← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وقصد إصلاح الحلي الزكوي عند الانكسار، وغير ذلك مما لا ينحصر. ويدخل أيضًا في الجهاد والعتق والتدبير والكتابة، بمعنى أن حصول الثواب في هذه الأربعة يتوقف على قصد التقرب إلى الله تعالى. وكذا قصد الحكم بين المتلاعنين والمتخاصمين، وإقامة الحدود على الجناة، وسائر ما يتعاطاه الحكام وأولياء الأمر. وكذلك تَحمُّل الشهادات وأداؤها. بل يسري هذا إلى سائر المباحات إذا قصد بها التَّقَوِّي على العبادة أو التوصل إليها، كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك، وكذلك النكاح والوطء فيه وفي الأَمة إذا قصد به الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأُمَّة. نعم، يخرج من الأعمال ما هو مُتوجِّه بذاته، كأعمال القلوب وكثير من الأذكار، كالأذان ونحوه. وكذلك التروك المجردة، كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، فلا يحتاج في وجودها لِنِيَّة، بل يحتاج إلى النية لِتَرَتُّب الثواب عليها إذا قصد به وَجْه الله تعالى. وقد اختُلف في النية إذا اعتُبرت لصحة الفعل: هل تكون من قبيل الشروط؟ أو الأركان؟ والخلاف فيه مبسوط في الفقه. وأما القصود فتدخل في غير العبادات وما يحصل به عبادة؛ لتمييز المقصود من المحتملات، كالكنايات في العقود وفي الطلاق والعتاق، والإحياء للموات وتمليك اللقطات، وفيما يحتمل من الأيمان والإقرار، وغير ذلك مما لا ينحصر. نعم، مما ينبغي ذكره من مهمات أحكامها مواضع: أحدها: أن النية شرعت في فعل العبادة إما لتمييز العبادات عن العادات وما يلحق بها من تمييز جنس من العبادة عن جنس، وإما لتمييز رُتَب العبادات. فالأول: كالوضوء والغسل يقع تبردًا أو تنظفًا أو على سبيل الاتفاق، ويقع تَعبُّدًا؛ فيحتاج إلى نية مُمَيِّزة. وإخراج المال إنفاقًا أو صدقةً أو هبةً أو نحو ذلك، ويكون زكاة؛ فلا

стр. 2137

بُدَّ من نية تميزها عن غيرها. وترك المفطرات يكون لفقدها وللتداوي أو اتفاقًا، ويكون صومًا شرعيًّا؛ فلا بُدَّ من نية تميزه. وزيارة البيت تكون بحج أو عمرة أو للتبرك أو يقع اتفاقًا؛ فيحتاج لنية تميز ذلك. ونحوه الطواف حول البيت والمكث بأرض عرفة ونحو ذلك. والجلوس في المسجد يكون اتفاقًا واستراحةً واعتكافًا، فيميز. وأما تمييز الرتب -أيْ في النوع الواحد- فتمييز الفرض عن النفل ورتب الفرائض بالتعيين، والنوافل كذلك؛ لتفاوتها في الأحكام والثواب وموافقة موضوعها الشرعي. نعم، ربما ينوي الشيء ويقع خِلافُه، كَنِية الفرضية في صلاة الصبي المكتوبة وكَنِية مَن يعيد الصلاة في جماعة الفرض، فإنَّ فَرْضه الأُولى، وكنية الجمعة قبل سلام الإمام مع أنها لا تقع إلا ظهرًا، وكترتيب الحج والعمرة فيما تقدم وهو فرض الإسلام ثم القضاء ثم النذر ثم التطوع أو عن استئجار له، فلا يقع إلا على هذا الترتيب وإنْ نوى غيره. وربما وقع القصد مخُيَّرًا فيه، كقصد المؤدِّي مالًا لمن له عليه دَين أو لمن له عليه دَيْن برهن وبغيره، فيُعتبر قَصْد المؤدِّي، والقول فيما قصد قولُه. الثاني: من شروط النية: الجزم بها في المنْوِي، وقد تصح مع التردد: - إما اعتمادًا على أصلٍ، كَنية الحائض صوم الغد اعتمادًا على جريان عادتها بانقطاع حيضها قبل الفجر، وكَنِية الصوم في ليلة الرؤية في آخِر رمضان إنْ كان الغد من رمضان؛ لبقاء الأصل. وكذا لو نوى مَن نذر أن يصوم يوم يَقدم زيد، فغلب على ظنه أنه يقدم في الغد بطريقٍ، فَنَوى ليلة ذلك اليوم، وقَدم كما ظن.

стр. 2138

- وإما أن ذلك مفتقر للضرورة، كمن نَسِيَ صلاة مَن خَمس ولم يَعرف عَيْنها، فيَلزمه أن يصلي الخمس وينوي في كل واحدة أنها فَرْضُه مع عدم تَحقُّق ذلك. وكذا مَن اشتبه عليه ماء طهور بماء ورد، يتوضأ بكل منهما مع عدم جزمه بأن ما يأتي به وضوء شرعي بالطهور. والمصلِّي على موتى مسلمين مختلطين بكفار، إذا صلَّى على واحد واحد، ينوي الصلاة عليه بِقَيْد أن يكون مسلمًا. وكذا لو صلى خلف مسافر يشك في نية القصر، بل ويُغتفر تعليقُه بكونه إنْ قصر قصر، وإنْ أتم أتم. ومَن اشتبه عليه مذي ومَني وقُلنا: يخير -وهو ما رجحوه - فينوي الوضوء إنْ توضأ والغسل إنِ اغتسل وهو لا يتحقق أنه الواجب عليه. وفي غير ذلك وهو كثير. الثالث: كما تكون النية للتصحيح تكون للإفساد حيث نَوَى قَطْع ذلك المنْوِي بعد الشروع فيه، وذلك في الصلاة ونحوها [الإيمان] (١) يبطلان بنية الخروج والتردد في أن يخرج منه، أما الحج والعمرة فلا يبطلان بذلك قَطْعًا، وكذا الوضوء في أثنائه. نعم، فيما بعد الفراغ منه وَجْه أنه يبطل بقصد إبطاله. وأما الاعتكاف والصوم فلا يبطلان بقصد الخروج منهما على الأصح في "الشرح" و"الروضة". لكن نَصَّ الشافعي في الصوم على الإبطال، وكذا نقله ابن كج في "التجريد" عن رواية الربيع، ورجحه جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. وقولي: (وَ [أَخْذُهَا] قِيلَ: مِنَ التَّحْكِيمِ لِعَادَةٍ) إشارة إلى هذه القاعدة، قال بعضهم: إنها مأخوذة من قاعدة "تحكيم العادة" السابق ذِكرها. وجعلوا ذلك عُذر القاضي حسين في عدم ذِكرها.

стр. 2139

قالوا: لأنَّ العادة حاكمة بأنَّ غير المنْوِي مِن غُسلٍ وصلاةٍ وكتابةٍ - مثلًا - لا يُسمى في العادة غسلًا ولا قربةً ولا عقدًا. ولا يخفَى ما في ذلك من نظر؛ فلذلك عبرتُ بقولي: (قِيلَ)؛ إيماءً إلى عدم ارتضاء ذلك. وقيل: مِن قاعدة "الضرر يزال"؛ لأنَّ مَن تَوَجَّه عليه شيء بدليلٍ إذا تركه أو فَعَله لا بقصد امتثال الأمر، حصل له الضرر بما ترتب عليه من الذم، فَيُزال بالنية. ولا يخفَى ما في الآخر مِن النظر، بل لو أخذت من قاعدة "اليقين لا يُرفع بالشك" كان أَقرب؛ لأنَ الأصل عدم ذلك الشيء، فلا يصار إلى جَعْله مُعتبرًا إلا بواسطة ترجيح المتردد فيه بقصد أنْ يخالِف الأصل. الرابع: قواعد فقهنا كثيرة تزيد على المائتين، لكن ليس شيء منها في العموم كهذه الخمس كما سبق، فلا ينبغي أن يذكر في أصول الفقه زيادة على ذلك؛ لأنَّ ذلك محله الفقه. وهذا معنى قولي: (فَلَا تَزِدْ تَتْمِيمِي) أي: لا تَزِد على تتميمي قواعد القاضي الأربعة بهذه الخامسة، بل اقتصر على الخمس. والله أعلم.

