قلتُ: نعم إذَا فرَّعنا على أن بيع الغائب باطل، فهل يقوم مقام الرؤية خبر التواتر بضبطه حتى يصير كالمشاهَد؟
قال الروياني في "البحر": (قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقان، أحدهما: القطع بجواز البيع كالمرئي، والثاني: قولان). انتهى
الثاني: ذهب الجمهور إلى أن العلم فيه ضروري لا يتوقف على نظر، خلافًا للكعبي، وصرح إمام الحرمين في "البرهان" بموافقته، لكنه قال: (وقد كثرت المطاعن على الكعبي من أصحابه ومن عصبة الحق، والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها، فلم يَعْنِ الرجُل نظرا عقليًّا وفِكرًا [سبريًّا] (١) على مقدمات ونتائج، فليس ما ذكره إلا الحق) (٢). انتهى
وأوضح الغزالي في "المستصفى" ذلك، فقال: (إن تحقيق القول فيه أنه ضروري، بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن. وليس ضروريًّا، بمعنى أنه حاصل من غير واسطة) (٣). انتهى
فرجع حملهما إلى قول الجمهور وأنه لا خلاف في المعنى، فالنقل عنهما أنهما يخالفان في إفادته العلم ضرورة -ليس بجيد.
نعم، نقل الشيخ أبو إسحاق عن البلخي موافقة الكعبي، وحكاه أيضًا غيره عن الدقاق وأبي الحسين. فإنْ حُمل على تأويل إمام الحرمين، ارتفع الخلاف أصلًا، وهذا هو اللائق؛ فإن حصول العلم فيه بالضرورة أمرٌ مشاهَد.
стр. 492
نعم، في المسألة قول ثالث: إنه يفيد عِلمًا بين المكتسَب والضروري. قاله صاحب "الكبريت الأحمر". فإنْ عَنَى ما قاله الإمام فظاهر، وإلا فلا حاصل له.
وقول رابع: وهو التوقف في المسألة. قاله الشريف المرتضَى، وصححه صاحب " المصادر"، واختاره الآمدي.
الأمر الثالث: الشروط:
أحدها: تَعدُّد المخبرين.
ثانيها: أن يبلغوا ما يمتنع في مثله التواطؤ على الكذب عُرْفًا. وهل لذلك عدد معين؟ الصحيح المنع، وسيأتي بيان ذلك.
ثالثها: الاستناد للحس أو للعلم الضروري كما سبق بيان الخلاف فيه.
ولا يخفَى خروج هذه من التعريف.
رابعها: كون السامع له غير عالم بمدلوله ضرورةً أو استدلالًا، كالإخبار بأن السماء فوق الأرض، وبأن العالَم حادث لمن هو مسلم.
وهذا خارج من قولنا: (يفيد العلم)؛ لأنه لم يُفِد شيئًا؛ لأن العلم بذلك كان حاصلًا.
وخامسها: أن لا يكون السامع معتقدًا خلافه؛ لأن اعتقاده يمنع من حصول العلم من التواتر. شَرَطَه المرتضى. قيل: لِيثبت به تواتُر إمامة علي ﵁، وأنَّ المانع من إفادة السامعين العِلم اعتقادهم خلافه.
ورُدَّ بأنَّ ذلك بُهت منه؛ فلَم يُنقل ذلك فضلًا عن تواتره، ثُم الاعتقاد لا يدفع أن يحصل من التواتر ما يرفعه ويزيله؛ لأنَّ الفَرْض فيمن يستحيل تواطؤهم على الكذب.
سادسها: كوْن المخبرين قاطعين بذلك. شَرَطه جمعٌ، كالقاضي، لكن قال ابن الحاجب: إنه غير محتاج إليه؛ لأنه إنْ أُريدَ عِلم الجميع فباطل؛ لجواز أن يكون بعضهم ظانًّا، ومع ذلك
стр. 493
يحصل العلم. وإنْ أُريدَ عِلم البعض فلازم مِن لازم اشتراط الحس.
سابعها: اشتراط أن يكون المخبرون على صفة يوثَق بهم معها، لا كالمتلاعب والمكرَه، ولكن هذا مفهوم من استحالة التواطؤ على الكذب؛ لأن اللاعب والمكرَه قد يكذب لأجل ذلك، وإذا جوز السامع كذبه، فلا يفيده عِلمًا.
وثامنها: أن يتوافق إخبارهم لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط كما سيأتي بيانه، وهذا مفهوم من اشتراط التواطؤ، ومثلهم لا يتواطئون على كذب، والله أعلم.
