← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال: (وأما القول بأنَّ إجماع المنحطين عن مَبْلَغ التواتر حُجة فهو غير مَرْضِي؛ فإنَّ مأخذ الإجماع مستند إلى طرد العادة) (١). فوافق أبا إسحاق على إحدى المسألتين وهي انحطاط علماء عصر عن التواتر، وخالفه في الأخرى -وهي كَوْن إجماعهم حُجة- مِن أجل أنَّ مَنْشَأ حُجية الإجماع عنده العادة، أمَّا إذا قُلنا: "منشأه الآيات والأحاديث" -وهو الصحيح كما سبق- فالحق خِلاف ما قاله. نعم، قول أبي إسحاق: (إنَّ الواحد حُجة) المختار خلافه وإنْ عزاه الهندي للأكثرين؛ لعدم صِدق كوْنه إجماع الأُمة. وقال أبو إسحاق: قد يُطْلق على الواحد "أُمَّة" كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال ابن سريج في كتاب "الودائع": (حقيقة الإجماع هو القول بالحق، فإذا حصل القول بالحق مِن واحد فهو إجماع، وقد طالب أبو بكر الصديق ﵁ بني حنيفة بالزكاة لَمَّا منعوها وَحْدَه، ثم وافقه الكل بَعد ذلك على أنه حق). انتهى ولا حُجة في الأمرين: - أمَّا تسمية إبراهيم ﵇ "أُمة" فمجاز، باعتبار أنه المقصود مِن "أمَّ" إذًا قصد، وهو غيْر المعنى المراد بقوله ﷺ : "لا تجتمع أُمتي على ضلالة". - وأمَّا الثاني: فلمَّا وافق كُل الصحابة أبا بكر في ذلك، كان إجماعًا مِن الكل، لا مِن أبي بكر وحْده. ومنهم مَن يجعله حُجة ولا يسميه إجماعًا؛ لِمَا بَيَّناه.

стр. 422

وقال الغزالي: (إنِ اعتبرنا العوام ووافقوه فهو إجماع الأُمة؛ فيكون حُجة، وإلا فلا) (١). والله أعلم. ص: ٢٣٥ - وَالشَّرْطُ أَيْضًا عَدَمُ الْمُخَالَفَهْ ... مِنْ بَعْضِهِمْ، كَوَاحِدٍ قَدْ خَالَفَهْ الشرح: أَيْ: وعُلِم مِن تعميم "الأُمة" أنه لو تأخر بعضهم عن قول الأكثر (أَيْ خالفهم) لا يَكون قول الأكثر إجماعًا ولا حُجة، وهو الصحيح من المذاهب، وقول الجمهور. الثاني: أنه حُجة، لا إجماع. ورجحه ابن الحاجب فقال: (لو نَدَرَ المخالِفُ مع كثرة المُجْمِعين، لم يكن إجماعًا قَطْعًا، والظاهر أنه حُجة؛ لِبُعْد أنْ يَكون الراجح مُتَمَسَّك المخالِف). انتهى وهو مبني على أن حجية الإجماع لاستحالة العادة، وقد سبق ضعفه. ونحوه قول الهندي: (الظاهر أنَّ مَن قال: "إنه إجماع" فإنما يجعله إجماعًا ظنيًّا، لا قطعيًّا) (٢). والثالث: أنه إجماع وحُجة. نُقل عن بعض المعتزلة، ونقله الآمدي عن محمَّد بن جرير الطبري، وإليه يميل كلام الشيخ أبي محمَّد الجويني في "المحيط"، ونقله الرُّوياني في "البحر" عن أحمد. الرابع: لا إجماع ولا. حُجة، ولكن الأَوْلى اتِّباع الأكثر وإنْ كان لا يَحْرُم مخالفتهم. ولا يَخفَى ضَعف هذه الزيادة؛ لأنه إنِ انتهض قول الأكثر دليلاً، وَجَب العملُ وإلَّا

стр. 423

فلا اعتبار به أصلًا. والخامس: إنْ كان المخالِفُ واحدًا فهو نادرٌ لا اعتبار به، أو اثنان فصاعدًا لم ينعقد الإجماع بدونه أو دونهم. وإليه أَشَرْتُ بِقولي: في النَّظْم: (كَوَاحِدٍ قَدْ خَالَفَهْ). أَيْ: خالف الحكْم الذي قال به الكل غَيْره. والسادس: مخالفة الواحد والاثنين لا تُعتبر، وتُعتبر الثلاثة فصاعدًا. السادس: إنْ بلغ المخالفُ عددَ التواتر، قدح وإلَّا فلا. حكاه الآمدي، وفي "مختصر التقريب": إنه الذي يصح عن ابن جرير. والثامن: إنْ سَوَّغَ الأكثرُ للمخالِف أنْ يجتهد، اعْتُدَّ بخلافه، كابن عباس في العول. وإنْ أنكروا عليه، فلا، كالمتعة ورِبَا الفضل المنقولين عن ابن عباس؛ ولذلك رجع عنهما. وإلى هذا التفصيل ذهب الجرجاني من الحنفية، وحكاه السرخسي عن أبي بكر الرازي. التاسع: أنَّ مخالفة الأقل إنْ دَفَعها نَصٌّ، لم تُعتبر، كخلاف ابن مسعود بقيَّة الصحابة في إثبات الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وإلَّا اعتُبر. وجزم بهذا التفصيل الروياني في "البحر" في كتاب القضاء، وهو قريب مما قبْله. والعاشر: أنه يقدح مخالفةُ القليل في أصول الدِّين دُون غيْره مِن العلوم. حكاه القرافي عن ابن الأخْشيد من المعتزلة. والحادي عشر: لا يعتبر خِلاف تابعي مع الصحابة، وأمَّا في غير هذه الصورة فيقدح مخالفة الأقل. والثاني عشر: التفصيل بين أنْ ينشأ المخالف معهم ويخالفهم، أو ينشأ بعدهم. ويتولد مِن المسائل الآتية مذاهب أخرى لمن تأملها، والله أعلم.

стр. 424

ص: ٢٣٦ - نَعَمْ، سُكُوتُ الْبَعْضِ عَمَّنْ صَرَّحَا ... مِنْ غَير دَاعٍ حُجَّةٌ، وَيُنتحَى ٢٣٧ - تَسْمِيَةٌ لَهُ إِذَنْ "إجماعَا" ... وَمنْ هُنَا تَعْرِفُ الِامْتِنَاعَا الشرح: هذا استدراك لِمَا تَقرر في المسألة السابقة -على المُرَجَّح- أنَّ تَخلُّف بعض مجتهدي الأُمة ينفي كَوْن قول الباقين إجماعا وحُجة، فيقال: إنَّ ذاك فيما إذا صرح مَن لَمْ يَقُل به بالمخالفة. أمَّا إذا سكتوا ولم يصرحوا بموافقة ولا مخالفة فهو المُعَبَّر عنه بِ "الإجماع السكوتي"، وفيه مذاهب: أرْجَحُها: إنه حُجة (بالشرائط الآتية) وإجماع أيضًا (على المختار)، وهو معنى قولي: (وُينتحَى تَسْمِيَةٌ لَهُ إِذَنْ إجْمَاعًا). أيْ: يُخْتار ذلك ويُعتمد. قال الجوهري بَعد أنْ قرر أنَّ أصلَ "الانتحاءِ" الاعتمادُ في السير على الجانب الأيسر: (إنه صار "الانتحاء" الاعتماد في كل وجه) (١). انتهى وإنما كان ذلك حُجة لأنَّ سكوت الساكت تقرير يُشعر بالموافقة، وإلَّا لَأنكر ذلك، وهو مستمَدٌ مِن مسألة سكوته ﷺ على فِعل أحدٍ بِلا داعٍ كما تَقدم، فإنه سُنة بمنزلة قوله ﷺ : إنَّ ذلك الفعل جائز. وأمَّا كوْنه إجماعًا فإنه لو لم يَكُن كذلك لم يكن حُجة؛ لأنَّ حُجية قول غير الله ورسوله ﷺ ممتنعة إلَّا أنْ يكون إجماعًا، لِمَا قام الدليل به. نعم، المرجَّح حينئذ أنه إجماع ظني، لا قطعي. وإنما لم أصرح بذلك في النَّظم لوضوحه؛ لأنَّ القطع -مع قيام الاحتمال في السكوت- لا يمكن.

стр. 425

وقد نَصَّ الشافعي ﵀ على ما قُلناه في الإجماع السكوتي -كما نقله الأستاذ أبو إسحاق- مِن أنَّ قول الواحد إذا انتشر فإجماع لا يجوز مخالفته. وقال الرافعي في كتاب "القضاء": (المشهور عند الأصحاب أنه حُجة؛ لأنهم لو لم يساعدوه لاعترضوا عليه. وهل هو إجماع؟ فيه وجهان) (١). انتهى وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": (إنه إجماعٌ على المذهب) (٢). وكذا قاله أبو حامد أول تعليقه، ونقله في "البحر"عن الأكثرين. وفي "شرح الوسيط" للنووي: الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع. قال: وهو موجود في كُتب أصحابنا العراقيين. ويشهد له أيضًا أن الشافعي احتج في كتاب "الرسالة" به [لخبر] (٣) الواحد. وقال الباجي: (إنه قول أكثر أصحابنا المالكيين والقاضي أبي الطيب وشيخنا أبي إسحاق وأكثر أصحاب الشافعي) (٤). انتهى وقال ابن برهان: (إليه ذهب كافة أهل العلم). والقول الثاني: إنه حجة، لكن ليس بإجماع، وهو أحد الوجهين عندنا كما سبق، ونقله في "المعتمد" عن أبي هاشم، ونقله الشيخ في "اللمع" وابن برهان عن الصيرفي، واختاره الآمدي ووافقه ابن الحاجب في "مختصره" الكبير، وتردد في الصغير. ويخرج من كونه قطعيًّا أو ظنيًّا (سواء قُلنا: إجماع، أوْ: لا):

