← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وغيرهما: إنه يكفي التعويل في هذه الأمور كلها في هذه الأزمان على كلام أئمة الحديث كأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والدارقطني ونحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما نأخذ بقول المقَوِّمين في القِيَم، لاسيما إذا قُلنا بقول ابن الصلاح ومَن تبعه أنَّ التصحيح في زماننا فيما يُروى في الأجزاء الحديثية ونحو ذلك لا يمكن وإنْ خالفه النووي وقال: (إنه ممكن) كما سبق في محله. والله أعلم. ص: ٩٩٤ - وَلَيْسَ عِلْمُهُ الْكَلَامَ شَرْطَا ... وَلَا تَفَارِيعٌ لِفِقْهٍ ضَبْطَا ٩٩٥ - وَلَا ذُكُورَةٌ وَلَا حُرِّيَّهْ ... وَلَا عَدَالَةٌ مَعَ السَّجِيَّهْ ٩٩٦ - وَينْبَغِي الْبَحْثُ عَنِ الْمُعَارِضِ ... وَعَنْ قَرِينَةٍ لِلَفْظٍ عَارِضِ الشرح: هذه أمور أخرى ربما يُتوهم أنها شروط في المجتهد ولكنها ليست بشرط. منها: معرفته عِلم الكلام، أي: عِلم أصول الدِّين. كذا قاله الأصوليون، ولكن قال الرافعي: (إن الأصحاب عدوا مِن شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد) (١). والجمع بين الكلامين ما أشار إليه الغزالي حيث قال: (وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يُشترط معرفتها على طريق المتكلمين وبأداتهم التي يُحررونها) (٢). انتهى على أنَّ بعض المتأخرين قال: إنه لم يجد في كلام الأصحاب ذِكر اشتراط ذلك.

стр. 2207

ومنها: معرفة تفاريع الفقه لا يشترط؛ لأنَّ المجتهد هو الذي يُولدها ويتصرف فيها. فلو كان ذلك شرطًا فيه، لَلَزِمَ الدَّوْرُ؛ لأنها نتيجة الاجتهاد؛ فلا يكون الاجتهاد نتيجتها. والخلاف في ذلك منقول عن الأستاذ أبي إسحاق، فَشَرَطَ في المجتهد معْرفة الفقه. قيل: ولَعَلَّه أراد ممارسته. وإليه مال الغزالي، فقال: (إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدُّرْبة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ذلك) (١). ومنها: لا يُشترط في المجتهد أن يكون ذَكرًا ولا حُرًّا ولا عَدْلًا، بل يجوز أن يكون امرأةً ورقيقًا وفاسقًا. نعم، لا يُستفتَى الفاسق ولا يُعمل بِقَوله، بخلاف المرأة والرقيق. فالعدالة شرط في المفتي، لا في المجتهد؛ لأنَّ المفتي أَخَص، فشروطه أغلظ. أما مستور العدالة فيجوز فتواه محلى أصح الوجهين في "شرح المهذب"؛ لأنَّ العدالة الباطنة تَعْسر معرفتها محلى غير القضاة. والخلاف فيه كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين. أما الحاكم فأَخَص في [المرتبة] (٢) مِن المفتي، فيُشترط فيه زيادة محلى شروط المفتي: الحرية والذكورة؛ لِما تَضمنه الحكم مِن الإلزام. و[لذلك] (٣) يشترط أيضًا عدم الاتهام كما فُصِّل في الفقه، وأنه إنما يحكم حيث يشهد. قال الغزالي: هي شرط في اعتماد قوله، أما هو فيجتهد لنفسه ويعمل باجتهاده.

стр. 2208

وقيل: يُشترط في المجتهد العدالة حتى إذا أداه اجتهاده إلى حُكم لا يأخذ به مَن علم صِدقه بقرائن. [وقد] (١) حكى الروياني وجهين في أنه هل تجوز مباحثة الفاسق؟ وقد سبقت المسألة في كتاب الإجماع. وقال السمعاني: (يشترط أن لا يكون المجتهد متساهلًا في أمر الدِّين، فإنه إذا كان كذلك فهو لا يستقصي في النظر والدلائل؛ فلا يصل إلى المقصود). قال: (فما ذكره الأصحاب مِن أنه لا يُشترط العدالة يجوز أن يكون مرادهم ما وراء ذلك) (٢). وقولي: (وَينْبَغِي الْبَحْثُ عَنِ الْمُعَارِضِ) أي: يُشترط في المجتهد أن يبحث عن مُعارِض ذلك الحكم أو الدليل. كذا في "المحصول" وغره هنا، وقد سبق منهم في "باب التخصيص" أنه يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص، وسبق أنه يتعدى إلى كل معارِض كالبحث عن الناسخ وعن المجاز وكُل معارِض. وجوابه: أنَّ ذاك في جواز التمسك بالظاهر المجرد عن القرائن، والكلام هنا في اشتراط معرفة المعارِض بَعد ثبوته عنده بقرينة دَلَّت عليه، فيبحث عن تحقيقه. وفي معنى البحث عن المعارِض البحث عن اللفظ هل معه قرينة تُخرجه عن ظاهره؟ فإذا لم نجد قرينة، عُمِل بالظاهر. ولكن هذا في الحقيقة مِن البحث عن المعارِض؛ فلذلك اكتفيتُ به في النَّظم وإنْ كان في "جمع الجوامع" ذكر الأمرين معًا. والله أعلم.

стр. 2209

ص: ٩٩٧ - وَدُونَ ذَا: مُجْتَهِدٌ في الْمَذْهَبِ ... ذُو قُدْرَةِ التَّخْرِيجِ لِلْمُسْتَوْجِبِ ٩٩٨ - مِنَ الْوُجُوهِ، أَيْ: عَلَى نُصُوصِ ... إمَامِهِ، وَدُونَ ذَا التَّنْصِيصِ ٩٩٩ - مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا الَّذِي تَبَحَّرَا ... حَتَّى عَلَى التَّرْجِيحِ فِيهِ قَدَرَا الشرح: أي ما سبق من الشروط في الاجتهاد إنما ذلك في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرح، وقد انقطع الآن، وسيأتي في "باب التقليد" ما في ذلك من الخلاف. وأما مجتهد المذهب وهو مَن ينتحل مذهب إمام من الأئمة فلا يُعتبر فيه إلا ما سنذكره، وهو أن يعرف قواعد ذلك الذهب وأصوله ونصوص صاحب المذهب بحيث لا يشذ عنه شيء من ذلك. فإذا سُئل عن حادثة فإنْ عرف نَصًّا لصاحب الذهب فيها، أجاب به، وإلا اجتهد فيها على مذهبه وخَرَّجها على أصوله. قال ابن أبي الدم: (وهذا أيضًا منقطع في زماننا). فهذه المرتبة دُون مرتبة الاجتهاد المطلق. ومرتبة ثالثة دُون الثانية وهي مَرتبة مجتهد الفتيا، أي: الذي يسوغ له الفتيا على مذهب إمامه الذي هو مُقَلده، فلا يُشترط فيه ما يُشترط في مجتهد المذهب، بل يُعتبر فيه أن يكون متبحرًا في الذهب متمكِّنًا مِن ترجيح قولٍ علَى قولٍ. وهذا أدنى المراتب، ولم يَبْقَ بعده إلا العامي ومَن في معناه. والله تعالى أعلم.

стр. 2210

ص: ١٠٠٠ - وَجَائِزٌ تَجَزُّؤُ اجْتِهَادِ ... بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ الشرح: أي: هل يجوز أنْ ينال امرؤ مَنْصب الاجتهاد في بعض المسائل دُون بعض فيحصل له [شيئًا] (١) هو مناط الاجتهاد فيها؟ الأكثرون على أن ذلك جائز؛ إذْ لو لم يتجزأ لَزِمَ أن يكون عالِمًا بجميع الجزئيات وهو محُال. وقد سُئل كل مِن الأئمة الأربعة عن مسائل فأجاب بأنه لا يَدري كما ذكرنا ذلك عن مالك في أول الكتاب في تعريف "الفقه". وأجيب عن قول الأئمة ذلك بأنَّ العلم بجميع المآخِذ لا يوجِب العلم بجميع الأحكام، بل قد يجهل البعض؛ لِتَعارض الأدلة فيه، وبالعجز عن [المبالغة] (٢) في الحال إما لمانع يُشَوِّش الفِكر أو نحو ذلك. وأما النافي لجواز التجزؤ فاستدل بأنَّ كل ما يُفْرض أن يكون قد جَهِله يجوز تَعلُّقه بما يُفرض أنه يجتهد فيه. وأجيب: بأنَّ الفَرْض أنَّ ما يحتاج إليه في تلك المسألة كُله موجود في ظنه. وليس في كلام ابن الحاجب ترجيح [شيء] (٣) من الأمرين إذْ ذكر استدلال كل منهما وأجاب عنه. واعلم أن عبارة الرافعي في المسألة: (يجوز أن يكون للعالم منصب الاجتهاد في باب دُون باب، فالناظر في مسألة "المشتركة" يكفيه مَعرفة أصول الفرائض، ولا يضره أن لا

