← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٢١٨ - لَا في الَّذِي خُصَّ وَلَا الْجِبِلِّي ... فَأَصْلُ شَرْعِهِ عُمُومُ الْكُلِّ الشرح: أيْ إذَا ثبت أنَّ فِعله ﷺ غير محُرَّم (لِعِصْمته) وغير مكروه (لِمَا سبق)، فهو إمَّا واجب أو مندوب أو مباح، لكن على أيِّ شيء يُحْمَل؟ وما حُكم أُمته في التأسِّي بذلك؟ فيه التفصيل المذكور، وحاصلُه أنَّ فِعله ﷺ أقسام: أحدها: الفعل الجبلي، أَيْ: الواقع بجهة جبلَّة البشر مِن أكلٍ وشُرب وقيام وقعود ونحو ذلك. ومنه ما كان مِن تَصَرُّف الأعضاء وحركات الجسد. قال ابن السمعاني: لا يتعلق بذلك أمرٌ ولا نهي عن مخالِفِه، بل هو مباح، فالأمر فيه واضح؛ لأنه ليس مقصودًا به تشريع ولا تُعُبِّدنَا به، فهو كالواقع منه مِن غير قَصْد، ولذلك نُسِب للجبلة وهي الخلقة. قال الجوهري: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤]. وقرأها الحسن بالضم، والجمع: جبلات) (١). انتهى وحينئذ فإنْ تأسَّى به مُتَأسٍّ في ذلك فلا بأس، فقد كان ابن عمر لَمَّا حج يجر خطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقة النبي ﷺ ؛ تبركًا بآثاره الشريفة. وإنْ ترَكه لا رغبة واستنكافًا فلا بأس. نَعَم، نقل القاضي والغزالي في "المنخول" قولًا أنه يندَبُ التأسي به فيه، ونقل الأستاذ وجهين، أحدهما: هذا، وعزاه أكثر المحدثين. والثاني: لا يتبع فيه أصلًا. فتصير الأقوال ثلاثة: مباح، مندوب، ممتنع. ويحكى قول رابع بالوجوب في الجبلي وغيره. [قيل] (٢): وهو زلَل. فإنِ احتمل الفعل أنْ يَكون جبليًّا وغيره مِن حيث إنه واظب عليه ففيه خلاف، مَنْشَؤه

стр. 387

تَعارُضُ الأصل والظاهر، فإنَّ الأصل عدم التشريع، والظاهر في أفعاله التشريع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، فيكونان قولين للشافعي، وقد جاء عنه أنه قال لبعض أصحابه: اسقني قائمًا؛ فإنه ﷺ شربَ قائمًا. قيل: وحكاهما الأستاذ وجهين كما في أصل الجِبلي كما سبق. وحكى إلْكِيا قولًا ثالثًا بالوقف، قال: والذي عليه الأكثر أنه مباح؛ لإجماع الصحابة عليه. وكذا جزم به ابن القطان والماوردي والروياني في كتاب القضاء. وفي "الصحيح" عن [عُبيد] (١) بن جريج، قلتُ لابن عمر: "رأيتك تصنع أربعًا". وفيها: "رأيتُك تلبس النعال السبتية". فقال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يلبَسُها" (٢). وفي "البخاري" في باب "الاقتداء بالنبي ﷺ " حديث ابن عمر: "اتخذ خاتمًا مِن ذهب، فاتخذ الناسُ خواتيم، فنبَذَه وقال: لا ألبسه أبدًا. فنبذ الناس خواتيمهم" (٣). نَعم، رجَّحوا في الفقه - في مسائل- الندبَ، منها: قال الأكثرون في مسألة ذهابه العيد في طريق ورجوعه في أخرى: إنه يستحَب التأسي به في ذلك. وفي "الحاوي" للماوردي: (هناك الخلاف على وَجْه آخَر، وهو أنَّا إذَا شكَكْنا في فِعل: هل يختص به ﷺ ؟ أو يشاركه فيه غيره؟ أنَّ المستحب أنْ يفعلوا ذلك. قال ابن أبي هريرة: لأنَّ النبي ﷺ قد يَفعل الشيء لمعنى يختص به ﷺ ثُم يصير ذلك سُنة لمن بَعْده، كالاضطباع والرَّمَل. قال: إلَّا أنَّ أبا إسحاق وأبا عَلِي اتفقا على أنَّ ذلك مستحب في وقتنا، وإنما اختلفَا

стр. 388

إذا عُلِم أنَّ ذلك لشيء يختص به: هل يكون مستحبًّا في وقتنا؟ أَوْ لَا؟ فعند أبي إسحاق لا يستحب، وعند أبي علي يستحب) (١). انتهى وفي "تجريد" أبي حاتم القزويني: اختلف أصحابنا في جلسة الاستراحة أنها مسنونة أَوْ لَا، والصحيحُ الأول. ومنها: ركوب النبي ﷺ في الحج (٢)، وتَطَيُّبه عند إحرامه وعند تَحَلله (٣)، وكذا دخوله مكة من ثنية كداءٍ (٤) وغسلُه بِذِي طوى (٥) ونحو ذلك، والصحيح سُنة في الكل. ومنها: الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، سواء أكان له تهجد أَوْ لا، والصحيح سُنة، وغير ذلك. وحاصل ما رجح في ذلك كُله أنه ليس مِن الجبلي، بل مِن الشرعي الذي يُتَأسَّى به فيه. ومَن يرى يحمل المحتمل للجبلي وغيره على أنه جِبِلي فهو داخل في هذا القِسم، فَعَلَى كُل مِن الطريقين ليس قِسمًا خارجًا عن الأمرين؛ فلذلك لم أفْرده في النَّظْم قِسمًا، بل حذفتُه مِن قول صاحب "جمع الجوامع": (وفيما تَرَدَّد بين الجِبِلِّي والشرعي - كالحج راكبًا - ترَدُّد) (٦). أَيْ: في كَوْنه مِن هذا القِسم أو مِن الآخَر، ففي الحقيقة لم يخرج عن القِسمين، فاعْلَمه. القسم الثاني من أفعاله ﷺ : مما خَصه الله تعالى به عن الأُمة، إجلالًا له، وهو معنى

стр. 389

قولي: (أَوْ خَصَّهُ اللهُ بِهِ؛ أَجَلَّهْ) فيحتمل جُملة "أَجَلَّه" أنْ يكون حالًا، أيْ: مُجِلًّا له بذلك، ويحتمل الدعاء، أيْ: أَجَلَّه الله، كما يقول: ﷺ . فإذَا دَلَّ دليلٌ على اختصاصه به، فلا سبيل إلى التأسِّي به فيه؛ لئلَّا يفوت معنى الخصوصية، وذلك كوجوب المشاورة في الأمر، وتخيير نسائه في مقامهن في عصمة نكاحه، وإباحة الوصال في الصوم، وصَفي المغنم، والزيادة في النكاح على أربع، ونحو ذلك مما بَسَطه الفقهاء في كتاب النكاح وغيره وقَسَّموه أقسامًا مشهورة. نَعَم، لإمام الحرمين تَوقُّفٌ في هذا أنه هل يُشرع التأسي به فيه؟ أَوْ لَا؛ لعدم ورود تأسي الصحابة؟ وتابعه على ذلك أبو نصر بن القُشَيري، وأبو عبد الله المازري. قال أبو شامة في [كتابه] (١) "المحقق مِن عِلم الأُصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ": (ليس لأحد التشبه به في المباح مِن خصائصه، كالزيادة على أربع، ويستحب التشبه به في الواجب عليه، كالضحى، والتنزه عن المحرَّم، كأكل ما له ريح كريه، وطلاق مَن تُكره صحبته). وقال: (هذا [تفضيل] (٢) حسن لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده). قال: (ولعل الإِمام ومَن وافقه عَنوا بكونه "لم يُنقل عن الصحابة أنهم فعلوه" أَيْ: لمجرد الاقتداء أو التأسي، بل لأدلة منفصلة) (٣). قلتُ: ولا ينافي هذا كوْنه خصوصية؛ لأنَّ التشبه في أصل الفعل أو في التَّرْك ليس فيه تشبُّه به في وصْف الفعل والترك، فلم يقع مساواة، إلَّا أنْ يُعْتَقَد أنه مِثله في الوجوب

стр. 390

والتحريم، ولا اعتقاد لذلك؛ ولهذا قَسَّم الماوردي والروياني هذا النوع إلى: - ما أُبيح له وحُظر علينا، كالمناكح. - وإلى ما أُبيح له وكُرِهَ لنا، كالوصال. - وإلى ما وجب عليه ونُدب لنا، كالسواك والوتر والضحى، أَيْ: حيث قُلنا بخصوصية ذلك، ولكنه مُتَعَقَّبٌ كما بيّن ذلك في محله مِن الفقه. الثالث: أنْ يُعْلَم صفة فِعله ﷺ مِن وجوب أو ندب أو إباحة، وهو معنى قولي: (وجوبًا أَوْ قرينهْ). أَيْ: مقارِنه في حَقِّه، وقد سبق انحصار فِعله في الثلاثة، وأنه لا يكون محُرَّمًا (للعصمة) ولا مكروهًا (لكماله أو لندرة المكروه). وأيضًا فالمكروه إذًا فَعَله، يَكون بيانًا لجواز فِعله، فهو ليس مكروهًا في حقه وإنْ كان مكروهًا لنا (على ما سبق مِن نَظَر فيه). وعِلْمُ صفة فِعْله: إمَّا بِنَصٍّ صريح، كأنْ يقول: "هذا الفعل واجبٌ عَلَيَّ"، أو: "مندوب"، أو: "مباح"، أو معنى ذلك بذكر خاصية مِن خواصه، أو نحو ذلك، أو يُسوي بَيْنه وبين فِعل آخَر معلوم الصفة، فيقول: "إنه مِثله"، أو: "مساوٍ له"، أو نحو ذلك. وإمَّا بقرينة تُبَين صفةً مِن الثلاثة: فأمَّا الوجوب: فكالأذان في الصلاة، فقدْ تَقَرر في الشرع أنَّ الأذان والإقامة مِن أمارات الوجوب؛ ولهذا لا يُطْلبان في صلاة عيد ولا كسوف ولا استسقاء ونحوها. قِيل: أو يَكون ممنوعًا لو لم يجب، كالختان، كما نقلوه عن ابن سريج فيه، وقَطْع اليد في السرقة، وزيادة ركوعٍ وقيامٍ في كل مِن ركعتي الكسوف. ونُقِض ذلك بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإنهما سُنة مع أنهما مبطلان لو لم يشرعَا، وكذا رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد ونحوه، وكذا زيادة الركوع والقيام في

