قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (ومع كوننا لا ننكره فَلَسْنَا نزعم أنه حُجة شرعية، وإنما هو نور في القلب يخص الله به من يشاء من عباده، فإذا وافق الشرع، كان الحجة ذلك الشرع، لا ما قام في الذهن. ونقول: رُب صالح عالِم مطعمه حلال ومشربه حلال وملبسه حلال -يختصه الله بأنْ يلهمه الصواب، ولا يَحِل له في ظاهر الشرع الاحتجاج بذلك؛ لأنه ليس بمعصوم؛ فلا ثقة له بخواطره) (١).
قولي: (وَلَيْسَ مَا يَحْصُلُ مِن ذَا الْمُلْهَمِ) البيت إشارة إلى ما قاله الإمام شهاب الدين السهروردي في بعض "أماليه": إن الإلهام علوم تحدث في النفوس المطمئنة الزكية.
قال: وفي الحديث: "إن من أُمتي محدثين ومكلمين، وإن عمر منهم"، وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، فأخبر أن النفوس ملهمة، والنفس الملهمة علومًا لدنيَّة هي التي تَبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمَّارة.
ثم نبه على أمر حسن يرتفع به الخلاف، فقال: وهذا النوع لا يتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دُون غيره؛ إذ لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم وإنْ كانت له فائدة تتعلق بالأغيار على وجه خاص.
قال: وإنما لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم لكون محله النفس وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأُولى وهي الوحي الذي قام به الملَك [المُلَقَّى] (٢)؛ لأنَّ محله المجانس للروح [الروحاني] (٣) العلوي.
стр. 2102
تنبيهات
الأول: رد الماوردي على مَن يقول بأنَّ الإلهام حُجة، فقال: (نقول له: لِمَ قلت ذلك؟ فإنِ استدل بغير الإلهام مِن الأدلة فَقَدْ ناقض، وإنِ استدل بالإلهام فَقَدِ استدل على الشيء بنفسه) (١).
وحذف الروياني هذا الدليل. وبعْم ما فعل، لأنَّ القائل بالإلهام لا يمنع الاحتجاج بغيره مِن الأدلة، والقائل به إنما يقول ذلك، لا أنه يحصُر الدليل في الإلهام، فلا يقال له: ناقضت.
الثاني: منهم مَن حمل قول الاحتجاج بالإلهام على أنَّ فيه تقوية لِمَا يَكون حُجة شرعية، لا أنه دليل مستقل كما يقال: الإجماع دليل، القياس دليل، إلى غير ذلك.
وقد أفاد الماوردي والروياني أن مَن يقول: (إنَّ الإجماع يكون بغير سند) أنه اعتمد على التوقيف المجرد.
الثالث: قد تَقدم أن النور المقذوف في القلب لا مانع منه، فكيف يناسب هذا ما قاله القوم: إنَّ الكرامة لا يظهرها صاحبها باختيار. وما ذكرتم فيه أنه يقصد إظهارها؟
وجوابه أن هذا قول لبعض الأئمة، وقد قال إمام الحرمين في "الشامل": إنه غير مَرْضِي عند المحصلين. بل قد يُظهرها اختيارًا، إما لبشارة أو نذارة أو تربية، فربما قصد الشيخ أنْ يُظهِر لمريده كرامة، تربيةً له، ليزيده فيه اعتقادًا يَحْمِله على الانقياد له، بِشَرْط أن لا يقارِن ذلك مُشَوِّش مِن رؤية النفْس أو نحو ذلك كما أشار إليه الشافعي ﵁ بقوله: أود أنْ يشيع
стр. 2103
هذا العِلم في الناس ولا يُنْسَب إلَيَّ منه شيء.
الرابع: يَقْرُب مِن الإلهام مَن رأى في منامه النبي ﷺ يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، ومَن رآه فقد رآه حقًّا.
قال أصحابنا: لا يجوز اعتماده؛ لعدم ضبط الرائي؛ فإنَّ النائم لا ضبط له، وغاية الرائي أنه راوٍ. كذا جزم به القاضي حسين في "فتاويه" في الصوم، وقال: لو قال لنا قائل: "رأيتُ النبي ﷺ في المنام وقال لي: غدًا من رمضان"، قُلنا له: قال لنا رسول الله ﷺ في اليقظة: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (١).
وكذا جزم جهذا الحكم الرافعي في "كتاب النكاح" وغَيْرُ واحد، وعللوه بما ذكرناه.
وفيه نظر؛ فإنَّ الصبي إذا تحمَّل وأدَّى بَعْد البلوغ ما ضَبَطَه، قُبِل وعُمِل بقوله.
وغاية هذا النائم أنه قد لا يضبطه، فإذا ضبط وحَقَّق هذا، فلِمَ لا يُعمل به والكلام فيما ليس فيه مخالفة لِمَا وَرَد عنه في اليقظة ولا موافَقة؟ فإنَّ الموافِق لا يُحتاج إليه، والمخالِف مطرح بما في اليقظة كما أشار إليه القاضي الحسين فيما سبق.
وعَلله الشيخ تقي الدين السبكي بأنَّ الذي أخبر به النبي ﷺ أنَّ مَن رآه في النوم فقد رآه حقًّا، ولم يخبر بأنه يقول له أو يُكلمه.
قال: والنائم ليس على يقين مِن كلامه؛ فمِن هنا كان غير حُجة.
قال في "شرح المنهاج" في "باب الوصية": فنقول للنائم: الذي جاءت به الشريعة تصديقك في أنك رأيت، لا في أنك سمعت. فإنْ قال: لا أَمْتَرِي في سماع نفسي. قُلنا له: حُكم الله لا يُتَلَقَّى إلا مِن لفظٍ أو مِن استنباط، ولَسْتَ في شيء منهما، ولَسْنَا على قَطْع بأنَّ
стр. 2104
سماعك [تلقي] (١) للخطاب مِن تلك الصورة الظاهرة التي لا يتمثل الشيطان بها. فإنْ [جاءك القَطْع] (٢) بسماعه منها لا مِن غيرها، لم نجد إلى ذلك سبيلًا غير أَمْر أَوْقَعَه الله في قلبه، وليس ذلك إلا لبعض الآحاد، ثم ليس هذا الشرع الظاهر الذي أَلْزَم الله عباده به قاطبة.
وفي كتاب "الجدل" للأستاذ أبي إسحاق أن بعض أصحابنا ذهب إلى العمل بمقتضى الرؤيا. قال: ولا بأس عندي بالذهاب إلى ذلك ما لم يخالِف شرعًا ظاهرًا.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: يحسُن العمل بذلك، ولكن لا سبيل إلى الإيجاب؛ لاحتياج ذلك إلى دليل ظاهر يدل عليه، وليس فيما ذكر ما يدل عليه.
فائدة في أدلة مختلَف فيها لم نذكرها في النَّظم هنا: لِمَا سنذكره:
منها: الأخذ بأقل ما قيل، وقد سبق ذِكره في "كتاب الإجماع".
ومنها: المصالح المرسلة، وقد سبق بيانه في "باب القياس".
ومنها أنَّ: الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم:
أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإنه دليل على الإذن لهم فيما اختصهم به بقوله: ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فإن الاستفهام للإنكار؛ فيكون حلالًا. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤، ٥] فإنه دليل الاختصاص بهم، والطيبات هي المباحات.
стр. 2105
وأما الثاني: فلقوله ﵊: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام" (١). رواه ابن ماجه (٢) من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت بدون قوله: "في الإسلام". وكذا رواه الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ورواه بهذه الزيادة أبو داود في " المراسيل" من حديث واسمع بن حبان (٣)، ووصله الطبراني في "الأوسط" من روايته عن جابر (٤). ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَن ضار، أَضَر الله به، ومَن شاق، شق الله عليه" (٥).
ووَجْه الدلالة: عموم نَفْي، الضرر وهذا النفي ليس واردًا على الإمكان ولا على الوقوع قطعًا، بل على الجواز. فإذا انتفى الجواز، ثبت التحريم، وهو المدَّعَى.
وإنما لم أذكر ذلك مِن الأدلة المختلَف فيها في النَّظم؛ لأنه حُكم بعد ورود الشرع بدليل شرعي، لا أنه نفسه دليل، غايته أنه قاعدة كلية.
