← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نَعَم، حكى الجيلي وجهين عن فتاوى الروياني في أنَّ الولي يأمره بقضاء ما فاته مِن الصلاة، وعلى القول بأمره مدْرَكُه أنه كالأداء؛ ليتمرَّن على العبادة وإن حُكِيَ خِلَافٌ في أنَّ سبيلَه سبيلُ النَّفْلِ؟ أو الفَرْضِ حتى لا يصلي قاعدًا؟ فحكى ابن الرفعة في "الكفاية" في ذلك وجهين، لكن الظاهر هو الأول، فلذلك رجح النووي في "التحقيق" و "شرح المهذب " أنَّ الصبي لا ينوي الفرضية. قُلتُ: لكنه لا يُصلي قاعدًا مع القُدرة، ولا يجمع فرضين بتيمم (على المرَجَّح)، فليس جاريًا على سَنن واحد. نَعَم، سقوط الصلاة في الحائض عزيمة؛ لِعَدم انعقاد سبب الأمر في حَقِّها، حتى لو أرادت بَعْد الطهر أنْ تقضي صلوات زمن الحيض وقالت: (أنا أتبرعُ بذلك)، كان ذلك حرامًا عليها كما نقله ابن الصلاح في "طبقاته" في ترجمة أبي بكر البيضاوي أنه ذكره في كتاب "تعليل مسائل التبصرة"؛ لأن عائشة ﵂ نهت المرأة عن ذلك وقالت: "أحرورية أنت؟ " (١). نَعَم، في "شرح الوسيط" للعجلي الكراهة، وكذا في "البحر" للروياني. ولكونه عزيمة أيضًا: لو ارتدت ثم حاضت، لا تقضي صلاة زمن الرِّدَّة، بخلاف مَن جُنَّ ثُم ارْتَد، فإنه يقضي زمن الردة في الجنون. وكذا لا تثاب الحائض على الصلوات التي تركتها زمن الحيض، بخلاف المريض والمسافر، حيث يُكتب لكل منهما مِثل نوافل الصلوات التي كان يَفعلها في صحته أو حَضَرِه لِمَحَلِّ العُذْر كما قاله النووي في "شرح مسلم" في حديث ابن عمر في نَقْص عَقْلِهن ودِينهن (٢). فإنْ قِيل: هذا التعريف لِـ "الأداء" غير مطَّرد، ولِـ "القضاء" غير منعكس، فإنَّ فِعل ما

стр. 317

فات مِن رمضان بِعُذْر -لا يجوز تأخيره إلى ما بَعْد رمضان الثاني، فهو مؤقَّت وقد فَعَله في وقته مع كَوْنه قضاء، فينبغي أنْ يُزاد: " [المُعَيَّن] (١) أَوَّلًا"، لِيخرج ذلك مِن تعريف "الأداء" ويدخل في تعريف "القضاء". وكذا في رمي الجمار لمن فاته ذلك أول التشريق وتَداركَه في بقية الأيام، فإنه أداء على الأظهر مع أنه بَعْد وقته، وقيل: قضاء. أمَّا بَعْد أيام التشريق فقضاء قَطْعًا، لكن لا بنفس الرمي، بل بالدم، كما في قضاء الجمعة ظُهْرًا. فالجواب عن الأول: مَنعْ أنْ يكون هذا توقيتًا للعبادة بوقت مقصود، بل توسيع مِن الشرع في القضاء أنْ لا يكون على الفَوْر، لكن توسيع إلى غاية، بدليل أنه لو صامه بَعْد ذلك لا يُقال فيه: (إنه قضاء القضاء)، وإنما هو قضاء للأصل. وعن الثاني: بأنَّ أيام التشريق كلها وقت لكل الرمي، وإنْ شُرِط فيه أنْ يقع ابتداؤه في وقت مُعَيَّن (على الراجح)، فيكُون له وقت اختيار ووقت جواز كما في الصلاة كما [قُرِّر] (٢) في موضعه في الفقه. قولي: (وربما أَجْروا) إلى آخِره -إشارة إلى أنه قد يُجرى في بعض العبادات (وهو الصلاة) فِعلُ البعض في الوقت بمنزلة كُله حتى يكون أداءً، وأَجْرَوا ما فُعِل بعضُه خارج الوقت بمنزلة فِعل الجميع خارجه حتى يكون قضاء. وقد مَثَّلْتُ للأول، فَيُعْلَم منه مثال الثاني، وذلك أنهم قالوا فيمن صَلَّى بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه: إنْ كان الواقع في الوقت ركعة، كان الكل أداءً، وإلَّا كان الكل قضاءً - على الأصح.

стр. 318

وقيل: الكل أداء مطلقًا. وقيل: الكل قضاء مطلقًا. وقيل: ما في الوقت أداء وخارجه قضاء. وقيل: إنْ أخّر لِغَير عُذْر، فالكل قضاء، وإلَّا فأداء. فَعَلَى الأصح يحتاج إلى دخول ما فيه ركعة في الأداء، وإخراج ما فيه دونها عنه وإدخاله في القضاء. وكذا على بعض الأقوال السابقة أيضًا، فهذا معنى قولي: (أَجْروا كَكُلٍّ بَعْضَا). لكن على المرجَّح: - إنْ كان ما في الوقت ركعة، فأَجْروا البعض كالكل في كَوْنه أداء. - أو دُونها، فأَجْروا البعض كالكل في كَوْنه قضاء. وقولي: (كركعة آخِر وقتٍ تمُضَي) أَيْ: [تُفْعل] (١)، فالضمير للركعة تصريح بالحالة الأُولى، وتؤخذ الحالة [السابقة] (٢) مِن مفهوم ذلك كما سبق. ولو أَطْلَقْتُ إجراء البعض [كالكل] (٣) لَكَان يشمل الصورتين لكن لا يُعْرَف الفَرْق بينهما، فَزِدت قولى: (كركعة) إلى آخِره؛ لبيان الفَرْق على [الرأي] (٤) الراجح في المسألة. وهذا التعبير على ما قررته هو الصواب. وأمَّا استظهار صاحب "جمع الجوامع" على دخول الحالة الأُولى في "الأداء" بقوله: (فِعلُ

стр. 319

بعضٍ، وقيل: كل) (١) وعلى خروجها مِن تعريف "القضاء" بقوله: (والقضاء فِعلُ كلٍّ، وقيل: بعض) (٢) - ففيه خلل مِن وجوه: منها: أنه لا يدخل في حَدِّ "الأداء"، لا أداء الصوم ولا الحج، ولا الأداء في الصلاة إذا فُعلت كلها في الوقت بالتصريح، بل بفحوى الخطاب، وإنما يتوجه التعريف لفرد واحد من أفراد الحقيقة، ولا يخفى فسادُه. ومنها: شمول الـ "بعض" ما كان دُون الركعة. ومنها: حكاية خِلاف في تعريف "الأداء"، وإنما هو خِلاف في بعض الصُّوَر. ومنها: أنَّ التعريف لا ينصب في فصوله الخلاف؛ لأنَّ الحد إنْ كان بالذاتي فَمُحَال فيه التعدد، أو بالخاصَّة فيعود إلى كَوْنه خاصَّة، أوْ لا، فليس الخلاف في كَوْنه تعريفًا أَوْ لا. ومنها: أنه يدخل فيه ما لو فُعل بعضٌ قَبْل الوقت وبعضٌ فيه، وهو فاسدٌ مع التعمد، ومع عَدَمِه ينقلبُ الفرضُ نَفْلًا. ومنها: أنَّ هذا مِن فروع الفقه، لا عُلقة له بِكُليَّات الأُصول. ومنها: أنَّ قوله في "القضاء" يأتي فيه ما قُلناه في "الأداء" مما هو بالعكس حسب ما يمكن إيراده، فَتَأَمَّله. نَعَم، هو أراد أن يحقق (بِقَوْله في تعريفهما: فِعْل) أنَّ "الأداء" أو "القضاء" إنما هو الفعل، لا المفعول كما وقع ذلك في عبارة "المختصر" و"المنهاج " وغيرهما من كتب الأصول، وأوضح ذلك بقوله مِن بَعْد: (والمؤدَّى ما فُعِل، والمَقْضِيُّ المفعول).

стр. 320

ولكنه تحقيق لا طائل تحته، فإنَّ "الأداء" و"القضاء" في عبارة الأصوليين والفقهاء يُراد بها المفعول، مِن إطلاق المَصدَر على المفعول، واشتهر ذلك في استعمالهم حتى صار حقيقة عُرْفية. وأيضًا فالعبادة قبل إيقاعها ليس لها وجود خارجي يقع الفعل عليه حتى يَكون مفعولًا حقيقة ويقع الفَرْق فيه بين الفعل والمفعول، فحينئذ إيقاع العبادة ووقوعها وفِعلها و [ذاتها] (١) كُله واحد، فَصَحَّ وَصْفُ العبادة بالأداء وبالمؤداة وبالقضاء والمقضِية، فاعْلَم ذلك. فإنْ قيل: إذا كانوا قد أَجْرَوا فِعلَ البعض في هذه الصورة بمنزلة الكُل حتى صارت أداء، فَقَدْ خرجت عن التعريف الذي [ذكرته] (٢) للأداء، فلا يكون منعكسًا، وفي دون الركعة في الوقت خرج أيضًا مِن تعريف "القضاء"؛ فلا يكون منعكسًا. فالجواب: أنه في الأول لَمَّا جَعَله الشارعُ مُدْركًا بالركعة، صار ما بَعْد الوقت إلى آخِر الصلاة داخلًا في الوقت في حَقّه، فَلَم يفعل الكل إلا في الوقت؛ وذلك أنه ﷺ لَمَّا قال: "مَن أَدرك ركعة مِن العصر قَبْل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومَن أَدرك ركعة مِن الصبح قَبْل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " (٣) وقِيسَ ما سواهما عليهما في ذلك؛ إذْ لا فارق، وَجَبَ أنْ يُقْضَى شرعًا بما ذكرناه، وفي القضاء مقابلة؛ لأنَّ بعض الركعة نزل منزلة العدم، فكأنه فعل الكل خارج الوقت. كذا قرره الشيخ تقي الدين السبكي بَعْد أنْ قال: إنَّ المتبادر مِن كلامهم تسميته "أداء" مع الحكم بخروج الوقت وأنَّ ما بقي مفعولٌ خارج

