← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقد سبقت مذاهب في مسائل تُشْبه هذا، وسبق ضعفها: منها: تجويز أبي عبد الله البصري انعقاد إجماع بَعْد إجماع مع كوْن الثاني خرقًا للأول. ومنها: مَن قال في الإجماع السكوتي: إنه ليس حُجة، وما لم ينقرض فيه العصر. وشبه ذلك، وهو كثير. وحيث قلنا في خرق الإجماع: (إنه حرام) فهل يكون كفرًا؟ فيه تفصيل يأتي آخِر الفصل. وقولي: (فَامْنَعْ إذَا مَا خَالَفَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى أن هذا الأصل يتفرع عليه مسائل: إحداها: أن الأُمة إذا أجمعت على قولين، هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث غير القولين المتقدمَين؟ وفي معناه -وإن لم يتعرض الأكثر له- أن يُحْدثوا هُم أو بعضهم القول الثالث. فيه مذاهب: أصحها عند الجمهور: المنع مطلقًا، كما لا يجوز إحداث قول ثانٍ، ونَصَّ عليه الشافعي في "الرسالة". قال أبو منصور: هو قول الجمهور. وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح وبه الفتوى. وقال ابن بَرهان: إنه مذهبنا. وجزم به القفال الشاشي والصيرفي والقاضي أبو الطيب والروداني. الثاني: الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يخرق إجماعًا سابقًا، فإنه قد لا يرفع شيئًا مما أجمعوا عليه. وحكاه ابن القطان عن داود، وحكاه الصيرفي والروياني عن بعض المتكلمين. وقال القاضي أبو الطيب: رأيت بعض أصحاب أبي حنيفة يختاره وينصره. وكذا نقله ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية. نعم، أنكره ابن حزم على مَن نسبه لداود. والثالث وهو الحقُّ عند المتأخرين: أن القول الثالث إنْ لزم منه رفْع ما أجمعوا عليه، كان خارقًا ممتنعًا، وإلا فلا يمتنع.

стр. 457

وقضية كلام الهروي في "الإشراف" أنه مذهب الشافعي، فإنه قال: (ومن لَفَّق من القولين قولًا على هذا الوجه، لا يُعَد خارقًا للإجماع كما ذكرنا في وطء الثيب: هل يمنع الرد بالعيب؟ تحزبت الصحابة حزبين: ذهبت طائفة إلى أنه يردها ويرد معها عُقرها، وذهب حزب إلى أنه لا يردها. فأخذ الشافعي في إسقاط العقر بِقَوْل حزب وفي تجويز الرد بقول حزب، ولم يُعد ذلك خرقًا للإجماع). انتهى ومَن فَصَّل هذا التفصيل مَثَّل ما يَلزم منه رفْع مجمع عليه بوطء المشتري البكر ثم يطلع على عيب، فقيل: يمتنع الرد. وقيل يجوز مع الأرش. فالرد مجانًا بلا أرش خرقٌ لإجماع القولين على منع الرد قهرًا مجانًا. وإنما قلتُ: (قهرًا)؛ لأنهم إذا تراضيا على الرد مع الأرش أو على الإمساك وأخذ أرش العَيْب القديم، جاز. فإنْ تشاحَّا فالصحيح إجابة مَن يدعو إلى الإمساك. وأما تمثيل الآمدي بوطء الثيب في هذه الصورة ففيه نظر، فإنه على التقرير الذي ذكره الهروي يَكون من أمثلة ما لا يرفع وستأتي أمثلته، وعلى التقرير الذي سبق في البكر فمردود بقول أصحابنا: إنه يرد مجانًا، وهو أحد أقوال الصحابة ﵃، فنقل عن زيد بن ثابت ﵁. ومن أمثلة ما يرفع أيضًا: الإرث في الجد مع الأخ، فقيل: الإرث كله للجد. وقيل: يتقاسمان. فحرمان الجد خارِق. وأمَّا مثال ما لا يرفع مجمعًا عليه فالفسخ في النكاح بالعيوب الخمسة: الجنون، والجذام، والبرص، والجب والعنه إنْ كان في الزوج، والقرن والرتق إنْ كان في الزوجة. فقيل: لكل منهما أن يفسخ بها. وهو مذهبنا. وقيل: لا. ونُقل عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما نُقل عن أبي حنيفة أنه يفسخ ببعض دُون

стр. 458

بعض. وعن الحسن البصري: إنَّ المرأة تفسخ دون الرجل؛ لتمكُّنه من الخلاص بالطلاق. قول ثالث، لكنه لم يرفع، بل وافق في كل مسألة قولًا وإنْ خالفه في أخرى. ومثله الأم مع زوج وأب، أو زوجة وأب، قيل: للأم الثلث من الأصل في المسألتين. وهو قول ابن عباس. وقيل: ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة. فالقول بأنَّ لها الثلث في إحدى المسألتين وثلث الباقي في المسألة الأخرى -لا يرفع القولين، بل يوافق في كُلٍّ قولًا. وهذا معنى قولي: (فَامْنَعْ) إلى آخِره، فيدخل تحته القول الثالث المُبَايِن لهما، والمفصِّل إذا لزم منه مخالفة ما اجتمعا فيه؛ فإنه يكون خرقًا للإجماع. ومفهومه أنه إذا لم يكن كذلك، لا امتناع فيه، وهو ما ذكرنا أن المتأخرين رجحوه. نعم، اعترضه بعض الحنفية بأن هذا [المُفَصِّل] (١) لا معنى له، إذْ لا نزاع في أنَّ القول الثالث إنِ استلزم إبطال مجمع عليه، يكون مردودًا، لكن الخصم يقول: إنه يستلزم ذلك في جميع الصور، وإنْ كان في بعض لا يستلزم فالكلام في الكل. ولا يَخفَى ضعف ذلك؛ فإنَّ المحالّ المتعددة كلٌّ حُكْم النظرِ فيه لِمَحِلِّه، لا لمشاركة غَيْرِه له فيه أو عدم المشاركة.

стр. 459

تنبيهان الأول: لا يخفَى أنَّ التعبير بالقولين -على وَجْه التمثيل، ولا فرْق بين قولين وأكثر كما قاله الصيرفي، ومَثَّل بأقوالهم في الجد، قال: فلا يجوز إحداث قول سوى ما تَقدم. وما قاله يقتضي أن الجد فيه أقوال: انفراده، انفراد الأخ، اشتراكهما. وممن حكى القول بحرمان الجد وانفراد الأخ ابن حزم. ثُم كلام الصيرفي أيضًا يقتضي اختصاص ذلك باختلاف الصحابة فقط، ولكن ظاهر كلام غيره عدم الاختصاص، وظاهر كلام الصيرفي أيضًا تقييد المسألة بأن يستفيض الاختلاف فيهم، فأما إذا حُكي فتوى واحد ولم يستفِض قولُه، فيجوز الخروج عنه إلى ما قام عليه دليل. الثاني: إذا تَعدَّد محل الحكم لكن أجمعوا على أنْ لا فصل بينهما، بل متى حُكم بحكم على أحد المحلَّين كان الآخر مِثْله، قال الهندي: يمتنع إحداثُ قولٍ بالفصل بينهما بلا خلاف. ولكن الخلاف مشهور، حكاه القاضي في "التقريب"، وحكاه في "اللمع" احتمالًا للقاضي أبي الطيب، فينبغي أنْ يقول: على الأصح. وإنْ لم يَنصوا على ذلك ولكن عُلِم اتحاد الجامع بينهما فهو جارٍ مَجْرَى النَّص على عدم الفَرق، كالعمة والخالة، مَن وَرَّث [إحْدَاهما] (١) وَرَّث الأخرى، ومَن مَنع مَنع؛ لأنَّ المأْخَذ واحد، وهو القرابة المحرمية. فإذا لم يصرح الفريقان بالتسوية ولا اتحد الجامع، فلا يكون التفصيل خارقًا، فقولنا فيما

стр. 460

سبق أن يكون الثالث خارقًا [مُقَيّدًا] (١) لِمَا قُلْناه. والله أعلم. ص: ٢٤٩ - أَمَّا دَلِيلٌ حَادِثٌ أَوْ عِلَّهْ ... أَوْ ضَرْبُ تَأْوِيل فَجَوِّزْ كُلَّهْ الشرح: هذه ثلاث مسائل ربما يظن أنها من الخارق وليس كذلك. الأُولى: إذا استدل أهل عصر بدليل، جاز لمن بَعْدهم إحداث دليل آخَر إذا لم يكن فيه إبطال للأول عند الأكثر، وعليه الصيرفي وسليم وابن السمعاني وغيرهم، وحكاه ابن القطان عن أكثر أصحابنا؛ لأن الشيء قد يكون عليه أدلة، قال: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجوز؛ لأنَّ الأوَّلين إذا أجمعوا على دليل، كان الإتيانُ بدليل آخَر خلافَ ما أجمعوا عليه؛ فهو غَيْر سبيل المؤمنين التي سلكوها في الاستدلال. ولا يخفَى فساد ذلك؛ لأن المطلوب من الأدلة أحكامها، لا أعيانها، فَعَيْن الحكم باقي، وغَيْرُ الدليل الأول ما غَيَّرَهُ، وإلَّا [يَلْزَم] (٢) المنع مِن كل قول مِن مجتهد لم يتعرض الأوَّلون له. وفصَّل ابن حزم وغيره بين أن يكون المحدَث نَصًّا آخَر لم يَطَّلِع عليه الأولون فيمتنع، أو لا فلا يمتنع. وحكى صاحب "الكبريت الأحمر" قولًا رابعًا بالوقف. وذهب ابن برهان إلى قول خامس بالتفصيل بين الدليل الظاهر فلا يجوز إحداث غيره، وبين الخفِي فيجوز؛ لجواز اشتباهه على الأولين. الثانية: إذا عللوا بِعِلَّة ثُم أَحْدَث مَن بَعْدهم عِلة أخرى، فيجوز أيضا على الصحيح؛