стр. 2211

يَعرف الأخبار الواردة في تحريم المسْكِر مَثلًا) (١). انتهى وهو يُفهم أن الخلاف في المسألة فيما إذ عرف بابًا دُون باب، أما مسألة دُون مسألة فلا يتجزأ قَطْعًا؛ لشدة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض وتَباعُد ارتباط مسائل بابَيْن مختلفين. وقد يقال: الظاهر أن الخلاف جارٍ مطلقًا، إلا أنه لَمَّا كان في البابين أقوى مِن الباب الواحد تَعَرَّض الرافعي لذلك فيه. تنبيه: قال بعض علمائنا: الاجتهاد على ثلاثة أقسام: فرض عين، وفرض كفاية، ومندوب. الأول ضربان: اجتهاده في حَق نفسه عند نزول الحادثة به، واجتهاده فيما تَعَيَّن عليه الحكم فيه. فإنْ ضاق فرض الحادثة، كان على الفور، وإلا فَعَلَى التراخي. والثاني ضربان أيضًا: أحدهما: إذا نزلت نازلة والمفتون متعددون فسُئلوا عنها، فإنْ أجاب واحد، سقط الفرض عن الباقين وإلا أَثِمَ الكل. نعم، يشْكل هنا شيء وهو أن أصحابنا حكوا وجهين فيما إذا كان هناك مُفْتٍ غير الذي سُئل الإفتاء في مسألة، هل يأثم بالرد؟ أوْ لا؟ أصحهما: لا. وحكوا وجهين فيما إذا كان في الواقعة شهود يحصل الغرضُ ببعضهم، أصحهما: وجوب الإجابة عند طلب الأداء منه، فَيَتَعَيَّن الفَرْض بالطلب. قلتُ: ولَعَلَّ الفَرق أنَّ الفتوى تحتاج إلى نظر وفِكر، والمشَوِّشات كثيرة، بخلاف الشهود، فإنه لا يُحتاج فيهم إلى ذلك، وأمر الافتاء عظيم.

стр. 2212

قال النووي في "شرح المهذب": (روينا عن السلف وفضلاء الخلف في التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة، منها: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيَرُدها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع للأول. وفي رواية: ولا يستفتى عن شيء إلا وَدَّ أنَّ أخاه كَفاه. وعن عطاء بن السائب: أدركتُ أقوامًا يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم فيه وهو يرْعَد). ثانيهما: إنْ تَردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر، فيكون فَرْض الاجتهاد مشتركًا بينهما. فأيهما تَفَرَّد بالحكم فيه، سقط فَرْضُه عنهما. والثالث أيضًا ضربان: ما يجتهد فيه العالم مِن غير النوازل؛ لِيَعلم حُكمه قبل أن يقع، وما يُسأل فيه عن حُكم حادثة قبل نزولها. والله أعلم. فروع: ١٠٠١ - يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَا ... وَهْوَ مُصِيبٌ، لَيْسَ يُخْطِي أَبَدَا ١٠٥٢ - وَوَاقِعٌ هَذَا كَمَا قَدْ أُثِرَا ... وَغَيْرِهِ في عَصْرِهِ مِنْ أُمَرَا ١٥٠٣ - وَغَيْرِهِمْ في بُعْدٍ اوْ في قُرْبِ ... وَرُوِيَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَا الضَّرْبِ الشرح: هذه فروع مَبنية على ما سبق في معنى الاجتهاد وشروطه. أحدها: هل كان نبينا محمد ﷺ متعبدًا بالاجتهاد؟ والكلام فيه في أمرين: أحدهما: هل يجوز ذلك؟ أو لا؟ والثاني: هل وقع؟ أو لا؟ الأول: فيه مذاهب:

стр. 2213

أصحها وهو قول الجمهور وعليه الشافعي وأكثر الأصحاب وأحمد والقاضي أبو يوسف وعبد الجبار وأبو الحسين: الجواز. وهو مقتضَى كلام الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي. قال ابن الحاجب: إنه المختار. وقال الواحدي في "البسيط": إنه مذهب الشافعي. وعداه إلى سائر الأنبياء. قال: ولا حُجة للمانع في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [يونس: ١٥]؛ فإنَّ القياسَ على النصوص بالوحي اتِّباعٌ للوحي. الثاني: وهو قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم: امتناع ذلك. وظاهره أنه امتناع شرعي. وشذ قوم فقالوا: يمتنع عقلًا. وحكاه القاضي كما في "التلخيص" لإمام الحرمين. والثالث: حكاه في "المحصول": إنه يجوز فيما يتعلق بالحروب دُون غيرها. الرابع: ونقله في "المحصول" أيضًا عن أكثر المحققين: التوقف في الأقوال الثلاثة. دليل المرجَّح: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وهو مِن أعظم الناس بصيرة، بل هو سيد أُولي الأبصار؛ فيكون مأمورًا بالقياس. وأيضًا: فالعمل بالاجتهاد أَشَق على النفس لأجْل بذل الوسع؛ فيكون أكثر ثوابًا، فلا يكون ذلك حاصلًا لبعض الأُمة وهو ﷺ لا يحصل له. ولا حُجة للمانع في نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤ - ٣]؛ لأنه إذا كان مأمورًا به، لم يكن هوى ولم يخرج عن كونه وَحيًا. وسبق عن الواحدي أنه قال: لا حُجة للمانع في: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [يونس: ١٥]. وأما تأخيره في الوقائع الجواب أو الحكم انتظارًا للوحي فلا دليل فيه أيضًا على المنع؛ لجواز أن يكون ذلك حتى ييأس مِن النص المغْني عن الاجتهاد لا لامتناع الاجتهاد، أو حتى يجد نضًّا يقيس عليه، أو أنَّ الأمر فيه فسحة وغيره أَهم منه، أو نحو ذلك.

стр. 2214

الثاني: وهو الوقوع: فيه أيضًا مذاهب: أصحها: أنه وقع. واختاره الآمدي وابن الحاجب، وهو مقتفَى كلام الإمام الرازي وأتباعه في الاستدلال بالوقائع. وقولي: (وَهْوَ مُصِيبٌ، لَيْسَ يُخْطِي أَبَدَا) إشارة إلى أن مَن يقول بأنه ﷺ يجوز أن يتعبد بالاجتهاد قال أكثرهم: إذا اجتهد، يكون دائمًا مصيبًا، وليس كغيره في أنه تارةً يصيب في نفس الأمر وتارةً يخطئ، بل اجتهاده لا يخطئ أبدًا؛ لِعصمته. وقال قوم: يجوز أن يخطئ ولكن لا يُقَر عليه. وإليه يشير قول ابن الحاجب: (لا يُقر على خطأ). لكن الحق الذي نعتقده أنه لا يقع خطأ ألبَتَّة، فإنَّ كَوْنه يقع خطأ يُضاد منصب النبوة أيضًا، ويكون بعض المجتهدين -وهو المصِيب- أَكْمَل في حال إصابته مِن النبي، وهو محُال. تنبيهات الأول: قال الغزالي: يجوز القياس على الفرع الذي قاسه النبي ﷺ وعلى كل فرع أجمعت الأُمَّة على إلحاقه بأصل. قال: لأنه صار أصلًا بالنص أو بالإجماع، فلا ينظر إلى مَآخِذهم. وقد سبق بيان ذلك أول أركان القياس. الثاني: نبينا ﷺ يتصرف بالفتيا والتبليغ والقضاء والإمامة. وزعم القرافي أن محل الخلاف السابق في الفتاوى وأنَّ القضاء يجوز الاجتهاد فيه بلا نزاع.