стр. 321

الوقت. لكن في كلام الشافعي ما يدلُّ للأول، فإنه قال في "المختصر": (فإذَا طلعت الشمس قَبْل أنْ يُصَلِّي منها ركعة، فقدْ خرج وقتُها). فمفهومه أنه إذَا صلَّى ركعة، لا يخرج وقتُها، وأنَّ الوقت لا يخرج إلا بالنسبة إلى مَن لَمْ يُصَلِّ ركعة، ويشهد لذلك ما إذا جمع بين الصلاتين جَمع تأخير، فإنَّ المؤخَّر يَكون أداءً (على الصحيح) مع أنَّ وقتها الأصلي خرج؛ تنزيلًا لوقت الثانية منزلة وقت الأُولى، وهذا واضح. فإنْ قِيل: - مَن أفسد صلاة ثُم أعادها، تَكون قضاءً على طريقةٍ، [فَيَرِد] (١) على تعريف "الأداء" طردًا، وعلى تعريف "القضاء" عكسًا. - وأيضًا فلو شهد برؤية الهلال مِن شوال ولم يكمل إلا بَعْد الغروب، كأنْ وقعت التزكية بَعْده فيصلى العيد مِن الغد أداءً مع أنه خارج الوقت. - وأيضًا فصدقة الفطر إذا أُخرِجت في رمضان، كانت أداءً مع كَوْنها مؤقَّتة بما بين غروب ليلة العيد وغروب يومه. فالجواب: أمَّا الأول: فسيأتي ترجيح أنه أداء، [وبتقدير القول الآخر فَيُدَّعَى أنَّ الوقت خرج بالنسبة إلى هذا دُون غيره كما سبق نظيره] (٢). امَّا الثاني: فإنَّ الشهادة ألغيت بالنسبة إلى الصلاة وإنْ قُبِلَت في غيرها؛ للمدرك

стр. 322

الموضح في الفقه، فكأنَّ الوقت لم يَدخل؛ فلَمْ يُصَلِّ خارج الوقت، بل فيه، والشهادة قد تتوزع كما في العدل في هلال رمضان، وإذَا وقع التوزيع في الأحكام بالدليل، فلا تناقض حينئذ. وأمَّا الثالث: فإنه مما سامح الشرع فيه بالتعجيل قَبْل وقته، كتعجيل الزكاة قَبْل الحول، فهو مُسْقِطٌ للواجب، لا أداء حقيقة. تنبيه: قد تَقدم أنَّ الحج ليس وقته مُوَسَّعًا، وأنه مِن باب التراخي، فعَلَى هذا إذا لم يَكُن مؤقتًا معلوم الطرفين؛ لجهالة الطرف الآخَر، فلا يُوصَفُ بأداءٍ ولا قضاء، فتسمية الفقهاء إياه بذلك على سبيل التَّجَوُّز، أو تفريعٌ على كَوْنه مِن الموَسَّع. ومَن مات وحُجَّ عنه، يُسَمى ذلك أيضا "قضاء" مع كَوْن الفاعل غير مَن خُوطِبَ به، وكُله مجازٌ، أو أنَّ المراد القضاء اللُّغَوِي، كقضاء الدَّيْن ونحوه؛ لا القضاء الاصطلاحي. وقولي: (وإنْ تَكُنْ قَدْ سُبِقَتْ بِمِثْلِ) بيان للإعادة، وهي تَكون فيما ليس مؤقتًا (كما [سبق ويأتي] (١) [و] (٢) في المؤقت في أدائه وقضائه، فلذلك عممت العِبارة خِلافًا لِمَا أَوْهَمه كلامُ البيضاوي تَوَهُمًا من عبارة "المحصول" مِن قصره على الأداء. فالعبادة إنْ سُبقت بمثلها، سُميت "إعادة" مع كَوْنها تُسَمَّى في الوقت "أداء" وفيما بَعْده "قضاء"، غايته أنَّ لها في كل حالة اسْمَين. وبيْن "الإعادة" وكُل مِن "الأداء" و" القضاء" عمومًا وخصوصًا مِن وَجْهٍ.

стр. 323

وممن صرح بأنه لا يعتبر الوقت في "الإعادة" سليم الرازي في "التقريب"، فقال: (الإعادة اسم للعبادة يبتدئ بها ثُم لا يتم فِعلها، إمَّا بأنْ لا [يعقدها] (١) صحيحة، وإمَّا بأنْ يطرأ الفسادُ عليها، وقد يعيدها في الوقت فتكون أداءً، وبعد الوقت فتكون قضاءً). انتهى ثُم السابقة إنْ كانت مختلَّة بركْنٍ أو شرط، فإعادة كما هو ظاهر كلامهم، مع كَوْن الثانية إنما هي مِثْل الأُولى في الصورة والشكل، لا مِن جميع الوجوه، وإلَّا لَكانت الأُخرى فاسدة، وأيضًا فالمختلَّة كالمعدومة، ولهذا قال ﷺ صلاته: "ارْجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ" (٢). وقد تَكون الثانية مِثل الأُولى في الشكل والصورة والأُولى مختلَّة بِشَرط أو ركن لكنها صحيحة مِن حيث ترخيص الشارع فيها، كصلاة فاقِد الطهورين. وكذا كل عبادة وَجَبَت مع العُذر في فسادها وكانت إعادتها بدون الخلل واجبة، كصلاة المُتيمم في الحضَر الذي يغلب فيه الماء ولشدة البرد، وغير ذلك مما هو مبسوط في محله من الفقه. وربما وجبت الإعادة مع عدم تَحَقُّق السلامة مِن الاختلال في الأُولى [أو] (٣) الثانية، بل مجموعهما تتحقق السلامة منه، كإعادة المتحيّرة الصلاة (على الراجح مِن القولين). وإنْ كانت غير مختلة لكن أُعِيدت لمقصد شرعي، كَكَوْن الثانية أكمل أو نحو ذلك، كإعادة مَن صلَّى منفردًا صلاته في جماعة، أو في جماعة ثُم يعيدها في جماعة أَفضل مِن الأُولى؛ لكثرة ونحوها، وكذا مع التساوي (على المرَجَّح)؛ لأنه لا يَعلم المقبول منهما، ومن ذلك صلاة الراجي للماء آخِر الوقت ثُم يعيد بَعد وجود الماء بالوضوء، ونحو ذلك، وهو كثير، فإطلاق الفقهاء يقتضي أنَّ ذلك كُله يُسَمى "إعادة" خِلافًا لِمَا يقتضيه كلام الأصوليين، بل

стр. 324

هذا أَحَق مِن الأول بِاسْم "الإعادة"؛ لأنَّ ذلك إنما هو بحسب الصورة، وهذا مثله في عدم الخلل، فالإعادة فيه حقيقة. نَعَم، لا يجري مِثل هذا في الحج بِأنْ يحج صحيحًا ثُم يحج بَعْده مِن سَنة أخرى، وكذا الصوم؛ لأنَّ الثاني غير الأول. أمَّا مَن حَجَّ فاسدًا ثُم حج صحيحًا فلا يمتنع أنْ يُسَمى "إعادة" وإن لم يُسَم "أداء" كما قررناه. فَتَلَخَّصَ أنَّ "الإعادة" لا تتوقف على كَوْن ما سبقها صحيحًا ولا فاسدًا، ولا كونه أداءً أو قضاءً، ولا مؤقتًا أو مُطْلَقًا. نَعم، مِن العبادات ما يوصَف بالأداء دُون القضاء، كالجمعة؛ لأنها لَمَّا توقفت على أمور يَعْسُر اجتماعها كل وقتٍ، امتنع فيها القضاء. ولا يُسْتشْكَلُ هذا بأنها لم توصَف بالقضاء فكيف توصف بالأداء ولا يوصف بالشيء إلا ما يوصف بضده؟ وقد يجاب بالمنع، أو بأنَّ ما أَمْكَن، يُعْمَل فيه، وما تَعَذَّر فَلَا، أو أنه لَمَّا أَمْكَن قضاؤها بالظهر إذا فاتت، نزلت منزلة قضائها جمعة. وقولي: (ولو بوقت) إلى آخِره -راجع إلى قولي: (ولو بالشكل)، أَيْ: ولو كان الذي أُعِيدَ على صورة الأول -الذي حُكِم بفساده- فُعِل في الوقت فإنه لا يخرج عن كَوْنه إعادةً وأداءً. والقصد بذلك مسألة ذكرها أصحابنا، وهي أنَّ مَن أفسد صلاةً في الوقت ثُم أعادها والوقت باقٍ، فقال القاضي حسين في "تعليقه وتبعه في "التتمة" و"البحر" كُلهم في باب صفة الصلاة: إنَّ ذلك قضاء باعتبار أنَّ الوقت تضيق بالإحرام بالصلاة؛ لامتناع الخروج منها، فلم يَبْقَ لها وقت شروع، بل وقت استدامة، فالإحرام بها بعد ذلك خارج عن وقتها

стр. 325

بالنسبة إلى ذلك، كالمغرب إذا قُلنا بالجديد، فإنه إذَا أخَّر الإحرام عن وقته وهو أول الوقت المفروض [إلى انتهاء قَدْر طهارة وستر عورة وخمس ركعات أو سبع- على ما فُصِّل في الفقه] (١)، صارت قضاء، كالذي يفسد الحج ولو كان نفلًا، يَلْزَمه القضاء؛ لامتناع الخروج منه. قال ابن الرفعة: إنَّ في نَص "الأُم" إشارة إليه حيث منع الخروج مِن الفرض بَعد التلبُّس به. ثم قال: (فإنْ خرج منها بلا عُذْر، كان مُفْسدًا آثمًا). انتهى قلتُ: وكأنَّ وَجْه الإشارة أنَّ إخراج العبادة عن وقتها حرام، فلولا أنَّ [إفسادَها] (٢) يُصَيِّرها قضاءً لَمَا مَنَع مِن الخروج. لكن فيه نَظَر، لأنَّ ذلك إنما هو لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فإبطالُ الفرض لا يجوز. فإنْ قُلتَ: قد نقل في "الشامل" عن نَص الشافعي ﵁ أنه لو أَحْرم مسافرٌ بالصلاة وهو يجهل أنَّ له قَصْرها ثُم سَلَّم مِن ركعتين، وَجَبَ عليه قضاؤها؛ لأنه عقدها أربعًا، فإذَا سَلَّم مِن ركعتين منها فَقَدْ قَصَدَ إفسادها. فجعلها قضاء. قلتُ: مُرادُه وجوب الإعادة على كل حال، لا القضاء بالمعنى الاصطلاحي؛ لأنه مَسُوقٌ لبيان لغو الأُولى؛ ولذلك كان إطلاق أكثر الأصوليين والفقهاء وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" وشَرْحِها أنها أداءٌ، وهو اللائق بالقواعد؛ لأنَّ الوقت باقٍ، وبإفساده الصلاة زال التضييق؛ لأنَّ فِعْلَه كَلَا فِعْل؛ بدليل: "ارْجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ". وإنما يظهر التضييق أنْ لو استمرت صحيحة؛ فلذلك جريتُ على هذا في النَّظْم بِقولي:

стр. 326

(ومَا [يُعِيدُهُ] (١) أَدَا) أَيْ: مع كَوْنه يُسمى "إعادة" لا يخرج عن كونه أداءً، فَقَوْل شيخنا بدر الدين الزركشي في شرح "جمع الجوامع": ([التحقيق] (٢) أنه لا أداء ولا قضاء، بل إعادة) (٣) ليس بجيد؛ لأنَّ "الإعادة" لا تُنافي "الأداء" كما قررناه، وقد قرره هو في موضعه على الصواب. وكذا قال الشيخ أبو إسحاق ما نَصُّه: (أمَّا إذَا دخل فيها فأفسدها أو نسي شرطًا مِن شروطها فأعادها والوقت باقٍ، سُمي "إعادة" و"أداء") (٤). انتهى وظهر مِن كلام الشيخ أنَّ الصورة لا تختص بالإفساد بل على كَوْن الإحرام ليس تعديًا، بل إمَّا صحيحًا في نفس الأمر والاعتقاد، أو في الاعتقاد فقط. ويخرجُ عنه الإحرامُ المتعدي به؛ لاعتقاد خلله، سواء في نفس الأمر كذلك أَوْ لا. وأمَّا استناد القاضي ومَن تبعه لِشَبَهِه بالمغرب ففيه نَظَر، فالفَرق بينهما أنَّ التحديد هناك مِن فِعله، وفي المغرب مِن تقدير الشارع، وقد قُلنا في فِعله: إنه إذَا [أَفْسَده] (٥)، كان كأنْ لا فِعْل، فالأمر باقٍ على الأصل في بقاء الوقت. بل ذهب الإمامُ والغزالي إلى أنه يجوز الخروج مِن الفريضة في الوقت الموسَّع إذَا أمكن تَدَارُكها في الوقت وإنْ كان المرَجَّحُ خِلافَه. لكن يؤخَذ منه ما قاله الشيخ أبو إسحاق واقتضاه كلام غيره كما بَيَّناه؛ لأنهما لا يمكن أنْ يُجوِّزا تفويت الصلاة في الوقت والإتيان بها

стр. 327

بَعْده. وأمَّا الحج فسبق أنَّ المختار أنه ليس مِن الموسَّع، ولا يُسمى "قضاء" إلا مجازًا، فتسمية ما يُفْعل عوَضًا عما أُفْسِد منه "قضاء" في بعض الصُّوَر -مجَازٌ. ومما استشكل به قول مَن قال: (قضاء الجمعة إذا أفسدت). فإنْ قال: (تُعاد جمعةً) وهو الذي يظهر، لَزِمَ منه أنَّ الجمعة تُقْضَى، ولا قائلَ به. وإنْ قال: (يعيدها ظُهرًا)، فَبَعِيدٌ؛ لبقاء وقت الجمعة؛ فَتَعَيَّن أنْ يُعِيدها جمعة حيث أَمْكَن، ويكون "أداءً"، وهو المدَّعَى. ويجرى نحوُه في الصلاة المقصورة لو أُفْسدت [وأراد] (١) أنْ يعيدها في الوقت في السفر مقصورة ومنعنا القصر في القضاء إنْ كانت الأُولى في الحضر، أو في السفر ولكنه ائتم في الأُولى بِمُقِيم ثُم أَفْسَدها، أو في السفر ولم يَكن ثَم ما يُوجب الإتمام فأفسدها ثُم أعادها [بالإتمام] (٢) في هذه الصورة على رأيٍ قد يشهد للقاضي ومَن تبعه، بل هم ادعوا تفريعه على دعواهم [أنه] (٣) قضاء. لكن الأرجح في فائتة السفر أنْ تُصَلَّى قَصرًا، فالجاري على القواعد أنَّ يقصر فيما لو أفسدت، وأمَّا ما كان في الحضر أو ائتم فيه بِمُتِمٍّ ثُم أَفسده فَقَدْ تَرَتَب في ذِمته [التام] (٤)؛ فلا يأتي به إلا تامًّا، لا مِن حيث كونه قضاء، كما يجب عليه الإتمامُ في مسائل مِن الأداء المتفق على كونه أداءً كما هو مبسوط في الفقه. ولهذا قال الشيخ في "شرح اللمع": إنَّ الخلاف لَفْظِيٌ. وهو حق، لِمَا بَيَّنا مِن عدم فائدة تظهر له، إلَّا أنْ يُقال: إنَ نية القضاء تُفْسِد الأداء -وبالعكس- إذَا كان عَمْدًا؛ لِكَوْنه

стр. 328

تلاعُبًا كما ذكره النووي مِن "زوائد الروضة" وحمل كلامهم على مَن ظن ذلك وظهر الأمر بخلاف ما نَوَى. وعليه ينبغي أنْ يُحمل قولُ ابن بَرهان قي "الأوسط": إنَّ الأداء والقضاء راجع إلى التلقيب والاصطلاح. [قال] (١): (وإلا فعندنا لا فَرْقَ بين أنْ يُسَمى القضاء أداءً، والأداء قضاءً، ولهذا يجوز أنْ يعقد القضاء بِنِيَّة الأداء، فإذَنْ لا فَرْق بيْنهما في الحقيقة). انتهى واعْلَم أنَّ القاضي الحسين قال بَعْد ذلك بنحو ورقة: إنَّ مُقْتَضَى قول أصحابنا أنه في هذه المسألة يَنْوي القضاء إتمامًا لما التزمَهُ في الذِّمَّة بشروعِه كالمسافر ينوي التمام ثم يفسد الصلاة، يقضيها تامة، لا مقصورة؛ لالتزامه الإتمام بالإحرام. قال: وعَلَى قول [الفقهاء] (٢) يتخيَّر بين نية الأداء والقضاء. وجَرَى على كَوْنه ينوي القضاء أيضًا صاحب "التتمة"، فيحتمل كلام القاضي أنَّ مقتضَى كلام الأصحاب ما ادَّعاه مِن كَوْنها قضاء؛ فلا يَكون هذا مِن تَفَقُّهه، بل يَكون مِن منقول الأصحاب، فلا ينبغي أنْ يُعْزَى ذلك له ولمن تَبعَه فقط. ويحتمل أنَّ مراده أنَّ الأصحاب لو قالوا بما قُلْتُه لكان مُقْتَضَى قولهم ذلك بشهادة قواعدهم. وبالجملة فقد تَبيَّن أنَّ القول بالأداء هو الأرجَح، والله أعلم.

стр. 329

ص: ١٨٥ - خَامِسَةٌ: أَلْحُكْمُ إنْ تَغَيَّرَا ... لِذِي سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ قُدِّرَا ١٨٦ - مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْأَصليِّ ... فَـ "رُخْصَةً" يُسْمَى، وَفي الْمَرْضِيِّ ١٨٧ - أَقْسَامُهَا وَاجِبَةٌ، كالْمَيْتَةِ ... عِنْدَ اضطرارٍ، أَوْ تُرَى في السُّنَّةِ ١٨٨ - كَالْقَصْرِ في الصَّلَاةِ، أَوْ مُبَاحَهْ ... مِثْلُ الْعَرَايَا الشَّرْعُ قَدْ أَبَاحَهْ ١٨٩ - وَرُبَّمَا كلانَتْ خِلَافَ الْأَوْلَى ... كَالْفِطْرِ في مُسَافِرٍ لَا يُولَى ١٩٠ - مَشَقَّةَ الصوْمِ، فَمَا فِيهِ انْتَفَى ... قَيْدٌ فَذَا "عَزِيمَةٌ" قَدْ عُرِّفَا الشرح: المسألة الخامسة في بيان الرخصة والعزيمة، وأصل "الرخصة": فُعلة، مِن رَخُصَ الشيء (كالسعر ونحوه) رُخْصًا ورُخصةً: إذَا سَهُل. والترخيص: التسهيل، فهي لِلْمَرَّة مِن الرُّخْص. وحُكي ضم الخاء فيها أيضًا باتِّباع العين للفاء (١)، وجَوَّز بعضهم أن تكون المضمومة الخاء (٢) أصلًا و [الساكنها] (٣) تخفيفًا منها، وأنْ يَكون كُلٌّ أَصْلًا برأسها. وحكى الفارابي فيها أيضًا: "خُرْصة" بتقديم الخاء، ولَعَلَّه مِن القَلْب. وأمَّا ما اشتهر على الألسنة من "رُخَصة" بفتح الخاء بمعنى المسكَّن فلا أصل له، وإنما الـ "فُعَلة" تكون مبالغةً في الفاعل كَـ "هُمَزة" و"لُمَزة" و"ضُحَكَة" للمُكْثِر مِن ذلك، فقياسه

