فقولي: (فَمَوْضِعُ التَّخْييِر غَيْرُ الْمُطَّلَبْ) هو ما حرره ابن الحاجب، إلا أنَّ التعبير بالطلب أحسن مِن الوجوب كما قررناه.
وقولي: (وَفِيهِ بَحْثٌ يُطَّلَبْ) إشارة إلى هذا الذي قاله الشيخ تقي الدين، ولا يخفى ما فيه مِن التحقيق.
تنبيه:
محل الخلاف في صيغةٍ وَرَدَت مُرادًا بها التخيير، أو ما في معنى ورود ذلك كما سبق التمثيل به. فأمَّا نحو تخيير المستنجي بين الماء والحجر والناسك بين الإفراد والتمتع والقران ونحو ذلك - فليس مِن الواجب المخيَّر؛ لأنه لم يرد تخيير باللفظ ولا بمعناه، كالحقاق وبنات اللبون في المائتين، والغسل والمسح على الخف في الوضوء، والغالب في أكثر هذه الترجيح، وقد يستحب الجمع، كالماء والحجر.
نَعَم، في "فروق" الجويني جعل التخيير بين الماء والحجر مِن مسألة المخيَّر. وفيه نَظَر؛ لِمَا ذكرناه.
وقولنا: ([مُرادًا] (١) به التخيير) احتراز مما إذَا كان المراد أحدهما وصُوَر التخيير فيه للتهديد أو غيره، نحو: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]. كذا قِيل، وقد يُقال: لا حاجة لذلك؛ لأنَّ التهديد ليس فيه طلب، بل هو مجرد إخبار كما سيأتي في باب الأمر، والله أعلم.
стр. 282
ص:
١٦٢ - فإنْ يَكُنْ كُلًّا مَعًا قَدْ فَعَلَا ... يُثَبْ عَلَى الْأَعْلَى، وَعَكْسٌ [فَاقْبَلَا] (١)
الشرح: أَيْ إذَا أَتَى بواحد مِن المخَيَّر فَفِيه ما سبق، أمَّا إذَا أتى بالكُل أو ترك الكل، فما الذي يكون ثوابه فيها ثواب الواجب إذا كان الأمر فيها للوجوب؛ لأنَّ ذلك واحِدٌ والباقي تطوُّع كما قاله الشيخ أبو إسحاق؟ وما الذي يعاقَب عليه عند تَرْك الكُل؟ فيه مذاهب:
أحدها المختار: إنْ فَعل الكل مُرَتَّبًا، فلا يخفَى أنَّ الذي أسقط الوجوب ويثاب عليه ثواب الواجب هو الأولُ. وإنْ فَعل الكل مَعًا بأنْ [باشَر] (٢) بَعْضًا ووَكَّل في بعض أو باشر الكل أو وَكَّل في الكل حيث يمكن، وهو معنى قولي: (مَعًا). أَيْ وإنْ يَكُن المكَفِّر فَعَل كُل الخصال معًا، فـ "كُلًّا" مفعول "فَعَل"، قُدِّم عليه وعلى الظرف.
وقولي: (يُثَبْ عَلَى الْأَعْلَى) جواب الشرط، أَيْ: الحكم في هذا أنَّ حصول ثواب الواجب لِأعلاها. وإنما لم أقيده بثواب الواجب لِظهوره؛ لأنَّ أصل الثواب ليس الكلام فيه. وإنما قُلنا: استحق ثواب أعلاها؛ لأنه لا ينقصه ما انضم إليه.
وأمَّا عكسه (وهو أنْ يترك الكُل) فالعقاب بالعكس، أَيْ يَكون على أدناها؛ لأنه يجزئه لو اقتصر عليه. وقد نقل الإمام الرازي هذا عن بعضهم كالمُضَعِّف له، لكنه أظهر مما سيأتي اختياره إياه، فقد قال ابن التلمساني: إنه الجواب الحقُّ. ونقله ابن السمعاني في "القواطع" عن أصحابنا، وجزم به ابنُ بَرْهان في "الأوسط". وأمَّا تضعيف بعضهم له بأنَّ: "اللائق باختيار الأصحاب في الأصل أنَّ الذي يثابُ عليه ثواب الواجب أو يعاقبُ إنما هو
стр. 283
واحد لا بِعَيْنه" فغير واضح، ولا يُنافي كَوْن الواجب في الأصل [أحدها] (١) لا بِعَيْنه؛ لأنَّ توجيه الخطاب [بواحد] (٢) ما بحيث يسقط به الواجب مُسَلم. وأمَّا بعد الفعل واستحقاق الثواب فالثواب على المبْهَم غير معقول، وعلى المُعَيَّن منها تَحَكُّم، وترجيح الأعلى لِكَوْن الزيادة فيه لا يليق بِكَرم الله تعالى تضييعها على الفاعل مع الإمكان وقصدها بالوجوب وإنْ اقترن به آخَر.
وأمَّا في تَرْك الكُل فيعاقَب على الأدنى؛ لأنَّ الوجوب يَسقط به.
وعبارة القاضي أبي الطيب: (يأثم بمقدار عقاب أدناها، لا أنه نفس عقاب أدناها). انتهى
وهذا نظير الصلاة المعادة أنَّ الفَرْض [أَكْمَلُهما] (٣)، وقيل: أحدُهما لا بِعَيْنها، ويحتسب الله ما شاء، و [قِيل] (٤): كِلاهُما فَرْض. ولم يحكوا مثله هنا؛ لِئلَّا يوافقوا المعتزلة.
الثاني: أنه يثاب في فِعل الكل على مجموع أمور لا يجوز ترك كلها، ولا يجب فِعلها، أَيْ ثواب واجبات مخيَّرة، وهو أزيد مِن ثواب بعضها. وكذا العقاب: يعاقَب على ترك مجموع أمور كان المكلَّف مخيَّرًا بين ترك أيِّ واحدٍ منها شاء بِشَرْط فِعل الآخَر. واختار هذا الإمامُ وأتباعُه، ولا يخفَى ما فيه مِن الغموض والإبهام.
الثالث: قال القاضي: وهو قول [أصحابنا] (٥): إنه يثاب على واحدٍ مِن غير تعيين
стр. 284
للأعلى.
والرابع: نقله القاضي أيضًا لكن في الكفارة: إنه يثاب ثواب الواجب على العتق؛ لأنه أنفع وأشق على النفس.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وهذا الخلافُ شبيه بالخلاف في مسح جميع الرأس وتطويل الركوع: هل الكُل يقع واجبًا؟ أو البعض؟ ) (١).
تنبيهات
أحدها: تظهر ثمرة هذا الخلاف في مسائل:
منها: مَن مات وعليه كفارة مخيَّرة ولم يُوص بإخراجها، يجوز للوارث أنْ يعدل عن الأعلى لِغيره؛ لأنه إذا فَعل، يُجْزِئ.
ومنها: لو أوصَى بخصلة معينة وكانت قيمتها تزيد على غيرها:
فأصح الوجهين: أنَّ الزائد مِن الثلث؛ لأنَّ الاقتصار على غيره يجزئ.
والثاني: مِن رأس المال؛ لأنه لا يقع إلا واجبًا. ولكن الأول مناسب للمعاقبة - عند ترك الكل - على الأدنى. وغير ذلك أيضًا.
الثاني: وقع في "المحصول" أنه يستحب جمع خصال الكفارة المخيَّرة ونحوها.
وَرُدَّ بأنه إنْ كان مِن حيث كَوْنه كفارة، فممنوع؛ لأنَّ المطلوب واحد. وإنْ كان مِن حيث كَوْن الزائد خيرًا في الجملة، فلا اختصاص لذلك.
وشُبِّه بالمسألة إعادةُ الصلاة - لِمَن صلَّاها - لأنها عبادة، لكن يَكون على الخلاف في:
стр. 285
أَيّها الواجب؟ كما سبق.
الثالث: مِن [لطائف] (١) هذه المسألة التخيير بين الشيء وبعضه، خِلافًا لبعض الفقهاء المتأخرين، فَقدْ قال ابن الرفعة ردًّا عليه: إنه ممنوع؛ بدليل أنَّ المسافر مُخَيَّر بين إتمام الصلاة وقصرها، ومَن لا جُمعة عليه مخيَّر بين صلاة الجمعة ركعتين وبين الظهر أربعًا.
قلتُ: لا يَخفَى ضَعْفُ هذا؛ لأنَّ المقصورة ليست بعضًا مِن التامَّة، ولا الجمعة بعضًا مِن الظهر ولو قُلْنا: ظُهْرًا مقصورًا، بل كُلٌّ صلاةٌ على حيالها.
نَعَم، يَقْرُب مِن ذلك التخييرُ بين صلاة الوتر واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا إلى آخِره - على ما فيه مِن نَظَرٍ أيضًا، والله تعالى أعلم.
ص:
١٦٣ - وَرُبَّمَا التَّحْرِيمُ جَا مُخَيَّرَا ... في وَطْءِ أُخْتَيْنِ بِمِلْكٍ قَدْ يُرَى
الشرح: ما سبق في المخيَّر إنما هو في المأمور به، فهل يأتي نظيره في المنهي عنه (تحريمًا كان أو كراهة)؟ وإنْ كانت المسألة إنما نصبت واشتهرت في التحريم.
فقال أهل السُّنة: يجوز تحريم واحدٍ لا بِعَيْنه، ويَكون النهي عن واحدٍ على التخيير، حتى إنه يجوز له فِعل أحدهما دُون الآخَر - على معنى التخيير في تعيين المحرَّم منهما. وما دام لم يُعَيِّن [لا يجوز] (٢) له الإقدام على شيءٍ منهما.
وبماذا يَكون التعيين؟ يأتي الكلام عليه.
وعلى هذا فيأتي الخلاف السابق في كَوْن المحرَّم: واحدًا لا بِعَيْنه، أو الكُل، أو مُعَيَّنًا عند
стр. 286
الله، أو غير ذلك كما قاله الآمدي وابن الحاجب.
وقالت المعتزلة: لا يمكن ذلك في النهي، بل يجبُ اجتناب كل واحدٍ.
بَنوه على أصلهم أنَّ النهي عن قبيح، فإذَا نهي عن أحدهما لا بِعَيْنه، ثَبتَ القُبحُ لكل منهما؛ فيمتنعان جميعًا ولو وَرَدَ ذلك بصيغة التخيير، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وللمسألة أمثلة:
منها: لو ملك أُختين ووطئَهما، تحرم إحداهما لا بِعَيْنِها حتى تخرج الأُخْرى عن مِلْكه أو عن حلِّه؛ فتحل الأُخرى عَيْنًا.
