وخالف أبو هاشم في المسألة، فزعم أنَّ فِعله متصف بكونه حرامًا كَلُبثه. قال: لأنه قبيح لِعَيْنه وإنْ كان مأمورًا به مِن حيث إنه انفصال عن المكث، لكنه أَخَلَّ بِأَصْله الآخر وهو منْع التكليف بالمُحَال، فإنه قال: لو خرج عَصى، ولو مكث عصى؛ فهو تكليف بمحال.
الثاني: ما حقق به إمام الحرمين غرضه في المسألة السابقة، وهي أنَّ الساقط على جريح إنْ بقي عليه قَتَلَه، وإنْ تحوَّل عنه قتَلَ آخَر، وهُما متكافئان. وهي مسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء.
قال إمام الحرمين: (لم أقف فيها مِن قول الفقهاء على ثبتٍ، والوجه القَطْع بسقوط التكليف عنه مع استمرار حُكم سخط الله وغضبه) (١).
وقد سأله الغزالي عن هذا، فقال: كيف تقول: "لا حُكم" وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة مِن حُكم؟ ! فقال: حكم الله أنْ لا حُكم.
قال الغزالي: فقلتُ له: لا أفهم هذا.
وهذا في غاية التأدُّب مع إمامه؛ ولهذا قال في "المنخول" في مَوْضِعٍ كَقَول الإمام: (لا حُكم فيه أصلًا، فلا يؤمَر بمكث ولا انتقال) (٢).
ونقله عن الإمام آخِر الكتاب، ثم قال: (ولم أفهمه بَعْدُ) (٣).
وجَوَّز معه - في غيْر هذا الكتاب - أنْ يُقَال: يتخيَّر.
قال بعض المحققين: لعلَّ الإمام أراد أنه لا حُكم متجددًا غيْر الحكم الأصلي الذي هو البراءة، فإنَّ ذلك لا تَخْلُو منه واقعة.
стр. 247
نَعَم، رجَّح ابن المنير أنه ينتقل عن الذي سقط عليه؛ لجواز أنْ يموت المنتقل إليه قَبْل أنْ يصير إليه؛ فَيَسْلم مِن المعصية؛ فإنَّ بقاءه على الأول معصية مُحَقَّقة، وإقلاعه عنها واجب، كالخروج مِن الدار المغصوبة.
ولا يخلو ما قاله مِن نظر، وتقييد المسألة بتكافؤهما مُخْرِج لِنَحْو ما لو كان [الذي] (١) يسقط عليه مُسْلِمًا والمُنْتَقل إليه كافرًا لكنه معصوم بِصِغَر أو أمان، فإنَّ ابن عبد السلام قال بعد فرضها في صغيرين: الأظهر عندي لزوم الانتقال؛ لأنه أَخَفُّ مفسدة. قال: لأنَّ قتل أولاد الكفار جائز عند التترس بهم حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين، أما الكافر غير المعصوم فينتقل إليه جَزْمًا. والله أعلم.
ص:
١٣٩ - وَ"الْوَضْعُ": جَعْلُ سَبَبٍ لِحُكْمِ ... أَوْ شَرْطٍ، اوْ مَانِعٍ، اوْ مَا [سُمِّي] (٢)
١٤٠ - [لِوَفْقَهِ] (٣) الشَّرْعَ "صَحِيحًا"، وَإذَا ... خَالَفَ "فَاسِدًا"؛ لِذَاكَ نُبِذَا
الشرح:
قد سبق أنَّ الحكم الشرعي ضربان: ما فيه اقتضاء أو تخيير، وما ليس فيه اقتضاء ولا تخيير ولكنه وَضْعِي، أَيْ: مِن الوضع الشرعي. وسبق أنه خبر، لا إنشاء، بخلاف الأول (وهو التكليفي)، فَلَما انتهى الكلام فيه شرعْتُ في بيان الوضعي.
و"الوضع" الذي يُنْسَب إليه "الحكم الوضعي" هو:
стр. 248
- جَعْلُ [الشَّارع] (١) شيئًا سَبَبًا لِحُكْمٍ، أو شرطًا له، أو مانعًا يمنع مِن اعتباره.
- أو: جَعْلُه (إذَا كان موافِقًا للشرع بوجود سببه وشَرْطه وانتفاء المانع فيه) "صحيحًا"، ويسمى بذلك تسمية شرعية.
وإذَا خالف ذلك باختلال شيء مِن الثلاثة، يَكون "فاسِدا"، ويُسمى بذلك شرعًا.
وقد سبق في هذا الضرب أنَّ منهم مَن يرده إلى الأول، وأنه يُدْخِله - بالتأويل - فيما فيه اقتضاء أو تخيير، وهو بعيد. وأنَّ منهم مَن لا يُسميه حُكمًا؛ لأنه ليس بإنشاء، بل خبر، وهو خِلاف لَفْظِي.
وفي ذلك قول ثالث في الصحة والفساد فقط: إنهما أَمْران عقليان، لا شرعيان. وإليه جنح ابن الحاجب وقرر ذلك في "المُنْتَهَى" بأنه يَبْعُد أنْ يكون الحكم بهما شرعيًّا؛ لأنَّ كَوْن الفعل موافِقًا للشرع أو غير مُوافق - مُدْرَك بالعقل.
ولكن رُدَّ بأنَّ الشرع إذا كان له في ذلك مدخل، فكيف يَكون عقليًّا؟ !
وبعض شُراحه زعم أنَّ ذلك إنما هو في العبادات فقط، وأمَّا تَرَتُّب آثار العقود عليها فَشَرْعي قَطْعًا.
ولكنه مردود بِعَدم الفَرْق؛ لأنَّ [الترَتُّب] (٢) فيهما معًا مُدْرَك بالعقل، وإنما حُكِم - على القول الراجح - بأنه شرعي لِكَوْن الشرع له فيه مدْخَل كما سبق قَبْل؛ ولذلك يحكم القاضي في العقود بالصحة والفساد، وهو لا يحكم إلا بأمر شرعي، لا عقلي.
قُلتُ: لكن هذا يُقَوِّي التفرقة؛ لأنَّ ذلك إنما هو في غير العبادات، إلَّا أنْ يُقال: الحكم لأجْل التنازع، وليس مثله في العبادات. أو: يَكون في العبادات إذا علق بها طلاق أو عتق أو
стр. 249
نذر.
قال الشيخ صلاح الدين العلائي: إنَّ أنواع خطاب الوضع المشهورة: السبب، والشرط، والمانع. وزاد بعضهم: الصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة. وجَرَى عليه الآمدي.
وزاد القرافي نوعين آخرين: التقديرات الشرعية والحجاج.
فالأول:
- إعطاء الموجود حُكم المعدوم، كالماء الذي يخاف المريض مِن استعماله فواتَ عُضْوٍ ونَحْوه، فيتيمم مع وجوده حسًّا.
- وإعطاء المعدوم حُكم الموجود كالمقتول تورث عنه الدية، وإنما تجب بموته ولا تورث عنه إلا إذا دَخَلتْ في مِلْكه، فَيُقَدَّر دخولها قبيل موته.
والثاني (وهو الحجاج): ما يستند إليه القضاة في الأحكام مِن بَيِّنَة وإقرار ونحو ذلك مِن الحُجَج.
قال: (وهي في الحقيقة راجعة إلى السبب، فليست أقسامًا أخرى). انتهى بمعناه.
وقولي: (جَعْل) إشارة إلى أنَّ الحكم الوضعي هو كَوْن الشيء مجعولًا سببًا، أو شرطًا، [إلى آخِره] (١)، لا ذات السبب ولا ذات المُسَبَّب؛ فإنَّ الأول ليس حُكمًا قَطْعًا، والثاني حُكم قَطْعًا، وكذا تقرير الباقي.
وقولي: (اوْ مَا سُمِّي) عَطْف على ما أُضيف إليه "جَعْل"، أَيْ: [أو] (٢) جَعْلُ المُسَمَّى
стр. 250
صحيحًا؛ لموافقة ذلك للشرع.
والتقدير في الكُل: جَعْلُ سببِ الشيء سببًا، وشَرْطِه شرطًا، ومانعِه مانعًا، وجَعْلُ الصحيحِ صحيحًا، والفاسدِ فاسدًا. فمفعول "جَعْل" الثاني محذوف في الكل؛ لِلعِلم به، والله أعلم.
ص:
١٤١ - فَالسَّبَبُ الَّذِي يُضَافُ الْحُكْمُ لَهْ ... في عَدَمٍ أَوْ في وُجُودٍ حَصَّلَهْ
١٤٢ - مِثْلُ الزَّوَالِ وَالطَّلَاقِ، فَادْرِي ... وَالشَّرْطُ إنْ يُرَدْ بِهِ مَا يَجْرِي
الشرح: هذا شروع في تعريف أقسام الحكم الوضعي الخمسة، وبيان معانيها.
الأول: السببُ:
وهو لُغَةً: ما يُتَوَصَّل به إلى الشيء، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] الآية.
وفي الاصطلاح: قد اشتهر في كثير مِن كُتب الأصول وغيرها أنه: ما يَلْزَم مِن وجودِه وجودُ شيء، ومن عدمِه عدمُه لذاته.
والتقييد بِكَوْن ذلك "لذاته" للاستظهار على:
- ما لو تخلَّف وجود المُسَبَّب مع وجدان السبب؛ لِفَقْد شرط أو لمانع، كالنِّصَاب قَبْل الحَول، ومَن فيه سبب الإرث ولكنه قاتِل أو رقيق أو نحوهما.
- وعلى ما لو وُجِد المُسَبَّب مع فقدان السبب، لكن لوجود سبب آخر، كالرِّدَّة المقتضية للقتل - إذَا فُقِدَت ووُجِد قَتْل يُوجِب القصاص، أو زِنا مُحصن.
فتخَلُّف هذا الترتيب عن السبب لا لذاته، بل لمعنى خارج.
стр. 251
نَعَم، كَوْنه يَلْزم مِن وجودِه الوجودُ وعَدَمِه العدمُ - حُكْمٌ له، وحُكم الشيء موقوفٌ على تَصَوُّره، فلو تَوقَّف عليه تَصَوُّره، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وأيضًا فيوهم التعبير بِـ "اللزوم" أنَّ السبب مؤثِّر في وجود المُسَبَّب، وليس مذهب أهل السُّنة كما سيأتي.
وحينئذ فالأحسن ما في النَّظْم - تَبَعًا لبعض المحققين - أنَّ "السبب": ما يضاف إليه الحكم، أَيْ: ما يُنْسَب إليه وجودُ الحكم إذا وُجِد، وعدمُه إذا عُدِم، أَيْ: لذاته كما سبق.