وسيأتي من قواعد الفقه أن "الضرر يُزال".
و"القاعدة" هي: الأمر الكُلي المنطبق على جزئيات، لا أنها دليل.
стр. 2106
ومنها: "سد الذرائع": والقائل به المالكية.
و"الذرائع" بالمعجمة: الوسائل. والمراد: سَد باب الوسائل المؤدِّية إلى محذور في الشرع.
قال القرافي: (وليس كما يُظَن أنه خاص بالمالكية؛ فقد أجمعت الأُمة على أنَّ الذرائع على ثلاثة أقسام:
أحدها: معتبَر إجماعًا، كحفر الَابار في طُرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، ويسَب الأصنام عند مَن يُعْلَم مِن حاله أنه يَسب الله تعالى حينئذٍ.
وثانيها: مُلغًى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يُمْنَع خشية الخمر، والشركة في سُكنى الأدر خشية الزنَا.
وثالثها: مختلَف فيه، كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا).
قال: فحاصل القضية أنَّا قُلنا بسد الذرائع أكثر مِن غيرنا، لا أنها خاصة بنا.
ثم قال: (واعْلَم أن الذريعة كما يجب سَدُّها يجب فتحها، ويُكره ويندب ويباح، فإنَّ "الذريعة" هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرَّم محرَّمة فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين: "مقاصد"، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. و"وسائل" وهي الطُّرق المفْضِيَة إليها، وحُكمها حُكم ما أَفْضَت إليه من تحريم أو تحليل، غَيْر أنها أَخْفَض رُتبة من المقاصد في حُكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ويُنبِّه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأثابهم على الظمأ والنصب وإنْ لم يكونَا مِن فِعلهم؛ لأنهما حصلَا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدِّين وصون
стр. 2107
المسلمين) (١). انتهى
قلت: فبان بذلك أن سد الذرائع راجع إلى قاعدة مقدِّمة الواجب، فَلْيُكْتَفَى بما سبق في "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" مفصلًا.
ومنها "دلالة الاقتران" غير حُجة، خلافًا لأبي يوسف والمزني، ترتب عليها الاستدلال على إيجاب الكتابة بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]؛ لاقترانه بإيجاب الإيتاء. ونقل ذلك [مجلي] (٢) عن صاحب "التقريب" فيما إذا طلب العبد الكتابة.
ومَن لا يقول بدلالة الاقتران قال: لا تجب الكتابة. وهُم جادة الشافعية.
وقال إمام الحرمين: لم أَرَ على مذهب الشافعي مسألة أصعب من مسألة الإيتاء.
ومما يترتب على الخلاف أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، مشهور المذهب أنه يجب الإطعام ولا يجب الأكل.
ومن ذلك حديث: "خَمْس مِن الفطرة" (٣). فإنَّ بعضها واجب.
ومنه أيضًا حديث: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (٤).
قال الشافعي: الماء مُتَعَين للإزالة. ولم يُبال باقترانه بما ليس بواجب وهو الحت والقرص. وقد سبقت المسألة في باب العموم، وذكرتُ أنَّ كثيرًا ما تذكر في باب الأدلة المختلَف فيها، وسبق فيها زيادة إيضاح، فليراجَع مِن ثَمَّ.
стр. 2108
ومنها: الاستدلال بالتلازم: وقد سبقت الإشارة إليه في مواضع.
وبالجملة فتترجم أنواع الأدلة المختلَف فيها بِـ "باب الاستدلال". وفيما ذكرناه من ذلك كفاية في هذا المختصر والله تعالى أعلم.
تذنيب:
٩١٣ - قَدْ قُرِّرَتْ في فِقْهِنَا قَوَاعِدُ ... وَفي أُصُولهِ لَهَا شَوَاهِدُ
٩١٤ - مِنْهَا: "الْيَقِينُ الشَّكُّ لَا يَرْفَعُهُ" ... وَذَا في الِاسْتِصْحَابِ مَا يَنْفَعُهُ
الشرح:
لما كان مما يشبه الأدلة - وليست بأدلة - القواعد التي قد ثبت مضمونها بالدليل وصارت يُقْضَى بها في جزيئاتها كأنها دليل على ذلك الجزئي، ناسَبَ أن يُذكر هنا شيء مِن مهمات قواعد مذهب الشافعي التي صارت مشهورة متسعة الفروع، ولكنها في الحقيقة راجعة إلى قواعد في أصول الفقه، وذكرتها وأشرتُ إلى ما يرجع كل منها إليه مِن قواعد أصول الفقه باختصار، وهذا معنى قولي: (وَفي أُصُولِهِ لَهَا شَوَاهِدُ).
وبالجملة فحق على مَن يروم أحكام عِلمٍ أن يضبط قواعده؛ لِيَرُد إليها منتشر فروعه وشوارده، ثم يؤكد بالاستكثار مِن حِفظ الفروع؛ ليرسخ في الذهن؛ فتثمر بفضلٍ غير مقطوع ولا ممنوع.
قال إمام الحرمين في كتاب "المدارك": (الوجه لكل مُتَصَدٍّ للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول سوقه الآكد، و [ينص] (١) مسائل الفقه عليها [نَص] (٢) مَن يحاول
стр. 2109
بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف حمام ذهنه في وضع الوقائع -مع العِلم بأنها لا تنحصر- مع الذهول عن الأصول). انتهى
واعلم أن قواعد فقه مذهبنا كثيرةٌ جدًّا، غَيْر أنَّ القاضي الحسين لَمَّا بَلَغه حكاية أبي طاهر الدباس -إمام الحنفية بما وراء النهر- حيث رد جميع مذهب أبي حنيفة ﵀ إلى سبع عشرة قاعدة وأنه كان يضنّ بتعليمها، رد القاضي مذهب الشافعي ﵀ إلى أربع قواعد: "اليقين لا يُزال بالشك"، و"الضرر يُزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة".
قال إمام الحرمين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه نَظَر؛ فإنَّ غالبه لا يَرْجع إليها إلا بوسائط وتَكَلُّف.
قال الحافظ العلائي: ورأيت فيما علقت بالقاهرة عن بعض الفضلاء أنه ضم إلى الأربع خامسة، وهي: " الأمور بمقاصدها"؛ لحديث: "إنما الأعمال [بالنيات] (١) " (٢)، وقال: بُنِي الإسلام على خمس والفقه على خمس. وما قاله حسن؛ لأنَّ الشافعي قال: يدخل في هذا الحديث ثُلث العِلم.
نعم، ردها بعضهم إلى بعض الأربع كما سنذكره في محله.
وردَّ الإمام ابن عبد السلام الفقه كُله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، ولو ضايقه مضايق لقَال: وَرَدُّ الكل إلى اعتبار المصالح؛ فإنَّ دَرْء المفاسد مِن جُملتها.
ولكن كل هذا فيه تَعَسُّف أو إجمال شديد، والقواعد وإنْ زادت على المائتين لكن هذه الخمس متسعة جدًّا؛ فلذلك أحببنا أن نذكر شيئًا من بيانها.
стр. 2110
الأُولى: "اليقين لا يُرْفَع بالشك":
[بل] (١) الأمر فيما تُيُقِّنَ باقٍ على حاله؛ لحديث عبد الله بن زيد المازني شكي إلى النبي ﷺ الرجُل يُخيل إليه أف يجد الشيء في الصلاة، قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢). أخرجاه، ولمسلم: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أَخَرَج منه شيء؟ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٣).
فمَن شك في امرأة هل تَزوجها؟ أم لا؟ لم يكن له وطئها؛ استصحابًا لحكم التحريم إلى أنْ يتحقق تَزَوُّجه بها اتفاقًا.
وكذا لو شك هل طَلَّق زوجته؟ أو لا؟ لا يقع عليه شيء، وله أنْ يطأ حتى يتحقق الطلاق؛ استصحابًا للنكاح.
ولا تختص هذه القاعدة بالفقه، بل الأصل في كل حادث عَدَمه حتى يتحقق، كما نقول: الأصل انتفاء الأحكام عن المكلَّفين حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر للوجوب، والنواهي للتحريم، والأصل بقاء العموم حتى يتحقق ورود المخصِّص، وبقاء حُكم النَّص حتى يَرِد الناسخ، وغير ذلك مما لا حصر له.