ص:
٢٦٣ - وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مُعَيَّنُ ... لَكِنَّ ذَا أَرْبَعَةٍ لَا يُمْكِنُ
الشرح:
سبق أن المخبرين شرطهم أن يبلغوا مَبْلغًا يحيل تواطؤهم على الكذب بما أخبروا به، فهل لذلك عدد معيَّن؟ أو لا؟
الأصح لا؛ إذِ الضابط أن يفيد العلم بسبب استحالة تواطؤهم على الكذب، والأعداد لا مدخل لها في ذلك، فكم من قليل يتصف بذلك، وكثير لا يتصف به.
نعم، الأربعة لا يمكن أن يكون تواتُرًا، لأن قولهم لو كان [يفيد العلم] (١) لاستحالة تواطئهم على الكذب، لَمَا وَجب على القاضي أن يستزكي الأربعة في حد الزنا مثلًا، ولكنه واجب قطعًا؛ فوجب أن لا يفيد العلم إلا ما زاد مِن غير تعيين.
وقيل: يتعين الخمسة عدد أُولي العزم من الرُّسل على قول مَن فسرهم به، وهُم: نوح،
стр. 494
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ .
وقال القاضي: أقطع بأن قول الأربعة لا يكفي، وأتوقف في الخمسة. وحكى عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن أنه شرط خمسة من المؤمنين أولياء الله ومعهم سادس ليس منهم؛ حتى يكون ملتبسًا فيهم. قال القاضي: وخالف ذلك سائر الذاهب.
وقيل: يشترط عشرة. وينسب للإصْطَخْري؛ لأن ما دُونها جمع قِلة.
وقيل: اثنا عشر؛ لأنهم عدد النقباء؛ لأن موسى ﵇ بعثهم ليعرفوا أحوال بني إسرائيل؛ ليحصل العلم بقولهم.
وقيل: عشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية. نُقل عن أبي الهذيل وغيره من المعتزلة، وقيده الصيرفي بما إذا كانوا عدولًا، لكن المصابرة في القتال لا عُلْقَة لها بالأخبار، وأيضًا فقد نُسخ ذلك، فينبغي أن يقال بما نُسخ به وهو المائة التي قيل فيها: تغلب مائتين.
وقيل: أربعون، عدد الجمعة، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكانوا أربعين.
وقيل: سبعون، لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عدد أهل بدر؛ لأنهم يحصل بخبرهم العلم للمشركين. و"البِضع" بكسر الباء: ما بين الثلاثة إلى التسعة. وفي "التقريب" للقاضي و"البرهان" للإمام و"الوجيز" لابن بَرهان و"إحكام" الآمدي تعيينهم بثلاثة عشر، وهو قولٌ في عدتهم حكاه الدمياطي.
وقيل: وعشرة. وقيل: وخمسة، وهو الذي في كتب الحديث، ولكنه لا يُباين رواية "وثلاثة عشر" كما تَوَهمه الدمياطي؛ لأن الذين خرجوا للقتال ثلاثمائة وخمسة، وأدخل النبي
стр. 495
- ﷺ معهم في القسمة ثمانية أسهم لهم ولم يحضروا؛ فنزلوا منزلة الحاضرين؛ فصارت العدة بهم " وثلاثة عشر".
وقال بعضهم: لا بُدَّ في التواتر من عدد أهل بيعة الرضوان. قال إمام الحرمين: وهُم ألف وسبعمائة. لكن الذي في "الصحيح" عن البراء وهو رواية عن جابر: ألف وأربعمائة. وقال النووي: إنه الأشهر. وعن سلمة ورواية عن جابر: ألف وخمسمائة. وعن عبد الله بن أبي أوفى: ألف وثلاثمائة. وقال الواقدي وموسى بن عقبة: ألف وستمائة. وقيل غير ذلك.
وتعيين الأعداد في التواتر بهذه الشُّبَه لا يخفَى ضعفُه، ويلزم أن يقال بمثل هذا: تسعة عشر؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، و: ثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وأشباه ذلك مما لا ينحصر ويتكلف له مناسبة كما تكلف في هذه المذكورات، ولا قائل به، والله أعلم.
ص:
٢٦٤ - كَذَاكَ مَا شَرْطُهُمُ عَدَالَهْ ... أَيْضًا وَلَا إسْلَامُهُمْ أَصَالَهْ
٢٦٥ - وَلَا انْتِفَا [انْحِوَائِهِمْ] (١) في بَلَدِ ... مِنْ أَجْلِ ذَا الْقُرْآنُ عَالِي السَّنَدِ
الشرح:
هَذه أيضًا أقوال ضعيفة في شروط التواتر:
منها: اشتراط العدالة، وإلا فقدْ أَخبر الإمامية بالنَّص علَى إمامة عِلي -كرم الله وجهه- ولم يُقبل إخبارهم مع كثرتهم؛ لِفسقهم.