стр. 2215

ومثاله في القضاء ما رواه أبو داود من حديث أبي (١) سلمة: "أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، فقال: إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علَيَّ فيه" (٢). وله ﷺ أيضًا (مع منصب النبوة الذي أوتيه حين نزلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآية ومنصب الرسالة الذي أوتيه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٤ - ٣] ومع التصرفات السابقة) منصب الإمامة العظمى التي هي الرئاسة التامة والزعامة العامة الشاملة للخاصة والعامة بتدبير مصالح الخلائق وضبطها بدرء المفاسد وجلب المصالح إلى غير ذلك. وهذا أَعَم مِن منصب الحاكم؛ لأن الحاكم مِن حيث هو حاكم ليس له إلا فَصْل الخصومات وإنشاء الإلزام بما يَحكم به. وأَعَم مِن منصب الفتوى؛ فإنها مجرد الإخبار عن حُكم الله تعالى، وأما الرسالة والنبوة مِن حيث هُما فلا يستلزمان ذلك؛ لأنَّ النبوة [وَحْي بخاصة المُوحَى] (٣) إليه، والرسالة تبليغ عن الله تعالى، فهي مناصب جمعها النبي ﷺ ، آثارها مختلفة. فإقامة الحدود وترتيب الجيوش وغير ذلك مِن منصب الإمامة، وليس لأحد بعده إلا لمن يكون إمامًا. والحكم والإلزام وفسخ العقود ونحو ذلك مِن منصب القضاء، وتبليغه الأحكام وغيرها من منصب الرسالة. والإخبار بأنَّ ذلك حُكم الله تعالى مِن منصب الفتيا الذي هو مِن جملة الرسالة، وما بَيْنه وبين ربه من أنواع العبادات لاسيما الخاصة به مِن

стр. 2216

منصب النبوة. فإذا تَصرف وعُلِم مِن أي المناصب هو فأمره واضح، وإنْ شك فيطلب الترجيح بدليل مِن خارج. وقد وقع الخلاف بين الأئمة في أمور؛ لما ذكرناه مِن التردد: منها: قوله ﷺ : "مَن أَحْيَا أَرْضًا مَيته فَهِيَ له" (١). قال أبو حنيفة: هذا تَصرُّف منه بالإمامة؛ فلا يجوز لأحد أنْ يُحصي بدون إذْن الإمام. وقال الشافعي: بالفتوى؛ لأنه الأغلب مِن تصرفاته؛ فلا يتوقف الإحياء على إذْن الإمام. ومنها: قوله ﷺ لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان: "خُذي مِن ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف" (٢). قال الشافعي: هذا تَصرف بالفتيا، فمَن ظفر بجنس حَقِّه أو بغير جنسه عند التعذر، جاز أن يستوفي منه حَقَّه. وقال مالك: هو تَصرف بالقضاء. وجعل بعضهم هذا أصلًا للقضاء على الغائب. وضُعِّف بأنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلد غير ممتنع مِن الحضور. واستنبط القاضي حسين مِن كونه قضاء أنه يجوز أن يسمع لأحد الخصمين دُون الآخَر.

стр. 2217

واستنبط الرافعي مِن كونه فتيا أنَّ المرأة يجوز أن تخرج لتستفتي. وفيه نظر؛ لأنها خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النساء لما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: ١٢]، ومنها قوله ﷺ : "مَن قتل قتيلًا فله سلبه" (١). قيل: تَصرف بالإمامة؛ فلا يختص قاتل بسلب إلا بإذْن الإمام. وقال الشافعي: تَصرف بالفتيا. الثالث: من أمثلة اجتهاده ﷺ : حديث جابر في مسلم: "لو أني استقبلتُ مِن أمري ما استدبرت لم أسق الهدى" (٢). وقوله ﷺ لما قالت أخت النضر: ما كان ضَرك لو مَنَنْتَ وربما ... مَنَّ الفتى وهو المغِيظُ المحنقُ "لو سمعت ذلك قبل أنْ أقتله ما قتلتُه" (٣). وغير ذلك. واستُدل له أيضًا بنحو: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] الآية، وبقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: بما أراكَه الله. أي: جعله لك رأيًا. وغير ذلك. وقولي: (وَغَيْرهِ في عَصْرِهِ) إلى آخِره -انتقال إلى مسألة اجتهاد غَيْر النبي ﷺ في عصره.

стр. 2218

والكلام فيها أيضًا في أمرين: في الجواز، وفي الوقوع. أما الأول ففيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقًا. وهو قول الأكثرين، منهم الإمام الرازي وأتباعه، واختاره ابن الحاجب وغيره. الثاني: المنع مطلقًا وإنْ كان النَّص لا يُضاد الاجتهاد، إنما المضاد له القول بخلافه مِن غَيْر أنْ يُؤَوَّل بدليل. الثالث: إنْ وَرَدَ الإذن بذلك، جاز وإلا فلا. والربا: إنْ ورَدَ إذْن صريح أو سكوت، جاز وإلا فلا. والخامس: يجوز للغائبين عنه ﷺ (لِتَعَذُّر سؤاله) دُون الحاضرين (لإمكانه)، فهو قدرة على النص. والغائب لو أخَّر الحادثة إلى لقائه لَفاتَت المصلحة. بل حكى الأستاذ أبو منصور الإجماع على الجواز للغائب. والسادس: إنْ كان الغائب قاضيًا كعَلي ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن، جاز له، بخلاف الحاضر والغائب إذا لم يكن قاضيًا. حكاه الغزالي والآمدي. قال الإمام: وهذه المسألة قليلة الفائدة في الفقه. واعترضه الشيخ صدر الدين ابن الوكيل بأن في الفقه ما ينبني عليها، كما لو شك في نجاسة أحد الإناءين ومعه طهور بيقين غيرهما، ففي جواز الاجتهاد وجهان، أصحهما: نعم. وهو قول من يُجَوِّز الاجتهاد في زمنه. وكذلك إذا غاب عن القِبلة فإنه لا يعتمد على خبر مَن أخبره عن عِلم ولا عن اجتهاد إلا إذا لم يَقْدر على معرفة القِبلة يقينًا. وكذلك حكى الأصحاب وجهين في المصلِّي إذا استقبل حجر الكعبة وحده، وقالوا

стр. 2219

الأصح: المنع؛ لأنَّ كونه مِن البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه، فلا يجوز العدول عن اليقين إليه. قيل: وفي تفريع ذلك نظر. وأما الثاني: وهو الوقوع ففيه أيضًا مذاهب: أحدها وهو الأرجح: أنه وقع. وإليه الإشارة بقولي: (وَرُوِيَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَا الضَّرْبِ). ففي حديث معاذ أنه قال: "أجتهد رأي" (١). وصَوَّبه النبي ﷺ ، فلو لم يَجُز لَمَا صَوَّبَه. هذا في الغائب. وأيضًا فموافقات عمر بن الخطاب ﵁ كلها شاهدة بذلك، و [هذه] (٢) في الحاضرين. ومن ذلك أيضًا قول الصديق ﵁ لأبي قتادة حين قَتل رجلًا مِن المشركين فأخذ غَيْرُه سَلبَه: "لاها الله (٣)، إذًا لا تَعْمد إلى أسَد مِن أُسْد اللهِ يقاتِل عن الله ورسوله فيعطيك سَلبَه". فقال رسول الله ﷺ : "صَدَق" (٤). فالصديق ﵁ إنما قال ذلك اجتهادًا وإلا لَأَسْنَدَه إلى النص؛ لأنه أَدْعَى إلى الانقياد، وقرره النبي ﷺ على ذلك. فماذا جاز في الحاضر ففي الغائب أَوْلى. ومَن منع هذا قال: هذه أخبار آحاد، والمسألة علمية. نعم، زَعْم القاضي -ثُم إمام الحرمين ثُم الغزالي- أنَّ "حديث معاذ مشهور قَبِلَتْهُ

стр. 2220

الأُمَّة" لا يخلو من نظر كما ذكرناه في "باب القياس"، فراجعه. والمذهب الثاني: مَنعْ أنه وقع؛ إذ لو وقع لاشتهر. وجوابه ما سبق. والثالث: أنه لم يقع في الحضور. وسبق رَدُّه. والرابع: الوقف. واختاره البيضاوي ونَسَبَه للأكثرين. والخامس: الوقف في حق الحاضرين، وأما الغائبون فالظاهر وقوع تَعبُّدهم به ولا قَطْع. وبالجملة فالأدلة متعارضة في هذه المسألة، والأرجح الوقوع كما بيناه. والله أعلم. ص: ١٠٠٤ - ثُمَّ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ في الْعَقليْ ... قَطْعًا، وَمَنْ يُخْطِئُ في ذَا الْأَصْلِ ١٠٠٥ فَمُنْكِرُ الْإسْلَامِ مِنْهُمْ كَافِرُ وَغَيْرُهُ عَاصٍ إذَا يُجَاوِرُ الشرح: هذه المسألة من أحكام الاجتهاد في أنَّ كل مجتهد مُصِيب؟ أو المصيب واحد فقط؟ ولهما قسمان: أحدهما: أن يكون حُكمًا عقليًّا. والثاني: أنْ لا يكون عقليًّا. فأما الأول: وهو الأمور العقلية فالمصيب فيها واحد قطعًا؛ لأنه لا سبيل إلى أنَّ كُلًّا من نقيضين أو ضدين حَقٌّ، بل أحدهما فقط، والآخَر باطل. ومَن لم يصادف ذلك الواحد في