стр. 461

بناءً على جواز تعليل الحكم الواحد بِعِلَّتين، وهو الصحيح كما سيأتي في باب القياس. أما إذا قلنا: لا يجوز تعدُّد العِلَل، فيمتنع إحداث عِلة أخرى؛ لأن عِلتهم مقطوع بصحتها، ففيه دليل على فساد غيرها؛ ولهذا قال القاضي عبد الوهاب: إنَّ العلة إنْ كانت لحكم عقلي فلا يجوز إحداث علة أخرى له؛ لأن الحكم العقلي لا يُعلَّل بِعِلتين. الثالثة: إذا أوَّلوا تأويلًا للفظٍ، هل لمن بعدهم إحداث تأويل آخَر؛ الصحيح الجواز كما سبق. وقيل: لا يجوز؛ لأنه كالمذهب، لا كالدليل. واختاره القاضي عبد الوهاب، قال: لأنَّ الآية مثلًا إذا احتملت معاني وأجمعوا على تأويلها بأحدها، صار كالإفتاء -في حادثة تحتمل أحكامًا- بحكم؛ فلا يجوز أن يُؤَوَّل بغيره كما لا يُفتَى [بغير ما] (١) أفتوا به. تنبيه: قيَّدوا المسائل الثلاث بما إذا لم ينصُّوا على منع غير ما ذكروه، بأنْ يصرحوا بفساد غيره، أو يجمعوا على أنه لا دليل على كذا إلا ما استدلوا به حيث [ساغ] (٢) ذلك. ففي "الملخص" للقاضي عبد الوهاب أن الدليل الثاني إنْ كان مما [تتغير] (٣) دلالته، صح إجماعهم على كونه دليلًا. أو قالوا في العلة: (لا علة للحكم إلا هذه)، أو بكون العلة الثانية تخالف الأُولى في بعض الفروع، فإنَّ الثانية تكون فاسدة.

стр. 462

ولم أُقَيِّده في النَّظم؛ لأنه لا يُحتاج إليه؛ فإنهم إذا أفسدوه، لم يكن دليلًا ولا تأويلًا ولا علة، بل هو لَغْو بإجماعهم، والكلام في إحداث شيء لم يسبق إبطاله منهم. وكذلك قيدوا المسائل بما إذا لم يكن في المحدَث إبطالٌ وإلغاء لِمَا قاله الأولون. ولا يُحتاج أيضًا إليه؛ لأن بإبطال الأول يصير كأنه ادُّعِيَ أنَّ هذا هو الدليل أو التأويل أو [التعليل] (١)، فقد خرق الإجماع بمخالفته؛ إذْ لا يُقال: "آخَر" إلا مع بقاء الأول، وهذا واضح. والله أعلم. ص: ٢٥٠ - وَحَيْثُ لَا خِلَافَ في انْعِقَادِهِ ... يَكُونُ قَطْعِيًّا عَلَى انْفِرَادِهِ الشرح: أي: إذا ثبت أن الإجماع حجة وأنه لا يجوز خرْقه ولا مخالفته، هل ذلك لكونه حجة قطعية حتى يكفر مُنْكِرُ حجيته أو يُضلَّل؟ وهل إنكار ما أجمعوا عليه مُكفر؟ أوْ لا (على ما سيأتي من التفصيل)؟ أو أنه حجة ظنية لا يتعلق بها شيء من الأمرين؟ ذهب الأكثرون إلى الأول، والإمامُ والآمدي إلى الثاني. وفصَّل المحققون بين: - الإجماع الذي لا خلاف في ثبوته وانعقاده، فيكون قطعيًّا. - أو فيه خلاف، كالإجماع السكوتي، وما لم ينقرض عصره، والإجماع بعد الاختلاف، وما ندر المخالف فيه عند مَن يراه كما قاله ابن الحاجب، ونحو ذلك، فلا يكون قطعيًّا. وقولي: (على انفراده) أي: لا يحتاج إلى انضمام دليل آخر يصير به قطعيًّا، والله أعلم.

стр. 463

ص: ٢٥١ - فَجَاحِدٌ لِمُجْمَعٍ ضَرُورِي ... في الدِّينِ كَافِرٌ بِلَا تَقْرِيرِ ٢٥٢ - وَهَكَذَا في الْمُجْمَعِ الْمَنْصُوصِ ... وَغَيْرهِ، لَا [بِخَفَا] (١) مَخْصُوصِ الشرح: أي: يتفرع على كوْن الإجماع قطعيًّا تكفيرُ مُنكره في بعض الحالات. واعْلَم أن الإنكار: - إما أنْ يكون واردًا على نفس الإجماع، كالإنكار لحجية الإجماع أو تَصَوُّره في الأصل أو تصور معرفته. - وإما أنْ لا يَرِد على نفس الإجماع [شيء] (٢)، بل كَوْنه في تلك المسألة وقع؟ أم لا؟ - وإما لِمَا أجمعوا عليه من الحكم، فيجحد نفس الحكم. فالأول: هو الخلاف في عَدِّه من الأدلة، ولم أتعرض له في النَّظم؛ لأن موضوعه تَرْك الخلاف (٣)، وقد سبق في الشرح -أوائل الباب- التعرض لشيء منه، فالمخالفون في الإجماع الذي هو قطعي مبتدِعة، والقول في تكفيرهم كالقول في تكفير سائر أهل البدع والأهواء. والمختار أنه لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة، نُقل ذلك عن الشافعي وأبي حنيفة والأشعري. فأمَّا عن أبي حنيفة والأشعري فصحيح، وأما الشافعي فقيل: أُخِذ مِن قوله: لا أرد شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية. قيل: ولا دلالة فيه؛ إذ لا يَلزم من عدم تكفير أهل البدع والأهواء في الجملة عدم

стр. 464

تكفيرهم إذا انتهوا إلى ما يكفرون به. وقد صح عن الشافعي تكفير القائل بخلْق القرآن، رواه الحاكم عن سهل بن سهل، فقال: (سألتُ الشافعي عن القرآن، فقال: كلام الله غير مخلوق. قلتُ: مَن قال: "هو مخلوق" ففي هو عندك؟ قال: كافر. قلتُ: أقول: "كافر" فإذا قيل لي غدًا: لِمَ قلتَ؟ أقول: قاله لي الشافعي؟ قال: نعم، قُل: إن الشافعي قال: هو كافر). وقال ابن خزيمة: سمعت الربيع يقول: تكلم حفص الفرد عند الشافعي بأن القرآن مخلوق، فقال له: كفرتَ بالله العظيم. وذهب جمعٌ من أصحابنا إلى تكفير المُجَسِّمَة، لأنهم جاهلون بالله؛ [يعبدون] (١) غير الله إلهًا. نعم، حيث يكفر المبتدع لا يصير مِن أهل القِبلة، وبه [تجتمع النقول] (٢)، فقد قال الرافعي وتبعه في "الروضة" في باب الشهادات: جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، لكن اشتهر عن الشافعي تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم (٣). قالا: ونقل العراقيون عنه تكفير النافين للرؤية والقائلين بخلق القرآن، وتَأَوَّله الإمام بأنه في المناظرة ألزمهم بالكفر. زاد النووي [فقال] (٤): أما تكفير منكر العِلم بالمعدوم أو بالجزئيات فلا شك فيه، [أما

стр. 465

مَن] (١) نفَى الرؤية أو قال بخلق القرآن فالمختار تأويله. وسننقل عن "الأم" ما يؤيده. وذكر ذلك بعد نحو [صفحة] (٢)، وهو ظاهر. قال: (وقد تأَوَّلَه البيهقي وغيرُه بما لا يخرجهم عن الملة؛ ولهذا لم يلحقوهم بالكفار في الإرث والأنكحة ووجوب قتلهم وقتالهم وغير ذلك) (٣). انتهى ملخصًا. فانظر كيف قال في نافي العِلم: (إنه لا شك في كفره)، وأَوَّل غيرَ ذلك؟ فالضابط أنه لا يكفر إلا مَن يُنكر ما يعلم مجيء النبي ﷺ به ضرورة، كالحشر والعِلم بالجزئيات، وكذا نحو [قذف] (٤) عائشة كما صرح به النووي من [زيادة] (٥) "الروضة"، فهذا كله إنما هو لانتهاء المبتدع إلى حد يكفر به وهو تكذيب القرآن وتكذيب ما عُلِم في الشرع صِدقه بالضرورة، ويبقى النظر: هل مِن ذلك كذا وكذا؟ أو لا؟ كالمجسمة ونحو ذلك. وعُلِم أنهم بما يكفرون به يخرجون عن أهل القبلة؛ فلا ينافي إطلاق الأئمة أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، وأنَّ السعي في تأويل إطلاق تكفيرهم من الأئمة إنما هو لأنَّ ذلك الأمر لم يَنتهِ عند المُؤَوِّل إلى رتبة التكفير به. أما المستحِل للمحرمات فإنْ كان [بتأويل] (٦) لغير ما عُلِم من الدِّين بالضرورة فلا