وقد أخَّرْت هذا القيد في النَّظْم وجعلته قيدًا في تعريف الثلاثة (السبب والشرط والمانع)؛ اختصارًا.
ومعنى إضافة الحكم إلى السبب في ذلك:
- إمَّا لِكَوْنه متعلقًا به مِن حيث كَوْنه مُعَرِّفًا له وأمارة عليه كما يقوله أهل السُّنة؛ لأنَّ الدليل السمعي دَلَّ على ذلك.
- وإمَّا لأنَّ السبب مؤثِّر في وجود المسبَّب - عَلَى رَأْي المعتزلة. فقيل: بذاته. وقِيل: باشتماله على صفة توجِب ذلك. وقيل: بوجوه واعتبارات مُقْتَضِية لذلك، كالوطء؛ فإنه باعتبار جهة النكاح أو المِلْك حَسَنٌ يترتب عليه ما يترتب، وباعتبار جهة الزنا قبيحٌ يترتب عليه ما يترتب.
وهذه الآراء الثلاثة باطلة. لأنَّ الله تعالى هو مُوجِد [العالَم] (١) بإرادته، فهو المؤثِّر فيه، فلو نُسِبَ وجودُ شيء منه لتأثير سبب، لَزِمَ التشريك معه في مُوجديَّة العالم، وهو مُحَال. وأيضًا فلو كان السبب هنا مؤثِّرًا في الحكم (وهو قديم)، لَزِمَ تأثير الحادث في القديم، وهو مُحَال.
стр. 252
لكن في الرد عليهم بهذا الأخير نَظَر؛ لأنهم لا يعتقدون قِدَم الحكم، ولا يُرَد على الخصم ويُلْزَم إلا بما يعتقده. وأيضًا فقدْ يقال: التأثير في تعلُّق الحكم، لا في ذات الحكم، والتعلق حادث كما سبق بيانُه والخلاف فيه.
وتَوسَّط الغزالي بِقَول ثالث: وهو أنَّ السبب مؤثِّر لا بذاته، بل بِجَعْل الباري إياه مؤثِّرًا.
وقد رَدَّه الإمام الرازي بأنَّ الصادِر بَعْد الجَعْل إنْ كان الحكمَ فالمؤثِّر الشارع، أو شيئًا ما يوجب الحكمَ فيكون المؤثِّر في الحكمِ وصفًا حقيقيًّا بذاته، وهذا عَيْن قول المعتزلة.
وزيَّف هذا سراج الدين الأرْمَوي بما لا يُجدِي له شيئًا، وسيأتي إيضاح ذلك في العلة في القياس إنْ شاء الله تعالى.
وقِيل: مؤثِّر فيه عُرْفًا، فإنْ أريد الدلالة مِن حيث العُرف، رجع للقول الحق. وإنْ أُريدَ تأثير الإيجاد، فباطل، ولا معنى لذكر العُرف فيه.
واعْلَم أنَّ السبب يُعْتَبَر فيه أنْ يَكون وصفًا وجوديًّا ظاهرًا منضبطًا؛ ليخرج ما كان عدميًّا أو خَفِيًّا أو مضطربًا لا ينضبط. وإنما لم أذكره في النَّظْم هنا استغناءً بِذِكره في القياس في أوصاف العلة؛ لأنَّ العلة مِن الأسباب، وبَسْط ذلك فيها، وبيانه أَلْيَق؛ لمسيس الحاجة إلى تحقيق ما يلحق به الفرع قياسًا، فالسبب أَعَمُّ مِن العِلة؛ لأنها يعتبر فيها المناسبة أو شبههَا؛ ولذلك قَسَّم الآمدي السبب إلى:
- معنوي: وهو ما اشتمل على حِكمة باعثة على شرع الحكم، كالزنا لوجوب الحد، والطلاق لتحريم الزوجة ونحو ذلك.
- وغَيْره: وهو بخلافه. أيْ:
إمَّا لِكَوْنه زمانًا مجرَّدًا، كَـ "الدلوك" لصلاة الظهر (إنْ قُلنا: إنه الزوال) وللمغرب (إنْ
стр. 253
قُلنا: الغروب، وهو ضعيف)، ووقع للآمدي أنه الطلوع، فيكون سببًا للضحى أو للعيد (أَيْ لِطَلَبها نَدْبًا)، وكاستهلال رمضان لوجوب الصوم.
أو زمانًا ووصفًا معنويًّا؛ فيكون مركَّبًا، كصلاة العصر في كراهة التنفل بعدها إذا صُلِّيت في وقتها.
وإمَّا لِكَونه مكانًا مع فِعْلٍ، كالمرور بالميقات مع إرادة النسُك، فإنه سبب لوجوب الإحرام.
وإما بأنْ يكون وصفًا غير مناسب، كالأعضاء الأربعة في الوضوء - سببًا لرفع الحدث، ونحوه.
وحينئذ فتقسيم ابن الحاجب السببية إلى وقتيَّة ومعنويَّة مدخول، ولا يَرِد مِثْله على تمثيلي في النَّظم الوقتي والمعنوي فقط؛ لأنَّ المثال لا يُخَصِّص، وسيأتي في باب القياس لذلك مزيد بيان.
وقولي في تفسير كَوْنه يضاف الحكم له: (في عَدَمٍ أو في وجودٍ حَصَّلَه) المرادُ تحصيلُه عِلْمًا (كقول أهل السُّنة)، أو: إيجادًا (كقول المعتزلة). فالمسبَّب موجود - على الأول - عند السبب، لا به، وينبغي أنْ يُحْمَل النَّظْم عليه؛ لأنها على الراجح مِن الخلاف.
نَعَم، هل يوجد معه؟ أو بَعْده؟ [فيه تفصيل] (١)، فَمِن المسبَّب: ما يُوجَد معه قَطْعًا، وما يوجَد معه (على المُرَجَّح)، وما يوجد قَبْله.
فالأول: كحيازة المباح مِن المال بالاستيلاء عليه بِصَيْدٍ وإحياء موات وغنيمة، ونحو ذلك.
стр. 254
والثاني: كوقوع العتق أو الطلاق المعَلَّق على شرط - على الأصح في المذهب كما قاله الرافعي وغيرُه، وهو اختيار الأشعري والمحققين كالإمام والغزالي وابن عبد السلام وغيرهم. واختار الشيخ أبو حامد وأتباعه الوقوعَ عقبه مِن غير تخلُّل زمانٍ.
والثالث: [كَمِلْك] (١) القتيل دِيَة نفسه حتى تورث عنه مع كَوْن السبب مَوْته وهو متأخِّر؛ لِأَمْرِه ﷺ الضحاك بن قيس بأنْ يُورث امرأة أَشْيَم الضِّبابي مِن دِيَة زوجها (٢).
ومما يَقْرُب مِن ذلك في كَوْن المسَبَّب سابقًا على سببه: ركْعتا الإحرام، سبَبُها الإحرام وهو متأخِّر عنها، ولهذا لا تُصَلَّى في أوقات الكراهة؛ لأنها حينئذ لا سبب لها؛ لتأخره.
نَعَم، استشكل بأنَّ السبب إنما هو إرادة الإحرام، وهي متقدِّمة؛ ولذلك قال النووي في "شرح المهذب": إنَّ عدم الكراهة قَوِي.
والله أعلم.
وقولي: (وَالشَّرْطُ إنْ يُرَدْ بِهِ مَا يَجْرِي) تمامُه قولي بَعْده:
ص:
١٤٣ - هُنَا، فَإنَّهُ الَّذِي يُوَقَّفُ ... عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الَّذِي يُعَرَّفُ
١٤٤ - بَعْدَ وُجُودِهِ، وَهَذَا يُعْدَمُ ... مَشْرُوطُهُ، أَيْ حَيْثُمَا يَنْعَدِمُ
الشرح: أيْ: وأمَّا الثاني مِن أقسام الحكم الوضعي - وهو الشرط - فتعريفه ما ذُكِر.
وقولي: (هُنا) للاحتراز عن الشرط المذكور في غير هذا المكان. وذلك أنَّ الشرط في
стр. 255
اللغة مُخفَّفٌ مِن "الشَّرَط" بفتح الراء وهو العلامة، وجمعُه "أشراط". وجَمع "الشرْط" بالسكون "شروط". ويُقال له: "شريطة"، وجمعُه "شرائِط".
وأمَّا في العُرْف فَلَه ثلاثة إطلاقات:
الأول: ما يُذكر في الأصول هنا مُقابِلًا للسبب والمانع. وفي نحو قول المتكلمين: (شرط العِلم الحياة)، وقول الفقهاء: (شرط الصلاة الطهارة، شرط البيع كذا). وهذا هو الذي يذكر هنا تعريفه.
والثاني: الشرط اللغوي، والمراد به صِيَغ التعليق بـ "إنْ" ونحوها، وهو ما يُذكر في الأصول في المخَصِّصات للعموم، نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ومنه قولهم في الفقه: (العتق المعلَّق بِشَرط)، والطلاق كذلك، نحو: (إنْ دَخَلْت، فأنت حر)، أو: (فأنتِ طالق)، وقولهم: (لا يجوز تعليق البيع على شرط)، ونحو ذلك.
وهذا - كما قال القرافي وغيرُه - يرجع إلى كَوْنه سببًا يُوضَع للمُعَلَّق حتى يَلْزَم مِن وجوده الوجودُ ومِن عدمِه العَدَمُ - لذاته.
ووَهمَ مَن فسره هناك بتفسير "الشرط" المقابِل للسبب والمانع كما وقع لكثير مِن الأصوليين، وسيأتي بيانه هناك.
والثالث: جَعْل شيء قَيْدًا في شيء، كَشراء الدابة بِشَرْط كَوْنها حاملًا، وبيع العبد بشرط العتق، وهو المراد بحديث: "نهى عن بيع وشرط" (١)، و: "ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ! " (٢)، ونحو ذلك.
стр. 256
وهذا الثالث يحتمل أنْ يُعَاد إلى الأول؛ بسبب مُواضَعَة المتعاقدين كأنهما قالَا: (جعلناه مُعْتَبَرًا في عَقْدنا، يُعْدَم بِعَدَمه). فإنْ ألغاه الشرع، لَغَا العقد. وإنِ اعْتبر، لا يلغى العقد، بل يثبت الخيار إنْ أخْلف كما فُصِّل في الفقه.
ويحتمل أنْ يُعَاد إلى الثاني، كأنهما قالا: (إنْ كان كذا فالعَقْد صحيح، وإنْ لَا فَلَا). وقد بسطت ذلك في "شرح العمدة" في باب "شروط البيع"، فَراجِعْه؛ فإنه نفيس.