ولأجْل هذه القاعدة كان الاستصحاب حُجة، بل يكاد أنْ يكونَا مُتَّحِدَين؛ ولذلك قلتُ في النَّظم: (وَذَا في الِاسْتِصْحَابِ مَا يَنْفَعُهُ).
ومما يبنى عليه أيضًا أنَّ المانع لا يطالَب بدليل؛ لأنه مُستنِد للاستصحاب، كما أن المدعَى عليه في باب الدعوى لا يطالَب بحجة، بل القول في الإنكار قوله بيمينه كما قال ﷺ : "البينة
стр. 2111
على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه" (١). وفي رواية: "على مَن أنْكَر" (٢).
تنبيهات
الأول: المراد هنا بِـ "الشك" [المعنى] (٣) اللغوي فيه، وهو مطلق التردد، أَعَم مِن استواء الطرفين ومن رجحان أحدهما. وأما ما قاله الرافعي في يقين الحدث أنه يُرْفَع بِظَن الطهارة وتبعه عليه في "الحاوي الصغير" فوَهَّموه فيه؛ إذ لا فرق في ذا الباب بينهما، كما أن يقين الطهر لا يرتفع لا بِشَك ولا بِظن.
نعم، إذا كان منشأ الظن الغلبة كما في ثياب مدمني الخمر وأوانيهم وثياب القصابين والصبيان الذين لا يتوَقون النجاسة وطين الشوارع الذي لا يتيقن نجاسته ومقبرة شك في نبشها وأواني الكفار المتدينين بالنجاسة ونحو ذلك، ففيه قولان للشافعي، وأصحهما تقديم الأصل.
وُيعَبَّر عنهما بقولي: (تَعارُض الأصل والظاهر) ومرة بِـ "تَعارُض الأصل والغالب".
стр. 2112
والعبارتان بمعنى واحد، خلافًا لقول بعضهم: إنَّ الفرق بينهما أن الغالب ما يغلب على الظن مِن غير مشاهدة.
قال: وهذا يُقدَّم الأصل فيه، و"الظاهر": ما يحصل بمشاهدة، كبول الظبية في ماء فيوجد متغيرًا، أو إنزال المرأة الماء بعدما اغتسلت وقضت شهوتها، فيقدَّم الظاهر.
والراجح تسوية الظاهر والغالب؛ لأنَّ "الظاهر" هو ترجح وقوعه، فهو مُساوٍ للغالب.
نعم، قد يقطع بتقديم الغالب على الأصل، كاستعمال السرقين في الفخار.
قال الماوردي: فيحكم بنجاسته قطعًا. ومِثله الماء الهارب في الحمام؛ لاطراد العادة بالبول فيه.
ومما يُقطع فيه بتقديم الظاهر أيضًا تقديم مَن قامت البينة بملكه على مَن المدَّعى به في يده، فإنَّ الأصل عدم الملك، والظاهر مِن اليد الملك.
وقد يقطع بتقديم الأصل بأنْ تندر أسباب الظاهر، كمَن تيقن الطهارة وظن الحدث.
وقد يرجح تقديم الأصل، وقد يرجح تقديم الظاهر، ومحل بسط ذلك الفقه.
وإنما خُولِف الاستصحاب للأصل بقطع أو رجحان في ما خالف بمرجِّح مِن خارج، وكذلك القول فيما لو عُورِض أصل بأصل آخَر فرجح أحد الأصلين، فإنما يقع الترجيح بأمر خارجي، فهو وإن كان فيه قولان كما في تَعارُض الأصل والظاهر إلا أن أحدهما قد تَرجَّح مِن جهة أخرى.
قال صاحب "الذخائر" في "باب زكاة الفطر": وعلى المجتهد ترجيح أحدهما بوجه من وجوه النظر، فلا يُظن أنَّ تَقابُل الأصلين يمنع المجتهد من إخراج الحكم، إذ لو كان كذلك لَخَلَت الواقعة عن حُكم الله تعالى، وهو لا يجوز.
وقال الماوردي: إذا تَعارضَا، أخذ بالأحوط؛ ولهذا لو شك وهو في الجمعة هل خرج
стр. 2113
الوقت؟ أو لا؟ أتم الجمعة على الصحيح، فإنَّ الأصل بقاء الوقت. ولو شك قبل الشروع فيها في بقاء الوقت، لم يجمع؛ لأنَّ الأصل وجوب الظهر.
وقيل: يجوز؛ لأنَّ الأصل بقاء الوقت. وأمثلة هذا كثيرةٌ جدًّا.
الثاني:
قال إمام الحرمين في "البرهان" وفي باب "الشك في الطلاق" من "النهاية": (إنَّ ما اشتهر في قواعد الفقه أن "اليقين لا يُرفَع بالشك" فيه تَجَوُّز؛ إذِ اليقين لا يجتمع مع الشك، وإذا طرأ الشك فلا يقين. وإنْ أرادوا أنَّ اليقين السابق لا يُترك بالشك الطارئ فليس هذا على الإطلاق، بل إذا طرأ الشك لم يَخْلُ مِن ثلاثة أحوال) (١) إلى آخِر ما قال.
وجواب ما أشار إليه مِن الإشكال أن اليقين كان أولًا، والمستمر بعد ذلك استصحاب حُكمه وليس بيقين، فيجوز أنْ يتعارض مع تَردُّد في حصول طارئ يَرفع الحكم المستصحَب.
الثالث:
استثنى ابن القاص في "التلخيص" من قاعدة "إنَّ اليقين لا يُرفَع بالشك" إحدى عشرة مسألة، وَرَدَّ عليه القفال الكل، ولكن الأرجح مع ابن القاص في كثير:
أحدها: شك ماسح الخف هل انقضت مُدته؟ أو لا؟ فإنه يأخذ بالانقضاء وإنْ كان الأصل بقاؤها.
ثانيها: شك هل مسح في الحضر؟ أو في السفر؟ يأخذ بأنه مسح في الحضر.
وردَّه القفال بأنه لم يَزُل اليقين بالشك، بل لأنَّ الأصل غسل الرجلين، فلا يُعْدَل إلى
стр. 2114
المسح إلا بيقين.
والأرْجَح مع ابن القاص.
ثالثها: أحرم المسافر بِنِيَّة القصر خَلْف مَن لا يدري أهو مسافر؟ أو مقيم؟ لا يقصر.
ورُدَّ بأن ذلك إنما هو لأنَّ القصر رخصة ولم يتحقق شرطُه.
رابعها: بالَ حيوان في ماءٍ كثيرٍ ووُجِد متغيرًا، فإنه نجس على النَّص مع أنَّ الأصل عدم التغيُّر.
ورُدَّ بأن إحالة التغير على البول المتيقَّن أَوْلى مِن إحالته على طُول المكث، فإنه مظنون، فَقُدِّم الظاهر على الأصل.
خامسها: المتحيرة يَلزمها الغسل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها مع أنَّ الأصل عدم انقطاعه.
ورُدَّ بأن الأصل باقٍ في الذمة، فإذا شكت في الانقطاع، وجب الغسل.
والأرجح قول ابن القاص، وهو قريب من صورة الشك في الحدث، لكن الأمر بالاحتياط هناك اقتضَى ذلك.
سادسها: مَن شك في موضع النجاسة مِن الثوب، يغسله كله مع أنَّ الأصل -في غير ذلك الموضع مِن الثوب- الطهارة.
ورُدَّ بأنه ممنوع من الصلاة، ولا يتحقق الطهارة إلا بغسل الجميع.
سابعها وثامنها: شك مسافر أَوَصَل بَلَدَه؟ أم لا؟ أو: هل نوى الإقامة؟ أو لا؟ لم يترخص مع أن الأصل بقاء السفر وعدم وصوله.
ورُذَ بأن الأصل الإتمام، والقصر رخصة، فلا يعْدل إلى الرخصة إلا بيقين.
وحكى القفال في السابعة وجهًا بالجواز، ولم يذكره في الثامنة، وذكره الإمام نقلًا عن
стр. 2115
حكاية الشيخ أبي علي.
تاسعها: مَن به حدث دائم إذا توضأ ثم شك هل انقطع حدثه؟ أم لا؟ فصلى بطهارته، لم يصح مع أن الأصل الاستمرار.
ورُدَّ بأن طهارته ضرورة، فإذا شك في الانقطاع فقد شك في السبب المُجَوِّز؛ فيرجع إلى الأصل.
