← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

على قتل نساء أهل الحرب، فاختص بذلك، لا مِن حيث إنَّ العبرة بخصوص السبب، بل للجمع بين الدليلين. أما إذا تَعارض الدليلان في صورة السبب فيقدَّم العام في السبب؛ لأنه إما خاص به على رأيٍ أو واجب الدخول على الرأي الآخَر؛ ولذلك لا يجوز إخراجه وتخصيصه من العموم. وممن أشار إلى هذا التفصيل ابن الحاجب، وصرح به سليم الرازي في "التقريب"، وكذا غيره من أصحابنا كشارح "لمع" الشيخ أبي إسحاق. ولم يقف الهندي على النقل؛ فذكر ذلك بحثًا. السادس: ما كان مِن صيغ العموم متضمنًا لشرط كـ "أيّ" و "مَن" راجح على ما كان غير ذلك كالنكرة المنفية؛ لدلالة الأول على كون ذلك عِلة للحكم، وهو أدل على المقصود مما لا عِلة فيه، إذْ لو ألغينا العام الشرطي كان إلغاءً للعلة، بخلاف العام غير الشرطي لا يَلزم منه إلغاء العلة. كذا قطع بهذا المرجح ابن الحاجب وغيره، ويؤيده ما في "المحصول" مِن أنَّ عموم الأول بالوضع والثاني بالقرينة. نعم، جزم الهندي هنا بأن النكرة المنفية مقدَّمة على غيرها مِن أنواع العموم، لكنه لم يُوَجِّهه. وكأنَّ وَجْهه أنَّ طروق التخصيص إليه بعيدٌ؛ لِبُعْد أنْ يقال في "لا رجُل في الدار": إنَّ فيها فلانًا. نعم، إمام الحرمين قال في "البرهان": إنه لا فرق بين العموم الشرطي والنكرة المنفية في معنى العموم، وإنه يقْطَع بأنَّ العرب وضعتهما [لِذلك] (١). السابع: العام بِكَوْنه نَكرة مَنْفِيَّة مقدَّم على باقي صِيَغ العموم؛ لأنه أَقْوَى منها؛ ولهذا قيل: إنَّ دلالة العموم في النكرة المنفية بالوضع. واتفقوا على أنَّ [الباقي] (٢) بالقرينة. والله

стр. 2172

تعالى أعلم. ص: ٩٥٠ - وَهَكَذَا الْجَمْعُ الَّذِي تَعَرَّفَا ... يَرْجَحُ "مَا" وَ "مَنْ" عَلَى مَا عُرِفَا ٩٥١ - وَرَجِّحِ الْكُلَّ (١) عَلَى ذِي الْجِنْسِ ... إذَا احْتِمَالُ الْعَهْدِ فِيهِ يَرْسِيْ ٩٥٢ - كَذَا الَّذِي تَخْصِيصُهُ أَقلُّ ... وَالِاقْتِضَاءَ حَيْثُما يَدُلُّ الشرح: أي: الثامن مِن المرجحات في المتن مطلقًا (وهو وما بَعده مِن الترجيح في باقي صيغ العموم) أنْ يكون العام جمعًا مُعرَّفًا بِـ "أل" أو بالإضافة مُرجَّح على العموم في "مَا" و "مَن" على ما [عُرف] (٢) في باب العموم. والمراد هنا بِـ "مَن" و "مَا" غير الشرطيتين، فقد سبق أن أدوات الشرط كلها العموم فيها مقدَّم على سائر صيغ العموم. وإنما رجحنا الجمع المعرَّف على "مَن" و "ما" غَيْر الشرطيتين لعدم إمكان حمل الجمع على واحد، و "مَن" و "ما" يمكن العمل فيهما على واحد. ولا يخفَى ما في هذا الفرق مِن النظر. التاسع: الكُل (أي: مِن الجمع المعرَّف و "مَن" و "ما") راجح على اسم الجنس المعرف بِـ "أل"؛ لأنها لا تحتمل العهد أو تحتمله على بُعد، بخلاف اسم الجنس المحلَّى بِـ "أل"، فإنه محتمل للعهد احتمالًا قريبًا.

стр. 2173

وهو معنى قولي: (إذَا احْتِمَالُ الْعَهْدِ فِيهِ يَرْسِيْ)، أي: يوجد ويثبت. بل قال كثيرٌ: إنه لا عموم فيه. وقد سبق بيانه. العاشر: يُقدم ما كان مِن العام قد طَرقه التخصيص أَقَل على ما عارضه مِن العام الذي طَرقه التخصيص أكثر؛ لِمَا لا يخفَى مِن ضَعْفه بالتخصيص. فكلما ازداد التخصيص ازداد الضعف. وقد عُلم مما اقتصرتُ عليه أنَّ العام الذي لم يُخص مُقدَّم على العام الذي طَرَقه التخصيص. وإنما لم أذكر هذه الصورة صريحًا في النَّظم لأمرين: أحدهما: أن الراجح في العام الذي خُص أنه مجَاز في الاقتصار عليه أو مطلقًا، وما لَمْ يُخَص لا خلاف أنه حقيقة وأنه يُحتج به. وقد عُلم أن الحقيقة مقدَّمة على المجاز قطعًا. ثانيهما: أن بعضهم نازع في أرجحية ما لم يُخص على ما خُص مِن حيث إنَّ الغالب في العمومات التخصيص، فكون الشيء مِن الغالب أقوى مِن كونه على خلاف الغالب. فالنفس تطمئن إلى العام المخصَّص باعتبار عدم انتظاره تخصيصًا آخَر بَعد هذا التخصيص، بخلاف ما لم يُخص أصلًا. وقد عَلَّله الهندي بأمر آخَر وهو أن الخاص راجح مِن حيث كونه خاصًّا بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص، والخاص أَولى مِن العام؛ فكان ما دخله التخصيص أَولى. والله أعلم. وقولي: (وَالِاقْتِضَاءَ حَيْثُمَا يَدُلُّ) هو وما بعده في قولي: ص: ٩٥٣ - رَجِّحْ عَلَى الْإيمَاءِ وَالْإشَارَهْ ... هُمَا عَلَى مَفْهُومَيِ الْعِبَارَهْ ٩٥٤ - قَدِّمْ، وَمَا مَفْهُومُهُ مُوَافَقَهْ ... عَلَى الَّذِي خَالَفَهُ وَشَاقَقَهْ

стр. 2174

الشرح: إشارة إلى مرجحات أخرى من جهة دلالة الألفاظ: الأول: ما دلالته من حيث الاقتضاء مُرجحة على ما دلالته من حيث الإيماء والإشارة. وهذه الأقسام كلها سبق بيان حقيقتها في الكلام على تقسيم دلالة الكلام على ما يقصد منه، وذلك في باب اللغات. وإنما كانت دلالة الاقتضاء مقدمة على دلالة الإشارة لترجيحها بقصد المتكلم، وعلى دلالة الإيماء لِتَوقُّف صِدق المتكلم أو صحة الملفوظ به، بخلاف الإيماء. الثاني: دلالة الإيماء ودلالة الإشارة مقدَّمان على المفهومين: مفهوم المخالفة، لِمَا فيه من الاختلاف، ومفهوم الموافقة؛ لجواز أن لا يكون المسكوت أَوْلى أو مساويًا. وإلى ذلك أشرت بقولي: (هُمَا) إلى آخِره، فـ "هُمَا" مبتدأ، و "قَدِّمْ" فِعل أمر، والجملة خبر عن المبتدأ. الثالث: ما دل بمفهوم الموافقة يُقدَّم على ما كان بمفهوم المخالفة؛ لأنَّ الموافقة باتفاق في دلالتها على المسكوت وإنِ اختُلف في جِهته هل هو بالمفهوم؟ أو بالقياس؟ أو مجاز بالقرينة؟ أو منقول عُرفي؛ كما سبق بيانه في المفاهيم وغيره. نعم، اختار الهندي أن مفهوم المخالفة أَرجَح من الموافقة؛ لأنَّ فائدته تأسيس، والموافقة تأكيد. والله تعالى أعلم. ص: ٩٥٥ - كَذَا عَلَى الْأَصْلِ يُبَدَّى النَّاقِلُ ... وَمُثْبِتٌ نَافٍ لَهُ مُقَابِلُ ٩٥٦ - وَلَوْ يَكُونُ ذَاكَ في الطَّلَاقِ ... وَهَكَذَا إنْ كانَ في العَتَاقِ الشرح: هذه مُرجحات أخرى باعتبار المدلول:

стр. 2175

أحدها: أن يكون أحدهما مُقرِّرًا لحكم الأصل والآخَر ناقلًا، فالناقل مُقدَّم عند الجمهور؛ لأنه يُفيد حُكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخَر، كحديث: "مَن مَس ذَكره فليتوضأ" مع حديث: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (١). والمخالِف في ذلك الإِمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي، فقالوا بترجيح المقرِّر؛ لأنَّ الحمْل على ما لا يُستفاد إلا مِن الشرع أَوْلى مما يُستفاد من العقل. قيل: والتحقيق في المسألة تفصيل، وهو أنه يرجح المقرِّر فيما إذا تَقرر حُكم الناقل مُدة في الشرع عند المجتهد وعمل بموجبه ثم نُقِل له المقرِّر وجهِل التاريخ؛ لأنه حينئذٍ عمل بالخبرين: الناقل في زمان والمقرِّر بعد ذلك. فأما إنْ كان الثابت [بمقتضَى] (٢) البراءة الأصلية ونُقِل الخبران فإنهما يتعارضان هنا ويرجع إلى البراءة الأصلية. بل عبد الجبار يقول: إنَّ تقديم الناقل أو المقرِّر -على الاختلاف- ليس من باب الترجيح، بل مِن باب النَّسخ. لكنه ضعيف؛ لأنه لا يتوقف [رَفْعُه] (٣) على ما يُرفَع به الحكم الشرعي. ثانيها: يقدَّم المُثْبَت على ما يقابله مِن المَنْفِي عند الفقهاء؛ لأنَّ مع المثبِت زيادة عِلم،

стр. 2176

[لحديث] (١) بلال (٢) وأسامة (٣) في الصلاة في الكعبة. وقال قوم: يقدَّم النافي؛ لاعتضاده بالأصل. وقال القاضي عبد الجبار: يتساويان؛ لتقابل المرجحين. وفي قول رابع: يفصل بين أن يكون ذلك في طلاق أو عتاق فيقدَّم فيهما النافي، لا في غيرهما فإنه يقدَّم المُثْبِت. وقيل بالعكس، أي: إنه يقدَّم المثبِت في الطلاق والعتاق دُون غيرهما. أشار إليهما ابن الحاجب. وفي قول خامس يؤخَذ مِن كلام "المستصفى": إنهما لا يتعارضان؛ لامتناع التعارض بين الفعلين؛ لاحتمال وقوعهما في حالَين، فلا يكون بينهما تَعارُض. نعم، موضوع هذه المسألة أن يكون الإثبات والنفي شرعيين، فأمَّا إذا كان النفي باعتبار الأصل فهو مسألة الناقل والمقرِّر السابقة. قولي: (وَلَوْ يَكُونُ ذَاكَ في الطَّلَاقِ) إلى آخِره -إشارة إلى بعض الأقوال السابقة. والله أعلم.

стр. 2177

ص: ٩٥٧ - وَالنَّهْيُ رَاجِحٌ عَلَى أَمْرٍ، وَذَا ... عَلَى إبَاحَةٍ، كحَظْرٍ، فَانْبِذَا ٩٥٨ - وَخَبَرٌ عَلَى الَّذِي أَمْرًا يُرَى ... [أَوْ] (١) نَهْيًا اللَّذَيْنِ فِيهِ ذُكِرَا ٩٥٩ - كَذَا وُجُوبٌ أَوْ كَرَاهَةٌ عَلَى ... نَدْبٍ، وَهُوْ عَلَى مُبَاحٍ اعْتَلَا ٩٦٠ - وَالنَّافِ لِلْحَدِّ وَمَا قَدْ عُقِلَا ... مَعْنَاهُ، وَالْوَضْعِيُّ في الْحُكْمِ عَلَى الشرح: ثالث المرجحات مِن جهة المدلول أنْ يكون نهيًا ومُعارِضُه أمر، فيرجح الخبر الذي فيه النهي على ما فيه الأمر؛ لأنَّ طلب الترك فيه أشد مِن طلب الفعل في الأمر؛ ولهذا قال كثيرٌ ممن قال: (الأمر لا يفيد التكرار): إنَّ النهي يفيده. الرابع: يرجح أيضًا الأصل على الإباحة, فالأمر أَوْلى؛ لأنه أَحْوَط؛ ولأن فيه حمل كلام الشارع على الأمر التكليفي، فإنَّ المباح لا تكليف فيه. وقيل: المُبِيح أَوْلى. ورجحه الهندي؛ لأنه لو رجح الأمر لَزِم مِن ذلك تعطيل المباح بالكُلية، وترجيح المبِيح فيه تأويل للأمر بِصَرْفِه عن ظاهره، والتأويل أَوْلى مِن التعطيل. الخامس: ما فيه حظر راجح على الإباحة. وهو معنى قولي: (كَحَظْرٍ)، أي: رجح الأمر على الإباحة كما أن الحظر يرجح على الإباحة، فانبذ الحظر، أي: اطرحه. وإنما رجح الحظر على الإباحة للاحتياط. وقيل عكسه؛ لأنهما حُكمان شرعيان.

стр. 2178

وفي ثالث: مستويان. حكاه الهندي عن أبي هاشم وابن أبيان، ورجحه الغزالي في "المستصفى". السادس والسابع: "ما فيه خبر" راجح على "ما فيه أمر أو نهي"؛ لدلالة الخبر على الثبوت و [التحقق] (١). وأيضًا: فلو عُطِّل، لَزِمَ الخُلْف في الخبر. وبهذا يُعْلَم أنَّ الكلام في خبر بمعناه، لا الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي، فإنهما كالأمرين أو كالنهيين. الثامن: أمر الوجوب راجح على أمر الندب؛ للاحتياط في العمل به. التاسع: ما فيه كراهة مُقدَّم على أمر الندب؛ لما ذكرناه. العاشر: أمر الندب راجح على ما فيه إباحة. وهو معنى قولي: (اعْتَلَا)، أي: رجح على المباح. فـ "هو" مبتدأ مضموم الهاء مسكن الواو لُغة في "هو"، و"اعْتَلَا" خبره، و (عَلَى مُبَاحٍ) متعلق بـ "اعْتَلَا". نعم، نازع الهندي في ذلك، فقال: (ويمكن أن ترجح الإباحة بكونه متأيدًا بالأصل في جانب الفعل والترك، وبكونه أعم وأسهل مِن حيث كونه مُفَوّضًا إلى خِيرة المكلَّف، ومن حيث إنه لا إجمال في الصيغة الدالة عليه، بخلاف الندب، فإنه يَثبُت بصيغة الأمر وفيها الاحتمال) (٢). الحادى عشر: ما تضمن نفي الحد راجح على ما تضمن إيجابه؛ لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات. قال الآمدى: ولأن الخطأ في نفي العقوبة أَوْلى مِن الخطأ في تحقيقها على ما قال

стр. 2179

عليه السلام: "لأنْ تُخطِئ في العفو خير مِن أنْ تخطئ في العقوبة" (١). وقيل: هما سواء. ورجحه الغزالي؛ لأنَّ الشبهة لا تؤثر في ثبوت مشروعيته؛ بدليل أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع قيام الاحتمال. فالحدّ [إنما تؤثِّر] (٢) في إسقاطه الشبهة إذا كانت في نفس الفعل أو بالاختلاف في حُكمه كأنْ يبيحه قوم ويحظره آخرون، كالوطء في نكاح بلا ولي أو بلا شهود. وليس الخلاف لفظيًّا كما قد يُتوَهَّم مِن أنَّ قول التساوي يؤول إلى تقديم النافي، فإنهما يتعارضان؛ فيتساقطان ويرجع إلى غيرهما. فإنْ كان هناك دليل شرعي، حُكم به وإلا بَقي الأمر على الأصل؛ فيلزم نَفْي الحد. بل الخلاف معنوي على الصواب؛ فإنَّ الأول ينفي الحد بالحكم الشرعي، والآخَر يقول بالنفي؛ استصحابًا للأصل. الثاني عشر: ما تَضمن حُكمًا معقول المعنى أرجح مما تضمن حُكمًا غير معقول المعنى؛ لأنَّ انقياد المكلَّف له أكثر؛ فيكون أسرع إلى القبول وأَفْضَى إلى الوقوع؛ ولهذا كان شَرْع المعقول أَغْلب مِن غيره، حتى قيل: لا حُكم إلا وهو معقول، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما يُظن أنه ليس بمعقول. ولأنَّ المعقول أكثر فائدة؛ لأنه يُلْحَق به بِالعِلة بطريق القياس. الثالث عشر: ما كان مِن المخاطَب به بطريق الوضع مقدَّم على ما هو مِن الخطاب

стр. 2180

التكليفي؛ لأنَّ الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي مِن أهلية المخاطَب وفَهْمه وتَمَكُّنه مِن الفعل؛ فكان أَوْلى. وقيل بالعكس. حكاه الهندي؛ لأنه مقصود بالذات، ولأنه الأكثر من الأحكام؛ فكان أَوْلى. والله تعالى أعلم. ص: ٩٦١ - مَا هُوَ تَكْلِيفِي، كذَا مُوَافِقُ ... دَلِيلٍ أَوْ مُرْسَلِ مَنْ يُوَافِقُ ٩٦٢ - أَوِ الصَّحَابِيِّ أَوِ الْمَدِينَةِ ... أَوْ أَكْثَرَ، وَالشَّافِعِي في فِرْقَةِ ٩٦٣ - رَجَّحَ في فَرَائِضٍ مَا وَافَقَا ... زَيْدًا، وَبَعْدَ معَاذًا طَابَقَا ٩٦٤ - ثُمَّ عَلِيًّا، وَالَّذِي مِنْ غَيْرِهَا ... هُوَ مُعَاذٌ، فَعَلِيٌّ انْتَهَى الشرح: [قولي: (مَا هُوَ تَكْلِيفِي) من تتمة ما سبق. وما بَعده فإشارة إلى مُرجِّحات أخرى تكون مِن خارج عن الدليل المعارِض لآخَر] (١). أحدها: أن يكون موافقًا لدليل آخَر من كتاب أو سُّنة أو إجماع أو قياس، فيرجح على ما لم يوافق؛ لأنَّ تقديم ما لم يوافق تَركٌ لشيئين: الدليل، وما عضده. وتقديم الموافق تَركٌ لدليل