стр. 2140

الباب الثالث في "تَعارُض الأدلة وحُكمه"

стр. 2141

الباب الثالث في تَعَارُض الأدلة وحُكمه ٩٢٥ - أَدِلَّةٌ لِلْفِقْهِ قَدْ تُعَارَضُ ... لِأَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ، فَالْعَارِضُ ٩٢١ - مِنْ ذَاكَ إنْ أَمْكَنَ فِيهِ الْجَمْعُ ... وَلَوْ بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ دَفْعُ ٩٢٢ - فَبِهِمَا يُعْمَلُ كالَّذِي مَضَى ... مِنَ الْعُمُومِ إذْ يُخَصُّ بِاقْتِضَا ٩٢٣ - وَكَالْمُقَيَّدِ الَّذِي لِلْمُطْلَقِ ... مُقَيِّدٌ، وَظَاهِرٌ لَمْ يُطْلَقِ ٩٢٤ - يُعْدَلُ لِلتَّأوِيلِ عَنْهُ لِلَّذِي ... دَلَّ، وَمَنْسُوخٌ بِنَاسخٍ خُذِ الشرح: لما انتهى الكلام في مباحث أدلة الفقه المتفق عليها والمختلَف فيها، كانت ربما تَعارض منها دليلان باقتضاء حُكمين متضادين، فاحتِيج إلى معرفة التعادل والتراجيح وحُكم كل منهما، وذلك إنما يقوم به مَن هو أَهْل لذلك، وهو المجتهد. فلذلك قدم الآمدي وابن الحاجب وجمعٌ باب الاجتهاد على هذا، لكن الإمام في "المحصول" وأتباعه قدَّموا التعادل والتراجيح على الاجتهاد؛ لأنه المقصود، وذاك مِن باب ما يتوقف عليه المقصود. وإنما جاز دخول التعارض في أدلة الفقه لكونها ظنية؛ إذِ القاطعان لا يتعارضان كما سيأتي، وكذا القاطع والظني، إذْ لا ظن مع القطع بخلافِه. فما يقع التعارض فيه إما أن يمكن فيه الجمع ولو بوجه ما، وإما أن لا يمكن فيه الجمع أصلًا. فما أمكن فيه الجمع يُجْمَع ويُعْمَل بالدليلين، وذلك في صوَر:

стр. 2142

منها ما سبق من تخصيص العام بالخاص على تفاصيله السابقة، وكذا تقييد المطلق بما ورد من المقيد، وحمل الظاهر المحتمِل لمعنى مرجوح على المرجوح حيث دل دليل على منع العمل به، وهو "التأويل". وكذلك إذا تأخر المعارِض فإنه يكون ناسخًا، فَقَدْ عُمل بالدليلين كُل منهما في وقت، بالمنسوخ أولًا ثم بالناسخ بعد ذلك. وقولي: (كَالَّذِي مَضَى) بيان؛ لأنَّ الجمع بين الدليلين لا ينحصر في ذلك، فقد يقع الجمع بين الدليلين بغير ذلك أيضًا؛ لأنَّ العمل بالدليلين أَوْلى من إلغاء أحدهما على كل حال. وذلك كما في حديث: "أيما إهاب دبغ فقدْ طهر" (١) مع حديث: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا بعصب" (٢). فيُحمل الثاني على ما لم يدبغ. وسواء أكان الدليلان معًا من الكتاب أو من السُّنة أو واحد من الكتاب وآخَر من السُّنَّة. وستأتي مذاهب أخرى فيما إذا تَعارض كتاب مع سنة، وسبق من هذا النوع في باب التخصيص والنَّسخ ما يُغني عن إعادته. والله أعلم. ص: ٩٢٥ - أَمَّا إذَا لَمْ يَكُ جَمْعٌ مُمْكِنُ ... وَثَمَّ رُجْحَانٌ، إلَيْهِ يُرْكَنُ ٩٢٦ - وَحَيْثُ لَا تَرْجِيحَ فَالْمُجْتَهِدُ ... مُخَيَّرٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُوجَدُ ٩٢٧ - مِنَ التَّعَارُضِ الَّذِي قَدْ ذُكِرَا ... في قَاطِعَيْنِ، بَلْ وَلَا قَطْعٌ يُرَى

стр. 2143

٩٢٨ - مُقَابِلًا لِلظَّنِّ، كَالْقَطْعِيِّ ... مِنْ مُجْمَعٍ مَعْ غَيْرِهِ الظَّنِّيِّ الشرح: أي: أما إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فذلك محل التعادل والتراجيح. فَـ "التعادل": تَساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا يكون في أحدهما ما يرجحه على الآخر. و"الترجيح": تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى؛ فيُعْلَم الأقوى، فيُعمل به. وقد قدمت في النَّظم ما فيه الترجيح على التعادل؛ لأنَّ الكلام في تفاصيله يأتي من بَعْد، بخلاف التعادل، فإنَّ الذي فيه ما ذكرته هنا. فقولي: (وَثَمَّ رُجْحَانٌ) أي: وكان هناك رجحان. فـ "ثَمَّ " إشارة للمكان، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]. وقولي: (إلَيْهِ يُرْكَنُ) هو جواب الشرط، وهو إذا لم يمكن جمع. وكان الأصل: "فإلَيْهِ يُرْكَنُ" أي: يُعتمد ويُعمل به، ولكن حذفت "الفاء"؛ للضرورة، كما في قول الشاعر: (مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ، اللهُ يَشْكُرُهَا). أي: فالله يشكرها. واعْلَم أن العمل بالراجح فيما له مُرجِّح هو قول الأكثر، سواء كان المرجح معلومًا أو مظنونًا. حتى أن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار. وخالف القاضي أبو بكر في جواز العمل بالمرجح بالمظنون، قال: وإنما أَقبل الترجيح بالمقطوع به، كتقديم النص على القياس، لا بالأوصاف ولا الأحوال ولا كثرة الأدلة؛ لأنَّ الأصل أنْ لا يُتبع شيء مِن [الظنون] (١)؛ لأنه عُرضة الغلط والخطأ.

стр. 2144

[خالفنا هذا في] (١) الظنون المستقلة؛ لإجماع الصحابة عليها. أما الترجيح بالظنون فَعَمَل بالظن الذي لا يستقل بنفسه دليلًا، فيبقى على الأصل في عدم اتِّباعه. وأجيب بأن الإجماع منعقد فيه أيضًا. وخالف أبو عبد الله البصري في العمل بأصل الترجيح، وقال: لا يُعمل به، بل عند التعارض يَلزم التخيير أو الوقف. قال إمام الحرمين: (كذا حكاه القاضي عن البصري هذا الملقَّب بِـ "جعل" (٢)، ولم أره في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها) (٣). وقال غيره: إنْ صح عنه فهو مسبوق بإجماع الصحابة والأُمة مِن بَعدهم، فلا يُلتفت إلى هذا القول. وكذلك لا التفات إلى مَن منع الترجيح فيه عملًا بمثله في الشهادات، والفرق أن في الشهادات نوعًا مِن التعبد لا يوجد في غيرها. وقولي: (وَحَيْثُ لَا تَرْجِيحَ) المراد به حالة التعادل، فالتعادل بين القاطعين أو الترجيح - ممتنعٌ، سواء كانا عقليين أو نقليين. وإليه أشرت بقولي: (وَلَيْسَ شَيْءٌ) إلى آخره. أي: لا يقع تَعارض بين ما ذكر، فالتعادل فيه والترجيح مختصان بالدلائل الظنية؛ إذْ لو فُرِض تَعارض بين قطعيين لأنَّ مقتضاهما

стр. 2145

متناقضان، فيلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وترجيح أحدهما محُال؛ لأنَّ الرأي السديد في العلوم أنها لا تتفاوت إلا بحسب كون بعضها أَجْلَى أو أَقرب حصولًا أو أشد استغناء عن التأمل. قيل: فَعَلَى مقتضَى هذا قد يدخل الترجيح بالنسبة إلى الأذهان؛ لأنه المقصود وإنْ كان لا يدخل بالنسبة إلى ما في نفس الأمر. وكذلك لا تَعارض بين قاطع وظني؛ لِمَا قدمناه من استحالة وجود ظن في مقابلة تيقُّن خِلافه, فالقاطع هو المعمول به، وذاك لَغْو. وكذلك لا يتعارض حُكم مجمع عليه مع حكم آخر ليس مجمعًا عليه، وهو معنى قولي: (كَالْقَطْعِيِّ مِنْ مُجْمَعٍ)، أي: عليه. فحذفت صِلَته؛ للعِلم بها. وقولي: (مَعْ غَيْرِهِ الظَّنِّيِّ) أي: مع غير المجمع عليه الذي هو ظني، فَـ "الظني" بَدَل مِن "غيره"؛ لأنَّ المعرفة تبدل من النكرة وغير نكرة؛ لأنها لتوغلها في الإبهام لا تتعرف بالإضافة، فيكون على حد قوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. ولا يعرب صفة؛ لأنَّ النكرة لا تُوصَف بالمعرفة، إلا أن يقال: المحلَّى بِـ "أل" وإنْ كان معرفة لفظًا ثمنه نكرة معنًى، بدليل وَصْفه بالجملة وهي نكرة، كما في قوله: (ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسبُّني). فأما حالة التعادل وهي التي لا ترجيح فيها فالكلام فيها في أمرين: أحدهما: في محله. والثاني: في حُكمه. فأما الأول (ولم أذكره في النَّظم؛ لِقلة جدواه في الفقه) فالتعادل إما في الأذهان وإما في نفس الأمر.