стр. 2221

الواقع فهو ضال آثم وإنْ بالغ في النظر. وسواء أكان مدْرك ذلك [عقلًا] (١) محضًا (كحدث العالم ووجود الصانع) أو شرعيًّا مستندًا إلى ثبوت أمر عقلي (كعذاب القبر والصراط والميزان). وهذا معنى قولي: (في الْعَقليْ قَطْعًا)، أي: في الأمر العقلي، ولكن خففت "ياء" النسب منه؛ لضرورة النَّظم. وقولي: (وَمَنْ يُخْطِئُ في ذَا الْأَصْلِ) أي: في هذا الأصل الذي قررناه وهو أن المصيب واحد في العقليات، فيخطئ فيه بعدم إصابة ذلك الواحد. فلا يخلو إما أن يكون ذلك في إنكار الإسلام (كاليهود والنصارى) إذا قال: أدَّاني اجتهادي إلى إنكاره، فهذا ضال كافر عاصٍ لله ولرسوله. وإن كان في غير ذلك من العقائد الدينية الزائدة على أصل الاسلام فهذا عاص. ومن هذا تفرقت المبتدعة فِرَقًا مقابِلة لِطريق السُّنة، وفيهم قال النبي ﷺ : "تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فِرقة، فرقة ناجية والباقي في النار" (٢). وجَرَى الخلاف بين العلماء في تكفير المبتدعة، والأكثر على أنه لا يكفر أحد مِن أهل القِبلة. هذا الذي قررناه هو مذهب الحق. ونُقل عن الجاحظ والعنبري أن المخطئ في العقليات لا يأثم في خَطَئِه. ثم منهم مَن

стр. 2222

أطلق النقل عنهما بما يشمل الكفار وغيرهم، ومنهم مَن قال: إنهما قالا ذلك بشرط إسلام المجتهد. وهذا هو اللائق بهما. وفي "مختصر التقريب" للقاضي أن ذلك أشهر الروايتين عن [العنبري] (١). ونقل ابن قتيبة عنه أنه سئل عن أهل القدر وأهل الجبر فقال: إنَّ كُلًّا منهما مصيب؛ لأنَّ هؤلاء قوم عظَّموا الله، وهؤلاء قوم نَزَّهوا الله. وقال إلْكِيَا: إنَّ العنبري كان يذهب إلى أنَّ المصيب في العقليات واحد، ولكن ما تعلق بتصديق الرسل وإثبات حدث العالم وإثبات الصانع فالمخطئ فيه غير معذور، وأما ما يتعلق بالقدر والجبر وإثبات الجهة ونفيها فالمخطئ فيه معذور وإنْ كان مبطلًا في اعتقاده بعد الموافقة في تصديق الرسل والتزام الملة. وبَنَى على ذلك أن الخلق ما كُلِّفُوا إلا اعتقاد تعظيم الله وتنزيهه مِن وجه؛ ولذلك لم تبحث الصحابة ﵃ عن معنى الألفاظ الموهمة للتشبيه؛ عِلْمًا منهم بأنَّ اعتقادها لا يَجُر حرجا. واعْلَم أنه يلتحق بهذا القسم ما لم يكن عقليًّا ولكن دليله قاطع، فإن المصيب فيها واحد بالإجماع كما سأذكره مِن بَعد وإنْ لم أصرح بالمسألة في النَّظم؛ لاندراجها في العقلي؛ لأنَّا قد قلنا: إنَّ العقلي أَعَم مِن أنْ يكون محضًا أو شرعيًّا مستندًا إلى أصلٍ دليله [العقل] (٢). فغاية الذي لا يكون عقليًّا وفِيه قاطع أنْ يعود إلى شرعي مستنِد لأصلٍ ثابتٍ بالعقل. قولي: (إذَا يُجَاوِرُ) أي: يجاور العدول عن الحق. والله أعلم.

стр. 2223

ص: ١٥٥٦ - وَغَيْرُ عَقليٍّ كَذَاكَ وَاحِدُ ... وَمُخْطِئٌ لِلْإثْمِ فِيهِ فَاقِدُ ١٥٥٧ - بَلْ ذَالَهُ أَجْرٌ عَلَى نِيَّتهِ ... مَا لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا بِنَعْتِهِ الشرح: هذا هو القسم الثاني، أي: غير العقلي، وهي المسائل التي ليست أصلًا من أصول الشرح المجمَع عليها وليس فيها دليلٌ قاطعٌ. فهذا فيه مذاهب: أحدها: وبه قال الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج: أنَّ كل مجتهد مصيب. ثم اختلفوا، فقال الأشعري والقاضي: حُكم الله تاج لِظَن المجتهد، فكُل ما ظنه هو حُكم الله في حَقِّه. وقال الثلاثة الآخرون على ما هو الأَشْهَر عن ابن سريج: إنَّ في كلِّ حادثةٍ ما لو حَكم الله لم يحكم إلا به. وربما عبَّروا عن ذلك بانَّ المجتهد في ذلك مخطئ في الانتهاء، لا في الابتداء. الثاني: قول الجمهور وهو الراجح: المصيب واحد. وقال ابن السمعاني في "القواطع": (إنه ظاهر مذهب الشافعي، ومَن حَكى عنه غيره فقد أخطأ) (١). ولله تعالى في كل واقعة حُكم سابق على اجتهاد المجتهدين وفِكر الناظرين.

стр. 2224

ثم اختلف هؤلاء: أيجعل عليه دليل؟ أَم هو كدفين يصيبه مَن شاء الله ويخطِئه مَن شاءه؟ والصحيح أن عليه أمارة. ثم اختلف القائلون بأنَّ عليه أمارة أنَّ المجتهد هل هو مكلَّف بإصابة الحق؟ أو لا؛ لأنَّ ذلك ليس في وسعه؟ الصحيح الأول. ثم اختلفوا أيضًا في ما إذا أخطأ الحقَّ، هل يأثم؟ والصحيح: لا يأثم، بل له أجر على ما قال ﷺ . ثم الأجر هو على بذل الوسع (على المختار)، لا على نفس الخطأ؛ لعدم مناسبته؛ ولأنه ليس مِن صنيعه. أما إذا أصاب فله أجران: - أحدهما على بذله الوسع، وهذا كما في المخطئ. - والثاني: يحتمل أن يقال: على نفس الصواب؛ لأنه وإنْ لم يكن مِن [صنيعه] (١) لكنه مِن آثار [صنيعه] (٢). ويحتمل أن ذلك لكونه سَن سنُّة حسنة يقتدي بها مَن يَتبعه مِن المقلِّدين. ومن هنا يقال: المخطئ لا يُؤجَر على اتِّباع المقلِّدين له، بخلاف المصيب؛ لأنَّ مُقلِّد المصيب قد اهتدى به؛ لأنه صادف الهدى، وهو كما قال: "ولأنْ يهدي بك الله واحدًا خير لك مِن حمر النعم" (٣).

стр. 2225

بخلاف المخطئ؛ فإنَّ مقلِّده لم يحصل على شيء، غاية الأمر سقوط الحق عنه باعتبار ظنه، أما حصول ثواب زائد ففيه نظر. واعلم أنه مما استُدل به على أنه ليس كلُّ مجتهدٍ مصيبًا أنه إنْ كان القائل بذلك مصيبًا فقد صحت مقالته هذه؛ لمطابقة خبره مُخْبره. وإنْ كان مخطئا فقد اختلت كلية دعواه به نفسه، فليس كلُّ مجُتهدٍ مصيبًا. تنبيهان الأول: سبق أنه يلحق بالقسم الأول في أنَّ المصيب واحد إذا كان هناك قاطع قطعًا، وأَغْربَ مَن حَكى فيه الخلاف السابق فيما لا قاطع فيه. نعم، إذا أخطأه، يُنْظَر: فإنْ كان لم يقصر وبذل المجهود في طَلَبه ولكن تَعذَّر عليه الوصول إليه، هل يأثم؟ فيه مذهبان: أصحهما: المنع. ومقابِله هو قول مَن يقول فيما لا قاطع فيه: (يأثم)، وقول بعض مَن قال هناك: (لا يأثم). فلذلك كان القول هنا بأنه يأثم أقوى مِن القول هناك بأنه يأثم. وقال الغزالي: (النص -قبل أنْ يبلغ المجتهد- ليس حُكمًا في حقه؛ فليس مخطئًا حقيقة؛ ولهذا لا نقول في أهل قُباء في صلاتهم لبيت المقدس قَبل أنْ يبلغهم الخبر بتحويل القبلة: إنهم مخطئون؛ إذْ ذاك ليس حُكمًا في حقهم قبل بلوغه؛ لعدم تقصيرهم). ثم قال الغزالي: (وإذا ثبت هذا في مسألة فيها نَص، فالتي لا نَص فيها كيف يُتصور