стр. 2181

واحد. ولهذا قدَّمنا حديث عائشة في صلاة الفجر بغَلس (١) على حديث [نافع] (٢) في الإسفار (٣)؛ لموافقته قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ لأنَّ من المحافظة الإتيان بالمحافَظ عليه المؤقَّت أَول وقته. الثاني: ما وافق مرسلًا (ولو قلنا: إنَّ المرسل غير حُجة) مُرجَّح على ما لم يوافق ذلك؛ لأنَّ التعاضد أقوى في النفس، حتى إنَّ كثيرًا من العلماء قد جعله دليلًا، فهو إما دليل أو في معنى الدليل، فلا يفوت موافقته. ومن ثَم عمل الشافعي بالمرسَل إذا عضده مرسَل آخَر مِن غيْر طريقِه كما سبق. وإلى ذلك أشرت بقولي: (مُرْسَلِ مَنْ يُوَافِقُ)، أي: يوافق بمرسله ذلك الدليل. وألحق الغزالي بذلك ما إذا عضده خبر مردود عند المستدِل لكن قد قال به بعض العلماء. قال: فهذا مرجح، لكن بشرط أن لا يكون قاطعًا ببطلان مذهب القائلين به، بل يرى ذلك في محل الاجتهاد. الثالث: يرجح ما وافق مِن الدليلين قول الصحابي على ما لم يوافق؛ لِمَا ذكرناه في المرسل. هذا إذا لم ينتشر ويسكت الباقون عليه وإلا فهو إجماع سكوتي يُقدَّم قطعًا.

стр. 2182

وقيل: لا ترجيح يقول الصحابي؛ لعدم حجيته. وثالثها: إنْ شهد له الشرع بمزية كما سيأتي فهو حُجة، وإلا فلا. الرابع: يرجح ما وافق عمل أهل المدينة. وإليه أشرتُ بقولي: (أَوِ الْمَدِينَةِ) فهو على حذف مضاف؛ لأنَّ عمل أهل المدينة وإن لم يكن حجة فَمُقَوٍّ؛ لِمَا ذكرناه من التقوية أيضًا؛ ولذلك قدمنا رواية إفراد الإقامة على رواية أبي محذورة في تعلُّمه الإقامة سبع عشرة كلمة (١). على أنه قد صح عن أبي محذورة وأولاده دوام إفراد الإقامة، وهو مُضَعِّف لرواية شَفْعها كما قاله البيهقي، قال: (أو يدل على أن الأمر صار إلى إفرادها). وذكر إلْكِيَا الطبري هذا الترجيح بالنسبة إلى الرواية, فقال: حديث ينقل بمكة وآخَر ينقل بالمدينة تُقدَّم رواية المدينة مِن حيث إنَّ الهجرة تراخت وإنِ اتفقت له غزوات إلى مكة. الخامس: يُقدَّم ما وافق عمل الأكثر لكن بشرط أن لا يكون المعارِض له يخفَى مِثله عليهم. وإنما قُدم الموافق للأكثر لأنَّ الأكثر يُوفَّق للصواب ما لا يوفَّق له الأقل. هذا قول الأكثرين. ومنع جمعٌ -كالغزالي- الترجيح بذلك، قال: لعدم الحجية في قول الأكثر، ولو ساغ الترجيح يقول بعض المجتهدين لَانْسَدَّ باب الاجتهاد على البعض الآخَر. قيل: والتحقيق أن مقابِل قول الأكثر إنْ كان قول شذوذ، فَيُرَجَّح به؛ لأنه إما إجماع على رأيٍ، وإما حُجة على رأيٍ آخر، وإما مُقَوٍّ وعاضد على رأي مَن قال ليس بحجة. وإنْ لم يكن مقابِلهم شذوذ فلا ترجيح به؛ لاحتمال أن الصواب مع الأقل. قولي: (وَالشَّافِعِي في فِرْقَةٍ رَجَّحَ) إشارة إلى مواضع، كالتفصيل للقول الثالث في موافِق

стр. 2183

الصحابي، وهو إنْ مَيَّزَه الشرع، رجح بموافقته وإلا فلا، وذلك كموافقة زيد في الفرائض؛ لحديث: "أفرضكم زيد" (١). وقد سبق في الكلام على مذهب الصحابي في "باب الأدلة المختلف فيها". فرجح الشافعي -في فرقة- موافق الصحابي فيها. قال الشافعي فيما حكاه إمام الحرمين: (وإذا كان نَصان أحدهما أعم، أُخذ بالأخص. فالنص على أن زيدًا أفرض أخص من النص على أن معاذًا أعلم بالحلال والحرام، فيرجح قول زيد في الفرائض على قول معاذ، ومعاذ عَلَى عَلِي، وعَلِي عَلَى غيره؛ لأنه جاء: "أفرضكم زيد، وأَعْلَمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي" (٢). والقضاء أعم من الكل، فالشهادة لزيد أخص من الجميع، وبَعْده معاذ، وبعدهما علي، فهي ثلاث مراتب) (٣). قال إمام الحرمين: (فإنِ اعتضد يقول الشيخين فهي مرتبة رابعة أعم من الشهادة لِعِلي؛ لاحتمال أن تكون الإشارة بذلك إلى الخلافة، و [بذل الطاعة] (٤) لهما). قال: (ثم قال الشافعي: قول علِي في القضاء يقول زيد في الفرائض) (٥). والحاصل كما أشرتُ إليه في النَّظم أنه في الفرائض [مقدم] (٦). وقال: (ثم معاذ، ثم علِي) (٧).

стр. 2184

وأما غير الفرائض فيرجح معاذ، ثم عَلِي؛ عملًا بالأخص فالأخص كما سبق. وقيل: يرجح يقول أبي بكر وعمر؛ لأنه ﷺ إنما قال: "أفرضكم"، وقال: "أقضاكم"، والخطاب شفاهي يحتمل أنْ لا يكون في المخاطَبِين حينئذٍ أبو بكر وعُمر. وقيل: يرجح يقول أحدهما إلا أن يعارضه زيد في الفرائض أو معاذ في الحلال والحرام. وقيل غير ذلك. والراجح ما سبق، والله تعالى أعلم. ص: ٩٦٥ - وَالنَّصُّ الِاجْمَاعُ عَلَيْهِ قُدِّمَا ... وَمِنْ صَحَابَةٍ عَلَى غَيْرٍ سَمَا ٩٦٦ - قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ... ثَانِيهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ إذْ عَنَّا ٩٦٧ - وَالْكُلُّ رَاجِحٌ عَلَى مَا خَالَفَا ... فِيهِ الْعَوَامُ، وَانْقِرَاضًا سَالِفَا ٩٦٨ - قَدِّمْ عَلَى غَيْرٍ، وَمَا قَدِ انْتَفَى ... تَقَدُّمُ الْخِلَافِ فِيهِ مُقْتَفَى الشرح: لَمَّا انتهى الكلام في ترجيح المتون وهي نصوص الكتاب والسُّنة، انتقلتُ إلى الترجيح في الإجماعات. فذكرت أنَّ الإجماع دائمًا يقدَّم على النص ولو متواترًا؛ لأنَّ دلالته فيها احتمالات كثيرة، كالنسخ وغيره، ولا احتمال في الإجماع. أما إذا نُقل إجماعان فالمعمول به منهما هو السابق، فيقدم إجماع الصحابة على إجماع التابعين. وإجماع التابعين على مَن بَعدهم، وهلُمَّ جرا، لا سيما مع أن السابق دائما أقرب إلى زمن النبي ﷺ المشهود لهم بالخيرية في قوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم" (١).

стр. 2185

وإلى ذلك الإشارة بقولي: (وَمنْ صَحَابَةٍ عَلَى غَيْرِ)، وهي صورة يقاس عليها ما بعدها، لا الانحصار فيها. فإنْ فُرِض في عصر واحد إجماعان فالثاني باطل؛ لأنَّ كل مَن اجتهد مِن المتأخِّر فقوله باطل؛ لمخالفته الإجماع السابق. فإنْ كان أحد الإجماعين مختلَفًا فيه والآخَر مُتفَقًا عليه فالمتفق عليه مقدَّم، وذلك في صُوَر أشرتُ إلى بعضها في النَّظم: أحدها: إجماع الكل مِن المجتهدين والعوام يُقدَّم على ما فيه إجماع المجتهدين دُون العوام. وقد سبق الكلام في اعتبار العوام في الإجماع وعدم اعتبارهم. وثانيها: ما انقرض فيه عصر المجمعين يقدَّم على ما لم ينقرض؛ لَما سبق مِن الخلاف في اشتراط انقراض العصر. وثالثها: الإجماع الذي لم يسبقه اختلاف - مقدَّم على إجماع سبق فيه اختلاف ثم وقع الإجماع. وفي قول: إنَّ المسبوق بخلاف أَرْجح؛ لأنهم اطَّلعوا على المأْخَذ، واختاروا مَأْخَذ ما أجمعوا فيه؛ فكان أقوى. وقيل: هما سواء؛ لأنَّ في كل مُرجِّحًا. وقِس على ذلك ما سبق من الإجماعات المختلَف فيها. واعلم أن ابن الحاجب ثم الهندي قالا: إنَّ هذه المسألة لا تُتصوَّر في الإجماعين القاطعين؛ لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يُتصوَّر التعارض بينهما، وإنما يُتصوَّر في الظنيين. وضُعِّف قولهما ذلك بأنهما إنْ أرادا تَعارُض الإجماعين في نفس الأمر فمستحيل، سواء كانا ظنيين أو قطعيين. وإنْ أرادا فيما يغلب على الظن فظن تَعارُض الإجماعين ممكن، سواء كانا ظنيين أو قطعيين. والله أعلم.