стр. 391

الخسوف على ما رجحه النووي في "شرح المهذب" مِن كَوْنها إذا صُلِّيت كسائر الصلوات، جاز. فإنْ قيل: قد يجاب بأنَّ الدليل دلَّ على سُنية هذه الأمور، والكلام حيث لا دليل. [قِيل] (١): المقصود إنما هو إثبات القاعدة باستقراء الشرع حتى ينزل عليها ما لم يُعْرف، فإذا انتقضت بما دلَّ عليه الدليل، ارتفع ما أُثْبِتَ بالاستقراء. ومن قرائن الوجوب أيضًا أنْ يَكون قضاء لِمَا عُلِم وجوبه، أو نحو ذلك. وأمَّا الندب: فكقصد القُربة مجردًا عن دليل وجوبٍ وقرينته، والدالُّ على ذلك كثير. وأمَّا الإباحة: فكالفعل الذي ظهر بالقرينة أنه لم يُقصد به القُربة. وقولي: (كَذِي امْتِثَالٍ وَبَيَانٍ) إلى آخِره -[أَيْ] (٢): إنَّ مِن هذا القِسم (وهو ما عُلِمت صفته) أنْ يَكون الفعل امتثالًا لأمرٍ عُلم أنه أمْر إيجابٍ أو ندبٍ، فيكُون هذا الفعل تابعًا لأصله في حُكمه، كالصلاة بيانًا بَعْد قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] , وكالقطع مِن الكوع بيانًا لآية السرقة، ونحو ذلك. نَعم، في الوارد بيانًا بالفعل أمْر آخَر، وهو أنه ﷺ يجب عليه بيان الشرع للأُمة بقوله أو فِعله، فإذَا أتَى بالفعل بيانًا، أَتَى بواجبٍ وإنْ كان الفعل بيانًا لأمْر ندبٍ أو إباحةٍ بالنسبة للأُمة، فللفعل حينئذ جهتان: - جهة التشريع، وَصِفَتُه الوجوب. - وجهة ما يتعلق بحكم الأُمة، تابعٌ لِأصله مِن ندبٍ أو إباحةٍ.

стр. 392

وقد دخل القِسمان في قولي: (تَبِعَا أَصْلَهُمَا). أَيْ سواء [أكان] (١) أصلًا واحدًا أو أصلين باعتبارين، فاعْلَم ذلك. قولي: (فواضحاتٌ ذِي) أَيْ: هذه الأقسام السابقة كلها واضحات الحكم، أمَّا الجِبِلِّي فلمْ يُفْعل للتشريع، فهو على الإباحة. وأمَّا الخصائص فكذلك، وكذا ما عُلِمَت صِفتُه، وقد سبق إيضاحُها. وقولي: (وإلَّا يَجِبُ) أَيْ: وإنْ لم يكن فِعل النبي ﷺ شيئًا مِن هذه الأقسام المذكورة، فالصحيح مِن المذاهب أنه محمولٌ على الوجوب. وبه قال ابن سريج والإصْطَخْري، وابن خيران، وابن أبي هريرة، وبعض الحنفية، وهو الصحيح عن مالك. قال ابن السمعاني: (وهو الأَشبه بمذهب الشافعي) (٢). قال: (وهو الصحيح). إلَّا أنه لم يتكلم إلَّا فيما ظهر فيه قَصْد القُربة ولو مجردًا عن أمارة الوجوب. وقِيل: محمول على الندب، وهو عن أكثر الحنفية والمعتزلة والصيرفي والقفال الكبير وإمام الحرمين، وعُزي أيضًا للشافعي، وبالغ أبو شامة في نُصرته. وقيل: للإباحة، ونُقل عن مالك، واختاره إمام الحرمين في "البرهان". وقِيل بالوقف، ونُقل عن جَمْع، ثُم قِيل: بَيْن الكُل. وقيل: بَيْن الوجوب والندب مطلقًا. وقِيل: بينهما إنْ [ظهر] (٣) قَصْد القُربة. وفَصَّل الآمدي وابن الحاجب بين ما ظهر فيه قَصْد القُربة فَنَدْب، وإلَّا فإباحة، واختاره أبو شامة.

стр. 393

واستُشكِل بأنه كيف يجري قولٌ بالإباحة مع قَصْد القُربة؟ ! فبَيْن الترجيح واستواء الطرفين تنافٍ. وقد يجاب بأنه بيَّن للأُمة جواز الإقدام عليه بالفعل، فقَصْده القُربة مع كَوْن الفعل مباحًا. قلتُ: وفيه نَظَر؛ لأنَّ الكلام في قَصْد القُربة بالفعل مِن حيث هو, لا مِن حيث كَوْنه بيانًا للشرع. وقولي: (ومِثْلُهُ أُمَّتُهُ [تُرَتَّبُ]) (١) إلى آخِره - أَيْ: ما سبق في حُكم فِعله ﷺ بالنسبة إليه، وأمَّا بالنسبة للأُمة فحُكمهم مُرَتَّبٌ على حُكمه إلَّا فيما يُستثنى. فإنْ كان الفعل واجبًا عليه، فَهُم كذلك، أو مندوبًا أو مباحًا فكذلك؛ للآيات والأحاديث الواردة بإطلاق الأمر بالاتِّباع والتأسِّي عمومًا وخصوصًا (نحو: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٢). أخرجه الشيخان، وقوله يوم النحر وهو على راحلته: "خُذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لَعَلِّي لا أَحج بَعْد حجَّتي هذه" (٣). رواه مسلم، وغير ذلك مما لا ينحصر)، ولمَا أَشَرْتُ إليه مِن المعنى (وهو عموم شَرْعِه لكل أحدٍ) بِقَولي: (فَأَصْلُ شَرْعِهِ عُمُومُ الْكُلِّ). وقولي: (لَا في الَّذِي خُصَّ وَلَا الْجِبِلِّي) استثناءٌ مِن قولي: (ومثْلُهُ أُمَّته [تُرَتَّبُ]) (٤). أَيْ: يُستثنى مِن اتِّباع أُمته له في أفعاله أمران: ما كان جِبِلِّيًّا، وما كان مِن خصائصه. وقد سبق

стр. 394

بيان التأسِّي فيهما، والخلاف في ذلك واضحًا، فما سِوَى هذين أُمَّته مِثْله فيه. ومن ذلك ما كان مِن أفعاله بيانًا، فإنه وإنْ وجب عليه مِن حيث التبيان فقدْ يكون مندوبًا أو مباحًا باعتبار أَصْله الذي هو مثال له. وأُمته مِثله مِن جهة ذلك الأصل، لا مِن جهة تشريعه كما سبق تقريره. نَعَم، يجب على العلماء بيان شَرْعِه بأَيِّ طريقٍ كان، سواء بالقول أو بالفعل أو نحو ذلك، فربما كان في فِعل المُبَيِّن منهم الجهتان المذكورتان. وفيما عُلِمَت صِفتُه مذاهب: أصحُّها ما قُلناه: إنَّ أُمَّته مِثْله، إلَّا أنْ يدل دليلٌ على تخصيصه. وثانيها: قول القاضي: إنه كالذي لا تُعْلم صفته في حقهم حتى يجري فيه قولٌ بالندب وقولٌ بالإباحة وقولٌ بالوقف. وثالثها: أنهم مِثله فيه في العبادات، وهو قول أبي علي ابن خَلَّاد مِن المعتزلة. ورابعها: الوقف، قاله الرازي. قال أبو شامة: (الذي أقوله أنا: إذَا عَلِمنا أنَّ فِعله واجبٌ، فإنْ كان عليه وعلينا فلا حاجة للاستدلال بفعله على وجوبه على الأُمة؛ لوجود دليل العموم لنا. وإنْ كان خاصًّا به فهو القِسم [السابق] (١) في خصائصه. فإنْ شَككنا فلا دليل على الوجوب علينا إلَّا أدلة القائلين بالوجوب فيما لم تُعْلَم صفته، فلا حاجة لفرض هذا القِسم وهو ما عُلِمت صفته). قال: (وإنْ عَلِمْنا أنه أَوْقَعه ندبًا فهو على اختيارنا الندب في مجهول الصفة، أو مباحًا فهو الذي لم يظهر فيه قَصْد القُربة) (٢). انتهى