стр. 2146

فإنْ كان باعتبار ما في الأذهان فصحيح، وأما في نفس الأمر فمنعه الكرخي، وهو قول الإِمام أحمد وجمعٍ من فقهائنا؛ لأنه يقتضي التخييرَ بين الحكمين، والإجماعُ على بطلانه. وهل منعوه شرعا؟ أو عقلاً؟ فيه نظر. وجَوَّزه الباقون، وذلك بأنْ يُنصب علامتان متساويتان في اقتضاء الظنين. هذا على المشهور في النقل، ولكن كلام الغزالي يدل على أن مَن قال: (المصيب واحد) لم يُجَوِّز تَعادُل الأمارتين، وأنَّ الخلاف إنما هو بين المصوبة لكل مجتهد. وعبارته: (إذا تعارض دليلان عند المجتهد، فالمصوبة يقولون: هذا لِعَجْزه، وإلا فليس في أدلة الشرع تَعارض) (١). انتهى واختار الإِمام الرازي في المسألة تفصيلًا، وهو أن تعادل الأمارتين في حكمين متنافيين والفعل واحد -ككون الفعل واجبًا وحراما- جائزٌ في الجملة، غير واقع شرعًا. أي: غير جائز الوقوع شرعًا كما يظهر لمن تَأمل كلامه أنَّ هذا مراده. وأنَّ تَعادلهما في فِعلين متنافيين والحكم واحد جائز، كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جِهَتَا القِبلة. احتج مَن منع تَعادل الأمارتين في نفس الأمر مطلقًا بأنه لو وقع: - فإما أن يُعمل بهما، وهو جَمع بين المتنافيين. - أو لا يُعمل بواحد منهما، فيكون وَضْعُهما عبثًا، وهو محُال على الله تعالى. - أو يُعمل بأحدهما على التعيين، وهو ترجيح من غير مرجِّح. - أو لا على التعيين، بل على التخيير. والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة

стр. 2147

الإباحة بعينها؛ لأنه لَمَّا جاز له الفعل والترك، كان هذا معنى الإباحة، فيكون ترجيحًا لإحدى الأمارتين بعينها. وجوابه بأن ذلك لا يقتضي الإباحة، بل هو تخيير العمل بأي الأمارتين شاء، لا عمل بأي [الفعلين] (١) شاء؛ بدليل أنه لو كانت إحداهما تقتضي تحريمه لا ولمال: هو مُخَيَّر بين فِعله مع كونه حرامًا وبين غيره. فإذا عمل بأحدهما، وجب عليه أن يعتقد بطلان الآخر، بخلاف الإباحة، فإنه لا يعتقد فيها فساد ما لم يُفعل. ونحوه في الشرع التخيير بين أن يصلي المسافر قصرًا أو إتمامًا؛ فإنه إذا جاز له ترك الركعتين عند اختيار القصر، لا يُقال: يلزم أنَّ فِعل الركعتين مباح. نعم، في ذلك كله نظر لا نُطَول به. واحتج مَن جوَّز تَعادل الأمارتين في نفس الأمر بالقياس على جواز تعادلهما في الذهن، وبأنه لا يَلزم مِن فَرْضه مُحال. وقد أجيب عن ذلك وعن تفصيل الإِمام بما يطول ذكره. نعم، قال ابن عبد السلام في قواعده: (لا يُتصور في الظنون تَعارض كما لا يُتصور في العلوم. إنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، فإذا تعارضت فإنْ حصل الشك، لم يحكم بشيء، فإنْ وُجد ظن في أحد الطرفين، حَكَمنا به؛ لأنَّ ذهاب مقابِلِه يدل على ضعفه. وإنْ كان كل منهما مكذبًا للآخَر، تَساقَطَا، كتعارض الخبرين والشهادتين. وإنْ لم يُكذب كل واحد منهما صاحبه، عُمِل به على حسب الإمكان، كدابَّة عليها راكبان، يُحكَم بها لهما؛ لأنَّ كُلًّا مِن اليدين لا تُكذب الأخرى) (٢). انتهى

стр. 2148

وهو نفيس؛ لأنَّ الظن هو الطرف الأرجح، فلو عُورِض بِطَرف آخَر راجح، لَزِمَ أن يكون كل منهما راجحًا مرجوحًا، وهو محُال. أما الثاني: وهو حُكم التعادل حيث جَوَّزنا وقوعه ووقع ففيه مذاهب: أحدها (وهو الأرجح): التخيير، وهو معنى قولي: (فَالْمُجْتَهِدُ مُخَيَّرٌ). وبه قال القاضي أبو بكر وأبو علي وابنه أبو هاشم. ومن هنا جاز للعامي أن يستفتي مَن شاء مِن المفتيين ويعمل بقوله كما سيأتي. الثاني: أنهما يتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما، وهو البراءة الأصلية. وإليه ذهب كثير من الفقهاء، ويؤيده ما رجحه أصحابنا في مسألة تَعارض البَيِّنتين، لكن لا يَلزم منه محذور، وهذا يَلزم منه تعطيل الأحكام. الثالث: الوقف، وذلك كتعارض البَيِّنتين (على قَولٍ). الرابع: إنْ وقع التعادل في الواجبات فالتخيير، إذ لا يمتنع التخيير فيها في الشرع، كمن ملك مائتين من الإبل يُخيَّر بين إخراج أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وإنْ وقع بين حُكمين متناقضين كإباحة وتحريم، فحُكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية. نعم، في جريان قول الوقف في عمل نفسه بعيد جدًّا كما قاله الهندي؛ إذِ الوقف فيه لا إلى غاية تنتظر؛ إذْ لا يُرجَى [منه ظهور الرجحان] (١)، بخلاف التعادل الذهني، فإنه لا يَبعُد الوقف إلى أنْ يظهر المُرَجِّح. والله تعالى أعلم.

стр. 2149

ص: ٩٢٩ - وَلَيْسَ في الْكِتَابِ تَقْدِيمٌ عَلَى ... سنَّةٍ؛ اذْ كِلَاهُمَا قَدْ نُزِّلَا ٩٣٠ - إلَّا بِخَارِجٍ، [كَذِي] (١) آحَادِ ... فَمُتَوَاتِرٌ عَلَيْهِ بَادِي الشرح: أي: إذا تَقرر أن الدليلين المتعارضين إذا وُجد في أحدهما مرجِّح، يجب العمل به وإلا تَعادَلَا؛ لاستوائهما، سواء أكانا من الكتاب أو السُّنة أو أحدهما من الكتاب أو من السُّنة أو غير ذلك. ولا يكون ما في الكتاب راجحًا على ما في السُّنة (على الراجح)؛ لأنَّ كُلًّا مِن الكتاب والسُّنة وَحْي مِن الله تعالى وإنِ افترقَا مِن حيث إنَّ القرآن نزل للإعجاز به كما سبق في بحث الكتاب، والسُّنة نزلت لا لقصد الإعجاز وإنْ كان فيها أسباب الإعجاز، وأما في الحقيقة فهُمَا سواء. نعم، يقع ترجيح الكتاب على سُنة الآحاد بأمر خارج عن ذاتهما، وهو كون سند القرآن متواترًا [يقينيًّا] (٢)، وسند الآحاد ظنيًّا، بل ولو كانت السُّنة متواترة قُدمت على الآحاد. وهو معنى قولي: (فَمُتَوَاتِرٌ عَلَيْه بَادِي)، أي: ظاهر راجح. وقيل: يُقدم الكتاب مِن حيث هو على السُّنة؛ لحديث معاذ: "بِمَ تَقْضِي؟ قال: بكتاب الله. قال: ثم ماذا؟ قال: بِسُنة رسول الله" (٣). وقيل: تُقدم السُّنة؛ لأنها بيان؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

стр. 2150

[النحل: ٤٤]. وأجاب إمام الحرمين بأن الكلام ليس في السُّنة المبيِّنة، بل في السنة المعارضة. أما المتواتران مِن السنة إذا تَعارضَا فلا خلاف في التساوي، كقوله ﷺ في البحر: "الحِل ميتته" (١)، فإنه عام في ميتة البحر مطلقًا، سواء خنزير البحر وغيره، [وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾] (٢) فإنه يقتضي تحريم كل لحم، سواء خنزير [البحر] (٣) وغيره؛ فَتَعارض عموم الكتاب وعموم السُّنة في خنزير البحر، فقُدمت السُّنة على رأي مَن قال: حلال، والكتاب على رأي مَن قال: حرام. ومنهم مَن قال: يُنظَر، فإنْ أَمكن الجمع ولو مِن وَجْه، جمعنا، وإلا قضينا بالتعادل، فيقال حينئذ: يُقدم الكتاب إنْ كانت السنة آحادًا. وقد سبق مباحث في "باب العموم والنسخ" لا حاجة لإعادتها هنا. وكذا سبق فيما إذا كان كل منهما أَعَم مِن الآخَر مِن وَجْه وأَخَص مِن وَجْه، فليراجَع. والله أعلم. ص: ٩٣١ - وَفي تَعَارُضِ مَقُولِ الْمُجْتَهِدْ ... يُقْضَى بِآخِرٍ وَتَرْجِيحٍ وُجِدْ الشرح: أي: ما سبق في تَعارض الأمارتين بالنسبة إلى المجتهد يجري في تَعارض قولين فصاعدًا