стр. 426

قول ثالث ورابع: إنه إجماع قطعي، أو حُجة قطعية. والقول الخامس: إنه ليس لإجماع ولا حجة؛ لاحتمال تَوقُّف الساكت أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد. وحكاه القاضي أبو بكر عن الشافعي واختاره، وقال: إنه آخر أقواله. وإمامُ الحرمين، وقال: (إنه ظاهر المذهب؛ إذ قال الشافعي: لا يُنْسَب إلى ساكت قول. وهي من عباراته الرشيقة) (١). وقال الغزالي في "المنخول": (إنه نَص عليه في الجديد) (٢). وذكر غيره أنَّ الشافعي نَص على ذلك في "الرسالة" في قوله: (إنَّ أبا بكر قسم فسوى بين الحر والعبد، ولم يُفضل، فقسم عُمَرُ فألقى العبيد، ثم قسم عَلي ﵁). إلى أنْ قال: (فلا يُقال لِشيء مِن هذا: "إجماع". ولكن يُنْسَب إلى أبي بكر فِعله، وإلى عُمَر فِعله، وإلى عَلي فِعله، ولا يُقال لغيرهم ممن أخذ منهم [موافقة ولا مخالفة] (٣). ولا يُنْسَب إلى ساكت قول) (٤). انتهى وقد حمل المحققون هذا المنقول عن الشافعي على نَفْي الإجماع القطعي وأنه لا ينفي أنه إجماع ظني، ويكون معنى قوله: "لا يُنسب إلى ساكتٍ قول" أَيْ: صريح، لا نَفْي الموافقة التي هي أَعَم من التصريح، كما يقول في سكوت البكر عند الاستئذان: إنه إذْن. ولا [يُسميه] (٥) قولًا، وكذا الولي إذا سكت عند الحاكم عن التزويج، يُسمَّى "عضلًا"، ولا

стр. 427

يُسَمَّى "قولًا" بالامتناع. وسبق في تقريره ﷺ أنه يُسمى سُنة تقريرية، ولا يُسمى قولًا. ولو أتلف إنسان مال غيره وهو ساكت، [يضمن] (١) المتلف؛ لأنه لم يأذن صريحًا. ولو سكت أحد المتناظرين عن الجواب، لا يُعَدُّ انقطاعًا إلا بإقراره أو قرينة حاليَّة ظاهرة، ونحو ذلك. وفروع الفقه في ذلك كثيرة مختلفة الحكم؛ لاختلاف المدارك كما هو مبين في موضعه. ومن هنا نشأ الخلاف في كونه [هل] (٢) يُسمى "إجماعًا"؛ للموافقة؟ أوْ لا؛ لِعَدم التصريح؟ كما حكى ذلك الأستاذ أبو إسحاق والبندنيجي في "الذخيرة" وصرَّحَا بأنَّ الخلاف لفظي. وعبارة الروياني في "البحر": هو حجة مقطوع بها، وهل يكون إجماعا؟ فيه قولان، وقيل: وجهان. الأكثر ون أنه إجماع، والثاني: المنع. قال: (وهو خلاف راجع للاسم؛ لأنه لا خلاف أنه إجماع يجب اتِّباعه، وتحرم مخالفته قطعًا). انتهى وفيه نظر؛ لِما سبق ويأتي مِن بقية المذاهب. واعْلم أن ابن التلمساني وغيره نزَّلوا نَصَّي الشافعي على حالين باعتبار إجماع الصحابة دون غيرهم، أو باعتبار ما تعم البلوى به (كخبر الواحد والقياس) دُون غيره، أوْ لا. وكلاهما لا يساعد عليه النص الذي ذكرناه في قسم أبي بكر وعمَر وعِلي ﵃، فإنه لم يجعله إجماعًا مع أنه في الصحابة وفيما تعم به البلوى. القول السادس: إنه إجماع بشرط انقراض العصر. وبه قال البندنيجي من أصحابنا، وفي "اللمع" للشيخ أبي إسحاق أنه المذهب.

стр. 428

السابع: إنه إجماع إنْ كان فُتيَا لا حُكمًا. وهو قول ابن أبي هريرة كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق والماوردي والرافعي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب. لكن في "المحصول" عنه أنه إنْ كان مِن حاكم. وبينهما فرْق؛ لاحتمال أنْ يكون فُتيا مِن حاكم، لا حُكمًا، وهو ما نقله عنه الروياني في "البحر" وابن بَرهان في "الأوسط". الثامن: عكسه. قاله أبو إسحاق المروزي؛ لأن الأغلب [من الحاكم] (١) أنْ يكون عن مشاورة. ووقع في "النهاية" للهندي (٢) نقله عن الأستاذ أبي إسحاق، وهو وَهْم؛ فإنَّ ابن القطان قد حكاه عن أبي إسحاق والصيرفي، وابن القطان أقْدَم مِن أبي إسحاق الإسفرايني. التاسع: إنْ كان في شيء يفوت تداركه (كإراقة دم أو استباحة فرج)، كان إجماعًا وإلا فلا. حكاه ابن السمعاني. العاشر: إنْ كان بها عصر الصحابة، كان إجماعًا، وإلا فلا. حكاه الماوردي والروياني في "البحر". الحادى عشر: إنْ كان الساكتون أقل، كان إجماعًا، وإلا فلا. حكاه السرخسي من الحنفية (٣). الثاني عشر: إنْ كان ذلك مما يدوم ويتكرر وقوعه والخوض فيه، يكون السكوتي فيه إجماعًا. وهو ما اختاره إمام الحرمين في آخر المسألة. الثالث عشر: أنه يحتج به إما لكونه إجماعًا قطعيًّا أو حجة ظنية. وهو مختار ابن الحاجب

стр. 429

في "مختصره" الصغير كما سبق نقله عنه، ولكنه في الحقيقة هو القول بأنه حُجة مع التردد في تسميته إجماعًا أوْ لا. وفي كيفية الخلاف طُرق كثيرة في بيان محله ومحل القطع يَطُول ذِكرها, ولا فائدة فيه. وقولي: (مِنْ غَير دَاعٍ) إشارة إلى أنَّ حجية الإجماع السكوتي -عند مَن يراه- يشترط فيه أمور تدخل كلها تحت انتفاء الداعي عن السكوت مِن غير موافقة: منها: كوْن ذلك في المسائل التكليفية، وأنْ يكون في محل الاجتهاد، وأنْ يطَّلعوا على ذلك، وأن لا يكون هناك أمارة سخط وإنْ أيصرحوا به، وأنْ يمضي قَدْر مَهْل النظر عادة في تلك الحالة، وأنْ لا ينكر ذلك مع طول الزمان. فخرج ما ليس من مسائل التكليف، نحو قول القائل: "عمار أفضل من حذيفة" أو بالعكس، لا يدل السكوت فيه على شيء؛ إذْ لا تكليف على الناس فيه. وما إذا كان القائل مخالفًا للثابت القطعي، فالسكوت عنه ليس دليلًا على موافقته. وخرج أيضًا ما لم يطَّلع عليه الساكتون؛ فإنه لا يكون حجة قطعًا، والمراد القطع باطِّلاعهم أو غلبة الظن بذلك؛ لانتشاره وشهرته- كما صرح به الأستاذ نقلًا عن مذهب الشافعي واختيارًا له. أمَّا إنِ احتمل واحتمل، فلا- كما نقله ابن الحاجب عن الأكثر، ومقابِله قول: إنه حُجة. وقال الإِمام الرازي وأتباعه: إنَّ القول إنْ كان فيما تعم به البلوى (كنقض الوضوء بمس الذكر) فهو حجة، وإلا فلا (١). لكن صوّر ذلك في عصر الصحابة بناءً على أنَّ قول الصحابي حُجة كما صوَّر به الإِمام وغيره هذه المسألة، وإلا فلا، فبعض الأُمة مِن غير موافقة الباقين لا يُتصور القول بكونه حُجة. وقد علمت أن هذا التفصيل قول في أصل المسألة كما بيناه.

стр. 430

وخرج أيضًا ما إذا كان هناك أمارة سُخطٍ؛ فإنه ليس بحجة بلا خلاف، كما أنه إذا كان معه أمارة رضًى، يكون إجماعًا بلا خلاف -كما قاله الروياني والقاضي عبد الوهاب المالكي. نعم كلام الإمام الرازي كالصريح في جريان الخلاف فيما ظهر فيه أمارة السخط. وخرج ما إذا لم يمض مدة النظر، وذلك لاحتمال أنَّ الساكت كان في مهلة النظر. ومن شروط محل الخلاف أيضًا أن لا يطول الزمان مع [تكرر] (١) الواقعة. فإنْ كان كذلك فهو محل الخلاف السابق كما هو مقتضى كلام إمام الحرمين، وصرح به ابن التلمساني. وأنْ يكون قبل استقرار المذاهب، فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوتي قطعًا، كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون لِلْعِلم بمذهبهم ومذهبه، كشافعي يقضي بنقض الوضوء بمس الذكر، فلا يدل سكوت مَن يخالفه (كالحنفية) على موافقته. قاله إلْكِيا وغيرُه. تنبيه: ينبغي أنْ يدخل في المسألة ما إذا فَعل بعضُ أهل الإجماع فِعلًا ولم يصدر منهم قول وسكت الباقون عليه، أنْ يكون هذا إجماعًا سكوتيًّا؛ بناءً على ما سبق مِن المرجَّح في أصل الإجماع أنه لا فرْق بين القول والفعل، بل يتولد من ذلك أنَّ الفاعل لو كان غير أهل الإجماع واطَّلع عليه أهل الإجماع ولم ينكروا عليه ولا داعي لعدم إنكارهم، أنْ يكون ذلك حجة؛ لأن تقريرهم كتقرير الرسول ﷺ شخصًا على فعلٍ، كما أوضحناه. وإنما أَطَلْتُ في هذه المسألة بالنسبة إلى هذا المختصر لأنها مِن أُمهات الأصول، ومن المحتاج لإيضاحه، والله أعلم. قولي: (وَمنْ هُنَا تَعْرِفُ لِامْتِنَاعَا) وبعده:

стр. 431

ص: ٢٣٨ - في الِاكْتِفَا بِمُجْمَعِ الشَيْخَيْنِ ... أَوْ بِالْخَلِيفَتين مَعْ [هَذَيْنِ] (١) الشرح: إلى آخِر الفصل بيان لكون المسائل التي ليس فيها إجماع كل الأُمة ليست بحجة، أيْ: ومن حيث إنَّ اعتبار جميع مجتهدي الأُمة في عصر (صريحًا أو تقديرًا) هو الراجح يُعْرَف امتناع ما ادُّعِي أنه إجماع في مسائل ولم يُجْمِع فيها إلا بعض الأُمة مع مخالفة غيرهم. منها: إجماع الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، زعم بعضهم أنه حُجة؛ لقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين مِن بعدي، أبي بكر وعمر" (٢). رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: "حسن"، وابن حبان في صحيحه, ولكن له طُرق في بعضها ضعف، يُقَوِّي بعضُها بعضًا. فقولي: (بِمُجْمَعِ الشَّيْخَيْنِ) أيْ: باجتماعهما، فإنهما إذًا اجتمعا في حُكم قد تَوافقَا عليه دُون غيرهما أو مع موافقة بعض الأمة لهما، صدق أنه [بإجماعهما] (٣). ومنها: إجماع الخليفتين الآخَرَيْن اللذين هما عثمان وعلي ﵄ مع الشيخين؛ فيصير إجماعًا من الأربعة ﵃. قال أبو خازم (بالخاء المعجمة والزاي، مِن الحنفية): إنه حُجة، وحكم بذلك في زمان المعتضد في توريث ذوي الأرحام.

стр. 432

ولَمَّا رَدَّ عليه أبو سعيد البردعي باختلاف الصحابة ﵃، قال: العمل [لقول] (١) الخلفاء الأربعة. وحكى موفق الدين الحنبلي في "الروضة" رواية عن أحمد بمثل ذلك. نعم، لا يَلْزم منه ولا من احتجاج أبي خازم أنْ يكون إجماعًا، بل حُجة فقط؛ وحينئذ فلا معنى لتخصيص أبي خازم. وكونه إحدى رِوايتي أحمد [فإنه منقول] (٢) قولًا للشافعي، فقد قال ابن كج في كتابه: إذا اختلفت الصحابة ﵃ على قولين وكانت الخلفاء الأربعة مع أحد الفريقين، قال الشافعي في موضع: "يُصار إلى قولهم"، وفي موضع: "لا، بل يطلب دلالة سواهما". ثم ظاهر كلام أبي بكر الرازي يدل على أنَّ أبا خازم إنما بناه على أنَّ خِلاف الواحد والاثنين لا يقدح في الإجماع، لكن كثير من الأصوليين يذكر أن مستنده قوله ﷺ : "عليكم بِسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (٣). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الترمذي، والحاكم في "المستدرك" وقال: على شرطهما. والمراد بالخلفاء هُم الأربعة؛ لقوله ﷺ : "الخلافة مِن بعدي ثلاثون سَنة، ثم تفسير ملكًا عَضُوضًا" (٤). وهو حديث سعيد بن جُمْهَان (بضم الجيم وسكون الميم وفتح الهاء) عن

стр. 433

سفينة، رواه أبو داود بلفظ: "خلافة النبوة ثلاثون سَنة، ثم يُؤتي الله الملك مَن يشاء" (١). قال سعيد: (أمسك عليك أبا بكر سنتين، وعمر عشرًا، وعثمان اثنتي عشرة، وعَليّ كذا، يعني البقية). الحديث. وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: (حسن، لا نعرفه إلا من حديث سعيد). انتهى. وسعيد وثَّقه يحيى بن معين وأبو داود وغيرهما. ثم المراد بِسَنَتي أبي بكر كونهما كاملتين، وكذا في عُمَر عَلَى الاختلاف في تحرير مدة خلافاتهم، والحسن بن علي ﵄ وإنْ كانت مدة خلافته ستة أشهر ليكمل الثلاثين، لكن لَمَّا لم تتسع مُدته حتى تظهر أقواله وموافقته أو مخالفته، لم يجمعه أبو خازم ومَن قال بِقوله مع الأربعة. قلتُ: وهذا لا يخلص في الجواب؛ فإن المراد اتفاقهم في أي وقت كان صدق اجتماعهم، لا قول كل واحد واحد في زمن خلافته، وسيأتي في موت الأقوال بموت أصحابها خِلاف، فتأمَّلْه. ولنا: - أنَّ ابن عباس ﵄ خالف جميع الصحابة في خَمس مسائل في الفرائض انفرد بها، وابن مسعود بأربع، وغيرهما بغير ذلك، ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الأربعة. - وأنه لا حجة لأبي خازم في الحديث السابق، لمعارضته لحديث: "أصحابي كالنجوم" (٢)، لكن هذا ضعيف، وبتقدير صحته فلا معارضة، فإنَّ المراد منه أن المقلد يتخير فيهم، لا أنَّ قول كلٍّ حُجة.

стр. 434

وأما حديث: "عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء" (١) فسياقه فيما يكون حجة من حُجَج الشرع، وإنما الجواب أنَّ المراد أنْ لا يبتدع الإنسان بما لم يكن في السُّنة، ولا فيما عليه الصحابة في زمان الخلفاء الأربعة؛ لِقُرْب عهْدهم بتلقِّي الشرع. فائدة: في "الرونق" للشيخ أبي حامد أنه إذا عقد الخلفاء الأربعة عقدًا أو حموا حمًى، يلزم ولا ينقض- على أصح قولَي الشافعي، وسبقه إليه ابن القاص في تلخيصه في باب "الإحياء"، واستغربه السنجي في شرحه، وقال: يشبه أن يكون تفريعًا على القديم في تقليد الصحابي، وأما على الجديد فلا فرق، والله أعلم. ص ٢٣٩ - كذَا بِأَهْلِ الْبَيْتِ، أَعْنِي فَاطِمَهْ ... وَبَعْلَهَا وَنَجْلَهَا، كُنْ عَالِمَهْ الشرح: أي: ومن ذلك أيضًا قول الشيعة، والمراد بهم مَن يُنسب إلى حُب عَلي ﵁ ويزعم أنه مِن شيعته، وقد كان في الأصل لقبًا للذين ألفوه في حياته كسلمان وأبي ذر والمقداد، وعمار وغيرهم، ثم صار لقبًا بعد ذلك على مَن يَرى بتفضيله وبأمور أخرى قالوا بها لا يرضاها عَلِي كرم الله وجهه أبدًا، وتفرقوا كثيرا من رافضة وزيدية وغيرهم، وهؤلاء هم المراد عند إطلاق الأصوليين وغيرهم "الشيعة". فمن أقوالهم الفاسدة هذه المسألة، وهي أن الإجماع يُكْتَفى فيه بانفراد أهل البيت، وهُم: فاطمة ﵂، وكذا عِلي، ونجل فاطمة مِن عَلي وهو الحسن والحسين ﵁ م- أجمعين. احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

стр. 435

[الأحزاب: ٣٣] الآية، فنفى عنهم الرجس، والخطأ من جملة الرجس. وفي الترمذي: "لَمَّا نزلتْ لَفَّ ﷺ كساءً عليهم، وقال: هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهِب عنهم الرجس وطَهِّرهم تطهيرًا" (١). وفي "مسلم": "إني تارِكٌ فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضِلوا، كتاب الله وعترتي" (٢). وجواب ذلك ظاهر مشهور. وربما قالت الشيعة: "إنَّ أهل البيت عليٌّ وَحْدَه" كما نقله الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع"؛ ولأجْل ذلك فَسَّرْتُ أهلَ البيت في النَظْم؛ لضعف هذه المقالة، والله أعلم. ص: ٢٤٠ - كذَاكَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، وَكذَا ... بِكُوفَةٍ مَعْ بَصْرَةٍ، بَلِ انْبِذَا الشرح: أيْ: ومن ذلك أيضًا إجماع أهل الحرمين (مكة والمدينة) مع مخالفة غيرهم -ليس بحجة؛ لأنهم ليسوا كل الأُمة، خلافًا لمن زعم ذلك من الأصوليين. وكذا إجماع أهل المصرين (الكوفة والبصرة) زعم قوم أنه حُجة، والصحيح في المسألتين خلاف ذلك، وأنه لا أثر للبقاع وإنْ شَرُفَتْ، مع أنَّ مَن حَوَتْهُ ليس كل الأُمة الذي جُعِلَت الحجة في قولهم. قال القاضي أبو بكر: (وإنما صار مَن صار إلى ذلك لاعتقادهم تخصيص الإجماع