стр. 395

وفيما لم تُعْلم صفته المذاهب السابقة. نَعم، حيث قُلنا بالوجوب، فَقِيل: مُدْركه العقل. وقيل: السمع. وهو ما أَوْرَده ابن السمعاني وإلْكِيا الطبري، لكنه قال: إنَّ القائل بالعقل يقول: دَلَّ معه السمع أيضًا. ومِن أغرب المذاهب أنه على الحظر على معنى تحريم اتِّباع غَيْره له فيه إلَّا بدليل يدل على ذلك. ووهموا مَن حمل هذا المذهب على أنه في نفْسه حرام، وأنه بِناءٌ على جواز المعاصي على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما نُقِل عن الغزالي والَامدي والهندي رَدُّ ذلك وجعلوا ذلك مِن سُوءِ فهمهم هذا المذهب، فقد صرح القاضي أبو الطيب وابن القشيري بأنَّ هذا المذهب يقول بتحريم اتِّباعه، وهو بناء على أصلهم في الأحكام قَبْل الشرع أنها على الحظر. وقد ذكرتُ هذا المذهب لئلَّا يُغْترَّ به وإنْ كان الأدبُ تركه بالكُلية، والله أعلم. ص: ٢١٩ - وَبيْنَ فِعْلَيْنِ تَعَارُضٌ مُنِعْ ... مَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلُ [تَكْرارٍ] (١) وُضِعْ الشرح: إذا تَقرر انحصار السُّنة في القول والفعل، فاعْلَم أنه ربما تعارَض دليلان مِن ذلك، إما قولان أو فِعلان أو قَوْل وفعل. فأما القولان فسيأتي حُكم تعارضهما في الباب الثالث وهو التعادل والتراجيح. وأما تَعارُض الفعلين أو الفعل والقول فنذكره هنا؛ لتعلقه بأحكام الفعل المقصود بالأصل. ومعنى التعارض بين الأمرين: تَقابُلهما على وجهٍ يمنع كل واحد منهما مُقْتضَى الآخَر. فالمشهور أنَّ الفعلين لا يقع بينهما تَعارُض حتى يكون أحدهما ناسخًا للآخَر أو مخصصًا؛

стр. 396

لجواز أنْ يَكون حُكم أحد الفعلين في وقتٍ مغايرًا لحكمه في وقتِ الآخر؛ لأنه لا عموم في الفعل في ذاته ولا في وقته. نَعَم، إذًا كان مع الفعل الأول قول يقتضي وجوب تَكرره، جاز أنْ يعارضه الفعل الثاني. قال إلْكِيا: وعلى مثله بنَى الشافعي مذهبه في سجود السهو قَبل السلام وبعده، وقال: إنَّ آخر فِعليه قبل السلام. قلتُ: والدليل الدال على تَكرر الأول - على ما قيل - هو ما ورد مِن الأمر بسجود السهو حيث وجد مقتضيه، لكن فيه نظر؛ فإنه لا بُدَّ أنْ يَكون في النص ما يدل على أنه بعد السلام، وليس فيه تَصْرِيح بشيء، وإنما ينبغي أنْ يُمَثَّل له بما سيأتي في صلاة الخوف، على أنَّ في أصل المسألة نظرًا أيضًا؛ لأنَّ التعارض في الحقيقة إنما هو بين الثاني وبين القول المقتضي لتكرار الأول، لا بين فعلين بالذات. وهذه الطريقة هي طريقة الإِمام الرازي تبعًا للقاضي والغزالي، وعليها الجمهور. وقال إمام الحرمين: (إنَّ الفعلين قد يتعارضان، والمتأخِّر منهما ناسِخ). قال: (وفي كلام الشافعي صَغْوٌ إليه؛ فإنَّ هذا هو مُدْركه في تقديم رواية خَوَّات بن جُبير في صلاة ذات الرقاع على رواية ابن عمر ﵄) (١). انتهى. ومراده ما بين الحديثين مِن التخالف المشهور في محله من الفقه والحديث، وقد أوضحته في "شرح العمدة". وممن وافق الإِمام على ذلك ابن القشيري، وقال: إنَّ الشافعي [قَدَّر] (٢) ما رواه ابن عمر في غزوة سابقة.

стр. 397

قال: (وله مَسْلك آخَر، وهو تسليم كونهما في غزوة واحدة، ولكن رواية خَوَّاتٍ أقربهما للأصول بِقِلَّة الحركة وقُربها للخشوع). انتهى والذي في "الرسالة" إنما هو تقديم رواية خوات؛ لأنه متقدم الصحبة والسن - بعد أنْ رجحها [قَبْل] (١)؛ لموافقة ظاهر القرآن، ولأنها أقوى في مكايدة العدو. على أنَّ الذي قاله القاضي وقال إمام الحرمين: (إنه ظاهر كلام الأصوليين)، وقال إلْكِيا: (إنه الحق الذي لا يجوز غيره)، والغزالي: (إنَّ الفقهاء اتفقوا عليه) - صحة الفعلين، وإنما اختلفوا في الأفضل. ولو سُلِّم أنَّ الخلاف في الجواز، فلقائل أنْ يقول: إنَّ الفعل الأول دل ظاهرُ القرآن على تكرره، وهو عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، فليس مِن تَعارُض مجرد الفعلين كما سبق تقريره. قلتُ: لكن هذا على تقرير أنه موافق لحديث ابن عمر، أمَّا إذا جُعل موافقًا لحديث خوّات وجعلناه متأخرًا، فلا. على أنَّ تَعارض الفعلين قد حكى فيه ابن العربي المالكي في كتابه "المحصول" ثلاثة أقوال: التخييرَ، تقديمَ المتأخر، طلبَ الترجيح. وقال القرطبي: مَن قال: "إنَّ الفعل محمول على الوجوب" قال: الناسخ متأخِّر إنْ علِم التاريخ, وإنْ جهِل فالترجيح، وإنْ قُلنا: "لا يدل على الوجوب"، فهُما متعارضان كالقولين. والقول بأن المتأخر ناسخ نقله الغزالي في "المنخول" عن مجاهد. وفصَّل ابن القشيري بين الفعل الوارد بيانًا وغيره، قال: فالتعارض في الوارد بيانًا

стр. 398

كالقولين، فينسخ آخِرُهما أولَهما؛ لأنَّ فِعل البيان كالقول. والله أعلم. ص: ٢٢٠ - والْفِعْلُ وَالْقَوْلُ إذَا تَعَارَضَا ... وَلتَكَرُّرٍ دَلِيلٌ اقْتَضَى ٢٢١ - فَإِنْ يَكُنْ خُصَّ بِقَوْلٍ، نَسَخَا ... ثانِيهِمَا، وَالْجَهْلُ فِيمَا أُرِّخَا ٢٢٢ - وَقْفٌ، وَإِنْ خُصَّ بِنَا [فَيَسْلَمَا] ... (١) وَ [الثَّانِ] (٢) نَاسِخٌ لنَا إِنْ لَزِمَا ٢٢٣ - فِيهِ تَأَسٍّ، وَلجَهْلٍ يُعْمَلُ ... بِالْقَوْلِ، وَالْقَوْلُ إِذَا مَا يَشْمَلُ ٢٢٤ - كَمَا مَضَى في السَّبْقِ أَوْ أَنْ يُجْهَلَا ... نَعَمْ، إذَا الظَّاهِرُ لَفْظًا شمِلَا ٢٢٥ - يُخَصُّ بِالْفِعْلِ عُمُومُهُ، وَذَا ... يُغْنِي عَنِ الذّكْرِ [بِبَابِهِ] (٣)، انْبِذَا الشرح: هذا بيان حُكم تَعارض القول والفعل، وقيدتُ الفعل بكونه دَلَّ على تَكرره دليل، وإلَّا فلا تَعارض بينه وبين متأخِّر عنه، وإنْ أمكن معارضته لقولٍ سابقٍ فليس حينئذ قيدًا، لكن لَمَّا كان الغرض هو تقسيم شامل للمتقدم والمتأخر أخذتُ ذلك في مورد التقسيم؛ للاحتياج إليه في بعض الأقسام، والذي ليس يحتاج إليه فيه واضح لا يحتاج إلى التنبيه عليه فيه. والحاصل أنَّ لذلك ثلاثة أحوال باعتبار أنَّ القول إما أنْ يكون خاصًّا بالنبي ﷺ ، أو خاصا بالأُمة، أو عامًّا له ﷺ ولهم.

стр. 399

فالأول: أنْ يَكون خاصًّا به ﷺ : فإنْ عُلم المتأخر مِن القول أو الفعل فهو ناسخ للمتقدم، كما لو قال: "صوم عاشوراء واجب عليَّ" ونُقل أنه أفطر فيه قَبْل تاريخ القول أو بعده، ولا تَعارض بينهما في حق الأُمة؛ لعدم تناول القول إياهم. وإنْ جُهل المتأخر منهما، فأقوال: أحدها: يُعمل بالقول؛ لقوته بالصيغة، وأنه حُجة بنفسه. وهذا قول الجمهور، وظاهر كلام ابن بَرهان أنه المذهب، وجزم به إلْكِيا والأستاذ أبو منصور، وصححه الشيخُ في "اللمع" والإمامُ في "المحصول" والآمديُّ في "الإحكام". الثاق: تقديم الفعل؛ لعدم الاحتمال فيه. ونُقل عن اختيار القاضي أبي الطيب. والثالث: أنهما سيَّان، لا يرجح أحدهما إلا بدليل. ونقله ابن القشيري عن القاضي أبي بكر ونصره، واختاره ابن السمعاني، إلَّا أنَّ الشيخ في "اللمع" وابن القشيري والغزالي جعلوا محل الخلاف في القول والفعل إذا كانا بيانًا لِمُجْمَل، لا مبتدأَيْن، وعكسه القرطبي. الثاني: أن يكون القول خاصًّا بنا: فهو ﷺ سالم مِن المعارضة في حقه؛ لعدم تناول القول له، وأمَّا في حق الأُمة فإنْ دل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، فالمتأخر أيضًا ناسخ للمتقدم قولًا كان أو فعلًا، كما لو قال في المثال المتقدم: "صوم يوم عاشوراء واجب عليكم دُوني". أمَّا إذا لم يدل دليل على وجوب التأسي، فلا تَعارض بالنسبة إلينا. فإنْ جُهل التاريخ, جاءت الأقوال الثلاثة، لكن الأرجح ما صححه ابن الحاجب وغيره هنا: القول، وفيما إذا كان القول خاصًّا به: الوقف؛ لاحتياجنا في التعبد للقول أو الفعل، وأما في حقه فأمر انقضى، والقول أقوى كما سبق.