والأرجح مع ابن القاص.
عاشرها: المتيمم إذا تَوهَّم الماء، بَطُل تيممه مع أن الأصل عدمه وإنْ بَانَ أنْ لا ماء.
ورُدَّ بأن تَوهُّم الماء يوجِب الطلب، وذلك مُبْطل للتيمم.
والأرجح مع ابن القاص؛ فإنَّ مجرد الوهم قد [أعملناه] (١) في إبطال المتيقن وهو الطهارة، ونحن إذا [ننظر] (٢) للأصل الموجود أسقطناه بالشك.
حادي عشرها: رمى صيدًا فجرحه ثم غاب فوجده ميتًا، وشَكَّ هل أصابه شيء آخَر مِن رمية؟ أو حجر؟ فإنه لا يحل، وكذا في إرسال الكلب.
ورُدَّ بأنَّ فيه قولين، فإنْ أَجَزْنَا أَكْله فلا استثناء، وإنْ منعناه فالأصل التحريم وقد شككنا في الحل.
وهذا ردٌّ جيدٌ، وقد رجح جَمعٌ الحل، وهو الأرجح دليلًا وإنْ صحح الجمهور التحريم.
واعْلَم أنَّ الإمام والغزالي ذكرَا عن صاحب "التلخيص" أربعًا: الأُولى والسابعة والثامنة، وأخرى غير الأحد عشر، وهي: لو شكوا في انقضاء وقت الجمعة، صلوا الظهر
стр. 2116
وإنْ كان الأصل بقاء الوقت. ولم يذكرها القفال؛ لأنها ليست في "التلخيص".
ويمكن ردها على [طريقةٍ] (١)؛ لأنَّ الأصل وجوب الأربع ركعات؛ فلا يعْدل عن الركعتين إلَّا بيقين.
هذا ما نقله شيخنا بدر الدين الزركشي عن شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص البلقيني وأنَ النووي قال في "شرح المهذب": الظاهر قول ابن القاص في أكثر المسائل. وأنه ذكر ذلك في تسع مسائل، وسكت عن ثلاث، وهِي: مسألة الثوب المتنجس بعضه، ومسألة المصلِّي خلف مَن يشك في سفره، ومسألة الصيد.
وهو معذور في مسألة الثوب، ولو صح استثناؤها، لَزم استثناء مَن نَسى صلاة مِن خمس ونحوها. ولا نفرق بِـ "أنَّا تَحققنا اشتغال ذمته بصلاة؛ فلا طريق للبراءة إلا أنْ يأتي بالخمس، بخلاف الثوب، فإنَّ له مندوحة أنْ يُصَلي في غيره "؛ لأنَّ الكلام فيما إذا أراد الصلاة فيه.
وأما مسألة المسافر فهو معذور أيضًا؛ لأنه ليس معنا أصل مستصحب في هذه المسألة بخصوصها، وشرط القصر الجزم بنيته أو تعليقها مع عِلم سفر الإمام المبيح للقَصْر.
وأما مسألة الصيد فعُذْره فيها واضح مِن جهة أنَ المبيح لم يتحقق، فصار كمَن وجد ذبيحة لا يدري هل هي من ذبيحة المسلمين؟ أو المجوس؟ أو لا يدري هل هو من مُذَكى؟ أو من ميت؟ أو لا يدري هل هو لبن معز؟ أو أتان؟ أو لا يدري أهو سم قاتل؟ أو غيره؟
فإنَّ النووي جزم بتحريم ذلك كله. واستثنى النووي في "شرح المهذب" زيادة على ذلك: الشك في مسح الرأس بعد الوضوء، والشك في أركان الصلاة بعد السلام، فإنه غير مؤثِّر فيهما على الأصح.
стр. 2117
وفي الاستثناء نظر؛ لأنَّ العبادة مضت كاملة على غلبة ظن المكلَّف، فلا أثر لِمَا يحدث مِن الشك.
قال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني: ووَجْه استثناء النووي هاتين أنَّ ابن القاص قال في أول كلامه: "مَن شك في فِعل شيء أو تركه فالأصل أنه لم يفعله". ثم استثنى الأحد عشر ولم يَستثنِ هاتين الصورتين.
نعم، يزاد على ما سبق مِن الصُّوَر:
المقبرة إذا شك في نبشها، لا تصح الصلاة فيها مع أنَّ الأصل عدم النبش.
والمرأة إذا جُومِعَت وقضت شهوتها واغتسلت ثم خرج منها مَني، تعيد الغسل مع أنَّ الأصل أنه لم يخالِط مَني الرجل شيء مِن مَنيِّها.
ولو رأى مَنيًّا في ثوبه أو فرشه الذي ينام فيه غيره ولم يذكر احتلامًا، لَزِمَه الغسل على الأصح مع أنَّ الأصل عدم الحدث.
وإذا نام غير مُمَكّن المقعدة، ينتقض وضوءه مع أنَّ الأصل عدم خروج الريح منه.
والهرة إذا تَنَجَّس فَمُها ثم غابت واحتمل طهر فَمِها ثم لاقى فَمُها ماءً قليلًا، لا ينجس مع أنَّ الأصل بقاء نجاسة فَمِها.
ولو وقعت نجاسة في ماء مشكوك في أنه قُلتان أو أقل، جَزَم جَمْعٌ بتنجسه.
نعم، رجَّح النووي أنه طهور؛ فلا استثناء.
ولو شك بعد فراغه مِن صوم يوم في الكفارة الواجب تتابعه هل نوى فيه؟ أم لا؟ لا يؤثِّر على الصحيح. نقله في "زوائد الروضة" عن الروياني مع أنَّ الأصل عدم النية، وقَضِيَّتُه طَرْد مِثله في الصلاة، لكن البغوي صرَّح بالتأثير فيها.
ولو اقتدى بإمام فَسلَّم مِن صلاته ثم شك هل كان نوى الاقتداء؟ أو لا؟ فلا شيء
стр. 2118
عليه، وصلاته صحيحة مع أنَّ الأصل عدم النية.
ومَن عليه فائتة فَشَكَّ في قضائها، لا يَلْزَمه قضاؤها كما قاله ابن عبد السلام في "مختصر النهاية" في "باب سجود السهو" مع أنَّ الأصل بقاؤها.
ومَن أكل مِن مال صديقه بغير إذنه وغلب على ظنه أنه لا يَكره ذلك، جاز مع أنَّ الأصل عدم رضاه.
والمفقود مُدة يغلب موته فيها، يُحْكَم بموته ويُقسم ميراثه مع أنَّ الأصل الحياة.
ولو قدَّ مَلْفُوفًا نِصفين، فمَن صحَّح أنَّ القول قول الولي، عمل بالشك وطرح الأصل وهو براءة الذمة، وهو مِن مشكلات الفقه.
والجرح الذي يحتمل الزهوق يُحال الحكم عليه مع أنَّ الأصل عدم تأثيره.
وحلف الوارث على دين مورثه بما يظن بخط مورثه أو نحوه.
والشك في عدد غسلات الوضوء عند الشيخ أبي محمد لئلا يرتكب الزائد. وخالفه الأكثر.
واقتصاص الوكيل في الغيبة مع احتمال العفو مع أنَّ الأصل بقاء الوكالة، لكن لخطره عُمِل بالشك على رأيٍ.
وغير ذلك من الفروع. والله أعلم.
стр. 2119
ص:
٩١٥ - وَ"ضَرَرٌ يُزَالُ"، وَ"الْمَشَقَّهْ ... تَجْلُبُ تَيْسِيرًا" يُرَاعِي حَقَّهْ
٩١٦ - كِلَاهُمَا في كَوْنِ عِلَّةٍ [يُرَى] (١) ... لِلدَّفْعِ أَوْ لِلرَّفْعِ فِيمَا قُرِّرَا
الشرح:
القاعدة الثانية: "الضرر يُزال":
أي: يجب إزالة الضرر. ودليلها ما سبق من حديث: "لا ضرر ولا إضرار" (٢)، وقد سبق قريبًا بيان مَن رواه، وذلك في أواخر الأدلة المختلَف فيها في أنَّ الأصل في المنافع الإباحة.