стр. 436

بالصحابة، وكانت هذه البلاد موطن الصحابة، ما خرج منها إلا شذوذ منهم). انتهى. أيْ: فلا يُظَن أنَّ القائل بذلك يقول به في كل عصر. وقولي: (بَلِ انْبِذَا) أيْ: اطرح هذا الاعتقاد، فلا تعتقد حجية شيء مِن ذلك، فالألف في "انبِذا" بدل مِن نون التوكيد الخفيفة، وأصله "انْبِذن"، والله أعلم. ص: ٢٤١ - وَهَكَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ ... إذْ لَيْسَ في كُلٍّ جَميعُ الْأُمَّةِ الشرح: أيْ: ومن ذلك أيضًا إجماع أهل المدينة، نُقل عن مالك أنه حُجة. قال الحارث المحاسبي في كتاب "فهم السُّنن": (قال مالك: وإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به، لم أر لأحد خِلافهُ، ولا يجوز لأحد مخالفته). انتهى فمِن أصحابه مَن قال بظاهر ذلك؛ ولذلك أَطْلق النقل عنه بذلك الصيرفي في "الأعلام"، والروياني في "البحر"، والغزالي في "المستصفى". ويكفي في تضعيف هذا القول قول الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث": (قال بعض أصحابنا: إنه حجة، وما سمعت أحدًا ذكر قوله إلَّا عابه، وإنَّ ذلك عندي معيبٌ). انتهى وقال الباجي مِن أصحاب مالك: (إنما أراد فيما طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد، والأذان والإقامة، وعدم الزكاة في الخضروات مما [تقضي] (١) العادة أنْ يكون في زمن النبي ﷺ ، إذْ لو تَغَيَّر ممَّا كان عليه لَعَلِمَه. فأمَّا مسائل الاجتهاد فهُم وغيرهم سواء) (٢). وحكاه القاضي في "التقريب" عن شيخه الأبهري، وجَرَى عليه القرافي في "شرح

стр. 437

المنتخب" وإنْ خالف في موضع آخَر. وقيل: أراد أنَّ [نَقْلهم] (١) يَرْجُح على [نقْل] (٢) غيرهم. وقد ذكر الشافعي نحو هذا في القديم. وقيل: أراد بذلك أصحاب رسول الله ﷺ . وقيل: أراد الصحابة والتابعين وتابعيهم. حكاه القاضي وابن السمعاني، وعليه جرى ابن الحاجب، وادَّعى ابن تيمية أنه مذهب الشافعي وأحمد. وقيل: محمول على إجماع المتقدمين من أهل المدينة. ونحوه ما قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: إذا وجدتَ متقدمي أهل المدينة على شيء، فلا يدخل في قلبك شكٌّ أنه الحقُّ، وما جاءك فيه غير ذلك فلا تلتفت إليه. وفي رواية: فلا تَشُكَّن أنه الحقُّ، والله إني لك لناصح. وقال مالك: (قدم علينا ابن شهاب قَدْمة، فسألته: لِمَ [ترك] (٣) المدينة؟ فقال: كنتُ أسكنها والناس ناس، فلمَّا تغير الناس تركتُهم). رواه عنه عبد الرزاق. وقيل: إذا تعارَض دليلان كحديثين أو قياسين، يرجح أحدهما بعمل أهل المدينة؟ أوْ لا؟ فعند الشافعي ومالك: نعم، وعند أبي حنيفة: لا، وعن أحمد قولان. وقيل غير ذلك مما يَطُول ذِكره. وقد استدل مَن يرى حجية قولهم بحديث: "إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع

стр. 438

طيبها" (١). متفق عليه عن جابر ﵁، وخَطَأُ عُلمائها خَبَث، فإذَا كان منفيًّا، صار قولهم حُجة. وأما قوله: "وينصع طيبها" فهو بالصاد والعين المهملتين، وأول الفعل مثناة تحت، و"طيبها" بالتشديد مرفوع بالفاعلية على المشهور، ويروى بالنصب فـ "تنصع" بمثناة فوق، والفاعل ضمير المدينة، لكن قال القزاز: لم أجد لنصع في الطيب وجهًا، وإنما وجه الكلام: "يتضوعُ طيبها" أيْ: يفوح. ويُروى "ينضخ" بمعجمتين. والأحاديث في فضل المدينة كثيرة، كحديث أبي هريرة ﵁ في الطبراني "الأوسط" بإسناد لا بأس به: "المدينة قُبَّة الإِسلام، ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام" (٢). قالوا: وأيضًا فإنَّ الصحابة كانوا مجتمعين -غالبًا- فيها. وجواب الأول: أنَّ فضل البقاع كما سبق لا أثر له في عدم خطأ ساكنيها، إلَّا مَن عَصَمه الله، وهُم جميع الأمة لا بعضهم، ولهذا قال ابن عبد البر: (إنَّ مثل ذلك إنما كان في حياته ﷺ ، فلم يخرج مِن المدينة إلَّا مَن لا خير فيه، وأمَّا بَعْد وفاته فقدْ خرج منها أخيار وسكنوا في غيرها) (٣). وكذا قاله القاضي عياض، لكن قال النووي: إنَّ هذا ليس بظاهر؛ لما صح: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (٤). وهذا والله أعلم في زمن الدجال.

стр. 439

وجواب الثاني: أنَّ الصحابة لم يكونوا مجتمعين بالمدينة، بل تفرقوا في الأمصار. وأمَّا بعد الصحابة فالعلماء غالبهم في الأمصار غيرها. تنبيه: إذا قلنا: (إنَّ إجماع المدينة حُجة)، فقال الأبياري المالكي: ليس كإجماع جميع الأمة حتى يفسق مخالفه ويُنْقَض قضاؤه، وإنما هو مَأْخَذ شرعي فقط. وبالجملة فالمسألة طويلة الذيل، موصوفة بالإشكال، أُفْرِدَت بالتصنيف، صَنَّف فيها الضمير في وغيره، وفيما أشرنا إليه كفاية. وقولي: (طَيْبَة) هي من أسماء المدينة، وهو مخفف من "طيبة" بالتشديد كما في نظائره، ويقال لها أيضًا: "طابة"، ولها أسماء كثيرة. وقولي: (إذْ لَيْسَ في كُلٍّ جَميعُ الْأُمَّةِ) هو تعليل للمسائل المتقدمة من قولي: (وَمنْ هُنَا تَعْرِفُ الِامْتِنَاعَا) إلى هنا، أيْ: إنَّ كل واحدة من المسائل التي ادُّعِي حُجيتها مع كَوْنهم بعض الأمة- ممتنع؛ لأنهم ليسوا كل الأُمة، والله أعلم. ص: ٢٤٢ - وَلَيْسَ شَرْطًا انْقِرَاضُ الْعَصْرِ ... وَلَا إمَامٌ عَصَّمُوا في دَهْر الشرح: أيْ: شَرَط بعضهم في الإجماع -زيادة على ما سبق- انقراضَ العصر، وشرط آخرون أنَّ الإجماع لا بُدَّ فيه من وجود إمام معصوم. والأصح عدم اشتراط شيء منهما. أما المسألة الأولى ففيها مذاهب: أحدها وهو الصحيح عند المحققين: هذا، فيكون اتفاقهم حُجة بمجرده حتى لو رجع

стр. 440

بعضهم لا يُعْتَد به ويكون خارقًا للإجماع، ولو نشأ مخالِفُه لا [يُعْتَبر قوله] (١)، بل يكون الإجماع حُجة عليه. ولو ظهر للكل ما يوجب الرجوع فرجعوا كلهم مجمعين، لم يَجُز ذلك، بل إجماعهم الأول حُجة عليهم وعلى غيرهم. حتى لو جاء غيرهم مجمعين على خِلاف ذلك لَمْ يَجُز أيضًا، وإلَّا لَتَصادم الإجماعان. وجرى على [هذا] (٢) المذهب إمام الحرمين في "النهاية"، حيث استدل لمقابل قول ابن عباس ﵄: إنَّ الأم لا تحجب إلى السدس إلا بثلاثة إخوة. وقال القاضي في "التقريب": إنه قول الجمهور. والباجي: إنه قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. وقال ابن السمعاني: إنه أصح المذاهب لأصحاب الشافعي. وقال الرافعي في الأقضية: أصح الوجهين. وصححه الإمام في "النهاية" والدبوسي في "تقويم الأدلة"، وقال أبو سفيان: إنه قول أصحاب أبي حنيفة. وقال أبو بكر الرازي: إنه الصحيح. وحكاه عن الكرخي. والمذهب الثاني: أنه يشترط، وهو قول أحمد، ونصره محققوا أصحابه، واختاره ابن فورك وسليم، ونقله [ابن بَرهان] (٣) عن المعتزلة، ونقله الأستاذ عن الأشعري. واختلفوا: هل فائدته إمكان رجوع المجمعين؟ أو اعتبار قول مَن ينشأ مخالفًا قبل الانقراض؟ على وجهين. واختلفوا أيضًا: هل الشرط انقراض الكل؟ أو الأكثر؟ أو الشرط موت العلماء فقط؟ أقوال مَبنية على المسائل السابقة، فالقائل بالغالب هو القائل بأنَّ ندرة المخالف لا تقدح، والقائل بانقراض علمائهم هو القائل بأنه لا عبرة بوفاق العوام، والقائل بالكل هو الذي لا

стр. 441

يعتبر شيئًا من ذلك. والمذهب الثالث: أنَّ الانقراض يُعتبَر في الإجماع السكوتي؛ لضعفه، بخلاف غيره، وبه قال البندنيجي، واختاره الآمدي، ونقل عن الأستاذ أبي منصور البغدادي، وأنه قال: إنه قول الحذاق من أصحاب الشافعي. وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول أكثر الأصحاب. ونقله إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق، لكن الذي في تعليقه عدم الاشتراط. بل جعل سليم محل الخلاف في غير السكوتي، وأنَّ الانقراض في السكوتي لا خلاف فيه. الرابع: إنِ استند الإجماع لقاطع فلا يشترط انقراضه، وإلا اشترط تمادي الزمان. وبه قال إمام الحرمين في "البرهان"، واختاره الغزالي في "المنخول"، قال: والمدار في طول الزمان على العُرف. وضعَّفه ابن السمعاني بأنه إذا عُلم استنادهم لقاطع، فذلك القاطع هو الحجة، وإذَا لم يُعلم مستندهم، فكيف التوصل إلى معرفته؟ ! والخامس: ينعقد قبل الانقراض فيما لا مهلة فيه مما لا يمكن استدراكه (مِن قتل نفس أو استباحة فرج) دُون غيره. حكاه ابن السمعاني عن بعض أصحابنا، وهو نظير ما سبق في السكوتي. وفي "الحاوي" للماوردي أنَّ ما لا يتعلق به إتلاف يُشترط فيه الانقراض قَطْعًا، وما لا يمكن استدراكه فيه وجهان (١). والسادس: [المشتَرط] (٢) أنْ لا يبقى إلا دُون عَدد التواتر، فحينئذ لا يكترث بالباقي ويحكم بانعقاد الإجماع، بخلاف ما إذا بقي أكثر، حكاه القاضي في "مختصر التقريب"، وأشار إليه ابن بَرهان في "الوجيز".