стр. 2151

لمجتهد بالنسبة إلى المقلِّد. فإنْ كان أحد القولين أو الأقوال متأخرًا وعُلِم تَأخُّره فهو قول المجتهد الذي يُقْضَى بكونه مذهبه، ويكون الأول مرجوعًا عنه؛ ولهذا لا يُعْمل إلا يقول الشافعي الجديد الذي هو بمصر، ورواه عنه الربيع في "الأم" والبويطي والمزني وجمعٌ كثيرٌ، لا بالقديم الذي في بغداد وصنف فيه كتاب "الحجة"، ورواه عنه أحمد وأبو ثور والكرابيسي والزعفراني، فلا يُعمل به سوى مواضع فإنه يُفْتَى بها على القديم؛ لقوته وإنْ كان في غالبها نظر؛ لكونها منصوصة في الجديد أيضًا، فتُنسَب إليه. وقد أُفْرِدَت بالتصنيف، ومحل بيانها كُتب الفقه. نعم، ذهب بعض الأصحاب إلى أن المجتهد إذا كان له قولان -قديم وجديد- لابُدَّ أنَّ ينص على الرجوع عن القديم. فإنْ لم ينص على ذلك فلا يكون رجوعًا. حكاه الرافعي في "باب صلاة الجماعة". فإنْ لم يُعلم المتأخر فيُحكَى عنه القولان ولا يُحكم عليه بالرجوع عن أحدهما بِعَيْنه. ثم مَن كان أهلًا للترجيح من أصحابه له طلب الأرجح بما يظهر له من قواعده. أما إذا نَص على القولين فصاعدًا في موضع واحد: - فإما أنْ يعقب أحدهما بما يُشْعِر برجحانه، كقوله: (وهذا أَشبه)، ولو بالتفريع عليه، فيكون ذلك هو قوله. - وإما أنْ لا يذكر ما يُشعر بترجيح، فيكون ذلك دليلًا على تَوقُّفه في المسألة؛ لعدم ترجيح أحد الحكمين. ثم قوله مثلًا: (فيها قولان) أو: (أقوال) يحتمل أن يريد على سبيل التجويز والاحتمال، ويحتمل أن يريد فيها مذهبان لمجتهدين أو أكثر. وعلى كل حال لا يُنسب إليه شيء من القولين أو الأقوال. كذا قاله الإمام في "المحصول" وأتباعه.

стр. 2152

وقال الآمدي: (يجب اعتقاد نِسبة أحدهما إليه وإنْ كُنا لا نَعلمه) (١). فلا ننسب إليه شيئًا منها؛ لذلك. وفي رأي ثالث نقله إمام الحرمين عن القاضي: إنَّا نتخير في العمل بأحدهما. قال: (وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي تصويب المجتهدين، لكن الصحيح من مذهبه أنَّ المصيب واحد؟ فلا يمكن فيه القول بالتخيير) (٢). وأيضًا: فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ويستحيل التخيير بينهما. واعلم أن هذين الحالين وقعَا للشافعي ﵀، أعني ذِكره قولين في موضعين. وذكره القولين في موضع واحد مِن غير تنبيه على ما يُشعر بقوله بأحدهما، لكن هذا الثاني قليل. قال الشيخ أبو إسحاق: (إن القاضي أبا حامد [المروروذي] (٣) قال: إنه ليس للشافعي مِثل ذلك إلا في بضعة عشر موضعًا، ستة عشر أو سبعة عشر) (٤). وهو دليل على علُو شأنه. وأما وقوع الحالة الأُولى منه فدليل على صرف عُمره في النظر والآخِذ وأنه ولاجٌ في الدقائق وعلى دِينه؛ لإظهار الشيء يلوح له غير مُبالٍ با صدر منه أولًا ولا واقف عند كلام غبي ينسبه للتناقض في المقال. أما فائدة ذِكر القولين مِن غير ترجيح فالتنبيه على أن ما سواهما لا يؤخَذ به، وأن الجواب منحصر فيما ذكر، فيُطلَب الترجيح فيه.

стр. 2153

وقد وقع مثل ذلك لعمر ﵁ في الشورى حيث قصر الخلافة على ستة. أي: فلا يكون [استحقاقها] (١) لغيرهم. فإنْ قيل: فقولهم: (للشافعي قولان) لا معنى له؛ لأنَّ الغرض أنه متوقِّف غير حاكم بشيء. قيل: هو في الحقيقة كذلك، وإنما نِسبتهما له باعتبار أنه ذكرهما أو تَردد فيهما. أشار إلى ذلك إمام الحرمين. واعلم أن قولي: (يُقْضَى بِآخِرٍ وَتَرْجِيحٍ) معناه: أنه يقضَى بالآخِر فيما عُلم تَأخُّره، وبالترجيح فيما أشار فيه ذلك المجتهد إلى ترجيح كما بيناه. وإذا لم يكن شيء من ذلك فالوقف. وهذا مفهوم من قولي: (يُقْضَى بِآخِرٍ وَتَرْجِيحٍ)، أي: فلا يُقْضَى بغيرهما، بل يوقف. تنبيهان الأول: مما عُد من الترجيح في القولين للشافعي إذا لم يذكر ترجيحًا: أنْ يكون أحدهما مخالفًا لأبي حنيفة، فيكون هو الراجح كما قاله الشيخ أبو حامد؛ لأنَّ المخالفة تقتضي اطِّلاعه على دليل أقوى مما قال به أبو حنيفة. وعَكَس القفالُ، فقال: الموافِق مُقَدَّم. وصححه النووي في "شرح المهذب" و "الروضة"، لكنه بِناء على طريقةٍ في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية" ولكنها ضعيفة؛ فإنَّ الكثرة إنما يظهر تأثيرها في النقل، وأما في الاجتهاد فالمعتبَر قوة الدليل، وحينئذٍ فالراجح خِلاف القولين (٢) معًا، وأنَّ الترجيح إنما هو بقوة النظر.

стр. 2154

نعم، قال بعضهم: تصوير هذا النوع يحتاج إلى نظر، فإنَّ أحد القولين فيه إما أن يكون قبل الآخَر فالعمل بالمتأخِّر؛ لأنه كالجديد بالنسبة إلى القديم، أوْ لا، كما إذا قالهما معًا أو لم يُعْلَم المتأخِّر فالتعليل بأنه ما خالف إلا لاطِّلاعه على دليل أقوى - يقتضي تقديم الموافقة. قلتُ: لا يلزم ذلك؛ لأنَّ المراد: لم يعْدل عن قوله إلا لدليل أقوى؛ فلا يُشْعِر بتقديم موافقته، وحينئذٍ فلا حاجة للنظر في البضعة عشر قولًا للشافعي هل فيها موافقة أبي حنيفة؟ أو مخالفته؟ على الرأيين السابقين. فاعْلَمه. الثاني: قد يكون القول للمجتهد ليس بنصه عليه، بل بنصه على ذلك في نظيره، فيُسمَّى "القول المُخَرَّج"؛ لأنه لازِم قوله. ولكن الصحيح أن لازِم المذهب ليس مَذهبًا؛ فلذلك قال الشيخ أبو إسحاق: إنه لا يخرج عن تلك المسألة إلى الأخرى ويُجعل على قولين. قال: (إلا إذا لم يحتمل، كقوله: "تثبت الشفعة في الشقص من الدار"، فيُقال قولُه في الحانوت) (١). كذلك قال الرافعي، والمعروف في المذهب خِلاف ما قاله. لكن إذا قلنا بجواز التخريج فهل يُنسب إليه المخرج؟ وجهان، أصحهما: المنع؟ بناءً على ما سبق من كون [المُرَجح] (٢) أنَّ لازِم المذهب ليس مذهبًا؛ لأنه ربما يذكر فرقًا ظاهرًا. ولعل مراد الشيخ أبي إسحاق ذلك؛ فإنه جازِمٌ في ["المهذب"] (٣) في غالب الأبواب بذكر التخريج وبيان طُرق الأصحاب فيه. فلذلك قال الرافعي: (الأَوْلى أنْ يقال: "هذا قياس قوله"، أو: "قياس أَصْله"، ولا

стр. 2155

يقال: "هو قوله") (١). ومن هذا تنشأ طُرق الأصحاب في إثبات الخلاف أوْ لا، ومن ظهور الفرق فيما فيه [التخريج] (٢) ونحو ذلك. والله أعلم. ص ٩٣٢ - وَأَوَّلٌ تَرْجِيحُهُ بِسَنَدِ ... عَالٍ وَفِقْهِ أَوْ بِنَحْوِ الْمُسْنِدِ ٩٣٣ - أَوْ لُغَةٍ وَوَرَعٍ وَفِطْنَةِ ... وَضَبْطِهِ، وَبِانْتِفَاءِ الْبِدْعَة الشرح: المراد بِـ "الأول": خبر الآحاد. ويقع الترجيح فيه من وجوه: الأول: بأحوال الراوي وذلك من جهات: إحداها: بِعلُو الإسناد، والمراد به قِلة عدد الطبقات إلى منتهاه، فيرجح على ما كان أكثر؛ لِقِفَة احتمال الخطأ بِقلة الوسائط؛ ولهذا رغب الحفاظ في علو السند ولم يزالوا يتفاخرون به. مثاله: قول حنفي في أن الإقامة مثنى: إن عامرًا الأحول روى عن مكحول أن أبا محيريز حدَّثه عن أبي محذورة: "أن رسول الله ﷺ علَّمه الأذان وعلَّمه الإقامة" وفيه أنها: "مثنى مثنى" (٣).

