنه لا يتعلق بالمال.
ونحوه: إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منها صغير، حرم، ولا يحكم ببلوغها.
قالوا: لأنَّ احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنَّسب، يكفي فيه الاحتمال.
والمذهب وجوب فطرة العبد الغائب المنقطع الخبر، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة.
تنبيهات
الأول: قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) شامل للنفي الشرعي والعقلي.
فالشرعي كقوله ﷺ : "ليس فيما دُون خمسة أوسق صدقة" (١).
والعقلي: كما سبق في نَفْي وجوب صلاة سادسة وشهر غير رمضان.
وشامل أيضَّاَ الحكم المتكرر بتكرر سببه، فإنَّ الدليل لَمَّا قام على كَوْن تلك أسبابًا لتلك الأحكام، وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع.
ويخرج عن هذا استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو أنْ يحصل الإجماع على حُكم في حال فيتغير تلك الحال ويقع الخلاف، فلا يُسْتَصحَب حال الإجماع في محل الخلاف.
كقول الشافعية في الخارج مِن غَيْر السبيلين: الإجماع على أنه قَبْله متطهِّر، والأصل البقاء حتى يَثبت [تَعارُض] (٢)، والأصل عَدَمه. هذا قول أكثر أصحابنا، منهم الغزالي،
стр. 2068
خلافًا لما نقله عنه ابن الحاجب.
وذهب الأقَلُّون - منهم المزني وأبو ثور والصيرفي وابن سريج وابن خيران - إلى أنه حُجة، وهو مذهب داود، واختاره ابن الحاجب تبعًا للآمدي.
قال أصحابنا: والقول به في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ؛ لأنه ما مِن أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف إلا ولخصْمِه أنْ يستصحب حالة الإجماع في مقابِلِه.
مثاله: لو قال في مسألة التيمم: (إذا رأى الماء في أثناء صلاته، لا تبطل؛ لأنَّا أجمعنا على صحة صلاته؛ فلا يبطل الإجماع إلا بدليل). فيقول الآخَر: (أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة؛ ولا يسقط إلا بدليل).
ووَجْه خروج المسألة مِن قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) أن الحالة التي كان المُجْمَع عليه متصفًا بها وقت الإجماع ليست موجودة، فلم يستمر أصل العدم، بل حدث ما أَوْجَب المخالفة.
الثاني:
إطلاق الاحتجاج بالاستصحاب شامل لِمَا عارضه ظاهر أو لا، وهو أصح قَوْلَي الشافعي فيما تَعارَض فيه الأصل والظاهر، كطين الشوارع وثياب مدمني الخمر وأواني الكفار المتدينين بالنجاسة وثياب القصابين وأفواه الصبيان وغير ذلك.
والقول الثاني: يُقدم الظاهر. لكن قال ابن عبد السلام في "القواعد": (إنَّ مدْرَك الخلاف ليس مِن حيث الاستصحاب، بل لمرجِّح مِن خارج ينضم إلى ذلك).
ثُم: الأصح الأخذ بالأصل دائمًا. وقيل: غالبًا.
والأول هو ما أَطلق الرافعي ترجيحه في "باب الاجتهاد" في الأواني، قال: (لأنَّ الأصل
стр. 2069
أَصْدَق وأَضْبَط مِن الغالب الذي يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، والنقل يعضده؛ فقد حمل النبي ﷺ أُمامة في الصلاة وكانت بحيث لا تحترز عن النجاسة) (١). انتهى
وبالجملة فالتحقيق في مسألة تَعارُض الأصل والظاهر الأخذ بأقوى الظنين:
فيترجح الأصل:
- جَزْمًا إنْ عارضه احتمال مُجَرَّد، كاحتمال الحدث لمن تَيَقَّن الطهر بمجرد مضِي الزمان.
- وعلى الأصح إنِ استند الاحتمال إلى سبب ضعيف عام، كثياب مُدمني الخمر وطين الشوراع.
ويترجح الظاهر جزمًا إنِ استند إلى سبب منصوب شرعًا، كالشهادة، فإنها تُعارض كَوْن الأصل براءة الذمة.
أما إذا كان السبب قويًّا خاصًّا كحيوان يبول في ماء كثير ثم يوجد متغيرًا والحال أنه رأي ظبية تبول فيه وكان بعيدًا عن الماء فلمَّا انتهى إليه وَجَده متغيرًا وشكَّ أنه تَغير بالبول أو بِغَيره، فإن الشافعي نَصَّ على أنه نجس، وتابعه الأصحاب؛ إعمالًا للسبب الظاهر.
ومثله لو جرح صيدًا وغاب عنه فوجده ميتًا، حَلَّ أكله على المشهور.
وكذا لو جرح رجُلاً ومات، فإنه يضمنه وإنْ جاز أنْ يموت بسببٍ آخَر سواه؛ لأنه قد وُجِد سبب يمكن الإحالة عليه. لكن يشْكل على ذلك ما لو جرح المحرم صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يَدْرِ أماتَ بجراحته؟ أم بحادث؟ فهل يَلزمه جزاء كامل؟ أَم أرش الجرح فقط؟
стр. 2070
قولان، أظهرهما في "زوائد الروضة" الثاني، ونَصَّ عليه الشافعي في "الأُم".
نعم، هذا على ما في شرح القفال على "التلخيص" وهو التفصيل بين أن يكون رأَى الماء قَبْل بول الظبية عن قُرب غَيْر متغيِّر، فإنْ لم يعهده أصلًا أو طال عَهْده به فهو طاهر؛ عملًا بالأصل.
وذكر الجرجاني - المعروف بالختن (١) - مثله في "شرح التلخيص"، وقال: لأنَّ إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان.
الثالث:
لا يُطالَب النافي للشيء بدليل إذا دَلَّ على ذلك النفي أمرٌ ضروري. أمَّا إذا لم يكن ضروريًا فالأكثر على أنه يُطالَب بدليل مطلقًا.
وقيل: لا مطلقًا. ويعزى للظاهرية. لكن في "إحكام" ابن حزم أنه يجب عليه الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
وثالثها: يجب في العقليات دُون الشرعيات.
واستشكل الهندي جريان الأقوال على الإطلاق.
وقولي: (وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْلُوبًا) إلى آخِره - أي: ما سبق هو في الاستصحاب المستقيم، وقد يكون الاستصحاب مقلوبًا، وهو انعطاف ما هو في الحال إلى ما قَبْله؛ لِكَون الأصل