стр. 2186

ص: ٩٦٩ - وَفي الْقِيَاسِ مَا دَلِيلُ أَصْلِهِ ... أَقْوَى، وَمَا بِسَنَنٍ في شَكْلِهِ ٩٧٠ - أَيْ: فَرْعُهُ مِنْ جِنْسِ أَصْلِهِ، كَذَا ... قَطْعٌ بِعِلَّةٍ لَهُ إذْ يُحْتَذَى ٩٧١ - أَوْ ظَنُّهَا الْغَالِبُ، أَوْ مَسْلَكُهَا ... أَقْوَى، وَذَاتُ الْأَصْلِ في مُدْرَكهَا (١) ٩٧٢ - عَنْ ذَاتِ أَصْلَيْنِ لَهَا نُزُولُ ... كذَاكَ حُكْمِيٌّ لَهُ قَبُولُ ٩٧٣ - يُقَدَّمُ الذَّاتِيْ عَلَيْهِ، وَرَجَحْ ... أَقَلُّ أَوْصَافًا، وَهَكَذَا وَضَحْ الشرح: لما فرغت من مرجحات المتون والإجماعات، شرعتُ في ذِكر مرجحات الأقيسة، وهو الغرض الأعظم من باب التراجيح، وفيه اتساع مجال الاجتهاد. وعبَّر ابن الحاجب عن الأول بالمنقول وعن هذا بالمعقول، وذكر أن الترجيح في القياس يكون من أربعة أَوْجُه. فقال: (المعقولان -أَيْ إذا تعارضَا- فَهُما إما قياسان أو استدلالان). قال: (فالأول: أصله وفرعه ومدلوله وخارج). ثم ذكر الأربعة.

стр. 2187

فيما يرجع إلى الأصل: أنْ يكون دليل أصله أقوى: وتحته صور: أحدها: أن يكون قطعيًّا، فيقدَّم على ما دليل أَصْله ظني. كقولنا في لعان الأخرس: إنَّ ما صَحَّ مِن الناطق صح من الأخرس، كاليمين. فإنه أرجح من قياسهم على شهادته؛ تعليلًا بأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة؛ لأنَّ اليمين تصح من الأخرس بالإجماع، والإجماع قطعي. وأما جواز شهادته ففيه خلاف بين الفقهاء. وثانيها: بقوة دليله؛ لأنه أغلب على الظن. وثالثها: بكونه لم يُنسخ باتفاق. فإنَّ ما قيل بأنه منسوخ وإنْ كان القول به ضعيفًا ليس كالمتفق على أنه لم يُنسخ. ورابعها: أن يقوم دليل خاص على تعليله وجواز القياس عليه، فأنه أَبْعَد عن التعبد. وخامسها: أن يكون دليل أحدهما منطوقًا والآخَر مفهومًا، أو يكون دليل أحدهما عامًّا لم يُخص والآخَر عام قد خُص. الثاني: أن يترجح أحد القياسين بكونه على سَنَن القياس دُون الآخَر. والمراد بذلك هنا: أن يكون فرعه مِن جنس أصله كما صرح بذلك القاضي أبو الطيب والماوردي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن السمعاني وغيرهم. وذلك كقياس ما دُون أرش الموضحة في تَحمُّل العاقلة إياه، فهو أَوْلَى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل؛ لأنَّ الموضحة من جنس ما اختُلف فيه، فكان على سَنَنه؛ إذِ الجنس بالجنس أَشْبَه، كما يقال: قياس الطهارة على الطهارة أَوْلى مِن قياسها على ستر العورة. وإنما تعرضتُ لشرح ذلك في النَّظم لِمَا سبق أن مِن شرط حُكم الأصل في القياس أن

стр. 2188

لا يكون معدولًا به عن سَنَن القياس. وإذا لم يصح القياس فكيف يقع التعارض؟ فَبَيّنْتُ أن ذلك المشروط هناك ليس هو المراد هنا. وقد يُراد هنا أيضًا أنْ يكون أحدهما على سَنَن القياس باتفاق، والآخَر على رأيٍ، فيرجح الذي باتفاق. وكذا أنْ يكون أحدهما على سَنَن القياس قطعًا والآخَر ظنًّا، فيرجح ما كان قطعًا. الثاني من مجال الترجيح: أن يكون باعتبار العِلة، وذلك من وجوه: أحدها: أن يكون مسلكها أقوى وقد سبق ترتيب مسالك العلة، أيْ: طُرُقها الدالة على العِلية، وهي: الإجماع، فالنص، فالظهور، إلى آخِر ما ذكرناه. كذا نقل في "المحصول"، ثم قال: ويمكن أن يُقدَّم النص على الإجماع؛ لأنَّ الإجماع فرع عن النص يتوقف ثبوته على الأدلة القطعية، والأصل تقديم الفرع على عِلته. وعلى ذلك جرى صاحب "الحاصل"، ثم البيضاوي. نعم، إذا استوى النص والإجماع في القَطْع متنًا ودلالةً، كان ما دليله الإجماع راجحًا؛ لما ذكرناه. ودُونهما إذا كانا ظنيين بأنْ كان أحدهما نصًّا ظنيًّا والآخَر إجماعًا ظنيًّا، رجح أيضًا ما كان دليله الإجماع؛ لِمَا سبق من قبول النص النسخ أو التخصيص. قال الصفي الهندي: (هذا صحيح بشرط التساوي في الدلالة، فإنِ اختلفا فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد، فما يكون إفادته للظن أكثر فهو أَوْلى. فإنَّ الإجماع وإن لم يَقبل النسخ والتخصيص لكن قد تَضْعُف دلالته على المطلوب بالنسبة إلى الدلالة القطعية، فقد ينجبر النقص بالزيادة، وقد لا ينجبر؛ فَيُتبع فيه الاجتهاد) (١).

стр. 2189

وثانيها: أن تكون العلة مقطوعًا بوجودها في أحد القياسين، فيرجح على ما ليس كذلك؛ لأنه أغلب على الظن بصحة القياس. وفي معنى كون إحداهما مجُمعًا على وجودها كَوْن وجودها أَغْلَب على الظن منها في القياس الآخَر وإنْ كان الظن في الموضعين موجودًا. فالتي هي فيه أغلب أرجح. وسنذكر من ذلك طائفة قريبًا كما فعل ابن الحاجب وغيره مما تُقَرَّر به القاعدة. وتقدم المنصوصة على المستنبطة، كما في التعليل في بيع الرطب بالتمر بأنه جنس رِبوي بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان فيها في حال الكمال والادخار، فأَشبه الحنطة بالدقيق مع تعليلهم بوجود التماثل في الحال؛ لأنَّ عِلتنا منصوص عليها في حديث: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " (١)، فقدمت على المستنبطة. ثالثها: أن تكون العلة ذات أصل واحد، فترجح على على ذات أصلين فأكثر، خلافًا لقول مَن قال: (إنَّ ما كَثُرَت أصوله أَوْلى). كما قاله ابن السمعاني، وخلافًا لقول بعض أصحابنا: إنهما سواء. وقال الغزالي في "المستصفى": (إن كان طريق الاستنباط مخُتلفًا فما كثرت أصوله أَوْلى، وإنْ كان متساويًا فهو ضعيف، ولا يبعد أن يقوى ظن مجتهد فيه وتكون كثرة الأصول ككثرة الرواة للخبر. مثاله: إذا تنازعا في أن يد [السوم لم] (٢) [توجب] (٣) الضمان، فقال الشافعي: إنَّ عِلته

стр. 2190

أنه أخذ لغرض نفسه مِن غير استحقاق و [عداه] (١) إلى المستعير. وقال الخصم: بل عِلته أنه أخذ ليتملك. فيشهد لِعلة الشافعي يد الغصب ويد المستعير من الغاصب، ولا يشهد لِعلة أبي حنيفة إلا يد السوم. ولا يبعد أن يغلب رجحان عِلة الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه شاهد آخَر. وكذلك علة الربا بالطعم يشهد له الملح، وإذا عُلِّل بالقوت، لم يشهد له ذلك. فلا يبعد أن يكون مِن المرجحات) (٢). فحصل في المسألة أربعة مذاهب. والرابع من مُرجحات القياس باعتبار العلة: أنْ يكون الوصف المعلَّل به في أحد القياسين ذاتيًّا وفي الآخَر حُكميًّا أو اعتباريًّا أو حِكمةً مجردة إنْ عَلَّلْنا بها. فيُقَدم الذاتي؛ لأنها ألزم. وقيل: التعليل بالحكمي أرجَح. وصححه ابن السمعاني، قال: لأنَّ الحكم بالحكم أَشْبَه به؛ فيكون الدليل عليه أَوْلى. ونحوه في "المستصفى"، وقال: (إذا كان إحدى العِلتين حُكمًا ككونه حرامًا أو نَجِسًا والآخَر حِسيًّا ككونه [قوتًا] (٣) أو مُسْكرًا، [إن] (٤) رَد الحكم إلى الحكم أَوْلى، حتى إنَّ تعليل الحكم بالرق والحرية أَوْلى مِن تعليله بالتمييز والعقل، وتعليله بالتكليف أَوْلى مِن تعليله

