← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ومِن ذلك أيضًا استصحاب العَدَم الأصلي، وهو الذي عُرِف بالعقل انتفاؤه وأنَّ العَدَم الأصلي باقٍ على حالِه، كَـ: الأصل عدم وجوب صلاة سادسة وصوم شهر غَيْر رمضان. فلَمَّا لَمْ يَرِد السمع بذلك، حَكَم العقل بانتفائه؛ لِعَدَم المثبِت له. وأصحابنا مُطبقون على حُجية الاستصحاب في ذلك وإنْ وقع الخلاف فيه عند غيرنا كما سنذكره، لكن قد يطرق ذلك خلاف عندنا مما ذكره أصحابنا في الأفعال قبل ورود الشرع في فائدة الخلاف فيه أنَّ مَن حرم شيئًا أو أباحه فسُئل عن حُجته فقال: (طلبتُ دليلاً في الشرع فلم أَجَد فبقيتُ على حُكم العقل مِن تحريم أو إباحة)، هل يصح ذلك؟ أَمْ لا؟ ثم هل يلزم خصمه المحاجة بهذا القول؟ أَمْ لا؟ ومن أنواع "الاستصحاب" أيضًا استصحاب حُكم دَلَّ الشرع على ثبوته ودوامه؛ لوجود سببه، كالملك عند حصول السبب، وشغْل الذمة عن [فرض] (١) أو إتلاف. فهذا وإنْ لم يكن حُكمًا أصليًّا فهو حُكم دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا. ولولا أن الشرع دلَّ على دوامه إلى أنْ يوجد السبب المُزِيل أو المُبرئ لَمَا زال استصحابه. ونُقل عن بعض المتكلمين نَفْي حُجية الاستصحاب مِن حيث هو. وعزاه الإمام أيضًا للحنفية، لكن الموجود في كتبهم قول ثالث في المسألة، وهو أنه حُجة في الدفع، لا في الرفع، أي: في "بقاء ما كان على ما كان" يَكون حُجة، وأما في رفع بإثبات شيء رافع لشيء يستدام حُكم ذلك الرافع فلا. وهذا كالمفقود، لا يورث؛ لبقاء ما كان على ما كان وهو حياته، ولا يرث؛ لأنه ليس مالكًا لمال مورثه حتى يستصحب ملكه. قيل: وهذا القول حسن، ينبغي أن يكون عندنا تخريج مثله مما لو بلغ مصلحًا لماله صالحًا في دِينه فإنه يرتفع الحجر عنه. فلو طرأ بعد أنْ كان رشيدًا تبذير، حُجر عليه، أو فسق

стр. 2067

فلا حجر به؛ لأنَّ الحجر كان ثابتًا، والأصل بقاؤه حتى يصلح دِينه وماله. وأما في الرشيد فقد ثبت الإطلاق، والأصل بقاؤه حتى يرتفع، فبتضييع المال يرتفع؛ لأنه مقصود الحجر، بخلاف الفسق؛ فإنه لا يتعلق بالمال. ونحوه: إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منها صغير، حرم، ولا يحكم ببلوغها. قالوا: لأنَّ احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنَّسب، يكفي فيه الاحتمال. والمذهب وجوب فطرة العبد الغائب المنقطع الخبر، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة. تنبيهات الأول: قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) شامل للنفي الشرعي والعقلي. فالشرعي كقوله ﷺ : "ليس فيما دُون خمسة أوسق صدقة" (١). والعقلي: كما سبق في نَفْي وجوب صلاة سادسة وشهر غير رمضان. وشامل أيضَّاَ الحكم المتكرر بتكرر سببه، فإنَّ الدليل لَمَّا قام على كَوْن تلك أسبابًا لتلك الأحكام، وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع. ويخرج عن هذا استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو أنْ يحصل الإجماع على حُكم في حال فيتغير تلك الحال ويقع الخلاف، فلا يُسْتَصحَب حال الإجماع في محل الخلاف. كقول الشافعية في الخارج مِن غَيْر السبيلين: الإجماع على أنه قَبْله متطهِّر، والأصل البقاء حتى يَثبت [تَعارُض] (٢)، والأصل عَدَمه. هذا قول أكثر أصحابنا، منهم الغزالي،

стр. 2068

خلافًا لما نقله عنه ابن الحاجب. وذهب الأقَلُّون - منهم المزني وأبو ثور والصيرفي وابن سريج وابن خيران - إلى أنه حُجة، وهو مذهب داود، واختاره ابن الحاجب تبعًا للآمدي. قال أصحابنا: والقول به في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ؛ لأنه ما مِن أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف إلا ولخصْمِه أنْ يستصحب حالة الإجماع في مقابِلِه. مثاله: لو قال في مسألة التيمم: (إذا رأى الماء في أثناء صلاته، لا تبطل؛ لأنَّا أجمعنا على صحة صلاته؛ فلا يبطل الإجماع إلا بدليل). فيقول الآخَر: (أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة؛ ولا يسقط إلا بدليل). ووَجْه خروج المسألة مِن قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) أن الحالة التي كان المُجْمَع عليه متصفًا بها وقت الإجماع ليست موجودة، فلم يستمر أصل العدم، بل حدث ما أَوْجَب المخالفة. الثاني: إطلاق الاحتجاج بالاستصحاب شامل لِمَا عارضه ظاهر أو لا، وهو أصح قَوْلَي الشافعي فيما تَعارَض فيه الأصل والظاهر، كطين الشوارع وثياب مدمني الخمر وأواني الكفار المتدينين بالنجاسة وثياب القصابين وأفواه الصبيان وغير ذلك. والقول الثاني: يُقدم الظاهر. لكن قال ابن عبد السلام في "القواعد": (إنَّ مدْرَك الخلاف ليس مِن حيث الاستصحاب، بل لمرجِّح مِن خارج ينضم إلى ذلك). ثُم: الأصح الأخذ بالأصل دائمًا. وقيل: غالبًا. والأول هو ما أَطلق الرافعي ترجيحه في "باب الاجتهاد" في الأواني، قال: (لأنَّ الأصل

стр. 2069

أَصْدَق وأَضْبَط مِن الغالب الذي يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، والنقل يعضده؛ فقد حمل النبي ﷺ أُمامة في الصلاة وكانت بحيث لا تحترز عن النجاسة) (١). انتهى وبالجملة فالتحقيق في مسألة تَعارُض الأصل والظاهر الأخذ بأقوى الظنين: فيترجح الأصل: - جَزْمًا إنْ عارضه احتمال مُجَرَّد، كاحتمال الحدث لمن تَيَقَّن الطهر بمجرد مضِي الزمان. - وعلى الأصح إنِ استند الاحتمال إلى سبب ضعيف عام، كثياب مُدمني الخمر وطين الشوراع. ويترجح الظاهر جزمًا إنِ استند إلى سبب منصوب شرعًا، كالشهادة، فإنها تُعارض كَوْن الأصل براءة الذمة. أما إذا كان السبب قويًّا خاصًّا كحيوان يبول في ماء كثير ثم يوجد متغيرًا والحال أنه رأي ظبية تبول فيه وكان بعيدًا عن الماء فلمَّا انتهى إليه وَجَده متغيرًا وشكَّ أنه تَغير بالبول أو بِغَيره، فإن الشافعي نَصَّ على أنه نجس، وتابعه الأصحاب؛ إعمالًا للسبب الظاهر. ومثله لو جرح صيدًا وغاب عنه فوجده ميتًا، حَلَّ أكله على المشهور. وكذا لو جرح رجُلاً ومات، فإنه يضمنه وإنْ جاز أنْ يموت بسببٍ آخَر سواه؛ لأنه قد وُجِد سبب يمكن الإحالة عليه. لكن يشْكل على ذلك ما لو جرح المحرم صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يَدْرِ أماتَ بجراحته؟ أم بحادث؟ فهل يَلزمه جزاء كامل؟ أَم أرش الجرح فقط؟