стр. 2156

فيقول الشافعي: روى أنها فرادي -بخلاف الأذان- خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (١). فخالد وعامر متعاصران، ففي حديثنا اثنان وحديثهم ثلاثة. وربما يدخل في العلو كثرة الرواة في الطبقة الواحدة؛ لقوة الوثوق بما توافقدا في روايته؛ فلذلك استغنيت في النَّظم بذكره. والخلاف في المسألة نقله ابن الحاجب عن الكرخي من الحنفية، ونقله صاحب "الميزان" من الحنفية عن أكثر أصحابهم كما في الشهادة، ولأنَّ خبر الواحد يحتمل أن يكون متأخرًا، فيكون ناسخًا؛ فلا معنى للترجيح بالكثرة. ونقل إمام الحرمين فيه الخلاف أيضًا عن بعض المعتزلة. ولَنَا: ما سبق، وبأنَّ الفرق بينه وبين الشهادة ظاهر؛ فإنَّ الشهادة مستندة إلى توقيفات تَعبُّدية؛ ولذلك لا يُعتبر بغير لفظ الشهادة، حتى لو أتى العدد الكثير بلفظ الإخبار، لم يُقبل، ولو شهد ألف امرأة وعبد على باقة بقل، رُدُّوا. ومثال ذلك: قول الشافعي في "الرسالة": (إن الأخذ بحديث عبادة في الربا أَولى من حديث أسامة؛ لأنَّ مع عبادة: عمر وعثمان وأبا سعيد وأبا هريرة ﵃، والخمسة أَوْلى من واحد) (٢). انتهى ومثاله أيضًا رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام من ركوع أو رَفْع منه. فروى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا

стр. 2157

يعود" (١) وروى ابن عمر أنه ﷺ "كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع" (٢). ورواه أيضًا كابن عمر: وائل بن حجر وأبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة. ورواه أيضًا أبو بكر وعمر وعلي وأنس وجابر وابن الزبير وأبو هريرة، وجمعٌ بلغوا ثلاثًا وأربعين صحابيًّا، وقد أفرده البخاري بالتصنيف. الثانية: الترجيح بفقه الراوي، سواء أكانت الرواية بالمعنى أو باللفظ، خلافًا لمن قال: إذا كانت باللفظ فلا ترجيح بذلك. لنا: أنَّ الفقيه يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، فيبحث عّمَا لا يجوز إجراؤه على ظاهره؛ ليبين ما يزول به إشكاله. الثالثة: بعلم النحو تصريفًا وإعرابًا؛ لأنَّ العالم بذلك يتحفظ عن مواقع الزلل، فالوثوق بروايته أقوى من غيره. قال الإِمام: (ويمكن أن يقال: هو مرجوح؛ لأنه قد يعتمد على معرفته، فلا يبالغ في الحفظ، بخلاف الجاهل بها، فإنه يخاف؛ فيبالغ في الحفظ) (٣). وهذا معنى قولي: (وَفِقْهِ أَوْ بِنَحْوِ)، وهُما بترك التنوين؛ للإضافة. و "المسنِد" بكسر النون، أي: الراوي.

стр. 2158

الرابعة: عِلم الراوي باللغة؛ لِمَا قُلناه في علم النحو. الخامسة والسادسة: الورع والفطنة و [الضبط] (١)؛ لأنها أوصاف تُغَلِّب على الظن الصدق؛ ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم حديث: "زوجتكها بما معك من القرآن" (٢) على رواية عبد العزيز بن أبي حازم وزائدة عن أبي حازم بلفظ: "ملكتكها" (٣)؛ لأنَّ مالكًا وسفيان أعلم منهما وأوثق وأضبط. وسواء في ذلك أيضًا أن تكون روايته باللفظ أو بالمعنى كما سبق في فقهه. السابعة: حُسن اعتقاد الراوي بانتفاء أن يكون مبتدعًا. كذا قطعوا به. لكن إذا كان مِن بدعته اعتقاد كون الكذب كُفرًا، يحتمل أن لا ترجيح بانتفائها؛ لأنَّ ظن صِدقه أَغلب. مثال الأول: رواية إبراهيم بن أبي يحيى (وهو مبتدع، قال البخاري: كان يرى القدر، وكان جهميًّا) بسنده إلى النبي ﷺ : "مَن صام الدهر كله فقد وهب نفسه لله" (٤). فيقدَّم على روايته -وإنْ كان ثقة كما قال الشافعي وابن [الأصبهاني] (٥) وابن عقدة وابن عدي- روايةُ: "لا صام مَن صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" (٦) ورواية: "نهى

стр. 2159

عن صيام الدهر" (١)؛ لسلامة راويهما من البدعة. والله أعلم. ص: ٩٣٤ - وَشُهْرَةٍ بِالْعَدْلِ، وَالتَّزْكيَةِ ... [بِالِاخْتِبَارِ] (٢)، وَالَّذِي بِكَثْرَةِ ٩٣٥ - مِنَ الْمُزَكينَ، وَ [بِالتَّصْرِيحِ] (٣) ... وَحِفْظِ مَرْوِيٍّ لَهُ صَحِيحِ الشرح: الجهة الثامنة للترجيح في الراوى: أن يكون مشهورًا بالعدالة بحيث لا يحتاج إلى تزكية، كما سبق في باب "الرواية" أن الأئمة لا يحتاجون إلى تزكية، ونحوهم مَن اشتهرت عدالته وصلاحه، فيقدَّم كلٌّ مِن هؤلاء على مَن عدالته بالتعديل. التاسعة: كونه مُزكّى بالاختبار والممارسة، فيقدَّم على مَن عُرفت عدالته بالتزكية؛ لأنَّ الخبر ليس كالمعاينة. العاشرة: أن يترجح بكثرة المُزكِّين له؛ ولهذا قدَّمنا حديث بسرة بنت صفوان: "مَن

стр. 2160

مَسَّ ذكَره فليتوضأ" (١) على حديث طلق أنه سأل النبي ﷺ عن الرجُل يمس ذكره، قال: "لا بأس؟ إنما هو كبعض جسدك" (٢). الحادية عشر: أن تكون تزكيته بالصريح من ألفاظ التزكية، فيقدَّم على مَن تزكيته بالحكم بشهادته أو العمل بروايته. نعم، الحكم بشهادته أرجَح مِن العمل بروايته. الثانية عشر: حفظ [المَرْوِي] (٣)، وذلك بأنْ يحكي لفظ النبي ﷺ ، والآخَر لا يصرح بأنَّ ذلك صيغة لفظه ﷺ ، كحديث أبي محذورة: "لقنني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة" (٤). وروى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأذان بلا ترجيع، لا يحكى لفظ النبي ﷺ . وفي معنى ذلك أن يكون تعويله في الرواية على حِفظه، لا على الكتابة، فإنه يَصْدُق أنه رُجح بحفظه، والله أعلم.