стр. 466

يكفر، وإن كان بلا تأويل أو بتأويل لِما علم بالضرورة فإنه يكفر. فإنْ كان الإنكار لإجماع ظني (كالسكوتي، وما لم ينقرض فيه المجمعون، ونحو ذلك) فلا خلاف أنه لا يكفر ولا يُبدع. الثاني: إنكار أن الإجماع وقع في تلك المسألة بعد أنْ بَلغه، فيقول: لم يقع، وإنه لو وقع لَقُلْتُ به. فإن أخبر عن وقوعه الخاصة والعامة (كالصلاة)، كفر. وإن أخبر الخاصة دُون العامة (كإرث بنت الابن السدس مع بنت الصلب)، لا يكفر -على الأظهر. فإنِ ادَّعى في القِسم الأول أنه لم يَبْلغه وأمكن (كأن يكون قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة)، صُدِّق في ذلك. الثالث: إنكار الحكم المجمَع عليه وجَحْده، فينظر فيه، فإن كان معلومًا مِن الدِّين بالضرورة، كفر قطعًا، كمن أنكر ركنًا من أركان الإسلام، لكن ليس كُفره من حيث كون ما جحده مجمعًا عليه فقط، بل مع كونه مما اشترك الخلْقُ في معرفته، فإنه يصير بذلك كأنه جاحد لصدق الرسول ﷺ . ومعنى كوْنه معلومًا من الدين بالضرورة: أنْ يستوي خاصة أهل الدين وعامتهم في معرفته حتى يصير كالمعلوم بالعِلم الضروري في عدم تَطرُّق الشك إليه، لا أنه يستقل إدراك العقل به فيكون عِلما ضروريًّا؛ لأنَّ من قاعدة الأشاعرة أن لا يَثْبُت حُكم شرعي إلا بدليل، لا بضرورة العقل، وما كان بالدليل لا يَكون ضروريًّا، بل نظريًّا، وهو معنى قولي: (كَافِرٌ بِلَا تَقْرِيرِ). أيْ: لا يُقَر مُرتكبه، لا بجزية ولا بغيرها، بل هو مرتد يجب قتله بالرِّدة بإنكار المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة.

стр. 467

وإنْ لم يكن معلومًا من الدين بالضرورة ولكنه منصوص عليه مشهور عند الخاصة والعامة فيشارك القِسم الذي قَبْله في كوْنه منصوصًا ومشهورًا، ويخالفه من حيث إنه لم يَنْتَهِ إلى كوْنه ضروريًا في الدين فيكفر به جاحده أيضًا. وإنْ لم يكن منصوصًا لكن بلغ مع كونه مجمعًا عليه في الشهرة مَبْلغ المنصوص بحيث يَعْرفه الخاصة والعامة، فهذا أيضًا يكفر منكِره أيضًا على أصح الوجهين اللذين حكاهما الأستاذ أبو إسحاق وغيره؛ لأنه يتضمن تكذيبُهم تكذيبَ الصادق. وقِيل: لا يكفر؛ لعدم التصريح بالتكذيب. وإنْ لم يكن منصوصًا ولا بلغ في الشهرة مَبْلغ المنصوص بل هو خفي لا يَعرفه إلا الخواص كما مَثَّلنا من استحقاق بنت الابن في الإرث مع بنت الصلب السدس، فهذا لا يكفر جاحدُه ومنكره؛ لعذر الخفاء، خلافًا لقول بعض الفقهاء: إنه يكفر؛ لتكذيبه الأُمة. ورُدَّ بأنه لم يكذبهم صريحًا؛ إذِ الفَرْض حيث لم يكن مشهورًا، فهو مما يخفَى على مِثله. وهو معنى قولي: (وَغَيْرهِ، لَا بِخَفَا). وقُصر في النَّظم؛ للضرورة، أي: وكذا إذا أجمعوا على غير منصوص وهو غير خفي بل ظاهر للخَلْق، بخلاف الخفي، فإنه ليس كذلك في التكفير به. هذا ما تحرَّر في الجمع بين كلام أئمتنا وغيرهم، خلافًا لِما وقع في كلام الآمدي وابن الحاجب من الكلام المستغلق المحتاج للتأويل؛ لِما في ظاهره من الأمور المشكلة. فلنذكر شيئًا من كلام الأئمة، ثُم كلام الآمدي وابن الحاجب. فنقول: قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: فأما ما أجمعت الأمة عليه أو ورد فيه خبر يوجب العِلم فأصلٌ بنفسه، يأثم المخالِف فيه، ولا يُعتبر فيه مخالفة أهل الأهواء، وربما أورثهم خلافُهم الكفرَ، كخلاف الميمونيَّة من الخوارج في سقوط الرجم، وخِلاف مِن

стр. 468

أسقط منهم حد الخمر. وقال البغوي أوائل "التهذيب": الإجماع نوعان: خاص، وعام. فالعام: إجماع الأُمة على ما يعرفه الخاص والعام، كإجماعهم على أعداد الصلوات والركعات ووجوب الزكوات والصوم والحج، يكفر جاحده. وإنْ كان أمرًا لا يعرفه إلا الخواص كإجماعهم على بطلان نكاح المتعة وأنَّ لِبنْت الابن السدس مع البنت الواحدة من الصلب، فلا يكفر جاحده، ويُبَيَّن له الحقُّ. وقال الرافعي فيمن ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها: (إنه مرتد، إلا أنْ يَكون قريب عهد بالإسلام يجوز أنْ يَخفَى عليه ذلك). قال: (وهذا لا يختص بالصلاة، بل يجري في جحود كل حكم مجمع عليه) (١). قال النووي: (وليس هذا على إطلاقه، بل مَن جحد مجمعًا عليه فيه نَص وهو مِن أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخاص والعام كالصلاة والزكاة والحج والزنا والخمر، فهو كافر. ومَن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص فليس بكافر. ومَن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نَص فيه فَفِي الحكم بتكفيره خلاف) (٢). ثُم صحح في "باب الردة" من الخلاف القولَ بالتكفير. وكذا ذكر القولين ابن السمعاني، ومَثَّل ما يشترك فيه الخاصة والعامة بأعداد الصلوات وركعاتها والحج والصيام وزمانهما وتحريم الزنا والخمر والسرقة. قال: فالجاحد لذلك كالجاحد لصدق الرسول ﷺ . ومَثَّل الإجماع الذي لا يَعْرفه إلا العلماء بتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة، وتوريث الجدة السدس،

стр. 469

وحجب بني الأم بالجد، ومنع توريث القاتل، ومنع الوصية للوارث. قال: (فجاحد ذلك لا يكفر، بل يحكم بخطئه وضلالته) (١). وجَرَى على مِثل ذلك المعنى إمام الحرمين في "البرهان" والهندي في "النهاية". أما الآمدي فقد قال: (اختلفوا في تكفير جاحد المجمَع عليه، فأثبته بعض الفقهاء وأنكره الباقون مع اتفاقهم على أنَّ إنكار حُكم الإجماع الظني غيْر مُوجِب هذا. والمختار إنما هو التفصيل، وهو: أن اعتقاد الإجماع إما أن يكون داخلًا في مفهوم اسم الإسلام، كالعبادات الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أوْ لا يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الإجارة ونحوه. فإنْ كان الأول فجاحده كافر؛ لِمزايلة حقيقة الإسلام له، وإنْ كان الثاني فلا) (٢). انتهى وقال ابن الحاجب في "مختصره": (إنكار حُكم الإجماع القطعي ثالثها المختار: أنَّ نحو العبادات الخمس يكفر) (٣). وقد اختُلف في مرادهما بالعبادات الخمس: أركان الدين الخمس؟ أو الصلوات الخمس؟ وإلًا ما كان فيلزم حكاية قولٍ: "إنَّ منكرها لا يكفر"، ولا يُعرف هذا، وأنَّ مُنكر الخفي فيه قول: "إنه يكفر"، وقد أنكره كثيرون، لكن سبق أن بعض الفقهاء قاله، بل هو ظاهر كلام الرافعي حتى إن النووي تعقبه عليه كما ذكرناه. ومَن يُؤَوِّل كلام ابن الحاجب مُرادُه أن القائل بأنه لا يكفر يقول: لا يكفر بمخالفة مجرد الإجماع وإنْ كان يكفر من حيث إنه ضروري في الدِّين؛ فيكون مكذبًا لصاحب الشرع.