стр. 496
ومنها: اشتراط الإسلام، وإلا فقد أَخبر النصارى مع كثرةٍ بقتل عيسى ﵇ ولم يصح ذلك؛ لكفرهم.
وجوابه فيهما: أن عدد التواتر فيما ذُكر ليس في كل طبقة، فقد قَتل بختنصر النصارى حتى لم يبق منهم إلا دُون عدد التواتر.
واعْلم أن كلام الآمدي يوهم أن الشارطين للإسلام والعدالة واحد، وليس كذلك، وإلا فكان الاقتصار على العدالة كافيًا، ولأجل ذلك قدمتُ مسألة العدالة على الإسلام في النَّظم؛ دفْعًا لهذا الإيهام الواقع في لفظ "المختصر" وغيره.
ومنها: اشتراط أن لا يحويهم بلد؛ لاحتمال أن يتواطئوا على الكذب.
ورُدَّ بأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط الخطيب، لأفاد خبرُهم العِلمَ فضلًا عن أهل بلد.
ومنها: اشتراط اختلاف أنسابهم أو دينهم أو وطنهم؛ لِمَا ذكرناه. وردُّه واضح أيضًا.
ومنها: اشتراط الشيعة الإمام المعصوم. وهو أَفْسَد الكل؛ لأن قول المعصوم كافٍ، فَأَيُّ حاجة إلى انضمام أحدٍ معه؟ !
ومنها: اشتراط أن يبلغوا مَبْلغًا لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد، أيْ: لكثرتهم. وهو غير ما سبق مِن نفي انحوائهم في بلد.
وقال ضِرار بن عمرو: لا بُدَّ من خبر قول كل الأُمة، وهو الإجماع. حكاه القاضي في "مختصر التقريب".
وقيل غير ذلك من الشروط الفاسدة، والله أعلم.
وقولي: (مِنْ أَجْلِ ذَا الْقُرْآنُ عَالِي السَّنَدِ) تمامه قولي بعده:
стр. 497
ص:
٢٦٦ - لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوَاتُرٍ سِوَى ... مَا كَانَ حُكْمِيًّا [فَوَاحِدٌ] (١) رَوَى
٢٦٧ - كَالْبَدْءِ في فَاتِحَةٍ بِالْبَسْمَلَهْ ... وَكررهَا [لَا في] (٢) [بَرَاءَةَ] (٣) الصِّلَهْ (٤)
الشرح: أيْ: من أجل أن التواتر يفيد القطْع كان ثبوت القرآن لا بُدَّ فيه من التواتر؛ لكونه مقطوعًا به؛ لأنه معجزٌ عظيم، فكان مما تتوفر الدواعي عادةً على نقل جُمله وتفاصيله؛ لدوران الإسلام عليه، فلا بُدَّ من تواتره والقطع به. فما لم يتواتر، لا يثبت كوْنه قرآنًا إلا فيما أُعطي حُكم القرآن فإنه لا يحتاج إلى التواتر، وذلك مفروض في البسملة من أول الفاتحة ومن أول كل سورة بعدها سوَى براءة.
والحاصل في المسألة أن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" متواترة في سورة النمل، فهي قرآن قطعًا، وليست في أول سورة براءة إجماعًا:
- إما لكون البسملة أمانًا، وهذه السورة نزلت بالسيف كما قاله ابن عباس، وقد كشفت أسرار المنافقين؛ ولذلك تسمى "الفاضحة"، وتسمى "البَحُوث".
- وإما لأنها متصلة بالأنفال سورةً واحدةً.
- وإما لغير ذلك كما سيأتي في كونها [توصل بما] (٥) قبلها.
стр. 498
وأما في أوائل غير براءة من السُّوَر فقطع الشافعي قوله بأنها آية من أول الفاتحة، واختلف قوله فيما سواها، ففي قول: إنها آية من أول كل سورة. وفي قولٍ: بعض آية. وفي قولٍ: لا آية ولا بعض آية. وعُزي للأئمة الثلاثة، بل لا يثبتها أحدٌ منهم في أول سورة. وفي قول رابع: إنها آية مقروءة للفصل بين السور. وهو غريب لم ينقله أحد من الأصحاب عن الشافعي، ولكنه في "الطارقيات" لابن خالويه عن الربيع، قال: سمعت الشافعي يقول: أولُ الحمد "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وأول البقرة ﴿الم﴾.
قال ابن الصلاح: وله حُسْنٌ، وهو أنها لَمَّا ثبتت أولًا في سورة الفاتحة، كانت في باقي السور إعادةً لها وتكرارًا، فلا تكون من تلك السورة ضرورة؛ ولذلك لا يقال: هي آية مِن أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة.
