و "دَيْن" صفة له. ولو قُرئ بلا تنوين على إضافة الموصوف للصفة كَـ "صلاة الأولى" لم يمتنِع، ويأتي فيه المذهبان المشهوران للكوفيين والبصريين، والله أعلم.
стр. 352
الباب الأول
في
"أدلة الفقه"
стр. 353
الباب الأول في أدلة الفقه
٢٠٠ - أَدِلَّةُ الْفِقْهِ عَلَى اتِّفَاقِ ... بَيْنَ الْأَئِمَّةِ: الْكِتَابُ الْبَاقِي
٢٠١ - وَالسُّنَّةُ، الْإجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ ... وَذَا مِنَ الدِّينِ؛ لِأَمْرِ قَاسُوا
الشرح: أَيْ: الباب الأول مِن الأبواب الأربعة بعد الفراغ مِن المقدمة: بيان موضوع عِلم "أُصُول الفقه"، وهو أدلة الفقه، والمتفق عليه منها أربعة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس. والمراد اتفاق الأئمة، أَيْ: الأربعة ونحوهم، ولا اعتداد بخلاف مَن لا يُعَدُّ إمامًا، كالنَّظَّام في مخالفته في الإجماع -على اختلاف النقل عنه: هل مذهبه أنَّ الإجماع لا يُتَصور؟ أو يُتصور ولكن يتعذر نَقله على وَجْهه؟ أو لا يتعذر ولكن لا حُجَّة فيه؟
وهذا الثالث هو ما نقله عنه القاضي والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني والإمام الرازي وأتباعُه، والنقلان الأوَّلان نقلهما القافي عن بعض أصحابه عنه.
والنَّظَّام هذا هو أبو إسحاق إبراهيم بن [سَبَا] (١) البصري، شيخ المعتزلة، وإليه تُنْسَب "النظامية" إحدى فِرَق المعتزلة، تُنْسَبُ إليه عَظائم، كإنكار الإجماع والقياس والخبر المتواتر ونحو ذلك مما جُعِلَ به زنديقًا. قِيلَ له "النَّظَّام" لأنه كان ينظِمُ الخرَزَ في سُوق البصرة، ويزعُمُ بعضُ المعتزلة أنَّ ذلك لِكَوْنه ينظم الكلام يُقال: سقط وهو سكران، فمات سنة بِضع وعشرين ومائتين.
стр. 354
ونُقل أيضًا منع حُجِّية الإجماع عن بعض الخوارج، والشيعة، وإنما يستدلون به إذا كان فيهم إمام معصوم، ونحو ذلك مخالفة الرافضة في القياس، وسنذكر في آخر الباب الخلاف في ذلك مبسوطًا.
وأما مخالفة الدهريَّة في الكتاب والسُّنة كما يحكيه عنهم بعض الأصوليين (كابن برهان أول "الوجيز" وغيرِه) فلا ينبغي أنْ يذكر، فإنهم كفارٌ لا يعْتَد بهم أصلًا، وكان شيخنا شيخ الأيلام البلقيني ﵀ يعِيب على ابن الحاجب وغيره ذِكرَ خِلاف اليهود في النَّسْخ ونحو ذلك في أصول الفقه؛ فإنَّ موضوع أصول الفقه ما يتعلق بأحكام المسلمين، بخلاف التعرُّض لذلك في أُصول الدِّين، فإنَّ موضوعه الردُّ على المبْطلين في العقائد على أيِّ وَجْهٍ كان.
واحترزنا بذلك عن أدلة الفقه المختلَف فيها، كالاستصحاب والاستحسان وقول الصحابي ونحو ذلك، وسنذكرها في فَصْلٍ آخر الباب الثاني.
وقولي: (الكتاب الباقي) أبي الذي لا يرتفع ولا يُنْسَخ، بل هو مستمر ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢] فخرجت الكتب المنسوخة والآيات المنسوخة.
وقولي: (وذَا مِن الدِّين) الإشارة إلى "القياس"، أَيْ: إنَّ القياس ليس ببدعَة، بل هو مِن الدِّين على الأصح مِن الأقوال الثلاثة، وممن حكاها أبو الحسين في "المعتمد"، فقال: (وأمَّا كَوْن القياس دِينَ الله فلا ريب فيه إذَا عُني أنه ليس ببدعةٍ، وإن أريد غير ذلك، فعند الشيخ أبي الهذيل لا يُطلق عليه ذلك؛ لأنَّ اسم الدين يقع على ما هو ثابت مستمر، وأبو علي الجبائي يَصِف ما كان واجبًا منه بذلك وبأنه إيمان، دُون ما كان منه نَدْبًا، والقاضي عبد
стр. 355
الجبار يصف بذلك واجبَهُ ومندوبَهُ) (١).
وكلام عبد الجبار أَرْجَح، قال الروياني في "البحر": القياس عندنا دِين الله وحُجَّته وشَرْعه.
وقال ابن السمعاني: (إنه دِينُ الله ودِين رسوله، بمعنى أنه دَلَّ عليه. نَعَم، لا يجوز أنْ يُقال: إنه قولُ الله تعالى) (٢). انتهى
فلذلك جريتُ عليه في النَّظم؛ لأنَّ أدلة القياس (نحو: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢] , وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] , وقول معاذٍ له ﷺ : "أجتَهدُ رَأي" (٣)، وأَقَرَّه، وما أَشْبَه ذلك) كُلها تُشْعِر بالأمر بالقياس، وكُل ما أُمِرنا به في الشرع فهو دِين الله؛ فلذلك قُلتُ: (لِأَمرٍ قاسُوا). أيْ: لم يَقِس العلماء إلا بأمر مِن الشارع، فكيف لا يَكون مِن الدِّين؟ !
وأمَّا قول شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إنهم إنْ عَنوا حُكما مقصودًا في نَفْسه فليس القياس مِن الدِّين، وإنْ عَنوا ما تُعُبِّدْنَا به فهو دِينٌ) (٤) فَفِيه نَظَر؛ لأنَّ كُل ما [طلبه] (٥) الشرعُ سواء أكان لذاته أو للتوصل إلى آخَر [هو] (٦) دِين؛ فإنَّ الدِّين ينقسم إلى
стр. 356
مقاصد ووسائل.
ومما يستفاد هنا: أنَّ الشافعي ﵁ فيما اقتضاه نَقْلُ الربيع عنه في "اختلاف الحديث" ذكَر ما يقتضي أنَّ الكتاب والسُّنة مشتملان على جميع الفروع الملحقة بالقياس، أَيْ: إنَّ اشتمالهما على الأحكام إما ابتداء أو بالواسطة.
فقال الشافعي: (ولَمَّا قبض الله تعالى رسوله ﷺ تناهَت فرائضُه، فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص) (١).
نَعَم، روى أحمد أنَّ الشافعي قال: (القياس ضرورات). نقل العبادي ذلك في طبقاته، فقد يُقال: إنه يُبايِن الأول، إلَّا أنْ يؤَوَّل بأنه مضطرٌ إليه لِكَونه بواسطة، بخلاف مَتْن الكتاب والسُّنة؛ ولهذا قال ابنُ كج: جميع الأحكام بالنصِّ، لكن بعضها يُعْلَم بِظاهر، وبعضها باستنباط وهو القياس، ولولا ذلك لَبَطل أكثر الأحكام.
وعلى هذا أيضًا يحمل قول ابن حزم: (إنَّ النصوص محيطة بجميع الحوادث)؛ لأنه لا ينكر أصل القياس.
ومما ينقل مِن الخلاف في القياس أنه هل يُعَد مِن "أصول الفقه"؟ أَوْ لا؟ تَعَلُّقًا بأنه لا يفيد إلا الظن. والحقُّ مِن ذلك الأول، وأمَّا الثاني [فضعيف] (٢) جدًّا، فإنَّ القياس قد يفيد القَطْع كما سيأتي. ولو قُلنا: لا يفيد إلا الظنَّ، فخبر الواحد ونحوه لا يفيد إلَّا الظن، بل أدلة الفقه كلها ظنية كما قررناه في غير هذا الموضع.
ومما يستفاد أيضًا: أنَّ القياس فرض كفاية عند تَعَدُّد المجتهدين، لكن إذا احتاج المجتهد إليه وكان واحدًا فقط مع ضيق الوقت، يَصِير فَرْض عَيْن. وأمَّا فيما يجوز حدوثُه ولم يحدُث
стр. 357
بَعْدُ فيكون مندوبًا كما في غيره مِن الأدلة الشرعية يُستدَل بها ويُستنبَط منها ما لم يحدُث ويجوزُ أنْ يحدث.
وإنما قَدَّمتُ هذه المسألة هنا (وإنْ كنتُ أَخَّرت الكلام في كَوْن القياس هل هو دليل يُحتج به؟ أَوْ لا؟ وهل ذلك على العموم؟ أو في بعض الصُّوَر؟ (٣)؛ لأنَّ تعدادَه مِن أدلة الفقه يدل على أنه مِن الدِّين، و [قررنا هناك] (١) هل هو حُجَّة مطلقًا؟ أو في بعض الأشياء؟ [فناسب] (٢) تأخيره إلى موضع تعريفه؛ لِتَعلُّقه بالتعريف، والله أعلم.