стр. 2226

خطأ المجتهد فيها؟ ! ) (١). أما المقصِّر في اجتهاده [فآثِم] (٢) مطلقًا، سواء فيما فيه قاطع وغيره. وقال ابن الحاجب: آثم مخطئ. فإنْ أرادبِ "مخطئ" الخطأ في الحكم، فلَسْنَا على يقين مِن ذلك؛ إذ يحتمل أنه أصاب. وإنْ أراد في نفس الاجتهاد، فليس الكلام فيه. الثاني: قال ابن عبد السلام: مَن قال: "كل مجتهد مصيب" شرط فيه أن لا يكون مذهب الخصم مستندًا إلى دليل ينقض الحكم [المسند] (٣) إليه. والله أعلم. ص: ١٥٥٨ - فَآثِمٌ، وَالِاجْتِهَادُ يَمْتَنِعْ ... نَقْضٌ لِحُكْمِهِ، وَلَكِنْ يَرْتَفِعْ ١٠٥٩ - إنْ خَالَفَ النَّصَّ أَوِ الْجَلِيَّا ... مِنْ ظَاهِرٍ وَلَوْ قِيَاسًا هَيَّا ١٥١٠ - وَنَحْوُ ذَا أَنْ يَحْكُمَ الْمُقَلِّدُ ... بِغَيْرِ نَصِّ مَنْ لَهُ يُقَلِّدُ الشرح: قولي: (فآثم) من تتمة الذي قبله، وقد سبق شرحه. وقولي: (والاجتهاد يمتنع) فالإشارة به إلى حكم الاجتهاد في نقضه والنقض به. وحاصله أنه يمتنع نقض حكم الاجتهاد بتغيره باجتهاد آخَر، سواء أكان من المجتهد

стр. 2227

الأول أو من غيره. قال ابن الحاجب: (باتفاق). لِمَا يلزم على نقضه مِن التسلسل، إذ لو جاز النقض لجاز نقض النقض، وهكذا؛ فتفوت مصلحة نَصْب الحاكم وهي قَطْع المنازعة؛ لعدم الوثوق حينئذٍ بالحكم. وهو معنى قول الفقهاء في الفروع: لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد. نعم، إذا خالف الحكم الناشئ عن الاجتهاد قاطعًا مِن نَص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع، قال أصحابنا: أو ظنًّا محُكمًا بخبر الواحد أو القياس الجلي أو مفهوم الموافقة بالأَوْلى. وهو معنى قولي: (مِنْ ظَاهِرٍ وَلَوْ قِيَاسًا هَيَّا) أي: هيأه المجتهد وأَحْكَم نَظْمه. فحذفت " الهمزة " من آخِره؛ للضرورة. فإذا كان كذلك، ارتفع حُكم الاجتهاد. وبعضهم يُعبر عن ذلك بِ "نقضه" وهو مجَاز؛ لأنه قد تبيَّن أنْ لا حُكم، بل ولا ارتفاع؛ لأنه فرَعْ الثبوت، إلا أنْ يراد ارتفاع ظن الحكم. ونحوه في الفروع أن يحكم بِبَيِّنة الخارج، فإذا أقام الداخل بَيِّنة، غيّر ذلك الحكم وحكم للداخل؛ لأنَّ الظن فيه أرجح. نعم، في النقض به خلاف: فمَن نفى قال: لأنَّ الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد. ومَن نقض قال: لأنه راجح لو كان موجودًا [وإلا] (١) لَمَا كان يحكم به. فما قدمناه من الأصل يُفرع عليه ذلك. ومن ذلك ما وقع للصحابة ﵃ في قولهم بخلاف ما كانوا يقولون به أولًا. فروي عن عمر أنه كان يفاضل بين الأصابع في الدية؛ لتفاوت منافعها، فنقض حُكمه

стр. 2228

لما روي له الخبر في التسوية. وأنَّ عَلِيًّا نقض قضاء شريح بأنَّ شهادة المولى لا تقبل؛ بالقياس الجلي، وهو أن ابن العم تُقبل شهادته، وهو أقرب من المولى. وغير ذلك، وهذا بخلاف القسم السابق الذي لا نقض فيه. نعم، قد يتردد شيء بين القسمين، فيتردد النظر فيها: هل ينقض؟ أو لا؟ كما في القضاء بصحة نكاح امرأة المفقود، وقضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا، وذكاة الجنين، والمثقل، والمسلم بالكافر وغير ذلك من الصور المذكورة في الفقه. وضبط الغزالي ما يُنقض به وما لا يُنقض، فقال: إذا لم ينقدح في نفسه إمكان الصواب انقداحًا له وَقْع ما، فله النقض، وذلك في النصوص لِصحة موردها وصراحة لفظها أو بُعْدها عن قبول التأويل، وفي الأقيسة لوضوحها وموافقتها للأصول. وإذا لم يكن كذلك وتَفاوَت النظران، فلا نقض. ويختلف الحال في ذلك بالمجتهدين وآحاد الأدلة. تنبيهان الأول: محل كون النص يُبْطل حُكم الاجتهاد السابق ما إذا كان موجودًا قبل الاجتهاد ولكن لم يظهر إلا بَعْده. فإنْ كان النص حادثًا بعد الاجتهاد ويُتصور هذا في عصر النبي ﷺ فالحكم بالاجتهاد السابق نافذ. قاله الماوردي في "باب التيمم" من "الحاوي". ونحوه في الفروع: أنْ يباع مال اليتيم -مثلًا- بقيمته؛ للحاجة، ويحكَم بصحة البيع، ثم تغلو الأسعار بعد ذلك؛ فتصير قيمته أكثر، فلا اعتبار بما عرض. والأول صحيح لا يُنقض. وكذا لو أوجر الوقف بأجرة مثله ثم حصلت زيادة برغبة راغب أو نحوها. الثاني: قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في "القواعد": (لو اجتهد ثُم بان خِلاف ظنه، فإنْ تَبين بظن يساويه أو ترجَّح عليه أدنى رجحان: فإنْ تَعلق به حُكم، لم يُنقض، وبَنَى

стр. 2229

على اجتهاده الثاني فيما عدا الأحكام المبنية على الاجتهاد الأول. وإنْ لم يتعلق به حُكم، بَنَى على ما أدى إليه اجتهاده ثانيًا إلا أن يستوي الظنان، فيجب التوقف -على الأصح) (١). قولي: (وَنَحْوُ ذَا أَنْ يَحْكُمَ الْمُقَلِّدُ) البيت -المراد به أنَّ ما سبق في الاجتهاد يأتي نظيره في المقلِّد، فليس للمقلد أنْ يحكم بخلاف مذهب إمامه كما أن المجتهد ليس له أن يحكم بغير اجتهاده، سواء [حكم] (٢) بخلاف ما أدى إليه اجتهاده أو لم يجتهد أصلًا. فإذا حَكم المقلِّد بخلاف قول إمامه، انبنى على أنه هل يجوز له تقليد غيره؟ فإنْ منعنا فينقض، درإنْ جوزنا فلا. كذا قاله ابن الحاجب وغيره. لكن قال الغزالي: إنَّا إذا منعنا مَن قَلَّد إمامًا أنْ يُقَلِّد غيره وفَعل وحَكم بقوله، فينبغي أنْ لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه في ظنه أن إمامه أرجح. ونقله عنه الرافعي، إلا أنه حذف لفظة: "ينبغي"؛ فأَوْهَم أنه منقول، لا بحث. ثم اختصره النووي في "الروضة"، فحذف التعليل؛ فأَوْهَم أنَّ المسألة فيمن قلد غير إمامه سواء أكان لدليل ساقه بحيث ظن أنَّ الحقَّ مع غيره في تلك المسألة أوْ لا بل لمجرد صده عن إمامه. وإنما هي في الثاني؛ لأنَّ الأول لا يقال فيه: إنَّ في ظنه أن إمامه أرجح. فبحذف التعليل أَوْهَم التعليل. وجرى على ذلك في "جمع الجوامع" بزيادة التصريح بكونه غير مقلد؛ فصار واهمًا ثلاثة أوهام. تنبيه: إذا قلنا بنقض الاجتهاد، فالنظر فيه حينئذٍ في أمرين:

стр. 2230

أحدهما: فيما يتعلق بنفسه. والثاني: فيما يتعلق بغيره. أما الأول: فإذا أدى اجتهاده إلى حُكم في حق نفسه ثم تَغير اجتهاده كما إذا أدى اجتهاده إلى صحة النكاح بلا ولي ثم تغير فرأى أنه باطل، فالمختار عند ابن الحاجب التحريم مطلقًا. وحكاه الرافعي عن الغزالي ولم ينقل غيره. الثاني: أنه إنْ لم يتصل به حُكم، حرم، وإنِ اتصل، لم يحرم؛ لئلَّا يَلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد. وهو ما جزم به البيضاوي والهندي. أما لو نكحها مجتهد حنفي بغير ولي ثم زوَّجها وليها ثانيًا بشافعي، فقال القاضي أبو بكر: إن ذلك مما تمسك به القائلون بأنَّ المصيب واحد. قال: فالمرأة مترددة بين دعواهما، وهُما مجتهدان. قال: فيقال في جواب ذلك: إنَّ الأمر موقوف حتى يُرفع الأمر إلى القاضي، فينزلهما على اعتقاد نفسه، فيكون حُكم الله تعالى هو الوقف حتى يُرفع للقاضي. قال: ومنهم مَن قال: تُسَلم المرأة إلى الزوج الأول؛ فإنه نكحها نكاحًا يعتقد صحته، وهو السابق به، فلا يَبْعُد أن يكون هذا هو الحكم. قال إمام الحرمين في "التلخيص": (والذي عندنا أنه يجتهد فيها المجتهد، وما أدى إليه اجتهاده فهو حُكم الله مِن وقف أو تقديم أو غيرهما) (١). وذكر البيضاوي -تبعًا لإمامه- فيما إذا كان الزوجان مجتهدين فخاطبها الزوج بلفظة وأدَّى اجتهاده إلى أنها كناية وقال: "لم أَنْوِ"، وهي أدَّى اجتهادها إلى صراحتها، فلا حاجة