إذَا تَقَرَّر ذلك، فالمقصود هو القِسم الأول، وقد اشتهر أيضًا تعريفه بأنه: "ما يَلْزَم مِن عَدَمِه العَدَمُ، ولا يَلْزَم مِن وجوده وجودٌ ولا عَدَمٌ - لِذَاته". وشرحُه يُعْلَم مما سبق في السبب.
والاحتراز هنا بكونه "لِذَاته":
- عن مقارنته للسبب، فَيَلْزَم الوجودُ بوجوده، لكن عنده، لا به.
- أو مقارنته لِمانع؛ فيقارِن العَدَمَ، لكن لِأَمْرٍ خارج، لا لذاته.
ولكن لَمَّا كان هذا حُكم الشرط (فلا ينبغي أنْ يُعَرَّف به؛ لِلدَّوْر كما سبق تقريره في السبب)، عَرَّفْتُه بأنه: الذي يتوقف عليه تعريف السبب الذي هو مُعَرِّف للحُكم (على قول أهل السُّنة)، لا مُؤَثِّر (كما تقول المعتزلة وغيرُهم كما سبق). ومَن قال بالتأثير يُعَبِّر بِـ "ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر". وهو ما عَبَّر به الإمام في "المحصول" وأتباعُه (كالبيضاوي) في المخَصِّصات المتصلة.
فقولي: (يُوَقَّف) مَبنيٌّ للمفعول مشدد القاف، والمراد أنَّ حصول المسبَّب عند وجود السبب متوقِّفٌ على حصول الشرط. فإنْ وُجِد، حصل المسبَّب، وإلا فلا، كما يقال في غروب الشمس: إنه سببٌ لوجوب صدقة الفطر بِشَرْط الإسلام، فلا يوجَد الوجوبُ حتى يوجَد الإسلامُ ولو كان السبب (وهو الغروب) موجودًا.
стр. 257
وقولي: (وهذا يُعْدَم) إلى آخِره - هو تقرير للتوقُّف، أَيْ: إنَّ معنى تَوَقُّف إعمال السبب في مُسَبَّبه أنه إذا عُدِمَ الشرطُ، يُعْدَم المشروط. بخلاف العكس، أَيْ لا يَلْزَم مِن وجودِه وجودُ المشروط؛ لأنَّ وجوده إنما هو مرتبط بوجود السبب، فإذَا وُجِد فإنما هو لوجود سَبَبِه، لا لوجود الشرط، كالطهارة في الصلاة: إنْ عُدِمَتْ حيث تُعْتَبَر، عُدِمَت الصلاةُ، ولا يَلْزَم مِن وجودها وجودُ الصلاة ولا عَدَمُها.
واعْلَم أنَّ هذا الشرط على ضربين، أحدهما: ما يُسمى "شَرْط السَّبَب"، والثاني: "شَرْط الحُكم".
فالأول: ما يَكون عدمُه مُخِلَّا بِحِكْمة السبب، كالقُدرة على التسليم؛ فإنها شرط البيع الصحيح الذي هو سبب ثبوت المِلْك المشتمل على مصلحة، وهي حاجة الانتفاع بالمبيع، وهي متوَقِّفة على القُدرة على التسليم، فكان عدمُه مُخِلًّا بحكمة المصلحة التي شُرع لها البيع.
والثاني: ما اشتمل عَدَمُه على [حُكم] (١) يقتضي نَقِيضَ حِكمة السبب، مع بقاء حِكمة السبب. كالطهارة في باب الصلاة، فإنَّ عدم الطهارة حال القُدرة عليها مع الإتيان بالصلاة يقتضي نقيضَ حِكمة الصلاة وهو العقاب؛ فإنه نقيض وصول الثواب.
تنبيه:
للسبب والشرط إطلاق آخَر في الفقه في باب الجنايات اصطلحوا عليه غير ما سبق، حيث قَسَّمُوا ما لَهُ مَدْخَل في الجناية إلى: مباشَرة، وسبب، وشرط. مُفَرِّقِين بِأنَّ ما أَثَّر في التلف وحَصَّله: "المباشَرةُ"، وما أثَّر ولَمْ يُحَصِّل: "السببُ"، وما لا ولَا: "الشرطُ"، مع كَوْن الكل فى الحقيقة أسبابًا، ومناسبة التسمية بذلك توضح رجوع الكل لذلك، ومحل
стр. 258
إيضاحه الفقه، والله أعلم.
ص:
١٤٥ - كَالطُّهْرِ لِلصَّلَاةِ، أَمَّا المانِعُ ... فَمَا بِتَعْرِيفِ النَّقِيضِ دَافِعُ
١٤٦ - لِلْحُكْمِ، فَهْوَ مُنْتَفٍ إنْ وُجِدَا ... مَعْ كَوْنِ مُقْتَضٍ لَهُ مَا فُقِدَا
١٤٧ - مِثْلُ أَصَالَةٍ لِمَنْ تَعَمَّدَا ... مَا يَقْتَضي الْقَصَاصَ لَوْ تَجَرَّدَا
الشرح: هذا المثال راجع إلى الشرط المشروح فيما قَبْله، وسبق بيانه. وما بعده تعريف للقِسم الثالث مِن خطاب الوضع وهو "المانع"، وأصله اسم فاعل مِن المنع.
ومعناه اصطلاحًا على المختار: وَصْفٌ دافِعٌ لِلحُكم مع وجود [مقتضيه] (١)؛ لاشتماله على التعريف بنقيضه. فَدَفْعُه للحكم بهذا المعنى، لا بمعنى التأثير كما قررنا مِثله في "السبب" و"الشرط". ولا بُدَّ أنْ يَكون وجوديًّا ظاهِرًا منضبطًا؛ ليخرج العدمي والخفي والمتفاوت المضطرب. وإنما لم أُقيِّده في النَّظم بذلك استغناءً بما سيأتي في باب القياس في مانع العلة؛ لأنَّ بَسْطه هناك أَلْيَق، كما في السبب على ما سبق تقريره.
فـ "الباء" في قولي: (بتعريف) للسببية، متعلقة بِـ "دافِع".
وقولي: (فهو مُنْتَفٍ) أَيْ: [فيرتَّب] (٢) على كَوْنه دافعًا له أنه ينتفي بوجوده؛ لأنه حُكمه، وفيه إيماء إلى أنَّ تعريفه بأنه "ما يَلْزَم مِن وجودِه العَدَمُ، و [مِن] (٣) عَدَمِه الوجودُ" مَدْخُول - على ما سبق بيانه.
стр. 259
وعلى كل حال فالمراد بانتفائه عند وجود المانع كَوْنه لِذَاته؛ فيخرج بذلك مقارَنة (١) المانِع لوجود سبب آخَر، فإنَّ الحكم لم يَنْتَف مع وجود المانع، كالأب القاتل - في المثال الآتي - إذَا ارْتَدَّ زَمَن قَتْلِه وَلَده، فإنه يُقْتَل بِالرِّدَّة وإنْ لم يُقْتَل قصاصًا؛ لأنَّ المانع إنما هو لِأَحَد السببين (٢).
وقولي: (مَع كَوْنِ مُقْتَضٍ لَهُ مَا فُقِدَا) أَيْ: مع كَوْن المُقْتَضِي للحُكم - وهو سَبَبُه وتَوَفُّر شروطه - موجودٌ لم يُفْقَد.
مِثالُه: إذَا قَتَل الأصلُ الفَرْعَ أو جَنَى عليه دُون النفْس عَمْدًا مُوجِبًا للقصاص لو كان أجنبيًّا، فإنَّ الحكم (وهو القصاص) مُنْتَفٍ مع وجود مُقْتَضِيه (وهو الجناية المذكورة)، لكن لمانع الأصالة؛ لأنَّ الأصالة وَصْفٌ وجوديٌّ ظاهرٌ منضبطٌ مشتمل على حِكمة تُنافي الحُكم وهو القصاص، والحكمة هي كَوْن الأصل سببًا في وجود الفرع، فلا ينبغي أنْ يَكون الفرعُ سببًا في إعدامه، وهذا نوع مِن المانع؛ لأنَّ المانع نوعان: مانع الحكم، ومانع السبب.
فالأول: ما يَدْفَع الحكمَ [باشتماله] (٣) على حِكمة تُناقِض الحُكم كما قررناه في المثال، وكثيرًا ما يُعبَّر فيه بالأُبوَّة، والمقصود بها الأصالة؛ ليدخل كل أصلٍ ذكرٍ أو أنثى بواسطة وغيرها، فهو أوْضح في العموم مِن الأُبوة.
والثاني: ما كان وجوده يُخِلُّ بحكمة السبب، كالدَّيْن في الزكاة مانع مع مِلْك النصاب عند مَن يقول بأنه يمنع الزكاة. ووَجْه ذلك أنَّ حِكمة وجوب الزكاة في النصاب (الذي هو السبب) كثرتُه كثرة تحتمل المواساة منه شكرًا على نعمة ذلك، لكن لَمَّا كان المَدِينُ مطالَبًا
стр. 260
بِصَرْف الذي يملِكُه في الدَّيْن، صُيِّر كالعَدَم.
والنوعان داخلان في قولنا: (التعريف بالنقيض)، أَيْ إمَّا لكونه مشتملًا على حِكمة تُنافي الحكم، أو لكون وجوده منافِيًا للحِكمة التي اشتمل عليها سبب الحكم.
وسُمِّي الأولُ "مانعِ الحكم"؛ لأَّن سبَبه - مع بقاء حِكمته - لم يُؤثِّر، والثاني "مانع السبب"؛ لأنَّ حِكمته فُقِدَت مع وجود صورته فقط، والله أعلم.
ص:
١٤٨ - وَكُلَّ مَا قِيلَ مِنَ اللُّزُومِ في ... مَاضٍ فَذَا لِلذَّاتِ في [التَّوَقُّفِ] (١)
الشرح: أَيْ إنَّ كل [ما] (٢) في تعريف السبب والشرط والمانع مِن لزوم الوجود أو العدم فَكُله مَقيَّد بالذَّات، أي بِكَوْن ذلك لِذَات ذلك الوصف وإنْ تخلَّف لأمرٍ خارجي كما سبق تقريره فيها.
تنبيهات
أحدها: قد يلتبس السبب بالشرط مِن حيث إنَّ الحكم يتوقف وجوده على وجودهما وينتفي بانتفائهما، وإنْ كان السبب يَلْزَم مِن وجودِه وجودُه، بخلاف الشرط، فإذَا شك في وَصْف أَهُو سبب؟ أَمْ شرط؟ نَظَر: إنْ كانت كلها مناسِبة للحكم فالكل سبب، أو كُل منها مناسِب فَكُل واحد سبب. فالأول كالقتل العمد المحض العدوان، والثاني كأسباب الحدث.