стр. 2161

ص: ٩٣٦ - وَ: [بِسَبَبٍ] (١) يُذْكَرُ، وَالسَّمَاعِ ... بِلَا حِجَابٍ، وَبِصَحْبٍ رَاعِ ٩٣٧ - أَكْبَرَهُمْ، لَا ذَكَرًا وَلَوْ رَوَى ... حُكْمًا لِمِثْلِهِ، وَ [حُرُّامَا] (٢) [غَوَى] (٣) ٩٣٨ - وَمُتَأَخِّرٍ بِإسْلَامٍ، وَمَن ... يَعْرَى عَنِ التَّدْلِيسِ فِيمَا قَدْ [يُظَنْ] (٤) ٩٣٩ - وَغَيْرَ ذِي اسْمَيْنِ، وَمَنْ في الْوَقْعَةِ ... مُبَاشِرًا، وَصَاحِبِ الْقَضِيَّةِ الشرح: الثالثة عشر: الترجيح بِـ "ذِكر الراوي سبب الحديث" على "رواية مَن لم يذكر السبب فيه"؛ لأنَّ اعتناءه بذكر سببه دليلٌ على كمال ضبطه. الرابعة عشر: يقدَّم "مَن روى بلا حجاب بينه وبين مَن روى عنه" على "مَن روى وبينهما حجاب"، كرواية القاسم عن عائشة "أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا" (٥) (فيما رواه مسلم) على رواية أنه "كان حُرًّا" (٦) وهو الأسود عن عائشة، فإن القاسم رواه عنها

стр. 2162

شفاها؛ لأنه محرمها، بخلاف الأسود. الخامسة عشر: رواية أكابر الصحابة تُقدم على رواية الأصاغر منهم؛ وذلك لقرب الأكابر من مجلس النبي ﷺ . والمراد بالأكابر: رؤساء الصحابة، لا بالسن. وفي رواية عن أحمد أنه لا ترجيح بذلك. ولكن الصحيح أنه يُقَدم الأكبر فالأكبر، فيقدَّم الخلفاء الأربعة على غيرهم؛ فلذلك كان عِلي يُحلف الرواة ويقبل رواية الصديق مِن غير تحليف. وهذا معنى قولي: (وَبِصَحْبٍ رَاعِ أَكْبَرَهُمْ)، أي: وفي رواية الصحابة راعِ في الترجيح الأكبر فالأكبر. وقولي: (لَا ذَكَرًا) إشارة إلى أن بعضهم رجَّح يكون الراوي ذكرًا أو بكونه حُرًّا، وجرى عليه في "جمع الجوامع"، وهو خلاف الصواب، والصواب -كما قاله الأستاذ- أنه لا ترجيح بالذكورة. وقال ابن السمعاني: (إنه ظاهر المذهب) (١). ولم يذكر الترجيح به إلا احتمالًا له. بل حكى إلْكِيَا الطبري الاتفاق على عدم الترجيح به؛ لأنَّ المدار على الحفظ والإتقان، سواء في الرجل أو في المرأة. وأما الشهادة في جعل الشارع شهادة الرجل بشهادة امرأتين فَلأَمر آخَر، وهو مزيد الاحتياط فيها؛ فلذلك شُرِط فيها شروط لا تجري في الرواية, كالعدد والذكورة في بعض المشهود به وهو ما لا يُقْبَل فيه إلا الرجال. وهذا معنى قولي: "لَا ذَكَرًا" عطفًا على مفعول "رَاعِ"، أي: راعِ أكبر الصحابة في تقديمه على مَن دونه، ولا تُراعِ "الذكر مِن حيث هو" بتقديمه على الراوي "الأنثى مِن حيث هو".

стр. 2163

وقولي: (وَلَوْ رَوَى حُكْمًا لِمِثْلِهِ) أي: لا تراعيه ولو روى حُكمًا لا يختص بالإناث، خلافًا لقولٍ مُفَصَّلٍ أنه إنْ روى حُكم الإناث، قُدِّمت الأنثى عليه. وإنْ روى حُكمًا لا يتعلق بالإناث، يُراعَى في ترجيحه على رواية الأنثى ذلك. وقولي: (وَحُرًّا) عطف أيضًا على (ذَكَرًا)، أي: على ما هو الصواب، خلافًا لمن رجح بالحرية كما وقع في "جمع الجوامع" أيضًا؛ لأنَّ الحرية لا تأثير لها في قوة الظن. السادسة عشر: أن يكون الراوي متأخِّر الإِسلام، فيقدَّم على رواية مَن كان إسلامه متقدِّمًا؛ لأنَّ متأخِّره يحفظ آخِر الأمرين من رسول الله ﷺ ؛ ولهذا لَمَّا روى جرير البجلي: "رأيتُ رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه" (١)، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأنَّ إسلامَ جرير كان بعد نزول المائدة. أخرجه "الصحيحان". وهذا رأي الجمهور وإنْ جزم ابن الحاجب والهندي بأن رواية متقدِّم الإِسلام أَرجَح من رواية متأخِّره؛ لزيادة أصالته في الإِسلام وتَحَرُّزه فيه. على أنَّ الهندي قد ناقض هذا في الكلام على الترجيح بأمر خارج، فجزم بأن متأخِّر الإِسلام يُقدَّم مطلقًا. واعلَم أن في معنى تَأخُّر الإِسلام تأخُّر الصحبة؛ ولذلك قدَّموا خبر أبي هريرة: "أن النبي ﷺ سلم من اثنتين" (٢)، وقدموا رواية ابن عباس في التشهد على رواية ابن مسعود. ونقل ابن السمعاني عن الحنفية أنه لا يُقدَّم بهذا؛ لأنَّ المتقدم قد دامت صحبته إلى حالة وفاة رسول الله ﷺ ، فلا يكون للمتأخِّر ترجيح عليه.

стр. 2164

قال: (وما قُلناه أَوْلى؛ لأنَّ سماع المتأخر تحقق تأخُّره، وسماع المتقدم يحتمل المتقدم والتأخر. فما تأخر سماعه يَتعيَّن أن يكون أَوْلى؛ ولهذا قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث) (١). انتهى السابعة عشر: رواية مَن لا يدلس مقدَّمة على رواية المدلس تدليسًا لا يمنع قبوله، أما [التدليس] (٢) بما يمنع فمردود مِن الأصل. الثامنة عشر: ترجيح رواية مَن اشتهر باسْم واحد على رواية مَن اشتهر باسْمَين؛ لاحتمال أنه مجروح بأحدهما. التاسعة عشر: رواية مَن باشر الواقعة تُقدَّم على رواية مَن لم يباشرها؛ لأنه أَعْرَف بذلك، ولهذا قدَّم الشافعي رواية أبي رافع في نكاح النبي ﷺ ميمونة حلالًا (٣) على رواية ابن عباس أنه "كان مُحْرِمًا" (٤). العشرون: رواية صاحب القصة مقدَّمة على رواية غيره، كرواية ميمونة: "أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال" (٥). رواه مسلم، والله أعلم.

стр. 2165

ص: ٩٤٠ - وَعَدَمُ الْإنْكَارِ مِنْ شَيْخٍ، وَمَا ... مِنَ الصَّحِيحَيْنِ يَكُونُ ارْتَسَمَا ٩٤١ - فَفِي الْبُخَارِيِّ، فَمُسْلِمٍ، فَمَا ... شَرْطَهُمَا حَوَى، فَمِنْ غَيْرِهِمَا الشرح: الحادية والعشرون: رواية "مَن لم ينكر شيخُه -الذي رواه عنه- روايتَه" مقدَّمة على رواية "مَن أنكره الشيخ"، كإنكار أبي معبد ما حدَّث به عمرو بن دينار من حديث ابن عباس أنه: "كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير" (١). وهذا في الجاحد للرواية. أمَّا مَن شك فلا يظهر أنها مرجوحة؛ لاحتمال النسيان، فقد كان مَن شك يُحدِّث بَعد ذلك عمَّن روى عنه ذلك، كما فعل سهيل في حديث القضاء باليمين مع الشاهد (٢). الثانية والعشرون: ما أخرجه الصحيحان مُقدَّم على الصحيح في غيرهما؛ لأنهما أصح كتاب بعد القرآن. وأما قول الشافعي مِثل ذلك في "الموطأ" فإنما قاله قَبل وجودهما؛ لأنَّ أول مَن صنَّف في الصحيح: البخاري، ثم مسلم. ويقال فيما اتفقا عليه: "متفق عليه". أي: اتفق البخاري ومسلم عليه، لا اتفاق الأُمة، إلا أنَّ اتفاق الأُمَّة لازِم له؛ لاتفاق الأُمة على تَلَقِّيهما بالقبول. وكذا ما انفرد به أحدهما، حتى قال ابن الصلاح تبعا للأستاذ أبي إسحاق: إنَّ ما فيهما

стр. 2166

مقطوع بصحته. وخالفه النووي؛ لأنَّ خبر الآحاد لا يُقْطَع بصحته، فإن المحققين والأكثرين قالوا: لا يفيد إلا الظن، ولا يَلْزَم مِن اتفاق الأُمة على العمل [بها] (١) إجماعُهم على أنه مقطوع بصحته عن رسول الله ﷺ . ثم بَعد ما اتفقا عليه في الصحة ما انفرد به البخاري؛ لأنه شَرط ما لم يشرطه مسلم ولا غيرُه. نعم، خالف بعض شيوخ المغرب، ففضل "صحيح مسلم" عليه، وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: (ما تحت أديم السماء أصح منه). وأُوِّل بكونه لم يمازج ما فيه مِن الأحاديث الصحيحة بكلام صحابي ولا بحديث مُعلَّق، ونحو ذلك، وإلا فلا يمكن إطلاق ذلك. فإنْ قيل: لِمَ لا قُدِّم على المتفق عليه في "الصحيحين" اتفاق الكتب الستة كما زعم ذلك بعضهم؟ قلتُ: لأنَّ ما اتفقا عليه يَلزم أنْ يقولوا كلهم بصحته؛ لأنَّ شرطهما لا يخالف فيه بقية الستة، فهو كالمتفق عليه مِن الكل. ثم بعد ذلك يرجح ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما هو على شرط مسلم، كما [يفصل] (٢) ذلك الحاكم في "مستدركه" وإنْ كان فيه تساهل وعليه انتقادات.