ومنهم مَن يمثلها بتحريم الجمع بين الأختين أو بين الأم وبنتها في النكاح، أو نحو ذلك.
وليس بجيد؛ لأنَّ التحريم منتفٍ حتى ينكح إحداهما، بخلاف المثال السابق، فإنَّ التحريم وقع، فَتَأَمَّله.
نَعَم، نازع القرافي في إثبات الحرام المخيَّر، ووافق المعتزلة على المنع، لكن لا مِن حيث التقبيح العقلي، بل مِن حيث إنَّ تحريم أحدهما يَلْزَم منه تحريم الكُل، وفَرَّق بينه وبين الواجب المخيَّر بأنَّ الأمر بمفهوم أحدهما قَدْر مشترك، ومحل التخيير الخصوصيات كما سبق، فلا يَلْزَم مِن إيجابِ المشترك إيجابُ الخصوصيات، كما في إيجاب رَقبة مُطْلَقَة في العتق لا يَلْزَم منه إيجاب رقبة مُعَيَّنة.
قال: أمَّا النهي فَيَلْزَم مِن تحريمِ أحدهما (الذي هو قَدْر مشترك) تحريمُ الخصوصيات.
ثُم أجاب عن المثال السابق ونحوه بأنَّ التحريم إنما يتعلق بمجموع الوطئين بَعْد أنْ
стр. 287
وَطئهما، لا بالمشترك [بينهما] (١)، فالمقصود أنْ لا [يدْخل] (٢) ماهيَّة مجموع الوطئين في الوجود، والماهية المركَّبة تنعدم بانعدام [جُزئها] (٣).
قال العلائي في قواعده: والظاهر أنَّ هذا هو مُراد أهل السُّنة بهذه المسألة، لا المعنى الذي رَدَّه القرافي، وهو الكُلي المشترك؛ لأنَّ مِن المحال عَقْلًا أنْ يوجد الجزئي ولا يوجد الكُلي فيه؛ لأنَّ الكلي يندرج في الجزئي بالضرورة.
قال: لكن يشْكل على هذا إلحاقهم المسألة بالأمر المخيَّر.
والله أعلم.
ص:
١٦٤ - ثَانِيَةٌ: مَا فِيهِ قَصْدُ الْفَاعِلِ ... عَيْنًا "مُعَيَّنٌ"، وَلِلْمُقَابِلِ
١٦٥ - اسْمُ "الْكِفَايَةِ" الَّذِي يَعُمُّ ... فَرْضًا وَسُنَّةً، فَقُلْ: مُهِمُّ
١٦٦ - يُقْصَدُ بِالْإيجَادِ، لَيْسَ يُنْظَرُ ... لِذَاتِ فَاعِلٍ لَهُ يُخْتَبَرُ
١٦٧ - مِثْلُ الجهَادِ وَابْتِدَا التَّسْلِيمِ ... وَهْوَ عَلَى الْكُلِّ عَلَى التَّعْمِيمِ
١٦٨ - لَكِنَّهُ بِفِعْلِ بَعْضٍ يَسْقُطُ ... عَمَّنْ سِوَاهُ حَيْثُ ذَاكَ يُضْبَطُ
١٦٩ - مِن ثَمَّ كَانَ فِعْلُهُ أَهَمَّا ... مِن فِعْلِ [عَيْنٍ] (٤) نَفْعُهُ مَا عَمَّا
الشرح: القِسم الثاني: تقسيم الفعل بالنسبة إلى فاعله إلى عَيْنٍ وكفاية، ولا يتقيَّد
стр. 288
بالواجب كما سبق تقريره، بل يجري في السُّنة أيضًا.
فما قُصِد فيه الفاعلُ بالذَّات: "فَرْض عَيْن"، و"سُنة عَيْن"، سواء أكان عامًّا (كالصلوات الخمس وركعتي الفجر) أو خاصًّا (كتخصيص النبي ﷺ بإيجاب التخيير لنسائه [عليه]) (١).
وما لم يُقْصَد إلا حصولُ الفعل فيه مِن غير نَظَر إلى ذات الفاعل فهو "كفاية"، فَرْضًا كان (كالجهاد) أو سُنَّةً (كابتداء السلام).
فإذَا أردت تعريف المطلوب على الكفاية فرضًا كان أو سُنةً، فَقُلْ: هو مُهِمٌّ يُقْصَدُ حصولُه مِن غَيْر نَظَر بِالذَّات إلى فاعِله.
فالقيد الأخير مُخرج للمطلوب على الأعيان. وأَصْل هذا التعريف للغزالي، إلَّا أنه قال: (كل مُهِم ديني يَقصد الشرع حصوله مِن غير نَظَرٍ إلى فاعله).
حكاه عنه الرافعي في كتاب السير، وقال: (أشار به إلى حقيقة "فرض الكفاية"، ومعناه أنَّ فروض الكفايات أمور كُلية يتعلق بها مصالح دينية ودنيوية، لا ينتظم الأمرُ إلا بحصولها، فَيَقصد الشارع حصُولها ولا يَقْصد تكليف الواحِد وامتحانه بها، بخلاف فروض الأعيان، فإنَّ الكُل مكلَّفون بها، مُمْتَحَنون بتحصيلها) (٢). انتهى
وقد عرفت أنَّ هذا التعريف يدخل فيه "سُنة الكفاية"؛ فإنه لم يَقُل: (يقصد الشرع حصوله لزومًا). فينبغي أنْ يُجْعَل تعريفًا للكفاية مِن حيث هو كما قررناه.
نَعَم، أَسْقَطتُ مِن لَفْظ الغزالي "كُل"؛ لأنها للأفراد، والتعريفُ للماهية. وأسقطتُ لفظة "ديني"؛ ليدخل نحو الحِرَف والصناعات وإنْ كان الغزالي لا يَرى أنها "فرض كفاية" كما
стр. 289
قاله في "الوسيط" تبعًا لإمامه، لكن الأصح خِلَافُه.
ولا بُدَّ مِن زيادة "لذاته" في قوله: (مِن غَيْر نَظَرٍ إلى فاعله)؛ لأنَّ ما مِن فِعل يتعلق به الحكْم إلَّا ويُنْظر فيه للفاعل؛ حتى (١) يُثاب على واجبه ومندوبه ويُعاقَب على ترك الواجب، وإنما يفترقان في كَوْن المطلوب عينًا يُخْتَبر فيه الفاعلُ ويُمْتَحَن؛ لِيُثاب أو يعاقَب كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، والمطلوب كفاية يُقْصَد حصولُه قَصْدًا ذاتيًّا، وقَصْدُ الفاعل فيه تبعٌ، لا ذاتي.
وقولي: (وابْتِدَا التسْلِيم) قُصر للضرورة، وهو مثال لسُنة الكفاية.
واعْلَم أنَّ فروض الكفاية كثيرة، عَدَّ منها أصحابنا أول "كتاب السير" طائفة، وأمَّا سُنن الكفاية فزعم القاضي حسين والشاشي أنه ليس منها إلا ابتداء السلام مِن الجَمْع.
ورُدَّ ذلك بأنَّ منها تشميت العاطس بين جَمْع، والأضحية في حق أهل البيت، والأذان والإقامة في حق كل جماعة إذَا قلنا بالصحيح: إنهما سنتان، وتسمية الآكِلين جماعة، فإنه إذَا سمى واحدٌ منهم، أجزأ عن الباقين. نَصَّ عليه الشافعي كما نقله عنه النووي في "الطبقات" و"الأذكار".
وقولي: (وَهْوَ على الكُل) أَيْ: فرض الكفاية أو سُنتها يتعلق بكل المكلَّفين حيث خوطبوا به، لا على البعض، كنظيره في المخيرة؛ لِتَعَذُّر خِطاب المجهول، بخلاف خِطاب المعيَّن بالشيء المجهول.
هذا قول الأكثر، وهو منصوص الشافعي في "الأُم" حيث قال: (حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه، لا يسع عامَّتهم تركُه، وإذا قام به مَن فيه كفاية، أجزأ عنهم إنْ شاء الله تعالى، وهو كالجهاد، عليهم أنْ لا يَدَعُوهُ، وإذا انْتُدِبَ منهم مَن يكفي الناحية التي
стр. 290
يَكون فيها الجهاد، أجزأ عنهم، والفضل لأهل الولاية بذلك على أهل التخلف عنه) (١).
وقال أيضًا في باب السلف فيمن حضر كتاب حق بين رجلين: (ولو ترك مَن حَضَر، خفتُ أنْ يأثموا، بل لا أراهم يخرجون مِن الإثم، وأَيُّهم قام به أجزأ عنهم) (٢).
وذكر نحوَهُ في الشهود إذَا دعُوا للأداء، وجرى عليه أصحابه في طرقهم ومِن الأصوليين الصيرفي والقاضي أبو بكر والشيخُ أبو إسحاق والغزاليُّ، واختاره ابنُ الحاجب، ونقله الآمدي عن أصحابنا.
وذهب الإمامُ الرازي وأتباعُه إلى أنه على البعض، واختاره صاحب "جمع الجوامع" مخالفًا لِوالده ولِلجمهور كما قال.
واحتج هؤلاء بظواهر، مِثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، الآية، ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية.
والأولون نظروا للمعنى، وحمل هذه الظواهر على مَن يسقط به، وهو محل وفاق أنه يسقط بفعل البعض.
قالوا: فليس كالمطلوب المخيَّر (كالكفارة)، إذْ لا يعقل تأثيم طائفة غير معيَّنة ولا إثابتُهم، ولا يمكن أنْ يقال: مُعَيَّنة. فوجب المصير إلى التعلق بالكُل.
فإنْ قِيل: فما الفرْق - على القول بتعلقه بِالكُل - بيْنه وبين المطلوب مُعَيَّنًا؟
قيل: ما سبق مِن ملاحظة ابتلاء الفاعل في المعيَّن، وملاحظة حصُول المطلوب في
стр. 291
الكفاية مِن غير نَظَر بالذات إلى فاعله، و [لذلك] (١) إذا فَعل البعض، سقط عَمَّن سواهم، بخلاف المعَيَّن. فهو مُبَاينٌ له تبايُن النوعين، خلافًا للمعتزلة في قولهم: (تبايُن الجنسين)؛ إذِ الواجب أو المندوب صادق على الأمرين بالتواطؤ مِن حيث إنَّ كُلًّا منهما لا بُدَّ مِن وقوعه أو وقوعه محصل لِمَا يترتب عليه مِن الثواب، فليس لفظ الفرض والسُّنة مشتركًا بينهما اشتراكًا لفظيًّا كما يزعمون.