ونزيد هنا أنَّ أبا داود قال: إنَّ الفقه كله يدور على خمسة أحاديث: "الأعمال بالنيات" (٣)، و"الحلال بَيِّن والحرام بيِّن" (٤)، و"مَن أَحْدَث في دِيننا ما ليس منه فهو رَدٌّ" (٥)، و"مِن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٦)، وحديث: "لا ضرر ولا إضرار"، ويروى:
стр. 2120
"ولا ضرار" (١).
وعلى هذه فاختُلِف في وَجْه تَغايُر اللفظين، قيل: الضرر ما كان مِن فعل واحد، والضرار ما كان مِن فِعل اثنين كل منهما بالآخر وإنْ كان الثاني على وَجْه المجازاة كما في قوله ﷺ : "أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن مَن خانك" (٢).
وقال بعضهم: يتضمن ذلك الندب إلى العفو والصفح عن المسيء.
وقيل: الضرر ما تضرر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار تضره مِن غير أنْ تنتفع به.
وقيل: الضرر هو الاسم، والضرار هو المصدر، فيكون نهيًا عن الفعل الذي هو المصدر وعن إيصال الضرار -الذي هو الاسم- إليه.
وقيل غير ذلك.
وهذه القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن شطره، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دَفْع [الضروريات] (٣) الخمس التي هي: حفظ الذَين والنفس والنَّسب والمال والعِرض كما سبق شرح ذلك في "باب القياس" في الكلام على "المناسِب"، وهي المرعيات في كل مِلة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية.
فالشرك مضرة في الدِّين، فيُزال بقتال المشركين والمحاربين والمرتدين؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فلا يبقى إلا مُسْلم أو مسالم بهدنة أو جزية.
стр. 2121
ومن حِفظ الدِّين تقرير مباني الإسلام وأسراره المزيلة ضرر الغفلة والقسوة عن الشهوات الحسية والرعونات النفسية.
ومنه: إيجاب تبليغ الرواة ما يرونه مِن دلائل الدِّين كما قال ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فَرُب حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه " (١).
ومنه: إزالة ضرر الشُّبَه والشكوك بإقامة حجج الدِّين.
ومن ذلك تمهيد الطرائق الموصلة إلى رضا الله ، والسلامة من الآفات القَلْبِية، وغير ذلك مما لا يخفَى.
وحِفظ الأموال بدفع المضرة بالسرقة بالقطع والعقوبات في خلاص الحقوق، والتغريم للمتلفات حِفظ للأموال. ومن ذلك الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس والمريض فيما زاد على الثلث وحجر العبيد، وسائر أنواع الحجْر التي أُنهيت في الفقه إلى نحو خمسين نوعًا.
ودفع ضرر الأنساب بحد الزاني رجمًا وجَلدًا، وبالعِدد والاستبراء واللعان، وتحريم [خفي] (٢) البهتان؛ ولذا يُدفع بالإقرار بالنسب وبدعواه.
وضرر النفس بالقصاص فيه وفي سائر ما دُون النفْس؛ لأنها قد تؤدي إلى تلف النفس، وكذا الضمان بالدِّية، ونحو ذلك.
ومضرة زوال العقل يُزال بتحريم المسكر والحد.
والصيال.
стр. 2122
وأما الخصومات في ذلك كله فيُزال بإقامة إمام مقسط يفصلها وحُكام وقضاة، فيعتمد الحق في الدعاوَى والبينات والإقرار.
قال بعضهم: فهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تحقيقها.
تنبيه:
مما يدخل في هذه القاعدة، قاعدة أن "الضرر لا يزال بالضرر"؛ لأنَّ فيها ارتكاب ضرر وإنْ زال ضرر آخَر، فلا تجب العمارة على الشريك (في الجديد)، وإذا وقع على جريحين وقد سبقت، وإذا وقع في نار ولم يمكنه الخلاص إلا بأنْ يرمي نفسه في ما يموت فيه، وقطع السلعة التي يخاف منها، ووجوب القصاص على المكره على القتل.
ولو باعه شيئًا وسلمه إلى المشتري فرهنه ثم أفلس فليس للبائع الرجوع في عَيْن ماله؛ لأنَّ في ذلك إضرارا بالمرتهن.
ولو اشترى أرضًا فغرس فيها أو بَنى ثم أفلس فليس للبائع الرجوع فيها، ويبقى البناء والغراس للمفلس في الأظهر؛ لأنه ينقص قيمتها ويضر بالمفلس والغرماء.
ولو كانت المرأة ضيقة المحل والزوج كبير الآلة لا يمكنه وطئها إلا بإفضائها، لم يُمَكَّن مِن الوطء.
نعم، إطلاق القاعدة ليس بجيد، قال الشيخ زين الدين ابن الكتناني: لا بُدَّ من النظر لأخفهما وأغلظهما. وشاهد ذلك مصالحة النبي ﷺ المشركين في الحديبية وشَرَط فيها أنَّ مَن جاء مِن أهل مكة مُسلمًا، رده إليهم، ومَن راح من المسلمين إليهم لا يردونه. فهذا وإنْ كان فيه إدخال ضَيْم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدِّين؛ ولذلك استشكله عمر ﵁ حتى يعرف جوابه، وهو احتمال أَخَف المفاسد، لِدَفْع أَشَدها.
стр. 2123
وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد وقال ﷺ : "لا تُزْرِمُوه" (١)، فإنه لو أُزْعِج لانتشرت النجاسة؛ فتكثر المفسدة. وغير ذلك.
وفروعها كثير: ، منها:
أخذ الأب الصغير الذي في حضانة أمه إذا سافر مقيمًا في بلد مع الأمن.
ولو كان له على شخص دَيْن ومعه قَدْره فقط فإنه يؤخَذ منه وإنْ تَضَرَّر المديون.
ولو كان له عشر دار لا يصلح للسكني والباقي لِآخِر وطلب صاحب الأكثر القسمة، أُجِيبَ -في الأصح- وإنْ كان فيه ضرر شريكه.
ومن هذا أيضًا ثبوت الشفعة في الشقص، وتنفيذ تَصرُّف المشتري موقوفًا على إسقاط الشفعة.
ومن قاعدة "إزالة الضر" أيضًا: الضرورات تبيح المحظورات" بشرط عدم نقصانها عنها. ومن ثَمَّ جاز -بل وجب- أكل الميتة عند المخمصة، وكذلك إساغة اللقمة بالخمر، وأخذ مال الممتنع من أداء الدَّيْن بغير إذنه ولو بكسر بابه، وقتل المحرِم الصيد دَفْعًا إذا صال عليه، فإنه لا يضمن. وإذا عَمَّ الحرام قطرًا بحيث لا يوجد الحلال إلا نادرًا فإنه يستعمل ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضروري.
قال إمام الحرمين: يقتصر على قَدْر الحاجة دُون أكل الطيبات ونحوه مما هو كالتتمات.
ولو عَمَّت البَلْوَى بذَرق الطيور وتَعذَّر الاحتراز منه، عُفِي عنه كطين الشوارع، وتصح الصلاة معه.
وفي "النكت في الخلاف" للشيخ أبي إسحاق: يُعْفَى عن ذرق الطيور في المساجد.
стр. 2124
وحكى عنه الرافعي في "الشرح الصغير" أنه يُعفى عن ذرق العصفور. فَقَيَّد بالعصفور وأَطْلَق في العفو؛ فشمل المساجد وغيرها.
ومِن ذلك أيضًا العفو عن أثر الاستنجاء وسلس البول وسائر ما يُعفَى عنه من النجاسات.
ولو وَلَّى الإمام غَيْرَ أَهْل، نفذ قضاؤه؛ للضرورة. وألحقه الغزالي وغيره بقاضي أهل البغي. ونازع فيه ابن الكتناني بأنَّ قاضي أهل البغي يُفصل فيه بين الأهل وغيره، قال: وليس هذا مما عَمَّت به البلوى حتى ينفذه، ألا ترى أن بيع المعاطاة قد غلب في هذا الزمان ولو رُفع إلى حاكم لم يَجُز له تصحيحه؟ لأنَّ ما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة.
القاعدة الثالثة: "المشقة تجلب التيسير":
ودليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، إشارة إلى ما خفف عن هذه الأُمة مِن المشدد على غيرهم من الإصر ونحوه، وما لهم من تخفيفات أخرى؛ دَفْعًا للمشقة كما قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]، وكذا تخفيف الخمسين صلاة في الإسراء إلى خمس صلوات، وغير ذلك مما لا ينحصر.