стр. 330

هنا المُكثر مِن [الترخُّص] (١)، وإنْ كان القياس إنما هو مِن الثلاثي كما في "هُمَزة" ونحوه، و [الترخُّص] (٢) زائدٌ على الثلاثة؛ فيحتاج لِسماعٍ. [نَعَم] (٣)، يكون " فُعَلة" أيضًا للمفعول كَـ "لُقَطَة" بمعنى "الملقُوط"، فيكون "رخصه" بمعنى المرخَّص فيه وإنْ كان مِن غير الثلاثي أيضًا. وأما "العزيمة": فَـ "فَعِيلة" مِن العَزْم، وهو القصْد المؤكَّد، ومنه ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وعزمتُ عليك ألَّا ما فعلت كذا، وعَزَمتُ على الشيء: جزمتُ به وصمَّمتُ عليه "عَزْمًا"، و"عُزْمًا" (بِضَم أوله أيضًا) وعزيما، وعزيمة، قال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أَيْ: جزمًا. وأمَّا معناهما في اصطلاح الشرع: - فيحتمل أنْ يكونَا وَصْفَيْن للحُكم، وهو قضية [عبارة] (٤) الغزالي، وتَبِعَهُ جمعٌ كالبيضاوي، وعليه جريتُ في النَّظْم حيث قَسَّمتُ الحكْم إليهما. فتكون "الرخصة" بمعنى الترخيص، و"العزيمة" بمعنى التأكيد في طلب الشيء، ومنه: "فاقبلُوا رُخْصَةَ الله" (٥)، وقول أم عطية: "نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا" (٦)، وعَلَى هذا فتكُون مِن الأحكام الوضعيَّة

стр. 331

(كما قاله الآمدي، وسبق في تقرير الحكم الوضعي شيء مِن ذلك) أو مِن التكليفية (لِمَا فيها مِن معنى الاقتضاء أو التخيير)، ولذلك قَسَّموها إلى واجبة ومندوبة ونحو ذلك كما سيأتي، ولكن سيأتي أنَّ ذلك أمر خارجي عن [أصل] (١) الترخيص. - ويحتمل أنْ يَكونَا وصفين للفعل المرَخَّص فيه أو المعزوم ولو كان تركًا، أَيْ: المطلوب بالعزم والتأكيد، وهو ما جَرَى عليه الإمام وابن الحاجب، وعليه حديث: "إن الله يحب أن تؤتى رُخَصُه كما يحب أنْ تؤتى عزائمُه" (٢)، فإنَّ المأتي هو الفعل. وبالجملة فالاعتباران واضحان، والمقصود لا يختلف. فإذَا تَغَيَّر الحكم الشرعي بما هو أسهل، لِعُذْر مع قيام السبب المقتفِي له دالًّا في غير محل الترخيص، فذلك الحكم - المغيَّر إليه أو الفعل المتعلق به (على الرأيين) هو "الرخصة"، وما سوى ذلك هو "العزيمة" كما سيأتي. فَعُلم مِن ذلك احتياج "الرخصة" لدليل على خِلَاف الدليل السابق، فيخرج بذلك ما سقط بسقوط محله، كالعضو الساقط يَسقط غسلُه، ونحو ذلك، وخرج ما لم يَكُن مع قيام دليل سابق: - إمَّا بأنْ لا يَكون دليل أصلًا، كالأكل والشرب على خِلاف الأصل السابق على الشرع (إذا قُلنا: إنه المنع)، فإنه ليس بِرُخصة. - وما كان فيه دليل لكن رُفِع، كمصابرة العشرة للمائة رُفِع بمصابرتهم عشرين. وتقييده في "جمع الجوامع" الحكم بِـ "الشرعي" لا فائدة له، فإنَّ الكلام في الشرعي.

стр. 332

وخرج بقولنا: (إلى أَسْهَل) ما يُغَير إلى غَيْر أَسْهَل، كأنْ تغَيَّر إلى أشد، كالحدود والتعازير ونحوها مع قيام الدليل على تكريم الآدمي المقتضِي للمنع منها، وهو معنى قولي: (لِذِي سهولة). وهو أَحْسَن مِن تعبير "جمع الجوامع" بِـ "إلى سهولة"؛ لأنَّ "السهولة" مَصْدر ولا يُطْلَق على الحكم أو الفعل (على الرأيين) إلا مجازًا بتأويل. قيل: ويخرج به أيضًا ما كان على مَن قَبلنا مِن الآصار ورُفِعَت في شريعتنا تيسيرًا وتسهيلًا. لكن هذا إنما يتفرع على أنَّ شَرْع مَن قَبلنا شرعٌ لنا وإلَّا فلا تغيير للحُكم أصلًا. وخرج بقولنا: (لِعُذر) التخصيص أو التقييد المؤدِّي إلى أسهل حيث لا يَكون عُذر. نَعَم، إنْ ظَهَر عُذْر في المُخْرَج [بالتخصيص] (١) أو التقييد، فلا يمتنع أنْ يُسَمى "رخصة"، بل الرُّخَص كلها كذلك. ومنهم مَن يُخرج بِقَيْد "العُذْر" ما ثبت بدليل راجح على خِلاف دليلٍ آخَر مُعَارِضٍ له، وعن التكاليف، لأنَّ الأصلَ بَعْد ورود الشرع عَدَمُها، كما أطال فيه القرافي في كُتبه. ولكن كلٌّ منهما ممنوع؛ لأنَّ الدليل المرجوح ليس بدليل حتى يُقال: إنها على خِلاف الدليل. وأمَّا التكاليف فإنما يَكون "الأصلُ عَدَمها" دليلًا إذَا لم يكن لذلك الأصل مُعارِض، فأمَّا إذَا عارضته أدلة التكاليف فلا يصير دليلًا؛ ولذلك لم يُجعل رفعُه بالتكاليف مِن باب النَّسْخ كما سيأتي بيانه في موضعه. وقولي: (مع قيام السبب الأصلي) أَصْوَب مِن قول ابن الحاجب: (مع قيام المُحَرِّم)؛ لأنه لا يدخل فيه قيام طلب الندب، كترك الجماعة لمطرٍ أو وحلٍ، ونحو ذلك. فإنْ قِيل: هذا التعريف غير مطَّرد؛ لأنَّ ترك صلاة الحائض عزيمة لا رُخصة مع أنَّ

стр. 333

الحكم قد تَغير إلى أَسْهل؛ لِعُذْر وهو الحيض -مع قيام المقتضِي للصلاة لولا الحيض. قِيل: إنْ كان المراد أنَّ تركها الصلاة زمن الحيض ليس يَصْدُق حَدُّ الرخصة عليه مِن حيث إنَّ الممنوع مِن الشيء مضيَّق عليه فيه بخلاف مَن سُومِح له في فِعله وتركه، فصحيح؛ فإنَّ التغيير ليس لِأَسهل. وإنْ كان المراد سقوط القضاء عنها فيما تتركه، فلا نُسَلم أنه لا يُسَمى "رُخصة". فإنْ قِيل: لو كان رخصة لم يسقط في مَن ارتدت ثم حاضت، فقدْ صَرَّحوا -في الفَرق بينها وبين مَن ارْتَدَّ ثُم جُنَّ حيث يجب قضاؤه زَمَن الرِّدَّة- بأنه رخصةٌ في المجنون فلا يجامِعُ المعصية التي هي الردة، وعزيمةٌ في الحائض فلا قضاء. قلتُ: إنما ذلك لِكَوْن المكلَّف الممنوع مِن الشيء وهو ممتثل له لا يجامعُه القضاء، بخلاف المجنون؛ فإنه نزل حال رِدَّته منزلة العاقل المستديم للردَّة، فَتقْضِي؛ لِكَوْنه مُكَلَّفًا. قولي: (وفي المَرْضِي) إلى آخِره -أَيْ: المرتَضَى المختار تقسيم الرخصة إلى: واجبة، ومندوبة، إلى آخِره، خِلافًا لِمَن منع مجامعَة الرخصة لذلك، فالرخصة إمَّا واجبة أو مندوبة وهو معنى قولي: (تُرَى في السُّنَّةِ)، أو مباحة، أو خلاف الأَوْلى. فالواجبة: كأكل الميتة للمضطر، فإنه واجبٌ على الأصح (وقيل: جائزٌ، لا واجب)، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غصَّ؛ لأنَّ النَفْس أمانة عند المكلَّف؛ فيجب عليه حِفْظُها؛ ليستوفي الله حَقهُ منها بالتكاليف. والمندوبة: كالقصر للمسافر إذا بلغ ثلاث مراحل. والمباحة: كبيع العرايا كما صرح به في الحديث في قوله: "وأرخص في بيع العرايا" (١).

стр. 334

ولذلك اخترت ذِكره مثالًا؛ لأنه على خلاف دليل تحريم المزابنة، وهو بيع الرطب بالتمر (١). ومثله جواز [القراض] (٢) والمساقاة والإجارة؛ لأنها عقود على معدوم، وقد قال ﷺ : "لا تَبع ما ليس عندك" (٣). وفيها غَرَر، وقد نُهي عنه، وكذا السَّلَم؛ فإنه بَيْعُ مَعْدُوم، وفي بعض الروايات: "نَهى ﷺ عن بيع ما ليس عندك، وأَرْخَصَ في السَّلَم" (٤). ولا يَخْفَى ما في هذه العقود كلها مِن (٥) العُذر ومحل الاحتياج إليها. نَعَم، تَردَّد الغزالي في "المستصفى" في كَوْن السَّلَم رُخصة؛ لاحتمال أنه داخل في "لا تَبع ما ليس عندك"، واحتمال أنَّ المراد به العين، والسلَم بيع دَيْن؛ فلم يدخل. قال: (فاشتراكهما في [الشرط] (٦) لا يوجب إلحاق أحدهما بالرخص، وعلى هذا يَكون قول الراوي: "وأَرْخص في السَّلَم" مجازًا؛ [لمشابهته] (٧) الرخص) (٨). ويَقْرُب مِن هذين الاحتمالين وجهان حكاهما الماوردي في باب السلَم: هل هو أصل