فإنْ قِيل: إذَا كان على الكل، فكيف يسقط بفعل البعض؟
قيل: لأنَّ المقصود قد حصل، فطلبه بَعد ذلك طلب لتحصيل الحاصل. ومن هنا يُعْلَم أنه إنما يسقط بإتمام مَن فَعَل قَبْلهم، لا بالشروع فقط؛ لجواز أنْ ينقطع بالخروج منه.
قيل: ويحتمل أنْ يبنى على أنه يَلْزم إتمامُه بالشروع. وسيأتي الخلاف فيه.
وفيه نَظَر؛ لجواز انقطاعه بغير الاختيار؛ لموت أو جنون. نَعَم إنما يسقط الفرض عمن لم يفعل إذَا عَلم أو ظَنَّ أنَّ غيره قام به، وإلَّا فيأثم ولو كان في نفس الأمر قد فعله غيره، كما أنه لا يأثم إذَا عَلِم أو ظنَّ أنَّ غيره قام به والواقع أنَّ أحدًا لم يَفْعَله.
وهذا معنى قولي: (حيث ذاك يُضْبط). أَيْ: إنما يسقط حيث حصل الضبط أنَّ غيره فعل بِعِلْم أو ظَن.
واعلم أنه إنما يَسقط بِفعل مَن هو مكلَّف، لا كَرَدِّ صَبِي مِن الجماعة السلام، إلَّا أنْ يحصل المقصود بتمامه بفعله، كصلاته على الجنازة، أو حمل الميت ودفنه، ونحو ذلك.
قال في "شرح المهذب": (وكالصبي إذَا أَذَّن وقُلنا: الأذان فَرْض كفاية) (٢).
وهل يُعتبر فيمن سبق أنْ يَكون آدميًّا، لا مَلَكًا أو جِنيًّا؟
стр. 292
لم يتعرض أحد [للثانية] (١). قِيل: ويتخرج على أنَّ الجن هل هُم مكلَّفون بالأحكام؟ فإنْ قُلنا: (نعم) وهو الصحيح، اكتُفي بهم.
ولم يتعرض للأُولى إلَّا الشيخ أبو إسحاق في "تذكرة الخلاف" في مسألة تغسيل الشهيد الْجُنب أنَّ غسل الملائكة لا يُسْقِط ما تُعبِّد به الآدمي في حق الميت. قال: (وقياسُ سائر فروض الكفايات كذلك). انتهى
قلتُ: وهو يقتضي أنَّ الشهيد جُنبًا يغسل، لكن الأصح أنه لا يغسل؛ فإنه ﷺ لم يغسل حمزة، وروى الحاكم أنَّ النبي ﷺ قال: "أخبرني جبريل أنه قُتِلَ جُنبًا، فغسلته الملائكة" (٢). وقال: صحيح الإسناد.
إلَّا أنْ يُقال: إنَّ غَسْل الملائكة للشهيد الجنب خاص بحمزة، عَلِمْناه بإخبار النبي ﷺ ، وكذلك أخبر في حنظلة لَمَّا قُتل في أُحُد.
أو يُقال: إنَّ الشهادة أسقطت التغسيل، والإخبار بتغسيل الملائكة إكرامٌ وخصوصية لا يتعدى إلى غيرها.
стр. 293
تنبيهات
أحدها: إذا قُلنا: إنه يتعلق بالجميع، فهل المعنى يتعلق بكل واحدٍ؟ أو بالجميع مِن حيث هو جميع؟
في "تلخيص" الإمام عن القاضي ما يقتضي الأول، وظاهر عبارة الأكثرين الثاني.
وذكر الشيخ تقي الدين السبكي في تحقيق كَوْنه على الكل ثلاثة معانٍ:
أحدها: أنْ يَكون معناه أنَّ كُل مكلَّف مخاطَبٌ به، فإذَا قام به بعضٌ، سقط عن غيرهم رخصةً وتخفيفًا؛ لحصول المقصود.
والثاني: أنَّ الجميع مخاطَبون بإيقاعه منهم مِن أَيِّ فاعلٍ فَعَلَهُ، ولا يَلْزَم على هذا أنْ يَكون الشخص مخاطَبًا بفعل غيره.
(قال: لأَنَّا نقول: كُلِّفُوا بما هو أَعَمُّ مِن فِعْلهم وفِعل غيرهم، وذلك مقدورٌ بتحصيله منهم؛ لأنَّ كُلًّا قادرٌ عليه ولو لم يفعله غيره. و"فرض العين" المقصود [منه] (١) امتحان كل واحدٍ بما خُوطِبَ به لحصول ذلك الفعل منه بنفسه، لا يقوم غيره مقامه، وقد يكون مِن فرائض الأعيان على جماعةٍ [ما يُشْتَرط] (٢) في فِعْل كُلٍّ منهم فِعْل غيْره، كالجمعة لا تصح إلا مِن جماعة) (٣).
والثالث: أنَّ كل مكلَّف مخاطَبٌ ما لم يَقُم به غيرُه. فإنْ قام به غيرُه، تَبَيَّن أنه لم يخاطَب
стр. 294
به. انتهى (١).
قلتُ: أمَّا الأول والثاني فهُما القولان السابقان في تَعَلُّقه بكل فرد أو بالجميع. وأمَّا الثالث فهو ما حكاه المتولي في مقابلة القول بتعلقه بالجميع، وحاصله قول بأنه تعلق ببعضٍ مُبْهَم يتعين بفعله. ونظيره في مسألة المخيَّر أنَّ الواجب يتعين بفعله كما سبق.
وحُكى هنا أيضًا قولٌ بأنه يتعلق ببعضٍ مُعَيَّن عند الله كما قِيل بنظيره أيضًا في المخَيَّرة.
وحكى ابن السمعاني قولًا يَكون خامسًا، وهو التفصيل بيْن أنْ يَغْلب على ظن المكلَّف أنَّ غيْره قام به فلا يتعلق به، أو لا يَغْلب فيتعلق بكل واحد. واستحسنه.
الثاني: قال ابن السمعاني: الخلاف في المسألة لفظي.
ونُوقِشَ بأنَّ فائدته تظهر فيمن فَعَله بَعْد فِعل غيره، هل يقع فَرْضًا؟ وفي أنه هل يَلْزَم بالشروع؟ وسيأتيان.
الثالث: وهو مما سبق الوعدُ به: هل يَلْزَم فَرْضُ الكفاية بالشروع؟
قال ابن الرفعة في "المطلب" في كتاب الوديعة: إنه لا يَلزم. وقال في باب اللقيط: إنَّ مُقَابِلَه إنما هو بحث للإمام.
ولم يرجح الرافعي والنووي شيئًا على الإطلاق، بل هو عندهما مِن القواعد التي لا يطلق فيها ترجيح؛ لاختلاف المرجح في فروعها، كما في الإبراء: هل هو إسقاط؟ أو تمليك؟ والنذر: هل يسلك به مسلك الواجب؟ أو الجائز؟ ونحو ذلك.
ففي الجهاد يَلزم بحضور الصف، وفي صلاة الجنازة وما يتعلق بها يجب إتمامه. وصحَّحَا في المتعلم إذا آنَسَ مِن نفْسه النجابة أنه يجوز له التَّرْكُ بَعْد أنْ نقلَا عن القاضي
стр. 295
الحُسَين أنه يحرم.
قالا: لأنَّ الشروع لا يغير حُكم المشروع فيه.
وكذا قال القفال وغيره، قالوا: ولذلك لا يلزم التطوع بالشروع فيه.
وقد سبق - في إتمام الحج والعمرة تطوَّعًا - كلامٌ في مباحث المندوب ينبغي أنْ يُراجَعَ.
وجعل بعضهم ذلك قاعدة كُلِّية [مستثنى] (١) منها، فقال البارزي في "التمييز": (لا يَلْزَمُ فَرْضُ الكفاية بالشُّروع - في الأصح - إلَّا في الجهاد وصلاة الجنازة). انتهى
وخروج هذين لِمَا في الأول مِن تخذيل المسلمين وكَسْر القلوب، ولمَا في الثاني مِن هتْك حرمة الميت.
نَعَم، هذا كُله إذَا شرع مِن غير أنْ يسبق فِعْل غيره، فإنْ كان كذلك فَمَحَل نَظَر.
وفي "البحر": (لو شرع في صلاة [جنازة] (٢) بَعْد ما صُلِّي عليها، هل له الخروج؟ يحتمل وجهين ينبنيان على أصل، وهو أنَّ الصلاة الثانية تقع فرضًا؟ وفيه جوابان، القياسُ عندي لا؛ لأنَّ الفرض ما لا يجوز تركه على الإطلاق) (٣). انتهى
وينبغي جريانه في سائر فروض الكفايات. نَعَم، جزم الرافعي والنووي في هذه الصورة بوقوع الثانية فرضًا.
فرع: هل يلتحق تعيين الإمام بالشروع في لزومه؟ فيه خِلَاف صَنَّف فيه ابنُ التلمساني.
وقال الصيدلاني: لو أمر الإمام شخصًا بتجهيز ميت، تَعَيَّن عليه، وليس له استنابة غيره
стр. 296
ولا أجرة له.
قلتُ: وصرحوا أيضًا - في تعيين الإمام طائفة للجهاد - بالوجوب.
وفي "الكفاية" عن ابن الصباغ والبندنيجي أنهما حكيَا وجهين فيما لو عَيَّن الإمامُ شخصًا للقضاء: هل يتعين عليه؟ ولكن هذا إنما هو لتنفيذ أقضيته وخوف وقوع الفتنة بمخالفته، بل لو أَمَر بِسُنة كان كذلك كما قاله النووي في فتاويه في أمره بالصوم في الاستسقاء: إنه يصير واجبًا.
الرابع: إذَا أتى جَمْعٌ بِفَرض الكفاية دفْعَةً بحيث لو انفرد كُلٌّ لأسقطه، كان كلٌّ منهم آتِيًا بواجب وإلَّا لَزم التَّحَكُّم.
حكاه إمام الحرمين في "باب الجنائز" عن الأئمة، ثُم قال: (ويحتمل أنْ يجعل كمسح الرأس في الوضوء دفعة: هل الفرض الكُل؟ أو ما يقع عليه الاسم؟ وقد يقول الفطِنُ: رُتبة الفرضيَّة فوق السُّنية، وكُل مُصَلٍّ مِن الْجَمْع ينبغي أنْ لا يُحْرَم الفرضية وقد قام بما أُمِر به، وهذا لطيفٌ لا يصح مِثْله في المسح) (١). انتهى
ومن هنا قال الشيخ في "شرح الإلمام": إذَا باشَر "فَرْضَ الكفاية" أكثر [مِمَّن] (٢) يَحْصُل به تَأَدِّي الفَرْض، هل يُوصَف فِعْل الجميع بالفرضية؟ [أمْ] (٣) لَا؟
ثُم قال: ونحن إذَا قُلنا: يستحب الشروع والابتداء، لم نُرِد به أنه يقع مستحبًّا في حقه إذَا شرع فيه مع غيره.