وإنْ ناسب البعض في ذاته والبعض في غيره، فالأول سبب والثاني شرط، كالنصاب
стр. 261
والحول، فالنصاب مشتمِل على الغِنَى ونِعْمة الملْك في نفسه، فهو السبب، والحول مُكَمل لنعمة الملْك بالتمكن مِن التنمية في مُدَّته، فهو شرط.
قُلتُ: كذا فَرَّق القرافي، ولكن هذا لا يَكون إلا في السبب المعنوي الذي يكون عِلة، لا في السبب الزماني ونحوه.
فالصواب أنْ يُقال: إنْ كان الوصف هو المتوقِّف عليه الشيء في تعريفه أو تأثيره - على الخلاف - فالسبب، وإلَّا فالشرط كما فُهِم مِن حَدِّهما فيما سبق.
الثاني: الشرط وعدم المانع كلاهما يُعْتبَر في تَرَتُّب الحكم، فقد يلتبسان حتى إنَّ بعض الفقهاء جعله إياه، كما عَدَّ الفوراني والغزالي مِن أصحابنا مِن شروط الصلاة تَرْك المناهِي مِن الأفعال والكلام والأكل ونحوه، وتبعهما الرافعي في [شَرْحَي] (١) "الوجيز" وفي "المحرر"، والنوويُّ في "الروضة"، لكن في "شرح المهذب" الصواب أنها ليست شروطًا، وإنْ سميت بذلك فَمَجَاز، وإنما هي مُبْطِلات.
وقال في "التحقيق": (غَلَّطوا مَن يعدُّها شروطًا). انتهى
والفَرْق بينهما - على تقدير التغاير - أنَّ الشرط لا بُدَّ أنْ يَكون وصفًا وجودِيًّا، وأمَّا عدم المانع فَعَدَمِي. ويظهر أثَر ذلك في أنَ عدم المانع [يُكْتَفَى فيه بالأصل] (٢)، والشرط لا بُدَّ مِن تَحَقُّقه. فإذا شك في شيء، يرْجع لهذا الأصل، ولذلك عُدَّت الطهارة شَرْطًا؛ لأنَّ الشك فيها مع تَيَقُّن ضِدِّها المستصحب يمنَعُ انعقاد الصلاة.
قالوا: ويلزم مَن ادَّعَى اتحادهما اجتماع النقيضين فيما لو شككنا في طريان المانع، لأنَّا حينئذ نَشُك في عدمه، والفَرْضُ أنَّ عَدَمَه شَرْطٌ.
стр. 262
فَمِنْ حيث إنه شَرْطٌ: لا يوجد المشروط.
ومِنْ حيث إنَّ الشك في طريان المانع لا أثَر له: فيوجد المشروط.
وهو تناقض.
الثالث: سَبَبُ السببِ ينزل مَنْزلة السبب؛ لأنَّ ما تَوقَّفَ عليه المتوقَّفُ عليه - مُتَوَقَّفٌ عليه، كالإعتاق في الكفارة سبب للسقوط عن الذمة، والإعتاق يتوقف على اللفظ المُحَصِّل له.
وللسبب والشرط والمانع تقسيمات أخرى [باعتبارات] (١) لا يسع هذا المختصر ذِكْرها، والله أعلم.
ص:
١٤٩ - وَالرَّسْمُ في "الصِّحَّةِ": أنْ [يُوَافِقَا] (٢) ... لِلشَّرْعِ ذُو وَجْهَيْنِ فِيمَا وَافَقَا
١٥٠ - عِبَادَةً تَكُونُ أَوْ مُعَامَلَةْ ... فَتَعْقُبُ الْآثَارُ فِيهِ نَازِلَةْ
١٥١ - فَفِي عِبَادَةٍ تَصِحُّ يَنْشَأُ ... إسْقَاطُهَا تَعَبُّدًا؛ فَتُجْزِئُ
١٥٢ - وَضِدُّهَا "الْفَسَادُ" لَا يُرَتَّبُ ... عَلَيْهِ مِنْ آثَارِهَا مَا يَعْقُبُ
١٥٣ - إلَّا لِأَمْرٍ خَارِجٍ، كَالْخُلْعِ ... تَبِينُ في فَاسِدِهِ في الشَّرْعِ
١٥٤ - وَهَكَذَا الْفَاسِدُ من كِتَابَةِ ... يُعْتَقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ الثَّابِتِ
الشرح: هذان الرابع والخامس مِن أقسام الحكم الوضعي، وهُما الصحة والفساد.
стр. 263
فَرَسْمُ "الصحة": موافقة ذي الوجهين الشرع، سواء كان ذلك الموافِق عبادةً أو معاملة.
فما ليس له وجهان - لا يُوصَف بِصِحة ولا فساد، كالمعرفة بالله تعالى، وكَرَدِّ الوديعة، فإنه إمَّا أنْ يَعْرف الله أو لا يَعْرفه، وإمَّا أن يَرُد الوديعة أو لا يردها، بخلاف نحو الصلاة والصوم والبيع والإجارة؛ فإنَّ صُورته تقع على وجهين:
- ما اجتمع فيه الشروط وانتفت عنه الموانع؛ فيكُون صحيحًا.
- وما اختل فيه شيء مِن ذلك؛ فيكُون فاسدًا.
وإنما قلتُ: إنَّ صُورته كذلك؛ لأنَّ الإطلاق الشرعي على المختل بِرُكْن أو شرْط [مَنْفِيٌّ] (١) بالحقيقة؛ لأنَّ المركَّب ينتفي بانتفاء جُزئه؛ ولذلك قال النبي ﷺ لِلْمُسِيء صلاته: "ارْجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ" (٢)، وهو أحسنُ ما حُمِل عليه نحو: "الأعمال بالنية" (٣)، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٤)، أَيْ: لا عمل شرعيًّا، ولا صلاة شرعية، فَنفْيُه نَفْي حقيقي حيث كان خاليًا مما ذُكِر حتى لا يحتاج لتقدير محذوف.
نَعَم، حكى الأصفهاني (٥) في "شرح المحصول" في تناول الحقيقة الشرعية الفاسد مِن صلاة وبيع ونكاح ونحو ذلك - ثلاثة مذاهب، ثالثها: يشمل ما كان مِن أسماء الأفعال والأعيان مِن غسل ووطء، ولا يشمل ما كان مِن أسماء الأحكام كتسمية الغسل طهارة. انتهى
стр. 264
وقد حَكَى أصحابنا قولين في العقود، أصحهما: اختصاصه بالصحيح؛ ولهذا لو حلف لا يبيع، لا يحنث بالفاسد (على الأصح).
ووقع في الرافعي في "الأَيْمان" أنه سيأتي خِلاف في العبادة: هل تُحْمل على الصحيح كما لو حلف لا يصلي أو لا يصوم؟
واستُنكر ذلك عليه [بأنه] (١) لا خِلاف عندنا في [اختصاصها] (٢) بالصحيح، وأنَّ الخلاف في العقود.
نَعَم، قالوا: لو حَلَفَ لا يحج، يحنث بالفاسد؛ لأنه مما يُفَرَّق فيه بين الفاسد والباطل كما سيأتي ذِكره.
وقولي: (فَتَعْقُبُ الآثَارُ فِيهِ نَازِلَهْ) أيْ: إنَّ "الصحيح" (وهو الموافق بأحدِ وجهيه للشرع، عبادة كانت أو غيرها) تَعْقُبُ الآثارُ فيه صحتَه، لا أنَّ تَعقبَ الآثار نفْس الصحة كما قال البيضاوي: (إنَّ الصحةَ استتباعُ الغاية). يريد تَرتُّب الآثار، بل بصحة العبادة يَترتب أثرُها، وهو سقوط التعبد أو سقوط القضاء (على الخلاف الآتي)، وبصحة العقد يترتب أثره من مِلْكٍ وجواز تَصَرُّفٍ وغير ذلك.
وقولي: (فَفِي عِبَادَةٍ تَصِحُّ يَنْشَأُ) إشارة إلى مسألتين:
إحداهما:
أنَّ أثَر العبادة إذَا صَحَّت، تَرَتَّب عليها سقوطُ التعبد. وهذا هو الصحيح، ويُنْقَل عن المتكلمين.
стр. 265
والثاني: سقوط القضاء، ويُنْقَل عن الفقهاء.
وَرُدَّ بأنَّ وجوب القضاء إنما يتحقق بَعْد خروج الوقت، لا سِيَّمَا إذَا قُلنا بِأَمرٍ جديد، لا بالأمر الأول. وإذَا لَمْ يجب، فكيف يسقط؟ !
ثُم إنَّ هذَا قاصِر على مُؤَقَّت يَدْخله القضاءُ، والبحث في صحة العبادة مُطْلَقًا.
وبُنِيَ على الخلاف صلاةُ مَن ظن أنه مُتَطهر ثُم بَانَ حَدَثُه، فإنها صحيحة عند المتكلمين دُون الفقهاء. كأنَّ المتكلمين نظَروا لِظن المكلَّف، والفقهاء لِمَا في نفْس الأمر (١)، ولكن اللائق بقواعد الفريقين العكس.
وقال ابن دقيق العيد: (هذا البناء فيه نظر؛ لأنَّ مَن قال: "مُوافقة الأمر" إنْ أراد الأمر الأصلي، فَلَم يَسقط، أو الأمر بالعمل بالظن، فَقَدْ تبَيَّن فساد الظن؛ فَيَلْزَم أنْ لا يَكون صحيحًا مِن حيث عدم موافقة الأمر الأصلي، ولا الأمر بالعمل بالظن).
وما قاله ظاهر.
وأيضًا فالنقل عن الفقهاء فيه نظر، فقد صَرَّح أصحابنا في صلاة الجماعة بأنَّ الصلاة الصحيحة إما مُغْنِية عن القضاء أَوْ لا. وحكوا وَجْهَين في وصف صلاة فاقِد الطهورين بالصحة، أصحُّهما نَعَم، مع أنه يجب القضاء على الجديد. قالوا: ويجري الخلافُ في كل صلاة يجب قضاؤها.
وفائدة الخلاف في الأيمان وفي جواز الخروج منها.
وأيضًا كيف يُؤمَر بعبادة وهي فاسدة؟
فإمَّا أنْ يُقال: "صحيحة" أو "شبيهة"، كالإمساك في رمضان.
стр. 266
نَعَم، زعم الغزالي في "المستصفى" ثُم القرافي أنَّ الخلافَ المذكور في الغاية للصحة لَفْظِيٌّ؛ لاتفاق الفريقين على أنه إنْ لم يتبين الحدَث فَقَدْ أدَّى ما عليه ويُثاب، وإنْ لَا فيجب القضاء.