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال تعالى في صِفة نبينا ﷺ : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى في دعائهم: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، وغير ذلك.
وترجم البخاري "باب الدين يُسْر" وقول النبي ﷺ : "أَحَبُّ الدِّين إلى الله الحنيفية
стр. 2125
السَّمْحَة" (١). فأشار بالسماحة إلى تيسير الأمر على المسامح.
والحديث الذي علَّقه هو ما استدل به القاضي الحسين للقاعدة، وقد رواه عبد بن حميد في مسنده- بإسناد حَسَن- عن ابن عباس ﵄ قال: "قيل: يا رسول الله، أي الأديان أَحَب إلى الله ؟ قال: الحنيفية السمحة" (٢) ورواه أحمد أيضًا.
قال الحافظ العلائي: وروي أيضًا مِن حديث جابر بلفظ: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة" (٣)، وفي سند كل منهما مقال.
قال: وأَجْوَد منهما ما رويناه في "فوائد أبي عمرو بن منده" بسند صحيح عن أُبي بن كعب: "أقرأني رسول الله ﷺ : إنَّ الدِّين عند الله الحنيفية السمحة، لا اليهودية، ولا النصرانية".
قال: (وهذا مما نُسخ لفظُه وبَقي معناه). انتهى
وفي "مستدرك الحاكم" عن أُبي أن النبي ﷺ قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ [البينة: ١] [الببينة: ١]، وقرأ
стр. 2126
فيها: "إن ذات الدين عند الله الحنيفية، لا اليهودية ولا النصرانية، ومن يعجل خيرًا فلن يُلْقَى" (١). وقال: صحيح الإسناد.
وروى الحديث المعلق في "البخاري" ابن أبي شيبة أيضًا، ووصله البخاري في كتاب "الأدب الفرد". وذكر البخاري في الترجمة السابقة بسنده حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إنَّ الدِّين يُسْر، ولن يُشاد الدِّين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا" (٢). الحديث، ورواه مسلم أيضًا.
و"يُشاد" -بضم أوله على البناء للمفعول- معناه: يغالب. فيكون "الدِّين" مرفوعًا نائب الفاعل.
قال صاحب "المطالع": إنه عند الأكثر.
وأما النووي فقال: إن الأكثر في ضبط بلادنا نَصب "الدين". أي: على إضمار الفاعل في "يُشاد"، للعِلم به.
هذا كله على رواية الجمهور، أما على رواية ابن السكن: "ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه " فـ "أحد" فاعل، و" الدين " مفعول.
ويدخل تحت هذه القاعدة أنواع في الفقه:
منها في العبادات: التيمم عند مشقة استعماله على حسب تفاصيله، والقعود في الصلاة عند مشقة القيام وفي النافلة مطلقًا. وقَصْر الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين، ونحو ذلك.
ومن ذلك رُخَص السفر، قال النووي إنها ثمانية، ثلاثة تختص بالطويل: قصر الصلاة،
стр. 2127
والفطر في رمضان، ومسح الخف ثلاثة أيام. واثنان لا يختصان بالطويل: ترك الجمعة، وأكل الميتة عند الاضطرار. وثلاثة فيها خلاف: الجمع بين الصلاتين والأصح اختصاصه بالطويل، والتنفل على الدابة، وإسقاط الفرض في التيمم. والأصح فيهما عدم الاختصاص بالطويل.
نعم، عَدُّه أكل الميتة مِن رُخص السفر إنما هو بحسب الغالب، وإلا فقد يكون ذلك في الحَضر.
نعم، زاد ابن الوكيل رُخصة تاسعة صرح بها الغزالي، وهي: مَن له نسوة وأراد سفرًا فإنه يقرع بينهن، ويأخذ منهن مَن خرجت لها القرعة، ولا يَلْزَمه القضاء لضراتها إذا رجع.
وأصح الوجهين عند الغزالي أنَ ذلك يختص بالطويل، وقال الإمام: الوجه عندي القَطع به.
وأصحهما عند البغوي والمتولي والأكثرين: لا يختص.
وحكى جَمعٌ من العراقيين عن الشافعي أنه قال: إنه لا فرق في ذلك بين الطويل والقصير.
ومَن قال بالأول، أَوَّل النص بأنه أراد بِ "القصير" قَدْر مسافة القصر، وبِـ "الطويل" ما فوقها. وإليه ميل ابن الصباغ.
وسبق للرخص تقسيم آخَر باعتبار أنها إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو خلاف الأَوْلى.
ومن التخفيفات أيضًا أعذار الجمعة والجماعات، وتعجيل الزكوات، وتوسيع القضاء حيث فات المقضِي بِعُذْر.
والتخفيفات في العبادات لا تكاد تنحصر.
ومنها في المعاملات: ما أُبيح مِن العذر الممنوع، كبيع البيض في قشره والرمان والبطيخ
стр. 2128
وغير ذلك، وأنموذج المتماثل، والاكتفاء [بالتأبير] (١) وفي بدوّ الصلاح بالبعض، واشتراط الحمل، ومشروعية الخيار بالمجلس والشرط، ومشروعية الإجارة والمزارعة والمساقاة والقراض والحوالة والسلم، وغير ذلك. وتجويز الشركة والوكالة والعرية ونحو ذلك.
ومنها في المناكحات: عقد النكاح على مَن لم يرها، ومشروعية الطلاق والخلع وملك المال فيه، والرجعة في الرجعية في زمن العدة، والتخلص في الظهار والأيمان بالكفارة وغير ذلك، وتقرير أنكحة الكفار والتشطير.
ومنها في الجنايات: تخيير المستحق في وجوب القصاص بينه وبين العفو مجانًا وعلى الدِّية، وغير ذلك.
وأما في كتاب الأقضية: فإسقاط الإثم عند الخطأ، والاعتماد في العدالة على التزكية ونحو ذلك، وهو كثير.
ومن التخفيفات المطلقة: فروض الكفايات وسُننها، والعمل بالظنون؛ لِمَشقة الاطلاع على اليقين، إلى غير ذلك. وقبول الجزية، ونحو ذلك.
وقولي: (كِلَاهُمَا في كَوْنِ عِلَّةٍ يُرَى) إلى آخره -إشارة إلى أن هاتين القاعدتين ترجعان مِن قواعد أصول الفقه إلى ما سبق من أن الأحكام مُعلَّلة بدفع المفاسد والمضار الدينية والدنيوية، وأنَّ العلة في ذلك إما أن تكون دافعة للضرر والمشقة أو رافعة لذلك، وقد بسطناه في "باب القياس". والله أعلم.
стр. 2129
ص:
٩١٧ - وَعَادَةٌ ذَاتُ رِضًى مُحَكَّمَهْ ... مِنْ وَصْفٍ الْعُرْفُ اقْتَضَى وَأَحْكَمَهْ
الشرح:
القاعدة الرابعة: إنَّ "العَادَة مُعَكَّمَة":
أى: معمول بها شرعًا.
قال القاضي حسين: لحديث: "ما رآه المؤمنون حَسنًا فهو عند الله حَسَن" (١).
قال الحافظ العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث عنه وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوفًا عليه.
ولكن للقاعدة أدلة أخرى، منها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
قال ابن السمعاني: (المراد به ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم) (٢).
وكذا قال ابن عطية: (إنَّ معناه كل ما عرفته النفوس مما لا تَرُده الشريعة) (٣).
стр. 2130
وقال ابن ظفر في "الينبوع": العُرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن وأَقَرَّهم الشارع عليه. وكُل ما تكرر من لفظ "المعروف" في القرآن نحو: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] فالمراد به ما يتعارفه الناس في مثل ذلك الأمر.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، فإنَّ هذا رد على مَن قال: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. فرد عليهم بأن هذه عادة الرسل المتقدمين قبله، وهذا [مقتضَى] (١) اعتبار العادة.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآية، فأمر بالاستئذان في الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب، فابْتُنِيَ الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه.
ومنها قوله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: "خُذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢)، وقوله ﷺ لحمنة بنت جحش "تحيضي في عِلم الله ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن" (٣). رواه الترمذي وصححه، وكذا الحاكم في "المستدرك".