ص:
٢٠٢ - أَوَّلُهَا: " الْقُرْآنُ " قَوْلٌ مُنْزَلُ ... عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الْأَفْضَلُ
٢٠٣ - مِنَ الصَّلَاةِ وَالسُّلَامِ، مُعْجزُ ... بَلْ سُورَةٌ، بَلْ آيَةٌ إذْ تُعْجِزُ
٢٠٤ - إنْ بِتِلَاوَةٍ لَهُ تُعُبِّدَا ... وَ "السُّنَّةُ" الَّتِي إلَيْهَا قُصِدَا
الشرح: أَيْ: الأول مِن أدلة الفقه: القرآن، وهو الكتاب أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] بَعْد قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] , وفي الآية الأخرى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]. وهو [أصلُ الأدلة] (٣) كُلها، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] , ففيه البيان لجميع الأحكام.
قال الشافعي في "الرسالة": (وليس ينزل بأحَدٍ في الدنيا نازلة إلَّا وفي كتاب الله تعالى
стр. 358
الدليل على سبيل الهدى فيها) (١).
فأَوْرَدَ بعضهم ما ثبت ابتداءً بالسُّنة أو غَيْرها، فأجاب ابنُ السمعاني بأنه مأخوذٌ مِن كتاب الله في الحقيقة؛ لأنه أَوْجَب علينا فيه اتِّباع الرسول، وحذرنا مِن مخالفته، قال الشافعي ﵀: (فَمَن قَبِل عن رسول الله ﷺ ، فَعَنِ الله قَبِل) (٢). انتهى
والقرآن مأخوذ مِن "قرأ" إذا جمع، سُمي به المقروء كما [سُمي] (٣) المكتوب كتابًا.
قال أبو عبيد: سُمي بذلك لأنه يجمع السُّوَر ويضمُّها.
قال أبو عبد الله القرطبي في كتاب "التذكار في أفضل الأذكار": (اختُلِف في القرآن هل هو مشتق؟ أوْ لا؟ فقال الشافعي: سَمى الله تعالى كتابه "قرَآنًا" بمثابة اسم عَلَم لا يسوغ إجراؤه على موجب اشتقاق. قال: ويجوز أنْ يقال: سُمي "قُرآنًا" مِن حيث إنه يُتلَى وُيقرأ بأصوات تنتظم وتتوالى وتتعاقب).
ثُم قال القرطبي: (والصحيح أنه مشتق مِن "قرأتُ الشيء": جمعته) (٤). وذكر وُجوهًا في الجمع.
قلتُ: كلام الشافعي محمول على أنه صار عَلَمًا ولو كان في الأصل مشتقًّا، لَا نَفْي الاشتقاق أصلًا.
واعْلَم أنَّ القرآن يُطْلَق مَرة على [المعنى] (٥) القديم القائم بذاته ، ومَرة
стр. 359
باعتبار المُنزل الدال على القديم الذي هو: مقروءٌ بالألسنة، محفوظٌ في الصدور، مسموعٌ بالآذان، مكتوبٌ في المصاحف، المَعْنِي بقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦] , وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] , وقوله تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] , وقوله تعالى ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] وقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] , إلى غير ذلك مِن الآيات، وكذا الأحاديث.
فالأول هو محل نَظَر المتكلمين؛ لأنه صفة مِن صفاته .
الثاني هو مَحَل نَظَر الفقهاء والأصوليين وسائر خدمَة الألفاظ مِن المفسرين والنُّحاة والتصريفيين واللُّغَويين والبيانيين ونحوهم، وهو المرادُ هنا بالتعريف المذكور، وهو أنه: قولٌ مُنزلٌ على سيدنا محمَّد عليه الأفضل من الصلاة والسلام، مُعْجِزٌ، مُتَعَبَّدٌ بتلاوته.
فَـ "قَوْلٌ" جنس، وهو أحسن مِن التعبير بِـ "لفظ"؛ لأنَّ القول أَخَص، فهو جنس قريب، ولم أَقُل فيه: "القول"؛ لأنَّ الحقيقة لا يؤتى فيها بِدَالٍّ على كمية كما سبق تقريرُه مراتٍ.
وما بَعْده فهو الفصل المخرِجُ لِغَيره، فخرج بِقَيدِ كَوْنه مُنزلًا الكلامُ النفساني، وكذلك ألفاظ الناس وغيرهم مما لم ينزل.
فإنْ قِيل: ما معنى إنزال القول مع كَوْنه لا يوصَف بحركة ولا نزول لِكَوْنه عَرضًا والنزول للأجسام؛ لأنه إمَّا بمعنى التحرك مِن عُلو إلى سفل [كنزول] (١) المطر، وإمَّا بمعنى الحلول في الشيء [كنزول] (٢) الجيش البلد؟
قِيل: هو مؤوَّل على أنَّ المَلَك لَمَّا تَلَقَّى مِن الله ما يدل على كلامه
стр. 360
القديم [بأنْ] (١) [تَلَقَّفَه تلقُّفًا] (٢) روحانيًّا على الوجه المعلوم عند الله تعالى، أو تَلقَّاه مِن اللوح المحفوظ على ما قاله بعضُهم، ونزل فتلقَّاه منه الأنبياء على الوجه المفصَّل في الوحي وبيان أنواعه، جُعِل كأنَّ القول أُنْزِل كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]. وهذا القَدْر كافٍ في تقرير هذه المسألة وإنْ كانت طويلةَ الذيلِ، مبسوطةً في محلها مِن أصول الدِّين.
وخرج يكون الإنزال على محمَّد ﷺ : ما أُنزل على غيره، كتوراة موسى، وإنجيل عيسَى، وزبور داود، وصحف شيث وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام. وفي حديث أبي ذر فيما رواه ابن حبان وغيره: "إنَّ الله تعالى أنزل مائةً وأربعةَ كتب" (٣).
وخرج بكونه أُنزل للإعجاز: السُّنةُ، فإنها وإنْ كانت مُنزلة وربما كانت معجزة أيضًا لكن لم يُقصَد بإنزالها الإعجاز.
وإنما قُلنا: إنَّ السُّنة مُنزلةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٢ - ٣] , كما قرر ذلك الشافعي في "الرسالة" في غير ما موضع. وقال في باب "ما أبان الله مِن فرضه لخلقه" وفي باب "ما فرض اللهُ في كتابه من اتِّباع سُنة نبيه ﷺ " أنَّ المرادَ بالحكمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] ونحو ذلك - السُّنةُ.
стр. 361
فقال ما نَصُّه: (فذكر اللهُ الكتابَ وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعتُ مَن أرْضَى مِن أهل العِلم بالقرآن يقول: الحكمة سُنة رسول الله ﷺ . وهذا يُشبه ما قال, لأنَّ القرآن ذُكر وأتبعه الحكمة، وذكر الله مِنَّته على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فَلَمْ يَجُز -والله أعلم- أنَّ الحكمة ها هنا إلَّا سُنة رسول الله ﷺ ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله) (١) إلى آخِره. انتهى
والحديث المروي مِن طريق ثوبان بعرض الأحاديث على القرآن - قال الشافعي: ما رواه أحدٌ يثبت حديثُه في شيء صغير ولا كبير. وقال ابن معين: إنه موضوعٌ، وضعته الزنادقة.
وكذا حكى ابن عبد البر في كتاب "جامع العِلم" عن ابن مهدي أنُّ الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: "ما أتاكم مني فاعرضوه على كتاب الله، فإنْ وافق فأنا قُلتُه، وإنْ خالف فلم أقُلْه" (٢).
قال الشيخ: (وقد عرضناه على الكتاب فلم نجد فيه ذلك؛ إذْ ليس فيه: "لا تَقبلوا مِن الحديث إلَّا ما وافق الكتاب"، بل وجدنا الأمرَ بطاعته، وتحريمَ المخالفة عن أمره) (٣).
نَعَم، نَقَل الشافعيُّ في "الرسالة" قولًا: (إنَّ رسول الله ﷺ لم يسُنّ سُنة قَط إلَّا ولها أصلٌ في الكتاب) (٤).
واعتنى ابن برجان في كتابه "الإرشاد" بتتبع ذلك، قال: وقد نبَّهنا ﷺ على ذلك في كثير،
стр. 362
مثل: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت" إلى قوله: "اقرءوا إنْ شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] " (١).
وساق مِن ذلك كثيرًا.
وأمَّا كَوْنها قد تَكون معجزة فلأنَّ وجُوه إعجاز القرآن مِن البلاغة التي لا يَقدِر أحدٌ على مِثلها، والإخبار عن المغيبات وغير ذلك - يوجد في كثيرِ من السُّنة.
ومما يخرج بهذا القيد: ما في السُّنة أيضًا مِن حكايته أقوال الله تعالى، فإنه ليس بِقُرآن أيضًا؛ لأنه لم ينزل للأعجاز. والمراد بالإعجاز أنَّ النبي ﷺ أمر أن يتحدَّاهم بما جاء به، فيقول: هل تَقْدرون أنْ تأتوا بمثل ما قُلتُه؟ فيعجزون عن ذلك، فقدْ أعْجَزَهُم ذلك القول؛ فهو مُعجز.
فالسُّنة معجزة بالقوة؛ لكونه لم يطلب منهم أنْ يأتوا بمثلها. والقرآن مُعجز بالفعل، لكونه تحدَّاهم أنْ يأتوا بمثله بِأَمْر الله له بالتحدي به، ولم يأمره أنْ يتحدى بالسُّنة، فهذا الفَرْق بين الإعجازين.