стр. 400

الثالث: أن يكون القول عامًّا لنا وله ﷺ : كما لو قال في المثال السابق: "صوم عاشوراء علَيَّ وعليكم" أو نحو ذلك، فهذا يُعْلم حُكمه مما سبق في القسمين قبْله. فإنْ تَقدم القولُ، نَسخَه الفعلُ في حقنا وحقه؛ لأنَّ الفرض أنه دل دليل على وجوب التأسي. وإنْ تَقدم الفعلُ، نَسخَه القولُ؛ لأن الفرض أنَّ الدليل دل على تكرر مُقتضَى الفعل. وإنْ جُهل، جاءت الأقوال فيه وفينا، ورجحان القول بالوقف فيه وبالقول فينا. ومما مُثِّل به هذا القِسم قوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة: "كُلْ مما يليك" (١)، والخطاب له ولغيره، والنبي ﷺ داخلٌ على قاعدة عموم حُكمه كما سيأتي في باب العموم. وصَحَّ أنه هو "كان يتبع الدباء في جوانب الصحفة" (٢) ولا يُدْرَى أيهما السابق، ونحوه نهيه عن الشُّرب قائمًا وعن الاستلقاء ونحو ذلك مع ثبوت أنه فَعَله. قلتُ: لكن سيأتي أنَّ محل ذلك حيث كان دخوله ﷺ بالنص لا بظهور العموم فيه، وإلا فَيُخَص به مطلقًا تَقدم أو تَأخر أو جُهل، فليكن هذا منه. وهو ما أشرفُ إليه في النَّظْم بقولي: (نَعَم، إذَا الظَّاهِرُ لَفْظًا شَمِلَا) إلى آخره، أي: إن ما سبق فيما إذا كان الحكم لنا وله مع كونه منصوصًا عليه فيه كما مَثَّلنا في "صوم عاشوراء علَيَّ وعليكم"، أمَّا إذا كان دخوله بطريق العموم كقوله: "صومه واجبٌ" أو قال: "على الناس" أو نحو ذلك وقُلنا: المتكلم داخل في عموم كلامه، فيكون الفعل مخصِّصًا له من العموم،

стр. 401

ولا نَسْخ حينئذ، إلَّا أنْ يكون العام سابقًا، وقد دخل وقته ثُم جاء الفعل المخالف له كما سيأتي تقريره في باب العموم. والقول بأنه في الظهور مخصص في غير ما ذكرنا يحكَى عن الشافعي ﵀، وأنه جعل منه قوله ﷺ : "مَن قرن حجًّا إلى عُمرة، فليطف لهما طوافًا واحدًا" (١). وروي عنه ﷺ "أنه طاف طوافين" (٢). وجعل بعضهم منه نهيَه ﷺ عن الصلاة بعد العصر (٣) ثُم صلَّى الركعتين بعدها قضاءً لسُنة الظهر (٤) ومداومته عليهما بعد ذلك، ونهيَه عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة (٥) ثُم فعل ذلك في بيت حفصة (٦) ﵂.

стр. 402

نَعم، اختلف في مثل ذلك: هل يكون تخصيصًا بالفعل في مثل الحال التي فعل فيها فيكون عامًّا في الأُمة؛ مِن حيث إنَّ الفرض وجوب التأسي، فكل ما له سبب يُفْعل وقت الكراهة؛ لذلك، والاستقبال والاستدبار في البنيان كذلك؟ أو يكون مِن خصائص النبي ﷺ ، ولا تكون الأُمة مِثله؟ فيه قولان: الأول قول الجمهور، والثاني نقله صاحب "المصادر" عن عبد الجبار، وربما نقل عن الشافعي أيضًا، وفي المسألة قول ثالث بالتوقف وطلب الترجيح. واعْلَم أنَّ لتعارض القول مع الفعل أحوالًا كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، ويؤخذ من طريقتَي الإِمام والآمدي وصولها إلى ستين قِسمًا، ففي "المحصول" أن المتأخر من القول أو الفعل إما أنْ يعقب الأول أو يتراخى عنه، فهي أربعة، كل منها إما مع كون القول خاصًّا به ﷺ أو بنا، أو عامًّا لنا وله، صارت اثني عشر، ومع الجهل وخصوص القول أو عمومه ثلاثة، [تصير] (١) خمسة عشر. وفي "إحكام" الآمدي انقسام الفعل إلى أربعة؛ باعتبار أنه إما أنْ يدل دليل على تكرره وتأَسِّي الأُمة، أوْ لا، أو يدل على التكرر دُون التأسي، أو عكسه (٢). فإذا ضربت هذه الأربعة في الخمسة عشر، بلغت ستين. وينجر إلى ذلك أنها إما في محل بيان مُجْمَل أو مبتدأ، وفيما إذا كان القول عامًّا إما بالنصوصية أو بالظهور، وأنه إما أنْ يمكن [الجمع بينهما بطريق آخَر] (٣)، بأنْ يحمل الفعل

стр. 403

على الندب والقول على الوجوب أو على الإباحة، أو نحو ذلك. فإذا ضربت هذه الأحوال فيما سبق، بلغ ذلك كثيرًا، فاعْلَمه. قولي: (وَالجهْلُ فِيمَا أُرِّخَا وَقْفٌ). أي؛ وحُكم الجهل وقف، ففيه حذف مضاف؛ لدلالة معنى الكلام عليه. وقولي: (وَذَا يُغْنِي عَنِ الذِّكْرِ). أيْ: إنَّ بيان حُكم تَعارض الفعلين أو الفعل والقول هنا يُغْني عن إعادته في بابه، وهو باب التعادل والتراجيح، والله أعلم. ص: ٢٢٦ - وَلَيْسَ في الْقُرْآنِ أَوْ في السُّنَّةِ ... لَفْظٌ بِلَا مَعْنًى وَلَا ذُو خُفْيَةِ ٢٢٧ - بِلَا دَلِيلٍ، وَالَّذِي أُجْمِلَ مِنْ ... مُكَلَّفٍ بِهِ بَيَانُهُ زُكِن الشرح: لَمَّا انتهى الكلام في كل مِن الدليلين الأولين (وهُما الكتاب والسُّنة) ذكرتُ مسائل ثلاثةً تتعلق بهما معًا: الأولى: لا يجوز أنْ يَرِد في القرآن العظيم ما ليس له معنى أصلًا، وكذا السُّنة كما قال في "المحصول"، إذْ عبارته: (لا يجوز أنْ يتكلم الله تعالى ورسوله ﷺ بشيء ولا يَعْني به شيئًا، خِلَافًا للحشوية) (١). قال الأصفهاني في شرحه: (ولم يتعرض لذلك فيها غيره) (٢). قلتُ: سيأتي مِن نَص الشافعي ما يدل عليه.

стр. 404

والدليل على منع ذلك كيف كان أنه مهملٌ هذيان، ومِثله يُصان عنه كلام العقلاء، فكيف لا يُصان عنه كلام المعصوم؟ ! و"الحَشْوية" بسكون الشين؛ لأنه إما مِن الحشو؛ لأنهم يقولون بوجود الحشو الذي لا مَعْنى له في [الكلام] (١) المعصوم، أو لقولهم بالتجسيم ونحو ذلك. ويقال أيضًا بالفتح؛ لِمَا يُروَى أنَّ الحسَن البصري لَمَّا تكلموا بالسقط عنده، قال: رُدُّوا هؤلاء إلى حَشَا الحلقة. ويقال فيهم غير ذلك. واعْلم أنَّ هنا مقاماتٍ أربعةً: - أنْ يَكون اللفظ بلا معنى. - أوله معنى لا يُفهِمه. - أو يُفْهِمه ولكن أُريدَ غيُره. - أو يذكر اللفظ ولو كان له معنى وُضع له، ولكن لم يُرد به معنى أصلًا، لا ما وُضع له، ولا غيْره. فالأول: لا يُظَن بِعاقل أنْ يقوله. أمَّا الثاني: فهو الخلاف المشهور في المتشابه في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]: هل الوقفُ على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وأنه تعالى يختص بِعلمه، وأهل العِلم مأمورون بالإيمان به

стр. 405

على مُراد الله تعالى؟ أو أنَّ الراسخين في العلم أيضًا يَعلمونه، بخلاف غيرهم؟ وليس مِن شرط [المفيد] (١) في الخطاب فَهْم كل أحدٍ، فلذلك يخاطَب العقلاء بما لا يفهم الصبيان ولا العوام بالنسبة للعارفين، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. وسيأتي في الكلام على اللغة تفسير "المتشابه"، والفريقان متفقان على وقوعه، ومَثَّلوه بآيات الصفات، ومنهم مَن [أَوَّلها] (٢) بالمعنى اللائق، ومنهم من لا يُؤَوِّل مع اعتقاد التنزيه عما لا يليق به. ومنه الحروف المقطعة في أوائل السور، فمِن قائل: إنها استأثر الله تعالى بعلم معناها. ومن قائل: لها معنى. وفي تعيينه أقوال كثيرة تزيد على ثلاثين قولًا، منها أنها أسماء السور، أو أن الله ذكرها لجمع دواعي العرب إلى الاستماع؛ لأنَّ بمخالفة عاداتهم تستيقظ قلوبهم من الغفلة، فيحصل الإصغاء، أو أنها كناية عن سائر حروف المعجم. أو أنَّ كل حرفٍ مِن اسْم، الكاف مِن "كافي"، والهاء من "هادي"، والعين مِن "عليم"، والصاد مِن "صادق". أو أنها إبطال لحساب اليهود، فإنهم كانوا يحسبون هذه الأحرف بحساب الجُمل، ويقولون: إنَّ منتهى دولة الإِسلام كذا. فأنزلت هذه الأحرف، لتخبيط الحساب عليهم. أو ذُكرت جريًا على عادة العرب في ذكر [النسيب] (٣) أوائل الخطب والقصائد، أو غير ذلك.