стр. 2231

للنية. فللزوج طلب الاستمتاع، ولها الامتناع. فطريق قطع النزاع الترافع إلى قاضٍ يحكم باجتهاده لأحدهما أو إلى حكم بينهما كذلك. فإنْ كان النزاع فيما يمكن فيه الصلح كالحقوق المالية، فيكون له طريق آخَر وهو الصلح. وقد تَعرَّض القاضي لهذا [الفرع] (١)، وأجاب فيه بما سبق في الذي قبله. وأما الثاني (وهو ما يتعلق بغيره): فإذا أفتى المجتهدُ عاميًّا باجتهاده ثم تَغير اجتهاده، فهو كما سبق فيما يتعلق بنفسه. وقال الهندي: (إن اتصل به حُكم قبل تَغير اجتهاده فكما سبق في المجتهد فيما يتعلق بنفسه، وإن لم يتصل به فاختلفوا، والأَولى القول بالتحريم كما في المجتهد في حق نفسه. ومنهم مَن لم يوجبه؛ لأنه يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد. وهو ضعيف؛ لأنَّ زوال ذلك الحكم ليس بطريق النقض، بل [لزوال] (٢) شَرْطه وهو بقاء المحكوم عليه) (٣). إذا علمتَ ذلك فيَلزم المفتي إعلام المستفتي بما يتغير فيه اجتهاده؛ ليَكُف. قال في "الروضة": (إنْ كان ذلك قَبْل العمل أو بَعده حيث يجب النقض) (٤). ونقل ابن السمعاني في "القواطع" أنه إنْ كان عمل به، لم يلزمه إعلامه، وإنْ لم يكن عمل به، فينبغى أنْ يُعَرفه إنْ تَمَكَّن منه؛ لأنَّ العامي إنما يعمل به لأنه قول المفتي، ومعلوم

стр. 2232

أنه في تلك الحالة ليس قوله. نعم، لا يخفَى أن ذلك إنما هو فيما إذا لم يكن ما أفتاه به على خلاف دليل قاطع، وإلا فيجب إعلامه ونقضه كما صرح به الصيمري وغيره. فرع: لو عمل بفتواه في إتلاف ثم بَانَ أنه أخطأ فإنْ لم يخالِف القاطع، لم يضمن؛ لأنه معذور. وإنْ خالف القاطع فيضمن. وأما ما نقله النووي عن الأستاذ أبي إسحاق أنه إنْ كان أهلًا للفتوى، ضمن وإلا فلا؛ لأنَّ المستفتي حينئذٍ مُقصِّر. ولكن لا يحتاج لهذا القيد هنا؛ لأنَّ الكلام في المجتهد. ثم قال النووي: (ينبغي أن يتخرج على قَوْلَي الضمان بالغرور، أو يُقْطَع بعدم الضمان مطلقًا؛ إذْ لم يوجد منه إتلاف ولا ألجأ إليه بالتزام) (١). انتهى وهو ظاهر. والله أعلم. ص: ١٠١١ - وَهَكَذَا التَّفْوِيضُ جَائِزٌ، كَمَا ... يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: في ذَاكَ احْكُمَا ١٠١٢ - بِمَا تَشَا، فَهْوَ صَوَابٌ، وَكَذَا ... مُجْتَهِدٌ في ذَلِكَ الْحُكْمِ خُذَا ١٠١٣ - لَكِنْ يَصِيرُ مُدْرَكًا شرْعِيَّا ... وَلَمْ يَقَعْ فِيمَا رَأَوْا مَرْضِيَّا الشرح: اعْلَم أن طريق معرفة الأحكام الشرعية إما التبليغ عن الله

стр. 2233

بإخبار رسله عنه بها، وهو ما سبق من كتاب الله- وسُنة رسوله ﷺ ، وما تَفرع عن ذلك من إجماع وقياس وغيرهما من الاستدلالات وطُرقها بالاجتهاد ولو من النبي كما سبق آنفًا. وإما أن يكون طريق معرفة الحكم التفويض إلى رأْي نبي أو عالم. فيجوز أن يقال لنبي أو لمجتهد غير نبي: (احْكُم بما شئت، فهو صواب). فيصير حُكمه من جملة المدارك الشرعية. فإذا قال: (هذا حلال)، عرفنا أنَّ الله تعالى في الأزل حَكم بحله، أو حرام أو نحو ذلك، لا أنه ينشئ الحكم؛ لأنَّ ذلك من خصائص الربوبية. ومَن يرى الحسن والقُبح العقليين فإنما يقول: إنَّ ذلك تابع لِمَا يحكم به عقله. فهو غير التفويض. قال ابن الحاجب في مسألة التفويض: (وتَردد الشافعي) (١). أي: في جوازه كما قاله إمام الحرمين. وقال الجمهور: في وقوعه، ولكنه قاطع بجوازه. والمنع إنما هو منقول عن جمهور المعتزلة. وفي قول ثالث: إن ذلك يجوز في النبي دُون العالم. واختاره ابن السمعاني، قال: (وذى الشافعي في "الرسالة" ما يدل عليه) (٢). ثم اختُلف في وقوعه، فقال ابن الحاجب: (المختار أنه لم يقع) (٣). ونقل من أدلة القائلين بالوقوع قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]؛ لأنه لا يمكن أن يُحرم على نفسه إلا بتفويض الله تعالى الأمر إليه، لا أنه بإبلاغه

стр. 2234

ذلك الحكم؛ لأنَّ المحرِّم يكون حينئذٍ هو الله تعالى. قلتُ: وعلى كل حال فالمحرِّم هو الله تعالى، فالاحتمال قائم؛ فلا دليل فيه لذلك. وبنحو ذلك أجاب ابن الحاجب. ونقل أيضًا مِن أدلتهم قول العباس: "إلا الإذخر؛ فإنه لِقِيَنهم ولبيوتهم". فأقره النبي ﷺ بقوله عقبه: "إلا الإذخر" (١). فأجاب ابن الحاجب عنه بأنه إما بأنَّ الأذخر ليس من الخلاء في قوله: "ولا يُخْتَلى خلاه"، فدليله الاستصحاب، وصح استثناؤه تقريرًا لفهم العباس ذلك. أو ذلك من قبيل النسخ، أو نحو ذلك. وبنحو: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (٢). أو نحو ذلك، وهو كثير. وبحديث الحج: "أَلِعَامِنا هذا؟ أَم للأبد؟ "، وفيه: فقال النبي ﷺ : "لو قُلتُها لَوَجَبَت" (٣). ونحو ذلك. وأجاب عنه وأطال. وإنما لم يذكر ابن الحاجب وغيره المسألة إلا هنا -كما تبعتهم في ذلك- للاختلاف في أصل الجواز، وذكرها البيضاوي في "باب الأدلة المختلف فيها" بناء على الجواز، بل على الوقوع إذا قُلنا: وقع.

стр. 2235

و [مما يُشْبه] (١) المسألة وليس مِن ذلك: تخيير الشارع بين أمرين كالكفارة المخيرة، قد يتوهم أنه مِن التفويض، وليس كذلك، بل الحكم هناك أحد المخير فيه لا بعينه، فإنَّ التردد في المحكوم به. وأما التفويض ففي إثبات الحكم. ومَن يمنع هناك يسوي بينهما. وقد سبقت المسألة. والله أعلم.

стр. 2236

التقليد ١٠١٤ - وَالرَّسْمُ [لِلتَّقْلِيدِ] (١): أَخْذُ مَذْهَبِ ... لِلْغَيْرِ دُونَ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَوْجِبِ الشرح: لما [فُرغ] (٢) من "الاجتهاد" ومباحثه شرعتُ في مقابِله وهو "التقليد" وأحكامه. وعرفت "التقليد" بأنه: أَخْذ مذهب الغير مِن غير أنْ يعلم دليله المستوجب له. أي: الذي اقتضاه وأوجب القول به. فَ "أَخْذ" جنس، والمراد به: اعتقاد ذلك ولو لم يَعمل به لِفِسق أو لِغَيْره. وقولنا: (مذهب) يشمل ما كان قولًا له أو فعلًا. فهو أحسن من التعبير بِ "أخذ القول"؛ لقصوره كما تَعقبه إمام الحرمين على مَن يُعبِّر بذلك، إلا أن يراد بالقول: الرأي؛ فيكون شاملًا. ونسبة المذهب إلى "الغير" يخرج به ما كان معلومًا بالضرورة لا يختص به ذلك المجتهد، أو كان مِن أقواله وأفعاله التي ليس له فيها اجتهاد، فإنها لا تُسمى "مَذْهَبه". وقولنا: (بدون معرفة دليله) يشمل المجتهد إذا لم يجتهد ولا عَرف الدليل وجَوَّزْنَا له التقليد، فإنه حينئذٍ كالعامي في أَخْذِه بِقَول الغير مِن غير معرفة دليله، فيخرج عنه المجتهد إذا عَرف الدليل ووافق اجتهاده اجتهاد آخَر، فلا يُسمى "تقليدًا". كما يقال: أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا، وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا.