стр. 2191

بالإنسانية. وهذا مِن المرجِّحات الضعيفة) (١). انتهى الخامس: إذا كانت إحدى العلتين أقَل أوصافًا والأخرى أكثر أوصافا فالقليلة أَوْلى؛ لأنها أَسْلَم. وقيل: الكثيرة أَوْلى؛ لأنها أكثر شبهًا بالأصل. والله أعلم. وقولي: (وَهَكَذَا وَضَحْ) تتمته قولي بعده: ص: ٩٧٤ - مَا بِاحْتِيَاطٍ كانَ في فَرْضٍ، وَمَا ... في أَصْلِهَا الْعُمُومُ، أَوْ مَا أُبْرِمَا ٩٧٥ - إجْمَاعُ تَعْلِيلٍ، كَذَا الْمُوَافَقَهْ ... [لِعِدَّةِ] (٢) الْأُصُولِ فِيمَا وَافَقَهْ الشرح: وهو بيان مرجحات أخرى للقياس من جهة العلة أيضًا. منها: أن تكون إحدى العلتين تقتضي احتياطًا في الفرض، فتكون أرجح مما لا يقتضي ذلك؛ لأنها أكثر شَبهًا بالأصل. كذا قاله ابن السمعاني في "القواطع"، لكنه عبر بِـ "الغرض" بالغين المعجمة، ونقله ابن السبكي بِـ "الفاء" وجريتُ عليه في النَّظم؛ لكونه أوضح في المقصود. ومنها: أن تكون إحداهما تقتضي عمومًا في الحكم والأخرى تقتضي خصوصًا. وذلك كتعليل الربا بالطعم يقتضي العموم في الكثير وفي قليل لا يكال، بخلاف التعليل

стр. 2192

بالكيل، فإنه مقصور على ما يمكن كيله، ولا يجري في القليل الذي لا يكال. ومنها: أن تكون إحدى العلتين مأخوذة من أصل وقع الإجماع فيه على أن حُكمه مُعلَّل والأخرى مِن أصل مختلَف في تعليل حُكمه، فالأُولى مقدَّمة. ومنها: أن تكون العلة في إحدى القياسين موافِقة للأصول الممهدة في الشريعة، فيكون أرجح مما ليس كذلك؛ لشهادة كل مِن تلك الأصول [لاعتبار] (١) تلك العلة. والله أعلم. ص: ٩٧٦ - وَسَبَقَ التَّرْتِيبُ في الْمَسَالِكِ ... وَسَائِرُ الْأنوَاعِ ذَا لِلسَّالِك ٩٧٧ - يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّحِيحِ ... يُغْنِي تَتبُّعٌ عَنِ التَّصْرِيحِ ٩٧٨ - وَلَيْسَ في الْمُرَجِّحَاتِ حَصْرُ ... [غَلَبَةُ] (٢) الظَّنِّ عَلَيْهَا الْأَمْرُ الشرح: هذه الأبيات فيها الاعتذار عن إسقاط كثير من المرجحات التي ذكرها ابن الحاجب والبيضاوي وصاحب "جمع الجوامع" وغيرهم هنا؛ لأنه مستفاد إما من أمر كُلي مذكور هنا أو من السابق في باب الأقيسة في [تراجيحها] (٣) أو في غير ذلك، كل شيء في بابه، فقد سبق كثير من المرجحات في أبوابها، كترتيب المفاهيم وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية، وفي تَعارض ما يُخِل بالفهم، كالمجاز مقدم على الاشتراك، ونحو ذلك، و [كتعارض] (٤) القول والفعل السابق في "كتاب السُّنة"، وكدخول "الفاء" في كلام الشارع

стр. 2193

أو الراوي الفقيه أو غيره، وسبق في مسالك العلة، وكترتيب أنواع المناِسب السابق في فصل "المناسب"، وغير ذلك. وإلى ذلك أشرفُ بقولي: يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّحِيحِ ... يُغْنِي تَتبُّعٌ عَنِ التَّصْرِيحِ أي: يغني عن التصريح بها هنا تَتَبُّعها. نعم، ذكر ابن الحاجب وصاحب "جمع الجوامع" منها طائفة هنا لا بأس بالتعرض لها هنا. منها: تقديم قياس المعنى على قياس الدلالة، وهو راجع إلى تقديم المناسب على الشبه. وتقديم غير المركَّب مِن العلل على المركب؛ للاختلاف فيه كما سبق. والتعليل بالوصف العُرفي على الشرعي؛ لأنَّ العُرفي مناسب والشرعي أَمارة. والوجودي على العدمي، كالطعم في الربا في السفرجل مع قولهم: (ليس بمكيل ولا موزون). هذا في العلة الوجودية للحُكم الوجودي أو العَدَميين، أما إذا كانت العلة وجودية والحكم عدمي أو بالعكس فقال الإِمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين؛ للمشابهة بين العلة والمعلول. وتقديم العلة بمعنى الباعث على العلة بمعنى الأمارة. كذا قاله ابن الحاجب. واعتُرض عليه بأن العلة دائما إما بمعنى الباعث أو الأمارة على الرأيين فيها، أمَّا انقسامها للأمرين فلم يَقُل به أحد. وكأنَّ مراد ابن الحاجب بذلك أنَّ ذات التأثير والتخيل أرجح مِن التي لا يظهر لها [مَعْنى] (١).

стр. 2194

ومنهم مَن أجاب عنه بغير ذلك. وكذلك تُقدَّم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس؛ لأنَّ الأُولى أغلب على الظن. وتُقَدَّم أيضًا المطردة فقط على المنعكسة فقط؛ لأنَّ اعتبار الاطراد مُتفَق عليه. وتقدم المتعدية على القاصرة. ومنهم مَن قال بعكسه، كالأستاذ. وقال القاضي: هما سواء. واختاره ابن السمعاني. وحكى إمام الحرمين الأقوال الثلاثة، وهي عندنا لا تقع؛ لأنه مِن باب اجتماع علتين [لِحُكم] (١)، ومَن قال: (يجوز تَعَدُّد العِلَل) فلا معارضة؛ فلا ترجيح، ومَن منع هُم الذين اختلفوا. وكذا يُقدَّم مِن العلل ما كان أكثر فروعًا، ومَن رجح المتعدية يرجح بذلك، ومَن لا فلا. نعم، لو كانت قليلة الفروع لها نظائر فهل يرجح بذلك؟ فيه نظر، وقد عقد الإِمام لها مسألة. أما الترتيب في التعاريف فقد سبق أول المقدمة، فيقدم التعريف بالذاتي على التعريف بالعرضي والأعرف عند السامع وغير ذلك. وقولي: (وَلَيْسَ في الْمُرَجِّحَاتِ حَصْرُ) إشارة إلى أن باب الترجيح متسع، وليس للمرجحات حصر يطمع فيها، وإنما مدارها على غَلَبة الظن، فما يكون من الحكم فيه الظن أغلب يكون مُقدَّمًا على ما ليس كذلك. والله أعلم.

стр. 2195

الباب الرابع في " المستفيد " (وهو المجتهد) و" مُقَلِّده "

стр. 2196

الباب الرابع في " المستفيد " (وهو المجتهد) و" مُقَلِّده " هذا آخِر أنواع أصول الفقه الثلاثة بالمعنى اللقبي، وهو "حال المستفيد"، وهو: - إما المجتهِد، وهو المستفيد مِن أدلة الفقه. - وإما المستفيد منه، وهُم المقلِّدون. فالكلام فيه في أمرين: الاجتهاد، والتقليد. ص: ٩٧٩ - "الِاجْتِهَادُ": الْبَذْلُ في تَحْصِيلِ ظَنْ ... حُكْمٍ؛ لِوُسْعٍ مِنْ فَقِيهٍ قَدْ فَطَنْ الشرح: "الاجتهاد": افتعال مِن "الجُهد" بالضم وهو الطاقة، سُمي بذلك لاستفراغ القوة والطاقة في تحصيل المطلوب، فهو بذل الوسع فيما فيه كُلفة. وهو في الاصطلاح: بذل الومح من الفقيه في تحصيل ظن بحكم شرعي. ومعنى "بذل الوسع": استفراغ القوة بحيث تحس النفْس بالعجز عن زيادة، وهو جنس. وكَوْن ذلك مِن الفقيه قَيْدٌ مخُرج للمقلِّد. والمراد: ذو الفقه. وقد سبق أول الكتاب تفسيره.