стр. 2167

ثم بعد ذلك كله ما هو صحيح (١) لا على شرطهما ولا على شرط أحدهما، وهو معنى قولي: (فَمِنْ غَيْرهِمَا). والله تعالى أعلم. ص: ٩٤٢ - وَالْقَوْلُ، فَالْفِعْلُ، فَأَنْ يُقَرَّرَا ... وَذُو فَصَاحَةٍ، وَزَائِدًا يُرَى ٩٤٣ - أَلْغِ بِهِ التَّرْجِيحَ فِيمَا قَدْ عُنِي ... وَالْقُرَشِيُّ لَفْظُهُ وَالْمَدَنِي ٩٤٤ - وَمُشْعِرٌ بِرِفْعَةِ النَّبِيِّ ... صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مِنْ صَفِيِّ الشرح: ما سبق من الترجيحات إنما هو بحسب الراوي، أما بحسب المتن فمِن جهات أيضًا: إحداها: القول مُقدَّم على الفعل، فما كان مِن لفظ النبي ﷺ أَرجح مما نُقل عن فِعله؛ لصراحة القول؛ ولهذا اتُّفِق على دلالة القول، بخلاف دلالة الفعل. الثانية: الفعل مقدَّم على التقرير؛ لأنَّ التقرير يَطْرقه مِن الاحتمال ما ليس في الفعل الوجودي؛ ولذلك كان في دلالة التقرير على التشريع اختلاف. الثالثة: ما كان فصيحًا مُقدَّم على ما لم يستكمل شروط الفصاحة، وهي كما ذكر البيانيون سلامة "المفرد" مِن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس. وفي "المركب" سلامته من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحتها. ومعنى ذلك كله موضح في محله. نعم، من الناس مَن قال: اللفظ المروي إذا كان فيه ركاكة، لا يقبل.

стр. 2168

ولكن الحق القبول إذا صح السند، ويُحمَل على أن الراوي رواه بلفظ نفْسه. أما عند عدم صحة السند فتكون الركة علامة على أنه موضوع كما ذكره المحدِّثون. وأما ما كان زائد الفصاحة فلا يرجح على غيره؛ فإنَّ النبي ﷺ ينطق بالفصيح وبالأفصح، فلا فَرق في ثبوتهما عنه، والكلام فيما سوى ذلك، لا سيما إذا خاطب مَن لا يعرف غير تلك اللغة التي ليست بأفصح؛ لقصد إفهامهم. وهذا معنى قولي: (وَزَائِدًا يُرَى ألْغِ بِهِ التَّرْجِيحَ فِيَما قَدْ عُنِي). فَـ "زائدًا" مفعول مقدم. وإنما قلت: "وَزَائِدًا" ولم أَقُل: "أفصح" كالبيضاوي؛ لأنَّ الأفصح يكون في كلمة واحدة لُغتان إحداهما أفصح، بخلاف زائد الفصاحة، فإنه يكون في كلمات منها الفصيح والأفصح، ولكن الأفصح فيه أكثر. وينبغي أن يجري ذلك في البليغ، فلا يرَجح على الفصيح. و"البلاغة" كما قال البيانيون: مُطابَقة الكلام لمقتضَى الحال. وهو مشروح في محله. الرابعة: ما كان بِلُغَة قريش مقدَّم على غير لُغتها؛ لأنه ﷺ سيد قريش. وفي معناه أن يكون بلغة الحجاز، فيقدَّم على لغة غيرهم. الخامسة: يقدَّم المدني على المكِّي؛ لتأخره عنه؛ لأنه ﷺ هاجر للمدينة ومكث عشر سنين. وقد اختُلف في معنى "المكي" و "المدني" في القرآن: فقيل: ما بعد الهجرة مدني ولو كان في سفر النبي ﷺ إلى مكة في الطريق أو في نفس مكة أو نحو ذلك. وقيل: المدني ما كان بالمدينة فقط. والأرجح: الأول؛ لِمَا قدَّمنا مِن كونه متأخِّرًا.

стр. 2169

السادسة: يقدَّم ما كان مُشْعِرًا بِرِفْعَة النبي ﷺ -صَفِي الله مِن خَلْقه- وعلُوِّ شأنه؛ لإشعاره بتأخُّر ذلك؛ لأنه ﷺ كان يتجدد له زيادات في علُو الشأن، فهو مُحَقَّق التأخُّر عمَّا ليس فيه ذلك؛ لكونه محتمل المتقدم والتأخر. والله تعالى أعلم. ص: ٩٤٥ - وَمِنْ مُرَجِّحَاتِ مَتْنٍ مُطْلَقَا ... مَا فِيهِ ذِكْرُ عِلَّةٍ تَحَقَّقَا ٩٤٦ - أَوْ تَكُ قُدِّمَتْ عَلَى حُكْمٍ لَهَا ... أَوْ كَانْ لِلتَّهْدِيدِ أَمْرُهُ انْتَهَى ٩٤٧ - أَوْ فِيهِ تَأْكِيدٌ، وَمَا تَعْمِيمُه ... مُطْلَقًا، ايْ: عَلَى الَّذِي عُمُومُه ٩٤٨ - في سَبَبٍ لِغَيْرِ ذَاكَ السَّبَبِ ... وَالشَّرْطُ صَاحِبُ الْعُمُومِ أَوْجِبِ ٩٤٩ - رُجْحَانَهُ عَلَى مُنكَّرٍ نُفِي ... وَذَا عَلَى [الْبَاقِي] (١) إذَا مَا [يَقْتَفِي] (٢) الشرح: أي: ومِن المرجحات في المتن مطلقًا (أيْ: في متن القرآن أو السُّنة) أمور: أحدها: أن يذكر في الحكم تعليله، فيقدَّم على ما لم يذكر فيه العلة؛ لإشعاره بالاعتناء به والاهتمام، كحديث: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (٣) أَشْعر بترتيب القتل على الردَّة بأنها عِلته؛ فيقدَّم على حديث النهي عن قتل النساء (٤) الذي لم يذكر فيه عِلة النهي عن ذلك، فليكن حمله على الحربيات.

стр. 2170

وفي معنى ذلك أن يذكر لكل منهما عِلة، لكن عِلة أحدهما أظهر في المناسبة؛ فيقدَّم. الثاني: ما قُدِّمت فيه العلة على الحكم أَرْجح من عكسه. وقد سبق في "باب القياس" في الإيماء أن الإِمام في "المحصول" قال ذلك، وسبق بيانه موضَّحًا، فراجِعه. الثالث: يقدَّم ما فيه تهديد على ما لا تهديد فيه، كحديث: "مَن صام يوم الشك فقد عَصَى أبا القاسم" (١) مقدَّم على أحاديث الترغيب في صيام النفل. الرابع: ما فيه تأكيد مقدَّم على ما لا تأكيد فيه، كحديث: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وَليها فنكاحها باطل باطل باطل" (٢) مع حديث: "والأيم أَحَق بنفسها مِن وليها" (٣)، فإنه -ولو سُلِّم دلالته للحنفية على مطلوبهم أنها تُزوج نفسها- كان هذا مقدَّمًا عليه. وفي معنى ذلك ما لو تأكد حُكم أحدهما بدلالة سياق؛ فيقدَّم على ما ليس كذلك. الخامس: يقدَّم العام الذي "لم يَرِد على سبب خاص" على الذي "وَرَدَ على السبب الخاص" في غير صورة السبب؛ لأنَّ الأول أقوى في العموم، حتى قال مَن قال: إن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ كما سبق؛ فلذلك قال إمام الحرمين: إنَّا ولو قُلنا بعمومه لكنه ضعيف. ولذلك رجحنا "مَن بدل دينه فاقتلوه" على حديث: "نَهى عن قتل النساء"؛ لأنه وَرَد