стр. 2070

قولان، أظهرهما في "زوائد الروضة" الثاني، ونَصَّ عليه الشافعي في "الأُم". نعم، هذا على ما في شرح القفال على "التلخيص" وهو التفصيل بين أن يكون رأَى الماء قَبْل بول الظبية عن قُرب غَيْر متغيِّر، فإنْ لم يعهده أصلًا أو طال عَهْده به فهو طاهر؛ عملًا بالأصل. وذكر الجرجاني - المعروف بالختن (١) - مثله في "شرح التلخيص"، وقال: لأنَّ إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان. الثالث: لا يُطالَب النافي للشيء بدليل إذا دَلَّ على ذلك النفي أمرٌ ضروري. أمَّا إذا لم يكن ضروريًا فالأكثر على أنه يُطالَب بدليل مطلقًا. وقيل: لا مطلقًا. ويعزى للظاهرية. لكن في "إحكام" ابن حزم أنه يجب عليه الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وثالثها: يجب في العقليات دُون الشرعيات. واستشكل الهندي جريان الأقوال على الإطلاق. وقولي: (وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْلُوبًا) إلى آخِره - أي: ما سبق هو في الاستصحاب المستقيم، وقد يكون الاستصحاب مقلوبًا، وهو انعطاف ما هو في الحال إلى ما قَبْله؛ لِكَون الأصل

стр. 2071

عدم مخالفة السابق لِمَا هو في الحال. فالاستصحاب المستقيم: ثبوت أمر في الثاني؛ لثبوته في الأول. والمقلوب هو: ثبوته في الأول؛ لثبوته في الثاني. مثاله: لو قيل: هذا الكيل هل هو الذي كان يُكال به على عهد رسول الله ﷺ ؟ أو لا؟ فيقال: نعم؛ إذِ الأصل موافقة الماضي للحال. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لم يَقُل الأصحاب به إلا في مسألة واحدة، فيمن اشترى شيئًا فباعه أو وهبه لآخَر ثم قامت البيِّنة لغيرهما بالملك، فنزع مِن المشتري الثاني أو المتهب، كان للمشتري الأول أنْ يرجع بما أعطى من الثمن على بائعه؛ عملًا باستصحاب الملك الذي ثبت الآن لِمَا قَبْل ذلك؛ فإن البيِّنة لا توجد الملك، ولكن تظهره، فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها، ويقدر له لحظة لطيفة. ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوا مقلوبًا وهو عدم الانتقال منه) (١). واعتُرض على الشيخ بأنهم قالوا به في صوَر كثيرة غير هذه، منها: لو قذفه فزنَا المقذوف، سقط الحد عن القاذف. وقولي: (فَرَاجعٌ لِمُسْتَقِيمٍ) إشارة إلى أنَّ المقلوب يَعُود في المعنى للمستقيم؛ لأنَّ الاستصحاب المقلوب يقال فيه: لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتًا مِن قَبْل لكان غير ثابت؛ إذ لا واسطة. وإنْ كان غير ثابت، قضي بالاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت؛ فدَلَّ أنه كان ثابتًا أيضًا. وحاصله أن الأصل أنه لم يتغير مِن حالِه مِن قَبْل إلى حالِه الآن، فهو مِن قَبْل كما هو

стр. 2072

الآن. والله أعلم. ص: ٩٠٠ - وَمنْهُ "الِاسْتِحْسَانُ" عِنْدَ قَائِلِهْ ... أَبِي حَنِيفَةَ، انْمِ (١) مِنْ دَلَائِلِهْ ٩٠١ - هُوَ دَلِيلٌ مَا بِنَفْسِ الْمُجْتَهِدْ ... تَعْبيرُهُ يَقْصُرُ عَنْهُ إنْ وُجِدْ ٩٠٢ - وَفي عِبَارةِ الْإمَامِ الشَّافِعِيْ ... تَلَفَّظٌ بِهِ بِمَعْنًى شَائِعِ الشرح: أي: ومنه "الاستحسان"، وهو استفعال مِن الحسْن، بمعنى: اعتقاد الشيء حسنًا. ومعناه في الاصطلاح عند القائلين به - وهُم أبو حنيفة وأصحابه - ما سنذكره، ويعدونه من الدلائل. وذلك معنى قولي: (انْمِ مِنْ دَلَائِلِهْ) أي: انْقل ذلك عنه. وقد نقله ابن الحاجب عن الحنابلة أيضًا، قال: (وأنكره غيرهم حتى قال الشافعي: "مَنِ اسْتَحْسَن فَقَدْ شَرَّع"). وهو بتشديد الراء أي: نَصب شرعًا على خِلاف ما أمر الله به ورسوله؛ لأنه - كما سيأتي - يؤول إلى قول الشيء بلا دليل. ويؤيد نقلَه عن الحنابلة ما ذكر أبو الخطاب أن أحمد قال: إن أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئًا خلاف القياس، قالوا: "نستحسن هذا وندع القياس". فيدعون ما يزعمون أنه الحقُّ بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه.

стр. 2073

قال أبو الخطاب: وعندي أنه أنكر عليهم الاستحسان مِن غير دليل، فلو كان عن دليل، لم ينكره؛ لأنه حقٌ، وهو معنى قوله: "أنا أذهب إلى كل حديث" إلى آخِره. أي: أَترك القياس بالخبر، وهو الاستحسان بالدليل. وكان ينبغي لابن الحاجب نقله أيضًا عن المالكية، فقد قال القاضي عبد الوهاب أنَّ كتب أصحابهم مملوءة مِن ذِكره وإنْ لم يكن منصوصًا عن مالك. وممن نَصَّ على القول به ابن القاسم وأشهب وغيرهما. وقد اختُلف في تفسير "الاستحسان" الذي في جَعْله من الأدلة الخلاف. فالأشهر فيه ما اقتصرتُ عليه في النَّظم، وهو أنه: عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد تَقْصر عنه عبارته، فلا يَقْدِر أنْ يفوه به. وَرَدَّه ابن الحاجب بأنه إنْ لم يتحقق كَوْنه دليلًا فمردود اتفاقًا، وإنْ تحقق فمعتبَر اتفاقًا. قيل: وفيما قاله نظر؛ لأنه قد يقال على الشق الأول: لا معنى لكونه لم يتحقق؛ لأنَّ الفرض أنه عندهم دليل. وعلى الشق الثاني: لا نُسَلِّم أنَّ ما لا يمكن التعبير عنه مِن [الأدلة] (١) يُعْمَل به. وأما البيضاوي فَرَدَّه بأنه لا بُدَّ مِن ظهوره؛ ليتميز صحيحه عن فاسده؛ فإنَّ ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وَهْمًا لا عِبرة به. قيل: وفيه أيضًا نظر؛ لأنَّ هذا إنما يقدح فيما يكون في المناظرة، وأما بالنسبة إلى عمل المجتهد به فإنه انقدح عنده أنه دليل؛ فعمل به وأفتى به وإنْ لم يَقْدر على التعبير عنه، فينبغي أنْ يقال في الرد: إنَّ المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة؛ لكونه لا يمكن التعبير عنه، ولكن ذلك لا يقد في كونه دليلًا، فيكون التمسك به وفاقًا، فأين الاستحسان

стр. 2074

المختلَف فيه؟ ! وقيل في تفسير "الاستحسان" أيضًا وهو عبارة الكرخي من الحنفية: إنه قَطْع المسألة عن نظائرها. أي: إنَّ المجتهد يَعْدل عن الحكم في مسألة بما حَكَم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه؛ [لِوَجْه] (١) أقوى مِن الأول يقتضي العدول عنه. وذلك كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: (مالي صدقة) بالمال الزكوي؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن الدليل الدال على وجوب الوفاء بالنذر يقتضي وجوب التصدق بجميع أمواله؛ عملًا بعموم لفظ الناذر. لكن الدليل الخاص اقتضَى العدول عن هذا الحكم بالنسبة إلى غير الزكوي، وهو: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾. والجامع قرينة إضافة الصدقة إلى المال في الصورتين. ورُدَّ ذلك بأنه يَلزم أنَّ كلَّ تخصيصٍ استحسان، وهو وفاق، فأين محل الخلاف؟ ! وقال أبو الحسين: "الاستحسان": تَرْك وَجْه مِن وجوه الاجتهاد غَيْر شامل شمول الألفاظ؛ لِوَجْه أَقْوى منه وهو في حُكم الطارئ على الأول. واحترز بقوله: (غير شامل شمول الألفاظ) عن التخصيص، فإنَّ الوجه الأول فيه شامل شمول الألفاظ. وبقوله: (وهو في حكم الطارئ على الأول) عن تَرْك أَضْعَف القياسين للأقوى، فإنَّ أقوى القياسين ليس في حُكم الطارئ على الأضعف. [فإنْ] (٢) فُرِض أنه طارئ [فذلك] (٣) "الاستحسان". مثال ذلك: العنب ثبت تحريم بيعه بالزبيب، سواء كان على رأس الشجر أوْ لا؛ قياسًا