стр. 442

السابع: إن كان الإجماع عن قياس، اشترط الانقراض، وإلا فلا. نقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين، ولكن الذي نقله الهندي وغيره عنه التفصيل بين أن يعلم أن متمسكهم ظني فيعتبر طول الزمان، أو لا فلا، وقد سبق. الثامن: إنْ شَرَطوا في إجماعهم أنه غير مستقر وجوَّزوا الخلاف، اعتُبر الانقراض، وإلا فلا. حكاه القاضي وسليم، ثم قيَّده بالمسائل الاجتهادية دُون مسائل الأصول التي يُقطع فيها بعدم المخالف. التاسع: يشترط الانقراض في إجماع الصحابة دُون إجماع التابعين وغيرهم. وهو ظاهر كلام الطبري. تنبيهان أحدهما: المراد بِـ "العصر" زمان المجمعين، قَلَّ أو كَثُر، حتى لو ماتوا عقب الإجماع دفْعة يُقال: انقرض العصر. الثاني: المشترطون للانقراض لا يمنعون كوْن الإجماع حجة قبل الانقراض، بل يقولون: يحتج به، لكن لو رجع راجع، قَدَح، أو حَدَث مخالِفٌ، قدح. ونظيره أنَّ ما يقوله الرسول ﷺ أو يفعله حُجة في حياته وإنِ احتمل أن يتبدل بنسخٍ؛ عملًا بالأصل في الموضعين. فإذَا رجع بعضهم، تَبيَن أنهم كانوا على خطأ لا ويقرُّون عليه، بخلافه ﷺ ؛ فإنَّ قوله وفِعله حقٌّ في الحالين. وأما المسألة الثانية فالمخالِف فيها الروافض؛ بناءً على قولهم الفاسد: إنَّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم. فإنْ كان ذلك الإِمام في الإجماع فحُجة، وإلا فلا. فيقال لهم: فالحجة حينئذ إنما هي في قول الإِمام المعصوم، لا الباقي.

стр. 443

وقد أشرتُ إلى ذلك بقولي: (وَلَا إمَامٌ عَصَّمُوا في دَهْرِ). أيْ: ولا يُشترط وجود إمام اعتقدوا عصمته في ذلك الدهر، فهو فاسد مبني على فاسد، والله أعلم. فروع ٢٤٣ - لَابُدَّ لِلْإجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنَدِ ... وَلَوْ قِيَاسًا جَاءَ مِنْ مُجْتَهِدِ الشرح: هذه فروع على ما سبق في تأصيل قواعد الإجماع: أحدها: أنَّ الإجماع لا بُدَّ له من مُسْتَنَدٍ، أيْ: دليل من الشرع. قال الشافعي فيما نقله عنه الإِمام في "النهاية" في كتاب القراض: (الإجماع وإنْ كان حُجة قاطعة سمعية فلا يحكم أهل الإجماع بإجماعهم، وإنما يصدر الإجماع عن أصل) (١). انتهى. والدليل إما: -كتاب، كإجماعهم على حد الزنا والسرقة وغير ذلك مما لا ينحصر. - أو سُنة، كإجماعهم على توريث كل من الجدات السدس (٢)، وتوريث المرأة من دية زوجها بخبر امرأة أشيم الضبابي (٣)، ونحو ذلك وهو كثير. - أو قياس: كإجماعهم على أن الجواميس في الزكاة كالبقر، على ما سيأتي فيه من النظر. وإنما كان الإجماع يفتقر إلى مستند؛ لأنه من المجتهدين، والمجتهد لا يقول في الدَّين بغير

стр. 444

دليل؛ فإنَّ القول بغير دليل خطأ. وأيضًا فكان يقتضي إثبات شرْع مستأنف بعد النبي ﷺ ، وهو باطل. وذهب بعضهم -كما نقله عبد الجبار عن قوْم- أنه يجوز أنْ يحصل [بالبَخْت] (١) والمصادفة، والمعنى أنَّ الإجماع قد يكون عن توقيف من الله من غير مستند. وأجابوا عمَّا سبق من الدليل بأنَّ الخطأ إنما هو في الواحد من الأُمة، أما كل الأمة فلا. وأُفْسِدَ ذلك بأنَّ الخطأ إذا اجتمع، لا ينقلب صوابًا؛ لأنَّ الصواب في قول الكل إنما هو مع مراعاة عدم الخطأ من كل فرد. وزعم الآمدي أن الخلاف إنما هو في الجواز، لا في الوقوع. ورُدَّ: بأنَّ الخصوم استدلوا بِصُوَر لا مستند فيها على زعمهم، فلولا أنه محل النزاع ما استدلوا بها. قلتُ: وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ مَن يدَّعي الجواز هو الذي ادَّعى الوقوع واستدل به، ومَن يمنع الجواز فلا يُسلم وقوع ذلك، مع بقاء المخالفة في الجواز من الأصل. وقولي: (وَلَوْ قِيَاسًا) إشارة إلى أنَّ المستند يجوز أنْ يكون قياسًا (على المرجَّح)، والمخالف بعض الظاهرية زعم أنه لا يجوز، وهو بناء على أصلهم في منع القياس، لكن سبق أن جمهورهم إنما يمنع غير الْحَلي. نعم، الغريب موافقة محمَّد بن جرير الطبري (مِن أئمتنا) لهم في ذلك مع أنه قائل بالقياس، ونقل عنه القاضي في "التقريب" أنه منعه عقلاً؛ لاختلاف الدواعي والأغراض، وتفاوتهم في الذكاء والفطنة.

стр. 445

وقيل: يجوز أن يقع عن قياس، ولكنه لم يقع. ورُدَّ: - بأنَّ إمامة الصديق ﵁ مستند الإجماع فيها القياس، قال عمر ﵁: "رضيَهُ ﷺ لِدِيننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟ " (١). ولا يرد -كما قال ابن القطان- وقوع مثل ذلك لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي ﷺ خلفه؛ لأنه أمر الصديق، وعبد الرحمن قد وجده يصلي فصلى خلفه، فالفرق ظاهر. - وبإجماعهم في الجاموس أنه كالبقر، وهو بالقياس. قلتُ: على ما في هذا المثال من نظرٍ؛ فإنَّ البقر جنس تحته نوع العراب ونوع الجاموس. وإذا دخلَتْ في لفظ "البقر"، كانت الزكاة فيها نَصًّا، لا قياسًا. نعم، يمثل بإراقة نحو الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة؛ قياسًا على السمن، وتحريم شحم الخنزير؛ قياسًا على لحمه المنصوص عليه، ونحو ذلك، وهو كثير. وقيل: وقع ولكن لا تحرم مخالفته. وقيل: يجوز عن القياس الجلي دُون الخفي. وقيل: عن قياس المعنى دُون قياس الشَّبَه. واعْلم أنه يُعَبر عن هذه المسألة تارةً بذلك وتارةً بأن الإجماع عن أمارة هل يجوز؟ أو لا؟ كما قال الروياني، قال: فالجمهور يجوزونه. قال عامة أصحابنا: وهو المذهب. والتعبير بهذا يدخل فيه نحو خبر الواحد والمفاهيم ونحو ذلك. وقولي: (جَاءَ مِنْ مُجْتَهِدِ) أيْ: يجوز أن يكون المستند القياس، ولا يضر كوْن القياس

стр. 446

إنما صدر منهم؛ لأنَّ القياس في الحقيقة كاشف عن الحكم، لا مُنْشِئ له؛ ولهذا كان دليلًا شرعيًّا، والله أعلم. ٢٤٤ - لكِنَّ عِلْمَنَا بِهِ لَا يَجِبُ ... وَالِاتِّفَاقُ بَعْدَ خُلْفٍ أَوْجَبُوا ٢٤٥ - صِحَّته مِنْهُمْ وَمنْ غَيرهِمِ ... وَالْأَخْذُ بِالْأقلِّ مِمَّا قَدْ نُمِي الشرح: أيْ: إذا تَقرر أن الإجماع لا بُدَّ له من مستند، فلا يلزم أنْ يُطلَع عليه، بل بنفس حصول الإجماع ارتفع النظر إلى المستند. وإذا وجدناه موافقًا لِنَص أو غيره، لا يَتَعَيَّن أنْ يكون هو المستند، بل يجوز أنْ يَكون غيره، لكن يقوى أن يكون هو المستند؛ لأن الأصل عدم خلافِه. قال الأستاذ أبو إسحاق: لا يجب على المجتهد طلبُ الدليل الذي وقع الإجماع به، فإنْ ظهر له دليل أو نُقل إليه كان أحد أدلة المسألة. نعم، حكى ابن السمعاني في "القواطع" خلافًا في أنَّ انعقاد الإجماع: هل هو على الحكم الثابت بالدليل؟ أو على نفس الدليل؟ قال: (وينبني عليه أن الإجماع الواقع على وَفْق خبر من الأخبار: هل يكون دليلًا على صحته؟ قولان، أَوْلَاهما: أنه لا يدل؛ لجواز الاستناد إلى غيره، أو إليه مع ضميمة أخرى) (١). واعلم أن ابن بَرهان نقل عن الشافعي أن خبر الواحد إذا وُجد موافقًا للإجماع وجهلنا مستنده، أنَّ ذلك الخبر هو المستند. قال: (وخالفه الأصوليون) (٢). انتهى