стр. 470

ويزداد الآمدي إشكالًا في قوله: (إنه لا يكفر إلا بما يكون داخلًا تحت حقيقة الإسلام)؛ فيخرج إنكار حل البيع مع أنه يكفر؛ لأنه منصوصٌ مجمَعٌ عليه. نعم، ليس في كلام الآمدي التصريح بأنَّ المذاهب ثلاثة كابن الحاجب. وبالجملة فقد اتضحت المسألة والحقُّ فيها، ولله الحمد، وإنما أطلتُ فيها بالنسبة لهذا المختصر لأنَّ أمر التكفير معضل وخطر عظيم. عصمنا الله من الزلل، وأعاذنا من الخطأ والخطل، والله أعلم. ص: ٢٥٣ - وَالرَّابِعُ: " الْقِيَاسُ ": حَمْلُ مَا عُلِمْ ... عَلَى نَظِيرٍ في الَّذِي بِهِ حُكِمْ ٢٥٤ - لِكَوْبهِ شَارَكَهُ في مَعْنَى ... لَهُ اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ حَيْثُ عَنَّا الشرح: هذا بيان الرابع من أدلة الفقه السابق ذكرها، وهو "القياس". والكلام فيه في أمرين، أحدهما: في حقيقته، والثاني: في موضع حُجيته. الأول: "القياس" مصدر قاس يقيس، ويقال في المصدر أيضًا: قيس، بوزن ضرب. ومعناه في اللغة: - التقدير، تقول: قستُ هذا بهذا. أيْ: قدرته به. - والتسوية، ومِنه: قاس النعل بالنعل. أيْ: حاذاه. قيل: ولم يذكر أهل اللغة إلا الأول، ففي "المحكم": (قستُ الشيء قيسًا وقياسًا: قدرته). وكذا الجوهري قال: (وفيه لغة أخرى: قسته أقوسه). قال: (ولا يقال: أقسته) (١).

стр. 471

انتهى وكأن مَن أثبت ذلك أخذه من مادة التقدير؛ فإنَّ المعنى فيهما متقارب، ويمكن أن يحمل ما استشهد به على المساواة على معنى التقدير؛ لِما قلناه، وهو كما قال الشاعر: خَفْ يا كريم على عرضٍ يُدنسه ... مقالُ كل سفيهٍ لا يقاس بكا أي: لا يساويك، أو لا يُقَدر بك. وتعديهما بالباء كما مثَّلنا، ولَمَّا نقل إلى المعنى الاصطلاحي عدي بالباء أو بِـ "على". وعُرِّف بتعريفات كثيرة، أجودها: إنه حَمْل معلومٍ على معلوم في حُكمه؛ لمشاركته له في المعنى المقتضي للحكم. والمراد بِـ "الحمل": إثبات مِثْل حُكمه، كما عبَّر به الإمام في "المعالم"، وتبعه البيضاوي وغيره. قال الإمام: (ونعني بِـ "الإثبات" القَدْر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن، سواء تعلقت بثبوت حُكم أو بعدمه) (١). وخرج بِـ "المِثْل" إثباتُ خِلاف الحكم. وأشير به أيضًا إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل؛ فإنَّ ذلك مستحيل. قلتُ: ولأجْل استحالته حذفته في النَّظم، وقلت: (في الَّذِي بِهِ حُكِمْ). أي: في الحكم، ولم أقُل: (مِثْل الذي به حُكم). وهذا كما قال أصحابنا فيما لو أوصى له بنصيب ابنه: إنَّ المراد "مِثْل" نصيب ابنه، فيصح على المرجح. وكذا لو باع بما باع به فلان فرسه وهما يعلمانه، فإنَّ المراد مِثله، ونحو ذلك.

стр. 472

على أنَّ المقترح (١) قد حكى خلافًا في أن الحكم الذي ثبت بالقياس في الفرع هل هو عَيْن الحكم الذي في الأصل؛ نظرًا إلى القدر المشترك، لا لتعدد المحل؟ أو مماثل له؛ لأمرين، أحدهما: جواز نسخ الأصل مع بقاء الفرع، والثاني: أن الحكم يختلف باختلاف متعلَّقه؟ وشمل قولي: (مَا عُلِمْ عَلَى نَظِيرٍ) أيْ: على ما عُلِم، [الموجودَ كان المعلومُ أو المعدومَ] (٢). ولو عبَّرتُ بِـ "حمل شيء أو موجود على مِثله" لخرَجَ قياس المعدوم على مثله؛ إذِ المعدوم عند الأشاعرة لا يُسمَّى "شيئا"، كما لا يُسمى "موجودًا". نعم، المراد بِـ "المعلوم" ما تعلق به العِلم أو الظن أو الاعتقاد، فالفقهاء يطلقون "العِلم" على مثل ذلك. وكذا لم أُعَبر عن المعلومين بِـ "الأصل" و"الفرع" كما عبَّر ابن الحاجب تبعًا للآمدي بأنه: (مساواة فرع لأصلٍ في علة حُكمه) (٣)؛ لأن كوْنه أصلًا أو فرعًا مُرَتب على وجود القياس، فلو عُرِّف به لَزِم الدَّور، وأيضًا فيُوهِم تخصيصه بالموجود؛ لأنَّ "الأصلَ" ما تَوَلَّد منه شيء، و"الفرعَ" ما تَوَلد عن شيء. وإنما قلتُ: (لكونه شاركه في المعنى المقتضِى للحكم) لأنَّ القياس لا يتحقق بدون العلة.

стр. 473

ولم أقُل في آخِر التعريف: (عند الحامل) ليدخل فيه الصحيح والفاسد كما عبر بذلك الإمام الرازي والبيضاوي؛ لأنَّ الفاسد إنما هو باعتبار اعتقاد القايس، بل أطلقتُ؛ ليختص التعريف بالصحيح؛ لأنه المقصود، إذِ المراد القياس الشرعي الذي هو أصل في الدِّين، لا مُطْلَق القياس. تنبيه: أُورِد على التعريف للقياس بما يقتضي مساواة الفرع للأصل "قياسُ العكس"، وهوة "تحصيل نقيض حُكم معلوم في غيره؛ لافتراقهما في علة الحكم"؛ فيكون غير جامع. مِثالُه أن يقول الحنفي: لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف في الأصل لم يكن شرطًا لها بالنذر؛ إذْ لو نذر أنْ يعتكف مصليًّا لَمْ يَلْزَمه الجمْعُ، بخلاف ما لو نذر أنْ يعتكف صائمًا. والثابتُ في "الأصل " نَفْيُ كَوْن الصلاة شرطًا لها، وفي "الفرع" إثباتُ كوْن الصوم شرطًا لها، فحُكْم الفرع ليس مِثل حُكم الأصل، بل نقيضه. وأُجِيب بأنَّ هذا في الحقيقة تمسُّك بنظم التلازُم، إلا أنَّ إحدى مُقَدمَتَي التلازُم أُثبتت بالقياس؛ لأنك تقول: لو لم يكن الصوم شرطًا في الاعتكاف بالأصالة، لم يكن شرطًا له بالنذر، فهو شرط له مطلقًا. فإنك تقول: لكنه شرط له بالنذر؛ فيكون شرطًا له بالأصالة. فتستثني نقيض التالي؛ فينتج نقيض المقدم. ثُم تُبَين وجْه الملازمة بين شرطيته بالأصالة وشرطيته بالنذر بالقياس على الصلاة، فتقول: عدم كوْنه بالأصالة شرطًا مِن لازِم عدم وجوبه بالنذر، كما أنَّ عدم وجوب الصلاة في الاعتكاف لازِمٌ لعدم وجوبها فيه بالنذر لو نذر أنْ يعتكف مُصَلِيًّا. فهذا داخل في القياس، ونَظْم التلازُم خارج منه على اصطلاح الأصوليين كما سيأتي، فالحَدُّ مطردٌ منعكسٌ. نعم، في حُجية "قياس العكس" خِلاف، فكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع، لكن الجمهور على خلافه، وممن حكى الخلاف في ذلك الشيخ أبو إسحاق في "الملخص"، فقال

стр. 474

بعد أن حكى عن الشافعي أنه استدل به على أبي حنيفة في إبطال عِلته في الربا في الأثمان، فقال: لو كانت الفضة والحديد تجمعهما عِلة واحدة في الربا لم يَجُز إسلام أحدهما في الآخَر، وكذلك الحنطة والشعير لَمَّا جمعتهما عِلة واحدة لم يَجُز إسلام أحدهما في الآخَر. فلمَّا جاز بالإجماع إسلام الفضة في الحديد، دَلَّ على أنه لم يجمعهما عِلة واحدة. قال: فاختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين، أصحهما وهو المذهب: أنه يصح. وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع. والدليل عليه أن الاستدلال بالعكس استدلال بقياسٍ مدلول على صحته بالعكس، وإذا صح القياس في الطرد وهو غير مدلولٍ على صحته، فَلأنْ يصح الاستدلال بالعكس -وهو قياس مدلول على صحته- أَوْلى. ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسُّنة وفِعل الصحابة. فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فدل على أنه ليس إله إلا الله؛ لِعَدم فساد السموات والأرض، وكذلك: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولا اختلاف فيه؛ فَدَلَّ على أن القرآن من عند الله بمقتضَى قياس العكس. وأما السُّنة: فكحديث: "يأتي أحدُنا شهوته ويُؤجَر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؟ ". يعني: أكان يعاقَب؟ "قالوا: نعم. قال: فَمَهْ" (١). فقاس "وَضْعُها في حلالٍ فيؤجَر" عَلَى "وَضْعها في حرام فيؤزر" بنقيض العلة. وأما الصحابة ﵃: ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أن: (رسول الله ﷺ قال: "مَن مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار"، قلتُ أنا: "ومَن مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل

стр. 475

الجنة") (١). وفي بعض أصول "مسلم" أنه رَوى عن النبي ﷺ : "مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة". قال: (وقلتُ أنا: "من مات يشرك بالله [شيئًا] (٢)، دخل النار"). وكذا عزاه لمسلم الحميدي وغيره، وكل منهما يُحصل المقصود، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عليه. نعم، رواهما مسلم عن جابر (٣) ﵁ مرفوعًا، فلا حاجة للقياس. وأيضًا فإذا كانت الروايتان السابقتان قد صحتَا مرفوعتين، فلا قياس. نعم، الجمع بين الروايتين أنه عند ذِكر كل لفظة كان ناسيًا للأخرى -كما جمع به النووي، فظهر بذلك كله أنه حُجة، إلا أنه هل يُسمى قياسًا حقيقة؟ أو مجازًا؟ ثلاثة أقوال، أرْجحها الثاني؛ لأن بعضه تلازم كما سبق ونقل عن صاحب "المعتمد". وقيل: لا يُسمى قياسًا أصلا. وبه صرح ابن الصباغ في "العدة"، قال: لأن غايته أنه مِن نَظْم التلازم. ومما احتج به الشافعي من قياس العكس سوى ما سبق: قولُه في المختصر في كتاب الزكاة: (ولَمَّا لم أعْلم مخالفًا إذا كان ثلاثة خلطاء لو كان لهم مائة وعشرون شاه أخذت منهم واحدة فصدقوا صدقة الواحد، فنقصوا المساكين شاتين من مال الخلطاء الثلاثة الذين لو تفرق مالهم كان فيه ثلاث شياه، لم يَجُز إلا أن يقولوا: لو كانت أربعون بين ثلاثة، كانت عليهم شاة؛ لأنهم صدقوا الخلطاء صدقة الواحد) (٤). انتهى

стр. 476

فقاس وجوب واحدة من أربعين لثلاثة خلطاء على سقوط وجوب شاتين في مائة وعشرين لثلاثة خلطاء. وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن ﵄ إذْ قال الشافعي له: لِمَ قلتَ: لا قود على مَن شارك الصبي؟ فقال: لأنه شارك مَن لا يجري عليه القلم. فقال له الشافعي: فَأَوْجِب القود على مَن شارك الأب؛ لأنه شارك مَن يجري عليه القلم، وإذا لم توجِب على شريك الأب فهو تركٌ لأصلك. ثم أجاب أصحاب أبي حنيفة عن هذا الإلزام، وأجاب أصحابنا عما قالوه بما محل بسطه في غير هذا الموضع، إنما الغرض تمسُّك الشافعي في المسألة بقياس العكس. ومما تمسك فيه الأصحاب أيضًا به ما قاله الشيخ أبو حامد في باب مسح الخف في تعليل جواز الاقتصار على الأسفل: لَمَّا كان أسفل الخف كظاهره في أنه لا يجوز المسح عليه إذا كان متخرقًا، وجب أنْ يكون أسفله كأعلاه في الاقتصار عليه بالمسح إذا كان صحيحًا. إلا أنه رده بأنه قياس عكس، أيْ: وهو لا يجوز عنده كما نقلناه عنه. ومثل ذلك في المفوضة يجب لها المهر بالوطء على أصح القولين، وثانيهما: بالعقد، فخرَّج القاضي الحسين قولًا ثالثًا: "إنه لا مهر أصلًا" مِن القول في وطء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن يظن الإباحة بأنْ لا مهر فيه؛ بجامع الإذن من مالك البضع. فيُرد على تخريجه بقياس العكس، فيقال: وطء المفوضة محترم؛ فيجب فيه المال ولو نُفِي كما أنَّ الزنا لا يوجِب مالًا ولو شُرط. فكما لا يتعلق به شرطًا لم يتعلق به أصلًا. ووطء المرتهن في هذه الحالة بشبهة؛ فهو محترم يوجِب المهر إنْ أذن له -كما لو شُرِط، فالمال كما لم يَنتفِ فيه بالأصل لم ينتفِ فيه بالشرط.

стр. 477

وغير ذلك، وهو كثير. وقد أطلتُ في هذا النوع؛ لمحل الحاجة إلى إيضاحه. وقد عُلم مما سبق في جواب ورود قياس العكس على التعريف بأنه من [اللازم] (١) أنه لا يَرِد عليه لا قياس التلازم ولا القياس الاقترانى (نحو: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف حادث؛ ينتج: الجسم حادث)؛ لأن الأصوليين لا يسمون ذلك قياسًا، فلا بُدَّ من إخراجه. وأُورد أيضًا على التعريف أنَّ "قياس الشَّبَه" خارج عنه، وكذا "قياس لا فارِق" مع أنه لا عِلة في الأول مُعَيَّنة، ولا علة في الثاني عند [المجتهد] (٢) كما سيأتي تقريره في محله. وقد يجاب بأنَّ الجامع التقديري كالتحقيقي، فلم يخرج عن [التشارك] (٣) في شيء له اقتضاء بالقوة. وأَورد الآمدي أيضًا على التعريف أن إثبات الحكم هو أثر القياس وناشئ عنه؛ فَأَخْذه في التعريف مع تَوقُّفه عليه دَور. وضعَّفه الهندي بأنَّ المأخوذ في التعريف "إثبات"، و [أثَر القياس المفرَّع] (٤) عنه " الثبوت" لا "الإثبات" ونَحْوه مِن "الحَمْل". قلتُ: وفيه نظر؛ فإنَّ القائس لا يثبت حُكمًا، إنما يظهره بقياسه، إلا أنْ يقال: إنه على كل حال غير الثبوت. وقولي: (لَهُ اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ) جملة في محل جر صفة لِـ "مَعْنى". ومعنى (حَيْثُ عَنَّا): حيث عرض.

стр. 478

ومعنى "الاقتضاء": التعريف، لا التأثير كما سيأتي تقريره في باب أركان القياس. والله أعلم. ص: ٢٥٥ - وَهْوَ [لِذَاكَ] (١) حُجَّةٌ في الدُّنْيَوِي ... وَغَيْرِهِ إلَّا الْقِيَاسَ [الْمُنْحَوِي] (٢) ٢٥٦ - في كُلِّ خَلْقِيٍّ وَعَادِيٍّ فَلَا ... وَالشَّرْطُ وَالرُّكْنُ يَجِي مُفَصَّلَا الشرح: أي: إذا [عُرِف] (٣) حقيقة القياس وقد سبق تقرير كونه من الأدلة، فلا بُدَّ من بيان المحل المستدل به فيه: هل هو على العموم؟ أو الخصوص؟ ولا بأس [بذكر مواضع] (٤) من الخلاف فيه وإنْ سبق بعض ذلك. فنقول: أنكر طائفة كوْن القياس دليلًا شرعيًّا يجب العمل به، وأول مَن باح بذلك النَّظَّام كما سبق نقْله عنه. قال ابن عبد البر في كتاب "جامع العلم": (ما علمتُ أحدًا سبق النظَّام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد، ولم يلتفت إليه الناس، وقد خالفه فيه أبو الهذيل ورَدَّ عليه) (٥). انتهى نعم، وافقه بعض المعتزلة على ذلك، ونُقل إنكاره عن غير هؤلاء أيضًا، والحقُّ خلاف ما قالوه؛ لِمَا سبق من الأمر به وأنه من الدِّين.

стр. 479

ثم المنكرون منهم مَن منعه شرعًا وهو ما نقله القاضي وغيره عن داود، وحكى عنه الآمدي أنه إنما يُنكر غير القياس الجلي، لكن داود إنما يقول بالجلي؛ لأنه فحوى الخطاب، لا [لأنه] (١) قياس، ولهذا قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" وهو أعلم بمذهبه: وداود وأصحابه لا يقولون بشيء من القياس، سواء أكانت العلة فيه منصوصة أوْ لا. وكذا نقل عنه الأستاذ أبو منصور في كتاب "التحصيل"، فإنه قال: لو قيل لنا: "حرمتُ المسكر؛ لأنه حلو" لم يدل ذلك على تحريم حلو آخَر. وسبق عن ابن حزم أنه يدعي أن النصوص تستوعب الحوادث، أيْ: فهو مستغنًى عنه، فلا يُعمل به. وقيل: لا يعمل به؛ لأنه دليل عقلي، فلا مدخل له في الشرعيات. ونحوه قول مَن قال بأنه قول بالرأي في الذين. ومنهم مَن منعه عقلًا، فقيل: لأنه قبيح في نفسه؛ فيحرم. وقيل: لأنه يجب على الشارع أن يستنصح لعباده وينص لهم على الأحكام كلها. وهذا على رأي المعتزلة المعلوم فساده. حكى هذين القولين إمام الحرمين. وقيل: لأن الأحكام الشرعية جاءت على وجوه لا يمكن العمل بها قياسًا، كتحمل العاقلة الدِّيَة، وإيجابها [في القسامة باللوث] (٢)، وكالحكم بالشفعة، والفَرْق بين المخابرة والمساقاة، فجمعت الشريعة بين أشياء مختلفة، وفَرَّقَت بين أشياء متفقة؛ فامتنع القياس. حكاه الأستاذ أبو منصور. [وقيل غير ذلك مما لا طائل في ذِكره] (٣).