стр. 2075

على الرطب. ثم إنِّ الشارع أَرْخَص في جواز بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، فَقِسْنَا عليه العنب وتركنا القياس الأول؛ لكون الثاني أقوى. فلمَّا اجتمع في الثاني القوة والطريان، كان استحسانًا. ولكن هذا التفسير يقتضي أن يكون العدول عن حُكم القياس إلى النص الطارئ عليه "استحسانًا"، وليس كذلك عند القائلين به. وأيضًا فيرجع هذا التفسير إلى تخصيص العلة، وهو ما سبق أنه "النقض"، وليس ذلك مما ينفرد به الحنفية كما سبق بيانه في "باب القياس"، بل يقال: إنَّ حاصل ذلك - كما قاله الآمدي - "الرجوع عن حُكم دليل؛ لطريان دليل آخَر أقوى منه". وهو أَعَم مِن تخصيص العِلَّة. وقول رابع: أنه العدول عن حُكم الدليل إلى العادة؛ لمصلحة الناس، كدخول الحمام مِن غير تقدير الماء وشُرب الماء من السقاء. ورُدَّ بأن العادة إنْ ثبت جريانها بذلك في زمنه ﵇ فهو ثابت بالسُّنة، أو في زمانهم مِن غير إنكار فهو إجماع، وإلا فهو مردود. وقد اختلف أصحابنا في قرض الخبز على وجهين: أحدهما: الجواز، وبه قال صاحب "الشامل" و"التتمة" والمستظهري؛ لإجماع أهل الأعصار على فِعله. الثاني: وهو الأصح عند صاحب "التهذيب": المنع. وما ذُكِر من الإجماع فليس هو إجماع أهل الحل والعقد، بل إجماع العامَّة، ولا اعتبار بهم. وفيما لو دفع ثوبًا إلى قصَّار ليقصره أو خياط ليخيطه أو جلس بين يدي حلاق ليحلق رأسه، والأصح المنصوص: لا أجرة مطلقًا.

стр. 2076

وقيل: تجب أجرة المثل؛ للعادة. وقيل غير ذلك. فمَن اعتبر المسائل، وَجَد أنَّ ما أجمعوا عليه فَلَهُ مَأْخَذ، وما اختلفوا فيه فاختلافهم في مأخذه. وقيل في تفسيره أيضًا غير ذلك، وقد ظهر أنه لا يتحقق "استحسان" مختلف فيه. فإنْ تحقق استحسان مختلَف فيه فمَن قال به فَقَدْ شَرَّع كما قاله الشافعي فيما سبق نقله عنه. ويقال للقائلين به: إنْ عنيتم ما يستحسنه المجتهد بِعَقْله مِن غير دليل (كما حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إنه الصحيح في النقل عنه) فأمر عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي، وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير عنه. وإنْ عنيتم جواز لفظ "الاستحسان" فقط فلا إنكار في ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وفي الحديث: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (١). فالكتاب والسُّنة مشحونان بنحو ذلك، لكنكم لا تقصدون هذا المعنى، فليس لكم أن تحتجوا بمثله على "الاستحسان" بالمعنى الذي تريدونه مما سبق. على أنَّ هذا الحديث رواه أحمد والدارمي عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ومَن رفعه إلى النبي ﷺ فقد أخطأ، ورفعه من حديث أَنَس إسناده ساقط لا يُحتج به. وعلى تقدير صحته فالمراد

стр. 2077

به إجماع الأُمة ورأيهم حُسْنه بالدليل الذي قام لهم. وقولي: (وَفي عِبَارَةِ الْإمَامِ الشَّافِعِيْ) إلى آخِره - إشارة إلى أن لفظ "الاستحسان" وقع في كلام الشافعي كثيرًا غَيْر مراد به المعنى الذي سبق، بل أصل معناه الشائع في اللغة المأخوذ مِن لفظ "الحسن". فمِن ذلك قول الشافعي ﵁: "مراسيل ابن المسيب عندنا حسنة". وقال: "أَسْتَحْسِن في المتعة أن تكون ثلاثين درهمًا"، و: "أَسْتَحْسِن أنْ تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام"، و: "أستحسن أن يترك للمكاتب شيء مِن نجوم الكتابة"، و: "حسن أن يضع إصبعيه في صماخي أُذنيه إذا أذَّن". وقال الغزالي: استحسَن الشافعي التحليف على المصحف. وقال الرافعي في التغليظ على المعطل في اللعان: (أستحسن أن يحلف ويقال: قل بالله الذي خلقك ورزقك) (١). وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدِّعي من اليمين [المردودة] (٢) وقال: "أمهلوني؛ لأسأل الفقهاء": اسْتَحْسَن قضاة بلدنا إمهاله يومًا. وقال أبو الفرج السرخسي في تقدير نفقة الخادم على الزوج المتوسط: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مُد وسدس بتفاوت المراتب في حق الخادمة. فإنَّ الموسر عليه لها مُد وثلث، والمعسر مُد، فليتوسط في المتوسط كما تفاوتت المراتب في حق المخدومة. وقال الأصحاب: ليس لِوَلي المجنونة والصبية المراهقة إذا آلَى عنها الزوج وضربت المدة وانقضت أنْ يطالبه بالفيئة؛ لأنَّ ذلك لا يدخل في الولاية، وحسن أن يقول الحاكم للزوج

стр. 2078

على سبيل النصيحة: اتق الله، فِئْ [إليها] (١) أو طَلِّقها. فإنْ قيل: فقد قال الشافعي وأصحابه بصريح "الاستحسان" في مواضع، فقال الشافعي في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أنْ تقطع يمناه، والاستحسان أنْ لا تقطع. وقال الأودني في اختلاف الأصحاب في مسألة الجارية المغنية تساوي ألفًا وبالغناء ألفين: كل هذا استحسان، والقياس الصحة. فنقل الأودني عن الأصحاب وغيره ذلك. قيل: أما الشافعي فإنه إنما قضى على مَن يحتج بالاستحسان بأنْ لا تقطع، فهو إلزام لقائله، لا قول به. وقول الأودني: (كل هذا استحسان) فإنه ردٌّ على مَن قال بخلاف الصحة في الحقيقة؛ ولذلك كان هو الأصح في المذهب. وقال الإمام: (إنه القياس السديد) (٢). والأودني يقول: "إن الذي يقولونه استحسان؛ فَيُرَد"، وهُم قد يقولون: لَمْ نَقُلْه بالاستحسان كما فهمه الأودني عنا. وبالجملة فوقوع هذا اللفظ ليس بمستنكَر، إنما المستنكر إطلاقه بالمعنى الذي قصدوه. والله أعلم.

стр. 2079

ص: ٩٠٣ - وَ"شَرْعُ مَنْ مَضَى وَلَمْ يُقَرَّرِ ... في شَرْعِنَا لَيْسَ بِذِي تَقَرُّرِ الشرح: مِن الأدلة المختلف فيها أنَّ ما ثبت في شرع مَن مَضَى من الأنبياء السابقين على بعثة نبينا محمد ﷺ هل يكون شرعًا لنا حتى يُستدل به في أحكام شرعنا إذا لم نجد دليلًا يُقَرره ولا وَرَدَ ما يَنْسخه؟ أو ليس بشرعٍ لنا حتى يأتي في شرعنا ما يقرر ذلك الحكم؟ قولان. وأصل الخلاف ما قال إمام الحرمين: إنه يجري مجرى التواريخ أنَّ نبينا محمدًا ﷺ هل كان متعبدًا بشرع مَن قَبْله مِن الأنبياء قبل النبوة؟ وهل كان متعبدًا بذلك بعد النبوة؟ فأما الأُولى: فالمختار فيها عند ابن الحاجب والبيضاوي: نعم. قال ابن الحاجب: للأحاديث المتظافرة: "كان يخلو بغار حراء"، "كان يصلي"، "كان يطوف". قيل: لا يحفظ مِن ذلك إلا حديث أنه "كان يتحنث بغار حراء" (١). رواه البخاري. ثم اختُلف في تعيينه: فقيل: بشرع آدم. وقيل: نوح. وقيل: إبراهيم. وقيل: موسى. وقيل: عيسى. وقيل: ما ثبت أنه شرع، من غير تخصيص. ومقابِله ما نقله القاضي أبو بكر عن جمهور المتكلمين أنه لم يكن متعبدًا بشرع أحد