стр. 406

والثالث: يمكن أنه أريد به "المتشابه" (١)، فيأتي فيه ما سبق. الرابع: ما ظاهر كلام "المحصول" أنَّ خِلاف الحشوية فيه، إلا أنه استدل بما يقتضي أنَّ الخلاف في التكلم بما لا يفيد، وبينهما فَرْق؛ فإنه يمكن ألَّا يُعْنَى به شيء وهو مفيد في نفسه. ونازعه أيضًا بعضهم بأنَّا لا نَعلم في الأُمة مَن يقول: إنَّ الله تعالى يتكلم بكلام لا يَعني به شيئًا. وإنما النزاع في أنه هل يُنزل ما لا يُفهم معناه؟ وهو الخلاف المشهور في آيات الصفات، ولا معنى لنقله عن الحشوية. قلتُ: سبق الإمامَ إلى ذلك عبدُ الجبار وأبو الحسين في "المعتمد". ومُدْرَك المانع التحسينُ والتقبيحُ العقليان، وفي الأقوال السابقة في الحروف المقطعة ما يوافق عبارة الإِمام. وحكى ابن برهان الخلاف في الوجهين في أنَّ كلام الله تعالى هل يشتمل على ما لا يُفهم معناه؟ ثم قال: والحقُّ التفصيل بين الخطاب الذي تعلق به تكليف فلا يجوز أنْ يكون غير مفهوم المعنى، أوْ لا يتعلق به تكليف فيجوز. تنبيه: هل يجوز أنْ يقال: في القرآن أو السُّنة زائد؟ كالحروف الزائدة في نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٢] , ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] , ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] , ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] , وأشباه ذلك، وربما عُدي للأسماء في نحو: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] , ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] على رأيٍ. إنْ فُسِّر الزائد بأنه الذي لا معنى له أصلًا، فلا يجوز إطلاق ذلك، لِمَا سبق مِن صَوْنه

стр. 407

عن المهمل، وأيضًا فيفيد التأكيد، فلا ينبغي أنْ يُسمى زائدًا. وإنْ أريد بالزائد ما لا يختل معنى الكلام بدونه، لا الذي لا فائدة له أصلًا، فالأكثرون على جواز إطلاقه؛ لأنه على لُغة العرب، ولُغة العرب يقال فيها ذلك، فلا منع، وأيضًا فإنما هي في مقابلة المحذوفات اختصارًا، فسميت زائدةً بهذا الاعتبار. ومنع مِن ذلك ابن دَرَسْتَوَيْه وغيره، ولا شك أنَّ الأدب عدم إطلاق نحو هذا. المسألة الثانية: أنْ يُطلَق لفظٌ له معنيان: ظاهر وخفي، ويُراد الخفي مِن غير دليل يدل عليه، فلا يجوز ذلك، خِلافًا للمرجئة؛ لأنَّ اللفظ بالنسبة إلى غير الظاهر كالمهمل؛ فامتنع. وفرَّعها أبو الحسين على قاعدة التقبيح والتحسين العقليين. نعم، محل الخلاف في آيات الوعيد وأحاديثه، لا في الأوامر والنواهي. واحترز بِقَيْد "عدم الدليل" عن نحو ورود العام وتأخُّر المخَصِّص له. وعبارة الشافعي في "الرسالة": (فكلام رسول الله ﷺ على ظاهره) (١). و"المرجئة" بالهمز طائفة مِن القدرية؛ لأنهم يُرجئون الأعمال عن الإيمان, مِن "الإرجاء" وهو التأخير. وربما قيل: "المرجيّة" بتشديد الياء بلا همز. الثالثة: اختلف في بقاء اللفظ المجمَل في القرآن أو السُّنة بلا بيان إلى ما بعد وفاة النبي ﷺ على ثلاثة أقوال: المنع, لأن الله تعالى قد أكمل الدين، فلا يبقى شيء بلا بيان.

стр. 408

والجواز؛ لأن الإجمال قد يُقصد لحكمةٍ. وثالثها: تفصيل إمام الحرمين وابن القشيري، أنه يجوز فيما لا تكليف فيه، ويمتنع فيما فيه تكليف؛ حَذَرًا مِن تكليف ما لا يُطاق. وهذا القول هو الراجح، وهو ما اقتصرتُ عليه في النَّظْم بِقولي: (وَالَّذِي المجمل مِنْ) إلى آخِره، أَيْ: هو المجمل، فحذف صدر الصلة من "الذي"؛ لِطولها وعدم صلاحية المذكور صلة. ولو قُرئ: (وَالَّذِي أُجْمِلَ) لم يمتنع، وحينئذ فلا [يحتاج] (١) إلى هذا التقدير، بل تكون الصلة جملة فعلية، لكن التعبير الأول أصرح في ذِكر المسألة المقصودة. ومعنى "زكن": عُلِم، وهو بالزاي المعجمة مِن: زكنتُ الشيء أزكنه (بالضم)، أيْ: عَلِمْتُه، والمراد أنَّ المكَلَّف به لا بُدَّ أنْ يَكون بيانه قد عُلِم، بخلاف غيره، والله أعلم. ص: ٢٢٨ - وَالثَّالِثُ: " الْإجْمَاعُ " الِاتِّفَاقُ ... مِنَ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وَفَاقُوا ٢٢٩ - مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ بَعْدَ مَوْتهِ ... في أَيِّ عَصْرٍ كَانَ مَعْ ثبوتهِ ٢٣٠ - عَلَى الَّذِي رَأَوْا وَلَوْ في دنيَوِي ... فَلَا اعْتِبَارَ بِعَوَامٍ تَلْتَوِي الشرح: لَمَّا فرغ الكلام مِن الأصلين الأولين وهُما الكتاب والسُّنة، شرعتُ في بيان الثالث وهو"الإجماع"، ولم يخالِف في حُجِّيته وكوْنه مِن الأدلة إلا النَّظَّامُ وبعضُ الخوارج، وكذا الشيعة، فإنهم وإنْ سَلَّموا حُجيته فقدْ شرطوا فيه الإِمام المعصوم كما سيأتي، ففي الحقيقة الحجة في المعصوم، لا في الإجماع. وبالجملة فلا التفات إلى شيء مِن ذلك مع قيام

стр. 409

الأدلة، وسنشير إلى شيء منها. و"الإجماع" لُغَةً: العزم، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. وقال النبي ﷺ : "لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام مِن الليل" (١). ويُطلق أيضًا لُغةً على الاتفاق، خلافًا لقوم كما حكاه القاضي عبد الوهاب، وجزم به إلْكِيا. فَعَلَى الصحيح يقال: "أجمعَ القوم" صاروا ذَوِي جمع. قال الفارسي: كما يقال: "ألبن وأتمر" صار ذا لبن وتمر. وأَخْذُ الاصطلاحي مِن هذا واضحٌ، نقل مِن الأعَم للأخص، وأمَّا مِن الأول فاستُشكل بأنه [مُعَدًّى] (٢) بِـ "عَلَى"، و"الإجماع" بمعنى العزم متعد بنفسه. وأُجيبَ: بأنه يتعدى بِـ "عَلَى" أيضًا، وإنْ كان الأفصح تعديَهُ بنفسه كما قاله صاحب "المقاييس". وأمَّا في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أُمة محمَّد ﷺ بعد وفاته في عصرٍ مِن الأعصار على أيِّ أمرٍ كان مما اجتهدوا فيه ورأوه. فَـ "الاتفاق" جنس، والمراد به الاشتراك في قول أو فعل قال على اعتقادهم ورأيهم، إثباتًا كان أو نفيًا. وخرج بِـ "الاتفاق" قول المجتهد الواحد إذا لم يوجد سواه، فإنه لا يكون إجماعًا، [و] (٣) سيأتي بيانه.

стр. 410

وبِقَيْد "الاجتهاد" (وربما عُبِّر عن ذويه بِأهل الحل والعقد) خرج العوام. وخرج بتعميم المجتهدين ما لو اتفق البعض دُون [الباقي] (١)، وسيأتي إيضاح ذلك في مسائل الاحتراز. وأمَّا اشتراط كونهم مِن أُمة محمَّد ﷺ فخرج به مجتهدو الأُمم السابقة، فلا يكون اتفاقهم إجماعًا ولا حُجة كما اقتضى كلام الإِمام ترجيحَه، وصرح به الآمدي هنا، ونقله الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" عن الأكثرين، خلافًا لِمَا رجحه الأستاذ أبو إسحاق وجمعٌ أنه كان حُجة قبل النَّسخ. قلت: وهو ظاهر نَص الشافعي في "الأُم"، حيث قال في مناظرة في باب (٢). وتوقف القاضي والآمدي في موضع آخر، وقال إمام الحرمين: إنْ كان سندهم قطعيًّا فحُجة، أو ظنيًّا فالوقف. وللمسألة التفات على أصلين: أحدهما: شَرْعُ مَن قَبْلنا هل هو شَرْع لنا؟ الثاني: أنَّ حجية الإجماع ثابتة بماذا؟ إنْ قُلنا: بالقرآن كما استدل به الشافعي ﵀ استنباطًا مِن غير أنْ يُسْبَق إليه كما رواه البيهقي في "المدخل" في حكايته طويلة منها: أنه تلا القرآن ثلاث مرات حتى استخرجه مِن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآية، فإنه تعالى تَوعَّد على المخالفة لسبيلهم.