стр. 2197

وقولنا: (لتحصيل ظن) احتراز مِن القَطْع، فإنه لا اجتهاد في القطعيات. وقولنا: (بحكم شرعي) مخُرج للحسيات والعقليات ونحو ذلك. كذا قيد ابن الحاجب وغيره الحكم بالشرعي، ولم أُقيده في النَّظم تبعًا لِ "جمع الجوامع"؛ للاستغناء عنه بذكر الفقيه؛ فإنه لا يتكلم إلا في الحكم الشرعي. نعم، أورد عليه اجتهاد النبي ﷺ ، فإنه لا يسمى في العُرف "فقيهًا"؛ [لعدم] (١) الإذن فيه، إلا أنْ يقال: المراد بِالْحَدِّ اجتهاد الفقيه، لا مُطْلَق الاجتهاد. وقال الماوردي: بذل المجهود في طلب المقصود. واعلم أن ابن أبي هريرة حكى عن الشافعي أنَّ الاجتهاد هو القياس. وليس كذلك؛ فإنه إنما قال في "الرسالة": معنى الاجتهاد معنى القياس. أي: إنَّ كُلًّا منهما موصل لحكم غير منصوص. قلتُ: وأَحسن مِن هذا أن الشافعي ﵁ إنما قصد تفسير حديث معاذ: "أجتهد رأيي" (٢)، فإنَّ المراد بذلك القياس؛ ولهذا ينصبونه من أدلة القياس، لا أنْ يكون ذلك تفسيرًا للاجتهاد مِن حيث هو. والله أعلم. ص: ٩٨٠ - ثُمَّ "الْفَقِيهُ": الْبَالِغُ الَّذِي لَهْ ... عَقْلٌ، وَذَا مَلكَةٌ مَعْقُولَه ٩٨١ - بِهَا الْعُلُومَ مُدْرِكٌ صَاحِبُهَا ... "فَقِيهُ نَفْسٍ" فَسَّرُوهُ إذْ بَهَا

стр. 2198

٩٨٢ - بِأَنَّهُ [الْعَارِفُ] (١) بِالدَّلِيلِ ... عَقْلِيِّهِ بِالْحَقِّ في التَّأْصِيلِ ٩٨٣ - كَذَا بِتَكْلِيفٍ بِهِ ذُو دَرَجَهْ ... وُسْطَى بِمَا مِنَ الْعُلُومِ أُدْرِجَهْ ٩٨٤ - مِنْ لُغَةٍ وَعَرَبِيَّةٍ، كذَا ... بَلَاغَةٌ مَعَ أُصُولٍ تُحْتَذَى ٩٨٥ - وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ ... مِنْ آيِ قُرْآنٍ لَهُ [إحْكَامُ] (٢) ٩٨٦ - وَالسُّنَّةِ الْغَرَّا وَإنْ لَمْ يَكُنِ ... حَافِظَ مَتْنٍ مِنْهُمَا مُبَيَّنِ ٩٨٧ - هَذَا الَّذِي لَهُ يَصِيرُ مَلَكَهْ ... لِكَوْنِهِ مَارَسَهُ وَعَلَكَهْ الشرح: لما وقع في تعريف "الاجتهاد" أنه مِن فقيه وسبق أول الكتاب معنى "الفقه"، بينتُ هنا ما يُشترط في الفقيه زيادة على اتصافه بالفقه مما لا يتحقق كونه متصفًا به إلا بتلك الشروط. فمنها: أن يكون بالغًا؛ لأنَّ الصبي ليس بكامل آلة العِلم حتى يتصف بمعرفة الفقه على وَجْهها، ولذلك كان البلوغ مناط التكليف، ومَن دُونه مرفوع عنه القلم؛ لهذا المعنى. ومنها: أن يكون عاقلًا؛ لأنَّ مَن لا عقل له، لا يُدرك عِلمًا، لا فِقهًا ولا غيره. ثُم استطردتُ في تعريف العقل، وإنما ذكرته هنا وإنْ سبق أول المقدمة أنَّ من شروط التكليف العقل؛ لشدة تَعلُّقه بِدرك العلوم التي يُحتاج إليها في الاجتهاد، حتى قيل: إنه نفس العلم. كما سيأتي. فالعقل مَلكَة يدرك بها العلوم. والمراد بالملكة: هيئة راسخة في النفْس. فقولي: (مَعْقُولَهْ) صفة لِ " مَلَكَة ". أي: مفهومة.

стр. 2199

وقولي: (بِهَا) متعلق بِ "مُدْرك". و"الْعُلُومَ" مفعول مقدَّم، والتقدير: "مدرك صاحبها بها العلوم". وهو معنى مَن فسر العقل بأنه قوة طبيعية يفصل بها بين حقائق [المعلومات] (١). وقيل: بل العقل نفس العلم. وهو قول الأشعري، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أهل الحق، وأنهم قالوا بِترادُف العِلم والعقل وإنِ اختلف الناس في العقول لكثرة العلوم وقِلَّتها. وقيل: العقل بعض العلوم الضرورية. وهو قول القاضي أبي بكر، وبه قال جمعٌ مِن أصحابنا كابن الصباغ وسليم الرازي. فخرجت العلوم الكَسْبِيَّة؛ لأنَّ العاقل يتصف بكونه عاقلًا مع انتفاء العلوم النظرية. وإنما قالوا: (بعض العلوم الضرورية) لأنه لو كان جميعها لَوَجَب أنْ يكون الفاقد لِلعِلم بالمدركات -لِعَدم الإدراك [المعلّق] (٢) عليها- غيرَ عاقل. قال القاضي عبد الوهاب: فقلتُ للقاضي أبي بكر: أفتخص هذا النوع من الضرورة بوصف؟ فقال: يمكن أن يقال: ما صح معه الاستنباط. ونقل القشيري عنه في "المرشد" أنه قال: لا أُنكر ورود العقل في اللغة بمعنى العِلم، فإنهم يقولون: عقله وعلمه بمعنى. ولكن غرضي أن أُبَيِّن العقل الذي رُبِط به التكليف. قلت: قال الماوردي في كتاب "أدب الدنيا والدين" بعد أن حكى أقوالًا في تعريفه -أحدها: إنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات، وهؤلاء اختلفوا في محله: هل هو القلب؟ أو الرأس؟ وثانيها: العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه مِن حقائق المعنى. وثالثها قول المتكلمين: هو جملة العلوم الضرورية- ما نَصه:

стр. 2200

(وقال آخرون وهو الصحيح: إنَّ العقل هو الِعلم بالمدْركات الضرورية) (١). انتهى والكلام فيه متسع لا نُطَوِّل به، ففيما قُلناه كفاية. وقولي: (فَقِيهُ نَفْسٍ) إشارة إلى أن الفقيه الذي اتصف بهذه الأوصاف وبصفة الفقه حتى صار بذلك مجتهدًا ليس المراد به أن يحفظ الفقه، بل يكون فقيه النفس، أي: له قدرة على استخراج أحكام الفقه مِن أدلتها كما يُفْهم ذلك مِن تفسير "الفقه" في أول الكتاب بأنه "العِلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية"، فَتَضمَّن ذلك أنه لا بُدَّ أن يكون عنده سجية وقوة يَقْتدِر بها على التصرف بالجمع والتفريق والترتيب والتصحيح والإفساد، فإنَّ ذاك ملاك صنعة الفقه. فلذلك قال الأستاذ أبو إسحاق: إنَّ مَن اتصف بالبلادة والعجز عن التصرف لم يكن مِن أهل الاجتهاد. وما أحسن قول الغزالي: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها، فليس بفقيه. حكاه الهمداني في "طبقات الحنفية". واعلم أن التعبير بِ "فقيه النفس" ربما يُفْهَم منه الإشعار بأنَّ مُنكر القياس لا يُعَد مجتهدًا ولا يُعتبر وفاقه أو خِلافُه في الإجماع. وهو ما عليه القاضي وإمام الحرمين، وقالا: إنهم في الشرح كمنكري البداية في العقول. ولكن ظاهر كلام أصحابنا في الفروع أنهم مجتهدون ومُعْتَدٌّ بخلافهم ووفاقهم؛ ولهذا يذكر الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهم خِلافَهم في كتب الفقه، ويُحاججونهم. وثالثها: إن أنكروا القياس الجِلي لم يُعتد بهم، وإلا اعْتُد. وهو ظاهر كلام ابن الصلاح وغيره، وهو المختار.