قال بعض المتأخرين: وهذا أحسن الأقوال، وبه تنجمع الأدلة، فإن إثباتها في المصحف بين السُّوَر من سواده، وأجمع الصحابة ﷺ أن لا يُكتب في المصحف ما ليس بِقُرآن، وأن ما بين دفتَي المصحف كلام الله، فإن في ذلك دليلًا واضحًا على ثبوتها.
قال القاضي حسين والغزالي والنووي وغيرهم: هو من أحسن الأدلة، ولم يَقُم دليل على كونها آية من أول كل سورة.
وكذلك ذهب أبو بكر الرازي من الحنفية إلى أنها آية مفردة أُنزلت للفصل بين السوَر. حكاه عنه ابن السمعاني في "الاصطلام".
وحكى المتولى من أصحابنا [وجهًا] (١): أنه إنْ كان الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة، فالبسملة آية كاملة منها، وإن لم يكن كذلك كما في ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، فبعض آية.
стр. 499
ومما استُدل به على أنها من الفاتحة - غير ما سبق من تَضَمُّن مصاحف الصحابة فمن بعدهم لها بل وفي سائر السور غير براءة - ما صح عن أُم سلمة "أن النبي ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة، وعَدَّها آية" (١). وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي فاتحة الكتاب. قيل: فأين السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢). أخرجهما ابن خزيمة في "الصحيح" وغيره.
وعن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٣). رواه أبو داود، والحاكم وقال: على شرط الشيخين. وعن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السَّبع المثاني وهي سبع آيات، والبسملة السابعة. وفي بعض الروايات عن أبي هريرة ذلك مرفوعًا. رواه البيهقي والدارقطني، والروايات في ذلك كثيرة.
ونحن لا ندَّعِي في ذلك أنه تواتر، بل إما أن نقول: أفاد القطع بانضمام القرائن إليه؛ فإنَّ خبر الآحاد إذا احتفت به القرائن الموجِبة للقطع، أفاد القَطْع.
أو نقول: إنه وإن لم يتواتر عندنا فقد تواتر عند مَن نُقلده، وهو الإمام الشافعي ﵁، ورُب تواتر يكون في زمن دُون آخَر، ولشخص دون آخر، وإثباته ذلك قرآنا والقرآنُ لا يَثْبت إلا بالتواتر - يدل على تواترها عنده.
أو نقول: إنها ليست من القرآن القطعي، بل من الحكمي، وهو أصح الوجهين الذين
стр. 500
حكاهما الماوردي في أنها هل هي قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن؟ أو على سبيل الحكم؛ لاختلاف العلماء فيها؟
ومعنى "سبيل الحكم" أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، ولا تكون قراءتها بكمالها إلا بها. قال: وجمهور أصحابنا على أنها قرآن حُكمًا، لا قطعًا.
قال ابن السمعاني: فيكون قرآنا عملًا، لا عِلمًا. قال: كالحجر من البيت في الطواف لا في الاستقبال، فهو حُكمي، لا قطعي.
وكذا ضعَّف الإمامُ القولَ بأنها قرآن قطعي، وقال: إنه غباوة عظيمة من قائله؛ لأن ادِّعاء العِلم حيث لا قاطع مُحَالٌ.
وصحح أيضا النووي القول بأنها حُكمي، واستند إلى منع تكفير النافي لها إجماعًا كما هو المعروف. وإن كان العمراني حكى في "زوائده" عن صاحب "الفروع" أنَّا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعًا، كفَّرنا نافِيها، وفسَّقنا تاركها.
لكن لا التفات لذلك، ومن أجل ذلك قال ابن الحاجب: (وقوة الشبهة في "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" منعت من التكفير من الجانبين) (١).
أيْ: جانب المثبتين لها (كالشافعية) والنافين لها (كالأئمة الثلاثة والقاضي أبي بكر).
لكن هذا إنما هو إذا أثبتناها قرآنًا قطعيًّا، أما إذا أثبتناها حكميًّا، فليس هنا مُقْتَضٍ للتكفير حتى يُدْفع بالشُّبهة، وكذا إذا قُلنا: إنه قطع بتواترها عند القائل به دُون غيره، أو: إنَّ القطع بالقرائن كما سبق.
على أن القطع وحده لا يوجب تكفير النافي، بل لا بُدَّ أن يكون المقطوع به مجمعًا عليه
стр. 501
معلومًا من الدين بالضرورة.
ثم قال ابن الحاجب: (والقطع أنها لم تتواتر) (١) إلى آخِره.
وهو عجيب، فأيُّ قَطْع مع قوة الشُّبهة - على قوله؟ ! وكذلك مبالغة القاضي في تخطئة القول بأنها من القرآن - لا يلاقي مُدَّعَى أنَّ ذلك حُكمي لا قطعي، أو بتواتر حصل له، أو بقطع بقرائن كما سبق بيانه.