وكذلك حديث أم سلمة: أنَّ امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن
стр. 2131
من الشهر قبل أن يصيبها ذلك، فلتترك الصلاة" (١). الحديث لرواه أبو داود والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما".
ومنها قوله ﷺ : "مَن عمل عملًا ليس عليه أَمْرنا فهو رَدٌّ" (٢). أخرجه مسلم بهذا اللفظ، فإنه دليل على اعتبار ما المسلمون عليه، إما من جهة الأمر الشرعي أو من جهة العادة المستقرة؛ لشمول قوله: "ليس عليه أمرنا" ذلك.
ومنها حديث: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة" (٣). رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح. وذلك أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع اعتُبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة أهل تجارة اعتُبرت عادتهم في الوزن.
والمراد: اعتبار ذلك فيما يتقدر شرعًا، كنُصُب الزكوات ومقدار الديات وزكاة الفطر والكفارات.
ومنها حديث حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء: "أنَّ ناقة للبراء دخلت حائطًا؛ فأفسدت فيه؛ فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل" (٤). رواه أبو داود، وصححه جماعة، وقال ابن عبد البر: وهو مشهور، حدَّث
стр. 2132
به الأئمة الثقات. وهو أَدَل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية؛ إذْ بَنَى النبي ﷺ التضمين على ما جَرَتْ به عادتهم.
قيل: وينبني على هذه القاعدة التي تقررت بالدليل أنواع في الفقه:
من ذلك ما اعتمده الشافعي ﵁ في أَقَل سن الحيض للمرأة، وكذا نحو معرفة الصغر والكبر في ضبة الذهب والفضة في الإناء، وتَغيُّر الماء بما يخالطه من طاهر يستغنى عنه في القليل منه الذي لا يضر والكثير الذي يضر، وكثافة الشعر وخفته في غسل الوجه في الوضوء، ونادر الأعذار الذي تُقْضَى فيه الصلاة بالتيمم وغالبه الذي لا يُقضَى فيه، وقُرب المنزل وبُعده في الخروج من المعتكف لقضاء الحاجة ونحوه، وطول السهو في [الفصل] (١) وقِصره، وكثرة الفعل والكلام في الصلاة وقِلَّته، ومشقة الاحتراز من النجاسة وسهولته، وقوة الخف وضعفه، وتكلب الجوارح، وما يُعد ساترًا وطيبًا للمحرم، وما يُعد فصلًا بين الإيجاب والقبول، و [ثمن] (٢) المِثْل، وكفء النكاح، وقَدْر الثواب الذي يجب -على رأيٍ- في الهبة إذا قُلنا: يقتضي مطلقها الثواب إذا كانت من الأدنى للأعلى أو للمساوي، وحفظ الماشية والزرع، ومقادير الحيض والنفاس، وأكثر مُدة الحمل، وسن اليأس، ومهر المثل، وضابط كل فِعل رُتِّبَ عليه الحكم ولا ضابط له في الشرع ولا اللغة: كالإحياء، والحرز في السرقة، ومدة الإعراض عن المعدن والتحجير في الموات، والصيال، والإذْن في الضيافات، والتبسط في الغنيمة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعد قبضًا وإيداعًا وإعطاءً وهديةً وغصبًا، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجرين، والتصرف المشعر بالملك فيما في يده، والتجارة في القراض، والعمل في المساقاة، والصغار في الذمي، ونقض العهد، والموجب
стр. 2133
لِلّوث.
ومن ذلك أيضًا الرجوع للعادة في تخصيص عين أو فعل أو مقدار يُحمل اللفظ عليه، كالألفاظ في الأيمان والأوقاف والوصايا والأقارير و [التعويضات] (١) وإطلاق الدينار والدرهم والصاع والوسق والقُلَّة والأوقية، وإطلاق النقود في الحمل على الغالب، وصحة المعاطاة بما يعُدُّه الناس بيعًا على رأي من يراه بيعًا، وهو كثير لا ينحصر.
وقولي: (ذَاتُ رِضًى) أي: تكون تلك العادة مرضية في الشرع ليس فيه ما ينافيها، بل في الشرع ما يدل على الرجوع إليها كما بيناه.
وقولي: (مِنْ وَصْفٍ الْعُرْفُ اقْتَضَى وَأَحْكَمَهْ) إشارة إلى مأخذها وموضعها من أصول الفقه، وذلك في قولهم: الوصف المعلَّل به قد يكون عُرْفِيًا، أي: من مقتضيات العُرْف.
وفي "باب التخصيص" سبق بيان تخصيص العموم بالعادة مبسوطًا. والله أعلم.
ص:
٩١٨ - خَامِسَةٌ زِيدَتْ هِيَ: الْأُمُورُ ... عَلَى مَقَاصِدَ لَهَا تَدُورُ
٩١٩ - وَ [أَخْذُهَا] (٢) قِيلَ: مِنَ التَّحْكِيمِ ... لِعَادَةٍ؛ فَلَا تَزِدْ تَتْمِيمِي
الشرح:
القاعدة الخامسة:
وهي التي زِيدَت على الأربعة السابقة التي ذكرها القاضي حسين كما سبق نقل الحافظ
стр. 2134
العلائي عن بعض الفضلاء زيادتها، وهي: "إدارة الأمور في الأحكام على قصدها".
ودليلها: حديث عمر ﵁ في الصحيحين وغيرهما: "الأعمال بالنيات" (١)، وربما أُخِذت من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠].
ومن هذه المادة أحاديث "تبتغي بها وَجْه الله" وذلك في غير ما موضع.
ولهذا قالوا في حديث: "الأعمال بالنية" (٢) الذي أجمعوا على صحته وتَلَقِّيه بالقبول: إنه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال أبو داود: (كتبتُ عن النبي ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما تضمنه هذا الكتاب -أيْ كتابه في "السنن"- وهو أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لِدِينه من ذلك أربعة: حديث: "الأعمال بالنية"، و"مِن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، و"لا يكون المرء مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه" (٣)، و"الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن") (٤). انتهى
وحديث النية أعظمها وأعمها، لأنَّ أفعال العقلاء إذا كانت معتبرة فإنما تكون عن قصد.
وأيضا: فذهب كثير من العلماء إلى أن أول الواجبات على المكلَّف القصد إلى النظر
стр. 2135
الموصل إلى معرفة الله تعالى، فالقصد سابق دائمًا. وقد قال الشافعي ﵀: إنه يدخل فيه سبعون بابًا من الفقه. أي: أنواعًا، أو مبالغةً باعتبار أنه داخل في أكثر الفقه.
وسواء في اعتبار القصد في الأفعال المسلم والكافر، إلا أن المسلم يختص بقصد التقرب إلى الله تعالى، فلا تصح هذه النية من الكافر، بخلاف نية الاستثناء والنية في الكنايات ونحو ذلك.
والكلام في الحديث مبسوط جدًّا، لكن ليس ذلك موضعه.
نعم، نشير إلى بعض شيء من ذلك:
فمنه أنهم اختلفوا في تقرير معناه:
فقيل: هو مِن دلالة المقتضَى، لا بُدَّ فيه من تقدير لصحة الكلام. وهؤلاء اختلفوا، فقيل: يُقدَّر "صحة الأعمال بالنيات" أو: "اعتبارها" أو نحو ذلك. وقيل: يُقدَّر "كمال الأعمال بالنيات".
وقال كثير من المحققين: ليس من دلالة المقتضَى، ولا حاجة إلى تقدير شيء أصلًا؛ لأنَّ الحقيقة الشرعية تنتفي بانتفاء ركنها أو شرطها، فإذا لم يكن العمل بنية فهو صورة عمل، لا عمل شرعي، فَصَحَّ النفي، فلا حاجة لتقدير.
وبالجملة فَمِمَّا تدخل فيه النية العبادات بأجمعها: الوضوء -[عندنا] (١) - والتيمم والغسل والصلاة فرضها ونفلها عَيْنها وكِفايتها. والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأضحية والهدى والنذور والكفارات.
ومن ذلك أيضًا قصد السوم في الماشية، وقصد التجارة في ملك التاجر بالمعاوضات،
стр. 2136
وقصد إصلاح الحلي الزكوي عند الانكسار، وغير ذلك مما لا ينحصر.