لكن دعوى الاتفاق في الحالة الثانية على القضاء مردودة؛ فقدْ حكى ابنُ الحاجب في "مختصره" في مسألة الإجزاء أنه لا قضاء، وكأنَّ المراد أنَّ المتكلمين إنما لم يُوجبُوا القضاء على تقدير استمرار الحال لو لم يَرِد نَصٌّ بِلزوم القضاء، لكنه وَرَدَ بأمر جديد كما حكاه في "المستصفى" عنهم.
وعندنا قَوْل مِثله - فيمَا إذَا صَلَّى بِنَجس لم يَعْلَمه أو مكشوف العورة ساهِيًا - أنها صحيحة ولا قضاء، نظرًا لموافقة الأمر حال التلبس.
وفي "التلخيص" لإمام الحرمين: (إنما صار الفقهاء إلى هذا في أَصْلٍ، وهو أنَّ الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة مع كَوْنها على خِلَاف مُقْتَضَى الشرع - يدل على أنَّ "الصحيح": ما لَمْ يَجِبْ قضاؤه ولو خالف مُقْتَضى الشرع) (١).
المسألة الثانية:
يترتب على صحة العبادة إجزاؤها، وقد اختُلِف في معناه: هل هو كَوْنها بحيث سقط فيها التعبد؟ أو كَوْنها بحيث سقط القضاء؟ على ما سبق تقريره في الغاية في الصحة؛ لأنه قريب من معنى الصحة.
ولكن الفرق بينهما مِن وجهين:
أحدهما: أنَّ محل الصحة أَعَم مِن محل الإجزاء؛ فإنَّ الصحةَ مَوْرِدُها العبادةُ وغَيْرُها،
стр. 267
ومَوْرِد الإجزاءِ العبادةُ فقط. بل زعم قوم اختصاصه بالواجب وأنه لا يَجْري في كل مطلوب، حتى إنَّ مَن أَوْجَب الأضحية استدل بحديث: "أربع لا تجزئ في الأضاحي" (١). فلو لم تكُن واجبة لَمَا عَبَّر بالإجزاء، وكذا قوله ﵇ لأبي بُرْدَة: "ولن تُجزئ عن أحدٍ بَعْدك" (٢) على أحد الوجهين في ضبطه وهو ضم التاء وبالهمز، لَا عَلَى فتح التاء بلا همز بمعنى: تقضي وتُغْني.
لكن يُمنع ذلك بأنَّ الدليل دَلَّ على أنها سُنة، ففي هذا الحديث دليل على استعمال الإجزاء في السُّنة، ونقله الشيخ تقي الدين السبكي عن الفقهاء.
و[اعترض] (٣) بأنَّ أصحابنا قد استدلوا على وجوب قراءة الفاتحة برواية الدارَقُطْني: "لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بِأُم القرآن" (٤). وقالوا: إنه أَدَلُّ على الوجوب مِن رواية الصحيحين: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٥).
واستدلوا أيضًا على وجوب الاستنجاء بحديث: "إذَا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه" (٦)، و"الإجزاء" لا يقال إلَّا في الواجب.
стр. 268
قُلتُ: قد يجاب بأنهم إنما أَوْرَدُوه ردًّا على مخالفهم؛ لاعتقاده أنَّ الإجزاء لا يُقال إلا في الواجب، والرد يقع بما يعتقده الخصم وإنْ لَمْ يعتقده الرادُّ.
ثانيهما: أنَّ معنى "الإجزاء" عَدَمِيٌّ، ومعنى "الصحة" وجودِيٌّ؛ وذلك لأنَّ العبادة المَأْتِي بها على الوجه المشروع لَازَمَها وَصْفان:
وجُودِيٌّ: وهو موافقة الشرع، وهذا هو "الصحة".
والآخَر عَدَمِيٌّ: وهو سقوط التعبد به أو سقوط القضاء (على الخلاف فيه)، وهذا هو "الإجزاء".
وهذان الأمران يُفْهَمان مِن:
- قولي: في النَّظْم: (فَفِي عِبَادَةٍ تَصِحُّ). أَيْ: لا في غيرها.
- وقولي: (إسْقَاطُهَا تَعَبُّدًا) مع وَصْفِي للعبادة بأنها صَحَّت، وتفسيري فيما سبق "الصحة" بأنها موافقة الشرع.
قلت: وفَرْق ثالث أنَّ الإجزاء مُرَتَّبٌ على الصحة، وهو معنى قولي: (فَتُجْزِئُ). أَيْ: فتكُون مُجْزِئة. فَـ "الإجزاء" حينئذ: كَوْن الفعل على وَجْهٍ يُسْقِط التعبد، لا نَفْس السقوط ولا الإسقاط كما يقع في عبارة كثير.
وقولي: (وَضِدُّهَا الفَسَادُ) أَيْ: ضد الصحةِ "الفسادُ"، فَيُعَرَّف بِضِد تعريفها.
فيقال: "الفساد" عَدَمُ موافقة الفعل ذِي الوجهين الشرع؛ وذلك إمَّا لانتفاء شرط أو لوجود مانع.
وحُكمه أيضًا في تَرتُّب الآثار ضِدُّ "الصحة"، فلا يترتب شيء مِن آثار ذلك الفعل عليه (سواء أكان عبادة أو غيرها) إلَّا أنْ يَكون مِن أَمْرٍ يَقْتَضِيه خارِجٍ عن حقيقة ذلك الفعل شَرْعًا؛ لِكَوْن الفاسد قد تَضَمَّن وجوده.
стр. 269
والغرض بذلك التنبيه على الرد على مَن اعترض بأنَّ الفاسد قد يترتب عليه آثار الصحيح كما أنَّ الصحيح قد يتخلف تَرتُّب آثاره عنه، سواء فَسَّرنا الصحة والفساد بالترتُّب (كالبيضاوي) أو بالموافقة ولكن يترتب كما بَيَّنَا أنه الصواب، وذلك كَفَاسِد الخلْع والكتابة، فإنهما يترتب عليهما البينونة والعتق مع أنهما مِن آثار "الصحيح".
فَيُقال: لَمْ يَحْصُلَا مِن حيث كَوْنهما خلعًا وكتابةً، بل مِن حيث تَضَمُّنهما لِتعليقٍ وُجِدَت الصِّفَة فيه مع كَوْنهما لم يُوقَعَا إلَّا بِعوَضٍ، [فَبِطَمَعِ] (١) الزوج والسيد في ذلك - حيث لم يجعلَا ذلك مجانًا - وَجَبَ العوَضُ وتَرَتب ما يترتب في "الصحيح" مِن البينونة والعتق؛ لانتظام المعنى الذي في "الصحيح" مِن حيث المقابَلة كما أَوْضَح الفقهاء ذلك في موضعه، وبَيَّنُوا ما بَيْنه وبَيْن "الصحيح" مِن المخالفة مِن أَجْل التعليق وغيْره؛ ولذلك لا يملك بِـ "الفاسد" منهما العوضُ المسَمَّى، بل يجب رَدُّه والرجوع للبدَل الشرعي، بخلاف "الصحيح"، ونحو ذلك [أيضًا] (٢) مما يترتب على "الفاسد" فيما فُرِّق فيه بين الفاسد والباطل كما سيأتي.
وأمَّا عَكْس ذلك وهو تَخَلُّف الآثار عن "الصحيح" (كامتناع بيع المبيع قبل القبض (٣) وفي زمن الخيار ونحو ذلك) فَيُمْنَع بِأنَّ الآثار مُتَرتِّبة بالقوة لا بالفعل؛ لأنه تخلف لِمَانِع، بدليل تَبَيُّن صحة كثير منها عند زوال المانع، كَمِلْك الزوائد ونحوها، وبدليل أنَّ بعض الآثار يوجد وإنْ امتنع الباقي، كعتق المبيع قَبْل القبض والاستيلاد والوقف ونحو ذلك.
стр. 270
فلا يَرِدُ، [لا] (١) طَرْدًا ولا عَكْسًا، والله أعلم.
ص:
١٥٥ - وَبَاطِلٌ كَفَاسِدٍ وَإنْ مُنِعْ ... لِوَصْفِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَدْ شُرِعْ
١٥٦ - نَعَمْ، لَنَا التَّفْرِيقُ في أَبْوابِ ... كَالْحَجِّ وَالْخُلْعِ بِلَا ارْتيَابِ
١٥٧ - وَهَكَذَا كتَابَةٌ عَارِيَّهْ ... وَنَحْوُهَا بِأَوْجُهٍ فِقْهِيَّهْ
الشرح: لَمَّا بَيَّنْتُ أنَّ الفساد يقابل الصحة، بَيَّنْتُ أنَّ البطلان يقابلها أيضًا؛ فيكون مرادفًا للفساد.
بل قال أبو العباس بن تيمية: لم يقع في الكتاب والسُّنة إلَّا لفظة "الباطل" في مقابَلة الحقِّ، وأمَّا لفظ "الصحة" و"الفساد" فَمِن اصطلاح الفقهاء.
واسْتُدْرِك عليه بنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، أَيْ: لَاخْتَل نظامهما، ولا شك أنَّ الفاسد المذكور معناه: المختل. وأيضًا ففي السُّنة تكرر لفظ "الإجزاء" كما سبق، وهو قريب من معنى "الصحة".
وخالف الحنفية، فَفرَّقوا بين "الفساد" و"البطلان"، فَسَمّوا ما لم يُشرع بأصله ولا وَصْفه "باطلًا"، كبيع الملاقيح (وهي ما في بطون الأمهات) وبيع المضامين (وهي ما في أصلاب الفحول)؛ لِمَا فيه مِن الجهل والغرر. وسَموا ما شُرع بِأَصْله دُون وَصْفه "فاسدًا"، [كبيوع] (٢) الربا، فإنَّ كلًّا مِن العِوَضين التبايع فيه مشروع، لكن لَمَّا انضم إليه وَصْفُ الربا (وهو غير مشروع) فَسَد، فالفساد أَعَمُّ مِن البطلان مُطلقًا.
стр. 271
ورَتَّبوا على هذا الفرق أنَّ "الفاسد" يملك فيه بالقبض ملكًا خبيثًا (أَيْ: ضعيفًا)، و"الباطل" لا يملك به شيء أَصْلًا.
وضُعِّف ذلك بأنَّ التفرقة إنْ كانت شرعية فأين دليلها؟ وأين مستند ما خالفوا بيْنه مِن المرتب عليهما؟ بل في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ما يُبْطِل التفرقة؛ لأنَّ التمانع فيه بَيْن وجود العالم منتظمًا حيث لا شريك وبَيْن عدمه أصلًا حيث قُدِّر الشريك، لا وجوده على هذا التقدير بنوع مِن الخلل، فَسَمَّى الله ما لا تَثْبُت حقيقته أَصْلًا "فاسدًا".