стр. 335

بنفسه؟ أو عقد غرر جُوِّز للحاجة كالإجارة؟ وقول مَن قال: (قد يندب السلَم بأنْ يحتاج إليه في مال الصبي) ضعيف؛ لِكَون ذلك لِأَمر عارضٍ؛ لِكونه مصلحة، لا لخصوص كَوْنه سلَمًا. وقد تُمَثَّل الرخصة المباحة بما ليس مِن المعاملات، كتعجيل الزكاة، ففي الحديث الترخيص للعباس ﵁ في ذلك، رواه أبو داود (١)، ولم يَقُل أَحَد مِن الأصحاب باستحبابها، بل اختلفوا في الجواز، والصحيح: نعم. ومنهم مَن يُمَثله بالفطر في السَّفَر، وليس بجيد؛ لأنه يستحب لمن يشق عليه الصوم، ويُكْره لِغَيره، فأين استواء الطرفين؟ وقال بعضهم: لم أجد له مثالًا بعد البحث الكثير إلا التيمم عند وجدان الماء بأكثر مِن ثَمن المِثْل، فإنه يُباح له التيمم والوضوء مستويًا، لكن هذا تفريع على كَوْن التيمم رخصة، وفيه أَوْجُه، ثالثها: عند فَقْد الماء عزيمة، وللجراحة رُخصة. وما سبق مِن الأمثلة كافٍ، ويجري في غير المعاملات والعبادات أيضًا، ففي "البسيط": شَعْر المأكول إذا جُزَّ في حياته رُخصة؛ لمسيس الحاجة إليه في الملابس. وفي "النهاية": (لبن المأكول طاهر، وذلك عندي في حُكم الرخص؛ فإنَّ الحاجة ماسة إليه، وقد امتنَّ الله تعالى بإحلاله) (٢). وأمَّا الرخصة التي هي خِلاف الأَوْلى (ولم يتعرض لها أكثر الأصوليين) فكالإفطار في السفر عند عدم التَّضرُّر بالصوم، وهو معنى قولي: (لا يُولَي مشقة الصوم) أَيْ: لا يلحقه

стр. 336

ذلك. ومِثْله الاقتصار في الاستنجاء على الحجر مع وجود الماء. تنبيهات أحدها: قد استُشْكل مجامعَةُ الرخصة الوجوب؛ لأنَّ الرخصة تقتضي التسهيل؛ ولهذا قال الإمام في "النهاية" في باب "صلاة المسافر": (يجوز أنْ يُقال: أَكْل الميتة ليس برخصة، فإنه واجب. ويجوز أنْ يجاب عنه بالتيمم، فإنه واجبٌ على فاقِد الماء، وهو معدود من الرخص) (١). فانظر كيف ترَدَّد في مجامعتها للوجوب. وفي "أحكام القرآن" للْكِيا الطبري: (الصحيح عندنا أنَّ أَكْل الميتة للمضطر عزيمة، لا رخصة، كالفطر للمريض في رمضان ونحوه) (٢). وقال الشيخ تقي الدين السبكي: لا مانع مِن أنْ يُطْلَق عليه "رخصة" مِن وَجْهٍ و"عزيمة" مِن وجهٍ. فيحتمل أنَّ ما قاله رأْيٌ له ثالث، ويحتمل أنْ يَكون تنقيحًا للخلاف، وهو الأَقْرَب. وكذلك استشكل مجامعة الرخصة للإباحة، فَفِي فتاوى القاضي الحسين لَمَّا تكلم على الإكراه على النقب والإخراج مِن الحرز أنه شُبهة في سقوط القطع، قال: (قال الشيخ العبادي: لا أقول: أبيح للمُكرَه النقب والإخراج. بل أقول: رُخِّص له فيه. وفَرْق بين الإباحة والرخصة، فإنه لو حلف لا يأكل الحرام فأَكَل الميتة للضرورة، حنث في يمينه؛ لأنه

стр. 337

حرام، إلَّا أنه رُخِّص له فيه). انتهى وفيه نَظَر؛ لأنَّ الأعيان لا توصَف بِحِلٍّ ولا حُرْمَة عندنا، خِلافًا للحنفية، فيبقي التناوُل وهو واجب، فكيف يَكون حرامًا وهو ليس ذا وَجْهَين؟ ! وحكى الإمامُ عبد العزيز (شارِحُ البَزْدَوِي) خلافًا عن العلماء في حُكم الميتة ونحوها في حالة الضرورة: هل هي مباحةٌ؟ أو تبقى على التحريم ويرتفع الإثم كما في الإكراه على الكفر؟ وهو رواية عن أبي يوسف وأحد قولَي الشافعي. قال: وذهب أكثر أصحابنا إلى ارتفاع الحرمة، وذكر للخلاف فائدتين: إحداهما: أنه إذا جاع حتى مات، لا يَكون آثمًا على الأول، بخلافه على الآخَر. الثانية: إذا حلف لا يأكل حرامًا فتناوله في حالة الضرورة، يحنث على الأول، ولا يحنث على الثاني. الثاني: ظاهر إطلاق كثير أنَّ الرخصة لا تكون حرامًا ولا مكروهًا؛ لحديث: "إنَّ الله يحب أنْ تُؤتَى رُخَصُه كما يحب أنْ تؤتَى عزائمه" (١). وهذا داخل في إشارة قولي: (والمَرْضِي كذا وكذا). أَيْ: لا غَيْره. نَعَم، قد يُتوهم مِن كلام الأصحاب في مواضع خِلافُ ذلك: أمَّا التحريم: فكالاستنجاء بالذهب والفضة، فإنه حرام مع كَوْن الاستنجاء بغير الماء رخصة، وقول "الروضة" تبعًا للشرح: (ويجوز بِقِطْعَة ذهب وفضة) إنما المراد به صحة الاستنجاء بذلك والاكتفاء به كما صرح به في "التحقيق" إذْ قال: (والأصح إجزاؤه بذهب وفضة). فَاعْلَمه.

стр. 338

وأما الكراهة: فكالقصر في أَقَل مِن ثلاث مراحل، فإنه مكروه كما قاله الماوردي في باب الرضاع، وكذلك اتِّبَاع النساء الجنائز، فإنه مكروه -على الأصح في "الروضة" إذا لم يُؤدِّ إلى فِعل حرام، وقد قالت أم عطية ﵄: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا" (١). وقيل: بل حرام. الثالث: الحاصل مِن تقرير مجامعة الرخصة الوجوب ونحوه أنَّ الرخصة في الحقيقة إحلال الشيء؛ لأنها التيسير والتسهيل، ثم قد يَعْرض له وَصْفٌ آخَر مِن الأحكام غَيْر الحل؛ لِدليلٍ، كَحِلِّ أَكْل الميتة نشأ وجوبه مِن وجوب حِفظ النفْس كما سبق؛ فلذلك انقسمت الرخصة إلى الأقسام السابقة، بل لها أقسام أخرى باعتبار ما يتولد مِن الانتقال مِن نوع مِن الأحكام إلى نوع أَسْهَل منه مِن حيث ما هو أشد منه فيه ولو كان في المُنْتَقَل إليه تشديد باعتبار آخر. بيان ذلك أنَّ المُنْتَقَل عنه ستة: الإيجاب، والندب، والإباحة، والتحريم، والكراهة، والمنع مِن شيء خِلَاف الأَوْلَى. والمُنْتَقَل إليه ستة مِثْل ذلك، فيحصل مِن ضَرْب ستة في سِتَّةٍ ستةٌ وثلاثون، يسقط منها الانتقال مِن كُلٍّ إلى نَفْسه؛ يَبْقَى ثلاثون، يَسقط منها ما فيه انتقال مِن أَخَف إلى أثقل، كالانتقال مِن المباح إلى الخمسة الأخرى؛ لأنه لا شيء أَخَف مِن المباح، تبقى خمسةٌ وعشرون، وكذا الانتقال مِن مستحبٍّ إلى واجب، ومن مكروه وخِلاف الأَوْلى إلى حرام، ومن خِلَاف الأَوْلى إلى مكروه، فهذه أربعةٌ أُخرى ساقطة، يبقى أحد وعشرون، وهي: (١) ما رُخِّصَ فيه مِن تحريم إلى واجب. (٢) إلى مندوب. (٣) إلى مباح. (٤) إلى مكروه. (٥) إلى خِلَاف الأَوْلَى.

стр. 339

(٦) مِن إيجاب إلى مندوب. (٧) إلى مباح. (٨) إلى حرام. (٩) إلى مكروه. (١٠) إلى خِلَاف الأَوْلى. وَوَجْه الترخيص في الثلاثة الأخيرة أنه لَمَّا كان واجبَ الفعل كان الإثمُ في تركه، فصار تركه لا إثم فيه، بل قد يَكون الإثم في فِعله، أو في تركه أَجْر. والجمع بين كَوْنه رخصة وحرامًا كالجمع في الصلاة في المغصوب بين الوجوب والتحريم باعتبارين، وكذا في نهي التنزيه. (١١) وما رُخِّصَ فيه مِن الندب إلى مباح. (١٢) إلى حرام. (١٣) إلى مكروه. (١٤) إلى خِلَاف الأَوْلى. وَوَجْه الترخيص نحو ما سبق؛ لأنه كان مطلوبًا فصار غير مطلوب، أو مطلوب الترك. (١٥) وما رُخِّصَ فيه مِن الكراهة إلى واجب. (١٦) إلى مندوب. (١٧) إلى مباح. (١٨) إلى خِلاف الأَوْلى. لأنه أيضًا رخص فيه باعتبار أنه كان منهيًّا عن تركه فَصَارَ غير مطلوب الترك، بل مطلوب الفعل حَتْمًا أو نَدْبًا أو مأذونًا فيه فقط، أو نُهي عنه لا نهيًا مؤكدًا كالنهي الأول. (١٩) وما رُخِّص فيه مِن مَنعْ خِلَاف الأَوْلى إلى واجب. (٢٠) إلى مندوب. (٢١) إلى مباح. والقول في وَجْه الترخيص كما سبق، فما وُجِد مِن أمثلتها غَيْر ما سبق يَكُون فائدة يستخرجها الفقيه الماهر. وقولي: (فما فيه انتفى) إلى آخِره -يتضمن تعريف العزيمة بِـ "ما انتفى فيه قَيْدٌ مِن قيود