стр. 411

وجرى على الاستدلال بذلك القاضي أبو بكر وغيره مِن الأصوليين. ومنهم مَن يستدل له مِن القرآن بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أو قُلنا: بالسُّنة، وهي قول النبي ﷺ : "لا تجتمع أُمَّتي على خطأ" (١)، وفي رواية: "على ضلالة" (٢). كذا في كتب الأصول، والمعروف في الحديث ما في سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري: "إنَّ الله أجاركم مِن ثلاث خِلالٍ، أنْ لا يدعو عليكم نبيكم فتهلِكُوا جميعًا، وأنْ لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا [تجتمعو] (٣) على ضلالة" (٤). وسنده جيد، ورُوي مِن طُرق أخرى فيها ضعف، لكن يقوي بعضها بعضًا. فلا تدخل غير هذه الأُمة مِن الأمم في ذلك.

стр. 412

وإنْ قُلنا: دليله أنه يستحيل في العادة اجتماع مِثل هذا العدد الكثير مِن العلماء المحقِّقين على قَطْعٍ في حُكم شرعي مِن غير اطِّلاعٍ على دليل قاطع، فوجب في كل إجماعٍ تقديرُ نَصٍّ قاطع فيه محكوم بتخطئة مخالفِه، كما استدل به ابن الحاجب وغيرُه- على ما فيه مِن التعقبات، فلا يختص ذلك بهذه الأُمة. ثم لو سُلِّم أنه حُجة فالكلام في تعريف "الإجماع" الذي يُستدل به في شرعنا، وذاك إنْ وقع ولو قُلنا: (إنَّ شرعَهم شَرْعٌ لنا)، فمن أين يُعْرَف ويُنْقَل إلينا؟ وخرج بِقَيْد كوْنه بعد وفاة النبي ﷺ ما إذا كان في حياته، كما ذكره القاضي أبو بكر والأكثرون، منهم الإِمام الرازي وأتباعه وابن الحاجب في أثناء أدلة الإجماع؛ لأنَّ قولهم دُونه لا يصح، وإنْ كان [معه] (١) فالحجة في قوله. وقولنا: (في عصر) بيان لعدم اشتراط كل الأُمة إلى يوم القيامة، وإلا فمتى يُعْمَل به؟ وأنه لا يختص بعصر الصحابة، وأنه لا حاجة إلى انقراض المُجْمِعِين؛ لأنَّ وقت إجماعهم قد صَدُق عليه "عصر"، وكُل زمنٍ بعدَه فعصرٌ آخَر، إذِ المراد مِن "العصر" وقتٌ مِن الأوقات. وقولنا: (على أَيِّ أمر كَانَ)، أيْ سواء أكان: - شرعيًّا: كحل النكاح، وحُرمة قتل النفس بغير حق. - أو لُغَويًّا: يكون الفاء للتعقيب. ولا نزاع في هذين. - أو عقليًّا: كحدث العالم. وخالف في هذه إمام الحرمين مطلقًا، وأبو إسحاق الشيرازي

стр. 413

في كليات أصول الدين، قال: كحدث العالم وإثبات النبوة دُون جزئياته كجواز الرؤية. - أو دنيويًّا: كالآراء والحروب وتدبير أمر الرعية، وفيه مذهبان مشهوران، الرجَّح منهما وجوب العمل فيه بالإجماع. تنبيه: دخل في قولي: (عَلَى الَّذِي رَأَوْا) القول والفعل. وفيما إذا اتفق مجتهدو الأُمة على عمل -مِن غير قولٍ- خِلَافٌ في انعقاده إجماعًا: فقيل (وهو الأرجح): ينعقد به، لعصمة الأُمة، فيكون كفعل الرسول ﷺ . وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق وغيرُه، وقال في "المنخول": (إنه المختار). وصرح به أيضًا صاحب "المعتمد"، وتبعه في "المحصول". وقيل: لا، ونقله إمام الحرمين عن القاضي، بل كَوْن ذلك في وقت واحد ربما لا يتصور. نعم، الذي في "التقريب" إنما هو الجواز. ثم قال إمام الحرمين: (إنَّ فِعلهم يحمل على الإباحة ما لم تَقُم قرينة دالة على الندب أو الوجوب). واستحسنه القرافي. وفي المسألة قول رابع لابن السمعاني: (إنَّ كل فِعل خرج مخرج الحكم والبيان ينعقد به الإجماع، وما لا فلا، كما أنَّ الجبلِّي مِن أفعال الرسول ﷺ لا يُثْبت تشريعًا) (١). وقد يتركب الإجماع (على القول الأول وهو الراجح) مِن قولٍ وفِعل، بأنْ يقول بعضهم: (هذا مباح)، ويُقْدِم الباقي على فِعله. قاله القاضي عبد الوهاب. ومما يتفرع على المسألة أنَّ أهل الإجماع إذَا فعلوا فعلًا قُربة لكن لا يُعْلَم هل فعلوه واجبًا

стр. 414

أو مندوبًا؟ فمقتضى قياس المذهب أنه كفعل الرسول ﷺ ؛ لأنا أمرنا باتباعهم كما أمرنا باتِّباعه. واعْلَم أنَّ هذا التعريف إنما هو على المرجَّح في كثير مِن المسائل كما ستأتي الإشارة إلى شيء مِن ذلك. وكذلك أشار ابن الحاجب إليه بقوله: (ومَن يرى انقراض العصر، زاد: "إلى انقراض العصر". ومَن يرى الإجماع لا ينعقد مع سَبْق خِلاف مستقر مِن حي أو ميت، يزيد: "لم يستقر خلافه") (١). انتهى أَيْ: وكذا مَن يرى عدم اختصاصه بهذه الأُمة، يُنقص هذا القيد. ومَن يرى دخول العوام، يُبدل "المجتهدين" بِـ "أَهْل العصر". ومَن يرى اختصاصه بالدِّينيات، يزيد "شَرْعًا"، وهو ظاهر لمن تَتَبَّعَه. وقولي: (فَلَا اعْتِبَارَ بِعَوَامٍ تَلْتَوِي) تتمته قولي بعده: ص: ٢٣١ - عَنْ فَنِّ ذَاكَ الْحُكْمِ، كالْأُصُولي ... في الْفِقْهِ، أَوْ عَكْسٍ لِذَا الْمَقُولِ الشرح: المراد بالتواء العوام: مخالفتهم في الحكم الذي قد أجمع عليه خاصةُ أهل العلم. وهو من مادة "اللَّي"، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] وقول النبي ﷺ : "ليُّ الواجد يُحِلُّ عرضَهُ وعقوبتَه" (٢). أَيْ: امتناعه من أداء الحق الذي عليه.

стр. 415

وحاصل المسألة أن مخالفة العوام للمجتهدين لا أثر لها. كما أنهم إذا أجمعوا على شيء، لا اعتبار بهم ولو خلا الزمان عن مجتهد حيث جَوَّزنا ذلك، وسيأتي ذلك في موضعه. وعبَّر ابن الحاجب عن هذه المسألة بأن المقلِّد لا يُعتبر وفاقه (١). ولا يتقيد بذلك، بل العامِّي أَعَم [أنْ] (٢) يَكون مُقَلِّدًا أوْ لا، فالتعبير به أَوْلَى؛ لشموله. والقول باعتباره حكاه ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين، ونقله الإِمام وابن السمعاني والهندي عن القاضي، وكذا قال ابن الحاجب: (إنَّ ميل القاضي إلى اعتباره) (٣). أَيْ: المقلِّد. لكن كلام إمام الحرمين في "مختصر التقريب" يقتضي أنَّ القاضي لا يَعتبِر خلافهم ولا وفاقهم. قيل: والذي في "التقريب" تحرير الخلاف على وجه آخر: - فإنَّ القائل بعدم اعتبار العامَّة قال: لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] , وقال النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" (٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. فَردَّ العوام إلى قول المجتهدين. - والقائل باعتبارهم قال: إنَّ قول الأُمة إنما كان حُجة لعصمتها مِن الخطأ، فلا يمتنع أنْ تكون العصمة للهيئة الاجتماعية مِن الكل، فلا يَلزم ثبوتها للبعض.