стр. 2237

وإنما خرج ذلك لأنه وإنْ صَدَق عليه أنه "أَخْذ بِقَول الغير" لكنه مع معرفة دليله حق المعرفة، فما أَخَذ حقيقةً إلا مِن الدليل، لا مِن المجتهد؛ فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تَجَوُّز. وعبَّر الآمدي وابن الحاجب بقولهما: (بغير حُجة). وهو يقتضي أنَّ أَخْذ القول ممن قوله حُجة لا يُسمى "تقليدًا"، فالتّلقِّي عن الرسول ﷺ لا يسمى "تقليدًا" وإنْ كان يقع إطلاق هذا اللفظ كثيرًا. وبَقي النظر في أمور، منها: رجوع القاضي إلى قول البيِّنة -أَظْهَر الاحتمالين فيه أنه لا يسمى "تقليدًا"؛ لأنه حُجة شرعية وَجَب العمل بها. وخالف في ذلك ابن القاص وشُراحه -كالقفال- فجعلوه من التقليد. ومنها: الرجوع إلى خبر الواحد في حكاية حديث أو إجماع أو في إخبار عن نجاسة إناء أو دخول وقت أو عن القِبلة -لا يسمى "تقليدًا" كما جزم به الرافعي في "باب استقبال القبلة". ولكن صرح ابن القاص في "التلخيص" بأنه يسمى "تقليدًا"، وتبعه شُراحه على ذلك كالقفال وغيره أيضًا، وحكاهما ابن السمعاني وجهين. ولهذا قال ابن الصلاح: (إنَّ التقليد قبول قول مَن يَجوز عليه [الاحتراز عن] (١) الخطأ بغير الحجة على ما قُبِل قَوْلُه فيه) (٢). ليخرج أقوال الرسول ﷺ والإجماع. واحترز بالباقي

стр. 2238

عن قبول قول القاضي [البينة] (١) ونحو ذلك. ومَن تَتبَع تصرفات الفقهاء في باب القِبلة ومواقيت الصلاة عَلِم أنَّ ما قاله الرافعي هو الأرجح. تنبيه: هذا المذكور هنا في التقليد لا ينافي ما سبق في تقسيم العِلم أنَّ الجزم إذا كان مطابقًا [لا] (٢) لِمُوجِب يسمى "تقليدًا" كما قاله الإمام الرازي؛ لأنه إذا لم يكن لموجِب فهو معنى قولنا هنا: (مِن غَيْر معرفة دليله)؛ لأنه حيننذٍ لم يأخذه من دليل. لكن الذي هنا أَعَم مما هناك، فإنه أعم مِن أنْ يكون مجزومًا به أوْ لا. ولا شك أنَّ الأَخَص يُسمى بِاسْم الأعم، بخلاف العكس، فَتَأَمَّله. والله أعلم. ص: ١٠١٥ - وَيَلْزَمُ الْفَاقِدَ لِلْأَهْلِيَّهْ ... لِلاجْتِهَادِ في سِوَى أَصْلِيَّهْ ١٠١٦ - وَالْأَهْلُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ ... وَمَا تَكَرَّرْ وَاجِبُ التَّجْدِيدِ ١٠١٧ - فِيهِ إذا دَاعِي رُجُوعِهِ وُجِدْ ... وَمُقْتَضِى الرُّجْحَانِ لِلْمَاضِي فُقِدْ ١٠١٨ - فَسَائِل أُفْتِيَ [لَا مِنْ] (٣) مُجْمَعِ ... أَوْ نَصٍّ اوْ مَيْتٍ - يُعِيدُ مَا رُعِيْ

стр. 2239

الشرح: إذا عرفت حقيقة التقليد تَوَجَّه النظر إلى مَن يلزمه التقليد ومَن يمتنع عليه. فما يُجتهد فيه إما من أحكام أصول الدِّين وإما من فروع الدين. فالثاني الذي ليس من أحكام أصول الدين، وهو ما أشرتُ إليه بقولي: (في سِوَى أَصْلِيَّهْ)، أي: في سوى أمور مِن الأصول الدينية إذا فقدَ فيه المكلَّف أهلية الاجتهاد بفوات شيء مما سبق اعتباره فيه، لَزِمَه أن يقلِّد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولأنه لا يكلَّف بما لا يَقْدر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا معنى قولي: (لِلاجْتِهَادِ). وسواء فيمن يجب التقليد عليه في هذه الحالة مَن كان عاميًّا صرفًا أو عالِمَّا يَتسامى عن رتبة العوام. والمخالِف في القسم الأول معتزلة بغداد، قالوا: يجب على العامي الوقوف على طريق الحكم، وليس له أنْ يراجع العالم إلا لتنبيهه على الطريق. وقال الجبائي: يجوز له التقليد في المسائل الاجتهادية دون ما يكون من معلومات الدِّين، كالعبادات الخمس. وأما القسم الثاني فيقلد فيه العالم في غير ما هو عالم فيه (على المختار). وخالف في ذلك قوم، حتى إنَّ ابن حزم كان يدَّعِي الإجماع على منع التقليد، وحكى من كلام مالك والشافعي وغيرهما ذلك، قال: ولم يزل الشافعي ينهى عن التقليد. أي: كما نقل المزني أول "مختصره" إذ قال: مع إعلاميه نهيَه عن تقليده وتقليد غيره. لكن قال الصيدلاني وغيره: إن ذلك محمول على مَن يكون مجتهدًا، فأمَّا مَن قَصُر عن رُتبة الاجتهاد فليس له إلا التقليد. قيل: ويعارض ما قاله ابن حزم بِقَول القاضي أبي بكر: إنه ليس في الشريعة تقليد، فإنَّ

стр. 2240

حقيقة "التقليد" قبول القول مِن غير حُجة ودليل، فكما أن قول الرسول ﷺ مقبول لقيام المعجزة الدالة على صِدقه فكذلك خبر الآحاد والأقيسة وأقوال المفتين [و] (١) الحكام مقبولة بالإجماع؛ لقيام الدليل الشرعي على وجوب العمل بها. فإذا كانت أقوال المفتين الظنية كخبر الآحاد في وجوب العمل بها بالإجماع، فأين التقليد؟ ! قلتُ: قد تَقدم في معنى "التقليد" ما يُخرج نحو ذلك (على المرجَّح)، فراجِعه، فالخلاف حينئذ راجع للفظ. وبالجملة فالقائل بأنه لا يجوز للعالم التقليد يوجِب عليه تَعَرُّف الحكم مِن دليل؛ لأنَّ له صلاحية المعرفة، بخلاف العامي. وفي قول ثالث: إنَّ العالم لا يَلزمه التقليد لمجتهد إلا أنْ يُبين له صحة اجتهاده. ولا يخفَى ضَعف ذلك فإن ذلك مِن أين يَعْلَمه إذا كان عاجزًا عن الاجتهاد؟ ! فإنْ فُرِضت قدرته، حَرُم عليه التقليد كما سيأتي. وهو قولي: (وَالْأَهْلُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ). وحاصل المسألة: أنَّ مَن بَلغ رُتبة الاجتهاد، امتنع عليه التقليد فيما عَرف فيه الحكم باجتهاده ووضح له وَجْه الصواب بمقتضَى ظنه، وهذا باتفاق. فإنْ لم يكن قد اجتهد في تلك الجزئية ولكنه قادر على الاجتهاد فيها، فقال الجمهور: يمتنع عليه التقليد فيها مطلقًا. وقيل: يجوز مطلقًا. وبه قال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق. وقيل: يجوز للقاضي دُون غيره. وقيل: يجوز إنْ كان المجتهد الذي يريد تقليده فيها أَعلَم منه دُون مَن كان دُونه أو