واعْلَم أنه قد نشأ لأصحابنا - باعتبار هذا الفَرْق بطريق التبعيَّة - تَفْرقةٌ في أحكام، كَمَن اشترى جارية بشرط فاسد أو بِعوَض فاسد مقصود ووَطِئ، يَكون وَطْؤه وَطْء شُبهةٍ يترتب عليه انتفاءُ الحدِّ والنسبُ والمهرُ ونحوُ ذلك. وإنْ كان مِن صغير أو بِعوَض فاسد غير مقصود ووطِئ، يَكون زِنًا يترتب عليه أحكامُه ولا يَثْبُت فيه شيءٌ مِن أحكام الشُّبهة؛ استنادًا في الأول إلى أنه مِن شبهة الطريق، أَيْ: طريق قال بها عالِم، بخلاف الثاني، وليس هذا مُوافَقَة في تفرقتهم، بل حُكْم مُرَتَّب على تفرقتهم.
نَعَم، لأصحابنا مواضع في الفقه فَرَّقوا فيها بين "الفاسد" و"الباطل" بمعنى آخَر، اشتهر منها أربعة: الحج، والعارِيَّة، والخلْع، والكتابة.
فالحج يبطل بالرِّدَّة، وقِيل: يَفْسد. حكاه أبو علي السنجي في شرح "الفروع"، ويَفْسد بالجماع. وحُكْم "الباطل" أنه لا يجب المُضِي فيه ولا قضاؤه، و"الفاسد" يجب إكمالُه وقضاؤه.
واختُلف فيما إذَا أَحْرَم مجامِعًا، فقيل: ينعقد صحيحًا. وقيل: فاسدًا، ورجحه الرافعي. وقيل: لا ينعقد أصلًا، فيَكون باطلًا، وصححه النووي.
ولو أفسد العمرة بالجماع ثم أَحْرَم بالحج، انعقد فاسدًا (على الأصح)، وقيل: صحيحًا. وقيل: لا ينعقد أصلًا.
стр. 272
وأما العارِيَّة: فقال الغزالي في "الوسيط" بَعْد حكاية الخلاف في إعارة الدراهم والدنانير: (فإنْ [أَبْطَلناهما] (١)، ففي طريقة العراق أنها مضمونة؛ لأنها إعارة فاسدة. وفي طريقة المراوزة أنها غير مضمونة؛ لأنها غير قابلة للإعارة؛ فهي باطلة) (٢). انتهى
نَعَم، كان ينبغي أنْ يقول: (فإنْ لَمْ نُصححها، ففي طريقة العراق) إلى آخِره؛ لأنَّ عدم الصحة هو المنقسم إلى فساد وبطلان، لا أنَّ البطلان هو المنقسم؛ لأنَّ الشيء لا ينقسم إلى نَفْسه وغيْره.
وللعارِيَّة مسألة أخرى، وهي إذا قال: (أَعَرْتُك داري بِشَرْط أنْ تعيرني فرسك) ونحو ذلك، ففيها وجهان، أصحُّهما: أنها إجارة فاسدة، والثاني: عارية باطلة. ويتخرج عليهما وجوب الأجرة والضمان وعدمهما.
وأمَّا الخلع والكتابة فالباطل فيهما:
- ما كان على عوض غير مقصود، كالدم. ووَهِمَ مَن مَثَّله بالميتة؛ لأنها تقصد للجوارح، فهي كالخمر.
- أو رجع لِخَلَلٍ في العاقِد، كَصِغَر وسَفَه.
و"الفاسد" خِلَافُه، كأنْ كانا على نحو خمر وخنزير ومجهول.
وحُكم "الباطل" أنْ لا يترتب عليه شيء، و"الفاسد" يترتب عليه البينونة والعتق، ويرجع الزوجُ بمهرِ المِثْلِ والسيدُ بقيمةِ العبدِ كما سبق.
قُلتُ: لكن إطلاق أنَّ الخلل في العاقِد مِن "الباطل" فيه نَظَر؛ فَقَدْ صَرَّحُوا:
стр. 273
- بأنَّ خلْعَ السفيهة فاسد. نَعَم، يقع به الطلاق رَجْعِيًّا، لا بائنًا؛ لِتَعَذُّر العوَض.
- وبأنَّ خُلْعَ الأَمَة بعين مال سيدها بغير إذنه - يقع بائنًا بمهر المثل.
واعْلَم أنَّ وراء هذه المواضع الأربعة مواضع أخرى أشرتُ إليها في النَّظْم بقولي: (ونحوها).
منها: الإجارة، فَـ "الفاسد" منها ما كان لجهالة العوض ونحوه، فيجب فيه أجرة المثل. و"الباطل" ما كان لخلل في المستأجِر، كما لو استأجر صَبِيٌّ رَجُلًا يعمل عملًا، لَمْ يستحق شيئًا؛ لأنه الذي فَوَّت عَمَل نَفْسه. أو في المؤجر حيث كان صبيًّا أو سفيهًا وتَلفَت العين في يد المستأجر، فيجب الضمان. ولو كان فاسدًا، لَمْ يَجِب - كما صرحوا به، بخلاف من استأجر بشرط فاسد ونحوه فإنه لا يضمن ما تلف تحت يده؛ لأنَّ "فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه".
ومنها: الهبة تَصْدُر مِن الصبي أو السفيه وتتلف العين في يد المُتَّهَب (١)، فيجب الضمان، بخلاف الهبة بشرط فاسد أو نحو ذلك؛ للقاعدة.
قُلْتُ: وقد يُقال: إنَّ الضمان في الإجارة والهبة المذكورتين إنما هو مِن حيث أنه استولى على مال الغير بِغَيْر طريق شرعي؛ فكان غاصبًا؛ لأنَّ الباطل كالعَدَم، وإنما لم يضمن في صُورَتَي الفاسد منهما لِحصول الظن والأمل فيه، إلَّا أنْ يُقال: المستثنى كله إنما خرج لأمرٍ خارجي، فهذا في ذلك وغيره سواء.
ومنها: في البيع، قال الرافعي في المقبوض ببيع فاسد: يجب ضمانه. وقال فيما لو باع صبيًّا: إنه لا ضمان فيما يتسلمه الصبي فيه. فهو باطل، وإلا لكان يضمن.
ومنها: في البيع أيضًا إذَا فَرَّعْنا على تفرقة أبي حنيفة بين الفاسد والباطل كما سبق
стр. 274
تقريره. فالمشتري إذَا وَطئ في "الباطل"، يُحَد؛ لأنه زِنًا لا شُبْهة فيه؛ فيترتب فيه أحكامه. وفي "الفاسد" لا يُحَد، ويترتب عليه أحكامُ وطء الشبهة؛ لأنَّ ذلك مِن شُبْهة الطريق التي قال بها عالِمٌ، بخلاف الذي قَبْله.
ومنها فيه أيضًا: ما لو قال: (بِعْتُك)، ولم يَذْكر ثَمَنًا، وسَلَّم، وتلفت العين في يد المشتري، هل عليه قيمتها؟ وَجْهان، أحدهما: نَعَم؛ لأنه بَيْعٌ فاسد. والثاني: لا؛ لأنه ليس بَيْعًا أَصْلًا؛ فيكون أمانة.
فتدخل هذه المسألة ونحوها في سلك: كُل عَقْد كان صحيحُه مضمونًا، فإنَّ فاسده يَكون أيضًا مضمونًا؛ للقاعدة. فما لا ضمان فيه مِن ذلك لِخَلَلٍ في العاقد (مَثَلًا) يَكون باطلًا.
ومنها: ما لو قال للمديون: (اعزِل قدر حَقِّي). فعزله ثُم قال: (قارضتك عليه)، لم يصح؛ لأنه لم يملكه بالعزل. فإذَا تصرف المأمور: فإنِ اشترى بالعين فهو ملك له، وإنِ اشترى في الذمة للقراض ونقدَهُ فيه، [فَوَجْهَان] (١):
أحدهما: الشراء للقراض، ويكون قراضًا فاسدًا يستحق فيه أجرة المثل، لكن الربح لرب المال.
والثاني: يَكون قراضًا باطلًا، لا فاسدًا ولا صحيحًا.
ومنها: [ما] (٢) لو نكح بلا ولي، فهو فاسد، يُوجِب مهر المثل لا الحد. ولو نكح السفيه بلا إذْن، فباطل، لا يترتب عليه شيء، إلَّا أنْ تكون الزوجة سفيهة - على ما في فتاوى النووي، وفيه كلام محله الفقه.
стр. 275
ومنها: الشركة، فقالوا: شركة الأبدان وشركة الوجوه باطلة، وفي شركة العنان التي هي في الأصل صحيحة لو شرط فيها شرط فاسد كشرط التفاوت في الربح مع استواء المالين أو عكسه، [فتَفْسُد] (١) الشركة وينفد تصرُّفهما، ولكل منهما أجرة عمله، وهو نظير ما سبق في القراض. وكل صورة في البابين نفذنا فيها التصرُّف مع الفساد كان الحكم كذلك ويقع الفرق.
قال العلائي: وقد حاول بعض شيوخنا الأئمة الفرق بين هذه الأبواب وغيرها. ثم أبدى في كثير مما سبق أمورًا لا تنافي وقوع الفرق ظاهرةً لمن تأمل.
وحكي عن الشيخ زين الدين الكتَّاني أربعة أخرى: الوكالة، والإجارة، والعتق، وعقد الجزية. وصَوَّرها بعضهم بأنَّ الوكالة تفسد بالتعليق، ويستفاد بها جواز التصرف، وتبطل بخلل العاقد، كتوكيل الصبي وتوكيل المرأة في النكاح.
قُلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ جواز التصرف إنما استفيد مِن عموم الإذن بعد أْن بطل خصوصُ الوكالة، كما لو أعتق مَعِيبًا عن كفارته، أو قال: (أَعْتِق مستولدتك عني على ألْفٍ). فيبطل الخصوص ويبقى عموم العتق.
وصُوَر هذه القاعدة كثيرة، فلو صحت التفرقة بذلك، لَقِيلَ في الكُل: إنها فاسدة؛ لِتَرتُّب بعضِ أثر الصحيح عليها.
وأمَّا الإجارة فسبَق تصويرها، والبحث الذي فيها وفي الهبة.
وأمَّا العتق: فكما لو قال: (أَعْتِق عبدك عني على خمر أو مغصوب)، ففعل، نفذ العتق عن المشتري ولزمَه قيمة العبد، بخلاف ما لو قال: (على دمٍ)، ونحوه. ويلتحق به الصُّلحُ عن الدم.