فإنْ أتوا بِـ "فرض الكفاية" على التعاقب، فالثاني فَرْضٌ كما قاله النووي في باب الأذان
стр. 297
من "تحرير التنبيه". وسبق نقل جزم الرافعي والنووي في صلاة الجنازة به، ولكن الروياني حكى فيه وجهين. وفصل ابن عبد السلام بين أنْ يَكون الأول حَصَّل تمام المصلحة فلا يَكون الثاني فَرْضًا، أوْ لا فيكون، كأنْ يخرج للعدو مَن يستقل بذبِّهم، ثم يلحق آخرون قبل [الانقضاء] (١)، فالكل في فرضٍ وإنْ تَفاوتَت رُتبَهم في الثواب. وكتحرُّم مُصَلٍّ على الجنازة بَعْد تحرُّم غيره قَبْل أنْ يُسَلِّم، بل وكذا إنْ سَلَّم - مِن حيث إنَّ صلاة الجنازة لا تقع نَفْلًا. قاله القاضي والإمام والغزالي، وقال النووي: لا خلاف فيه.
وفيه نَظَر؛ فقد سبق أنَّ في "البحر" فيه في أصل فرض الكفاية وجهين.
وكَرَدِّ السلام [بَعْدَ رَدِّ غيْره] (٢)، ونحو ذلك.
وقولي: (مِن ثَمَّ كَانَ فِعْلُهُ أَهَمَّا) أَيْ: مِن أَجْل ما سبق مِن تَعَدِّي نَفْع [القائم] (٣) بفرض الكفاية [كان] (٤) الاهتمام به أهم (٥).
قال النووي في "الروضة" في كتاب السير مِن زوائده: (قال إمام الحرمين في كتابه "الغياثي": الذي أراه أنَّ القيام بِـ "فَرْض الكفاية" أفضل مِن "فرض العين"؛ لأنَّ فاعله ساعٍ في صيانة الأُمة كُلها عن المأثم، ولا شك في رجحان مَن حَلَّ مَحَل المسلمين أجمعين في القيام بمهم مِن مهمَّات الدِّين) (٦). انتهى
стр. 298
وفيه قصور عن المنقول؛ فَقَدْ قاله والدُ الإمام في كتابه "المحيط"، والأستاذُ أبو إسحاق في "شرح كتاب الترتيب"، ونقله عنهما ابنُ الصلاح في "فوائد الرحلة"، ونقله أبو علي السنجي أول "شرح التلخيص" عن أهل التحقيق، فقال ما نَصُّه: (إنَّ فرض الكفاية أهم مِن فرض الأعيان، والاشتغال به أفْضل مِن الاشتغال بأداء فرض العين).
هذا صوابُ النقل، فَمَن زَعَم على هؤلاء أنهم قالوا: (إنَّ "فرض الكفاية" أفْضل "مِن فرض العين")، فَقَدْ وَهِمَ.
نَعَم، قد يُقال: إنَّ في كلام الشافعي والأصحاب ما يخالف ذلك، فَفِي "الأُم": (إنَّ قَطْعَ الطواف المفروض لِصلاة الجنازة أو الراتبة مكروهٌ؛ إذْ لا يَحْسُن تَرْك "فَرْض العين" لِـ "فرض الكفاية"). وجَرَى عليه الأصحابُ كالرافعي في بابه.
وقال في "الإحياء" فيمن يترك الصلاة و [يتجر] (١) في تحصيل الثياب ونَسْجها قَصْدًا لِستْر العورات يزعم أنَّ ذلك حَقٌّ: (إنه كذاب) (٢).
وقد يجاب بأنَّ الأهمية ليست في كل موضع، بل الحكْم يختلف باختلاف الأحوال، ففي مَن ينقذ غريقًا وهو صائم لا يتمكن منه إلا بالإفطار: يفطر؛ لِئلَّا يُفَوِّت مصلحة "فرض الكفاية"، وهو مما لا يُسْتَدْرَك. وفي مَن تَعَارَضَ معه مكتوبة وجنازة: يُقَدِّم المكتوبة؛ لأنَّ صلاة الجنازة تُسْتَدْرَك. بل قد تُقَدَّم السُّنة على الفرض حيث يخشى فواتها دُون فواته، ككسُوف مع مكتوبة مُتسعة الوقت ويخشى الانجلاء.
والفقيه يتأمل المواطن، ويُنزل كلام العلماء على ما يليق به.
واعْلَم أنه يأتي في سُنة الكفاية ما سبق فيمن أتى بها بَعْد أنْ فُعِلَتْ أو دفْعَة، وفي كَوْن
стр. 299
الاشتغال بها أَهَم مِن سُنة العين، ونحو ذلك. والله أعلم.
ص:
١٧٠ - ثَالِثَةٌ: خُيِّرَ في الْمُوَسَّعِ ... بِأَنْ [يَفُوقَ] (١) الْوَقْتُ فِعْلَ الْمُوقَعِ
١٧١ - كَالظُّهْرِ وَالْعِيدِ، فَهَذَا يُطْلَبُ ... بِأَوَّلِ الْوَقْتِ إلى مَا يَذْهَبُ
١٧٢ - أنْ يَشرَعَ الْفَاعِلُ حَيْثُ شَاءَهْ ... مَا لَمْ يَصِرْ زَمَانُهُ زُهَاءَهْ
١٧٣ - أَوْ يَضِقِ الْوَقْتُ بِظَنِّ قَطْعِهِ ... بِمَوْتٍ اوْ بِحَيْضٍ اوْ بِمَنْعِهِ
الشرح: المسألة الثالثة: في التخيير في زمان الفعل المطلوب والتعيين.
فالفعلُ المطلوبُ بإيجاب أو نَدْب لا بُدَّ له مِن زمان يُوقَعُ فيه بالضرورة، فذلك الزمان إنْ كان مقصودًا بِأَنْ عَيَّن [الشارع] (٢) ابتداءَه وانتهاءَه، فيُسمَّى "المؤقَّت"، وإلَّا فَـ "المُطْلَق".
وهذا "المطْلَق" هل هو على الفور؟ أو التراخي؟ يأتي بيان الخلاف فيه في فصل "الأمر".
والأول إمَّا أنْ يساوي فيه الوقتُ الفعلَ أو ينقص عنه أو يزيد عليه. فالثالث هو المقصود هنا، وهو المسمَّى بِـ "المُوَسَّع"، وهو المراد بِقولي: (بِأَنْ [يَفُوقَ] (٣) الْوَقْتُ فِعْلَ الْمُوقَعِ). أَيْ: يَزيد عليه، ولهذا سُمِّي "مُوَسَّعًا"؛ لِكَوْن الوقت فيه أوسع مِن الفعل.
وهو مجازٌ؛ لأنَّ الموسَّع في الحقيقة الوقت، لا الفعل.
ومَثَّلْتُه بمثالين فَرْض وسُنة، فالفرض: كالظهر فيما بين الزوال ومصير ظل الشيء مِثله،
стр. 300
والسُّنة: كصلاة العيد فيما بين طلوع الشمس والزوال.
والحكْم في هذا القِسم أنَّ الطلب يتعلق بالفعل أول الوقت [ليفعله] (١) في أَيِّ وقتٍ شاء مِن أوله إلى آخِره.
ووجْه ذلك في الظهر مَثلًا أنه تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. أَيْ: في ابتداء زوالها وميلها إلى جهة الغروب، مع ما ورد في حديث إمامة جبريل: "الوقتُ ما بَيْن هذين" (٢)؛ فاقتضَى ما ذكرناه.
وهذا ما لم يَضِق الوقتُ بأنْ يَمُر حتى لا يبقى منه إلا قَدْر الفعل سواء، فإنَّ التخيير يرتفع، أو يتضيَّق على المكلَّف بِظَنه انقطاع الوقت بموتٍ، كأنْ قُدِّمَ للقتل، أو بحيضٍ كما صَوَّر به الإمامُ في "النهاية" بأنِ اعتادت مجيء الحيض ذلك الوقت، أو طرآن جنون متقطع اعْتِيدَ ذلك الوقت.
وهو معنى قولي: (مَا لَمْ يَصِرْ زَمَانُهُ زُهَاءَهْ)، أَيْ: قَدْرَه، وهو بِضَم الزاي والمدِّ كما اقتضاه كلام الأخفش، وعليه اقتصر صاحب "المشارق"، لكنه في "الصحاح" أَوْرَدَه في المعتل. ويقال فيه أيضًا: (لُهَاء). باللام بَدَل الزاي.
وقولي: (أَوْ يَضقِ) عطفًا على (بَصِر) المجزوم بِـ "لم"، وكُسِر لالتقاء الساكنين.
وقولي: (أَوْ بِمَنْعِهِ) أَيْ: أو بحالة تمنع وقوع الفعل، كالجنون المتقطع كما سبق.
وللعلماء في إثبات الموسَّع طريقان:
أحدهما: الاعتراف به، وبه قال الجمهور مِن الفقهاء والمتكلمين والأشاعرة وغيرهم،
стр. 301
واختاره الإمامُ وأتباعُه، ونُقِل عن جَمعٍ مِن الحنفية، فقال الأستاذ أبو منصور بعد أنْ نقلَهُ عن أصحابنا: إنه ذهب إليه مِن أهل الرأْي محمد بن شجاع البلخي (١). ونقله ابن بَرهان في "الأوسط" عن أبي زيد منهم.
الثاني: إنكاره؛ استنادًا إلى أنه لو وَجَبَ، لَمْ يَجُز تأخيره؛ إذِ التأخيرُ تَرْكٌ، والواجب لا يُترك كما سبق نظيرُه في خصال الكفارة.
ويُجاب عن هذا كما هناك أنَ كُل فرد مِن المخيَّر وكُل جزءٍ مِن الوقت له جهة عموم وهو كَوْنه أحد أشياء، وَجِهَة خصُوص وهو الشخص الذي يتميز به عن غيره، ومتعلَّقُ الوجوبِ جهةُ العموم، ولا تخيير فيه، ولا يجوز تركه، أَيْ بأنْ يُخْلي جميع الوقت منه أو يترك جميع الخصال، ومحلُّ التخييِر جهةُ الخصوص، وبتركه لا يكون تاركًا للواجب، وقد سبق تقريره في [المخيَّر] (٢) مبسوطًا.