ومن هنا لم أحْتَج في النَّظم أنْ أقول: (المنزل للإعجاز) لتخرج السُّنة؛ اكتفاءً بِقَولي: (معجز)، أيْ: بالفعل؛ لأنه الحقيقة، وما بالقوة مجاز، فلم تدخل السُّنة؛ لأنُّ الحقيقة هي المرادَة عند الإطلاق.
وقولي: (بَلْ سُورَةٌ، بَلْ آيَةٌ إذْ يُعْجِزُ) إشارة إلى أنَّ الإعجاز قد وقع بالتحدي بالقرآن كُله في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [السجدة: ٨٨]. أيْ: فأْتوا بمثله إنِ ادَّعيتم القدرة، فلَمَّا عجزوا، تحدَّاهم بعَشر سُوَر بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] , فلَمَّا عجزوا،
стр. 363
تحداهم بسورةٍ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: مِن مِثل القرآن، أو مِن مِثل النبي ﷺ . فلمَّا عجزوا، تحدَّاهم بِدُون ذلك وهو قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٤].
واكتفيتُ بقولي: (بل سُورة) عن عَشر سُوَر؛ لأنَّ مَن لا يَقْدر على سُورة، أَوْلى أنْ لا يَقْدر على أكثر منها.
وأَتيتُ بِقَولي: (بل آية) لإفادة أنَّ التحدي وقع بِدون السورة، خِلافًا لمن خالف في ذلك كما سأبينه، فلذلك لم أَكْتَفِ به عن السورة؛ لأنَّ ذاك مُصَرَّحٌ به في قولي: (بل سورة).
وأما قوله : ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [فيحتمل] (١) تنزيله على المنصوص بالتعيين وهو القرآن، أو عشر سُوَر، أو سُورة.
نَعَم، اختُلف في الإعجاز بالسورة، فقال الآمدي في "الأبكار": (التزم القاضي في أحد جوابيه الإعجاز في سورة الكوثر وأمثالها؛ تَعلُّقا بقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾. والأصح ما ارتضاه في الجواب الآخَر، وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحابنا أنَّ التحدي إنما وقع بسورة تبلغ في الطول مَبْلغًا تبين فيه رُتَب قوي البلاغة؛ فإنه قد يَصْدر مِن غَيْر البليغ أو ممن هو أدنى في البلاغة من الكلام البليغ ما يماثل بعض الكلام البليغ المصادر عَمَّن هو أَبْلَغ منه، وربما زاد عليه) (٢).
قال: (فيتعين تقييد الإطلاق في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾؛ لأنَّ تقييد المطلق بالدليل واجبٌ) (٣). انتهى
стр. 364
والإضراب بِـ "بل" بَعْد قولي: (معجز) إشارة إلى أنَّ مرادي معجز كُله، وإلَّا فقولي: (قول) صادقٌ على الكل وعلى عشر سُوَرٍ وعلى سورة وعلى آية، فالتفصيل للإيضاح وإنْ كان قد يُفهم مِن الإجمال في قولي: (قول معجز). فأقَل ما وقع التحدي به آية، لكنها إنما يُتَحدَّى بها حيث تكون مشتملة على ما به التعجيز، لا في نحو: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ [المدثر: ٢١] فيكون المعنى في ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أَيْ: مِثله في الاشتمال على ما به يقع الإعجاز، لا مُطْلَق الكلام أو القول؛ فلذلك قلتُ: (إذْ يعجز). أَيْ: لا مُطْلَقًا، ويُعاد على سورة أيضًا إنْ جريْنا على ما سبق نقْله عن الآمدي. نَعَم، هو بعض المعجز قَطْعًا، فله دخول في الإعجاز منضمًّا إلى غيره، لا منفردًا، فالقرآن كُله معجزٌ لكن منه ما لو أُفْرِدَ لكان معجزًا بذاته، ومنه ما إعجازه مع الانضمام؛ ولذلك لم أَقُل في النَّظْم كما قال غيري: (للإعجاز بسورة منه). بل أَطْلقتُ الإعجاز ثم فصَّلته بالإضراب الانتقالي لا الإبطالي.
وما قررتُه في الآية الواحدة هو ظاهر كلام إمام الحرمين في "الشامل"، إذْ قال في بيان أقَل ما وقع به الإعجاز: (لا ينبغي أنْ يحمل على أنَّ التحدي وقع بكل آيةٍ آيةٍ ولو قَصُرَت نحو: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ [المدثر: ٢١]؛ لأنَّ مِثل هذا لا يَعجز أحدٌ عن النُّطق به؛ فيُعْلَم بالضرورة أنه ما تحداهم بمثله، كما أنَّا نَعْلم أنه لم يتحداهم بكلمة أو كلمتين منه ما لم ينته إلى آية). انتهى
وقال أيضًا في "النهاية" في العاجز عن قراءة الفاتحة في الصلاة وقَدَرَ على آيات متفرقة: يلزم لكن بشرط أنْ تكون كل آية مفهمة.
قال النووي في "شرح المهذب": المختار ما أَطْلَقه الأصحاب: أَيُّ آيةٍ مِن القرآن ولو كان على حدته غير مفهم.
فانظر كيف أَدْخَل في المُعجز ما هو مفهم وما ليس بمفهم، وزعَم أنَّ غير المفهم لا يجزئ، فقال النووي: إنَّ إطلاق الأصحاب يقتضي إجزاءه؛ لأنه لم يخرج عن القرآن.
وفي معنى ذلك قولهم في كتاب الصداق فيما لو أَصْدقها تعليم سُورة فلَقَّنها بعضَ آيةٍ ثُم
стр. 365
نسيته: لا يحسَبُ له شيء؛ لأنَّ ذلك البعض لا يُسمَّى قرَآنًا؛ لعدم الإعجاز. والمراد: لعدم إعجازه منفردًا، على أنَّ هذا الحكم هو قول ابن الصبَّاغ، وقضيَّتُه أنه لا يحرُمُ مِثل ذلك على الجُنُب، لكن صرَّح الفوراني وغيره بالمنع.
ومما يتنبه له أنَّ قولي في النَّظْم: (معجز) أَحْسَن مِن قول غيري: (للإعجاز)؛ لأنه يقتضي انحصار عِلة الإنزال في الإعجاز، والفَرْضُ أنه نزل لبيان الأحكام والمواعظ، ولكنه مع ذلك مقصود به الإعجاز أيضًا.
وخرج بقيد التعبد بتلاوته: الآيات المنسوخ لفظها، سواء بقي الحكم أَوْ لا, فإنها بَعْد النَّسخ صارت غير قرآن؛ لسقوط التعبد بتلاوتها, ولذلك لا تعطَى حُكم القرآن في مَسِّ المُحْدِث وقراءة الجنُب وقراءتها في الصلاة ونحو ذلك.
فإنْ قيل: يَلزم مِن تعريف القرآن بالقول أو باللفظ أنه لا يُسمى في حال كَوْنه مكتوبًا "قرآنًا"، وكذا حال كَوْنه محفوظًا ولم يُنْطق به، ولا خِلاف أنه قرآنٌ وإن جرت له أحكام بخلاف موجَب ذلك، كإمرار الحائض والجنُب القرآن على القلب مِن غير تَلَفُّظ, فإنه ليس بحرام، وكإحراق الخشب المكتوب فيه القرآن، ونحو ذلك, فإنَّ ذلك كله خرج بدليل.
فالجواب: أنه لفظٌ وقولٌ بالقوة، وذلك وإنْ كان مجازًا إلَّا أنَّ المجاز يقع في التعريف إذا دَلَّت على إرادته قرينة كما قرره الغزالى في "المستصفى"، ولا شك أنَّ القرائن هنا متوفرة على إرادة ذلك.
فإنْ قيل: هذا التعريف إمَّا أنْ يَكون لمجموع القرآن أو للأعم مِن ذلك ومن بعضه, فإنْ كان الأول فيقتضي أنَّ البعض لا يُسَمَّى قرآنًا، وأنْ لا يحنث إذَا حلف لا يقرأ قرَآنًا فقرأ شيئًا منه، ولا قائل بذلك. وإنْ كان الثاني فكل كلمةِ -بل كل حرفٍ- مِن القرآن قرآنٌ، وانقسامُه حينئذ إلى هذه الأفراد انقسام الكُلي إلى جزئياته، لا الكل إلى أجزائه، فالحدُّ حينئذ للماهية مِن حيث هي، فيصير قيدُ الإعجاز لَغوًا, لأنَّ الكلمة أو الحرف ليس فيه إعجاز
стр. 366
قَطعًا.
فالجواب: التزامُ الأول، واللام في "القرآن" حينئذ للعهد في جملته، فالبعضُ حينئذ وإنْ كان قرآنًا لكنه لم يُطلق عليه "القرآنُ" باللام العهدية كما قررناه، وكما يشهد لذلك نَصُّ الشافعي ﵀ فيما حكاه عنه الرافعي في أبواب العتق أنه لو قال لعبده: "إنْ قرأتَ القرآن فأنت حرٌّ"، أنه لا يعتق إلا بقراءة الجميع.
فإنَّ ظاهره يقتضي أنه لو قال: (إنْ قرأتَ قرَآنًا) يعتق بالبعض؛ لِمَا قررناه.