стр. 276
قُلتُ: الحكم عليه بأنه افتداء يكفي في الرد؛ لأنَّ الكلام في العقود.
وأمَّا الجزية: فأنْ تُعْقَد باختلال شرطٍ، والحُكم أنه يجبُ - بتمام سَنةٍ أو أكثر - لكل سَنة دينار، ولا يجب المسمَّى. بخلاف الباطلة (كعقدها مع بعض الآحاد)، فإنَّ أصح الوجهين أنه إذا أقام مُدَّة بذلك، لا يجب شيءٌ.
وبالجملة فهذه التفرقات كلها لمدارك فقهية كما عرفته، وإليه أشرتُ في النَّظم بقولي: (بِأَوْجُهٍ فِقْهِيَّهْ). والتسمية فيها تابعة للحُكم، بخلاف تفرقة أبي حنيفة، فإنَّ الأحكام عنده تابعة للتفرقة بَيْن حقيقتيهما، والله أعلم.
ص:
١٥٨ - مَسَائِلٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِمَا ... قَدَّمْتُهُ، أُوضِحُهَا مُقَسِّمَا
١٥٩ - أَوَّلُهَا: الْمَطْلُوبُ إنْ لَمْ يَكُنِ ... مُعَيَّنًا، فَهْوَ مُخَيَّرٌ عُنِى
١٦٠ - كَأَحَدِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَهْ ... يُطْلَبُ لَا بِعَيْنِهِ في الْخِيَرَهْ
١٦١ - فَمَوْضِعُ التَّخْيِيرِ غَيْرُ الْمُطَّلَبْ ... وَعَكْسُهُ، وَفِيهِ بَحْثٌ يُطَّلَبْ
الشرح: وَجْهُ التعلق في هذه المسائل مُبَيَن في كل منها:
الأُولى: المطلوبُ شرعًا: إمَّا فِعل مُعَيَّن (كصلاة الظهر) أو مُبْهَم مِن أمور مُعَيَّنة (كإحدى خصال الكفارة المخيرة)، لا بِعَيْنه. والأول يُسمى "المُعَيَّن"، والثاني "المُخَيَّر"، أَعَمُّ أنْ يَكون في واجب أو مندوب؛ فلذلك عَبَّرت بِـ "المطلوب"؛ ليشمل القِسمين وإنْ كان المشهور التعبير بِـ "الواجب المُخَيَّر". وكذا فيما سيأتي مِن التعيين والإبهام في جانب الفاعل (وهو "فَرْض العَيْن" و"فرض الكفاية") وفي الوقت (وهو "المُضَيَّق" و"المُوَسَّع") ينبغي أن يُعَبَّر بِـ "المطلوب" أيضًا كما عَبَّرت في النظم؛ فإنَّ المسائل الثلاث أخوات، وكُل منها
стр. 277
شامل للمندوب كما سيأتي تقريرُه. وتصوير "المندوب" في المطلوب المُخَيَّر حيث تُستحب الكفارة مَثَلًا.
واعْلَم أنَّ المراد بِـ "المعَيَّن" هو الفعل المتميز بنوعه، أمَّا بشخصه فَلَا يَكون إلا بَعْد وقوع الفعل في الخارج، ولا يُطْلَب حينئذ.
وكذا قولنا في المخَيَّر: (إنَّ المطلوب أحد أمور مُعَيَّنة)، المراد: مُعَيَّنة بالنوع محصورة؛ لِيخرج المعَيَّنة بالشخص كما تَقَدم، ويخرج نحو الرقبة المأمور بعتقها؛ فإنَّ ما يصدق عليه اسم الرقبة هو المطلوب ولا حصر له.
وما أَوْهَمه كلام البيضاوي مِن كَوْنه يَكون غير محصور بتمثيله بِـ "نَصْب أَحَد المسْتَعِدِّين للإمامة" وابنُ الحاجب بتمثيله بِـ "إعتاق واحد مِن جنس الرقبة المأمور بعتقها" - فليس بجيد، وسيأتي تحقيق هذا البحث قريبًا.
وإنما يمثَّل المخيَّر بالكفارة المخَيَّرة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية، وجزاء الصيد في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، ومثل الجبران في الزكاة في قوله ﷺ : "شاتين أو عشرين درهمًا" (١)، ومِثل الواجب في المائتين مِن الإبل أربع حقاق أو خمس بنات لبون، والتخيير بين غسل الرجلين في الوضوء لِلَابس الخفِّ بالشروط أو المسح عليه، وأمثال ذلك.
والمسألة فيها مذاهب:
أَرْجَحُها: أنَّ الواجب أحَدُ المخَيَّر فيه، لا بِعَيْنه. ونقل القاضي إجماع سلف الأمة و [أئمة الفقه] (٢) عليه، ونقله أبو حامد الأسفراييني عن مذهب الفقهاء كافَّة، وكذا قال في
стр. 278
"المحصول": إنه قول الفقهاء. وفي "الإحكام" للآمدي أنه قولهم وقول الأشاعرة.
والثاني وبه قال المعتزلة وتَبعهم قومٌ مِن الفقهاء كما نقله القاضي: الكل واجب، لا على معنى أنه يجب الإتيانُ بكلٍّ، بل على معنى أنه لا يجوز الإخلال بالجميع، فَعَلَى هذا لا خِلَاف في المعنى، بل في العبارة. إنما مَأْخذ المعتزلة أنَّ الحكْم عندهم يَتبع الحسْن والقُبح العَقْلِيَّين، فلو كان أحد الخصال واجبًا، لَزِمَ خلوُّ الباقي عن الحُسن المقْتَضِي للإيجاب؛ فيرتفع المقتضِي في كل واحدٍ واحدٍ. كذا قَرر أنَّ الخلاف لَفْظِي القاضي والشيخُ أبو إسحاق وإمامُ الحرمين وابنُ القشيري وابنُ بَرهان وابنُ السمعاني وسليمُ الرازي، وأبو الحسين البصري والإمامُ الرازي وأتباعُه.
وقال القاضي أبو الطيب: بل الخلاف مَعْنوي؛ لأنا نخطئهم في إطلاق اسم الوجوب على الجميع؛ لإجماع المسلمين على أنَّ الواجب في الكفارة المخَيَّرة أحد الأمور.
وقال الأصفهاني: (الذي يَظهر مِن كلام الغزالي وابن فورك أنه معنوي. واختاره الآمديُّ وابنُ التلمساني وغيرُهم) (١).
وقيل: تظهر فائدته فيما سيأتي في الثواب والعقاب إذَا فَعَل الجميع أو أَخَلَّ بالكل. وهو ضعيف.
والمذهب الثالث: أنَّ الواجب واحد مُعَيَّن عند الله، مُبْهَم عند المكَلَّف، لكن عَلِمَ اللهُ أنه لا يختار إلا فِعْلَ ما هو واجب عليه، فاختياره مُعَرِّفٌ أنه الواجب في حَقَّه، وحينئذ فيختلف الواجب بحسب الفاعلين.
قال في "المحصول": (إنَّ أصحابنا يَنْسبونه للمعتزلة، والمعتزلةَ إلى أصحابنا، واتفق
стр. 279
الفريقان على فساده) (١). ويُسَمَّى "قول التراجم" لذلك.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وعندي أنه لم يَقُل به أَحَد، وإنما نشأ مِن مبالغة المعتزلة في الرد علينا في إثبات تَعَلُّق الوجوب بالجميع، وأمَّا رواية أصحابنا له عن المعتزلة فلا وَجْه له؛ لمنافاته قواعدهم) (٢). انتهى
وفي ذلك كُله نَظَر؛ فإنَّ ابن القطان (مِن أصحابنا) قد حكاه عن بعض الأصوليين، فلا وَجْه لإنكاره بحثًا.
والربع: أنه مُعَيَّن عند الله، فإنْ فَعَل المكلَّفُ غيْره، كان نَفْلًا يَسْقط الواجب به.
وَرُدَّ بالاتفاق على أنه فَعَل الواجب لا بَدَلَه.
ومنهم مَن يقول: إذا اختار المكلَّفُ واحدًا، فَقَدْ عَيَّنه الله له. فيَكون قولًا خامسًا.
وَرُدَّ بأنَّ الوجوب ثابت قَبْل اختياره، وأيضًا يقتضي أنه إذا مات ولم يفعله لا هو ولا غيره أنْ لا وجوب.
ثُم على القول الأول الذي هو المرَجَّح: بماذا يتعين الواجب؟ أَبِاختيار المكلف؟ أَمْ بالفعل؟ قولان، حكى الأول ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"؛ فتصير الأقوال ستة. وحُكي قول سابع بالوقف.
وقولي: (فَمَوْضِعُ التَّخْيِيِر غَيْرُ الْمُطَّلَبْ وَعَكْسُهُ) إشارة إلى ما حرره ابن الحاجب مِن أنَّ محل الوجوب لا تخيير فيه، ومحل التخيير لا وجوب فيه، أَيْ: إنَّ متعلَّق الوجوب هو أحدها (الذي هو قَدْر مشترك بين الخصال) لا تخيير فيه؛ لأنه واحد، ومحل التخيير (وهو خصوصيات الخصال التى فيها التعدد) لا وجوب فيها.
стр. 280
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (كذا حرر بعض (١) المتأخرين معنى الإبهام، لكن عندي زيادة أخرى في التحرير، وهي أنَّ القدْر المشترك يقال على المتواطئ "كَـ: الرجُل" ولا إبهام فيه، فإنَّ حقيقته معلومة متميزة عن غيرها مِن الحقائق، وُيقال على المبْهَم مِن شيئين أو أشياء "كَـ: أَحَد الرجُلين". والفَرْق بينهما: أنَّ الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة، والثاني قصد [فيه] (٢) ذلك مع أحد الشخصين بِعَيْنه، أَيْ لا باعتبار معنى مشترك بينهما وإنْ لم يُعَين؛ ولذلك سُمِّي "مُبْهَمًا"؛ لأنه أُبهم علينا أَمْرُه. فلا يقال في الأول الذي هو نحو "أعْتِق رقبة": إنه واجبٌ مخيَّر؛ لأنه لم يَقُل أحدٌ فيه بِتَعَلُّق الحكم بخصوصياته، بخلاف الثاني فإنهم أجمعوا على تسميته "مُخَيَّرًا". ومن الأول أكثر أوامر الشريعة) (٣).
فيتعَيَّن أنَّ القَدْر المشترك في الثاني أَخَصُّ مِن القدْر المشترك في الأول، وإليه يُرْشد قولهم: "مِن أمور مُعَيَّنة". والمعنَى أنَّ النظر إليها مِن حيث تَعَيُّنها وتميُّزها مع الإبهام؛ احترازًا مِن القسم الأول.