وفي تقرير طريق المنكِرين للموسَّع مذاهب:
أحدها: أنَّ الوجوب أو الندب في المندوب يختص بأول الوقت، فإنْ أخَّره عنه فقضاء؛ لحديث: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخِره عفو الله" (٣). وليس المقتضي للعفو هنا إلَّا العصيان بخروج الصلاة عن وقتها. وهذا حكاه أبو الحسين في "المعتمد" عن بعض الناس، وحكاه صاحب "المصادر" عن بعض الشافعية، وكذا الإمامُ في "المعالم"، والبيضاوي في "المنهاج" حيث قال: (ومِنَّا مَن قال كذا)، إنْ أراد مِن الشافعية، أما إنْ أراد مِن
стр. 302
الأصوليين فقريب كما وقع في "المحصول" و"المنتخب" إذْ قال: (ومن أصحابنا)؛ لأنَّ هذا القول لا يُعْرف عن الشافعية.
قال [المَسِيلي] (١): سألت ابن الرفعة وهو أوحد الشافعية في زمانه، فقال: لم أترك مِن الكتب المشهورة في المذهب شيئًا إلَّا وقد طلبت هذا القول منه، فلم أجده.
وقال ابن التلمساني: (لا نعرفه في مذهب الشافعي، ولَعَلَّ مَن عزاه التبس عليه بوجه الإصطخري المشهور: إنَّ ما يفْعل فيما زاد على صلاة جبريل في الصبح والعصر يَكون قضاء). انتهى
وهو فاسد؛ لأنَّ الوقت عنده لم يخرج بذلك عن أنْ يَكون مُوَسَّعًا.
ومنهم مَن أخذه مِن تضييق وقت المغرب (على الجديد). وهو فاسد؛ لأنَّ ذاك مِن الضَيَّق كما سيأتي.
ومنهم مَن [قال] (٢): أخذه مِن قولهم: إنَّ الصلاة تجب بأول الوقت. فظنَّ أنَّ الوقت للصلاة. وليس كذلك، إنما هو للإيجاب.
وقيل: أخذه مِن قول الشافعي: رضوان الله أحبُّ إلينا مِن عفوه.
وقيل: مِن نَقْله في "الأُم" في كتاب الحج أنَّ قومًا مِن أهل الكلام وغيرهم ممن يفتى ممن يقول: "إنَّ وجوب الحج على الفور" يقولون: إنَّ وجوب الصلاة يختص بأول الوقت، حتى لو أخَّره عن أول وقت الإمكان عَصَى بالتأخير. انتهى
وكأنه ظن أنَّ الشافعي وافقه على قوله، وهو وَهْمٌ واضح. وأيضًا فقائله لم يَقُل: "إنَّ الوقت يخرج ويصير قضاء بَعْد أوله" كما هو صريح نقل الإمام الرازي في "المعالم"، بل إنه
стр. 303
يَعْصِي بالتأخير، ولا يَلْزَم مِن العصيانِ خروجُ الوقت.
نَعَم، هو قادح في حكاية القاضي أبي بكر -وجَرَى عليه ابنُ الحاجب- الإجماعَ على عدم تأثيم مَن أَخَّر عن أول الوقت، حتى إنَّ بعضهم عَبَّر عن هذا القول بأنه آخِر الوقت قضاء يَسُد مَسد الأداء.
وما نقله الشافعي ﵀ أَثْبَت وأَوْلَى، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يحفظ.
نَعَم، في "تقريب" القاضي وكذا في "الأصول" لابن القشيري أنَّ القائلين بأنه "يجب بأول الوقت، وهو قضاء في الثاني" يُجَوِّزون التأخير. قال: (ونُقل عن مالك قريبٌ مِن ذلك في الحج وغيره مِن العبادات المتعلقة بالعُمر، ورأى [نقل] (١) ذلك في الصلاة). انتهى
الثاني: أنَّ الوجوب يختص بآخِر الوقت، وأنَّ أوله سببٌ للجواز، فالمأْتي به في الأول تعجيل، كإخراج الزكاة قَبْل الحول. وظاهر كلام إمام الحرمين في "البرهان" اختياره، ورَدَّه ابن التلمساني بأنَّ التقديم لا يصح فيه بِنِيَّة التعجيل إجماعًا. نَعَم، هو منقول عن الحنفية أو أكثرهم كما نقله أبو بكر الرازي، وكذلك شمسُ الأئمة السرخسي نقل عن [البلخي] (٢) وأكثر مشايخهم العراقيين ذلك، ولكن الدبوسي قال في "تقويم الأدلة" بالوجوب الموسَّع، وأَبْطَل القول [بتعليقه] (٣) بالأخير.
الثالث: مِثْلُه، إلَّا أنه يقول: إنَّ التقديم نَفْلٌ يُسْقِطُ الفرضَ. ونقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الحنفية، ولكن بعض شارحي "الهداية" قال: (إنه قولٌ ضعيف لبعض
стр. 304
أصحابنا، وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا أنه يجب بأول الوقت وجوبًا مُوَسَّعًا). انتهى
وضُعِّف بأنَّ النفل لا يَقُوم مقام الفرض أبدًا، حتى لو صلى ألف ركعة بَدَلًا عن ركَعَتَي الصبح ما سقطت. فإنْ أُرِيدَ أنَّ النَّفْلِية فيه باعتبار المبادرة إلى الطاعة قَبْل استحقاقها، رجع للذي قَبْله. على أنَّ لنا صُوَرًا يسقط الفَرْضُ فيها بفعل النفل، لكن لا مِن حيث كَوْنه نَفْلًا، كغسل اللمعة في الكرَّة الثانية أو الثالثة إذَا تُركت في الأُولى، أو عند نسيان أنه توضأ فيُعيد الوضوء وتنغسِلُ اللمعة المتروكة أوَّلًا، وكقيام جلسة الاستراحة مقام الجلوس بين السجدتين حيث نسي السجدة الثانية فسجدها، وكصلاة الصبي على الجنازة مع وجود البالغين، وكالصبي إذَا صَلَّى ثم بَلغَ في الوقت بَعْد الفراغ أو في أثنائها.
الرابع: أنَّ الوجوب يتعلق بِآخِر الوقت إذَا بقي منه قَدْر تكبيرة.
الخامس: ويُنقل عن الكرخي مِن الحنفية، أنَّ الآتي بالعبادة أول الوقت إنْ بَقِي بِصِفَة الوجوب إلى آخِر الوقت (أي: بصفة تقتضي تَعَلُّق الوجوب به، أَيْ: ويقاس عليه في الندب أنْ يبقى بِصِفَة تقتضي تعلُّق الندب به)، فيَكُون ما فَعَله حينئذٍ واجبًا في الوجوب وسُنة في الندب. وإنْ طرأ ما يمنع (كموت وجنون وحيض)، تَبَيَّن أنَّ فِعْله في الواجب نَفْل.
ومنهم مَن ينقل عنه أنه قال: إنْ كان آخِر الوقت بصفة الوجوب.
ومُقْتَضَى ذلك أنها إذَا زالت وعادت، يَكون كما لو بقيت إلى آخِر الوقت.
قلتُ: وقد يُقال: إنَّ مُرادَه بِـ "الآخِر" ما بَعْد وقت الفعل (الذي فَعَله) إلى أنْ ينقضي الوقت، لا "الآخِر" المتَخَلِّل بَيْنه وبَيْن الأول وسط؛ لأنَّ مُدْرك الكرخي أنَّ الوقت متى زال التكليف فيه، لم يتبين تعلق الأمر فيه، وإلَّا فقد وُجِد أولُ الوقت بصفة التكليف، فزوال صفة التكليف وعودها آخِر الوقت -لا مَعْنى له. وعلى هذا التقدير يتحد النَّقْلان ويصيران قولًا واحدًا.
стр. 305
السادس: أنَّ الوجوب أو الندب يتعلق بالفعل أَيّ وقتٍ يشرع فيه، إلى أنْ يضيق الوقت؛ فيتعيَّن التعلُّق حينئذ وإنْ لَمْ يَفْعل. ويُنقل ذلك عن الكرخي أيضًا، وادَّعَى الصفي الهندي أنه المشهور عن الحنفية. ونُقِل عن الكرخي قولٌ آخَر: إنَّ الوجوب يتعلق بالفعل أَيّ وقتٍ كان.
فيخرج مِن هذه النقول ومما سبق أقوال كثيرة عن الحنفية.
تنبيهات
الأول: قِيل: إنَّ هذا الخلاف لَفْظي؛ لأنَّ القائلين بالأخير يُجَوِّزون فِعْلَه أولًا، وإنما الخلاف في تسميته "واجبًا".
ولكن قال القاضي أبو الطيب: إنه معنويٌ، وفائدته: هل يُشترَط في جواز تأخيره العَزْمُ؟ وسيأتي بيانه. وفي أنَّ الفعل إذَا مَضَى مِن الوقت مقدار فِعْله وطرأ حيضٌ أو جنون أو غيرُه حتى فات الوقت، يجب قضاؤه على قولنا، ولا يجب على قولهم.
الثاني: مِن العلماء مَن جعل مِن "الموسَّع" ما كان وقته العُمر (كالحج)، حتى يجري فيه ما سبق، والمختار خِلَافُه كما سيأتي.
الثالث: هل [يستقِر] (١) (على القول بِـ "الموسَّع") الوجوبُ بمجرد دخول الوقت؟ أو بإمكان الأداء؟ قال الروياني في "البحر": الأصح عند أصحابنا الثاني، ويحكى عن أبي حنيفة. وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهبنا. وحكى الأول عن أبي يحيى البلخي مِن أصحابنا، وهو أصح الروايتين عند الحنابلة أيضًا.
стр. 306
وعندنا وَجْه ثالث: أنه لا يستقر حتى يدرك مع الوقت أداء جزء، وهو قول ابن سُرَيج. قال: وإلَّا لَمَا جاز أنْ يَقْصُرها إذا سافر آخِر وقتها؛ لاستقرار فرضها.
وَرُدَّ بأنَّ القَصْر مِن صفات الأداء. قالوا: وهذا مِن ابن سُرَيج رجوع إلى قول الحنفية بوجوبها آخِر الوقت.
والله أعلم.
ص:
١٧٤ - فَإنْ يَبِنْ خِلَافُ مَا قَدْ ظَنَّا ... فَفِعْلُهُ بَعْدُ أَدَاءٌ هَنَّا (١)
الشرح: أَيْ: إذَا ظَن المكلَّفُ ضِيقَ الوقت بتوقع موتٍ أو حيض أو جنون وقُلنا: يتضيق عليه، فلا يجوز تأخيره. ومَتَى أَخَّر، عَصَى اتفاقًا.