стр. 2201

وقال الأبياري في "شرح البرهان": إن كانت المسألة مما يتعلق بالآثار والتوقيف واللفظ اللغوي وليس للقياس فيها مجال فلا يصح أن ينعقد الإجماع دُونهم إلا على قول مَن يرى أنَّ الاجتهاد قضية واحدة لا تتجزأ. فإنْ قُلنا بالتجزيء فلا يمتنع أن يقع النظر في نوع هُم فيه محققون. وقولي: (وفَسَّرُوهُ إذْ بَهَا) هو بفتح الباء مِن "بَها"، وهو فِعل ماضٍ من "البهاء" وهو العُلو. أي: فسروا فقيه النفس عندما يكون بهيًّا عالي المرتبة بذلك بأنه العارف بالدليل العقلي في الأحكام، وهو البراءة الأصلية كما قاله الإمام والغزالي، والعارف بأنه مكلَّف به حتى يَرِد دليل ناقل عنه مِن نَص أو إجماع أو غيرهما. قال الهندي: (ولم يذكرا فيه القياس، فإنْ كان ذلك لِتفرُّعه عن الكتاب والسُّنة فينبغي أن لا يذكر الإجماع و [العقلي] (١) -وهو البراءة الأصلية- وإنْ كان لأنه ليس بمدْرَك فيشكل عليهما أنه حُجة كغيره مِن الحجج. فينبغي أن يكون المجتهد عارفًا به أيضًا وبأنواعه وأقسامه وشرائطه المعتبرة وطُرق عِليته) (٢). قلت: وذلك أن الفقه لما كان معرفة الحكم الشرعي مِن دليله التفصيلي وكان ذلك الدليل التفصيلي لا يخرج عن هذين الدليلين: العقلي، وما يأتي من النقل مُزِيلًا له كما سيأتي تفصيله مِن بَعْد، اعتُبِر ذلك في فقيه النفس. وقولي: (بِالْحَقِّ في التَّأْصِيلِ) إشارة إلى أن العقل هو ما سبق في تفسيره، فإنه هو الحق في تأصيله، [أيْ] (٣): جعله أصلًا من أصول الفقه لا أن المراد بالعقلي ما يُحَسِّنه العقل أو

стр. 2202

يُقَبِّحه، فإنَّ ذلك إنما هو رأي المعتزلة. وقد سبق أنه باطل لا يعتبر في الفقه ولا في غيره عند أهل السُّنة. وقولي: (ذُو دَرَجَهْ وُسْطَى) إلى آخره -بيان أن فقيه النفس يُعتبر فيه معرفة الأدلة الرافعة للدليل العقلي الذي بَيَّنا أنه البراءة الأصلية، وذلك ما يَرِد من الكتاب والسُّنة وغيرهما مما يتفرع عنهما وما يتوقف الاستدلال بذلك عليه. وأشرتُ بقولي: (وُسْطَى) أنه لا يُشترط أن يكون المجتهد عالي الدرجة في هذه الأمور، فإنها أمور واسعة لا يتسلط على مِثله غالبًا إلا مِثل الخليل والأصمعي وسيبويه والكسائي. أما الاستيعاب فلا يمكن كما قال الشافعي: إنه لا يحيط بها إلا نبي. وذلك أنه كله وسيلة إلى العمل من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية كما عُلِم ذلك من تفسير "الفقه"، فيكون في الدرجة الوسطى من معرفة لغة العرب؛ لأنَّ الكتاب والسُّنة عربيان. وقولي: (وَعَرَبِيَّةٍ) من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ العربية تشمل اللغة والنحو والتصريف ونحو ذلك. وقولي: (كَذَا بَلَاغَةٌ) أي: كذلك عِلم البلاغة، وهو المعاني والبيان والبديع، لأنه وإن كان داخلًا في عِلم العربية إلا [أني] (١) أردتُ [التصريح] (٢) به؛ لئلَّا يُظَن خروجه عنها. وإنما اعتبر ذلك؛ لأنَّ الكتاب والسُّنة في الذروة العُليا من الاعجاز، [فلا بُدَّ] (٣) من معرفة طُرق الاعجاز وأساليبه ومواقعه؛ ليتمكن من [الاستنباط] (٤). فيكفي معرفة أوضاع

стр. 2203

العرب بحيث يميِّز العبارة الصحيحة من الفاسدة والراجحة من المرجوحة، فإنه يجب حَمْل كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ على ما هو الراجح وإنْ جاز غيره في كلام العرب. لكن قال الأستاذ: إن الحروف التي تختلف عليها المعاني يجب فيها التبحُّر و [الكلام] (١)، وإنما [التوسط] (٢) فيما عداها. قال: وأما اللغة فيجب فيها الزيادة على التوسط؛ حتى لا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب اللغة. وقولي: (مَعَ أُصُولٍ تُحْتَذَى) أي: يعتبر في فقيه النفس أيضًا أن يكون عارفًا بالأصول، والمراد: أصول الفقه. أي: الدرجة الوسطى من ذلك أيضًا؛ لأنَّ به يعرف كيفية الاستنباط. وقولي: (وَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ) أي: يعتبر في فقيه النفس معرفة نفس الأدلة التي يستخرج منها أحكام الفقه. وقد سبق أن أدلة الفقه: الكتاب والسُّنة وما تفرع عنهما. وليس المراد أن يعرف سائر آيات القرآن وأحاديث السُّنة، وإنما المراد معرفة ما يتعلق بالأحكام منهما، وقد ذكروا أن الآيات خمسمائة آية، وكأنهم أرادوا ما هو مقصود به الأحكام بدلالة المطابقة، أما بدلالة الالتزام فغالب القرآن -بل كله- لا يخلو شيء منه عن حُكم يستنبط منه. قالوا: ولا يُشترط حِفظها، بل يشترط أن يكون عارفًا بمواضعها حتى يَطلب منها الآية التي يحتاج إليها عند حدوث الواقعة. وكذلك لا بُدَّ أن يعرف أحاديث الأحكام، أي: يعرف مواضعها وإنْ لم يكن حافظًا لمتونها كما قُلنا في آي القرآن.

стр. 2204

قال الشيخ تقي الدين السبكي: (هو مَن تكون هذه العلوم مَلَكَة له وأحاط بمعظم قواعد الشرح ومارسها بحيث اكتسب قوة يَفهم بها مقصود الشارع) (١). وهذا معنى قولي: (هَذَا الَّذِي لَهُ يَصِيرُ مَلَكَهْ) إلى آخره. والله أعلم. ص: ٩٨٨ - أَمَّا الَّذِي يَكُونُ في إيقَاعِ ... لِلاجْتِهَادِ لَا بِوَصْفٍ دَاعِ ٩٨٩ - فَعِلْمُهُ مَوَاقِعَ الْإجْمَاعِ ... خَشْيَةَ أَنْ يَخْرِقَ بِالنِّزَاعِ الشرح: ما سبق فيما يُعتبر في المجتهد هو فيه مِن حيث هو، أما عند وقوع الاجتهاد في مسألة فَلَهُ شروط أخرى زيادة على ذلك، وهو معنى قولي: (لَا بِوَصْفٍ دَاعِ). أي: ليست صفة مشترطة في المجتهد كما في الصفات التي سبق اعتبارها فيه؛ ولذلك جعلها الغزالي متممة للاجتهاد ولم يُدْرِجها في شروطه الأصلية. وصرح الشيخ تقي الدين السبكي بأنها شروط لإيقاع الاجتهاد واستعماله، لا صفة راجعة إليه. فمنها: أنْ يَعْرف مواقع الإجماع؛ حتى لا يفتي بخلافه فيكون خارقًا له بمنازعته فيما أجمعوا عليه. وينبغي أن يعرف أيضًا كلام الصحابة وفتاويهم؛ ليعتمد الأقوى، لاسيما إذا قُلنا: إنَّ قولهم حُجة مطلقًا أو حيث مَيَّز الشرح بعضهم كما سبق.

стр. 2205

ولا يَلزمه ذلك إلا في الموضع الذي يفتي فيه، لا أنه يَعرف جميع مواقع الإجماعات في ذلك وفي غيره. والله تعالى أعلم. ص: ٩٩٠ - كَذَاكَ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ... وَسَبَبِ النُّزُولِ في الرُّسُوخِ ٩٩١ - وَمُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ وَمَا ... يَصِحُّ أَوْ يَضْعُفُ مِمَّا قُدِّمَا ٩٩٢ - وَحَالِ رَاوٍ لِحَدِيثٍ أَوْ أَثَرْ ... وَمَا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ مِنْ سِيَرْ ٩٩٣ - نَعَمْ، بِوَقْتِنَا الرُّجُوعُ كَافِي ... فِيهِ لِأَهْلِ فَنِّهِ الْمُوَافِي الشرح: أي: ومما يُعتبر أيضًا في إيقاع الاجتهاد أن يعرف الناسخ والمنسوخ فيما يستدل به على تلك الواقعة التي يفتي فيها مِن آية أو حديث؛ حتى لا يستدل به إنْ كان منسوخًا. ولا يُشترط أن يَعرف جميع الناسخ والمنسوخ في سائر المواضع كما سبق نظيره في الإجماعات. ومنه أيضًا: أنْ يعرف أسباب النزول في الآيات وأسباب قوله ﷺ الأحاديث؛ ليعرف المراد من ذلك وما يتعلق به من تخصيص أو تعميم. ومنه: أن يعرف أيضًا شرط المتواتر والآحاد؛ ليقدِّم ما يجب تقديمه عند التعارض. ومنه: أنْ يعرف الصحيح من الحديث والضعيف سندًا ومتنًا؛ ليطرح الضعيف حيث لا يكون في فضائل الأعمال، ويطرح الموضوع ونحوه مطلقًا. ومنه: أن يعرف حال الرواة في القوة والضعف؛ ليعلم ما ينجبر من الضعف بطريق آخَر وما لا ينجبر. وقولي: (نَعَمْ، بِوَقْتِنَا) إلى آخِره -الإشارة به إلى ما قاله الشيخ أبو إسحاق والغزالي