نعم، كونه قرآنًا حكميًّا هو [أوضح] (٢) الأوجُه الثلاثة؛ فلذلك اقتصرتُ عليه في النَّظم بقولي: (سِوَى مَا كَانَ حُكْمِيًّا). أي: فإنَّ الحكمي لا يحتاج لتواتر، وبه تندفع الإشكالات كلها إن شاء الله تعالى.
وقولي: (بَرَاءَةَ الصِّلَهْ) أيْ التي توصل بما قبلها مِن غير فصل بالبسملة، كما قال ابن عباس: قلت لعثمان: ما حملَكم على أنْ قرنتم بين الأنفال وهي في المثاني وبراءة وهي من المئين، فلم تكتبوا بينهما تسمية ووضعتموها في السبع الطوَل؟ فقال: الأنفال نزلت بالمدينة، وبراءة من أواخر ما نزل، فكانت القصة تشبه بعضها بعضًا، وقُبض ﷺ على ذلك، فقَرنَّا بينهما (٣).
وهذه المسألة في الحقيقة من مسائل الفقه، وإنما ذكرناها تفريعًا على ما بيناه في الأدلة الثلاثة من أنه لا بُدَّ من ثبوته بالسند، فهو تقسيم [لسندها] (٤)، فالكتاب بالتواتر، وكُل من
стр. 502
السُّنة والإجماع يكون بالتواتر و [بالآحاد] (١) كما سيأتي بيانه، والله أعلم.
ص:
٢٦٨ - وَمَا [قَرَاهُ] (٢) السَّبع ذُو تَوَاتُرِ ... لأَنَّهُ مِنْهُ بِقَطْعٍ سَائِرِ
٢٦٩ - لَا الِاخْتِلَافُ في وُجُوهِ التَّأْدِيَه ... مِثْلُ مَقَادِيرِ [مُدُودٍ مُنْهِيَهْ] (٣)
٢٧٠ - كَذَا إمَالَةٌ وَهَمْزٌ سَهَّلُوا ... أَوْ حَقَّقُوا، وَوَصْفُ حَرْفٍ يُسْهَلُ
٢٧١ - لَا أَصْلُ كُلٍّ؛ فَهْوَ قَدْ تَوَاترَا ... أَمَّا الشُّذُوذُ في قِرَاءَاتٍ تُرَى
الشرح:
أي: إذا تَقرر أن القرآن يُعتبر في ثبوته التواترُ، انبنى على ذلك مسألتان: القراءات السبعة، و [القراءات] (٤) الشاذة.
فأما الأُولى: وهي ما قرأ به الأئمة السبعة المشهورة وتواترت عنهم من القرآن فيجب أن [تكون متواترة] (٥) إلى النبي ﷺ ؛ [لكونها] (٦) قرآنًا، ولا يكون إلا متواترًا كما سبق.
واحترزتُ بقولي: (وتواترت) عما يُحكَى عن بعضهم آحادًا، فإنَّ ذلك من الشاذ الآتي بيانه، كما لو قرأ بها غيرهم.
стр. 503
والخلاف في تواتُر السبعة حكاه السرخسي من أصحابنا في كتاب الصوم من "الغاية"، فقال: (القراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة وجميع أهل السُّنة، خلافًا للمعتزلة، فإنها آحاد عندهم). انتهى.
وممن ادَّعَى أنها آحاد أيضًا الأبياري شارح "البرهان"، قال: وأسانيدهم تشهد بذلك.
ونازع بهذا قول الإمام في "البرهان": إنها متواترة.
وقال صاحب "البديع" من الحنفية: إنها مشهورة، لا متواترة.
وفي "مختصر الروضة" للطوفي من الحنابلة: (إنها متواترة، خِلافًا لبعضهم) (١).
فقَوْل ابن الحاجب: (لنا: لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر، كَـ"ملك" و"مالك" ونحوهما) (٢) إلى آخِره -[نصبٌ للدليل] (٣) مع مخالف، خلافًا لقول بعض الشراح: إنه دليل لا على مخالف؛ لأنَّ كوْن تواتُر السبعة لا خِلاف فيه - ممنوعٌ؛ لِما بيَّناه.
وما أشار إليه شارح "البرهان" وتبعَه جمع عليه مِن أنَّ "أسانيدهم مَن تتبعها يجدها آحادًا، فيكون التواتر إنما هو مِنَّا إليهم فقط" ممنوعٌ؛ فإنها تواترت لهم وشاركهم مَن بلغ معهم حد التواتر، ولكن اشتهرت عنهم، [فلا يكون] (٤) كل منهم منفردًا، وأسانيد القراءات تدل على ذلك.