لكن لو زال ذلك بِأنْ عُفِي عمن قُدِّمَ للقتل، أو لم يَأْتِ مُعْتَادَ الحيضِ أو نوبةِ الجنون [ذلك] (٢) ثُم أَتَى بتلك العبادة في الوقت حيث يقع في غير هذه الصُّوَر أداء: فهل يكون في هذه الصُّوَر أداءً؛ نَظَرًا إلى ما في نفس الأمر مِن بقاء الوقت؟ أو قضاءً؛ نَظَرًا إلى أنه بَعْد وقته بمقتضَى ظنه؟
قال القاضي أبو بكر في "التقريب" بالثاني، لأنه لَمَّا تضيق ثُم فَعَله، صار كأنه خارج الوقت، وحكى ذلك عن القاضي الحسين مِن أصحابنا. قِيل: ولا يُعْرف عنه إلا أنْ يَكون أَخَذ ذلك مِن مسألة إفساد الصلاة ثم فِعْلها في الوقت، فإنه مِن القائلين بأنها قضاء كما سيأتي.
стр. 307
وقال الجمهور - كالغزالي وغيره- بالأول؛ لبقاء الوقت، ولا عبرة بالظن الذي تَبَين خطؤه.
ومحل الخلاف إذَا مَضَى مِن وقت الظن إلى حين الفعل زمنٌ يَسَعُ الفرضَ؛ حتى يتجه القول بالقضاء. أما إذَا لم يمض ذلك وبقي بقية مِن ذلك المقدار فشرع فيها، فليكن على الخلاف فيما إذَا أَوْقَع بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجَه. والأصح (كما سيأتي): إنْ أَوْقَع في الوقت ركعةً، فالكل أداءٌ، وإلا فقضاء.
ومما رُدَّ به رأْي القاضي أنَّ ظن المكلَّف إنما يؤثِّر في "الأحكام التكليفية"، وقد أثَّر هنا في تأثيمه بالتأخير، وأمَّا في "الوضعية" كَكَوْن الوقت باقيًا فَلَا؛ لأنَّ الثواب والإثم يتبع الاعتقادات ولا يقلب حقائق المقَدَّرات.
ويظهر أثَرُ الخلاف فى المسألة في:
- نية الأداء والقضاء.
- وفي أنه لو فُرض ذلك في الجمعة، لا تُقْضَى جمعةً، بل ظُهْرًا.
- وما لو كان في السفر وقُلنا: فائت السفر لا يُقْصَر ولو صُلِّي في السفر، وإنْ كان الراجح خِلَافَه.
قولي: (فَفِعْلُه) مبتدأ، خبرُه "أداءٌ"، فُصِل بينهما بالظرف المبني على الضم؛ لِقَطْعه عن الإضافة، أَيْ: بَعْد التَّبَيُّن. والجُملة جوابُ الشرط.
وقولي: (هَنَّا) بفتح الهاء وتشديد النون -المراد به الإشارة للزمان وإنْ كان في الأصل للمكان، والقصد به تقييد الفعل بأنه في الوقت قبل خروجه، ومِن وروده إشارة للزمان قول الشاعر: حَنَّتْ نوارُ ولاتَ هَنَّا حنَّت.
ويمكن أنْ يُجعَل إشارة للمكان على بابِه، والمرادُ: في مكان هذا التصوير يُنشأُ الحكم،
стр. 308
كما يقول: من هناك قيل بكذا وكذا. فالظرفيَّة فيه مجازية.
تنبيه:
مما يناسِبُ هذه القاعدة مِن الفروع: باعَ مال مُوَرثه يَظُنُّ حياتَه، فبانَ مَيتًا، قولان: أَرْجحهما الصحة. ويجريان أيضًا فيما لو زوج أَمة أبيه على أنه حي فبانَ ميتًا وهو وارثه، أو باع العبد على أنه آبق أو مكاتب فبانَ راجعًا أو فاسخًا للكتابة، ولو وطئ أَمَة نفسه جاهلًا ذلك فولدت، ثبت الاستيلاد على أصح الوجهين، وغير ذلك مما لا ينحصر، وكُله راجع إلى تغيير الأمر الوضعي بالظن أَوْ لا. فإنْ غلبَ فيه التعبُّد، أثَّر الظنُّ فيه، كَمَن صَلَّى خلف مَن ظنَّه امرأة أو خنثى فبانَ ذَكرًا، فإنه باطل؛ لِمَا ذكَرْناه.
وأنت إذَا تتبعت الفروع، لم تجدها تخرج عن ذلك، والله أعلم.
ص:
١٧٥ - وَالشَّرْطُ في تَأْخِيرِهِ لِلثَّاني ... عَزْمٌ عَلَى الْفِعْلِ لَهُ يُدَانِي
الشرح: أَيْ: يتفرع على القول الراجح في الموسَّع (وهو تَعَلُّق الأمر في أول الوقت لِيُوقعه متى شاء مِن الوقت) أنَّ تَرْك الفعل أول الوقت هل يُشْتَرط فيه أنْ يعْزم على الإتيان به في الثاني وهكذا إلى أنْ يتضيق؟ أَوْ لا؟ طريقتان مرجحتان، وممن حكاهما وجهين لأصحابنا القاضيان الطبري والماوردي والشيخُ في "اللمع"، المختار منهما: الاشتراط، فقد قال الإمامُ: إنه قول أصحابنا وأكثر المعتزلة. ونصره القاضي، ونقله عن المحققين، وجزم به الغزالي في "المستصفى"، وينقل عن جمهور المتكلمين، وإليه أيضًا صار ابن فُورك، ونقله القاضي عبد الوهاب المالكي عن أكثر الشافعية. وقال النووي في "شرح المهذب ": إنه الصحيح مِن الوجهين؛ ولهذا أوجبوه على المسافر في جمع التأخير، ونظيره أنَّ مَن عليه دَيْن،
стр. 309
يجب عليه العَزْم على أدائه عند المطالبة. ويدُل له [أيضًا] (١) اتفاق أصحابنا في الأمر المطْلَق على وجوب العَزْم عند ورود الأمر.
وزعم صاحب "جمع الجوامع" أنَّ وجوب العزم لا يُعْرف إلا عن القاضي ومَن تبعه كالآمدي، وبالغ في التشنيع على هذا القول، فقال: إنه مِن هفوات القاضي، ومن العظائم في الدِّين، وإنه إيجابٌ بلا دليل.
قال: (وليس في نصوص الشافعي ومُتَقدِّمي أصحابه هذه المقالة).
قال: (وإنما موضع النظر أنَّ مَن نَوَى الترك هل يَعْصي بالنية؟ والحكم فيه أنه إنْ لم يفعل، عَمىَ بهما جميعا؛ لحديث: "ما لم تتكلم أو تعمل " (٢)، وإلَّا فهل عَمىَ بالنية التي كذبها الفعل؛ فيه نظر واحتمال، وحديث: "الفَرْجُ يُصدِّق ذلك أو يُكذبُه" (٣) دليل على عدم التعصِية). انتهى
ولا يخفى ما فيه، لِمَا سبق، ولمَا سنذكره. نَعَم، قد سبقه إلى هذا الإنكار إلْكِمِا الهرَّاسي، وكذا القاضي أبو الطيب إذْ قال: لم يذكره أصحابنا المتقدمون، ولا يحفظ عن الشافعي. ورجَّحَا الطريقة التي لا توجب العزم، وهي تُعْزَى لأكثر الفقهاء.
وممن أنكر "العَزْمَ" على القاضي إمامُ الحرمين، قِيل: لِتَخَيُّله أنه أخذه مِن دلالة صيغة الأمر عليه، وأنه جُعل العزمُ بَدَلًا مِن نفس الفعل. ولكن القاضي إنما أخذه مِن دليل العقل الذي هو أَقْوَى مِن دليل الصيغة مِن حيث إنَّ ما لا يُتَوَصَّل إلَّا به فهو واجبٌ، والعَزْمُ عنده بَدَل مِن تقديم الفعل، لا مِن الفعل نفسه كما زعمه الجبَّائي، واقتصر عليه الشيخ في
стр. 310
"اللمع"؛ لأنَّ الواجب لا يجوز تركُه.
وقِيل: إنما وجب ليتميز الواجب عن غيره. واختاره القاضي أبو الطيب.
فهذه ثلاثة أقوال في مُدْركه. ومما ضُعِّفَ به القول بوجوب العزم أنه يَلْزَمُ تَعَدُّدُ البَدَلِ والمُبدَلُ واحد.
وجوابُه: مَنع التعدُّد؛ ولذلك قال إمام الحرمين: إنَّ الذين قالوا بذلك لا أراهم يوجبون تجديد العزم في جزءٍ بَعْد جزءٍ، بل يحكمون بأنَّ العزم الأول ينسحب على جميع الأزمنة المستقبلة، كانسحاب النية على العبادة الطويلة مع عزوبها. وكذا قال أبو نصر القشيري أيضا: إنه محمول على ذلك.
واختار الغزالي تفصيلًا بين الغافل عن الفعل والترك فلا يجب عليه العزم، وبين مَن خطر ذلك بباله فيجب، فإنه إذا لم يعزم على الفعل، فَقَدْ عزم على الترك ضرورةً. واستحسنه القرافي في "القواعد"، ولكنه [في الحقيقة] (١) راجع إلى الوجوب مطلقًا، إذْ ليس لنا قائل بوجوب العزم مع الغفلة؛ لأنه مُحَالٌ.
وذكر [الماوردي] (٢) أنه دار بينه وبين أبي الحسن [اللخْمي] (٣) البحث في ذلك، فكان يُنكرُ العزمَ ويستبعِدُه، فَلَمْ يَكُن إلا قليل حتى قرأ القارئ في البخاري: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" (٤) الحديث، وفيه تعليل النبي ﷺ [كَوْن] (٥) المقتول في النار بِكَوْنه كان حريصًا،
стр. 311
فَقُلْتُ له: هذا يدل للقاضي. فلم يُحِب أنْ يبطل استبعاده.
قولي: (له يُداني) جملة حاليَّة أو صفة؛ لوقوعها بَعْدَ مُعَرَّفٍ بِـ "ال" الجنسية، ومعناه أنه [يقاربه] (١) ويتصل به، والله أعلم.