стр. 480

وقيل: يمتنع شرعًا وعقلًا. حكاه ابن قدامة عن النظَّام. وقال ابن عبدان في "شرائط الأحكام": لا يحتج به ما لم يضطر، بأنْ تحدث الحادثة وتقتضي الضرورة معرفة حُكمها ولا يوجد نَص يدل فيها. وحكاه ابن الصلاح في "طبقاته" عنه، واستغرب الثاني بأنَّ ذلك إنما يعرف بين المتناظرين في مقام الجدل. قال: وأما الشرط الأول فطريق يأباه وضع الأئمة الكتب الطافحة بالمسائل القياسية من غير تقييد بالحادثة. وقيل غير ذلك مما يطول [ذِكْرُه بلا فائدة] (١). والقائلون بحجيته اختلفوا: هل ذلك بالشرع؟ أو بالعقل؟ قال الأكثرُ بالأول، وقال القفال وأبو الحسين البصري بالثاني، وأن الأدلة السمعية وردت مؤكِّدة، ولو لم تَرِد لكان العمل به واجبًا. وقال الدقاق: يجب العمل به في الشرع والعقل. حكاه في "اللمع"، وجزم به ابن قدامة في "الروضة"، وحكاه عن أحمد. وأما محل العمل به (على القول بأنه دليل وهو ما ذكرتُه في النَّظم) ففي الأمور الدنيوية بلا خِلاف كما قاله الإمام الرازي، وذلك كما في الأدوية والأغذية والأسفار. وأما قياس اللغة فيأتي في باب اللغات. وأما غير ذلك فالصحيح أنه لا يجرى في كل الأحكام؛ لأنه لا بُدَّ من أصل منصوص

стр. 481

يقاس عليه. وقيل: يجري في الكل؛ لأنه شرعي؛ فيشمل الجميع. وهذا مردود بما سبق، ولأن الأحكام في بعض الأنواع مختلفة، ولأن من الأحكام ما لا يُعْقَل معناه كما سبق في الدِّيَة على العاقلة ونحوه؛ ولهذا كان الراجح أنه لا يُحتج به في الأمور العادية والخَلْقِية. قاله الشيخ أبو إسحاق، ومَثَّله بأقَل الحيض والنفاس وأكثرهما، وأَقَل مُدة الحمل وأكثره، فلا قياس فيه، بل طريقهُ خبرُ الصادق. ومنعه قوم في الأسباب والشروط والموانع، كجَعْل الزنا موجِبًا للحد، والجماع موجِبًا للكفارة، وقياس اللواط على الزنا في وجوب الحد. قالوا: لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس: إنه موجِب للعبادة؛ كغروبها. واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي، لكن في "المحصول" عن أصحابنا الجواز. وقَلَّ مَن صرح بالخلاف في الشروط والموانع، وقد صرح به إلْكِيا، قال: وقد نفى الشافعي اشتراط الإسلام في الإحصان؛ إلحاقًا له بالجلد، فقال: الجَلد [على] (١) أنواع العقوبة، استوى فيه [أبكار] (٢) المسلمين والكفار؛ فالرجم كذلك. ومنعه أبو حنيفة في: - الحدود، كإيجاب قَطْع النباش، قياسًا على السارق؛ بجامع كوْنه أَخْذَ مالٍ خفْية؛ لحديث: " ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٣).

стр. 482

- وفي الكفارات، كإيجابها على قاتل النفْس عمدًا؛ قياسًا على المخطئ. - وفي المقدرات، كأعداد الركعات؛ لأنه غير معقول المعنى. نعم، قال الشافعي: إنَّ الحنفية ناقضوا أصلهم فأوجبوا الكفارةَ بالإفطارِ بالأكل؛ قياسًا على الإفطارِ بالجماعِ، وقتل الصيد خطأ قياسًا على قتله عمدًا، وقاسوا في التقديرات، حتى قالوا في الدجاجة: إذا ماتت في البئر، يجب كذا وكذا، وفي الفأرة أقل من ذلك. وليس ذلك عن نَص ولا إجماع، فهو عن قياس. وقال القاضي أبو الطيب في كتاب "الحجة": التقدير عندنا بمنزلة سائر الأحكام. ومنعه أيضًا في الرُّخَص. ونقل الإمام وغيره أن الشافعي يخالفه في ذلك، فيُجَوِّز القياس فيها وفيما سبق. وفيه نظر؛ فقد نَص في "الأم " على المنع، فقال آخِر صلاة العيد: (ولا يُعَدى بالرُّخَص مواضعها) (١).

стр. 483

وكذا نقله [البيضاوي] (١). ومنعه الحنفية والجبائي أيضًا في إثبات أصول العبادات، حتى لا تجوز الصلاة بالإيماء بالحاجب قياسًا على الإيماء بالطرف. ومنعه قوم من الحشوية وغلاة الظاهرية في العقليات. والأصح الجواز، كما يقول في الرؤية للباري: لأنه موجود، وكل موجود يُرى. ووافقهم على المنع ابن برهان في "الوجيز". ومنع قوم القياس في الجزئي الحاجي إذا لم يَرِد نَص على وَفْقه مِن قِبل الشارع. حكاه ابن الوكيل في "الأشباه والنظائر"، ومَثَّله بِصُوَرٍ، منها: ضمان الدرك، القياس الجزئي يقتضي منعه؛ لأنه ضمان ما لم [يجب] (٢)، ولكن عموم الحاجة إليه موجود؛ لمعاملة الغرباء، فقال ابن سريج بالمنع، جعله قولًا مُخَرَّجًا، والأصح صحته بعد قبض الثمن، لا قَبْله، والله أعلم. (تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الأول، وَيلِيه الجزء الثاني، وأوله: الباب الثاني)

стр. 484

الباب الثاني في "ما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة "

стр. 485

الباب الثاني: فيما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة وهو أربعة أنواع: الأول: من جهة الثبوت في الثلاثة الأُولى وهو السند ٢٥٧ - فَالسَّنَدُ الْإخْبَارُ عَنْ مَتْنٍ ضَبَطْ ... مِنْ قَوْلٍ اوْ فِعْلٍ وَلَوْ فِيهِ وَسَطْ ٢٥٨ - وَذَاكَ آحَادٌ وَ [ذُو] (١) تَوَاتُرِ ... فَالثَّانِ نَقْلُ عَدَدٍ مِنْ آثِر ٢٥٩ - عَلَيْهِمُ يَمْتَنِعُ التَّوَاطُؤُ ... في الْكِذْبِ عَنْ حِسٍّ بِهِ تَوَاطَؤوا ٢٦٠ - أَوْ خَبَرٌ عَنْ مِثْلِهِمْ إلى انْتِهَا ... لِذَلِكَ الْمَحْسُوسِ، فَهْوَ الْمُنْتَهَى الشرح: إنما قدمتُ من الأنواع الأربعة ما يتوقف عليه من حيث الثبوت؛ لأن الكلام في الشيء إنما يكون بعد ثبوته، ثم يتلوه ما يتوقف عليه من حيث دلالة الألفاظ؛ لأنه بعد الصحة يتوجه النظر إلى [مدلول ذلك الثابت] (٢)، ثم يتلوه ما يتوقف عليه من حيث استمرار الحكم وبقاؤه، فلم يُنسخ، ثم يتلوه ما يتوقف عليه الدليل الرابع وهو "القياس" من بيان أركانه وشروطه وأحكامه؛ لأنه مُفَرع عن الثلاثة الأولى؛ إذ لا قياس إلا على ما ثبت بواحد منها كما سيأتي.