ثم - على تقدير تسليم ما قالوه - القطعُ حاصل من حيث تَلَقِّي الأُمة لها بالقبول وتوارُد السلف والخلَف على القطعْ بها كما قال ابن الصلاح في أحاديث الصحيحين، وسيأتي بيانه
стр. 504
وما قيل فيه من النظر.
وما أحسنَ قول الإمام كمال الدين ابن الزملكاني: انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم؛ فقد كان يتلقاه من أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجمُّ الغفير عن مثلهم، وكذلك دائماً. فالتواتر حاصل لهم، ولكن الأئمة الذين قصدوا ضبط الحروف وحفظوا شيوخهم [فيها] (١) جاء السند من جهتهم، وهذا كالأخبار الواردة في حجة الوداع، هي آحاد ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصُل بهم التواتُر عن مثلهم في كل عصر. فينبغي أن يتفطن لذلك وأنْ لا يُغتر بقول القراء فيه.
وأشرتُ إلى ذلك في النَّظم بقولي: (لأَنَّهُ مِنْهُ بِقَطْعٍ سَائِرِ). أي: لأن ما قرأه السبعة من [القراءات] (٢) كما هو مقطوع به في كل عصر ومصر فهو سائر في الأعصار والأمصار.
وقولي: (لَا الِاخْتِلَافُ) إلى آخِره - بيانٌ لِأنَّ ما أَطْلقه الجمهور مِن تواتُر السبعة ليس على إطلاقهم، بل يُستثنى منه - كما قال ابن الحاجب - ما كان من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه. ومراده بالتمثيل بِـ"المد والإمالة" مقادير المد وكيفية الإمالة، لا أصل المد والإمالة؛ فإنه متواتر قطعًا.
فالمقادير كَمَدِّ حمزة وورش بقَدْر ست ألِفات، وقيل: خَمس. وقيل: أربع. ورجحوه، وعاصم بقدر ثلاث، والكسائي بقدر ألِفين ونصف، وقالون بقدر ألِفين، والسُّوسي بقدر ألِف ونصف، ونحو ذلك. وكذلك الإمالة تنقسم إلى:
- محضة، وهي أن ينحى بالألِف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة.
- وبَيْن بَيْن، وهي كذلك إلا أنها تكون إلى الألف أو الفتحة أقرب، وهي المختارة عند
стр. 505
الأئمة.
أما أصلُ الإمالة فمتواترة قطعًا.
وكذلك التخفيف في الهمز والتشديد فيه، منهم مَن يسهله، ومنهم مَن يبدله، ونحو ذلك.
فهذه الكيفية هي التي ليست متواترة؛ ولهذا كره الإمام أحمد ﵁ قراءة حمزة؛ لِما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك، وكذا قراءة الكسائي؛ لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام كما نقل ذلك السرخسي في "الغاية". فلو كان ذلك متواترًا لَمَا كرهه الإمام أحمد؛ لأن الأُمة إذا كانت مجمعة على شيء، فكيف يكره؟ !
وقولي: (وَوَصْفُ حَرْفٍ يُسْهَلُ) هو مما زاده أبو شامة - في المستثنى - على ما ذكره ابن الحاجب في استثنائه، وهي الألفاظ المختلَف فيها بين القراء، أيْ: ألفاظ اختلف القراء في وجه تأديتها، كالحرف المشدد يبالغ بعضهم فيه حتى كأنه يزيد حرفًا، وبعضهم لا يرى ذلك، وبعضهم يرى التوسط بين الأمرين.
وهو معنى قولي: (وَوَصْفُ حَرْفٍ يُسْهَلُ). وهو بضم أوله مِن "أسهل" الرباعي بمعنى "سهَّل" المشدد. أي: يختلف في وجه تسهيله. وهذا الذي قاله [ظاهر، و] (١) يمكن دخوله تحت قول ابن الحاجب في الاحتراز عنه: (فيما ليس من قبيل الأداء). على أن بعضهم قد نازع أبا شامة بما لا تحقيق فيه، والله أعلم.
وقولي: (أَمَّا الشُّذُوذُ في قِرَاءَاتٍ ترى) تمامه قولي بعده في جواب "أما":
стр. 506
ص:
٢٧٢ - فَلَيْسَ قُرْآنًا؛ [لِذَا] (١) لَا يُقْرَأُ ... بِهِ، وَذَاكَ بَعْدَ سَبْعٍ تُقْرَأُ
٢٧٣ - وَاخْتَارَ جَمْعٌ مَا رَآهُ الْبَغَوِي ... مِنْ أَنَّهُ وَرَاءَ عَشْرٍ مُنْحَوِى
٢٧٤ - نَعَمْ، يَكُونُ حُجَّةً إنْ ثَبَتَا ... نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مُثْبِتَا
الشرح:
أيْ: إذا عُلم أن القرآن لا يكون إلا متواترًا، نشأ منه أن القراءات الشاذة ليست قرآنًا؛ لأنها آحاد، وحينئذ فلا يجوز القراءة بها، قال ابن عبد البر: إجماعًا. وقال النووي في "شرح المهذب": لا في الصلاة ولا في غيرها. وكذا قاله في فتاويه، قال: فإنْ قرأ بها في الصلاة وغيَّرت المعنى، بطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا.