ص:
١٧٦ - وَإنْ يَكُنْ وَقْتٌ [يُسَاوِي] (٢) الْفِعْلَا ... كَالصَّوْمِ، ذَا "مُضَيَّقٌ"، لَا يُخْلَى
١٧٧ - وَإنْ يَكُنْ أقلَّ، فَالتَّعَلُّقُ ... لِقَصْدِ تَكْمِيلٍ إذَا يُحَقَّقُ
١٧٨ - أَوِ الْقَضَا، كَزَائِلِ الْعُذْرِ إذَا ... بَقِيَ [تَكْبِيرٌ] (٣) مِنَ الْوَقْتِ إذَا
الشرح: هذا إشارة إلى القِسمين الباقيَين مِن التقسيم السابق، وهُما المقابِلان للوقت الموَسَع:
أحدهما: أنْ يَكون الوقت مساويًا للفعل، لا يزيد عليه ولا ينقص منه، كالصوم، فإنه مِن الفجر إلى الغروب، وكصلاة المغرب على الجديد مِن مذهبنا، وكما لو استأجره يومًا للعمل فيه، ونحو ذلك ما سبق فيما إذا لم يَبْق من الوقت إلا قَدْر الصلاة، وإنْ كان في غالب ذلك بالتقريب، لا بالتحديد، فيُسَمَّى الوقت في ذلك كله "مُضَيَّقًا"؛ لأنه لا يخلو جزءٌ مِن الوقت مِن الفعل، وهو معنى قولي: (لا يُخْلَى) بالبناء للمفعول، أَيْ: لا يُخْلِيه الفاعل مِن الفعل لو فعل.
وقَسَّم الحنفية المساوِي إلى ما يَكون الوقت سببًا لوجوبه (كصوم رمضان)، وإلى ما لا
стр. 312
يَكون كذلك (كقضائه).
الثاني: أنْ يَكون الوقت أنْقَص مِن الفعل. وفيه اعتباران:
أحدهما: أنْ يُقْصَد أنْ يُوقع جميع الفعل في ذلك الوقت الذي لا يَسَعُه، وهو مُحَالٌ، فيمنعه مَن يَمْنَع التكليف بالمُحَال.
وثانيهما: أنْ يُقْصَدَ بِأَمْره بذلك أنْ يبتدئ الفعل في الوقت ويُتمه بَعْدَهُ، فيجوز قَطْعًا. وهذا موجود فِيمَن أَخَّر حتى ضاق الوقت عَمْدًا أو غيره، وفيمن زال عُذْرُه وهو بحيث يمكنه أنْ يَشْرع في الصلاة، كزوال الصِّبَا مع وجود الشروط.
أو القَصْد أنْ يَتعلق الفعل بِذِمَّته حتى يأتي به قَضَاء خارج الوقت حيث تَعَذَّر الشروع فيه قَبْل خروج الوقت، كوجوب الصلاة على مَن زال عُذْره مِن جنون أو صِبًا ليس موجودًا فيه شرطُ الشروع، أو حيضٍ أو نفاسٍ أو كُفرٍ، وإنْ تَسامَح الفقهاء في إطلاق العُذْر على الكُفر؛ لأنه ليس بِعُذْرٍ حقيقةً.
لكن شَرْط هذا القِسم كُله أنْ يَبْقَى مِن الوقت قَدْرُ تكبيرة (على المُرَجَّح)، [وفي قَوْلٍ: ركعةٍ] (١)، وفي قَوْلٍ بزيادة طُهْرٍ. وإنْ كانت الصلاة تُجْمع مع ما قَبْلها، [فَفِيهَا] (٢) خِلَافٌ آخَر وتفصيلٌ مشهورٌ في الفقه.
وشَرْطه أيضًا الخلوُّ مِن الموانع بَعْدَ الوقت بمقدار ما يسع العبادة واحتياجها كما هو موضح في الفقه أيضًا.
وقولي: (بَقى [تَكْبِيرٌ] (٣) مِنَ الْوَقْتِ إذَا) أصله "إذَنْ" لكنها يُوقف عليها بالألِف، والله
стр. 313
أعلم.
ص:
١٧٩ - وَلَيْسَ مِنْ مُوَسَّعٍ مَا وَقْتُهُ ... عُمْرٌ، كحَجٍّ، فَمَجَازٌ ذِكْرُهُ
الشرح: هذا تنبيه على قِسْمٍ أَدْخَلُوه في "الموسَّع"، وليس عند التحقيق منه؛ لأنه ليس منصوصًا على وقته، وأيضًا "الموسع" هو الذي يَعْلَم المكَلَّف سِعَتَه بحيث يسوغ له تأخيره عن أول الوقت إلى ثانيه، وما كان آخِره آخِر العُمْر لا يتحقق فيه ذلك، كالحج إذَا قُلنا بالمرَجَّح أنه على التراخي لا الفور، وكقضاء العبادة التي فاتت بِعُذْر من صلاة أو صيام، فهذا ليس مِن "الموسَّع" وإن ذكره منه كثير مِن الأصوليين والفقهاء.
ولهذا قال البيضاوي في "منهاجه": (فَرْع: الموسَّع قد يسعه العُمر) (١) إلى آخِره، وذكر فيه مسألة مَن أَخَّر ظانًّا بقاء الوقت ومات، أنه يَعْصِي، فاقتضَى كلامُه أنَّ كل ما كان على التراخي يُسَمَّى مُوَسَّعًا، وليس كذلك كما سبق تقريره.
وممن صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي، قال: لأنَّ المكلَّف إذا لم يَعْلم آخِر الوقت، كيف يحكُم بأنه مُوَسَّع أو مُضَيَّق ولا تكليف إلا بِعِلم؟ !
قال: فتسميتهم ذلك "مُوَسَّعًا" مجاز؛ لمشابهته "الموسَّع".
قلتُ: ولأجْل ذلك أَثْبَتَ الحنفية ذلك قِسْمًا آخَر مُقَابِلًا للأقسام الثلاثة السابقة (التي هي "الموسع" و"المضيق" و"الناقص وقته عنه") عَبَّروا عنه بِـ "ما لا يُعْلَم زيادته ولا مُسَاواته"، كالحج، وسموه "الواجب المشكل"؛ لأنه أخذ شبَهًا مِن الصلاة باعتبار أنه لا يستغرق الوقت، ومن الصوم باعتبار أنَّ السَّنَة الواحدة لا يقع فيها إلا حجة واحدة، وأيضًا
стр. 314
فإنه لا يُدْرَى: أينقضي العُمر بَعْد الفعل؟ أو فيه؟
واعْلَم أنَّ هذا يفارق "الموسَّع" أيضًا في عصيانه إذا أخَّر مع ظن السلامة كما سبق عن البيضاوي الإشارة للمسألة. والحاصل أنه هنا إذا مات قَبْل الفعل، مات عاصيًا (على المرجَّح)؛ لأنه لَمَّا لَمْ يَعْلَم الآخِر، كان جواز التأخير له مشروطًا بسلامة العاقبة، بخلاف "الموسَّع" وهو المعلوم الطرفين.
وثالثها: الفرق بَيْن الشيخ فَيَعْصِي والشاب فَلَا، وهو اختيار الغزالي.
وفَرَّقُوا - على الأول الراجح - بَيْنه وبَيْن "الموسَّع" أيضًا بأنَّ بِالْمَوْت في الحج خَرَج وقته، وبِالْمَوْت في أثناء وقت الصلاة لم يخرج وقتها. ونظير الحج أنْ يموت آخِر وقت الصلاة - أَيْ: أو قَبْله- بما لا يَسَعُها، فإنه يَعْمِي حينئذ، والله أعلم.
ص:
١٨٠ - رَابِعَةٌ: ذَاتُ انْقِسَامٍ بَيِّنِ ... إنْ وَقَعَتْ في وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ
١٨١ - شَرْعًا عِبَادَةٌ، فَذِي "أَدَاءُ" ... أَوْ بَعْدَهُ، فَهْيَ إذَنْ "قَضَاءُ"
١٨٢ - وَرُبَّمَا أَجْرَوا كَكُلٍّ بَعْضَا ... [كرَكْعَةٍ] (١) آخِرَ وَقْتٍ تُمْضَى
١٨٣ - وإنْ تَكُنْ قَدْ سُبِقَتْ بِمِثْلِ ... فَهْيَ "إعَادَةٌ" وَلَوْ بِالشَّكْلِ
١٨٤ - وَلَوْ بِوَقْتٍ، فَالَّذِي قَدْ أَفْسَدَا ... فِيهِ صَلَاةً مَا يُعِيدُهُ أَدَا
الشرح: المسألة الرابعة مِن المسائل المتعلقة [بما سبق] (٢) يذكر فيها انقسام العبادة إلى أداءٍ وقضاءٍ، وإلى ابتداءٍ وإعادةٍ.
стр. 315
وذلك أنَّ العبادة إنْ لم تَكُن مؤقتة بوقت محدودِ الطرفين، فلا تُوصَف بأداءٍ ولا قضاء، سواء أكان لها سبب (كتحية المسجد وسجود التلاوة) أَوْ لَا (كالنوافل المطْلَقة). وقد تُوصَف بالإعادة، كَمَن أتى بذات السبب -مَثَلًا - مُخْتَلَّة، فَتَدَارَكَها حيث يمكن التدارك.
وإنْ كانت مؤقتة (سواء أكانت فَرْضًا أو نَفْلًا)، وُصِفَت بالأمور الثلاثة، خِلافًا لمن زَعَم أنها لا يُوصَف بها إلا الواجب.
فإنْ وقعَت في وقتها المعَيَّن لها شَرْعًا فأداءٌ (كالصلوات الخمس وتوابعها وصوم رمضان ونحو ذلك)، أو بَعْد خروج الوقت فَقَضَاء، سواء خُوطِبَ بالأداء [أَوْ] (١) لا، وسواء مَن لم يخاطَب به أَمْكَنه فِعْله (كصوم المسافر والمريض) أو امتنع منه عَقْلًا (كقضاء النائم الصلاة) أو شَرْعًا (كقضاء الحائض الصوم).
فالمدارُ -في تسميتها "قضاء" بَعْد الوقت- على انعقاد سبب الوجوب في حَقِّه وإنْ تَخَلَّف الوجوبُ لِمَانِع، وكذا انعقاد سبب الندب وإنْ تَخَلَّف لمانع.
نَعَم، في تسمية قضاء الحائض خِلافٌ في كَوْنه حقيقة أو مجازًا، وسبق عن الغزالي أنَّ ذلك مجاز في قول عائشة ﵄: "كُنا نؤمر بقضاء الصوم" (٢). قال: للإجماع على عدم الوجوب عليها، ولكن إذا كان المعتبر انعقاد السبب، فلا امتناع من إطلاق "القضاء" حقيقة.
نَعَم، إذَا لم ينعقد سبب الأمر له، لم يَكن فِعلُه بعد انقضاء الوقت قضاءً إجماعًا، لا حقيقةً ولا مجازًا، كما لو صَلَّى الصبي الصلوات الفائتة في حالة الصِّبَا؛ لأنَّ المأمور بِأمْر الصبي بالصلاة هو الولي، وليس الصبي مأمورًا بذلك شرعًا حتى يَقْضِي، فثوابُ الصبي على عباداته مِن خطاب الوضع.