стр. 2080

أصلًا. ثم قيل: إنه ممتنع عقلًا؛ لِمَا فيه من التنفير عنه. وقيل: شرعًا. وعزاه القاضي عياض لحذاق أهل السنة؛ إذ لو كان كذلك لَنُقِل ولتداولته الألسنة. وثالث المذاهب: الوقف. وهو قول إمام الحرمين والغزالي والآمدي وابن الأنباري، وهو المختار. واعتمد القاضي أبو بكر في امتناع ذلك على أنه لو كان على مِلَّة، لاقتضى العُرف ذِكره لها لَمَّا بُعِث، ولتحدَّثوا بذلك في زمانه وفيما بَعده. لكن عارض ذلك إمام الحرمين بأنه لو لم يكن على دِين أصلًا، لَنُقِل؛ فإنَّ ذلك أبدع وأَبْعَد عن المعتاد مما ذكره القاضي. فقد تَعارَض الأمران. قال ابن الأنباري: وفيه نظر، فليس انصراف النفوس عن نَقْل كَوْنه ليس على دِين كانصرافها عن نَقْل دِينه الذي كان عليه. ثم قال إمام الحرمين: (الوجه أن يقال: انخرقت العادة للرسول ﷺ في أمور، منها انصراف همم الناس عن أمر دِينه والبحث عنه) (١). وأما الثانية: فإنْ قُلنا في الأُولى بالمنع فالمنع هنا أَوْلى. وإنْ قُلنا بالجواز فاختلفوا: فقال ابن الحاجب: (إن المختار أنه بعد المبعث متعبَّد بما لم يُنسخ) (٢).

стр. 2081

أي: مِن شرع مَن قَبْله بإيحاء الله تعالى له بذلك، على معنى أنه موافِق، لا متابع. قال إمام الحرمين: (وللشافعي مَيْل إلى هذا وبَنَى عليه أصلاً مِن أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم أصحابه) (١). والأصل الذي في الأطعمة: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حِلِّه بشيء مِن مَآخِذ شريعتنا وثبت تحريمه في شرع مَن قَبْلنا، فأظهر القولين أنه يُستصحب تحريمه. وهو قضية كلام عامة الأصحاب. ومقابلُه: ما قاله الأكثرون: إنه لم يكن متعبدًا بعد النبوة بشرع غيره أصلًا. فَعَلَى هذا يكون الراجح في مسألة أنَّ "شَرْع مَن قَبْلنا هل هو شَرْع لنا؟ " المنع إلا أنْ يُقَرَّر في شرعنا، وعليه جريتُ في النَّظم بقولي: (لَيْسَ بِذِي تَقَرُّرِ) في شرعنا، وهذه اللفظة هي المذكورة في البيت الذي بعده. ثم افترق القائلون بالمنع: فقالت المعتزلة: ذلك مستحيل عقلاً. وقال غيرهم: شرعًا. وهو اختيار القاضي والإمام الرازي والآمدي. تنبيهات الأول: استند القائلون بأنه كان متعبدًا بعد البعثة بشرع مَن قبله بظواهر، نحو قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وغير ذلك مما يَكرر مثله كثيرًا.

стр. 2082

وجوابه أن المراد: في العقائد التي لا خلاف بين الأنبياء فيها، ولكن سمى الموافقة "اتِّباعًا". واستدلوا أيضًا بنحو قوله في حديث الربيع بنت النضر لما كسرت ثنية غيرها فقال ﷺ : "كتاب الله القصاص" (١). إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] في آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] أي: على بني إسرائيل ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وجوابه أن المراد بِـ "كتاب الله": حُكم الله، فيكون تقريرًا. أو أنَّ المُقَرِّر: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ونحو ذلك. واستدلوا أيضًا بحديث رَجْم اليهوديين والأمر بإحضار التوراة، فلو لم يكن شرعًا له لَمَا طلب. وجوابه: أنه إنما أراد إقامة الحجة عليهم في إنكارهم أنَّ ذلك في التوراة وافتضاحهم بالكذب، لا أنه عَمل به. واستدلوا أيضًا بحديث: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليُصَلها إذا ذكرها" (٢) وتلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال به. والحديث في "الصحيحين"، ورواه مسلم أيضًا بلفظ: "فليُصلها إذا ذكرها" (٣). فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.

стр. 2083

وجوابه إما أنَّ المراد: لتذكرني فيها، أو نحو ذلك. وذِكر الآية للتنبيه على أنَّ هذا الحكم لا يختلف في شرعه وشرع موسى عليهما الصلاة والسلام. واستُدل للمنع بأنه لم يذكر في حديث معاذ الذي فيه تصويبه، والإجماع على أن شريعته ناسخة لغيرها من الشرائع، وغير ذلك من الأدلة. ولذلك محل يُذكر فيه لسنا بصدده في هذا الكتاب. والله تعالى أعلم. ص: ٩٠٤ - شَرْعًا لنَا، وَ"مَذْهَبُ الصَّحَابِيْ" ... لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَصْحَابِ ٩٠٥ - تَصَرُّفٍ بِالِاجْتِهَادِ مُطْلَقَا ... وَالشَّافِعِيْ وَإنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَا ٩٠٦ - مَذْهَبَ زيدٍ في فَرَائِضَ [يُرَى] (١) ... وَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ عَنْهُ الْأَكْثَرَ ٩٠٧ - لَيْسَ لِكَوْيهِ دَلِيلاً وَجَدَا ... وَلَا لِكَوْنِهِ لِزَيْدٍ قَلَّدَا ٩٠٨ - بَلْ لِتَوَافُقٍ في الِاجْتِهَادِ ... أَوْ [لِحَدِيثٍ] (٢) صَحَّ بِالْإسْنَادِ ٩٠٩ - "أَفْرَضُكُمْ زيدٌ"؛ فَكَانَ حُجَّهْ ... لِلشَّرْعِ لَا لِكَوْنِهِ الْمَحَجَّهْ الشرح: من الختلف فيه من الأدلة: "مذهب الصحابي"، أي: العالِم؛ لأنَّ العامِّي لا قول له. فتقييد بعض الحنابلة إياه بذلك للإيضاح؛ إذ لا حاجة إليه. والنظر في قول الصحابي في أمرين:

стр. 2084

في كونه حُجة شرعية أو لا. وفي أنه هل يجب تقليده في قوله؟ أو لا؟ فالأول: إنْ كان على صحابي آخَر فليس بحجة بالاتفاق كما حكاه ابن الحاجب وغيره. ولكن فيه نظر؛ فقد قال إمام الحرمين - بعد تقرير أنه إنما يكون حجة على قول مَن يراه إذا لم تختلف الصحابة ولكن نُقِل عن واحد منهم ولم يَظهر خِلافُه - إنَّ الشافعي قال في موضع: إذا [اختلف] (١) الصحابة، فالتمسك بقول الخلفاء أَوْلى. قال: (فهذا كالدليل على أنه لا يسقط الاحتجاج بأقوال الصحابة مِن أَجْل الاختلاف). انتهى. وفي "المحصول" في مسألة الاجماع السكوتي ما يُشْعِر بالخلاف في كونه حُجة على صحابي آخَر. وفي "اللمع" للشيخ أبي إسحاق: (إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين، ينبني على القولين في أنه حجة؟ أم لا؟ فإنْ قُلنا: ليس بحجة، لم يكن قول بعضهم حُجة على بعض، ولم يَجُز تقليد واحد منهما، بل يُرْجَع إلى الدليل. وإنْ قُلنا: إنه حُجة، فهما دليلان تَعارضَا، يرجح أحدهما على الآخَر بكثرة العدد مِن أحد الجانبين أو يكون فيه إمام) (٢). انتهى وإنْ كان على غيْر الصحابي مِن المجتهدين من التابعين وغيرهم ففيه مذاهب:

стр. 2085

أحدها: وهو الراجح وقول الشافعي في الجديد وأحمد في إحدى الروايتين وإليه ذهب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي من الحنفية: أنه ليس بحجة مطلقًا. واختاره الإمام الرازي وأتباعه والآمدي وابن الحاجب وغيرهما. ولذلك أطلقتُ في النَّظم أنه ليس بحجة على مجتهد، أي: لا على صحابي ولا على غيره. وأما على غيْر مجتهد فذلك إنما هو مِن قبيل التقليد، وسيأتي بيانه. الثاني: أنه ليس بحجة إلا أن يكون في أمر تَعبُّدي لا مجال للقياس فيه. وادَّعَى الشيخ تقي الدين السبكي والشيخ صلاح الدين العلائي أن الشافعي يقول بذلك في الجديد؛ لأنه قال في كتاب "اختلاف الحديث": إنه رُوي عن علي ﵁ أنه صلَّى في زلزلة ست ركعات، كل ركعة بست سجدات. ثم قال: (إنْ ثبت ذلك عن علي، قُلتُ به). لأنه لا مجال للقياس فيه؛ فالظاهر أنه فَعَله توقيفًا. وذكر الغزالي في "المستصفى" أن ذلك من تفاريع القديم مع نَقْله إياه عن "اختلاف الحديث". وانتُقِد عليه بأنَّ كتاب "اختلاف الحديث" من كُتب الشافعي الجديدة بمصر، رواه عنه الربيع بن سليمان. قلتُ: رد بعض العصريين ذلك بأن الظاهر أن العلائي والسبكي ومَن تبعهما إنما اعتمدوا في هذا نَقْل الغزالي ذلك في "المستصفى"، وقد استوعبتُ عِدة نُسخ من كتاب "اختلاف الحديث" فلم أَجِد فيه ذلك. نعم، في كتاب "اختلاف عِلي وابن مسعود" في "الصلاة في الزلزلة": قال الشافعي: (عباد، عن عاصم الأحول، عن قزعة، عن علي ﵁ أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع

стр. 2086

سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة. ولسنا نقول بهذا، لا نُصلي في شيء من الآيات إلا في كسوف الشمس والقمر، ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي لَقُلنا به. وهُم يثبتونه ولا يأخذون به، يقولون: يصلَّى ركعتين في الزلزلة، في كل ركعة ركعة) (١). ثم ذكر عدة أحاديث عن علي مختلفة في ذلك. انتهى ثم على تقدير صحته [عن الشافعي في "اختلاف الحديث"] (٢) فقال السبكي: إن ذلك إذا كان مذكورًا في القديم والجديد فالظاهر أنه حُجة قديمًا وجديدًا؛ لأنه يفيد ظنًا لا مُعارِض له. قال شيخنا بدر الدين الزركشي: (هذا الذي قاله السبكي وتبعه ولده فيه يدل على أنهما لا نَقْل عندهما صريحًا فيه، ولكن قد جزم به ابن الصباغ في "كتاب الأيمان" من كتابه "الكامل" بالكاف، والإمام في "المحصول" في "باب الأخبار") (٣). انتهى قلت: وبالجملة [فهذا] (٤) ينبغي أنْ يخرج عن مسألة قول الصحابي؛ لأنه يصير بذلك في حكم المرفوع. وقد سبق أن الصحابي إذا قال ما لا يمكن أن يقوله عن اجتهاد بل عن توقيف أنه يكون مرفوعًا كما صرح به علماء الحديث والأصول كما بيَّناه في الكلام في الرواية؛ فلذلك لم أُقيِّد في النَّظم المسألة بذلك، فاعْلَمه.

стр. 2087

المذهب الثالث: أنه حجة مطلقًا تُقَدَّم على القياس؛ لحديث: "أصحابي كالنجوم" (١). ولكن قد سبق بيان ضعفه والجواب عنه بتقدير الصحة في باب الإجماع. وهو قول مالك وأكثر الحنفية، وهو المنقول عن القديم للشافعي. لكن للشافعي في الجديد أقوال أخرى، منها ما يوافق ذلك. فقال في "الرسالة": (إن الصحابة إذا تفرقوا، نصير إلى ما وافق الكتاب أو الإجماع أو كان أصح في القياس. وإذا قال الواحد منهم القول ولا يُحفظ عن غيره موافقة ولا مخالفة، صرنا إلى اتِّباع قول أحدهم إذا لم نجد كتابًا ولا سُنةً ولا إجماعًا ولا شيئًا نحكم له بحكمه) (٢). وقال في اختلافه مع مالك مِن جملة "الأم": (ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعُذر على مَن سمعهما مقطوع إلا باتِّباعهما. فإذا لم يكن ذلك، صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدهم، وكان قول الأئمة أبي بكر أو عُمر أو عثمان أحب إلينا إذا صرنا إلى التقليد، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أَقْرَب الاختلاف مِن الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة؛ لأنَّ قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس، ومَن لَزِمَ قولُه الناس كان أظهر ممن يُفتي الرجل أو النفر) (٣) إلى آخِره. وغير ذلك من نصوص صريحة في أن قول الصحابي عنده حجة مقدمة على القياس على وَفْق ما قاله في القديم.

стр. 2088

ونَصه في القديم لَّمَا ذكر الصحابة ﵁ قال: (وهُم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم أو استنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأَوْلى بنا مِن آرائنا عندنا لأنفسنا). إلى أن قال: (إنِ اجتمعوا، أخذنا باجتماعهم. وإنْ قال [واحدهم إنْ] (١) لم يخالفه غيره، أخذنا بقوله. فإنِ اختلفوا، أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج عن أقاويلهم). وله في نَص آخَر: (إنِ اختلفوا، نظرنا إلى الأكثر، فإنْ تكافئوا، نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا) (٢). انتهى ويتفرع على هذا القول: إذا اختلف صحابيان، كانا كدليلين تَعارَضَا، فيرجح أحدهما بدليل كما أشار إليه الشافعي فيما نقلناه من النصوص. فخرج مِن ذلك قول رابع: إنه حجة إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، وإلا فيؤخَذ بِقَول الأكثر أو غير ذلك مما سبق. والمذهب الخامس: إنه حجة لكن دُون القياس. أي: حتى يُقَدَّم القياس عليه عند التعارض. وعلى هذا فهل يخصَّص العموم به؟ وجهان حكاهما الرافعي في الأقضية بلا ترجيح. أما الجواز فلأنه حجة شرعية، وأما المنع فلأنه محجوج بالعموم، فقد كان الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم. السادس: إنِ انتشر ولم يخالَف فهو حجة. ونقله الأصوليون عن القديم أيضًا، وكلام ابن الصباغ يُشْعِر بأنه في الجديد أيضًا؛ فإنه قال في "العدة": إنما احتج الشافعي بقول عثمان

стр. 2089

في الجديد في مسألة البراءة من العيوب لأنَّ مذهبه أنه إذا انتشر ولم يظهر له مخالِف، كان حجة. لكن إذا انتشر ولم يخالَف، دخل في قبيل الإجماع السكوتي، وقد سبق الخلاف فيه في "كتاب الإجماع"، فالحجية فيه، لا في مجرد قول الصحابي؛ ولهذا لو كان في غير عصر الصحابة، كان كذلك. ولهذا وَهَّموا صاحب "الحاصل" والبيضاوي في حكايته في هذه المسألة، وإنما حكاه الإمام في المسألة الآتية، وهي أنه هل يجوز لمجتهدٍ غيره أنْ يُقَلده؟ [أو] (١) لا؟ السابع: إنْ خالف القياس، كان حجة، وإلا فلا. قال ابن برهان في "الوجيز": هذا هو الحق البين، وإنَّ نصوص الشافعي تدل له. الثامن: حجة إنِ انضم إليه قياس التقريب. حكاه الماوردي قولًا للشافعي، فقال: إن قياس التقريب إذا اعتضد بقول الصحابي، كان أَوْلى مِن قياس التحقيق. قلت: فيه نظر؛ لأنَّ هذا في قياسين يطلب الترجيح فيهما، فيقال: يُقَدَّم قياس التقريب بانضمام قول الصحابي، لا أنَّ قول الصحابي وَحْده حينئذٍ هو الحجة، بل المجموع مُقدَّم على ما عارض مِن قياس آخَر. التاسع: حُجة إذا انضم إليه قياس مطلقًا. حكاه العلائي عن إشارة الشافعي في "الرسالة" الجديدة إليه. قلت: وفيه النظر السابق في الذي قبله. ونحوه ما حكاه ابن الصباغ عن بعض الأصحاب أن القياس الضعيف إذا اعتضد