وكذا قال أبو الحسن السخاوي: لا تجوز القراءة بها؛ لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي يثبت به القرآن وهو التواتُر وإن كان موافقًا للعربية وخط المصحف.
ونقل الشاشي في "المستظهري" عن القاضي الحسين أن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح.
نعم، نازع الشيخ أبو حيان وجَمعٌ في جواز القراءة بها، وليس مخالَفةً لِمَا نُقل مِن الإجماع؛ لأنهم بنوه على تفسير هم "الشاذ"، وسيأتي، فإنما أجازوا فيما ليس بِشَاذ على رأيهم.
وعضد أبو حيان ذلك بأن المسلمين لم يزالوا يُصلون خلف أصحاب هذه القراءات، كالحسن البصري ويعقوب وطلحة بن مُصَرّف وابن مُحَيْصن والأعمش وأضرابهم، ولم ينكر ذلك أحد.
стр. 507
لكن كلام الرافعي يقتضي جواز القراءة بالشاذ من غير أنْ ينبه على تفسير "الشاذ" بغير المشهور فيه، فإنه قال: تسوغ القراءة بالسبع وكذا بالقراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنًى ولا زيادة حَرْف ولا نقصانه.
وزعم النووي في "شرح المهذب" أن كلام الرافعي في الصحة، لا في الجواز. يعني: فلا يبقى في كلامه إشكال. وكأنه يريد بذلك أن كلام الرافعي في صحة نقلها وثبوتها بالسند الصحيح، لا في جواز القراءة بها، ولكنه تأويل بعيد، وقد جزم هو في "الروضة" بأنه تصح الصلاة بالقراءة الشاذة إنْ لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه.
وقولي: (وَذَاكَ بَعْدَ سَبع تُقْرَأُ) إشارة إلى تفسير "الشاذ"، وهو لُغةً: المنفرد. واصطلاحًا: ما لم يتواتر من القراءات. أما الشذوذ في الأحاديث فسيأتي بيانه.
وقد اختُلف في ضبط القراءة الشاذة، فالمشهور أنها ما وراء السبعة المعروفة، وهو ظاهر كلام الرافعي السابق؛ ولذلك جريتُ عليه في النَّظم.
ونُقل عن البغوي أنه ما وراء العشرة، أي: هذه السبعة مع يعقوب وخلف وأبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع. واختار هذا الشيخ تقي الدين السبكي وغيرُه، وقالوا: إنَّ قراءة الثلاثة المذكورين تواترت كالسبعة. وقد حكى البغويُّ في تفسيره الإجماعَ على جواز القراءة بها. قال أبو حيان وهو من أئمة هذا الشأن: لا نعلم أحدًا من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبع، بل قُرئ بها في سائر الأمصار.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي: (القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القولُ به عمَّن يُعتبر قوله في الدِّين). انتهى
قال القاضي أبو بكر بن العربي في "القواصم": (ضَبْط الأمر على سبع قراءات ليس له أصل في الشرع، وقد جمع قومٌ ثماني قراءات، وقومٌ عشرًا).
стр. 508
قال: (وأصلُ ذلك أنه ﷺ قال: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف" (١). فظن قومٌ أنها سبع قراءات، وهو باطل) (٢). انتهى
قلتُ: قد يُمنع ما قاله بأن كوْنها سبعة إنما هو بحسب الواقع اتفاقًا، لا للحديث. والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس وأُبي بن كعب وعمر ﵃.
قال أبو حاتم بن حبان: (اختُلف في المراد بذلك على خمسة وثلاثين قولًا، وقد وقفتُ منها على كثير). انتهى
ورجح القرطبي قول الطحاوي: إن المراد به أنه وُسع عليهم في مبدأ الأمر أن يُعبِّروا عن المعنى الواحد بما يدل عليه لُغة إلى سبعة ألفاظ؛ لأنهم كانوا أُميين لا يَكتب إلا القليل منهم، فشقَّ على أهل كل ذي لُغة أن يتحول إلى غيرها، فلمَّا كثر مَن يَكتب وعادت لُغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ارتفع ذلك، فلا ويُقرأ إلا باللفظ الذي نزل.
ثم نقل ذلك عن ابن عبد البر وعن القاضي أبي بكر، ومن ذلك أن أُبي بن كعب كان يقرأ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣]: "للذين آمنوا امهلونا"، "للذين آمنوا أخرونا".