ويؤيد ذلك ما لو باعه قفيزًا مِن صبرة (أَيْ: مجهولة الصيعان)، فيصح وتغتفر جهالة العين؛ لتساوي الأجزاء، ويَكون مِن الأول كَـ "أعْتِق رقبة"، خِلَافًا لمن زعم أنه كبيع أحد الثوبين، أَيْ: فيَكون مِن القِسم الثاني، لكنه استثني للتساوي.
أمَّا لو كانت معلومة الصيعان فإنها تنزل على الإشاعة. فإنْ فرقت الصيعان، صار التعيين والتشخيص مقصودًا؛ فيبطل. وهذا الذي هو كبيع أحد الثوبين، وهو مِن القِسم الثاني قَطْعًا.
стр. 281
فقولي: (فَمَوْضِعُ التَّخْييِر غَيْرُ الْمُطَّلَبْ) هو ما حرره ابن الحاجب، إلا أنَّ التعبير بالطلب أحسن مِن الوجوب كما قررناه.
وقولي: (وَفِيهِ بَحْثٌ يُطَّلَبْ) إشارة إلى هذا الذي قاله الشيخ تقي الدين، ولا يخفى ما فيه مِن التحقيق.
تنبيه:
محل الخلاف في صيغةٍ وَرَدَت مُرادًا بها التخيير، أو ما في معنى ورود ذلك كما سبق التمثيل به. فأمَّا نحو تخيير المستنجي بين الماء والحجر والناسك بين الإفراد والتمتع والقران ونحو ذلك - فليس مِن الواجب المخيَّر؛ لأنه لم يرد تخيير باللفظ ولا بمعناه، كالحقاق وبنات اللبون في المائتين، والغسل والمسح على الخف في الوضوء، والغالب في أكثر هذه الترجيح، وقد يستحب الجمع، كالماء والحجر.
نَعَم، في "فروق" الجويني جعل التخيير بين الماء والحجر مِن مسألة المخيَّر. وفيه نَظَر؛ لِمَا ذكرناه.
وقولنا: ([مُرادًا] (١) به التخيير) احتراز مما إذَا كان المراد أحدهما وصُوَر التخيير فيه للتهديد أو غيره، نحو: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]. كذا قِيل، وقد يُقال: لا حاجة لذلك؛ لأنَّ التهديد ليس فيه طلب، بل هو مجرد إخبار كما سيأتي في باب الأمر، والله أعلم.
стр. 282
ص:
١٦٢ - فإنْ يَكُنْ كُلًّا مَعًا قَدْ فَعَلَا ... يُثَبْ عَلَى الْأَعْلَى، وَعَكْسٌ [فَاقْبَلَا] (١)
الشرح: أَيْ إذَا أَتَى بواحد مِن المخَيَّر فَفِيه ما سبق، أمَّا إذَا أتى بالكُل أو ترك الكل، فما الذي يكون ثوابه فيها ثواب الواجب إذا كان الأمر فيها للوجوب؛ لأنَّ ذلك واحِدٌ والباقي تطوُّع كما قاله الشيخ أبو إسحاق؟ وما الذي يعاقَب عليه عند تَرْك الكُل؟ فيه مذاهب:
أحدها المختار: إنْ فَعل الكل مُرَتَّبًا، فلا يخفَى أنَّ الذي أسقط الوجوب ويثاب عليه ثواب الواجب هو الأولُ. وإنْ فَعل الكل مَعًا بأنْ [باشَر] (٢) بَعْضًا ووَكَّل في بعض أو باشر الكل أو وَكَّل في الكل حيث يمكن، وهو معنى قولي: (مَعًا). أَيْ وإنْ يَكُن المكَفِّر فَعَل كُل الخصال معًا، فـ "كُلًّا" مفعول "فَعَل"، قُدِّم عليه وعلى الظرف.
وقولي: (يُثَبْ عَلَى الْأَعْلَى) جواب الشرط، أَيْ: الحكم في هذا أنَّ حصول ثواب الواجب لِأعلاها. وإنما لم أقيده بثواب الواجب لِظهوره؛ لأنَّ أصل الثواب ليس الكلام فيه. وإنما قُلنا: استحق ثواب أعلاها؛ لأنه لا ينقصه ما انضم إليه.
وأمَّا عكسه (وهو أنْ يترك الكُل) فالعقاب بالعكس، أَيْ يَكون على أدناها؛ لأنه يجزئه لو اقتصر عليه. وقد نقل الإمام الرازي هذا عن بعضهم كالمُضَعِّف له، لكنه أظهر مما سيأتي اختياره إياه، فقد قال ابن التلمساني: إنه الجواب الحقُّ. ونقله ابن السمعاني في "القواطع" عن أصحابنا، وجزم به ابنُ بَرْهان في "الأوسط". وأمَّا تضعيف بعضهم له بأنَّ: "اللائق باختيار الأصحاب في الأصل أنَّ الذي يثابُ عليه ثواب الواجب أو يعاقبُ إنما هو
стр. 283
واحد لا بِعَيْنه" فغير واضح، ولا يُنافي كَوْن الواجب في الأصل [أحدها] (١) لا بِعَيْنه؛ لأنَّ توجيه الخطاب [بواحد] (٢) ما بحيث يسقط به الواجب مُسَلم. وأمَّا بعد الفعل واستحقاق الثواب فالثواب على المبْهَم غير معقول، وعلى المُعَيَّن منها تَحَكُّم، وترجيح الأعلى لِكَوْن الزيادة فيه لا يليق بِكَرم الله تعالى تضييعها على الفاعل مع الإمكان وقصدها بالوجوب وإنْ اقترن به آخَر.
وأمَّا في تَرْك الكُل فيعاقَب على الأدنى؛ لأنَّ الوجوب يَسقط به.
وعبارة القاضي أبي الطيب: (يأثم بمقدار عقاب أدناها، لا أنه نفس عقاب أدناها). انتهى
وهذا نظير الصلاة المعادة أنَّ الفَرْض [أَكْمَلُهما] (٣)، وقيل: أحدُهما لا بِعَيْنها، ويحتسب الله ما شاء، و [قِيل] (٤): كِلاهُما فَرْض. ولم يحكوا مثله هنا؛ لِئلَّا يوافقوا المعتزلة.
الثاني: أنه يثاب في فِعل الكل على مجموع أمور لا يجوز ترك كلها، ولا يجب فِعلها، أَيْ ثواب واجبات مخيَّرة، وهو أزيد مِن ثواب بعضها. وكذا العقاب: يعاقَب على ترك مجموع أمور كان المكلَّف مخيَّرًا بين ترك أيِّ واحدٍ منها شاء بِشَرْط فِعل الآخَر. واختار هذا الإمامُ وأتباعُه، ولا يخفَى ما فيه مِن الغموض والإبهام.
الثالث: قال القاضي: وهو قول [أصحابنا] (٥): إنه يثاب على واحدٍ مِن غير تعيين
стр. 284
للأعلى.
والرابع: نقله القاضي أيضًا لكن في الكفارة: إنه يثاب ثواب الواجب على العتق؛ لأنه أنفع وأشق على النفس.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وهذا الخلافُ شبيه بالخلاف في مسح جميع الرأس وتطويل الركوع: هل الكُل يقع واجبًا؟ أو البعض؟ ) (١).
تنبيهات
أحدها: تظهر ثمرة هذا الخلاف في مسائل:
منها: مَن مات وعليه كفارة مخيَّرة ولم يُوص بإخراجها، يجوز للوارث أنْ يعدل عن الأعلى لِغيره؛ لأنه إذا فَعل، يُجْزِئ.
ومنها: لو أوصَى بخصلة معينة وكانت قيمتها تزيد على غيرها:
فأصح الوجهين: أنَّ الزائد مِن الثلث؛ لأنَّ الاقتصار على غيره يجزئ.
والثاني: مِن رأس المال؛ لأنه لا يقع إلا واجبًا. ولكن الأول مناسب للمعاقبة - عند ترك الكل - على الأدنى. وغير ذلك أيضًا.
الثاني: وقع في "المحصول" أنه يستحب جمع خصال الكفارة المخيَّرة ونحوها.
وَرُدَّ بأنه إنْ كان مِن حيث كَوْنه كفارة، فممنوع؛ لأنَّ المطلوب واحد. وإنْ كان مِن حيث كَوْن الزائد خيرًا في الجملة، فلا اختصاص لذلك.
وشُبِّه بالمسألة إعادةُ الصلاة - لِمَن صلَّاها - لأنها عبادة، لكن يَكون على الخلاف في:
стр. 285
أَيّها الواجب؟ كما سبق.
الثالث: مِن [لطائف] (١) هذه المسألة التخيير بين الشيء وبعضه، خِلافًا لبعض الفقهاء المتأخرين، فَقدْ قال ابن الرفعة ردًّا عليه: إنه ممنوع؛ بدليل أنَّ المسافر مُخَيَّر بين إتمام الصلاة وقصرها، ومَن لا جُمعة عليه مخيَّر بين صلاة الجمعة ركعتين وبين الظهر أربعًا.
قلتُ: لا يَخفَى ضَعْفُ هذا؛ لأنَّ المقصورة ليست بعضًا مِن التامَّة، ولا الجمعة بعضًا مِن الظهر ولو قُلْنا: ظُهْرًا مقصورًا، بل كُلٌّ صلاةٌ على حيالها.
نَعَم، يَقْرُب مِن ذلك التخييرُ بين صلاة الوتر واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا إلى آخِره - على ما فيه مِن نَظَرٍ أيضًا، والله تعالى أعلم.
ص:
١٦٣ - وَرُبَّمَا التَّحْرِيمُ جَا مُخَيَّرَا ... في وَطْءِ أُخْتَيْنِ بِمِلْكٍ قَدْ يُرَى
الشرح: ما سبق في المخيَّر إنما هو في المأمور به، فهل يأتي نظيره في المنهي عنه (تحريمًا كان أو كراهة)؟ وإنْ كانت المسألة إنما نصبت واشتهرت في التحريم.
فقال أهل السُّنة: يجوز تحريم واحدٍ لا بِعَيْنه، ويَكون النهي عن واحدٍ على التخيير، حتى إنه يجوز له فِعل أحدهما دُون الآخَر - على معنى التخيير في تعيين المحرَّم منهما. وما دام لم يُعَيِّن [لا يجوز] (٢) له الإقدام على شيءٍ منهما.
وبماذا يَكون التعيين؟ يأتي الكلام عليه.
وعلى هذا فيأتي الخلاف السابق في كَوْن المحرَّم: واحدًا لا بِعَيْنه، أو الكُل، أو مُعَيَّنًا عند