стр. 2090

بقول الصحابي كان أَوْلَى من القياس القوي. فإنْ جعلنا القياس الضعيف أَعَم مِن قياس التقريب وغيره، كان قولًا آخَر مغايرًا لِمَا سبق. العاشر: قول الصحابي حُجة إذا كان مِن قول أبي بكر وعمر فقط. الحادي عشر: إذا كان مِن قول الخلفاء الأربعة. لكن هذا يحتمل عند القائل به أن يكون مِن قبيل الإجماع كما سبق في محله. الثاني عشر: قول الخلفاء الأربعة إلا عليًّا. وقد أُخذ هذا من قول الشافعي في "الرسالة" القديمة: (إنَّ الصحابة إذا اختلفوا وفي أحد الطرفين أبو بكر أو عمر أو عثمان، رجح) (١). ولم يذكر عليًّا. وقد حكى القفال في أول "شرح التلخيص" فيه لأصحابنا ثلاثة أَوْجُه: أنه إنما ترك عليًّا اختصارًا؛ لأنَّ حُكمه حُكمهم، أو اكتفاء بذكر الأكثر. واختاره ابن القاص، فقال: إن الشافعي قاله في الثلاثة نصًّا، وقلتُه في عِلي تخريجًا. ثانيها: أنه إنما لم يذكره لأنَّ الشافعي كان بعض المتعصبين عليه يرميه بالتشيع؛ فنفى الريبة عن نفسه بإسقاطه. وثالثها: وصححه القفال وجمعٌ: أنه أسقطه؛ لأنه ليس في قوله مِن القوة ما في قولهم، لكن لا لِنَقْص في قوته الاجتهادية - معاذ الله - بل لأنَّ الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الثلاثة كثيرين، فكانوا يستشيرونهم، كما فعل أبو بكر في مسألة الجدة، وعمر في الطاعون، وغير ذلك؛ فكان قول كل منهم كقول أكثر الصحابة. ولَمَّا آلَ الأمر إلى عِلي، خرج إلى

стр. 2091

الكوفة ومات خَلْقٌ من الصحابة؛ فلم يكن قوله كقولهم؛ لهذا المعنى، لا لنقصان فيه كرم الله وجهه ورضي عنه. الثاني عشر: إنْ كان الصحابي مَيّزَه النبي ﷺ بالنَّص كزَيْد في الفرائض وعِلي في القضاء ونحو ذلك، فقوله حجة. الثالث عشر: أنه غير حجة، ولكن يَصلح للترجيح. الرابع عشر: لا يَصلح للترجيح إلا أنْ يكون أحد الأربعة. الخامس عشر: إنْ ميزه النَّص فيرجح به. وستأتي هذه الأقوال في "كتاب التراجيح". وأما الثاني: وهو أنه هل يُقَلَّد فيما قاله باجتهاده؟ وهو تفريع على أنَّ قوله ليس بحجة، فحينئذٍ هل يجوز لمجتهدٍ تقليده سواء صحابي آخَر أو غيره؟ سيأتي في "باب الاجتهاد" أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد مجتهدًا، لكن في خصوص الصحابي ثلاثة أقوال للشافعي، ثالثها عن القديم: إنِ انتشر، جاز تقليده وإلا فلا. وقد سبق أنَّ هذا محل هذا القول، لا مسألة كَوْنه حُجة أوْ لا. على أن الحافظ صلاح الدين العلائي لَمَّا نقل أن الغزالي في "المستصفى" أَفْرَد هذه المسألة عن تلك وقال: (إنَّ قول الشافعي اختلف فيها، فقال في القديم: يجوز تقليده وإنْ لم ينتشر. ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلِّد العالِمُ صحابيًّا. نقله المزني، وهو الصحيح المختار) (١). وقال المزني في "أدب القضاء": (إنه يشاور، ولا يشاور إذا نزلت به المشكلة إلا أمينًا

стр. 2092

عالمًا بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس ولسان العرب). ثم قال بعد ذلك: (فأما أنْ يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بَعد رسول الله ﷺ ) (١). انتهى قال: (فأطلق اسم "التقليد" على الرجوع إلى قول رسول الله ﷺ ، وهو حُجة قطعًا، وكذلك قوله في تقليد الصحابي لاسيما مع ما تكرر من قوله في غير موضع من النهي عن التقليد والمنع منه) (٢). انتهى أما تقليد العوام لواحد من الصحابة ففيه خلاف حكاه إمام الحرمين، وقال: (إن المحققين على الامتناع) (٣). وليس هذا لأنهم دُون المجتهدين غير الصحابة، فَهُم أَجَلّ قَدْرًا، بل لأنَّ مذاهبهم لا يُوثَق بها، فإنها لم تثبت حق الثبوت كما ثبتت مذاهب الأئمة الذين لهم أتْباع. وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب "الفتيا"، وزاد أنه لا يُقَلَّد التابعون أيضًا ولا غيرهم ممن لم يُدَوَّن مذهبهم، وإنَّ التقليد يتعيَّن للأئمة الأربعة دُون غيرهم؛ لأنَّ مذاهبهم قد انتشرت وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عامِّها. وأما غيرهم فنُقلت عنه الفتاوى مجردة، فَلَعَلَّ لها مكملًا أو مقيدًا أو مخصصًا لو انبسط كلام قائله، لَظَهر خلاف ما يبدو منه، بخلاف هؤلاء الأربعة، فامتناع التقليد إذَن لِتَعَذُّر نَقْل حقيقة مذاهبهم. وذهب غيرهم إلى أنهم يقلَّدون؛ لأنهم قد نالوا رُتبة الاجتهاد، وهُم بالصحبة يزدادون رفعة. قال بعض المتأخرين: هذا هو الصحيح، لكن الشرط أن يتحقق ثبوت مذهب مَن يُراد

стр. 2093

تقليده، بل لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ إذْ مَن يقول: (يقلَّدون) يقول: (إذا تحقق ثبوت مذهبه)، ومَن يمنع فذلك عند عدم تَحقُّقه. نعم، في "أوسط" ابن برهان ما يحقق الاختلاف مِن وَجْه آخَر، فإنه بنى تقليد الصحابة على جواز الانتقال في المذاهب، فمَن منعه، منع تقليدهم، لأنَّ فتاويهم لا يقْدر على استحضارها في كل واقعة. وما قاله حسن. وقولي: (وَالشَّافِعِيْ وَإنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَا) إلى آخِره - جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أنه قد تَقرر أنَّ مذهب الشافعي الجديد أو الأرجح مِن أقواله في الجديد أن قول الصحابي غير حُجة وأنه لا يجوز للمجتهد أنْ يقلد المجتهد منهم، فكيف ذكر الشافعي في مواضع ما يخالف الأمرين؟ فمِن ذلك اتِّباعه لزيد بن ثابت ﵁ في الفرائض عند اختلاف الصحابة ﵁، حتى أنه يتردد إذا ترددت الرواية عن زيد، وقال: (قُلْتُه؛ تقليدًا لزيد، وعنه قَبلْنا أكثر الفرائض). وجواب ذلك أن أصحابه اختلفوا في قوله هذا، فمنهم مَن قال: إنه أراد أنه وافق اجتهادُه اجتهادَه، فليس اتِّباعه في ذلك لكون قوله حجة ولا أنه قلَّده؛ لأنَّ مِن مذهبه امتناع الأمرين؛ ولهذا قال المزني في أول "مختصره": (مع [إعلامِه] (١) نَهْي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لِدِينه، ويحتاط لنفسه) (٢). فمعنى قوله: (قبلنا أكثر الفرائض) أي: التي لا نَص فيه ولا إجماع، موافَقةً له في الاجتهاد؛ لأنَّ المجتهد ينظر في أقوال غيره من المجتهدين وفي حججهم، ثم يَقْبَل منها ما

стр. 2094

يؤديه إليه اجتهاده، لا تقليدًا لذلك المجتهد، بل نظرًا في حُجته كما [نظر هو] (١)، فهو مِن قبيل التوافق في الاجتهاد. وهذا الجواب يجري فيما سيأتي أيضًا مما يُوهم التقليد كما ستعرفه. ومنهم مَن قال: إنه تفريع على قول له آخَر أنَّ قول زَيْد في الفرائض حُجة، لا لكونه قول صحابي، بل لحديث: "أفرضكم زيد" (٢). وقد رواه الحاكم من رواية ابن عمر وأنس بلفظ: "أَفْرَض أُمتي زيد بن ثابت" (٣). وقال في حديث أنس: صحيح على شرط الشيخين. وكذلك رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بلفظ: "أَعْلم أُمتي بالفرائض زيد بن ثابت" (٤). وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وإنْ كان ابن حزم ادَّعى أنه لا يصح، وغوَّش كثيرًا. فإذا كان الحديث صحيحًا فيكون الأخذ بقول زيد إنما هو للحديث، لا لكونه قول زيد. وهو معنى قولي: (فكَانَ حُجَّهْ لِلشَّرْعِ لَا لِكَوْنِهِ الْمَحَجَّهْ). أي: لا لكون قول زيد هو موضع الحجة في ذاته.