стр. 316
نَعَم، حكى الجيلي وجهين عن فتاوى الروياني في أنَّ الولي يأمره بقضاء ما فاته مِن الصلاة، وعلى القول بأمره مدْرَكُه أنه كالأداء؛ ليتمرَّن على العبادة وإن حُكِيَ خِلَافٌ في أنَّ سبيلَه سبيلُ النَّفْلِ؟ أو الفَرْضِ حتى لا يصلي قاعدًا؟ فحكى ابن الرفعة في "الكفاية" في ذلك وجهين، لكن الظاهر هو الأول، فلذلك رجح النووي في "التحقيق" و "شرح المهذب " أنَّ الصبي لا ينوي الفرضية.
قُلتُ: لكنه لا يُصلي قاعدًا مع القُدرة، ولا يجمع فرضين بتيمم (على المرَجَّح)، فليس جاريًا على سَنن واحد. نَعَم، سقوط الصلاة في الحائض عزيمة؛ لِعَدم انعقاد سبب الأمر في حَقِّها، حتى لو أرادت بَعْد الطهر أنْ تقضي صلوات زمن الحيض وقالت: (أنا أتبرعُ بذلك)، كان ذلك حرامًا عليها كما نقله ابن الصلاح في "طبقاته" في ترجمة أبي بكر البيضاوي أنه ذكره في كتاب "تعليل مسائل التبصرة"؛ لأن عائشة ﵂ نهت المرأة عن ذلك وقالت: "أحرورية أنت؟ " (١).
نَعَم، في "شرح الوسيط" للعجلي الكراهة، وكذا في "البحر" للروياني.
ولكونه عزيمة أيضًا: لو ارتدت ثم حاضت، لا تقضي صلاة زمن الرِّدَّة، بخلاف مَن جُنَّ ثُم ارْتَد، فإنه يقضي زمن الردة في الجنون. وكذا لا تثاب الحائض على الصلوات التي تركتها زمن الحيض، بخلاف المريض والمسافر، حيث يُكتب لكل منهما مِثل نوافل الصلوات التي كان يَفعلها في صحته أو حَضَرِه لِمَحَلِّ العُذْر كما قاله النووي في "شرح مسلم" في حديث ابن عمر في نَقْص عَقْلِهن ودِينهن (٢).
فإنْ قِيل: هذا التعريف لِـ "الأداء" غير مطَّرد، ولِـ "القضاء" غير منعكس، فإنَّ فِعل ما
стр. 317
فات مِن رمضان بِعُذْر -لا يجوز تأخيره إلى ما بَعْد رمضان الثاني، فهو مؤقَّت وقد فَعَله في وقته مع كَوْنه قضاء، فينبغي أنْ يُزاد: " [المُعَيَّن] (١) أَوَّلًا"، لِيخرج ذلك مِن تعريف "الأداء" ويدخل في تعريف "القضاء".
وكذا في رمي الجمار لمن فاته ذلك أول التشريق وتَداركَه في بقية الأيام، فإنه أداء على الأظهر مع أنه بَعْد وقته، وقيل: قضاء. أمَّا بَعْد أيام التشريق فقضاء قَطْعًا، لكن لا بنفس الرمي، بل بالدم، كما في قضاء الجمعة ظُهْرًا.
فالجواب عن الأول: مَنعْ أنْ يكون هذا توقيتًا للعبادة بوقت مقصود، بل توسيع مِن الشرع في القضاء أنْ لا يكون على الفَوْر، لكن توسيع إلى غاية، بدليل أنه لو صامه بَعْد ذلك لا يُقال فيه: (إنه قضاء القضاء)، وإنما هو قضاء للأصل.
وعن الثاني: بأنَّ أيام التشريق كلها وقت لكل الرمي، وإنْ شُرِط فيه أنْ يقع ابتداؤه في وقت مُعَيَّن (على الراجح)، فيكُون له وقت اختيار ووقت جواز كما في الصلاة كما [قُرِّر] (٢) في موضعه في الفقه.
قولي: (وربما أَجْروا) إلى آخِره -إشارة إلى أنه قد يُجرى في بعض العبادات (وهو الصلاة) فِعلُ البعض في الوقت بمنزلة كُله حتى يكون أداءً، وأَجْرَوا ما فُعِل بعضُه خارج الوقت بمنزلة فِعل الجميع خارجه حتى يكون قضاء.
وقد مَثَّلْتُ للأول، فَيُعْلَم منه مثال الثاني، وذلك أنهم قالوا فيمن صَلَّى بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه: إنْ كان الواقع في الوقت ركعة، كان الكل أداءً، وإلَّا كان الكل قضاءً - على الأصح.
стр. 318
وقيل: الكل أداء مطلقًا.
وقيل: الكل قضاء مطلقًا.
وقيل: ما في الوقت أداء وخارجه قضاء.
وقيل: إنْ أخّر لِغَير عُذْر، فالكل قضاء، وإلَّا فأداء.
فَعَلَى الأصح يحتاج إلى دخول ما فيه ركعة في الأداء، وإخراج ما فيه دونها عنه وإدخاله في القضاء. وكذا على بعض الأقوال السابقة أيضًا، فهذا معنى قولي: (أَجْروا كَكُلٍّ بَعْضَا).
لكن على المرجَّح:
- إنْ كان ما في الوقت ركعة، فأَجْروا البعض كالكل في كَوْنه أداء.
- أو دُونها، فأَجْروا البعض كالكل في كَوْنه قضاء.
وقولي: (كركعة آخِر وقتٍ تمُضَي) أَيْ: [تُفْعل] (١)، فالضمير للركعة تصريح بالحالة الأُولى، وتؤخذ الحالة [السابقة] (٢) مِن مفهوم ذلك كما سبق.
ولو أَطْلَقْتُ إجراء البعض [كالكل] (٣) لَكَان يشمل الصورتين لكن لا يُعْرَف الفَرْق بينهما، فَزِدت قولى: (كركعة) إلى آخِره؛ لبيان الفَرْق على [الرأي] (٤) الراجح في المسألة. وهذا التعبير على ما قررته هو الصواب.
وأمَّا استظهار صاحب "جمع الجوامع" على دخول الحالة الأُولى في "الأداء" بقوله: (فِعلُ
стр. 319
بعضٍ، وقيل: كل) (١) وعلى خروجها مِن تعريف "القضاء" بقوله: (والقضاء فِعلُ كلٍّ، وقيل: بعض) (٢) - ففيه خلل مِن وجوه:
منها: أنه لا يدخل في حَدِّ "الأداء"، لا أداء الصوم ولا الحج، ولا الأداء في الصلاة إذا فُعلت كلها في الوقت بالتصريح، بل بفحوى الخطاب، وإنما يتوجه التعريف لفرد واحد من أفراد الحقيقة، ولا يخفى فسادُه.
ومنها: شمول الـ "بعض" ما كان دُون الركعة.
ومنها: حكاية خِلاف في تعريف "الأداء"، وإنما هو خِلاف في بعض الصُّوَر.
ومنها: أنَّ التعريف لا ينصب في فصوله الخلاف؛ لأنَّ الحد إنْ كان بالذاتي فَمُحَال فيه التعدد، أو بالخاصَّة فيعود إلى كَوْنه خاصَّة، أوْ لا، فليس الخلاف في كَوْنه تعريفًا أَوْ لا.
ومنها: أنه يدخل فيه ما لو فُعل بعضٌ قَبْل الوقت وبعضٌ فيه، وهو فاسدٌ مع التعمد، ومع عَدَمِه ينقلبُ الفرضُ نَفْلًا.
ومنها: أنَّ هذا مِن فروع الفقه، لا عُلقة له بِكُليَّات الأُصول.
ومنها: أنَّ قوله في "القضاء" يأتي فيه ما قُلناه في "الأداء" مما هو بالعكس حسب ما يمكن إيراده، فَتَأَمَّله.
نَعَم، هو أراد أن يحقق (بِقَوْله في تعريفهما: فِعْل) أنَّ "الأداء" أو "القضاء" إنما هو الفعل، لا المفعول كما وقع ذلك في عبارة "المختصر" و"المنهاج " وغيرهما من كتب الأصول، وأوضح ذلك بقوله مِن بَعْد: (والمؤدَّى ما فُعِل، والمَقْضِيُّ المفعول).
стр. 320
ولكنه تحقيق لا طائل تحته، فإنَّ "الأداء" و"القضاء" في عبارة الأصوليين والفقهاء يُراد بها المفعول، مِن إطلاق المَصدَر على المفعول، واشتهر ذلك في استعمالهم حتى صار حقيقة عُرْفية.
وأيضًا فالعبادة قبل إيقاعها ليس لها وجود خارجي يقع الفعل عليه حتى يَكون مفعولًا حقيقة ويقع الفَرْق فيه بين الفعل والمفعول، فحينئذ إيقاع العبادة ووقوعها وفِعلها و [ذاتها] (١) كُله واحد، فَصَحَّ وَصْفُ العبادة بالأداء وبالمؤداة وبالقضاء والمقضِية، فاعْلَم ذلك.
فإنْ قيل: إذا كانوا قد أَجْرَوا فِعلَ البعض في هذه الصورة بمنزلة الكُل حتى صارت أداء، فَقَدْ خرجت عن التعريف الذي [ذكرته] (٢) للأداء، فلا يكون منعكسًا، وفي دون الركعة في الوقت خرج أيضًا مِن تعريف "القضاء"؛ فلا يكون منعكسًا.
فالجواب: أنه في الأول لَمَّا جَعَله الشارعُ مُدْركًا بالركعة، صار ما بَعْد الوقت إلى آخِر الصلاة داخلًا في الوقت في حَقّه، فَلَم يفعل الكل إلا في الوقت؛ وذلك أنه ﷺ لَمَّا قال: "مَن أَدرك ركعة مِن العصر قَبْل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومَن أَدرك ركعة مِن الصبح قَبْل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " (٣) وقِيسَ ما سواهما عليهما في ذلك؛ إذْ لا فارق، وَجَبَ أنْ يُقْضَى شرعًا بما ذكرناه، وفي القضاء مقابلة؛ لأنَّ بعض الركعة نزل منزلة العدم، فكأنه فعل الكل خارج الوقت. كذا قرره الشيخ تقي الدين السبكي بَعْد أنْ قال: إنَّ المتبادر مِن كلامهم تسميته "أداء" مع الحكم بخروج الوقت وأنَّ ما بقي مفعولٌ خارج