стр. 447

وحمل غيرُه كلام الشافعي على أنه أراد غَلبة الظن بأنه المستند، لا بِعَينه. واحترز بِـ "الواحد"عن "المتواتر"؛ فإنه يكون مستندهم بلا خلاف كما قاله القاضي عبد الوهاب؛ لأنه يجب عليهم العمل بموجَب النَّص. انتهى. قلتُ: وفيه نظر؛ لأنه لا يَلزم مِن القطع بالمتن القطعُ بالدلالة، فقدْ يستندون إلى غيره؛ لذلك. فإنْ قيل: ما الفرق بين هذا وبين المجتهد إذا عَلَّل حُكم الأصل بِعِلَّة مناسبة فمنع الخصم كون تلك علة؛ لجواز أنْ تكون العلة غيرها, لم يُسْمَع؛ لأن الأحكام لا بُدَّ لها من علة، وقد وُجدت وهي مناسبة؛ فَتَعَيَّنَت؛ لأنَّ الأصل عدم ما سواها. قيل: لأنَّ مسألتنا انتهض الدليل فيها بالإجماع؛ فلم يحتج إلى معرفة غيره من الأدلة، وإنْ وُجد موافقًا، فهو من باب كثرة الأدلة، وأما القياس فلا ينتهض الإلحاق ما لم تَثبت العلة؛ فَتَعَيَّن الاستناد إليها. وقولي: (وَالِاتِّفَاقُ بَعْدَ خُلْفٍ أَوْجَبُوا) إلى آخِره -إشارة إلى مسألة ما لو وقع الاتفاق بعد الاختلاف، وهي مَبنية على أن مستند الإجماع يكون أمارة [ظنًّا] (١)؛ فلذلك عقبتها بما سبق، ولها صُوَر: إحداها: أن يختلف أهل عصر على قولين ثم يتفق أهل عصر بعده على أحد القولين. فإنْ كان ذلك قبل استقرار خلاف الأوَّلين، أيْ قبل مُضي مدة على ذلك الخلاف يُعلَم بها أن كل قائل مُصمم على قوله لا ينثني عنه، فالجمهور على جوازه، وذلك كخلاف الصحابة لأبي بكر ﵃ في قتال مانعي الزكاة وإجماعهم بعد ذلك، وكذا خلافهم في دفنه ﷺ في أي مكان ثم أجمعوا على بيت عائشة ﵂؛ إذِ الخلاف لم يكن استقر.

стр. 448

ونقل الهندي عن الصيرفي أنه لا يجوز، لكن الذي في كتاب الصيرفي ظاهره يُشْعر بموافقة الجمهور؛ ولهذا قال الشيخ في "اللمع": (إنَّ المسألة تصير حينئذ إجماعية بلا خلاف) (١). ووقع للقرافي عكس هذا، فزعم أنَّ محل الخلاف الآتي إذا لم يستقر خلافهم. وهو عجيب؛ فإنَّ محله إذا استقر. فإذا كان الاتفاق في عصر بعد استقرار خلاف في عصر قَبْله ومضى أصحاب الخلاف عليه مدة، ففيه وجهان لأصحابنا، بل نقلهما أبو الحسن السهيلي في "أدب الجدل" قولين للشافعي وأنَّ أصحهما أنَّ الخلاف لا يرتفع وكأنَّ المخالف حاضر، [و] (٢) ليس موته مُسْقِطًا لقوله: فيبقى الاجتهاد. قال الشيخ أبو إسحاق: هو قول عامة أصحابنا. وقال سُليم الرازي: هو قول أكثرهم وأكثر الأشعرية. وكذا قاله ابن السمعاني، ونقله ابن الحاجب عن الأشعري. قال إمام الحرمين: (وإليه مَيْل الشافعي، ومن عباراته الرشيقة: المذاهب لا تموت بموت أربابها) (٣). ونقله أيضًا إلْكِيَا وابن برهان عن الشافعي، وقال أبو علي السنجي: إنه أصح قوليه. ونقله القاضي في "التقريب"عن جمهور المتكلمين، وبه قال أيضًا أحمد والصيرفي وابن أبي هريرة وأبو علي الطبري والقاضي أبو حامد والإمام والغزالي، وهو الذي نصره ابن القطان وأنه مذهب الشافعي؛ لأنه قال: حَدُّ الخمر أربعون؛ لأنه مذهب الصديق ﵁. وقد أجمعوا

стр. 449

بعد هذا أنَّ حده ثمانون، إذْ قالوا: "نرى أنه إذا سكر هَذَى (١)، وإذَا هَذَى افترى" (٢). فلم يَعُده إجماعًا؛ لِسَبْق خِلَاف الصديق ﵁. قيل: ولا يشكل على هذا قوله في الجديد: يُنْقَض قضاء مَن حَكَم ببيع أُمهات الأولاد؛ لأجل اتفاق التابعين بعد ما كان من اختلاف الصحابة؛ لأن الصحابة عادوا واتفقوا على المنع وعليٌّ ﵁ فيهم. والقول الثاني: إنه جائز، وعليه أكثر الحنفية، وعليه من أصحابنا الحارث المحاسبي والإصْطَخْري وابن خيران والقفال الكبير، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والإمام الرازي وأتباعه. ونقله إلْكِيَا عن الجبَّائي وابنه وأبي عبد الله البصري، وقواه المتأخرون؛ ولذلك جريت في النَّظْم عليه؛ لقوته. وفي المسألة قول ثالث حكاه أبو بكر الرازي: إنْ كان خلافًا يؤثم فيه بعضهم بعضًا، كان إجماعا، وإلا فلا. والقائلون بالجواز قال أكثرهم: يكون حُجة، ويرتفع به الخلاف المتقدم، وتصير المسألة إجماعية. وقيل: لا يكون حجة. وقيل: يكون حجة ولكن ليس بإجماع. نقله ابن القطان عن قوم وأنهم قالوا: وجه

стр. 450

الحجية أن لهؤلاء مزية على أولئك؛ لانفراده في عصر؛ فهو المعتبر. قال: وليس بشيء إلا على قوله في القديم: إن الصحابة ﵃ إذا اختلفوا، يؤخذ بقول الأكثر. أما على المشهور من مذهبه فلا فرق بين القليل والكثير. قيل: والحقُّ في المسألة أنه إجماع ظني لا قطعي، وإليه يشير كلام إمام الحرمين. وفي كتاب "تقويم الأدلة" لأبي زيد الدبوسي عن الحنفية: إنه من أدنى مراتب الإجماع (١). فرع: هل وقع ذلك؟ الظاهر مما سبق عن الشافعي في حد الخمر وقوعه. وقال ابن الحاجب: (الحقُّ في مثل هذا الإجماع أنه يُعتبر (٢) وقوعه، لأنه غالبًا لا يكون إلا عن جَلِي، وَيبعُد غفلة المخالف). نعم، وقع قليلًا، كاختلاف الصحابة في بيع أُم الولد، ثم زال باتفاقهم على المنع، وكاختلافهم في نكاح المتعة ثم أجمعوا على المنع. قلتُ: لكن هذان إنما يصح التمثيل بهما لما سيأتي وهو الصورة الثانية: أنْ يختلفوا على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى قول الآخَر، فيتفقوا بأنفسهم على ذلك القول. فإنْ كان ذلك قبل استقرار الخلاف فإجماع وكذا حُجة، خلافًا لقوم يقولون: إنه إجماع، لا حجة. ولهذا جمع ابن الحاجب بينهما. وهل ذلك وفاق؟ أو على خلاف؟ فيه ما سبق في التي قبلها عن الصيرفي وغيره.

стр. 451

وإن كان بعد استقرار الخلاف، فقيل: ممتنع؛ لتناقض الإجماعين: الاختلاف أولًا ثم الاتفاق ثانيًا، كما إذا كانوا على قول فرجعوا عنه إلى آخَر. وبه قال القاضي، وإليه ميل الغزالي وغيره، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن الشافعي، وجزم به الشيخ في "اللمع"، واختاره الآمدي وابن الحاجب. وقيل: يجوز، إلا أن يكون مستندهم قاطعًا. وإذا قُلنا بالجواز، فهل هو حُجة وإجماع؟ أو حجة فقط؟ فيه ما سبق، وهنا أَوْلى بكونه إجماعًا وحجة؛ لأنه قول كل الأمة؛ إذْ لم يبق قائل بخلافه، لا حي ولا ميت. وقيل: إن كان في الفروع، لا يجزم معه بتحريم الذهاب للقول الآخَر، بخلاف ما فيه تأثيم وتضليل. وقيل: إنْ قَرب عهدُ المختلفين فإجماع، أو تمادى فلا. وقيل غير ذلك. الصورة الثالثة: أن يختلفوا على قولين ثم يموت أحد الفريقين، وهو حُجة أيضًا؛ لأنهم صاروا كل الأمة. وكذا لو ارتدت - والعياذ بالله تعالى- إحدى الطائفتين، يكون قول الأخرى حجة؛ لأنهم كل الأمة. وقد حكى الأستاذ أبو إسحاق في الصورتين قولين، المرجح ما سبق، واختاره الرازي والهندي، وصحح القاضي في "التقريب" الثاني؛ لأن الميت في حُكم الباقي الموجود، وفي "المستصفى" أنه الراجح، وجزم به الأستاذ أبو منصور البغدادي. وبنى الخلاف أبو الحسن السهيلي على الخلاف في إجماع التابعين بعد اختلاف الصحابة ﵃، وهو بناء ظاهر. الصورة الرابعة: أنْ يموت بعض أحد الفريقين ويرجع مَن بقي منهم إلى قول الآخَرين. قال ابن كج: وفيها وجهان، أحدهما: أنه إجماع؛ لأنهم أهل العصر. والثاني: المنع؛ لأن