стр. 2206

وغيرهما: إنه يكفي التعويل في هذه الأمور كلها في هذه الأزمان على كلام أئمة الحديث كأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والدارقطني ونحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما نأخذ بقول المقَوِّمين في القِيَم، لاسيما إذا قُلنا بقول ابن الصلاح ومَن تبعه أنَّ التصحيح في زماننا فيما يُروى في الأجزاء الحديثية ونحو ذلك لا يمكن وإنْ خالفه النووي وقال: (إنه ممكن) كما سبق في محله. والله أعلم. ص: ٩٩٤ - وَلَيْسَ عِلْمُهُ الْكَلَامَ شَرْطَا ... وَلَا تَفَارِيعٌ لِفِقْهٍ ضَبْطَا ٩٩٥ - وَلَا ذُكُورَةٌ وَلَا حُرِّيَّهْ ... وَلَا عَدَالَةٌ مَعَ السَّجِيَّهْ ٩٩٦ - وَينْبَغِي الْبَحْثُ عَنِ الْمُعَارِضِ ... وَعَنْ قَرِينَةٍ لِلَفْظٍ عَارِضِ الشرح: هذه أمور أخرى ربما يُتوهم أنها شروط في المجتهد ولكنها ليست بشرط. منها: معرفته عِلم الكلام، أي: عِلم أصول الدِّين. كذا قاله الأصوليون، ولكن قال الرافعي: (إن الأصحاب عدوا مِن شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد) (١). والجمع بين الكلامين ما أشار إليه الغزالي حيث قال: (وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يُشترط معرفتها على طريق المتكلمين وبأداتهم التي يُحررونها) (٢). انتهى على أنَّ بعض المتأخرين قال: إنه لم يجد في كلام الأصحاب ذِكر اشتراط ذلك.

стр. 2207

ومنها: معرفة تفاريع الفقه لا يشترط؛ لأنَّ المجتهد هو الذي يُولدها ويتصرف فيها. فلو كان ذلك شرطًا فيه، لَلَزِمَ الدَّوْرُ؛ لأنها نتيجة الاجتهاد؛ فلا يكون الاجتهاد نتيجتها. والخلاف في ذلك منقول عن الأستاذ أبي إسحاق، فَشَرَطَ في المجتهد معْرفة الفقه. قيل: ولَعَلَّه أراد ممارسته. وإليه مال الغزالي، فقال: (إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدُّرْبة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ذلك) (١). ومنها: لا يُشترط في المجتهد أن يكون ذَكرًا ولا حُرًّا ولا عَدْلًا، بل يجوز أن يكون امرأةً ورقيقًا وفاسقًا. نعم، لا يُستفتَى الفاسق ولا يُعمل بِقَوله، بخلاف المرأة والرقيق. فالعدالة شرط في المفتي، لا في المجتهد؛ لأنَّ المفتي أَخَص، فشروطه أغلظ. أما مستور العدالة فيجوز فتواه محلى أصح الوجهين في "شرح المهذب"؛ لأنَّ العدالة الباطنة تَعْسر معرفتها محلى غير القضاة. والخلاف فيه كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين. أما الحاكم فأَخَص في [المرتبة] (٢) مِن المفتي، فيُشترط فيه زيادة محلى شروط المفتي: الحرية والذكورة؛ لِما تَضمنه الحكم مِن الإلزام. و[لذلك] (٣) يشترط أيضًا عدم الاتهام كما فُصِّل في الفقه، وأنه إنما يحكم حيث يشهد. قال الغزالي: هي شرط في اعتماد قوله، أما هو فيجتهد لنفسه ويعمل باجتهاده.

стр. 2208

وقيل: يُشترط في المجتهد العدالة حتى إذا أداه اجتهاده إلى حُكم لا يأخذ به مَن علم صِدقه بقرائن. [وقد] (١) حكى الروياني وجهين في أنه هل تجوز مباحثة الفاسق؟ وقد سبقت المسألة في كتاب الإجماع. وقال السمعاني: (يشترط أن لا يكون المجتهد متساهلًا في أمر الدِّين، فإنه إذا كان كذلك فهو لا يستقصي في النظر والدلائل؛ فلا يصل إلى المقصود). قال: (فما ذكره الأصحاب مِن أنه لا يُشترط العدالة يجوز أن يكون مرادهم ما وراء ذلك) (٢). وقولي: (وَينْبَغِي الْبَحْثُ عَنِ الْمُعَارِضِ) أي: يُشترط في المجتهد أن يبحث عن مُعارِض ذلك الحكم أو الدليل. كذا في "المحصول" وغره هنا، وقد سبق منهم في "باب التخصيص" أنه يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص، وسبق أنه يتعدى إلى كل معارِض كالبحث عن الناسخ وعن المجاز وكُل معارِض. وجوابه: أنَّ ذاك في جواز التمسك بالظاهر المجرد عن القرائن، والكلام هنا في اشتراط معرفة المعارِض بَعد ثبوته عنده بقرينة دَلَّت عليه، فيبحث عن تحقيقه. وفي معنى البحث عن المعارِض البحث عن اللفظ هل معه قرينة تُخرجه عن ظاهره؟ فإذا لم نجد قرينة، عُمِل بالظاهر. ولكن هذا في الحقيقة مِن البحث عن المعارِض؛ فلذلك اكتفيتُ به في النَّظم وإنْ كان في "جمع الجوامع" ذكر الأمرين معًا. والله أعلم.

стр. 2209

ص: ٩٩٧ - وَدُونَ ذَا: مُجْتَهِدٌ في الْمَذْهَبِ ... ذُو قُدْرَةِ التَّخْرِيجِ لِلْمُسْتَوْجِبِ ٩٩٨ - مِنَ الْوُجُوهِ، أَيْ: عَلَى نُصُوصِ ... إمَامِهِ، وَدُونَ ذَا التَّنْصِيصِ ٩٩٩ - مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا الَّذِي تَبَحَّرَا ... حَتَّى عَلَى التَّرْجِيحِ فِيهِ قَدَرَا الشرح: أي ما سبق من الشروط في الاجتهاد إنما ذلك في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرح، وقد انقطع الآن، وسيأتي في "باب التقليد" ما في ذلك من الخلاف. وأما مجتهد المذهب وهو مَن ينتحل مذهب إمام من الأئمة فلا يُعتبر فيه إلا ما سنذكره، وهو أن يعرف قواعد ذلك الذهب وأصوله ونصوص صاحب المذهب بحيث لا يشذ عنه شيء من ذلك. فإذا سُئل عن حادثة فإنْ عرف نَصًّا لصاحب الذهب فيها، أجاب به، وإلا اجتهد فيها على مذهبه وخَرَّجها على أصوله. قال ابن أبي الدم: (وهذا أيضًا منقطع في زماننا). فهذه المرتبة دُون مرتبة الاجتهاد المطلق. ومرتبة ثالثة دُون الثانية وهي مَرتبة مجتهد الفتيا، أي: الذي يسوغ له الفتيا على مذهب إمامه الذي هو مُقَلده، فلا يُشترط فيه ما يُشترط في مجتهد المذهب، بل يُعتبر فيه أن يكون متبحرًا في الذهب متمكِّنًا مِن ترجيح قولٍ علَى قولٍ. وهذا أدنى المراتب، ولم يَبْقَ بعده إلا العامي ومَن في معناه. والله تعالى أعلم.

стр. 2210

ص: ١٠٠٠ - وَجَائِزٌ تَجَزُّؤُ اجْتِهَادِ ... بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ الشرح: أي: هل يجوز أنْ ينال امرؤ مَنْصب الاجتهاد في بعض المسائل دُون بعض فيحصل له [شيئًا] (١) هو مناط الاجتهاد فيها؟ الأكثرون على أن ذلك جائز؛ إذْ لو لم يتجزأ لَزِمَ أن يكون عالِمًا بجميع الجزئيات وهو محُال. وقد سُئل كل مِن الأئمة الأربعة عن مسائل فأجاب بأنه لا يَدري كما ذكرنا ذلك عن مالك في أول الكتاب في تعريف "الفقه". وأجيب عن قول الأئمة ذلك بأنَّ العلم بجميع المآخِذ لا يوجِب العلم بجميع الأحكام، بل قد يجهل البعض؛ لِتَعارض الأدلة فيه، وبالعجز عن [المبالغة] (٢) في الحال إما لمانع يُشَوِّش الفِكر أو نحو ذلك. وأما النافي لجواز التجزؤ فاستدل بأنَّ كل ما يُفْرض أن يكون قد جَهِله يجوز تَعلُّقه بما يُفرض أنه يجتهد فيه. وأجيب: بأنَّ الفَرْض أنَّ ما يحتاج إليه في تلك المسألة كُله موجود في ظنه. وليس في كلام ابن الحاجب ترجيح [شيء] (٣) من الأمرين إذْ ذكر استدلال كل منهما وأجاب عنه. واعلم أن عبارة الرافعي في المسألة: (يجوز أن يكون للعالم منصب الاجتهاد في باب دُون باب، فالناظر في مسألة "المشتركة" يكفيه مَعرفة أصول الفرائض، ولا يضره أن لا
следующие страницы →