وأمَّا قول الإمام الرازي وأتْباعه (كالبيضاوي) في أثناء الاستدلال على إثبات الحقيقة الشرعية: (لو حلف لا يقرأ القرآن، حنث ببعضه) (١)، فمحمولٌ على أنَّ اللام للجنس حتى يَكون بمثابة قرَآنًا بالتنكير.
فإنْ قيل: فالشافعي أطْلَق في المعَرَّف بِـ "ال" ولم يُقيده بِالعَهد جملة ولا بِقَصْد جِنْس.
قلتُ: لأنَّ العرف صار في مِثله يحمل اللام على عَهْد الجملة والكل المشتمل على هذه الأجزاء، ومَبْنَى الأَيْمان على العُرْف.
والحاصل أنَّ النظر إلى لفظ "القرآن" باعتبارين:
- باعتبار جملته وهيئاته وترتيبه، فاللام فيه حينئذ للعهد.
- والثاني: اعتبار حقيقته مِن حيث هي، لا بالنظر إلى [لازم] (٢) كمية وترتيب ونحو ذلك، فاللام فيه حينئذ للجنس. فإنْ قُصِدَ معها استغراق، كان كل حَرفِ وكلمةِ وجملةٍ وآيةٍ وسورةٍ جزئيات، لا أجزاء، بخلاف الاعتبار الأول فإنها فيه أجزاء، لا جزئيات.
стр. 367
ولَعَلَّ مَن يقول في تعريفه: (الكلام المنزل على محمَّد ﷺ للإعجاز بِسُورة منه) إنما يقصد مراعاة الاعتبار الأول، وأمَّا مَن يراعي الاعتبار الثاني فيقول: (ما أنزل للإعجاز). ولا حاجة أنْ يقول: (بسورة منه)، أو يقول ذلك ويريد أنَّ "مِنْ" فيه لابتداء الغاية، لا للتبعيض.
فَحَقِّق هذا الموضع كما قررتُه لك؛ فإنه من النفائس، وقد أَطَلْتُ فيه؛ لِمَحَلِّ الحاجة، والله تعالى أعلم.
وقولي: (وَ " السُّنَّةُ " الَّتِي إلَيْهَا قُصِدَا) تمامه قولي بَعْده:
ص:
٢٠٥ - قَوْلُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْوَرَى ... وَفِعْلُهُ، وِمنْهُ أَنْ يُقَرِّرَا
٢٠٦ - مُكَلَّفًا وَلَوْ يَكُونُ كَافِرًا ... وَلَوْ مُنَافِقًا عَلَى فِعْلٍ يَرَى
٢٠٧ - فَذَاكَ جَائِزٌ لَهُ وَغَيْرِهِ ... مَا لَمْ يَكُنْ دَاعٍ عَلَى تَقْرِيرهِ
الشرح: فلمَّا فرغتُ مِن تعريف أول الأدلة (وهو القرآن) شرعتُ في تعريف الثاني (وهو السنة).
فقولي: (والسُّنة) مبتدأ خبره "قول النبي المصطفى" إلى آخِره، والمراد هنا قول النبي الذي لم يأتِ به قرآنًا على ما سبق. و "الورى": الناس.
وقولي: (التي إليها قُصِدَا) إشارة إلى أنَّ لفظ "السُّنة" وإنْ كان معناه في اللغة "الطريقة" ومنه حديث: "مَن سَنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها" (١) إلى آخِره، وقال الخطابي: إذَا أُطلقت، فهي المحمودة، وإنْ أُرِيدَ غيرُها فمقيدة، كقوله: "ومَن سَن سُنة
стр. 368
سيئة".
وأمَّا في الاصطلاح:
- فَتَارة تُطلق على ما يقابل "القرآن" كما هنا، ومنه أحاديث كثيرة، منها في "مسلم" حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإنْ كانوا في القراءة سواء فأَعْلمهم بالسُّنة" (١) الحديث.
- وتارة على ما يقابل "الفَرْض" ونحوه مِن الأحكام كما سبق في بيان المندوب. وربما لا يُراد إلا مقابل "الفرض" فقط كفروض الوضوء وسُننه، أو الصلاة أو الصيام أو غير ذلك، فإنه لا يقابَل به الحرامُ والمكروهُ فيهما وإنْ كانت المقابلة لازمة له لكنها لم تقصد.
- وتارة يطلق على ما يقابل "البدعة"، فيقال: أهل السُّنة وأهل البدعة.
والمقصود بيانها بالإطلاق الأول، وهو معنى قولي: "التي إليها قُصِدَا". أَيْ: المقصودة في هذا الموضع. و "قصد" يتعدى تارة بِـ "إلى" كما استعملتُه في النَّظم، وتارة باللام، وتارة بنفسه.
قال النووي في "التحرير": (وقد اجتمعت الثلاث في "صحيح مسلم" في حديث واحد في أول سطر منه في "كتاب الإيمان") (٢).
وزاد في "التهذيب": (إنَّ ذلك في باب "مَن قتل رجُلًا مِن الكفار بعد أنْ قال: لا إله إلا الله"، والحديث عن جرير بن عبد الله البجلي: "إنَّ رجُلًا مِن المشركين كان إذا [شاء أنْ] (٣)
стр. 369
يقصد إلى رجُلٍ مِن المسلمين قصد له [فقتله] (١)، [وإنَّ] (٢) رجُلًا من المسلمين قصد غفلته") (٣)(٤). انتهى
فَـ "السُّنة" محصورة في قول النبي ﷺ وفِعله. والقول وإنْ كان من الفعل لأنه عملٌ بجارحة اللسان، لكن الغالب استعماله في مقابلة [الفعل] (٥). نَعم، مِن الفعل عمل القلب والترك فإنه كَفُّ النفْس، وقد سبق أنه لا تكليف إلا بفعل، وأنَّ المكلَّف به في النهي وما في معناه هو الكف. فإذا نُقل عن النبي ﷺ أنه أراد كذا، كان ذلك مِن السُّنة الفعلية، كحديث أنس ﵁: "أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى رهطٍ أو أناسٍ مِن العَجَم، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، فاتخذ خاتمًا مِن فضة" (٦). رواه الشيخان في باب اللباس.
ومِثله حديث جابر: "أراد النبي ﷺ أنْ يَنهى أنْ يُسَمُّى بِـ "يعلى" أو بِـ "بركةٍ" و "أفلح" و "يسار" و "نافع"، ونحو ذلك، ثُم رأيتُه سكت بَعْدُ عنه فلم يَقُل شيئًا، ثم قُبض ولم يَنْهَ عن ذلك" (٧). رواه مسلم في الأدب.
ومِئله حديث عائشة ﵂: "أراد النبي ﷺ أنْ يُنَحِّي مخاط أسامة، قالت عائشة: دعني
стр. 370
حتى أنا الذي أفعل، قال: يا عائشة [أَحِيِّيه] (١)؛ فإني أُحبه" (٢). رواه الترمذي في المناقب.
وحديث عبد الله بن زيد: "أراد رسول الله ﷺ في الأذان أشياء لم يصنع منها شيئًا" (٣). الحديث رواه أبو داود في الصلاة، إلى غير ذلك مِن هذا الباب.
وهذا في ما سيأتي مِن هَمه ﷺ بالشيء، ويأتي الفرق بينهما.
وإذَا نُقل عن النبي ﷺ أنه ترك كذا، كان أيضًا مِن السُّنة الفعلية كما سبق في حديث التسمية ونحو ذلك.
قال ابن السمعاني: (إذا ترك الرسول ﷺ شيئًا، وَجَبَ علينا متابعته، ألَا ترى أنه ﷺ لَمَّا قُدِّم إليه الضبُّ فأمسك عنه وترك أَكْله أَمْسَك الصحابة و [تركوه] (٤) حتى بيَّن لهم أنه حلال ولكنه يَعَافه؟ ) (٥)(٦).
ولهذا لَمَّا صلَّى التراويح وتركها خشية أنْ تُفرض على الأُمة وزال هذا المعنى بموته، عادوا إلى الصلاة.
ونازع بعض العلماء في ذلك وعمل بالترك كما هو مُبيَّن في محله، ولكن [المفيد] (٧) لهذا
стр. 371
النوع حتى يُروى عنه إمَّا قوله: (إنه ترك كذا) أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه ترك كذا.
وقولي: (ومنه أنْ يُقَررَا) أَيْ: ومن الفعل تقريرُه ﷺ مكلَّفًا على فِعل شيء - ولو كان ذلك الفعل قولًا أو نحوه - ولا ينكره عليه؛ فيدل على جواز ذلك الفعل له ولغيره، وذلك بأنْ يفعله بحضرة النبي ﷺ أو في عَصْره ويَعلم به ولا ينكره، لكن بشروط:
أحدها: أنْ لا يَكون قد بَيَّن قُبحه قَبل ذلك، فإنْ بَيَّن قُبح الفعل ولكن قَرَّر فاعلَه لأمرٍ آخَر شرعي كَمُضِي مَن قَرَّره بالجزية مِن الكفار إلى الكنيسة للتعبد بها، فإنَّ ذلك لا دلالة له على جواز الفعل اتفاقًا.