стр. 2095

ومنهم مَن قال: إنه قاله تفريعًا على القول بأن مذهب الصحابي حجة، ولكن الأرجح مقابِله كما دل عليه غير ذلك مِن نصوصه. ومنهم مَن قال: إنه إنما قال ذلك لأنه ترجح عنده مذهب زيد من وجهين: الحديث السابق، وما قاله القفال: إنه ما تكلم أحد مِن الصحابة في الفرائض إلا وقد وُجِد له قولٌ في بعض المسائل مَهْجُور باتفاق إلا زيدًا ليس في أقواله أبدًا قول هجره الناس. وذلك من مقتضيات الترجيح، كالعمومين إذا وردَا وقد خُصَّ أحدُهما بالاتفاق دُون الثاني، فإنَّ الثاني يكون أَوْلى. قال الرافعي: (وقد يُعترَض بأنَّ للكلام مجالًا في أنَّ الوجهين هل يوجِبان ترجيحًا؟ وبتقدير التسليم فالأخذ بما رجح عنده إنْ لم يكن بناءً على الدليل في كل مسألة، لَمْ يَخْرج عن كونه تقليدًا، كالمقلِّد يأخذ بِقَول مَن رجح عنده مِن المجتهدين. وإنْ كان بناءً على الدليل فهو اجتهاد وافَق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد. ويجاب عنه بأن الشافعي لم يُخْلِ مسألة عن احتجاج واستشهاد، ولكنه استأنس بما رجح عنده مِن مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي وعضد الخفي، كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يُعْرَف له مخالِف. فباعتبار الاستئناس قِيل: إنه أخذ بمذهب زيد. وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لَمْ يقلِّد) (١). نعم، مال ابن الرفعة إلى أن الشافعي قلَّد زيدًا. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وليس بجيد؛ لأنَّ المراتب ثلاث: تقليد كتقليد العامي المجتهد، ولا يُظَن بالشافعي ذلك. وموافقة اجتهاده، فَقَوي اجتهاده بما وَرَدَ في زيد الذي قد وافقه، وذلك هو ما يُظَن

стр. 2096

بالشافعي. وأنْ يقصر الدليل في بعض المسائل بحيث لو انفرد لم ينهض، فيعضده قول زيد؛ فينهض؛ لِمَا عَلِمَه مِن شهادة الرسول ﷺ لزيد، فهذا قد يسمى تقليدًا، إذْ قد يُسمى الأخذ بقول الصحابي إذا عضده دليلٌ خفي "تقليدًا" كما قال الشافعي في البراءة من العيوب: قُلتُه تقليدًا لعثمان. ففي مذهب زيد أَوْلى؛ لِمَا وَرَدَ من الثناء عليه) (١). على أنَّ قوله في عثمان ذلك إنما هو لكونه انتشر ولم ينكره أحد؛ فيرجع للإجماع السكوتي. والله تعالى أعلم. ص: ٩١٥ - وَهَكَذَا "الْإلْهَامُ": أَيْ إيقَاعُ ... شَيءٍ بِقَلْبٍ مَا لَهُ انْدِفَاعُ ٩١١ - لَهُ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ، وَالله ... يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِهِ أَعْطَاهُ ٩١٢ - وَلَيْسَ مَا يَحْصُلُ مِن ذَا الْمُلْهَمِ ... بِحُجَّةٍ عَلَى الَّذِي لَمْ يُلْهَمِ الشرح: أي: ومن الأدلة المختلَف فيها: "الإلهام"، وهو لُغةً: ما يلقى في الروع. كما يقال: ألهمه الله الصبر، ونحو ذلك. وأما المراد هنا فما سنذكره ولم يذكره أحد من أصحابنا في الأصول إلا ابن السمعاني في "القواطع" نقلًا عن أبي زيد الدبوسي، فإنه ذكره عقب ذِكره إبطال التقليد. وكأنَ الحنفية لَما توسعوا في "الاستحسان" وسبق عن بعضهم تفسيره بِـ "دليل ينقدح في نفس المجتهد تَقْصر عنه عبارتُه" وهذا قريب من معنى "الإلهام"؛ فاستطردوا في

стр. 2097

ذكره؛ ولهذا قال أبو زيد: (الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به مِن غير استدلال بآية ولا نَظَر في حُجة). أما التعريف المذكور في النَّظم فهو ما ذكره ابن السبكي في "جمع الجوامع"، وهو أوضح في المعنى، فقال: ("الإلهام" إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر). و"إيقاع شيء في القلب" جنس يشمل الإلهام وغيره. و"يثلج له الصدر" أي: ينشرح ويطمئن، فَصْل يُخرج ما عداه. و"يثلج " بالثاء المثلثة والجيم واللام مضمومة مضارع "ثلج" بالفتح، أو مفتوحة مضارع "ثلج" بالكسر. على ما نقله أبو عمرو. والأول أشهر، وهو معنى قولي: (لَهُ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ). نعم، تَعرَّض بعض أصحابنا في الفقه لذلك، فذكره الماوردي والروياني في كتاب "أدب القضاء"، لكن عبارة الماوردي: (أبطل قوم وجوب النظر، وعوَّلوا على الإلهام). وأما الروياني فنقل الاحتجاج به عن بعض السلف. قيل: ولا يُعْرف ذلك في كلام السلف. قال أبو زيد: (الذي عليه جمهور العلماء أنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أُبيح عمله بغير عِلم. وقال بعض الجبرية: إنه حجة، بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله ﷺ . واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] أي: عرَّفها بالإيقاع في القلب. وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] الآية، وشَرْح الصدر بنور العِلم، وضيقه بِظُلْمة الجهل. وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أخبر بأنهم خُلقوا على الدِّين الحنيفي بلا صنيع منهم. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أي: ألهمها؛

стр. 2098

فالآدمي أَوْلى. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] أي: ألهمناها. وقال ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة" (١). وقال: "اتقوا فراسة المؤمن" (٢). والفراسة شيء يقع في القلب بلا نظر في حجة. وقال ﵇ لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على صدرك، فما حاك في قلبك فَدَعْه وإنْ أفتاك الناس وأفتوك" (٣)، وقال: "كان في الأمم محدثون، فإنْ يَكُن في هذه الأُمة منهم أَحَد فهو عُمَر" (٤).

стр. 2099

وعن أبي بكر: "أُلْقِي في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية" (١). والإلقاء هو الإلهام). وأطال في ذلك، قال: (فثبت أنَّ الإلهام حقٌّ، وأنه وحي باطن، إلا أنَّ العبد إذا عصى ربه وعمل بهواه، حُرِم هذه الكرامة، واستولى عليه وحي الشيطان. وأما حُجة أهل السنة والجماعة في منع حجيته فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، فألزمهم الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة، وأنَّ الحجة الباطنة لا أثَر لها. وكذا: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فإنه صريح أن شهادة قلوبهم لا تنهض حُجة، وأن الحجة هي ما يمكن إظهاره من الدلائل الشرعية كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] (٢). أي: لا يُعمل إلا بالدليل الظاهر. قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، إلى غير ذلك من الأمر بالاستدلال، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب. وفي السُّنة قوله ﷺ لمعاذ: "بم تحكم؟ " (٣) الحديث، لم يذكر له إلهام القلب.

стр. 2100

قال علماؤنا: ونقول لأهل الإلهام: ما قولكم في "الإلهام"؟ أهو حُجة عند موافقة الشرع؟ أو مطلقًا؟ فإنْ عَمَّموا حتى في مخالِف الشرع فقد خرقوا قواعد الإسلام، وإنْ خَصَّصوا بما يوافق الشرع فذلك متوقَف على النظر في دلائل الشرع. ثم الإلهام قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون مِن النفس، ولا حَقّ منها إلا ما كان مِن الله، فكيف يكون حُجة على الإطلاق؟ ! وأما الجواب عن حججهم فالمراد بإلهامها فجورها وتقواها: تعريفها طُرق العلم والحجج، وكذا كل ما ذكروه في الإنسان، فهذا هو المراد به. وأما الفطرة فهي أنَّ الآدمي يُخلق وعليه أمانة الله التي قَبِلها اَدم ﵇، فيكون على فطرة الدِّين. وأما الوحي للنحل ونحو ذلك فذلك تسخير لها وخَلْق لِمَا تفعل ونحو ذلك. وأما الفراسة فليست مما نحن فيه؛ لأنَّ المراد أنها قد تصيب؛ لكونها مِن الله، لا أنها دائمًا كذلك، فقد تكون من الشيطان أو من النفس). قال: (ونقول في التمييز بين الحق والباطل: إنَّ كل ما استقام على شرع النبي ﷺ ولم يكن في الكتاب والسُّنة ما يرده فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون من تسويلات النفس، على أنَّا لا ننكر ورود نور من الله تعالى كرامة للعبد وزيادة نظر له، وأما أنه يرجع إلى قلبه في جميع الأمور فَقَوْل لا نَعْرفه) (١). انتهى