стр. 486

وقولي: في الترجمة: (وهو السند) إشارة إلى أن المراد بالثبوت صحة وصولها إلينا، لا ثبوتها في أنفسها وكونها حقًّا، فإنَّ ذلك مُبيَن في الأوَّلَين -الكتاب والسُّنة- في أصول الدين، وفي الثالث -وهو الإجماع- في محله من أصول الفقه وهو ذِكر كَوْنه من الأدلة، وقد سبق في الباب الأول. فالنوع الأول: "السند"، ويقال فيه: "الإسناد" أيضًا، وهو الإخبار عن المتن قولًا كان أو فعلًا أو راجعًا إلى أحدهما. ومعنى قولي: (ضَبَطْ) أي: إنَّ ذلك الإخبار عن المتن هو الذي ضبطه وقيده حتى عرفه المخبَر به. وقولي: (وَلَوْ فِيهِ وَسَطْ) أي: ولو كان الإخبار بواسطة مخبر آخر عن مَن ينسب المتن إليه. وأصل "السند" في اللغة: ما يُستنَد إليه، أو ما ارتفع من الأرض. وأَخْذ الاصطلاحي من الثاني أكثر مناسبة؛ فلذلك قال ابن طريف: أسندت الحديث: رفعتُه إلى المحدث. فيحتمل أنه اسم مصدر مِن "أَسند يُسند"، أطلق على المسند إليه، وأنْ يكون موضوعًا لِمَا يُستند إليه. وأما "المتن" فهو المخْبَر به كما سبق، ومادته في الأصل راجعة إلى معنى الصلابة، ويقال لِما صَلُبَ من الأرض: "متن"، والجمع "متان"، ويسمى أسفل الظهر من الإنسان والبهيمة " متنًا" أيضًا، والجمع "متون". وقولي: (وَذَاكَ آحَادٌ وَ [ذُو] (١) تَوَاتُرِ) تقسيم للسند قسمين: آحادًا، ومتواترًا؛ لأنه إما أن يفيد العلم بنفسه فـ "المتواتر"، أوْ لا فَـ "الآحاد". وربما أُطلِق على المتن ذلك، فيقال: "حديث

стр. 487

متواتر" و"آحاد"، على معنى: متواتر أو آحاد سنده. و"الآحاد": جمع أحد، كَـ: بطل وأبطال. وهمزة "أحد" مبدلة من واو الواحد. وأصل "آحاد" أأحاد بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا كـ "آدم ". و"المتواتر": المتتابع، تقول: تواتر القومُ، أي: جاءوا متتابعين بِمُهلة. وقولي: (فَالثَّانِ) شروع في شرح كل من القسمين، وقدمتُ الثاني؛ لقوته، ولأن القرآن متواتر وهو أول الأدلة وأصلها، وأيضًا فلِيعلم أن ما خرج من تعريفه هو "الآحاد"؛ لأن ذلك كالملكة والعدم. فَ " المتواتر": خبر جَمعْ يمتنع تواطؤُهم على الكذب عن محسوس أو عن خبر جَمْع مِثْلهم إلى أنْ ينتهي إلى محسوس، أيْ: معلوم بإحدى الحواس الخمس، كمشاهدة أو سماع. فخرج بالقيد الأول: أخبارُ الآحاد ولو كان مستفيضًا، وسيأتي بيانه، خلافًا لدعوى الماوردي في "الحاوي" والأستاذ أبي إسحاق وجَمع أنه قِسم آخَر ثالث. وخرج بالانتهاء إلى محسوس: ما كان عن معقول، أيْ: معلوم بدليل عقلي، كإخبار أهل السُّنة دهريًّا بحدوث العالم، فإنه لا يوجب له عِلمًا؛ لتجويزه غلَطهم في الاعتقاد، بل هو معتقد ذلك، وأيضًا فَعِلم المخبرين به نظري، و"التواتر" يفيد العلم الضروري، فيصير الفرع أقوى من أصله. قلتُ: مثل ذلك [إذا] (١) لم يتفق المخبرون على واحد بالشخص الذي هو شرط في المتواتر، بل كل أحدٍ إنما يخبر عن اعتقاد نفسه وإنْ توافقوا نوعًا، ولأجل ذلك لم يكن الإجماع من قبيل الخبر المتواتر، والحجية فيه إنما هي من حيث [ثناء] (٢) الشرع على تَوافُق

стр. 488

اعتقاد الأُمة، أو أن العادة تحيل تواطؤهم على اعتقادٍ باطلٍ أعلى ما سبق من المدركين فيه] (١). نعم، قال الأستاذ أبو منصور وكذا القاضي وإمام الحرمين وابن السمعاني والإمام والمازري: إنَّ التقييد بالحس لا معنى له، وإنما المدار على العِلم الضروري، ليدخل ما استند فيه عِلم المخبِرين إلى قرائن الأحوال، كإخبارهم عن الخجل الذي علموه بالضرورة من قرائن الحال، فالحس وإنْ وُجد لكن لم يُكْتَفَ به؛ لأنَّ الحمرة إنما تُدرك بالحسِّ ذاتها، وحمرة الخجل كحمرة الغضب، وإنما يُفَرق بينهما بأمر يدقُّ عن ضبط [العبارة] (٢). وأجيب عن ذلك بأنَّ القرائن تَعُود للحس؛ لأنها إما حالية أو مقالية. تنبيه: تسمية هذا النوع "متواترًا" اصطلاح للفقهاء والأصوليين وبعض المحدِّثين، فقد قال ابن الصلاح: (إنَّ أهل الحديث لا يذكرونه بِاسْمه الخاص، وإنْ كان الخطيب ذكره، وفي كلامه ما يُشعر بأنه اتَّبع فيه أهل (٣) الحديث) (٤). ثم قال: (وكأنَّ ذلك لندْرته عندهم حتى لا يكاد يوجد) إلى آخِره. واعتُرض عليه بأنَّ الحاكم وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم ذكروه.

стр. 489

وأُجيب بأنه لم يذكروه بمعناه الخاص عند الأصوليين، بل بمعنى الكثرة كما قال ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين: إنه استفاض وتَواتَر. ونحو ذلك. والله أعلم. ص: ٢٦١ - [لِذَا] (١) يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالضَّرُورَهْ ... في جُملَةٍ أَسْلَفْتُها مَشْهُورَهْ ٢٦٢ - فَحَيْثُمَا الْعِلْمُ بِهِ قَدْ حَصَلَا ... فَآيَةُ اجْتِمَاعِ شَرْطٍ فُصِّلَا الشرح: أي: فلأجل أن المتواتر خبر مَن يستحيل تواطؤهم على الكذب كان مفيدًا لسامعه عِلمًا ضروريًّا لا يحتاج إلى نظر، وقد أسلفتُ في المقدمة في تعريف "العِلم" بالمعنى الثالث أنَّ موجب الجزْم فيه إما أن يكون بحسٍّ أو عقل أو [تكرر] (٢)، والحس إما سمع وهو التواتر إلى غير ذلك من الأقسام المفيدة لليقين بالضرورة وهي محصورة، لكن المتواتر إنما يفيد العلم بالضرورة بشروط، وإنما علامة اجتماعها إفادته العلم. وهو معنى قولي: (فَآيَةُ اجْتِمَاعِ شَرْطٍ فُصِّلَا) أي: جنس الشرط، وسأذكر هنا تفصيل الشروط، فالكلام يقع في ثلاثة أمور: إفادته العلم، وكونه ضروريًّا، وتفصيل الشروط. فالأول: ذهب الجمهور إلى ذلك، وقالت السُّمَّنية: لا يفيده. وهي -بضم السين المهملة وتشديد الميم- طائفة من عبدة الأصنام يقولون بالتناسخ، وينقل ذلك أيضًا عن البراهمة

стр. 490

(طائفة لا [يجيزون] (١) بعثة الرسل)، وعن "السُّوفسطائية" -بضم السين المهملة الأولى وبالفاء، وربما قيل: "السوفسطانية" بنون بعد الألف- قوم ينكرون الحقائق، وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يعيبُ ذِكر خلاف مثل هؤلاء في أصول الفقه كما سبق ذِكره في موضع آخَر. نعم، إذا ذكِر لغرض معرفة شبهتهم وردِّها كي لا يغتر بها مسلم، فلا بأس. وحمل إمام الحرمين مخالفة السمنية - أي: ومن وافقهم على عدم إفادة "المتواتر" العِلم -على معنى أنَّ العدد وإنْ كثر فلا اكتفاء به حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة. ومن هنا أُخِذ أن الإمام يقول باستناد العِلم للقرينة، لا لمجرد الإخبار المتواتر. وكذلك قال ابن رشد في "مختصر المستصفى": لم يقع خلاف في كون المتواتر يفيد اليقين إلا ممن لا يُؤْبَه له. قال: (وهُم السوفسطائية، وجاحده يحتاج لعقوبة؛ فإنه كاذب بلسانه على ما في نفسه، إنما الخلاف في جهة وقوع اليقين، فقَوم رأوه بالذات وقوم رأوه بالعرض، وقوم رأوه مكتسبًا). انتهى وحاصل قولهما أن الخلاف لفظي. قال ابن الحاجب: (إن قول المنكِر لإفادته العِلم بُهْت، فإنَّا نجد العِلم ضرورةً بالبلاد النائية والأُمم الخالية والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والخلفاء ﵁ -بمجرد الإخبار، كما في العلم بالحس) (٢). وفي المسألة قول ثالث: إنه يفيد في الخبر عن الموجود، ولا يفيد عن الماضي. فإنْ قلتَ: هل لهذه المسألة ثمرة في الفقه؟