стр. 340

الرخصة"، كانتفاء تَغَيُّر الحكم أو كَوْن التغير إلى أسهل، أو لأسهل لكن [لا] (١) لِعُذْر، سواء أكان ذلك في واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه أو حرام أو خلاف الأَوْلى على معنى الترك في الثلاثة، فيعود المعنى في ترك الحرام مثلًا إلى الوجوب، وهذا ما جرى عليه البيضاوي وغيره. وقِيل: تختص بالواجب والمندوب فقط. قاله القرافي؛ لأنها طَلَب مؤكَّد؛ فلا يجيء في المباح. وقال قوم: لا تكون العزيمة إلا في الواجب فقط. وفَسَّروها بما لزم العباد بإلزامِ الله تعالى، أَيْ: بإيجابه -على ما صرح به الغزالي وتبعه الآمدي وابن الحاجب في "مختصره" الكبير، ولم يصرح في الصغير بشيء، وكأنهم احترزوا بالقيد الأخير عن [الندب] (٢)، والله أعلم. ص: ١٩١ - سَادِسَةٌ: مَا لَا يَتِمُّ مَا انْوَجَبْ ... شَرْعًا بِمُطْلَقٍ بِدُونِهِ وَجَبْ ١٩٢ - إنْ يَكُ مَقْدُورًا، سَوَاءٌ وَقَفَا ... وُجُودُهُ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يُعْرَفَا ١٩٣ - شَرْعِيًّا اوْ عَقْلِيًّا اوْ عَادِيَّا ... شَرْطًا يُرَى، أَوْ سَبَبًا مَرْعِيَّا ١٩٤ - كصِيغَةِ الْعِتْقِ، وَللْعِلْمِ النَّظَرْ ... وَالسَّيْرِ لِلْحَجِّ، وَطُهْرٍ مُعْتَبَرْ ١٩٥ - في كصَلَاةٍ، وَكتَرْكِ الضِّدّ ... في الْأَمْرِ، وَالْغَسْلِ لِفَوْقِ الْحَدِّ

стр. 341

الشرح: هذه المسألة هي المعَبَّر عنها في الأصول والفقه بِـ "ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب"، وربما قِيل: ما لا يتم المأمور إلَّا به يكون مأمورًا به، وهو أَجْوَد مِن حيث إنَّ الأمر قد يَكون للندب فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة كالشروط في صلاة التطوع إلَّا أنه لَمَّا وَجَب الكف عن فاسِد الصلاة عند إرادة التلَبُّس بالصلاة مَثَلًا، وَجَب ما لا يتم الكَفُّ مع التلبُّس إلَّا به؛ فَلَمْ يخرج عن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". وإذا اتضح الأمر في مُقَدِّمة الواجب [أنها واجبة] (١)، عُدِّي إلى المندوب بما يليق به من الأمرين كما قررناه؛ فلذلك عَبَّرت في النَّظم بِـ "الواجب". والحاصل: أنَّ ما يتوقف عليه الفعلُ الواجبُ إمَّا أنْ يَكون جُزءًا للواجب، وإمَّا خارجًا عنه كالشرط والسبب. فالأول واجبٌ اتفاقًا؛ لأنَّ الأمر بالماهيَّة المركبة أمرٌ بكل واحد مِن أجزائها ضِمنًا، فالأمر بالصلاة -مَثَلًا- أمر بما فيها مِن [ركوع وسجود] (٢) وغير ذلك. والثاني هو محل الخلاف، وأصحُّ الأقوال فيه الوجوب مطلقًا، لكن بشرطين: أحدهما: أنْ يَكون دليل وجوبه مُطْلَقًا، لا مقيَّدًا بحالة وجود المتَوَقَّف عليه، كالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة، وكالزكاة، فإنها مشروطة بِمِلْك النصاب وبالحول، وكالجمعة، فإنَّ صحتها مشروطة بالجماعة والوطن ونحو ذلك. قلتُ: التمثيل بالجمعة ظاهر؛ لأنَّ صحة فِعلها متوقف على ذلك، أمَّا الزكاة والحج فإنَّ المتوقِّفَ على ما ذُكِر فيهما إيجابُ الفعل، لا [صحة] (٣) الفعل، والكلام إنما هو فيما

стр. 342

[تَوَقَّف] (١) عليه صحةُ الفعل لا إيجابه، وإلا فالإيجاب متوقف على شرطه وهو البلوغ والعقل وغيرهما مما سبق مِن شروط التكليف. نَعَم، هذا الشرط مِن أصله ينبغي اختصاصه بمقدمة الواجب إذَا كانت شرطًا لا سببًا؛ فإنَّ السبب يَلْزَم مِن وجودِه الوجودُ، فَبَعْد وجوده لو أُمر بِمُسَبَّبِه لَكَان أمرًا بتحصيل الحاصل، إلَّا أنْ يُفْرَض ذلك في سبب عادي كالسير للحج كما سيأتي، فإنه لا يَلْزَمُ مِن وجودِه وجودُ الحج، إلَّا أنْ يُقَال: إنما هو سبب لِلتمكُّن مِن الحج، لا سبب لِنَفْس الحج، لكن التمكن مِن الحج لَمَّا كان شرطًا فيه، جُعِل السيرُ سببًا للحج. الشرط الثاني: أنْ يَكون المتوقَّف عليه مقدورًا لِلمكلَّف بِالمتوقِّف؛ لأنَّ غَيْر المقدور لا يتحقق [معه] (٢) وجوبُ الفعل، وذلك كإرادة الله تعالى وقوعه، وكالداعية التي يخلقها الله تعالى للعبد على الفعل وهي العزم المصمم، وقُدرة العبد عليه، فإنها مخلوقة لله تعالى، وإلَّا لتوقفت على مِثْلها، وذلك عَلَى آخَر، ويَلْزَم التسلسُل، ولا يجب ذلك اتفاقًا. لكن هذا الشرط إنما يعتبره مَن لَمْ يُجَوِّز تكليفَ ما لا يُطاق -كما قاله الهندى، وأمَّا مَن يُجوزه فلا. نَعَم، تقريره عند المانع مِن تكليف ما لا يُطاق مُشْكِل أيضًا؛ لأنَّ القُدرة مثلًا إذا لم تكن مقدورة فالأصل غَيْر مقدور؛ ضرورة كَوْنه مُقَدمته، والعجز عنها عَجْزٌ عنه، فالمتوقف حينئذ الوجوب لا الواجب، فهو كالبلوغ وسلامة الأعضاء التي بها الفعل، وقد تَقدم أنه ليس محل النزاع. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (رأيت جماعة خَبَّطوا في ذلك، ولم أَرَ له مثالًا صحيحًا

стр. 343

يجتمع معه الوجوب إلا القدرة والداعية، وتقديره أنَّ الإيجاب لا يتوقف على القدرة والداعية ولو قيل بِمَنع تكليف ما لا يُطاق وكأنَّ ذلك لانتفاء السر في تكليف ما لا يُطاق، وهو الاختبار والامتحان فيه دُون المقدمة، فَتَنبَه لذلك؛ فإنه مِن المهِمَّات) (١). انتهى. وحاصله منع أنَّ "المقدمة إذا لم تكن مقدورة، لا [يُكَلَّف] (٢) بالأصل الذي هو غَيْر مقدور"، لافتراقهما في المعنى المذكور. تنبيه: قد سبق أنَّ الأمرَ بالماهية أمرٌ بكل جزء منها بلا خلاف، وحينئذ فيشترط أنْ يكون مقدورًا له قطعًا؛ لحديث: "إذَا أمرتكم بأمر، فَأْتوا منه ما استطعتم" (٣). نَعَم، إذا سقط وجوب البعض المعجوز، هل يبقى وجوب الباقي المقدور؟ قاعدة الشافعي في الأصل البقاء؛ للحديث الموافق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ويُعَبَّر عن القاعدة بأنَّ "الميسُور لا يسقط بالمعسُور"، كوجوب القيام على مَن عجز عن الركوع والسجود لِعِلَّة في ظَهْره مَثَلًا، وواجِد بعض ما يكفيه لطهارته وبعض ما يجب من الفطرة، وغير ذلك، إمَّا بالقطع أو على الراجح، وإنْ خرج عن القاعدة فروع سقط فيها وجوب الباقي إما قَطْعًا أو على الراجح فإنَّ ذلك لِمَدارك فقهية مَحَلُّها الفقه، لكن سنذكرها ونذكر طَرَفًا مِن الفروع في أواخر الكتاب في الكلام على القواعد المَبْنِي عليها فقه الشافعي ﵁. وقولي: (سواء وَقَفَا) إلى آخِره -بيان لجهة التوقف على المقدمة، وذلك إمَّا أنْ يتوقف

стр. 344

عليها وجوده شرعًا أو عَقْلًا أو عادة كما سيأتي بيانه في تقسيم المتوقَّف عليه، وإمَّا أنْ يتوقف عليها العِلم بوجود الواجب لالتباسه بِغَيْره حادثًا أو أصلًا، لا نَفْس وجوده، كَمَن نسي صلاةً مِن خَمسٍ، لا يتحقق العِلم بأنه صَلَّى ما عليه حتى يُصَلِّي الخمس، وكَستْر شيء مِن الركبة مع أنها ليست بِعَوْرة (على الأصح)؛ لأجل ستر الفخذ الذي هو عورة (على الأصح في الرجُل، وأمَّا المرأة فَقَطْعًا). ومن أمثلة ذلك: ما لو اختلطت المنكوحة بالأجنبية، فإنه يجب الكَفُّ عنهما، وكذا لو طَلَّق إحداهما لا بِعَيْنها، أو بِعَيْنها ولكن نَسى. نَعَم، وقع اضطراب في فروع لهذا المدرك كمسح الزائد -في الرأس- على ما ينطلق عليه الاسم مِن المسح على قول الشافعي: (إنَّ الواجب مسح بعض الرأس)، فهل يكون الزائد واجبًا لكونه لا يتميز؟ أو يمكن التميز فيكون الزائد سُنة؟ وكذا الزائد في البعير في الزكاة المخرج عَمَّا دُون خمس وعشرين مِن الإبل التي واجبها في كل خَمسٍ شاة حتى لو أخرجه عن خمس يكون أربعة أخماسه سُنَّة. وكذا الزائد في البدنة المذبوحة عن الشاة أو الثنتين إلى ستة إذا وجبت الشاة مثلًا في تمتُّعٍ أو أُضحيةٍ أو نَذْرٍ. وكذا الواقع في الحلق الواجب في النسك، والزائد في تطويل أركان الصلاة على القَدْر المُجْزِئ في قيام أو ركوع أو سجود أو نحو ذلك مما ليس بعضه بالوجوب أَوْلَى مِن بَعْض مما هو مبسوط في الفقه. ولَكَ أنْ تقول: هذا القِسم أيضًا يتوقف عليه [الوجود] (١)، فيتحد مع ما قَبْله؛ لأنَّ الماهية تنتفي بانتفاء شرطها، والعِلم بوجود المأمور به شرطٌ فيه؛ فتنتفي الماهية بانتفائه، فَقَدْ توقف الوجود على ذلك لكن بواسطة توقُّف الواجبُ على العِلم، والعِلم على فِعل يُتَيَقَّن به