الثاني: أنْ يَكون النبي ﷺ قادرًا على إزالة ذلك المنكَر. كذا شَرَطه ابن الحاجب وغيره. ولكن قد يُقال: لا حاجة إليه؛ لأنَّ مِن خصائصه ﷺ أنَّ وجوب إنكاره المنكر لا يَسقط عنه بالخوف على نفسه وإنْ كان ذلك إنما هو لعدم تحقق خوفه بَعْد إخبار الله تعالى بعصمته مِن الناس بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] , وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥].
الثالث: أنْ يعْلم أنَّ الإنكار يُفِيد، فإنْ كان الإنكار لا يزيد الفاعل إلا جُرْأةً وإغراء، فلا يدل على جواز الفعل. وهذا منقول عن المعتزلة.
وفي كلام إمام الحرمين ما يُفْهمه، حيث قال: (التقرير دالٌّ على رفع الحرج إلا في موضع واحد، وهو أنَّا لا نبعد أنْ يَرى رسول الله ﷺ أَبِيًّا عليه ممتنعًا عن القبول، لا سيما وقد أخبره الله تعالى أنه لا يُؤمِن بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. فإذا رآه يَسجد لصنم بعد ما أنكَر عليه مرارًا وأَمْكَن حَمْل سكوته على يأسٍ مِن
стр. 372
القبول، فلا يدل على تقريرِ [شرعٍ]) (١). انتهى
كذا نقله عنه تلميذه أبو نصر بن القُشَيري، لكنه في "البرهان" مَثَّل بالكافر والمنافق.
فالمختار أنه لا يُشترط، فمِن أجْل ذلك اكتفيتُ عن ردِّ هذا الشرط ودَفْعه بقولي: (ولو كافرًا ومنافقًا).
نَعَم، خالفه المازري في التمثيل بالمنافق، قال: (فإنَّا نقيم عليه الحد؛ لجريان الأحكام على المنافقين ظاهرًا) (٢).
وحكى الغزالي في "المنخول " في تقرير المنافقين خلافًا، ومال إلْكِيَا الهراسي إلى ما قاله إمامه، قال: (لأنه ﵊ كان كثيرًا ما يسكت عن المنافقين عِلمًا منه أنَّ العظة لا تنفعُ فيهم، وأنَّ كلمة العذاب حقت عليهم). انتهى
وهو مستمد مِن قوله في "النهاية" في باب التعزير فيمن علم أنَّ التأديب لا يحصُل إلا بالضرب المبرح: (إنه ليس له الضرب، لا المبرح؛ لأنه يهلك، ولا غيره؛ لعدم إفادته) (٣).
لكن قال الماوردي: إنَّ الحدود والتعازير لا ينبغي أنْ تُترك لمثل هذا.
وهو واضح، وقد رد الرافعي مقالة الإِمام، وقال: يشبه أنْ يُضرب ضربًا غير مبرح؛ إقامةً لصورة الواجب.
وقولي: (عَلَى فِعل يَرَى) أَيْ: يَعْلمه، لا الرؤية البصرية فقط؛ لِمَا قررناه مِن قَبْل. نَعَم، لو انتشر انتشارًا يَبْعُد أنْ لا يَبْلُغه، فقال الأستاذ أبو إسحاق في "شرح التقريب": (اختلف قول الشافعي في جَعْله سُنة، ولذلك جرى له قولان في إجزاء الأقط في الفطرة؛ لأنه ما عُلِم
стр. 373
هل إخراجهم الفطرة في زمنه بَلَغَه؟ أوْ لا؟ ). انتهى
نعم، قد جاء التصريح به مرفوعًا؛ فلذلك كان الراجح الأجزاء.
وقولي: (فذاك جائز) أَيْ: مباح كما قرره ابن القشيري؛ لأنه أدنى درجات ما رفع فيه الحرج، وذهب القاضي إلى أنه يحتمل الإباحة والوجوب والندب؛ فيتوقف فيه.
ولم يقف الشيخ تقي الدين السبكي على النقل حين مسألة عن ذلك صدر الدين ابن الوكيل، فقال: غاية دلالة السكوت أنه لا حَرَج في الفعل، فمن أين إنشاء الإباحة؟
ثُم أجاب بأنَّ الأقدام على فِعل لا يُعْرف حرامٌ، فلو لم يكن هذا الفعل مباحًا لَحُرم الإقدام عليه، بخلاف السكوت عند السؤال، فإنه يحمل على عدم نزول الحكم (١). انتهى
نعم، يشْكل تحريم الإقدام على فِعل لا يُعلم حُكمه؛ بِقولهم بالبراءة الأصلية.
ثُم إذا قُلنا في مسألتنا بالأباحة وهو المشهور على ما تَقدم، فاختلفوا في حُكم الاستباحة لما أُتِر على وجهين حكاهما إلْكِيَا والماوردي والروياني:
أحدهما: أنه مباح بالأصل المتقدم وهو براءة الذمة، أيْ فهو استصحاب الحال.
والثاني: مباح بالشرع حين التقرير عليه.
قال الماوردي: (وهُما الوجهان في الأصل قبل الشرع: هل هو على الإباحة حتى حظرها الشرع؟ أو الحظر حتى أباحها الشرع؟ ) (٢).
وقول: (له وغيره) أيْ: ولغيره، فعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على
стр. 374
حد: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] بالخفض.
والمراد أنَّ التقرير إذا دَلَّ على الإباحة لا يَختص بمن قُرِّر، بل يعُم سائر المكلفين على الأظهر الذي اختاره إمامُ الحرمين والماوردي ونقله عن الجمهور؛ لأنَّ خطاب الواحد خطاب للجميع.
وذهب القاضي إلى أنه يختص؛ لأنَّ التقرير ليس له صيغة تَعُم.
وعلى القول الأول: إذَا تَقدم عمومُ تحريمٍ، كان التقريرُ ناسخًا ما لم يقم دليل على خصوصية المقَرَّر به أو [تعديه] (١) إلى مَن فيه ذلك المعنى، فيلحق به قياسًا، وإلَّا لم يلحق به؛ فيكون تخصيصًا للعام. وقد نَصَّ الشافعي ﵀ على أنَّ تقرير النبي ﷺ للصلاة قِيامًا خَلْفه وهو جالسٌ - ناسخٌ لأمره السابق بالقعود كما أوضحت ذلك في "شرح العمدة" مبسوطًا.
وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ دَاعٍ عَلَى تَقْرِيرهِ) إشارة إلى ما سبق من الشروط.
ويُعْلم مِن إطلاق المسألة أنه لا فرق بين أنْ يكون تقريره مع استبشاره بذلك الفعل أوْ لا، إلا أنه مع الاستبشار أبْلغ؛ ولذلك تمسك الشافعي ﵀ في قبول قول القائف في إلحاق النَّسَب يقول مُجَزِّز المدلجي وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: "إنَّ هذه الأقدام بعضها مِن بعض"، فدخل على عائشة ﵂ أسارير وَجْهه وقال: "ألَمْ تري إلى قول مجَزِّز؟ " (٢) الحديث؛ لأنه لا يُسَر إلا بفعل حَسَن.
وقد سُئل في ذلك سؤال، وهو أنه يحتمل أنهم لَمَّا كانوا [معتقدين] (٣) القيافة عاملين
стр. 375
[به] (١) ووقع منهم قَدْحٌ في نَسَب أسامة [مِن] (٢) زيد لاختلاف لونيهما فاستبشر النبي ﷺ في ردِّ قولهم ذلك بما يعتقدونه مِن القيافة بِقَوْل مجزز القائف، ولا يَلْزم أنْ يَكون ذلك شرعًا له، كَمَن يرُد على خصمه بما لا يعتقده مما يعتقده الخصم.
وجنح الغزالي في "المنخول" لتضعيف الدلالة إلى هذه الشبهة.
ورَدَّ عليه الطرطوشي بأنه لو رَدَّ عليهم بما لا يعتقده، لَدحضت حُجته عندهم وقالوا: كيف تحتج علينا بما لا تقول به؟ !
وقال إلْكِيا: إنَّ هذا السؤال أُورِد على الشافعي، وأنَّ الاستبشار كان لانقطاع مظاهر الكهان عن نَسب أسامة، فقال مجيبًا: (لو لم يكن للقيافة أصلٌ شرعًا لَمْ يستبشر؛ لِمَا فيه مِن إيهام أنه حق، وقد كان شديد الإنكار على الكهان والمنجمين ومَن لا يستند قوله إلى أصلٍ شرعي؛ فَثَبتَ أنَّ استبشاره لِكَون المستَبْشَر به أمرًا شرعيًّا). انتهى بمعناه، والله أعلم.
ص:
٢٠٨ - وَالْهَمُّ، نَحْوُ مَا في الِاسْتِسْقَاءِ ... في الْقَلْبِ لَوْلَا ثِقَلُ الرِّدَاءِ
الشرح: هو معطوف على المصدر المؤول في قولي: (أنْ يُقَرِّرَ). أَيْ: ومن الفعلِ "الهَمُّ بالشيء"، فإذَا هَمَّ رسول الله ﷺ بفعلٍ وعاقه عنه عائقٌ كان ذلك الفعل مطلوبًا شرعًا؛ لأنه لا يهمُّ إلا بحق محبوبٍ مطلوبٍ شرعًا؛ لأنه مبعوثٌ لبيان الشرعيات.
وذلك كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني فيما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وقال: (صحيح على شرط مسلم). وقال صاحب "الإلمام": (رجاله رجال
стр. 376
الصحيح): "استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصَةٌ سوداء، فأراد رسول الله- ﷺ أنْ يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قَلَبَها على عاتقه" (١).