стр. 452

الصديق ﵁ جَلد في حد الخمر أربعين وقد أجمع الصحابة ﵃ على ثمانين في زمن [عمر] (١)، فلم يجعلوا المسألة إجماعًا؛ لأنَّ الخلاف كان قد تَقدم وقد مات مِمَّن قال بذلك بعض، ورجع بعضٌ إلى قول عمر ﵁. فرع: لو أجمعوا وخالف مَن كفرناه ببدعته فلَم يُعتد بخلافه، ثم رجع عن بدعته ولكن بقي خلافه في تلك المسألة التي خالفوا فيها زمن كفرهم، ينبني على انقراض العصر: إنِ اعتُبر، لم يكن إجماعًا. وإنْ لم يُعتبر وهو الأصح، وَجَب كوْنه إجماعًا. كما لو بلغ صبي أو أسلم كافر وبلغ رُتبة الاجتهاد: إذا خالف، لا يُعتد به؛ لأنَّ الإجماع قد سبق، والتفريع على عدم اعتبار الانقراض. وهذه الصُّوَر كلها يشملها قولي في النظم: (وَالِاتِّفَاقُ بَعْدَ خُلْفٍ أَوْجَبُوا صِحَّتَهُ مِنْهُمْ وَمنْ غَيْرِهِمِ). أيْ: أوجب العلماء -على القول الراجح في الكل- أنه إجماع صحيح وحُجة شرعية، والله أعلم. وقولي: (وَالْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ مِمَّا قَدْ نُمِي) أي: نُقل، وتتمته قولي: بعده: ص: ٢٤٦ - مِنَ الْخِلَافِ بِانْتِفَا الدَّلِيلِ ... تَمَسُّكٌ بِمُجْمَعٍ مَقُولِ الشرح: إشارة إلى قاعدة تُنسب للشافعي رحمه الله تعالى، وهي: "الأخذ بأقلِّ ما قِيل"، وذكرتها هنا -تبعًا لكثير كابن الحاجب- وإنْ ذكَرها كثير في الأدلة المختلف فيها؛ لأنها ترجع إلى إجماع كما سيأتي تقريره. وقد وافق الشافعيَّ عليها القاضي وكثيرون، وخالفه قوم. وصورة المسألة كما قال ابن السمعاني: أنْ يختلف العلماء في مقدَّرٍ بالاجتهاد، فيؤخذ بأقَلِّها إذا لم يدل على الزائد دليل. وربما قُصِر ذلك على اختلاف الصحابة ﵃ كما فسر به ابن

стр. 453

القطان. وقال القفال الشاشي: هو أنْ يَرِد فِعل مِن النبي ﷺ مُبَيِّنًا لِمُجْمَل ويحتاج إلى تحديده، فيُصار إلى أقلِّ ما يؤخذ (١)، وهذا كما قال الشافعي في أقل الجزية: إنه دينار؛ لأن الدليل قام على أنه لا بُدَّ من توقيت، فصار إلى أقل ما حُكى عن النبي ﷺ أنه أخذ في الجزية. قال: وهذا أصل في التوقيت قد صار إليه الشافعي في مسائل كثيرة، كتحديد مسافة القصر بمرحلتين، وما لا ينجس بملاقاة النجس حتى يتغير بِقُلَّتَين، وأن دية اليهودي ثُلث دية المسلم. وعلى التقرير الأول يُمثل بمسألة الدية أيضًا، فمِن قائل مِن الصحابة وغيرهم: إنَّ دية اليهودي أو النصراني نصف دية المسلم. ومن قائل: دية مسلم. ومن قائل: ثلث دية مسلم، فكان هذا أقلَّها. ومِثله ما ذهب إليه في الدية أنها أخماس، وقيل: أرباع، فالأخماس أقَل. فالأقل دائما مُجْمع عليه؛ لاجتماع الكل فيه، ألا ترى أنَّ كلًّا من الجميع والنصف مشتمل على الثلث في مثال قدر الدية؟ نعم، نفْي الزائد التمسك فيه بالبراءة الأصلية؛ ولذلك كان فرض المسألة فيما كان فيه الأصل براءة الذمة، فإن الأصل في مسألة الدية مثلًا براءةُ ذمة القاتل من الزائد على الأقل. وقد ظهر بذلك أنه لا يَرِد على هذه القاعدة الجمعة حيث اختُلف في عدد ما تنعقد به، فقيل: أربعون، وقيل دون ذلك كالاثنين والثلاثة ونحو ذلك، مع أن الشافعي أخذ فيها بالأربعين، وهو أكثر ما قيل. لأنَّا نقول: الجمعة ثابتة في الذمة بيقين؛ فلا يخرج عن عهدتها إلا بيقين، واليقين هنا هو الأكثر، لا الأقل، فكل مَن قال بصحتها بدون الأربعين قال به في الأربعين، فالْمُجْمَع عليه هو الصحة بالأربعين، فلَم تخرج عن القاعدة، بخلاف ما سبق في الدية ونحوها.

стр. 454

على أنَّ ابن السمعاني حكى في ذلك وجهين في مَأْخَذ الشافعي في هذه القاعدة، أحدهما: ما ذكرناه. والثاني: أنَّ الشافعي إنما اعتبر الأربعين بدليل آخر. فَعَلى الأول يُراد بالقاعدة القسمان معًا؛ لأن المراد الأخذ بالمحقق وطرح المشكوك فيما أصله البراءة، والأخذ بما يُخرج عن العهدة بيقين فيما أصله شغل الذمة، ورجح هذا المأخذ ابن السمعاني. فإن قيل: الجمعة والدِّية كلاهما في الذمة بعد وجود سببهما، وقبل وجوده تكون الذمة خالية منهما، فهُما سواء. فالجواب: أنَّ ما تَقَيَّد وارتبط بعضُه ببعض لا يُعتد ببعضه منفردًا، فالشَّغْل باقٍ، كالجمعة، فإنَّ المجمعين فِعلهم مرتبط بعضه ببعض، وما لا يرتبط -كالدية- يُعْتَد ببعضه منفردًا؛ لأنَّ مَن وجب عليه عشرون درهمًا لزيد، مأمور بتأدية كل درهم بخصوصه، فحينئذ الزائد لا يتحقق شغل الذمة به، فَفَارَقَ الجمعة. وليكن هذا جوابًا آخر عنها. وأمَّا على تصوير القفال القاعدة فقد قال: إن الأربعين في الجمعة هو أقَل ما رُوي أنه ﷺ جمَّع بهم. ومما نُقِض به القاعدة الغسل من ولوغ الكلب، لم يأخذ فيه بأقل ما قيل، بل بالأكثر وهو السبع. وأجاب ابن القطان بأن الكلام فيما لم يَرِد فيه نَص، بل دار بين أصول مجتهَد فيها، والسبع ورَدَ النص فيها. واعلَم أن من شروط القاعدة: أنْ لا يكون دليل يدل على الزائد، ولا أحد قال بأقل مما فرض أنه أقل، ولا دليل دل على الأقل بخصوصه، وسبق في الأمثلة ما يوضح ذلك. ومما يتفرع على القاعدة ما نُقل عن الشافعي فيمن سرق شيئًا فشهد شاهد أن قيمته ربع دينار، وآخَر: ثُمن دينار، لا يُقطع. وكذا لو شهد شاهد عليه بألْف وآخَر بألف وخمسمائة، لا

стр. 455

يحكم عليه إلا بما اتفقا عليه وهو الألف. تنبيهان أحدهما: إذا كان الأخذ بأقل ما قيل مركَّبًا من شيئين: إجماع، وبراءة أصلية في الزائد كما سبق، وقد قرره كذلك القاضي في "التقريب" والغزالي وغيرهما، فكيف أدخلته في مسائل الإجماع؟ وكيف ينازع المخالف للشافعي فيه بأنه لا إجماع فيه باعتبار الزائد كما قرر ذلك ابن الحاجب وغيره؟ والجواب: أنه من حيث الأقل عملٌ بمجمع عليه؛ فدخل في مسائل الإجماع وإنْ كان الشق الآخر مستنِدًا للبراءة الأصلية، وقد قرره كذلك العبدري في شرح "البرهان". الثاني: نظير هذه المسألة اختلاف العلماء فيما إذا اختلف عليه مفتيان، هل يأخذ بقول أعظمهما؛ أو يتخير؛ ذكر هذا الأصل الماوردي في "الحاوي" في باب "جزاء الصيد"، وبنى عليه إذَا حَكم عدلان بمثلٍ وآخَران بآخَر، فوجهان ينبنيان على ذلك، والله أعلم. ص: ٢٤٧ - وَالْخَرْقُ لِلْإجْمَاعِ بِالْمُخَالَفَهْ ... مُحَرَّمٌ؛ فَامْنَعْ إذَا مَا خَالَفَهْ ٢٤٨ - إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَلَوْ أَتَى ... مُفَصّلًا بِخَارِقٍ مَا ثَبَتَا الشرح: خَرْق الإجماع بمخالفة الحكم المجمع عليه حرام؛ لأن الله تَوَعَّد عليه بقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فإنْ كان مستنده النص فقطْعًا، وإن كان عن قياس ونحوه فَعَلَى الأصح. ومُقابِلُه قول حكاه عبد الجبار: إنه يجوز؛ لاحتمال خلاف اجتهادهم. ورُدَّ بأنَّ بالإجماع قد انقطع النظر والاجتهاد، وصار دليلًا شرعيًّا تحرم مخالفته.