стр. 416

فقال القاضي ما حاصله: إنَّ الخلاف يرجع إلى إطلاق الاسم، يعني أنَّ المجتهدين إذا أجمعوا، هل يَصْدُق أنَّ الأُمة أجمعت ويُحكم بدخول العوام فيهم تبعًا؟ أوْ لا؟ فعنده لا يصدق وإنْ كان ذلك لا يقدح في حُجيته، وهو خِلاف لفظي؛ لأنَّ مخالفتهم لا تقدح في الإجماع قَطعًا. وتبع القاضي كثير من المتأخرين على أنَّ الْخُلْف لَفْظي راجع إلى التسمية، لكن أبو الحسين في "المعتمد" نقل عن قوم أنَّ الإجماع لا يُحتج به إلا مع وفاق العامة. وذكر الشيخ تقي الدين السبكي في شرح "منهاج الفقه" أنَّ الأستاذ أبا إسحاق خَرَّج على هذا الخلافِ الاختلافَ في تكفير مَن أَنكر مجمَعًا عليه غير معلوم مِن الدِّين بالضرورة، وستأتي المسألة. وفي مسألة اعتبار العوام قول ثالث حكاه القاضي عبد الوهاب وابن السمعاني أنه يعتبر في الإجماع على "عامٍّ"، وهو ما ليس [بمقصورٍ] (١) على العلماء وأهل النظر، كالعلم بوجود التحريم بالطلاق، وأن الحدث في الجملة ينقض الطهارة، وأن الحيض يمنع أداء الصلاة ووجوبها، بخلاف "الخاص"، كدقائق الفقه. قيل: وبهذا التفصيل يزول الإشكال، وينبغي تنزيل إطلاق المطْلِقين عليه، وخَصَّ القاضي أبو بكر الخلاف بِـ "الخاص"، وقال: لا يُعتبر خلافهم في "العامِّ" اتفاقًا. وجرى عليه الروياني في "البحر". وقولي: (كَالْأُصُولِي في الْفِقْهِ) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ مِن أمثلة مخالفة العامِّي ووفاقه العالم المجتهد في فن بالنسبة إلى مسألة في فن آخر، كالنحوي في الفقه، وعكسُه؛ لأنَّ قوله في ذلك بلا دليل استخرجه منه؛ لأنَّ الفَرْض عدم أهليته لذلك، وكالأصولي في مسألة من

стр. 417

الفروع وعكسه، أَيْ قول الفروعي في مسألة في الأصول، فَمَن لا يَعتبر العامي -لا وفاقًا ولا خلافا- لا يَعتبره هنا كذلك. وإنما ذكرت هذا المثال في النَّظم (وهو الأصولي في الفروع وعكسه) لأنَّ فيه مذاهب: أصحها: المنع؛ لِمَا سبق. وثانيها: يُعتبر مطلقًا؛ لِمَا فيهما مِن الأهلية المناسبة للفَنَّيْن؛ لِتَلازُم الفَنَّيْن. وثالثها: يُعتبر الأصولي في الفقه؛ لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد، دُون عكسه. ورابعها: العكس؛ لأنه أَعْرَف بمواضع الاتفاق والاختلاف، والله أعلم. ص: ٢٣٢ - وَالْمُجْمِعُونَ شَرْطُهُمْ إسْلَامُ ... كَذَا عَدَالَة بِهَا احْتِرَامُ ٢٣٣ - إنْ جُعِلَتْ رُكْنًا في الِاجْتِهَادِ ... كِنَّ ذَا رَأْيٌ بِلَا سَدَادِ الشرح: هذا عطف على المرتب على تعريف "الإجماع" من المسائل، وهو أنَّ المجمِعين شرطُهم الإِسلام، فلا اعتبار بكافرٍ ولو انتهى إلى رُتبة الاجتهاد؛ لِمَا عُلِم من اختصاص الإجماع بأُمة محمَّد ﷺ ، فيدخل في الكافر المبتدع إذا كَفَّرناه ببدعته؛ لأنه ليس مِن الأُمة المشهود لهم بالعصمة وإنْ لم يَعلم هو بكُفر نفسه، وهذا بلا خلاف. نعم، قال الهندي: (لا ينبغي أنْ يكون تكفيره إنما هو بإجماعنا وحدَه؛ لئلا يَلزم الدَّوْر) (١).

стр. 418

بل إمَّا لموافقته [أو] (١) بقيام الأدلة على كُفره. إنما الخلاف في المبتدع الذي لم نكفره ببدعته، ويُعرف الفرق بين النوعين مِن محله من أصول الدِّين. فمَن لا نكفره ببدعته الأرجح فيه أنَّ الإجماع لا ينعقد بدونه؛ لأنه من الأُمة. وقيل: لا يُعتبر مطلقا. وقيل: يُعتبر قوله في حق نفسه فقط، بخلاف غيره، فَلَهُ مخالفة الإجماع المنعقد، وليس ذلك لِغَيْره. حكاه الآمدي وابن الحاجب، قال بعضهم: إنه لم يَرَه لغيرهما. وهو في الحقيقة تفسير للقولين المتقدمَين لمن تأمَّل ذلك، فإنَّ مَن اعتبره مطلقًا لكونه مِن الأُمة فإنما هو في حق نفسه؛ لأنه عند نفسه مِن الأُمة، ومَن ١١، (٢) يعتبره مطلقًا فإنما هو لعدم اعتبار كوْنه مِن مجتهدي الأُمة، فيعدُّه عَدَمًا. وقيل: يُفرق بين الداعية وغيرها. نقله ابن حزم عن جماهير سلفهم. قلتُ: فما يوجد في كلام بعض الأئمة في بعض المبتدعة أنه لا اعتبار بهم -يحتمل أنْ يكون لاعتقاد كُفرهم وأنْ يكون لغير ذلك مِن المقتضِي لعدم اعتبار المبتدعة غير الكفرة مطلقًا أو في بعض الفنون. فمِن ذلك قول الأستاذ أبي منصور: قال أهل السُّنة: لا يُعتبر في الإجماع وفاقُ القدرية والخوارج والرافضة، ولا اعتبار بخلاف هؤلاء المبتدعة في الفقه وإن اعتُبِرَ في الكلام. هكذا روى أشهب عن مالك، وروي أيضًا عن الأوزاعي وعن محمَّد بن الحسن، وقال أبو ثور: إنه قول أئمة الحديث. انتهى

стр. 419

وقال الصيرفي: هل يقدح خِلاف الخوارج في الإجماع؟ فيه قولان. ونحو ذلك، والله أعلم. وقولي: (كَذَا عَدَالَةٌ بِهَا احْتِرَامُ) إلى آخِره -أَيْ: ومن شروط المجمِعين أيضًا العدالة، حتى لو خالَف فاسقٌ، لا أثر لمخالفته على أحد وجهين حكاهما الأستاذ أبو منصور، وإليه ذهب معظم الأصوليين كما قاله إمام الحرمين وابن السمعاني. وقال الرازي من الحنفية: إنه الصحيح عندنا. قال ابن برهان: (وهو قول كافة الفقهاء والمتكلمين، ونُقل عن شرذمة مِن المتكلمين -منهم إمام الحرمين- الذهابُ إلى أنَّ خلافَه مُعْتَدٌّ به). انتهى وقد جزم بهذا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، واختاره الغزالي في "المنخول"؛ لأن المعصية في الفعل دُون الاعتقاد لا تُزِيل اسم الإيمان. وقولي: (إنْ جُعِلَتْ رُكْنًا في الِاجْتِهَادِ) إشارة إلى أن اشتراط العدالة مُرَتب على اشتراطها في أصل الاجتهاد. فإنْ جُعلت ركنًا في الاجتهاد، كانت شرطًا في المجمِعين، وإلا فلا. لكن القول بركنيتها في الاجتهاد ضعيف غير سديد، والأكثرون على خِلافه, فيقوى ترجيح اعتباره مطلقًا بذلك. وثالثها في مسألة الإجماع: تعتبر مخالفته في حق نفسه دُون غيره، واختاره إمام الحرمين، فهو مُقَيِّد لمن نقل عنه إطلاق اعتباره كما سبق. ورابعها: إنْ بَيَّنَ مَأْخَذه، اعْتُبِر، وإلَّا فلا. قال ابن السمعاني: ولا بأس به. قال: وهذا كله في الفاسق بلا تأويل، أمَّا الفاسق بتأويل فمُعتبَر في الإجماع كالعدل. قال: (وقد نَصَّ الشافعي على قبول شهادة أهل الأهواء) (١). انتهى

стр. 420

على أنَّ بعضهم علَّل عدم اعتبار الفاسق في الإجماع بأنَّ إخباره عن نفسه لا يوثق به، فربما أخبر بالوفاق وهو مخالِف، وبالعكس؛ فلَمَّا تَعَذَّر الوصول إلى معرفة قوله، سقط اعتباره، وحينئذ فلا يُبنى على اعتبار العدالة في الاجتهاد، بل يمنع ولو قُلنا بأنها ليست ركنًا في الاجتهاد. لكن الذي قاله ابن برهان وغيره البناء كما سبق، وأيضًا فقدْ يُتوصل إلى معرفة اعتقاده بقرائن تنضم إلى إخباره، لا مجرد إخباره، والله أعلم. ص: ٢٣٤ - وَلَيْسَ شرْطًا عَدَدُ التَّوَاتُرِ ... لَا وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ مِنْ نَاصِرِ الشرح: أَيْ: وعُلم مما تقدم مِن كوْن الإجماع اتفاق مجتهدي الأُمة أنه لا يشترط بلوغهم عدد التواتر الآتي بيانه في موضعه. هذا قول الأكثر، ونقله ابن برهان عن معظم العلماء. ونقل مقابِله الذي قال به القاضي أبو بكر (وهو أنَّ إجماع ما دُون عدد التواتر لا ينعقد عقلاً) عن طوائف مِن المتكلمين. ومعنى قولهم: (عَقْلًا) أنهم إذا لم يبلغوا عدد التواتر، لا يمتنع عقلاً تواطؤهم على الخطأ، لكن هذا إنما هو تفريع على أنَّ حجية الإجماع عِلَّتُها ذلك، وقد سبق أنَّ المعتمد إنما هو القرآن والسُّنة. وممن اختار عدم الحجية فيما لم يَنتهِ إلى عدد التواتر أيضًا إمام الحرمين، فإنه لَمَّا نقل عن بعض الأصوليين أنه لا يجوز أنْ ينحط علماء الأُمة في عصر عن أقَل عدد التواتر وأنَّ الأستاذ أبا إسحاق قال: "يجوز، ويكون حُجة حتى في الواحد"، قال: (والذي نرتضيه -وهو الحق - أنه يجوز انحطاط العلماء عن عدد التواتر، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء) (١).