وإنما عَبَّرتُ في النَّظم بِـ "الرداء" لأنَّ أصل الحديث في الصحيحين: "أنَّ رسول الله ﷺ حَوَّل رداءه" (٢). فعُلِم مِن حديث الخميصة أنَّ ذلك الرداء كان خميصة، فالمراد: لولا ثقل الخميصة.
فاستحب الشافعي ﵀ - لأجْل هذا الحديث - للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسه بجعل أعلاه أسفله.
و"الهمُّ" مَصْدر هَمَّ بالأمر يَهُمُّ به (بالضم): إذا عزمَ عليه.
فإنْ قُلتَ: ما الفرق بين هذا القِسم وبين ما سبق مِن إرادته ﷺ ؟
قلتُ: هذا أَخَص؛ لأنَّ "الهمُّ" عَزْمٌ على الشيء بتصميم وتأكيد (٣)، والله أعلم.
ص:
٢٠٩ - وَمِنْهُ أَنْ يُشِيرَ، كَالَّذِي صَنَعْ ... في ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ أَنْ كَعْبًا يَضَعْ
٢١٠ - لِشَطْرِ دَيْنِهِ، وَهَذَا يَحْتَمِلْ ... إلْحَاقَهُ بِالْقَوْلِ، فَهْوَ قَدْ شَمِلْ
الشرح: أَيْ: ومن الفعل أيضًا إشارته ﷺ بيده لفعل شيء، فيصير كأنه أمر به، كما في حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدردٍ دَيْنًا له عليه في مسجد رسول الله ﷺ ،
стр. 377
فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حُجرته، ونادى كعب بن مالك، فقال: "يا كعب". فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار إليه بيده أنْ ضع الشطر مِن دَيْنك. فقال كعبٌ: قد فعلتُ. قال رسول الله ﷺ : "قُم فاقضِه" (١). أخرجه البخاري ومسلم. و [اسم ابن] (٢) أبي حدردِ عبدُ الله، واسم أبيه سلامة بن عمير.
ومثل هذا إشارة النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ أنْ يتقدم في الصلاة، أخرجاه (٣).
و"طاف النبي ﷺ على بَعير، كُلما أتى على الركن أشار إليه" (٤).
وفي حديث زينب بنت جحش ﵂[قالت] (٥): قال النبي ﷺ : "فُتح مِن ردم يأجوج ومأجوج مِثل هذه، وعقد تسعين" (٦).
وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال أبو القاسم ﷺ : "في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلمٌ قائم يُصَلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه". وقال بيده، ووضع أُنْمُلَتَه على بطن الوسطى والخنصر، قُلنا: يُزَهِّدُها) (٧).
стр. 378
وفي الصحيحين: "أشار النبي ﷺ بيده نحو اليمن، فقال: ألَا إنَّ الإيمان ها هنا" (١) الحديث.
وفي أبي داود أنَّ رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أنْ مكانكم، ثُم جاء ورأسه يقطر، فصَلَّى بهم، فلمَّا قضى الصلاة قال: "إنما أنا بَشَر، وإني كنتُ جُنُبًا" (٢).
وفي أبي داود عن أبي حميد الساعدي أنه ﷺ وضع - يعني في حال التشهد - كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكَفَّه اليسرى على ركبته اليُسرى، وأشار بإصبعه (٣).
وفي حديث ابن عمر في "مسلم": "قبض أصابعه كُلها وأشار بالإصبع التي تلي الإبهام" (٤). وفي رواية: "عقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبّابة" (٥). وفي أبي داود عن ابن الزبير: "كان يشير بالسبابة ولا يحركها" (٦).
وفي حديث: "الشهر كذا وكذا وكذا. وأشار بأصابعه العشرة [مرة] (٧) ثُم مرة وقبض
стр. 379
في الثالثة الإبهام" (١). إشارة إلى أنَّ الشهر يَكون ثلاثين ويَكون تسعة وعشرين.
إلى غير ذلك مِن الأحاديث الواردة في الإشارة والإيماء.
وفي القرآن العظيم مِن شواهد اعتبار الإشارة قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. وغير ذلك.
وقولي: (أنْ كَعْبًا يَضَعْ) على حذف حرف الجر، أَيْ "بِأن"، وهو متعلق بِـ "صنع"؛ لأنه يعبر به عن الإشارة، سواء:
- جعلت "الذي" موصولا حرفيًّا على حد: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] على رأْي مَن يقول به، فيكون التقدير: (كَصُنْعِه ﷺ في قضية ابن أبي حدرد). أَيْ: إشارته لِكَعبٍ بأنْ يضع شطر دَينه عليه.
- أو جعلت "الذي" موصولًا اسْميًّا، أَيْ: (كالذي صنع في ابن أبي حدرد مِن الإشارة لِكَعبٍ بأن يضع).
أمَّا "أنْ" فمُخففة مِن الثقيلة، و "كَعْبًا" اسمها وإنْ كان الوجه أنْ يحذف اسمها ويبقى خبرها، لكن جاء هنا لضرورة الشِّعر، كما في قوله:
بِأَنك ربيعٌ وغَيْثٌ مريع ... وأنت هناك تكون الثمالا
وقولي: (وَهَذَا يَحْتَمِلْ إلْحَاقَهُ بِالْقَوْلِ) أَيْ: والإشارة وإنْ كانت فِعْلًا في الحس لكن يحتمل أنْ تَكون مِن قِسم الأقوال؛ لأنه مُنَزل مَنْزلة القول؛ ولهذا في رواية "مسلم" في حديث ابن أبي حدرد السابق: "فأشار بيده، كأنه يقول النصف" (٢).
стр. 380
ولذلك أَجْرَى النبي ﷺ الإشارة مِن الجارية في حديث الأوضاح مَجْرَى قولها إنَّ اليهودي قتلها (١). ومن ذلك قال الفقهاء: إشارة الأخرس بمنزلة قوله في البيع والطلاق ونحو ذلك، لا في الشهادة ونحوها, ولا في إبطال الصلاة كما قُرِّر ذلك في الفقه، وكذا إشارة الناطق في الإقرار أو في إنشاء الطلاق [يُعتبر] (٢) ويُعمل به كالقول.
وهو معنى قولي: (فَهْوَ قَدْ شَمل). أَيْ: شمل الإشارة حُكمًا كما بيَّناه.
تنبيه: زاد الأستاذ أبو منصور البغدادي في أقسام السُّنة قِسمين آخَرين:
أحدهما: الكتابة، أيْ الكُتب التي أرسلها إلى عُماله وغيرهم بما يريده، ولكن هذا قول؛ لأنه ﷺ لا يكتب بيده، إنما يقول للكاتب: "اكتُب كذا وكذا"، فإذَنْ ما في الكُتب يُعْمل به؛ لِكَوْنه قوله ﷺ .
الثاني: التنبيه على العِلة.
ورتب الأقسام: القول، ثُم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة، ثم التنبيه على العِلة. وزاد هذا أيضًا الحارث المحاسبي، ولكن هذا أيضًا لا ينبغي أنْ يُعَد زائدًا؛ لأنَّ الفروع التي في معنى الأصل المنصوص على علته ليست منسوبة لحكم عِلتها، وإنما هي منسوبة للقياس. نَعَم، عِلة القياس إمَّا منصوصة أو مستنبطة، والله أعلم.
стр. 381
ص:
٢١١ - وَكُلُّ هَدَا حُجَّةٌ, لِلْعِصْمَةِ ... لَهُ كَذَاكَ الْأَنْبِيَا بِالْحُجَّةِ
٢١٢ - مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ لَهُمُ اعْتِصَامُ ... عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
٢١٣ - بَلْ لَيْسَ في أَفْعَالِهِمْ مَكْرُوهُ ... إذ في [الْكَمَالِ] (١) لَهُمُ [التَّنْزِيهُ] (٢)
الشرح: أَيْ كُل ما سبق مِن أنواع السُّنة حُجة؛ لأنَّ النبي ﷺ العصمة ثابتة له ولسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مِن كل ذنب، صغيرة كان أو كبيرة، عمدًا أو سهوًا، في الأحكام وغير الأحكام، فهُم معصومون مُبَرُّءون مِن جميع ذلك؛ لقيام الحجة على ذلك كلا تَقرر في محله في أصول الدين؛ ولأنَّا أمِرنا باتِّباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرهم على الإطلاق مِن غير التزام قرينة.
والأقوال في المسألة كثيرة منتشرة في الأصول والفقه، والتشاغل بها هنا غير لائق بكمال الأدب ووفور التعظيم، فلنقتصر على معتقدنا في المسألة وهو ما قدَّمناه وفاقًا لجمع مِن أهل السُّنة المحققين، وسواء في ذلك قَبْل النبوة وَبعْدها، فقد تعاضدت الأخبار بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ وُلِدوا ونشأتهم على كمال أوصافهم في توحيدهم وإيمانهم عقلًا أو شرعًا (على الخلاف في ذلك)، لا سيما بعد البعثة فيما ينافي المعجزة.