стр. 2101

قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (ومع كوننا لا ننكره فَلَسْنَا نزعم أنه حُجة شرعية، وإنما هو نور في القلب يخص الله به من يشاء من عباده، فإذا وافق الشرع، كان الحجة ذلك الشرع، لا ما قام في الذهن. ونقول: رُب صالح عالِم مطعمه حلال ومشربه حلال وملبسه حلال -يختصه الله بأنْ يلهمه الصواب، ولا يَحِل له في ظاهر الشرع الاحتجاج بذلك؛ لأنه ليس بمعصوم؛ فلا ثقة له بخواطره) (١). قولي: (وَلَيْسَ مَا يَحْصُلُ مِن ذَا الْمُلْهَمِ) البيت إشارة إلى ما قاله الإمام شهاب الدين السهروردي في بعض "أماليه": إن الإلهام علوم تحدث في النفوس المطمئنة الزكية. قال: وفي الحديث: "إن من أُمتي محدثين ومكلمين، وإن عمر منهم"، وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، فأخبر أن النفوس ملهمة، والنفس الملهمة علومًا لدنيَّة هي التي تَبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمَّارة. ثم نبه على أمر حسن يرتفع به الخلاف، فقال: وهذا النوع لا يتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دُون غيره؛ إذ لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم وإنْ كانت له فائدة تتعلق بالأغيار على وجه خاص. قال: وإنما لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم لكون محله النفس وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأُولى وهي الوحي الذي قام به الملَك [المُلَقَّى] (٢)؛ لأنَّ محله المجانس للروح [الروحاني] (٣) العلوي.

стр. 2102

تنبيهات الأول: رد الماوردي على مَن يقول بأنَّ الإلهام حُجة، فقال: (نقول له: لِمَ قلت ذلك؟ فإنِ استدل بغير الإلهام مِن الأدلة فَقَدْ ناقض، وإنِ استدل بالإلهام فَقَدِ استدل على الشيء بنفسه) (١). وحذف الروياني هذا الدليل. وبعْم ما فعل، لأنَّ القائل بالإلهام لا يمنع الاحتجاج بغيره مِن الأدلة، والقائل به إنما يقول ذلك، لا أنه يحصُر الدليل في الإلهام، فلا يقال له: ناقضت. الثاني: منهم مَن حمل قول الاحتجاج بالإلهام على أنَّ فيه تقوية لِمَا يَكون حُجة شرعية، لا أنه دليل مستقل كما يقال: الإجماع دليل، القياس دليل، إلى غير ذلك. وقد أفاد الماوردي والروياني أن مَن يقول: (إنَّ الإجماع يكون بغير سند) أنه اعتمد على التوقيف المجرد. الثالث: قد تَقدم أن النور المقذوف في القلب لا مانع منه، فكيف يناسب هذا ما قاله القوم: إنَّ الكرامة لا يظهرها صاحبها باختيار. وما ذكرتم فيه أنه يقصد إظهارها؟ وجوابه أن هذا قول لبعض الأئمة، وقد قال إمام الحرمين في "الشامل": إنه غير مَرْضِي عند المحصلين. بل قد يُظهرها اختيارًا، إما لبشارة أو نذارة أو تربية، فربما قصد الشيخ أنْ يُظهِر لمريده كرامة، تربيةً له، ليزيده فيه اعتقادًا يَحْمِله على الانقياد له، بِشَرْط أن لا يقارِن ذلك مُشَوِّش مِن رؤية النفْس أو نحو ذلك كما أشار إليه الشافعي ﵁ بقوله: أود أنْ يشيع

стр. 2103

هذا العِلم في الناس ولا يُنْسَب إلَيَّ منه شيء. الرابع: يَقْرُب مِن الإلهام مَن رأى في منامه النبي ﷺ يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، ومَن رآه فقد رآه حقًّا. قال أصحابنا: لا يجوز اعتماده؛ لعدم ضبط الرائي؛ فإنَّ النائم لا ضبط له، وغاية الرائي أنه راوٍ. كذا جزم به القاضي حسين في "فتاويه" في الصوم، وقال: لو قال لنا قائل: "رأيتُ النبي ﷺ في المنام وقال لي: غدًا من رمضان"، قُلنا له: قال لنا رسول الله ﷺ في اليقظة: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (١). وكذا جزم جهذا الحكم الرافعي في "كتاب النكاح" وغَيْرُ واحد، وعللوه بما ذكرناه. وفيه نظر؛ فإنَّ الصبي إذا تحمَّل وأدَّى بَعْد البلوغ ما ضَبَطَه، قُبِل وعُمِل بقوله. وغاية هذا النائم أنه قد لا يضبطه، فإذا ضبط وحَقَّق هذا، فلِمَ لا يُعمل به والكلام فيما ليس فيه مخالفة لِمَا وَرَد عنه في اليقظة ولا موافَقة؟ فإنَّ الموافِق لا يُحتاج إليه، والمخالِف مطرح بما في اليقظة كما أشار إليه القاضي الحسين فيما سبق. وعَلله الشيخ تقي الدين السبكي بأنَّ الذي أخبر به النبي ﷺ أنَّ مَن رآه في النوم فقد رآه حقًّا، ولم يخبر بأنه يقول له أو يُكلمه. قال: والنائم ليس على يقين مِن كلامه؛ فمِن هنا كان غير حُجة. قال في "شرح المنهاج" في "باب الوصية": فنقول للنائم: الذي جاءت به الشريعة تصديقك في أنك رأيت، لا في أنك سمعت. فإنْ قال: لا أَمْتَرِي في سماع نفسي. قُلنا له: حُكم الله لا يُتَلَقَّى إلا مِن لفظٍ أو مِن استنباط، ولَسْتَ في شيء منهما، ولَسْنَا على قَطْع بأنَّ

стр. 2104

سماعك [تلقي] (١) للخطاب مِن تلك الصورة الظاهرة التي لا يتمثل الشيطان بها. فإنْ [جاءك القَطْع] (٢) بسماعه منها لا مِن غيرها، لم نجد إلى ذلك سبيلًا غير أَمْر أَوْقَعَه الله في قلبه، وليس ذلك إلا لبعض الآحاد، ثم ليس هذا الشرع الظاهر الذي أَلْزَم الله عباده به قاطبة. وفي كتاب "الجدل" للأستاذ أبي إسحاق أن بعض أصحابنا ذهب إلى العمل بمقتضى الرؤيا. قال: ولا بأس عندي بالذهاب إلى ذلك ما لم يخالِف شرعًا ظاهرًا. قال الشيخ تقي الدين السبكي: يحسُن العمل بذلك، ولكن لا سبيل إلى الإيجاب؛ لاحتياج ذلك إلى دليل ظاهر يدل عليه، وليس فيما ذكر ما يدل عليه. فائدة في أدلة مختلَف فيها لم نذكرها في النَّظم هنا: لِمَا سنذكره: منها: الأخذ بأقل ما قيل، وقد سبق ذِكره في "كتاب الإجماع". ومنها: المصالح المرسلة، وقد سبق بيانه في "باب القياس". ومنها أنَّ: الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم: أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإنه دليل على الإذن لهم فيما اختصهم به بقوله: ﴿لَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فإن الاستفهام للإنكار؛ فيكون حلالًا. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤، ٥] فإنه دليل الاختصاص بهم، والطيبات هي المباحات.

стр. 2105

وأما الثاني: فلقوله ﵊: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام" (١). رواه ابن ماجه (٢) من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت بدون قوله: "في الإسلام". وكذا رواه الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ورواه بهذه الزيادة أبو داود في " المراسيل" من حديث واسمع بن حبان (٣)، ووصله الطبراني في "الأوسط" من روايته عن جابر (٤). ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَن ضار، أَضَر الله به، ومَن شاق، شق الله عليه" (٥). ووَجْه الدلالة: عموم نَفْي، الضرر وهذا النفي ليس واردًا على الإمكان ولا على الوقوع قطعًا، بل على الجواز. فإذا انتفى الجواز، ثبت التحريم، وهو المدَّعَى. وإنما لم أذكر ذلك مِن الأدلة المختلَف فيها في النَّظم؛ لأنه حُكم بعد ورود الشرع بدليل شرعي، لا أنه نفسه دليل، غايته أنه قاعدة كلية. وسيأتي من قواعد الفقه أن "الضرر يُزال". و"القاعدة" هي: الأمر الكُلي المنطبق على جزئيات، لا أنها دليل.
следующие страницы →