стр. 2241

مساويًا له. وهو قول محمد بن الحسن. وقيل: يجوز فيما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد فيه دُون ما لا يفوت. وبه قال ابن سريج. وقيل: يجوز فيما يختص به دُون ما يفتِي به غيْرَه. وحكى ابن الحاجب قولًا سابعًا وعزاه إلى الشافعي أنه لا يقلِّد إلا صحابيًّا يكون أَرجح مِن غيره من بقية الأصحاب، فإنِ استووا، تَخَيَّر. ويُعزى هذا للقديم. قال الهندي: وقضيته أنه لا يجوز للصحابة تقليد بعضهم بعضًا. وأما التقليد في أصول الدِّين الخارج من مفهوم قولي: (سِوَى أَصْلِيَّهْ) أي: فإنَّ الأصلية في التقليد فيها نزاع. والمراد بقواعد أصول الدين: ما يبحث فيها عن ذات الله تعالى وما يجب له وما يمتنع، وما تضمن ذلك مِن أحوال المبدأ والمعاد. وهو المسمَّى بِ "عِلم الكلام"، إما لأنَّ مسألة الكلام أول مسألة دارت فيه أو أصعب أو غير ذلك مما قُرر في موضعه. وقد اختُلف في التقليد فيه على أقوال: أحدها: وبه قال الجمهور: الامتناع؛ للإجماع على وجوب المعرفة، ولقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فأمر بالعلم بالوحدانية، والتقليد لا يفيد العلم؛ ولهذا ذم التقليد بقوله تعالى في الإنكار عليهم قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وحث على السؤال بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

стр. 2242

الثاني: الجواز. وبه قال [عبيد] (١) الله بن الحسين [والعَنْبَرِي] (٢) وغيرهما، ويُعزى للحشوية؛ لإجماع السلف على قبول الشهادتين مِن غير أن يقال لقائلهما: هل نَظَرت؟ الثالث: أنه يجب التقليد، وقالوا: إن النظر فيه حرام، إما لأنَّ المطلوب فيه العِلم وهُم لا يرون أن النظر يفيد العلم، وإما لأنَّ النظر قد يُورث شُبهة، فيكون ذلك سببًا للضلال على الرأيين المشهورين. وربما تُوُهِّم أن المنع من النظر فيه مذهب الشافعي وغيره من السلف؛ لِنَهْيهم عن علم الكلام والاشتغال به. لكنه محمول على مِن خِيفَ أنْ يَزِلَّ فيه حيث لا يكون له قدم صِدق في مسالك التحقيق؛ فيقع في شك أو ريبة، أما مَن له قوة وقدم صدق فلا؛ ولهذا قطع أصحابه بأنه من فروض الكفايات، وكيف يمنع منه وهو الموصل إلى معرفة الله وصفاته العليَّة ومعرفة الرسل والفرق بين الصادق والمُتَنبِّئ؟ ! وقد بسط الحليمي الكلام على وجوب تعلُّمه؛ إعدادًا لأعداء الله تعالى ومناظرتهم ودحض شُبههم الباطلة، حتى قيل: إنه من فروض الأعيان. وحتى قيل: إن الأشعري قال: لا يصح إيمان المقلِّد، وإنه يقول بتكفير العوام. لكن أنكره الأستاذ ابن القشيري على مَن حكاه عنه، وقال: إنه كذب وزور من تلبيسات الكرامية على العوام؛ إذْ يقولون: "الإيمان الإقرار"، والأشعري يقول: " التصديق "، والعوام يصدقون الله تعالى في أخباره. قال الأستاذ أبو منصور: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بالله وأنهم حشو الجنة؛ للأخبار والإجماع فيه؛ لأنَّ فِطرهم جُبِلت على توحيد الصانع وقدَمه وحدوث الموجودات وإنْ عجزوا عن التعبير عنه على اصطلاح المتكلمين، والعِلم بالعبارة عِلم زائد

стр. 2243

لا يَلْزَمهم. وكذا نقل إلْكِيَا في تعليقه إجماع الأصحاب على أنهم مؤمنون، وإنما الخلاف في أنهم عارفون بالأدلة، قَصُرت عباراتهم عن أدائها؟ أو غير عارفين بها؛ لأنَّ الله تعالى لم يوجب عليهم إلا هذا القَدْر؛ فإنَّ النبي ﷺ كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع العِلم بقصورهم عن معرفة النظر والأدلة، ففي مسلم عن معاوية بن الحكم في الأَمة السوداء التي أراد عتقها وسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "ائتني بها". فجاءت، فقال: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "مَن أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أَعْتِقها؛ فإنها مؤمنة" (١). فهذا دليل على الاكتفاء بالشهادتين في صحة الإيمان وإنْ لم يكن عن نظر واستدلال. قال النووي: (هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور). وكذلك قوله ﷺ : "أُمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (٢)، ولم يَقُل: حتى يستدلوا أو ينظروا. وكذلك قال الشيخ عز الدين في "قواعده" وقد ذكر ما يجب من معرفة الله: (اعتقاد ذلك واجب في حق العامة وهو قائم مقام العِلم في حق الخاصة؛ لِمَا في تكليفهم ذلك مِن المشقة الظاهرة العام) (٣). وقال صاحب "الصحائف": (مَن اعتقد أركان الدين تقليدًا فإنِ اعتقد مع ذلك جواز شبهة فهو كافر، ومَن لم يعتقد ذلك فاختلفوا فيه: فقيل: مؤمن وإنْ كان عاصيًا بترك النظر والاستدلال المؤدِّي إلى معرفة أدلة قواعد

стр. 2244

الدين، وهو مذهب الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري وكثير من المتكلمين. وقيل: لا يستحق اسم المؤمن إلا بعد عرفان الأدلة، وهو مذهب الأشعري). انتهى وقال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (والتحقيق أن التقليد إنْ كان أَخْذا لقول الغير بغير حُجة مع احتمال شك أو وَهْم فلا يكفي، وإن كان جزمًا فيكفي، خلافا لأبي هاشم) (١). انتهى وهو تحقيق المناط مِن الخلاف وجمع بين الأقوال السابقة. وذلك لأنَّ التقليد كما سبق نوعان: - نوع فيه جزم، وهو ما سبق في تقسيم العلم. - ونوع لا يشترط فيه جزم، بل أَعَم، وهو المذكور هنا، وهو أعم مِن الذي قَبْله كما سبق. نعم، أبو هاشم -من المعتزلة- يخالف فيه وإنْ كان فيه جزم، وعنده أنَّ مَن لا يَعرف الله بالدليل فهو كافر. فإنْ قيل: كيف يحصل الجزم -على قول الجمهور- مع عدم معرفة الدليل. قيل: قد يقع ذلك لمقدمات ضرورية على تَألُّف صحيح أَوْجَبت العِلم بالنتيجة وإن لم يكن مستحضِرًا لكل مقدمة على الوجه المقرَّر في موضعه. وعلى هذا يتضح كَوْن الصحابة لم يُنقل عنهم اعتناء بهذه القوانين مع الاتفاق على أنهم أقوى الخَلْق بعد النبيين إيمانًا. وبالجملة فالمسألة طويلة الذيل، وفيما ذكرناه كفاية.

стр. 2245

وقولي: (وَمَا تَكَرَّرْ) إلى آخِره - إشارة إلى مسألتين مُفرَّعتين على ما سبق: إحداهما أن الأهْل إذا كان ممنوعًا من التقليد فاجتهد ثم تَكررت الواقعة، فهل يعمل باجتهاده الأول؟ أو يجب عليه تجديد الاجتهاد؛ لأنه إذا لم يُجدد، أَشْبَه اتِّباعه اجتهاده الأول التقليد وهو ممنوع منه؟ وللمسألة أحوال؛ لأنه إما أن يتجدد له ما يقتضي رجوعه عن ما ظهر له بالاجتهاد الأول أو لا. وكُل منهما إما مع كونه ذاكِرًا لدليل ذلك الماضي أو لا. فالأول من الأربعة: أنْ يتجدد له ما يقتضي الرجوع ولكنه ذاكِر لدليل الأول، فإنْ كان راجحًا على ما يقتضي الرجوع عَمل بالأول ولا يُعيد الاجتهاد، وإلَّا أعاد. ثانيها: أن لا يكون ذاكرًا لدليل الأول، فيجب أنْ يُعيد الاجتهاد قطعًا عند أصحابنا؛ لأنه لا ثقة ببقاء الظن وإنْ كان الأصوليون حَكوا فيه قولًا بالمنع؛ بناءً على أن الظن السابق قوي؛ فيُعمل به؛ لأنَّ الأصل عدم رجحان غَيْره عليه. ثالثها: أن لا يتجدد له ما يقتضي رجوعه وهو ذاكِر للدليل الأول، فلا يَلزمه أنْ يُعيد الاجتهاد قَطعًا. رابعها: أن لا يتجدد ما يقتضي الرجوع ولا هو ذاكر للدليل الأول، فهذا يَلزمه أنْ يعيد الاجتهاد ثانيًا. فإنْ وافق مقتضاه الأول فظاهر، وإنْ خالفه، عمل بالثاني. وكُل ذلك خارج مِن النَّظم. أما المسألة الأُولى فمِن قولي: (وَمُقْتَضِي الرُّجْحَانِ لِلْمَاضِي فُقِدْ)، فإنها جملة حالية قَيْد، [فإنَّ] (١) مع الرجحان لا إعادة، ومع عدمه يُعيد.
следующие страницы →