ويدخل أيضًا في الجهاد والعتق والتدبير والكتابة، بمعنى أن حصول الثواب في هذه الأربعة يتوقف على قصد التقرب إلى الله تعالى. وكذا قصد الحكم بين المتلاعنين والمتخاصمين، وإقامة الحدود على الجناة، وسائر ما يتعاطاه الحكام وأولياء الأمر.
وكذلك تَحمُّل الشهادات وأداؤها. بل يسري هذا إلى سائر المباحات إذا قصد بها التَّقَوِّي على العبادة أو التوصل إليها، كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك، وكذلك النكاح والوطء فيه وفي الأَمة إذا قصد به الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأُمَّة.
نعم، يخرج من الأعمال ما هو مُتوجِّه بذاته، كأعمال القلوب وكثير من الأذكار، كالأذان ونحوه. وكذلك التروك المجردة، كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، فلا يحتاج في وجودها لِنِيَّة، بل يحتاج إلى النية لِتَرَتُّب الثواب عليها إذا قصد به وَجْه الله تعالى.
وقد اختُلف في النية إذا اعتُبرت لصحة الفعل: هل تكون من قبيل الشروط؟ أو الأركان؟ والخلاف فيه مبسوط في الفقه.
وأما القصود فتدخل في غير العبادات وما يحصل به عبادة؛ لتمييز المقصود من المحتملات، كالكنايات في العقود وفي الطلاق والعتاق، والإحياء للموات وتمليك اللقطات، وفيما يحتمل من الأيمان والإقرار، وغير ذلك مما لا ينحصر.
نعم، مما ينبغي ذكره من مهمات أحكامها مواضع:
أحدها: أن النية شرعت في فعل العبادة إما لتمييز العبادات عن العادات وما يلحق بها من تمييز جنس من العبادة عن جنس، وإما لتمييز رُتَب العبادات.
فالأول: كالوضوء والغسل يقع تبردًا أو تنظفًا أو على سبيل الاتفاق، ويقع تَعبُّدًا؛ فيحتاج إلى نية مُمَيِّزة. وإخراج المال إنفاقًا أو صدقةً أو هبةً أو نحو ذلك، ويكون زكاة؛ فلا
стр. 2137
بُدَّ من نية تميزها عن غيرها.
وترك المفطرات يكون لفقدها وللتداوي أو اتفاقًا، ويكون صومًا شرعيًّا؛ فلا بُدَّ من نية تميزه.
وزيارة البيت تكون بحج أو عمرة أو للتبرك أو يقع اتفاقًا؛ فيحتاج لنية تميز ذلك. ونحوه الطواف حول البيت والمكث بأرض عرفة ونحو ذلك. والجلوس في المسجد يكون اتفاقًا واستراحةً واعتكافًا، فيميز.
وأما تمييز الرتب -أيْ في النوع الواحد- فتمييز الفرض عن النفل ورتب الفرائض بالتعيين، والنوافل كذلك؛ لتفاوتها في الأحكام والثواب وموافقة موضوعها الشرعي.
نعم، ربما ينوي الشيء ويقع خِلافُه، كَنِية الفرضية في صلاة الصبي المكتوبة وكَنِية مَن يعيد الصلاة في جماعة الفرض، فإنَّ فَرْضه الأُولى، وكنية الجمعة قبل سلام الإمام مع أنها لا تقع إلا ظهرًا، وكترتيب الحج والعمرة فيما تقدم وهو فرض الإسلام ثم القضاء ثم النذر ثم التطوع أو عن استئجار له، فلا يقع إلا على هذا الترتيب وإنْ نوى غيره.
وربما وقع القصد مخُيَّرًا فيه، كقصد المؤدِّي مالًا لمن له عليه دَين أو لمن له عليه دَيْن برهن وبغيره، فيُعتبر قَصْد المؤدِّي، والقول فيما قصد قولُه.
الثاني: من شروط النية: الجزم بها في المنْوِي، وقد تصح مع التردد:
- إما اعتمادًا على أصلٍ، كَنية الحائض صوم الغد اعتمادًا على جريان عادتها بانقطاع حيضها قبل الفجر، وكَنِية الصوم في ليلة الرؤية في آخِر رمضان إنْ كان الغد من رمضان؛ لبقاء الأصل.
وكذا لو نوى مَن نذر أن يصوم يوم يَقدم زيد، فغلب على ظنه أنه يقدم في الغد بطريقٍ، فَنَوى ليلة ذلك اليوم، وقَدم كما ظن.
стр. 2138
- وإما أن ذلك مفتقر للضرورة، كمن نَسِيَ صلاة مَن خَمس ولم يَعرف عَيْنها، فيَلزمه أن يصلي الخمس وينوي في كل واحدة أنها فَرْضُه مع عدم تَحقُّق ذلك.
وكذا مَن اشتبه عليه ماء طهور بماء ورد، يتوضأ بكل منهما مع عدم جزمه بأن ما يأتي به وضوء شرعي بالطهور. والمصلِّي على موتى مسلمين مختلطين بكفار، إذا صلَّى على واحد واحد، ينوي الصلاة عليه بِقَيْد أن يكون مسلمًا. وكذا لو صلى خلف مسافر يشك في نية القصر، بل ويُغتفر تعليقُه بكونه إنْ قصر قصر، وإنْ أتم أتم. ومَن اشتبه عليه مذي ومَني وقُلنا: يخير -وهو ما رجحوه - فينوي الوضوء إنْ توضأ والغسل إنِ اغتسل وهو لا يتحقق أنه الواجب عليه.
وفي غير ذلك وهو كثير.
الثالث: كما تكون النية للتصحيح تكون للإفساد حيث نَوَى قَطْع ذلك المنْوِي بعد الشروع فيه، وذلك في الصلاة ونحوها [الإيمان] (١) يبطلان بنية الخروج والتردد في أن يخرج منه، أما الحج والعمرة فلا يبطلان بذلك قَطْعًا، وكذا الوضوء في أثنائه.
نعم، فيما بعد الفراغ منه وَجْه أنه يبطل بقصد إبطاله. وأما الاعتكاف والصوم فلا يبطلان بقصد الخروج منهما على الأصح في "الشرح" و"الروضة". لكن نَصَّ الشافعي في الصوم على الإبطال، وكذا نقله ابن كج في "التجريد" عن رواية الربيع، ورجحه جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي.
وقولي: (وَ [أَخْذُهَا] قِيلَ: مِنَ التَّحْكِيمِ لِعَادَةٍ) إشارة إلى هذه القاعدة، قال بعضهم: إنها مأخوذة من قاعدة "تحكيم العادة" السابق ذِكرها. وجعلوا ذلك عُذر القاضي حسين في عدم ذِكرها.
стр. 2139
قالوا: لأنَّ العادة حاكمة بأنَّ غير المنْوِي مِن غُسلٍ وصلاةٍ وكتابةٍ - مثلًا - لا يُسمى في العادة غسلًا ولا قربةً ولا عقدًا.
ولا يخفَى ما في ذلك من نظر؛ فلذلك عبرتُ بقولي: (قِيلَ)؛ إيماءً إلى عدم ارتضاء ذلك.
وقيل: مِن قاعدة "الضرر يزال"؛ لأنَّ مَن تَوَجَّه عليه شيء بدليلٍ إذا تركه أو فَعَله لا بقصد امتثال الأمر، حصل له الضرر بما ترتب عليه من الذم، فَيُزال بالنية.
ولا يخفَى ما في الآخر مِن النظر، بل لو أخذت من قاعدة "اليقين لا يُرفع بالشك" كان أَقرب؛ لأنَ الأصل عدم ذلك الشيء، فلا يصار إلى جَعْله مُعتبرًا إلا بواسطة ترجيح المتردد فيه بقصد أنْ يخالِف الأصل.
الرابع: قواعد فقهنا كثيرة تزيد على المائتين، لكن ليس شيء منها في العموم كهذه الخمس كما سبق، فلا ينبغي أن يذكر في أصول الفقه زيادة على ذلك؛ لأنَّ ذلك محله الفقه.
وهذا معنى قولي: (فَلَا تَزِدْ تَتْمِيمِي) أي: لا تَزِد على تتميمي قواعد القاضي الأربعة بهذه الخامسة، بل اقتصر على الخمس. والله أعلم.