أمًا مِن جهة الاعتقاد فإنه لا خِلاف بين الأُمة في عصمتهم منه، وهذا يستحيل الكذب عليهم في التبليغ والخطأ فيه باتفاقٍ، وهذا في الأحكام والفتوى، والإجماع أيضًا على
стр. 382
عصمتهم فيهما ولو في حال الغضب، بل يستدل (١) بشدة غضبه ﷺ على تحريم ذلك الشيء، وكذا في سائر أفعالهم وسِيَرهم.
فقدْ قال بِعصمتهم مِن الصغائر والكبائر مُطلقَا الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني، ووافقه إمام الحرمين في "الإرشاد" على منع تصوُّرها منهم وإنْ خالف في موضعٍ في تَصوُّر الصغائر مع أنها لم تقع.
وممن نَفَى ذلك كُله عنهم أيضًا القاضي عياض، وأبو بكر بن مجاهد وابن فورك كما نقله محنهما ابن حزم في "الملل والنحل" وقال إنه الذي يدين الله به، واختاره ابنُ بَرهان في "الأوسط"، ونقله في "الوجيز" عن اتفاق المحققين، وحكاه النووي في "زوائد الروضة" عن المحققين.
وقال القاضي حسين في أول الشهادات من تعليقه: إنه الصحيح مِن مذهب أصحابنا. وهو قول أبي الفتح الشهرستاني والقاضي أبي محمَّد بن عطية المفسر عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] , وعبارته: (الذي أقول: إنهم معصومون مِن الجميع، وأن قول الرسول ﷺ : "إني لأتُوب في اليوم وأستغفر سبعين مرَّة" (٢) إنما هو رجوعه من حالةٍ إلى أرفع منها؛ لتزيد علومُه واطلاعُه على أمر الله، فهو يتوب مِن المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لُغويَّة) (٣). انتهى
قلتُ: فذكر ذلك للتشريع للأُمة وتعليمهم هضم أنفسهم واعتقادهم التقصير، وكُل ما وَرَد مِن لفظ "العصيان" ونحوه في حق أحدٍ منهم فإنه مؤوَّل بذلك وما شابهه، ولبس لنا أنْ
стр. 383
نتكلم به إلَّا في محله مِن قرآن وسُنة. هذا هو الذي أعتقده وأتقرب إلى الله تعالى به، وممن جرى على ذلك شيخنا شيخ الإِسلام أبو حفص البُلقيني - رحمه الله تعالى - وغيرُه مِن شيوخنا، وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي وولده في "جمع الجوامع"، والحمد لله.
تنبيهات
أحدها: اختُلف في معنى "العصمة"، فقيل: أنْ لا يمكنه فِعل المعصية. وقيل: يمكن ولكن تُصرف دواعيهم عنها بما يلهمهم إياه مِن ترغيب وترهيب.
وقال التلمساني: "العصمة" عند الأشعرية تهيئة العبد للموافقة مُطلقًا، وذلك راجع إلى خلقه القُدرة على كل طاعة، فإذَنْ العصمة توفيقٌ عامٌّ.
وقالت المعتزلة: خلْق ألطاف تقرب إلى الطاعة. ولم يَرُدُّوها للقدرة؛ لأنَّ القدرة عندهم على الشيء صالحة لِضِده.
قال القاضي أبو بكر: لا تُطلق "العصمة" في غير الأنبياء والملائكة. أَيْ: إلَّا بقرينة إرادة معناها اللُّغوي وهو السلامة مِن الشيء، ولهذا قال الشافعي [﵁] (١) في "الرسالة": (وأسأله العصمة). وجرى على ذلك كثير من العلماء.
والحاصل أنَّ السلامة أَعَم مِن وجوب السلامة، فقد توجد السلامة في غير النبي والملَك اتفاقًا، لا وجوبًا.
الثاني: مما يدخل في اعتقاد العصمة مطلقًا امتناع وقوع الذنب نسيانًا كما صرح به الأستاذ أبو إسحاق وكثير مِن الأئمة. وكذا حكى القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو
стр. 384
والنسيان في الأقوال البلاغية، وخصَّ الخلاف بالأفعال وأنَّ الأكثرين على الامتناع، وتأوَّلوا الأحاديث الواردة في سهو النبي ﷺ أنه يقصد به ذلك للتشريع، كما في حديث: "ولكن أُنسَّى؛ لأَسُنَّ" (١).
ومنهم مَن يُعَبر في هذا بأنه تعمد ذلك ليقع النسيان [منه] (٢) بالفعل، ولكنه خطأ لتصريحه ﵇ بالنسيان في قوله: "إنما أنا بَشَرٌ أَنْسَى كما تنسون، فإذَا نسيتُ، فذكِّروني" (٣).
ولأنَّ الأفعال العمدية تُبْطل الصلاة، والبيان كافٍ بالقول، فلا ضرورة إلى الفعل.
وحيث قِيل بالجواز فالشرط - بالاتفاق - أنْ لا يُقَرُّ أحدُهم عليه فيما طريقُه البلاغ.
الثالث: يحوز الإغماء على الأنبياء؛ لأن مرض، ونقل القاضي الحسين في تعليقه في كتاب الصيام عن الداركي أنه يجوز ساعة وساعتين، لا شهرًا وشهرين؛ فإنه يصير كالجنون؛ فلا يجوز.
وقولي: (بَلْ لَيْسَ في أَفْعَالِهِم مَكْرُوهُ)، معناه أنَّ المكروه لا يقع أيضًا مِن الأنبياء ﵈؛ لأنَّ التأسِّي بهم مطلوب، فيلزم أنْ يُتَأسَّى بهم فيه؛ فيكون جائزًا. وأيضًا فإنهم أَكْمل الخلْق ولهم أعْلَى الدرجات؛ فلا يلائم أنْ يقع منهم ما نهى الله عنه ولو نهي تنزيه، فإنَّ الشيء الحقير مِن الكبير أمرٌ عظيم.
ويُقَرر ذلك بأمر آخر، وهو أنه لا يُتصور أنْ يقع منهم ذلك مع كَوْنه مكروهًا، قال ابن
стр. 385
الرفعة في الكلام على الجمع بين الأذان والإقامة: الشيء قد يكون مكروهًا ويَفعله النبي ﷺ ؛ لبيان الجواز، ويَكون أفْضل في حقه.
وخِلَاف الأَوْلى كالمكروه وإنْ لم يتعرضوا له، وقد قال النووي في وضوء النبي ﷺ مرة ومرتين: قال العلماء: إنَّ ذلك كان أفضل في حقه مِن التثليث؛ لبيان التشريع.
قلتُ: وما قررتُه أَوْلى مِن هذا؛ لأنه لم يتعين بيان الجواز في الفعل، ففي القول ما يُغْني عنه، وفيه التزام أنْ يَكون للفعل جهتان: مِن جهة التشريع يَكون فاضلًا، ومن جهة أنه مَنهي عنه يَكون مكروهًا.
وهذا أيضًا أجْود مِن قول بعضهم: (إنَّ المكروه لا يقع منهم؛ لندرته؛ لأنَّ وقوعه مِن آحاد الناس نادر، فكيف مِن خواص الخلْق)؛ ففيه التزام أنه قد يقع.
فقولي: (إذْ في الْكَمَالِ لَهُمُ التنْزِيهُ) أَيْ: في ثبوت الكمال لهم - كما قررناه - التنزيه عن أنْ يقع منهم المكروه، والله أعلم.
ص:
٢١٤ - فَفِعْلُهُ إنْ كانَ بِالْجِبِلَّهْ ... أَوْ خَصَّهُ اللهُ بِهِ؛ أَجَلَّهْ
٢١٥ - أَوْ عُلِمَتْ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَة ... صِفَته وُجُوبًا اوْ قَرِينَهْ
٢١٦ - كَذِي امْتِثَالٍ وَبَيَانٍ، تَبِعَا ... أَصْلَهُمَا في الْحُكْمِ حَيْثُ وَقَعَا
٢١٧ - [فَوَاضِحَاتٌ] (١) ذِي وَإِلَّا يَجِبُ ... وَمثْلُهُ أُمَّتُهُ [تُرَتَّبُ] (٢)
стр. 386
٢١٨ - لَا في الَّذِي خُصَّ وَلَا الْجِبِلِّي ... فَأَصْلُ شَرْعِهِ عُمُومُ الْكُلِّ
الشرح: أيْ إذَا ثبت أنَّ فِعله ﷺ غير محُرَّم (لِعِصْمته) وغير مكروه (لِمَا سبق)، فهو إمَّا واجب أو مندوب أو مباح، لكن على أيِّ شيء يُحْمَل؟ وما حُكم أُمته في التأسِّي بذلك؟ فيه التفصيل المذكور، وحاصلُه أنَّ فِعله ﷺ أقسام:
أحدها: الفعل الجبلي، أَيْ: الواقع بجهة جبلَّة البشر مِن أكلٍ وشُرب وقيام وقعود ونحو ذلك. ومنه ما كان مِن تَصَرُّف الأعضاء وحركات الجسد. قال ابن السمعاني: لا يتعلق بذلك أمرٌ ولا نهي عن مخالِفِه، بل هو مباح، فالأمر فيه واضح؛ لأنه ليس مقصودًا به تشريع ولا تُعُبِّدنَا به، فهو كالواقع منه مِن غير قَصْد، ولذلك نُسِب للجبلة وهي الخلقة. قال الجوهري: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤]. وقرأها الحسن بالضم، والجمع: جبلات) (١). انتهى
وحينئذ فإنْ تأسَّى به مُتَأسٍّ في ذلك فلا بأس، فقد كان ابن عمر لَمَّا حج يجر خطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقة النبي ﷺ ؛ تبركًا بآثاره الشريفة. وإنْ ترَكه لا رغبة واستنكافًا فلا بأس.