стр. 456

وقد سبقت مذاهب في مسائل تُشْبه هذا، وسبق ضعفها: منها: تجويز أبي عبد الله البصري انعقاد إجماع بَعْد إجماع مع كوْن الثاني خرقًا للأول. ومنها: مَن قال في الإجماع السكوتي: إنه ليس حُجة، وما لم ينقرض فيه العصر. وشبه ذلك، وهو كثير. وحيث قلنا في خرق الإجماع: (إنه حرام) فهل يكون كفرًا؟ فيه تفصيل يأتي آخِر الفصل. وقولي: (فَامْنَعْ إذَا مَا خَالَفَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى أن هذا الأصل يتفرع عليه مسائل: إحداها: أن الأُمة إذا أجمعت على قولين، هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث غير القولين المتقدمَين؟ وفي معناه -وإن لم يتعرض الأكثر له- أن يُحْدثوا هُم أو بعضهم القول الثالث. فيه مذاهب: أصحها عند الجمهور: المنع مطلقًا، كما لا يجوز إحداث قول ثانٍ، ونَصَّ عليه الشافعي في "الرسالة". قال أبو منصور: هو قول الجمهور. وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح وبه الفتوى. وقال ابن بَرهان: إنه مذهبنا. وجزم به القفال الشاشي والصيرفي والقاضي أبو الطيب والروداني. الثاني: الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يخرق إجماعًا سابقًا، فإنه قد لا يرفع شيئًا مما أجمعوا عليه. وحكاه ابن القطان عن داود، وحكاه الصيرفي والروياني عن بعض المتكلمين. وقال القاضي أبو الطيب: رأيت بعض أصحاب أبي حنيفة يختاره وينصره. وكذا نقله ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية. نعم، أنكره ابن حزم على مَن نسبه لداود. والثالث وهو الحقُّ عند المتأخرين: أن القول الثالث إنْ لزم منه رفْع ما أجمعوا عليه، كان خارقًا ممتنعًا، وإلا فلا يمتنع.

стр. 457

وقضية كلام الهروي في "الإشراف" أنه مذهب الشافعي، فإنه قال: (ومن لَفَّق من القولين قولًا على هذا الوجه، لا يُعَد خارقًا للإجماع كما ذكرنا في وطء الثيب: هل يمنع الرد بالعيب؟ تحزبت الصحابة حزبين: ذهبت طائفة إلى أنه يردها ويرد معها عُقرها، وذهب حزب إلى أنه لا يردها. فأخذ الشافعي في إسقاط العقر بِقَوْل حزب وفي تجويز الرد بقول حزب، ولم يُعد ذلك خرقًا للإجماع). انتهى ومَن فَصَّل هذا التفصيل مَثَّل ما يَلزم منه رفْع مجمع عليه بوطء المشتري البكر ثم يطلع على عيب، فقيل: يمتنع الرد. وقيل يجوز مع الأرش. فالرد مجانًا بلا أرش خرقٌ لإجماع القولين على منع الرد قهرًا مجانًا. وإنما قلتُ: (قهرًا)؛ لأنهم إذا تراضيا على الرد مع الأرش أو على الإمساك وأخذ أرش العَيْب القديم، جاز. فإنْ تشاحَّا فالصحيح إجابة مَن يدعو إلى الإمساك. وأما تمثيل الآمدي بوطء الثيب في هذه الصورة ففيه نظر، فإنه على التقرير الذي ذكره الهروي يَكون من أمثلة ما لا يرفع وستأتي أمثلته، وعلى التقرير الذي سبق في البكر فمردود بقول أصحابنا: إنه يرد مجانًا، وهو أحد أقوال الصحابة ﵃، فنقل عن زيد بن ثابت ﵁. ومن أمثلة ما يرفع أيضًا: الإرث في الجد مع الأخ، فقيل: الإرث كله للجد. وقيل: يتقاسمان. فحرمان الجد خارِق. وأمَّا مثال ما لا يرفع مجمعًا عليه فالفسخ في النكاح بالعيوب الخمسة: الجنون، والجذام، والبرص، والجب والعنه إنْ كان في الزوج، والقرن والرتق إنْ كان في الزوجة. فقيل: لكل منهما أن يفسخ بها. وهو مذهبنا. وقيل: لا. ونُقل عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما نُقل عن أبي حنيفة أنه يفسخ ببعض دُون

стр. 458

بعض. وعن الحسن البصري: إنَّ المرأة تفسخ دون الرجل؛ لتمكُّنه من الخلاص بالطلاق. قول ثالث، لكنه لم يرفع، بل وافق في كل مسألة قولًا وإنْ خالفه في أخرى. ومثله الأم مع زوج وأب، أو زوجة وأب، قيل: للأم الثلث من الأصل في المسألتين. وهو قول ابن عباس. وقيل: ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة. فالقول بأنَّ لها الثلث في إحدى المسألتين وثلث الباقي في المسألة الأخرى -لا يرفع القولين، بل يوافق في كُلٍّ قولًا. وهذا معنى قولي: (فَامْنَعْ) إلى آخِره، فيدخل تحته القول الثالث المُبَايِن لهما، والمفصِّل إذا لزم منه مخالفة ما اجتمعا فيه؛ فإنه يكون خرقًا للإجماع. ومفهومه أنه إذا لم يكن كذلك، لا امتناع فيه، وهو ما ذكرنا أن المتأخرين رجحوه. نعم، اعترضه بعض الحنفية بأن هذا [المُفَصِّل] (١) لا معنى له، إذْ لا نزاع في أنَّ القول الثالث إنِ استلزم إبطال مجمع عليه، يكون مردودًا، لكن الخصم يقول: إنه يستلزم ذلك في جميع الصور، وإنْ كان في بعض لا يستلزم فالكلام في الكل. ولا يَخفَى ضعف ذلك؛ فإنَّ المحالّ المتعددة كلٌّ حُكْم النظرِ فيه لِمَحِلِّه، لا لمشاركة غَيْرِه له فيه أو عدم المشاركة.

стр. 459

تنبيهان الأول: لا يخفَى أنَّ التعبير بالقولين -على وَجْه التمثيل، ولا فرْق بين قولين وأكثر كما قاله الصيرفي، ومَثَّل بأقوالهم في الجد، قال: فلا يجوز إحداث قول سوى ما تَقدم. وما قاله يقتضي أن الجد فيه أقوال: انفراده، انفراد الأخ، اشتراكهما. وممن حكى القول بحرمان الجد وانفراد الأخ ابن حزم. ثُم كلام الصيرفي أيضًا يقتضي اختصاص ذلك باختلاف الصحابة فقط، ولكن ظاهر كلام غيره عدم الاختصاص، وظاهر كلام الصيرفي أيضًا تقييد المسألة بأن يستفيض الاختلاف فيهم، فأما إذا حُكي فتوى واحد ولم يستفِض قولُه، فيجوز الخروج عنه إلى ما قام عليه دليل. الثاني: إذا تَعدَّد محل الحكم لكن أجمعوا على أنْ لا فصل بينهما، بل متى حُكم بحكم على أحد المحلَّين كان الآخر مِثْله، قال الهندي: يمتنع إحداثُ قولٍ بالفصل بينهما بلا خلاف. ولكن الخلاف مشهور، حكاه القاضي في "التقريب"، وحكاه في "اللمع" احتمالًا للقاضي أبي الطيب، فينبغي أنْ يقول: على الأصح. وإنْ لم يَنصوا على ذلك ولكن عُلِم اتحاد الجامع بينهما فهو جارٍ مَجْرَى النَّص على عدم الفَرق، كالعمة والخالة، مَن وَرَّث [إحْدَاهما] (١) وَرَّث الأخرى، ومَن مَنع مَنع؛ لأنَّ المأْخَذ واحد، وهو القرابة المحرمية. فإذا لم يصرح الفريقان بالتسوية ولا اتحد الجامع، فلا يكون التفصيل خارقًا، فقولنا فيما

стр. 460

سبق أن يكون الثالث خارقًا [مُقَيّدًا] (١) لِمَا قُلْناه. والله أعلم. ص: ٢٤٩ - أَمَّا دَلِيلٌ حَادِثٌ أَوْ عِلَّهْ ... أَوْ ضَرْبُ تَأْوِيل فَجَوِّزْ كُلَّهْ الشرح: هذه ثلاث مسائل ربما يظن أنها من الخارق وليس كذلك. الأُولى: إذا استدل أهل عصر بدليل، جاز لمن بَعْدهم إحداث دليل آخَر إذا لم يكن فيه إبطال للأول عند الأكثر، وعليه الصيرفي وسليم وابن السمعاني وغيرهم، وحكاه ابن القطان عن أكثر أصحابنا؛ لأن الشيء قد يكون عليه أدلة، قال: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجوز؛ لأنَّ الأوَّلين إذا أجمعوا على دليل، كان الإتيانُ بدليل آخَر خلافَ ما أجمعوا عليه؛ فهو غَيْر سبيل المؤمنين التي سلكوها في الاستدلال. ولا يخفَى فساد ذلك؛ لأن المطلوب من الأدلة أحكامها، لا أعيانها، فَعَيْن الحكم باقي، وغَيْرُ الدليل الأول ما غَيَّرَهُ، وإلَّا [يَلْزَم] (٢) المنع مِن كل قول مِن مجتهد لم يتعرض الأوَّلون له. وفصَّل ابن حزم وغيره بين أن يكون المحدَث نَصًّا آخَر لم يَطَّلِع عليه الأولون فيمتنع، أو لا فلا يمتنع. وحكى صاحب "الكبريت الأحمر" قولًا رابعًا بالوقف. وذهب ابن برهان إلى قول خامس بالتفصيل بين الدليل الظاهر فلا يجوز إحداث غيره، وبين الخفِي فيجوز؛ لجواز اشتباهه على الأولين. الثانية: إذا عللوا بِعِلَّة ثُم أَحْدَث مَن بَعْدهم عِلة أخرى، فيجوز أيضا على الصحيح؛
следующие страницы →