стр. 421

قال: (وأما القول بأنَّ إجماع المنحطين عن مَبْلَغ التواتر حُجة فهو غير مَرْضِي؛ فإنَّ مأخذ الإجماع مستند إلى طرد العادة) (١). فوافق أبا إسحاق على إحدى المسألتين وهي انحطاط علماء عصر عن التواتر، وخالفه في الأخرى -وهي كَوْن إجماعهم حُجة- مِن أجل أنَّ مَنْشَأ حُجية الإجماع عنده العادة، أمَّا إذا قُلنا: "منشأه الآيات والأحاديث" -وهو الصحيح كما سبق- فالحق خِلاف ما قاله. نعم، قول أبي إسحاق: (إنَّ الواحد حُجة) المختار خلافه وإنْ عزاه الهندي للأكثرين؛ لعدم صِدق كوْنه إجماع الأُمة. وقال أبو إسحاق: قد يُطْلق على الواحد "أُمَّة" كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال ابن سريج في كتاب "الودائع": (حقيقة الإجماع هو القول بالحق، فإذا حصل القول بالحق مِن واحد فهو إجماع، وقد طالب أبو بكر الصديق ﵁ بني حنيفة بالزكاة لَمَّا منعوها وَحْدَه، ثم وافقه الكل بَعد ذلك على أنه حق). انتهى ولا حُجة في الأمرين: - أمَّا تسمية إبراهيم ﵇ "أُمة" فمجاز، باعتبار أنه المقصود مِن "أمَّ" إذًا قصد، وهو غيْر المعنى المراد بقوله ﷺ : "لا تجتمع أُمتي على ضلالة". - وأمَّا الثاني: فلمَّا وافق كُل الصحابة أبا بكر في ذلك، كان إجماعًا مِن الكل، لا مِن أبي بكر وحْده. ومنهم مَن يجعله حُجة ولا يسميه إجماعًا؛ لِمَا بَيَّناه.

стр. 422

وقال الغزالي: (إنِ اعتبرنا العوام ووافقوه فهو إجماع الأُمة؛ فيكون حُجة، وإلا فلا) (١). والله أعلم. ص: ٢٣٥ - وَالشَّرْطُ أَيْضًا عَدَمُ الْمُخَالَفَهْ ... مِنْ بَعْضِهِمْ، كَوَاحِدٍ قَدْ خَالَفَهْ الشرح: أَيْ: وعُلِم مِن تعميم "الأُمة" أنه لو تأخر بعضهم عن قول الأكثر (أَيْ خالفهم) لا يَكون قول الأكثر إجماعًا ولا حُجة، وهو الصحيح من المذاهب، وقول الجمهور. الثاني: أنه حُجة، لا إجماع. ورجحه ابن الحاجب فقال: (لو نَدَرَ المخالِفُ مع كثرة المُجْمِعين، لم يكن إجماعًا قَطْعًا، والظاهر أنه حُجة؛ لِبُعْد أنْ يَكون الراجح مُتَمَسَّك المخالِف). انتهى وهو مبني على أن حجية الإجماع لاستحالة العادة، وقد سبق ضعفه. ونحوه قول الهندي: (الظاهر أنَّ مَن قال: "إنه إجماع" فإنما يجعله إجماعًا ظنيًّا، لا قطعيًّا) (٢). والثالث: أنه إجماع وحُجة. نُقل عن بعض المعتزلة، ونقله الآمدي عن محمَّد بن جرير الطبري، وإليه يميل كلام الشيخ أبي محمَّد الجويني في "المحيط"، ونقله الرُّوياني في "البحر" عن أحمد. الرابع: لا إجماع ولا. حُجة، ولكن الأَوْلى اتِّباع الأكثر وإنْ كان لا يَحْرُم مخالفتهم. ولا يَخفَى ضَعف هذه الزيادة؛ لأنه إنِ انتهض قول الأكثر دليلاً، وَجَب العملُ وإلَّا

стр. 423

فلا اعتبار به أصلًا. والخامس: إنْ كان المخالِفُ واحدًا فهو نادرٌ لا اعتبار به، أو اثنان فصاعدًا لم ينعقد الإجماع بدونه أو دونهم. وإليه أَشَرْتُ بِقولي: في النَّظْم: (كَوَاحِدٍ قَدْ خَالَفَهْ). أَيْ: خالف الحكْم الذي قال به الكل غَيْره. والسادس: مخالفة الواحد والاثنين لا تُعتبر، وتُعتبر الثلاثة فصاعدًا. السادس: إنْ بلغ المخالفُ عددَ التواتر، قدح وإلَّا فلا. حكاه الآمدي، وفي "مختصر التقريب": إنه الذي يصح عن ابن جرير. والثامن: إنْ سَوَّغَ الأكثرُ للمخالِف أنْ يجتهد، اعْتُدَّ بخلافه، كابن عباس في العول. وإنْ أنكروا عليه، فلا، كالمتعة ورِبَا الفضل المنقولين عن ابن عباس؛ ولذلك رجع عنهما. وإلى هذا التفصيل ذهب الجرجاني من الحنفية، وحكاه السرخسي عن أبي بكر الرازي. التاسع: أنَّ مخالفة الأقل إنْ دَفَعها نَصٌّ، لم تُعتبر، كخلاف ابن مسعود بقيَّة الصحابة في إثبات الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وإلَّا اعتُبر. وجزم بهذا التفصيل الروياني في "البحر" في كتاب القضاء، وهو قريب مما قبْله. والعاشر: أنه يقدح مخالفةُ القليل في أصول الدِّين دُون غيْره مِن العلوم. حكاه القرافي عن ابن الأخْشيد من المعتزلة. والحادي عشر: لا يعتبر خِلاف تابعي مع الصحابة، وأمَّا في غير هذه الصورة فيقدح مخالفة الأقل. والثاني عشر: التفصيل بين أنْ ينشأ المخالف معهم ويخالفهم، أو ينشأ بعدهم. ويتولد مِن المسائل الآتية مذاهب أخرى لمن تأملها، والله أعلم.

стр. 424

ص: ٢٣٦ - نَعَمْ، سُكُوتُ الْبَعْضِ عَمَّنْ صَرَّحَا ... مِنْ غَير دَاعٍ حُجَّةٌ، وَيُنتحَى ٢٣٧ - تَسْمِيَةٌ لَهُ إِذَنْ "إجماعَا" ... وَمنْ هُنَا تَعْرِفُ الِامْتِنَاعَا الشرح: هذا استدراك لِمَا تَقرر في المسألة السابقة -على المُرَجَّح- أنَّ تَخلُّف بعض مجتهدي الأُمة ينفي كَوْن قول الباقين إجماعا وحُجة، فيقال: إنَّ ذاك فيما إذا صرح مَن لَمْ يَقُل به بالمخالفة. أمَّا إذا سكتوا ولم يصرحوا بموافقة ولا مخالفة فهو المُعَبَّر عنه بِ "الإجماع السكوتي"، وفيه مذاهب: أرْجَحُها: إنه حُجة (بالشرائط الآتية) وإجماع أيضًا (على المختار)، وهو معنى قولي: (وُينتحَى تَسْمِيَةٌ لَهُ إِذَنْ إجْمَاعًا). أيْ: يُخْتار ذلك ويُعتمد. قال الجوهري بَعد أنْ قرر أنَّ أصلَ "الانتحاءِ" الاعتمادُ في السير على الجانب الأيسر: (إنه صار "الانتحاء" الاعتماد في كل وجه) (١). انتهى وإنما كان ذلك حُجة لأنَّ سكوت الساكت تقرير يُشعر بالموافقة، وإلَّا لَأنكر ذلك، وهو مستمَدٌ مِن مسألة سكوته ﷺ على فِعل أحدٍ بِلا داعٍ كما تَقدم، فإنه سُنة بمنزلة قوله ﷺ : إنَّ ذلك الفعل جائز. وأمَّا كوْنه إجماعًا فإنه لو لم يَكُن كذلك لم يكن حُجة؛ لأنَّ حُجية قول غير الله ورسوله ﷺ ممتنعة إلَّا أنْ يكون إجماعًا، لِمَا قام الدليل به. نعم، المرجَّح حينئذ أنه إجماع ظني، لا قطعي. وإنما لم أصرح بذلك في النَّظم لوضوحه؛ لأنَّ القطع -مع قيام الاحتمال في السكوت- لا يمكن.

стр. 425

وقد نَصَّ الشافعي ﵀ على ما قُلناه في الإجماع السكوتي -كما نقله الأستاذ أبو إسحاق- مِن أنَّ قول الواحد إذا انتشر فإجماع لا يجوز مخالفته. وقال الرافعي في كتاب "القضاء": (المشهور عند الأصحاب أنه حُجة؛ لأنهم لو لم يساعدوه لاعترضوا عليه. وهل هو إجماع؟ فيه وجهان) (١). انتهى وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": (إنه إجماعٌ على المذهب) (٢). وكذا قاله أبو حامد أول تعليقه، ونقله في "البحر"عن الأكثرين. وفي "شرح الوسيط" للنووي: الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع. قال: وهو موجود في كُتب أصحابنا العراقيين. ويشهد له أيضًا أن الشافعي احتج في كتاب "الرسالة" به [لخبر] (٣) الواحد. وقال الباجي: (إنه قول أكثر أصحابنا المالكيين والقاضي أبي الطيب وشيخنا أبي إسحاق وأكثر أصحاب الشافعي) (٤). انتهى وقال ابن برهان: (إليه ذهب كافة أهل العلم). والقول الثاني: إنه حجة، لكن ليس بإجماع، وهو أحد الوجهين عندنا كما سبق، ونقله في "المعتمد" عن أبي هاشم، ونقله الشيخ في "اللمع" وابن برهان عن الصيرفي، واختاره الآمدي ووافقه ابن الحاجب في "مختصره" الكبير، وتردد في الصغير. ويخرج من كونه قطعيًّا أو ظنيًّا (سواء قُلنا: إجماع، أوْ: لا):
следующие страницы →