стр. 345

وجودُ الواجب؛ فينبغي أنْ يُقَال في التقسيم: إمَّا أنْ يتوقف عليه وجودُ الواجبِ بواسطةٍ أو بِغَيْر واسطة. وقولي: (شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عَادِيًّا) بيانٌ لأقسام المقدمة المتوقَّف عليها، وقد سبق أنَّ محل النزاع في وجوب المقدمة محصور في السبب والشرط، وكُل منهما إمَّا شرعي أو عقلي أو عادي، فهذه ستة أقسام. مثال السبب الشرعي: صيغة العتق في الواجب مِن كفارة أو نذر، وكذا صيغة الطلاق حيث وجب، كأمر والدِ الزوج به (على المعتمد في الفتوى). ومثال السبب العقلي: النظر الموصل للعِلم. ومثال السبب العادي: السَّيْر للحج على ما سبق في تقريره. ومثال الشرط الشرعي: الطهارة للصلاة. ومثال الشرط العقلي: ترك أضداد المأمور به. ومثال الشرط العادي: غسل الزائد على حَدِّ الوجه في غسل الوجه، لِيتحقق غسْلُ جميعُه، وهو معنى قولي: (وَالْغسْلِ لِفَوْقِ الْحَدِّ). وفي البيت الذي بَعْده: (للوجه) فاللام الأُولى زائدة لتقوية العامل؛ لِكونه فرعًا في العمل " لأنَّ المصدر فرعٌ عن الفعل في ذلك، واللام الثانية للعِلة، أَيْ: لِأَجْل الوجه، أَيْ: لأجل تَحقُّق غسل الوجه. وهذا القول بوجوب هذه الأقسام الستة هو المرجَّح عند الأصوليين، وهو قول الإمامِ وأتباعِه والآمدي، وبه جزم سليم في "التقريب". لكن اختُلِف في كَوْن وجوب المقدمة مُتَلَقًّى مِن نَفْس صيغة الأمر بالأصل، أو مِن دلالة الصيغة: قولان، الثاني منهما قول الجمهور. قال ابن بَرهان: لأنَّ المتلقَّى مِن الصيغة ما

стр. 346

كان مسموعًا منها. وينحل ذلك إلى أنَّ الدلالة عليه بالتضمن؟ أو بالالتزام؟ وقد صرح بالأول إمامُ الحرمين في "البرهان" و"التلخيص"، وتقريره: أنه إذَا تَقَرَّر التوقفُ ثُم جاء الأمرُ، كان كأنه مُصَرحٌ بوجوب المجموع. والقول الثاني في أصل المسألة: أنه لا يجب مُطْلَقًا. وهو قول المعتزلة، وحكاه ابن الحاجب في "مختصره الكبير" وإنْ كان كلامه في "الصغير" في أئناء الاستدلال يقتضي أنَّ إيجاب السبب مجمَعٌ عليه، وحكاه ابن السمعاني في "القواطع" عن أصحابنا. والثالث: يجب في السبب بأقسامه دُون الشرط بأقسامه، ويُعْزَى للشريف المرتضى، وهو اختيار صاحب "المصادر" مِن المعتزلة. والرابع: ما ارتضاه إمامُ الحرمين واختاره ابنُ الحاجب في "مختصره الصغير": وجوبُ السبب مُطلقًا، والشرط الشرعي دُون الشرط العقلي والعادي، فإنهما لا يَجِبان، بل زعم الأبياري أنه لا خِلَاف في وجوب أالشرطِ الشرعي، وزعم تلميذه ابن الحاجب أنه لا خلاف في وجوب السبب، وُيرَدُّ عليهما] (١) بحكاية غيرهما الخلاف. واعْلَم أنَّ هذا الخلاف هل هو في الكلام النفسي؟ أَمْ في اللساني؟ فيه طريقان يظهران مِن الاستدلالات في المسألة. وإذا قُلنا بالإيجاب، فهل هو شرعي؟ أو عقلي؟ فيه خلافٌ، ولعل مَأْخَذه ما سبق مِن كَوْنه مأخوذًا مِن الأمر أو مِن دلالة الأمر، وهل هو بالتضمن؟ أو بالالتزام؛ وقد أوضحناه، والله أعلم.

стр. 347

ص: ١٩٦ - لِلْوَجْهِ، فَالْمُبَاحُ في التَّوَسُّل ... لِتَرْكِ حَظْرٍ وَاجِبٌ، وَذَا جَلِي ١٩٧ - في الْكُلِّ، فَالْكَعْبِيُّ إنْ أَرَادَا ... بِنَفْيِهِ الْمُبَاحَ ذَا، أَجَادَا ١٩٨ - فَالشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ ... كَشَغْلِ غَصْبٍ بِصَلَاةٍ دَيْنِ ١٩٩ - وَإنْ أَرَادَ النَّفْيَ مُطْلَقًا، فَذَا ... مِنْ أَفْسَدِ الرَّأْيِ، فَإيَّاهُ انْبِذَا الشرح: قولي: (للوجه) متعلق بما قبله، وسبق شرحه. وقولي: (فالمباح) إلى آخِره -هو تفريع مسألة أصولية على القاعدة السابقة، وهي أنَّ المباح إذَا كان وسيلة لترك حرام، كان واجبًا؛ لأنَّ ترْكَ الحرام واجبٌ، وما تَوَقَّف عليه الواجبُ واجبٌ. نَعَم، لا يَلزم مِن ذلك انتفاء المباح مِن الشرع بالكُلية وإنْ كان الكعبي قد تَعلَّق في نفي المباح بهذه القاعدة. والكعبي هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المعتزلي، تلميذ أبي الحسين الخياط، توفي سنة تسع عشرة وثلثمائة، وأتباعه طائفة يُسمون البلخية، فوافقوه على إنكار المباح، وحكاه ابن الصباغ عن أبي بكر الدقاق وهو معتزلي أيضًا، ونقله القاضي عبد الوهاب عن معتزلة بغداد، ونقله الباجي عن أبي الفرج مِن المالكية. فإنْ كانت هذه المقالة إنكار الأصل المباح كما هو ظاهر نَقْل إمام الحرمين في "البرهان" عن الكعبي وكذا هو ظاهر نَقْل ابن برهان في "الوجيز" و"الأوسط" وإلْكِيا الهراسي والآمدي وغيرهم عنه، فهو ظاهر الفساد، مخالفٌ لإجماع عصابة المسلمين المنعقد قَبْل المخالفين أنَّ مِن أحكام الله قِسم المباح.

стр. 348

وإنْ كانوا لا ينفونه أصلًا وإنما يقولون: لا يقع إلا وسيلة لترك الحرام، فيكون واجبًا، حتى إنَّ القاضي في "مختصر التقريب" نقل عن الكعبي أنَّ المباح مأمور به دُون أمر الندب، والندب دُون أمر الإيجاب، وقال: إنه وإنْ أَطْلَق الأمر على المباح فلا يسمى المباح واجبًا ولا الإباحة إيجابًا. وتبعه على ذلك الغزالي في "المستصفى" وابن القشيري في أصوله. وبالجملة فقد أقاموا على هذه الدعوى دليلا قويًّا، فقالوا: فِعل المباح يُترك به الحرام، وكُل ما تُرك به الحرام واجبٌ، فَفِعل المباح واجب. بيان الصغْرَى: أنَّ فاعل المباح لا يَكون فاعلًا للحرام في آنٍ واحد؛ لِئلَّا يجتمع الضدان، فهو تارِكٌ له. وبيان الكبرى مِن قاعدتين، إحداهما: مقدمة الواجب واجبة، والثانية: أنَّ تحريم الشيء إيجابٌ لأحد أضداده كما سيأتي بيانها. وقد أُجِيبَ عن هذا الدليل بمنع الصغرى؛ لأنَّ تَرْك الحرام لا ينحصر في كَوْنه ضمن المباح عينًا، بل بواحدٍ مِن نوعه أو بواحدٍ مِن نوع المندوب أو مِن نوع الواجب أو نوع المكروه، بل وبواحدٍ مِن نوع الحرام غيره يحصل به ترْكُه. وهو معنى قولي: (وَذَا جلي في الْكُلِّ). أَيْ: في كل الأحكام، حتى في الحرام باعتبار فِعل حرام آخَر، ولا يضر ذلك لِكَوْنه مِن جهتين كما ستعرفه. وضعَّف الآمدي وابن برهان وابن الحاجب وغيرهم هذا الجواب بأنه لم يخرج عن كَوْنه واجبًا، غايته أنه ليس واجبا عينًا، بل على التخيير؛ والواجب المخَيَّر بفعله يتعين للوجوب قطعًا كما سبق، فلا يتصور وقوع مباح إلا واجبًا، سواء قُلنا في المخير: (الكل واجب) أو (واحد لا بِعَيْنه)، ولو قُلنا: إنَّ محل الوجوب لا تخيير فيه، ومحل التخيير لا وجوب فيه؛ لأنَّه بَعْد الفعل ينطلق عليه اسم "الواجب"، فلا يُتصور حينئذ وقوع مباح إلا واجبًا، وهو مُدَّعَى الخصم.