стр. 2171

على قتل نساء أهل الحرب، فاختص بذلك، لا مِن حيث إنَّ العبرة بخصوص السبب، بل للجمع بين الدليلين. أما إذا تَعارض الدليلان في صورة السبب فيقدَّم العام في السبب؛ لأنه إما خاص به على رأيٍ أو واجب الدخول على الرأي الآخَر؛ ولذلك لا يجوز إخراجه وتخصيصه من العموم. وممن أشار إلى هذا التفصيل ابن الحاجب، وصرح به سليم الرازي في "التقريب"، وكذا غيره من أصحابنا كشارح "لمع" الشيخ أبي إسحاق. ولم يقف الهندي على النقل؛ فذكر ذلك بحثًا. السادس: ما كان مِن صيغ العموم متضمنًا لشرط كـ "أيّ" و "مَن" راجح على ما كان غير ذلك كالنكرة المنفية؛ لدلالة الأول على كون ذلك عِلة للحكم، وهو أدل على المقصود مما لا عِلة فيه، إذْ لو ألغينا العام الشرطي كان إلغاءً للعلة، بخلاف العام غير الشرطي لا يَلزم منه إلغاء العلة. كذا قطع بهذا المرجح ابن الحاجب وغيره، ويؤيده ما في "المحصول" مِن أنَّ عموم الأول بالوضع والثاني بالقرينة. نعم، جزم الهندي هنا بأن النكرة المنفية مقدَّمة على غيرها مِن أنواع العموم، لكنه لم يُوَجِّهه. وكأنَّ وَجْهه أنَّ طروق التخصيص إليه بعيدٌ؛ لِبُعْد أنْ يقال في "لا رجُل في الدار": إنَّ فيها فلانًا. نعم، إمام الحرمين قال في "البرهان": إنه لا فرق بين العموم الشرطي والنكرة المنفية في معنى العموم، وإنه يقْطَع بأنَّ العرب وضعتهما [لِذلك] (١). السابع: العام بِكَوْنه نَكرة مَنْفِيَّة مقدَّم على باقي صِيَغ العموم؛ لأنه أَقْوَى منها؛ ولهذا قيل: إنَّ دلالة العموم في النكرة المنفية بالوضع. واتفقوا على أنَّ [الباقي] (٢) بالقرينة. والله

стр. 2172

تعالى أعلم. ص: ٩٥٠ - وَهَكَذَا الْجَمْعُ الَّذِي تَعَرَّفَا ... يَرْجَحُ "مَا" وَ "مَنْ" عَلَى مَا عُرِفَا ٩٥١ - وَرَجِّحِ الْكُلَّ (١) عَلَى ذِي الْجِنْسِ ... إذَا احْتِمَالُ الْعَهْدِ فِيهِ يَرْسِيْ ٩٥٢ - كَذَا الَّذِي تَخْصِيصُهُ أَقلُّ ... وَالِاقْتِضَاءَ حَيْثُما يَدُلُّ الشرح: أي: الثامن مِن المرجحات في المتن مطلقًا (وهو وما بَعده مِن الترجيح في باقي صيغ العموم) أنْ يكون العام جمعًا مُعرَّفًا بِـ "أل" أو بالإضافة مُرجَّح على العموم في "مَا" و "مَن" على ما [عُرف] (٢) في باب العموم. والمراد هنا بِـ "مَن" و "مَا" غير الشرطيتين، فقد سبق أن أدوات الشرط كلها العموم فيها مقدَّم على سائر صيغ العموم. وإنما رجحنا الجمع المعرَّف على "مَن" و "ما" غَيْر الشرطيتين لعدم إمكان حمل الجمع على واحد، و "مَن" و "ما" يمكن العمل فيهما على واحد. ولا يخفَى ما في هذا الفرق مِن النظر. التاسع: الكُل (أي: مِن الجمع المعرَّف و "مَن" و "ما") راجح على اسم الجنس المعرف بِـ "أل"؛ لأنها لا تحتمل العهد أو تحتمله على بُعد، بخلاف اسم الجنس المحلَّى بِـ "أل"، فإنه محتمل للعهد احتمالًا قريبًا.

стр. 2173

وهو معنى قولي: (إذَا احْتِمَالُ الْعَهْدِ فِيهِ يَرْسِيْ)، أي: يوجد ويثبت. بل قال كثيرٌ: إنه لا عموم فيه. وقد سبق بيانه. العاشر: يُقدم ما كان مِن العام قد طَرقه التخصيص أَقَل على ما عارضه مِن العام الذي طَرقه التخصيص أكثر؛ لِمَا لا يخفَى مِن ضَعْفه بالتخصيص. فكلما ازداد التخصيص ازداد الضعف. وقد عُلم مما اقتصرتُ عليه أنَّ العام الذي لم يُخص مُقدَّم على العام الذي طَرَقه التخصيص. وإنما لم أذكر هذه الصورة صريحًا في النَّظم لأمرين: أحدهما: أن الراجح في العام الذي خُص أنه مجَاز في الاقتصار عليه أو مطلقًا، وما لَمْ يُخَص لا خلاف أنه حقيقة وأنه يُحتج به. وقد عُلم أن الحقيقة مقدَّمة على المجاز قطعًا. ثانيهما: أن بعضهم نازع في أرجحية ما لم يُخص على ما خُص مِن حيث إنَّ الغالب في العمومات التخصيص، فكون الشيء مِن الغالب أقوى مِن كونه على خلاف الغالب. فالنفس تطمئن إلى العام المخصَّص باعتبار عدم انتظاره تخصيصًا آخَر بَعد هذا التخصيص، بخلاف ما لم يُخص أصلًا. وقد عَلَّله الهندي بأمر آخَر وهو أن الخاص راجح مِن حيث كونه خاصًّا بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص، والخاص أَولى مِن العام؛ فكان ما دخله التخصيص أَولى. والله أعلم. وقولي: (وَالِاقْتِضَاءَ حَيْثُمَا يَدُلُّ) هو وما بعده في قولي: ص: ٩٥٣ - رَجِّحْ عَلَى الْإيمَاءِ وَالْإشَارَهْ ... هُمَا عَلَى مَفْهُومَيِ الْعِبَارَهْ ٩٥٤ - قَدِّمْ، وَمَا مَفْهُومُهُ مُوَافَقَهْ ... عَلَى الَّذِي خَالَفَهُ وَشَاقَقَهْ

стр. 2174

الشرح: إشارة إلى مرجحات أخرى من جهة دلالة الألفاظ: الأول: ما دلالته من حيث الاقتضاء مُرجحة على ما دلالته من حيث الإيماء والإشارة. وهذه الأقسام كلها سبق بيان حقيقتها في الكلام على تقسيم دلالة الكلام على ما يقصد منه، وذلك في باب اللغات. وإنما كانت دلالة الاقتضاء مقدمة على دلالة الإشارة لترجيحها بقصد المتكلم، وعلى دلالة الإيماء لِتَوقُّف صِدق المتكلم أو صحة الملفوظ به، بخلاف الإيماء. الثاني: دلالة الإيماء ودلالة الإشارة مقدَّمان على المفهومين: مفهوم المخالفة، لِمَا فيه من الاختلاف، ومفهوم الموافقة؛ لجواز أن لا يكون المسكوت أَوْلى أو مساويًا. وإلى ذلك أشرت بقولي: (هُمَا) إلى آخِره، فـ "هُمَا" مبتدأ، و "قَدِّمْ" فِعل أمر، والجملة خبر عن المبتدأ. الثالث: ما دل بمفهوم الموافقة يُقدَّم على ما كان بمفهوم المخالفة؛ لأنَّ الموافقة باتفاق في دلالتها على المسكوت وإنِ اختُلف في جِهته هل هو بالمفهوم؟ أو بالقياس؟ أو مجاز بالقرينة؟ أو منقول عُرفي؛ كما سبق بيانه في المفاهيم وغيره. نعم، اختار الهندي أن مفهوم المخالفة أَرجَح من الموافقة؛ لأنَّ فائدته تأسيس، والموافقة تأكيد. والله تعالى أعلم. ص: ٩٥٥ - كَذَا عَلَى الْأَصْلِ يُبَدَّى النَّاقِلُ ... وَمُثْبِتٌ نَافٍ لَهُ مُقَابِلُ ٩٥٦ - وَلَوْ يَكُونُ ذَاكَ في الطَّلَاقِ ... وَهَكَذَا إنْ كانَ في العَتَاقِ الشرح: هذه مُرجحات أخرى باعتبار المدلول:

стр. 2175

أحدها: أن يكون أحدهما مُقرِّرًا لحكم الأصل والآخَر ناقلًا، فالناقل مُقدَّم عند الجمهور؛ لأنه يُفيد حُكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخَر، كحديث: "مَن مَس ذَكره فليتوضأ" مع حديث: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (١). والمخالِف في ذلك الإِمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي، فقالوا بترجيح المقرِّر؛ لأنَّ الحمْل على ما لا يُستفاد إلا مِن الشرع أَوْلى مما يُستفاد من العقل. قيل: والتحقيق في المسألة تفصيل، وهو أنه يرجح المقرِّر فيما إذا تَقرر حُكم الناقل مُدة في الشرع عند المجتهد وعمل بموجبه ثم نُقِل له المقرِّر وجهِل التاريخ؛ لأنه حينئذٍ عمل بالخبرين: الناقل في زمان والمقرِّر بعد ذلك. فأما إنْ كان الثابت [بمقتضَى] (٢) البراءة الأصلية ونُقِل الخبران فإنهما يتعارضان هنا ويرجع إلى البراءة الأصلية. بل عبد الجبار يقول: إنَّ تقديم الناقل أو المقرِّر -على الاختلاف- ليس من باب الترجيح، بل مِن باب النَّسخ. لكنه ضعيف؛ لأنه لا يتوقف [رَفْعُه] (٣) على ما يُرفَع به الحكم الشرعي. ثانيها: يقدَّم المُثْبَت على ما يقابله مِن المَنْفِي عند الفقهاء؛ لأنَّ مع المثبِت زيادة عِلم،
следующие страницы →