نَعَم، نقل القاضي والغزالي في "المنخول" قولًا أنه يندَبُ التأسي به فيه، ونقل الأستاذ وجهين، أحدهما: هذا، وعزاه أكثر المحدثين. والثاني: لا يتبع فيه أصلًا.
فتصير الأقوال ثلاثة: مباح، مندوب، ممتنع.
ويحكى قول رابع بالوجوب في الجبلي وغيره. [قيل] (٢): وهو زلَل.
فإنِ احتمل الفعل أنْ يَكون جبليًّا وغيره مِن حيث إنه واظب عليه ففيه خلاف، مَنْشَؤه
стр. 387
تَعارُضُ الأصل والظاهر، فإنَّ الأصل عدم التشريع، والظاهر في أفعاله التشريع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، فيكونان قولين للشافعي، وقد جاء عنه أنه قال لبعض أصحابه: اسقني قائمًا؛ فإنه ﷺ شربَ قائمًا.
قيل: وحكاهما الأستاذ وجهين كما في أصل الجِبلي كما سبق. وحكى إلْكِيا قولًا ثالثًا بالوقف، قال: والذي عليه الأكثر أنه مباح؛ لإجماع الصحابة عليه. وكذا جزم به ابن القطان والماوردي والروياني في كتاب القضاء.
وفي "الصحيح" عن [عُبيد] (١) بن جريج، قلتُ لابن عمر: "رأيتك تصنع أربعًا". وفيها: "رأيتُك تلبس النعال السبتية". فقال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يلبَسُها" (٢).
وفي "البخاري" في باب "الاقتداء بالنبي ﷺ " حديث ابن عمر: "اتخذ خاتمًا مِن ذهب، فاتخذ الناسُ خواتيم، فنبَذَه وقال: لا ألبسه أبدًا. فنبذ الناس خواتيمهم" (٣).
نَعم، رجَّحوا في الفقه - في مسائل- الندبَ، منها: قال الأكثرون في مسألة ذهابه العيد في طريق ورجوعه في أخرى: إنه يستحَب التأسي به في ذلك.
وفي "الحاوي" للماوردي: (هناك الخلاف على وَجْه آخَر، وهو أنَّا إذَا شكَكْنا في فِعل: هل يختص به ﷺ ؟ أو يشاركه فيه غيره؟ أنَّ المستحب أنْ يفعلوا ذلك. قال ابن أبي هريرة: لأنَّ النبي ﷺ قد يَفعل الشيء لمعنى يختص به ﷺ ثُم يصير ذلك سُنة لمن بَعْده، كالاضطباع والرَّمَل. قال: إلَّا أنَّ أبا إسحاق وأبا عَلِي اتفقا على أنَّ ذلك مستحب في وقتنا، وإنما اختلفَا
стр. 388
إذا عُلِم أنَّ ذلك لشيء يختص به: هل يكون مستحبًّا في وقتنا؟ أَوْ لَا؟ فعند أبي إسحاق لا يستحب، وعند أبي علي يستحب) (١). انتهى
وفي "تجريد" أبي حاتم القزويني: اختلف أصحابنا في جلسة الاستراحة أنها مسنونة أَوْ لَا، والصحيحُ الأول.
ومنها: ركوب النبي ﷺ في الحج (٢)، وتَطَيُّبه عند إحرامه وعند تَحَلله (٣)، وكذا دخوله مكة من ثنية كداءٍ (٤) وغسلُه بِذِي طوى (٥) ونحو ذلك، والصحيح سُنة في الكل.
ومنها: الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، سواء أكان له تهجد أَوْ لا، والصحيح سُنة، وغير ذلك.
وحاصل ما رجح في ذلك كُله أنه ليس مِن الجبلي، بل مِن الشرعي الذي يُتَأسَّى به فيه. ومَن يرى يحمل المحتمل للجبلي وغيره على أنه جِبِلي فهو داخل في هذا القِسم، فَعَلَى كُل مِن الطريقين ليس قِسمًا خارجًا عن الأمرين؛ فلذلك لم أفْرده في النَّظْم قِسمًا، بل حذفتُه مِن قول صاحب "جمع الجوامع": (وفيما تَرَدَّد بين الجِبِلِّي والشرعي - كالحج راكبًا - ترَدُّد) (٦).
أَيْ: في كَوْنه مِن هذا القِسم أو مِن الآخَر، ففي الحقيقة لم يخرج عن القِسمين، فاعْلَمه.
القسم الثاني من أفعاله ﷺ : مما خَصه الله تعالى به عن الأُمة، إجلالًا له، وهو معنى
стр. 389
قولي: (أَوْ خَصَّهُ اللهُ بِهِ؛ أَجَلَّهْ) فيحتمل جُملة "أَجَلَّه" أنْ يكون حالًا، أيْ: مُجِلًّا له بذلك، ويحتمل الدعاء، أيْ: أَجَلَّه الله، كما يقول: ﷺ .
فإذَا دَلَّ دليلٌ على اختصاصه به، فلا سبيل إلى التأسِّي به فيه؛ لئلَّا يفوت معنى الخصوصية، وذلك كوجوب المشاورة في الأمر، وتخيير نسائه في مقامهن في عصمة نكاحه، وإباحة الوصال في الصوم، وصَفي المغنم، والزيادة في النكاح على أربع، ونحو ذلك مما بَسَطه الفقهاء في كتاب النكاح وغيره وقَسَّموه أقسامًا مشهورة.
نَعَم، لإمام الحرمين تَوقُّفٌ في هذا أنه هل يُشرع التأسي به فيه؟ أَوْ لَا؛ لعدم ورود تأسي الصحابة؟ وتابعه على ذلك أبو نصر بن القُشَيري، وأبو عبد الله المازري.
قال أبو شامة في [كتابه] (١) "المحقق مِن عِلم الأُصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ": (ليس لأحد التشبه به في المباح مِن خصائصه، كالزيادة على أربع، ويستحب التشبه به في الواجب عليه، كالضحى، والتنزه عن المحرَّم، كأكل ما له ريح كريه، وطلاق مَن تُكره صحبته).
وقال: (هذا [تفضيل] (٢) حسن لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده).
قال: (ولعل الإِمام ومَن وافقه عَنوا بكونه "لم يُنقل عن الصحابة أنهم فعلوه" أَيْ: لمجرد الاقتداء أو التأسي، بل لأدلة منفصلة) (٣).
قلتُ: ولا ينافي هذا كوْنه خصوصية؛ لأنَّ التشبه في أصل الفعل أو في التَّرْك ليس فيه تشبُّه به في وصْف الفعل والترك، فلم يقع مساواة، إلَّا أنْ يُعْتَقَد أنه مِثله في الوجوب
стр. 390
والتحريم، ولا اعتقاد لذلك؛ ولهذا قَسَّم الماوردي والروياني هذا النوع إلى:
- ما أُبيح له وحُظر علينا، كالمناكح.
- وإلى ما أُبيح له وكُرِهَ لنا، كالوصال.
- وإلى ما وجب عليه ونُدب لنا، كالسواك والوتر والضحى، أَيْ: حيث قُلنا بخصوصية ذلك، ولكنه مُتَعَقَّبٌ كما بيّن ذلك في محله مِن الفقه.
الثالث: أنْ يُعْلَم صفة فِعله ﷺ مِن وجوب أو ندب أو إباحة، وهو معنى قولي: (وجوبًا أَوْ قرينهْ). أَيْ: مقارِنه في حَقِّه، وقد سبق انحصار فِعله في الثلاثة، وأنه لا يكون محُرَّمًا (للعصمة) ولا مكروهًا (لكماله أو لندرة المكروه). وأيضًا فالمكروه إذًا فَعَله، يَكون بيانًا لجواز فِعله، فهو ليس مكروهًا في حقه وإنْ كان مكروهًا لنا (على ما سبق مِن نَظَر فيه).
وعِلْمُ صفة فِعْله:
إمَّا بِنَصٍّ صريح، كأنْ يقول: "هذا الفعل واجبٌ عَلَيَّ"، أو: "مندوب"، أو: "مباح"، أو معنى ذلك بذكر خاصية مِن خواصه، أو نحو ذلك، أو يُسوي بَيْنه وبين فِعل آخَر معلوم الصفة، فيقول: "إنه مِثله"، أو: "مساوٍ له"، أو نحو ذلك.
وإمَّا بقرينة تُبَين صفةً مِن الثلاثة:
فأمَّا الوجوب: فكالأذان في الصلاة، فقدْ تَقَرر في الشرع أنَّ الأذان والإقامة مِن أمارات الوجوب؛ ولهذا لا يُطْلبان في صلاة عيد ولا كسوف ولا استسقاء ونحوها.
قِيل: أو يَكون ممنوعًا لو لم يجب، كالختان، كما نقلوه عن ابن سريج فيه، وقَطْع اليد في السرقة، وزيادة ركوعٍ وقيامٍ في كل مِن ركعتي الكسوف.
ونُقِض ذلك بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإنهما سُنة مع أنهما مبطلان لو لم يشرعَا، وكذا رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد ونحوه، وكذا زيادة الركوع والقيام في