стр. 349

قالوا: ولا مخلص مما قاله الكعبي إلَّا بمنع إيجاب المقدمة وهي إحدى القاعدتين السابقتين، أَيْ: أو بمنع الأخرى وإنْ لم يتعرضوا لذلك؛ إمَّا لِكَوْن منع الأُولى يَلزم منه منعُ الأخرى، أو لكونها ممنوعة في نفسها كما قال إمام الحرمين: إنَّ مَن مَنَع أنَّ النهي عن الشيء أَمرٌ بأحد أضداده يقول: لو قُلتُ بذلك، لَزِمَني القول بمسألة الكعبي. أمَّا إذا قُلنا بالقاعدتين، فلا سبيل إلى مخالفة الكعبي، غايته أنْ يَكون للشيء جهتان، ولا يمتنع ذلك، كالصلاة في المغصوب، وإنما يبقى الاعتراض عليهم في تعيين المباح، وبأنه يلزم أنْ يكون الحرامُ المفروض به ترك حرام آخر واجبًا، وهو ممتنع. ولكن لهم أنْ يجيبوا عن الأول: بأنهم لم يحصروا، بل فرضوا ذلك مثالًا؛ لِكوْنه أوضح؛ لأنه ليس داخلًا في الاقتضاء أصلًا. وعن الثاني: بأنَّ ذلك مِن جهتين، ولا يمتنع، كالصلاة في الدار المغصوبة، ونحو ذلك. وقال الآمدي بَعْد زَعْمه أنَّ كلام الكعبي صحيح على ما سبق: (عَسَى أنْ يَكون عند غَيْري حَل هذا الإشكال) (١). وحاول بعض المتأخرين الجواب بأمور أخرى: منها: أنَّ الذي يُفرض له جهتان إنما هو في العقل دُون الخارج؛ إذِ الفعل الواحد في الخارج لا يكون واجبًا مباحًا ولا واجبًا حرامًا؛ إذِ الماهية لا تتقوم بفصلين أو فصول [متعاندة] (٢). ومنها: أنَّ الفعل كما يَلزم أنْ يَكون تركًا للحرام يَلزم أنْ يَكون تركًا للواجب وتركًا للمندوب، ونحو ذلك، واللوازم إذا تعارضت، تساقطت؛ فيبقى أصل المباح.

стр. 350

ومنها: لو فرضنا جميع الأفعال دائرةً، والأفعال المباحة خُمْسُها، فإذَا حصل الفعل المتلبس به فهو [مركز] (١) الدائرة، وإذا كان مباحًا بالذات الذي أقر الكعبي به، حصل للفعل المذكور نسبَةٌ إلى كل خُمسٍ مِن أجزاء الدائرة، والفرضُ أنه مباحٌ؛ فتساقطت النِّسَبُ [الخمسة] (٢)، وبقيت الإباحة الذاتية، وهو قريب مما قَبْله. قُلتُ: ويمكن التخلص بغير ذلك كُله، وهو منع مقدمته الصغرى باستناد لأمرٍ آخَر، وهو أنَّ الكَفَّ عن الحرام الذي هو مناط التكليف في النَّهي -على الأرجح كما سبق- فِعلٌ مغاير لسائر الأفعال الوجودية التي هي ضد الحرام، فهو أخص مِن عَدَم فِعل الحرام؛ لاحتياج الكف لِقَصْد، فإذا لم يوجد، فلا يكون آتيًا بواجب، ولهذا لا يُثاب؛ لانتفاء الفعل الذي هو الكف. وإذا تَقَرر ذلك، فاجتماع الترك وما يُفْرَض مِن فِعل مباح أو مندوب أو غيرهما اجتماع اتفاقي لا على وَجْه اللزوم؛ لأنَّ كُلًّا مِن فِعل المباح وغيره يفرض ولا تَرْكَ موجود على الوجه الذي قررناه أنه أخص مِن انتفاء الحرام، فالكف هو الموصوفُ بالوجوب، لا ما يقارنه مِن الفعل المباح أو غيره. فإنْ لم يستحضر الحرام ولا كف، فهذا ليس مكلفًا بشيء مِن أضداد الحرام، بل يُكْتَفَى فيه بالانتفاء الأصلي، وهذا أَحْسَن ما يُحَقَّق به هذا الموضع مِن فتح الله ، فلله الحمد والمنة. وقولي: (كَشَغْلِ غَصْبٍ بِصَلَاةٍ دَيْنٍ) أَيْ: بالصلاة التي هي عليه دَيْن واجب [عليه] (٣)، أَيْ: حتى يجتمع فيها الوجوب والتحريم، وحينئذ فيُقرأ بتنوين "صلاة"،

стр. 351

و "دَيْن" صفة له. ولو قُرئ بلا تنوين على إضافة الموصوف للصفة كَـ "صلاة الأولى" لم يمتنِع، ويأتي فيه المذهبان المشهوران للكوفيين والبصريين، والله أعلم.

стр. 352

الباب الأول في "أدلة الفقه"

стр. 353

الباب الأول في أدلة الفقه ٢٠٠ - أَدِلَّةُ الْفِقْهِ عَلَى اتِّفَاقِ ... بَيْنَ الْأَئِمَّةِ: الْكِتَابُ الْبَاقِي ٢٠١ - وَالسُّنَّةُ، الْإجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ ... وَذَا مِنَ الدِّينِ؛ لِأَمْرِ قَاسُوا الشرح: أَيْ: الباب الأول مِن الأبواب الأربعة بعد الفراغ مِن المقدمة: بيان موضوع عِلم "أُصُول الفقه"، وهو أدلة الفقه، والمتفق عليه منها أربعة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس. والمراد اتفاق الأئمة، أَيْ: الأربعة ونحوهم، ولا اعتداد بخلاف مَن لا يُعَدُّ إمامًا، كالنَّظَّام في مخالفته في الإجماع -على اختلاف النقل عنه: هل مذهبه أنَّ الإجماع لا يُتَصور؟ أو يُتصور ولكن يتعذر نَقله على وَجْهه؟ أو لا يتعذر ولكن لا حُجَّة فيه؟ وهذا الثالث هو ما نقله عنه القاضي والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني والإمام الرازي وأتباعُه، والنقلان الأوَّلان نقلهما القافي عن بعض أصحابه عنه. والنَّظَّام هذا هو أبو إسحاق إبراهيم بن [سَبَا] (١) البصري، شيخ المعتزلة، وإليه تُنْسَب "النظامية" إحدى فِرَق المعتزلة، تُنْسَبُ إليه عَظائم، كإنكار الإجماع والقياس والخبر المتواتر ونحو ذلك مما جُعِلَ به زنديقًا. قِيلَ له "النَّظَّام" لأنه كان ينظِمُ الخرَزَ في سُوق البصرة، ويزعُمُ بعضُ المعتزلة أنَّ ذلك لِكَوْنه ينظم الكلام يُقال: سقط وهو سكران، فمات سنة بِضع وعشرين ومائتين.

стр. 354

ونُقل أيضًا منع حُجِّية الإجماع عن بعض الخوارج، والشيعة، وإنما يستدلون به إذا كان فيهم إمام معصوم، ونحو ذلك مخالفة الرافضة في القياس، وسنذكر في آخر الباب الخلاف في ذلك مبسوطًا. وأما مخالفة الدهريَّة في الكتاب والسُّنة كما يحكيه عنهم بعض الأصوليين (كابن برهان أول "الوجيز" وغيرِه) فلا ينبغي أنْ يذكر، فإنهم كفارٌ لا يعْتَد بهم أصلًا، وكان شيخنا شيخ الأيلام البلقيني ﵀ يعِيب على ابن الحاجب وغيره ذِكرَ خِلاف اليهود في النَّسْخ ونحو ذلك في أصول الفقه؛ فإنَّ موضوع أصول الفقه ما يتعلق بأحكام المسلمين، بخلاف التعرُّض لذلك في أُصول الدِّين، فإنَّ موضوعه الردُّ على المبْطلين في العقائد على أيِّ وَجْهٍ كان. واحترزنا بذلك عن أدلة الفقه المختلَف فيها، كالاستصحاب والاستحسان وقول الصحابي ونحو ذلك، وسنذكرها في فَصْلٍ آخر الباب الثاني. وقولي: (الكتاب الباقي) أبي الذي لا يرتفع ولا يُنْسَخ، بل هو مستمر ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢] فخرجت الكتب المنسوخة والآيات المنسوخة. وقولي: (وذَا مِن الدِّين) الإشارة إلى "القياس"، أَيْ: إنَّ القياس ليس ببدعَة، بل هو مِن الدِّين على الأصح مِن الأقوال الثلاثة، وممن حكاها أبو الحسين في "المعتمد"، فقال: (وأمَّا كَوْن القياس دِينَ الله فلا ريب فيه إذَا عُني أنه ليس ببدعةٍ، وإن أريد غير ذلك، فعند الشيخ أبي الهذيل لا يُطلق عليه ذلك؛ لأنَّ اسم الدين يقع على ما هو ثابت مستمر، وأبو علي الجبائي يَصِف ما كان واجبًا منه بذلك وبأنه إيمان، دُون ما كان منه نَدْبًا، والقاضي عبد

стр. 355

الجبار يصف بذلك واجبَهُ ومندوبَهُ) (١). وكلام عبد الجبار أَرْجَح، قال الروياني في "البحر": القياس عندنا دِين الله وحُجَّته وشَرْعه. وقال ابن السمعاني: (إنه دِينُ الله ودِين رسوله، بمعنى أنه دَلَّ عليه. نَعَم، لا يجوز أنْ يُقال: إنه قولُ الله تعالى) (٢). انتهى فلذلك جريتُ عليه في النَّظم؛ لأنَّ أدلة القياس (نحو: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢] , وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] , وقول معاذٍ له ﷺ : "أجتَهدُ رَأي" (٣)، وأَقَرَّه، وما أَشْبَه ذلك) كُلها تُشْعِر بالأمر بالقياس، وكُل ما أُمِرنا به في الشرع فهو دِين الله؛ فلذلك قُلتُ: (لِأَمرٍ قاسُوا). أيْ: لم يَقِس العلماء إلا بأمر مِن الشارع، فكيف لا يَكون مِن الدِّين؟ ! وأمَّا قول شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إنهم إنْ عَنوا حُكما مقصودًا في نَفْسه فليس القياس مِن الدِّين، وإنْ عَنوا ما تُعُبِّدْنَا به فهو دِينٌ) (٤) فَفِيه نَظَر؛ لأنَّ كُل ما [طلبه] (٥) الشرعُ سواء أكان لذاته أو للتوصل إلى آخَر [هو] (٦) دِين؛ فإنَّ الدِّين ينقسم إلى
следующие страницы →