стр. 491

قلتُ: نعم إذَا فرَّعنا على أن بيع الغائب باطل، فهل يقوم مقام الرؤية خبر التواتر بضبطه حتى يصير كالمشاهَد؟ قال الروياني في "البحر": (قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقان، أحدهما: القطع بجواز البيع كالمرئي، والثاني: قولان). انتهى الثاني: ذهب الجمهور إلى أن العلم فيه ضروري لا يتوقف على نظر، خلافًا للكعبي، وصرح إمام الحرمين في "البرهان" بموافقته، لكنه قال: (وقد كثرت المطاعن على الكعبي من أصحابه ومن عصبة الحق، والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها، فلم يَعْنِ الرجُل نظرا عقليًّا وفِكرًا [سبريًّا] (١) على مقدمات ونتائج، فليس ما ذكره إلا الحق) (٢). انتهى وأوضح الغزالي في "المستصفى" ذلك، فقال: (إن تحقيق القول فيه أنه ضروري، بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن. وليس ضروريًّا، بمعنى أنه حاصل من غير واسطة) (٣). انتهى فرجع حملهما إلى قول الجمهور وأنه لا خلاف في المعنى، فالنقل عنهما أنهما يخالفان في إفادته العلم ضرورة -ليس بجيد. نعم، نقل الشيخ أبو إسحاق عن البلخي موافقة الكعبي، وحكاه أيضًا غيره عن الدقاق وأبي الحسين. فإنْ حُمل على تأويل إمام الحرمين، ارتفع الخلاف أصلًا، وهذا هو اللائق؛ فإن حصول العلم فيه بالضرورة أمرٌ مشاهَد.

стр. 492

نعم، في المسألة قول ثالث: إنه يفيد عِلمًا بين المكتسَب والضروري. قاله صاحب "الكبريت الأحمر". فإنْ عَنَى ما قاله الإمام فظاهر، وإلا فلا حاصل له. وقول رابع: وهو التوقف في المسألة. قاله الشريف المرتضَى، وصححه صاحب " المصادر"، واختاره الآمدي. الأمر الثالث: الشروط: أحدها: تَعدُّد المخبرين. ثانيها: أن يبلغوا ما يمتنع في مثله التواطؤ على الكذب عُرْفًا. وهل لذلك عدد معين؟ الصحيح المنع، وسيأتي بيان ذلك. ثالثها: الاستناد للحس أو للعلم الضروري كما سبق بيان الخلاف فيه. ولا يخفَى خروج هذه من التعريف. رابعها: كون السامع له غير عالم بمدلوله ضرورةً أو استدلالًا، كالإخبار بأن السماء فوق الأرض، وبأن العالَم حادث لمن هو مسلم. وهذا خارج من قولنا: (يفيد العلم)؛ لأنه لم يُفِد شيئًا؛ لأن العلم بذلك كان حاصلًا. وخامسها: أن لا يكون السامع معتقدًا خلافه؛ لأن اعتقاده يمنع من حصول العلم من التواتر. شَرَطَه المرتضى. قيل: لِيثبت به تواتُر إمامة علي ﵁، وأنَّ المانع من إفادة السامعين العِلم اعتقادهم خلافه. ورُدَّ بأنَّ ذلك بُهت منه؛ فلَم يُنقل ذلك فضلًا عن تواتره، ثُم الاعتقاد لا يدفع أن يحصل من التواتر ما يرفعه ويزيله؛ لأنَّ الفَرْض فيمن يستحيل تواطؤهم على الكذب. سادسها: كوْن المخبرين قاطعين بذلك. شَرَطه جمعٌ، كالقاضي، لكن قال ابن الحاجب: إنه غير محتاج إليه؛ لأنه إنْ أُريدَ عِلم الجميع فباطل؛ لجواز أن يكون بعضهم ظانًّا، ومع ذلك

стр. 493

يحصل العلم. وإنْ أُريدَ عِلم البعض فلازم مِن لازم اشتراط الحس. سابعها: اشتراط أن يكون المخبرون على صفة يوثَق بهم معها، لا كالمتلاعب والمكرَه، ولكن هذا مفهوم من استحالة التواطؤ على الكذب؛ لأن اللاعب والمكرَه قد يكذب لأجل ذلك، وإذا جوز السامع كذبه، فلا يفيده عِلمًا. وثامنها: أن يتوافق إخبارهم لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط كما سيأتي بيانه، وهذا مفهوم من اشتراط التواطؤ، ومثلهم لا يتواطئون على كذب، والله أعلم. ص: ٢٦٣ - وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مُعَيَّنُ ... لَكِنَّ ذَا أَرْبَعَةٍ لَا يُمْكِنُ الشرح: سبق أن المخبرين شرطهم أن يبلغوا مَبْلغًا يحيل تواطؤهم على الكذب بما أخبروا به، فهل لذلك عدد معيَّن؟ أو لا؟ الأصح لا؛ إذِ الضابط أن يفيد العلم بسبب استحالة تواطؤهم على الكذب، والأعداد لا مدخل لها في ذلك، فكم من قليل يتصف بذلك، وكثير لا يتصف به. نعم، الأربعة لا يمكن أن يكون تواتُرًا، لأن قولهم لو كان [يفيد العلم] (١) لاستحالة تواطئهم على الكذب، لَمَا وَجب على القاضي أن يستزكي الأربعة في حد الزنا مثلًا، ولكنه واجب قطعًا؛ فوجب أن لا يفيد العلم إلا ما زاد مِن غير تعيين. وقيل: يتعين الخمسة عدد أُولي العزم من الرُّسل على قول مَن فسرهم به، وهُم: نوح،

стр. 494

وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ . وقال القاضي: أقطع بأن قول الأربعة لا يكفي، وأتوقف في الخمسة. وحكى عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن أنه شرط خمسة من المؤمنين أولياء الله ومعهم سادس ليس منهم؛ حتى يكون ملتبسًا فيهم. قال القاضي: وخالف ذلك سائر الذاهب. وقيل: يشترط عشرة. وينسب للإصْطَخْري؛ لأن ما دُونها جمع قِلة. وقيل: اثنا عشر؛ لأنهم عدد النقباء؛ لأن موسى ﵇ بعثهم ليعرفوا أحوال بني إسرائيل؛ ليحصل العلم بقولهم. وقيل: عشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية. نُقل عن أبي الهذيل وغيره من المعتزلة، وقيده الصيرفي بما إذا كانوا عدولًا، لكن المصابرة في القتال لا عُلْقَة لها بالأخبار، وأيضًا فقد نُسخ ذلك، فينبغي أن يقال بما نُسخ به وهو المائة التي قيل فيها: تغلب مائتين. وقيل: أربعون، عدد الجمعة، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكانوا أربعين. وقيل: سبعون، لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عدد أهل بدر؛ لأنهم يحصل بخبرهم العلم للمشركين. و"البِضع" بكسر الباء: ما بين الثلاثة إلى التسعة. وفي "التقريب" للقاضي و"البرهان" للإمام و"الوجيز" لابن بَرهان و"إحكام" الآمدي تعيينهم بثلاثة عشر، وهو قولٌ في عدتهم حكاه الدمياطي. وقيل: وعشرة. وقيل: وخمسة، وهو الذي في كتب الحديث، ولكنه لا يُباين رواية "وثلاثة عشر" كما تَوَهمه الدمياطي؛ لأن الذين خرجوا للقتال ثلاثمائة وخمسة، وأدخل النبي

стр. 495

- ﷺ معهم في القسمة ثمانية أسهم لهم ولم يحضروا؛ فنزلوا منزلة الحاضرين؛ فصارت العدة بهم " وثلاثة عشر". وقال بعضهم: لا بُدَّ في التواتر من عدد أهل بيعة الرضوان. قال إمام الحرمين: وهُم ألف وسبعمائة. لكن الذي في "الصحيح" عن البراء وهو رواية عن جابر: ألف وأربعمائة. وقال النووي: إنه الأشهر. وعن سلمة ورواية عن جابر: ألف وخمسمائة. وعن عبد الله بن أبي أوفى: ألف وثلاثمائة. وقال الواقدي وموسى بن عقبة: ألف وستمائة. وقيل غير ذلك. وتعيين الأعداد في التواتر بهذه الشُّبَه لا يخفَى ضعفُه، ويلزم أن يقال بمثل هذا: تسعة عشر؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، و: ثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وأشباه ذلك مما لا ينحصر ويتكلف له مناسبة كما تكلف في هذه المذكورات، ولا قائل به، والله أعلم. ص: ٢٦٤ - كَذَاكَ مَا شَرْطُهُمُ عَدَالَهْ ... أَيْضًا وَلَا إسْلَامُهُمْ أَصَالَهْ ٢٦٥ - وَلَا انْتِفَا [انْحِوَائِهِمْ] (١) في بَلَدِ ... مِنْ أَجْلِ ذَا الْقُرْآنُ عَالِي السَّنَدِ الشرح: هَذه أيضًا أقوال ضعيفة في شروط التواتر: منها: اشتراط العدالة، وإلا فقدْ أَخبر الإمامية بالنَّص علَى إمامة عِلي -كرم الله وجهه- ولم يُقبل إخبارهم مع كثرتهم؛ لِفسقهم.
следующие страницы →