وممن اختار هذا القول أيضًا ابن العربي. وإنْ كان في قوله: "أُنزل على سبعة أَحْرُف" ما قد ينافي إرادة السماحة في لُغات، فإنه ما نزل إلا بواحدة، والتوسيع ليس من المنزل، [بل] (٣) في حُكمه، إلا أن يُؤوَّل ["أنزل القرآن" أي] (٤): أنزل أنْ يُقرأ على سبعة أحرف.
واعْلم أن ممن نُقل عنه أن المراد به القراءات السبع الخليل بن أحمد، وهو أضعف
стр. 509
الأقوال، وليس هذا موضع بَسْطها.
وقولي: (نَعَمْ، يَكُونُ حُجَّةً) إلى آخِره - إشارة إلى أن القراءات الشاذة إذا صح سندها، فالصحيح أنه يُحتج بها؛ لأنه إذا بطل خصوص كوْنها قرآنًا لِعَدم التواتر، يبقى عموم كوْنها خبرًا. وقد أطلق الشافعي - فيما حكاه البويطي عنه في باب الرضاع وفي تحريم الجمْع - الاحتجاجَ بها، وعليه جمهور أصحابه، كالقضاة: الحسين وأبي الطيب والروياني، وكذا الرافعي. وقد احتجوا على قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مسعود: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم".
ونقله ابن الحاجب عن أبب حنيفة، حيث احتج على وجوب التتابع بما نُقل عن مصحف ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" بعد أنِ اختار - تبعًا للآمدي ونسبه للشافعي - أنه ليس بحجة.
وكذا قال الأبياري في "شرح البرهان": إنه المشهور من مذهب مالك والشافعي.
وقال النووي في "شرح مسلم": إنه مذهب الشافعي. قال: لأن ناقلَها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر. وإذا لم يثبت قرآنا، لم يثبت خبرًا.
وكذا زعم إمام الحرمين في "البرهان" أن الشافعي إنما لم يقُل بالتتابع كأبي حنيفة لأنَّ عنده أن الشاذ لا يُعمل به، وتبع الإمام في ذلك أبو نصر القشيري والغزالي في "المنخول" وإلْكِيا وابن السمعاني. ولكن المذهب إنما هو ما سبق عن نَص البويطي وغيره، فهو الأرجح.
ومسألة التتابع حكى الماوردي فيها قولًا بالوجوب احتجاجًا بقراءة "متتابعات"، ولكن الأرجح لا يجب، لا لكون القراءة الشاذة غير حُجة؛ بل لأنها إنما نُقلت تأويلًا، لا قراءةً، أو لمعارضة ذلك بقول عائشة ﵂: (نزلت "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، فسقطت
стр. 510
"متتابعات") (١). أخرجه الدارقطني وقال: "إسناده صحيح"، أو لغير ذلك.
ويخرج من كلام الماوردي قول ثالث بالتفصيل في المسألة، فقد قال في موضع من "الحاوي": إنْ أضافها القارئ إلى التنزيل أو إلى سماع من النبي ﷺ ، أُجريت مجرى خبر الواحد، وإلا فهي جارية مجرى التأويل.
وبذلك صرح الباجي في "المنتقى"، فقال: فيها ثلاثة أقوال، ثالثها: التفصيل بين أن يُسْند أوْ لا.
نعم، في شرح "مسلم" للقرطبي محل الخلاف إذا لم يُصرح الراوي بسماعها.
ويخرج من كلام بعض الحنفية مذهب رابع، فقال أبو زيد في كتاب "الأسرار": إنه يُعمل بالقراءة الشاذة إذا اشتهرت.
وكذا قال صاحب "المبسوط"، قال: ولهذا لم يعملوا بقراءة أُبي بن كعب: "فعدة من أيام أخر متتابعة"؛ لأنها قراءة شاذة غيْر مشهورة، ومثلها لا يُثبت الزيادة على النَّص، بخلاف قراءة ابن مسعود: "ثلاثة أيام متتابعات"، فقد كانت مشهورة في زمن أبي حنيفة.
وكذا قال أبو بكر الرازي: (إنهم إنما عملوا بها لاستفاضتها وشهرتها في ذلك العصر وإنْ كانت إنما نُقلت إلينا بطريق الآحاد) (٢).
وقولي: (نَعَمْ، يَكُونُ حُجَّةً إنْ ثَبَتَا) أي: إن ثبت ذلك المروي من القراءات شذوذًا بالسند الصحيح، لا إذا لم يثبت عن المنقول ذلك عنه، أو ثبت لكن لا على أنه قراءة، والله أعلم.
стр. 511
ص:
٢٧٥ - وَتَثْبُتُ السُّنَّةُ وَالْإجْمَاعُ بِه ... كَذَاكَ بِالْآحَادِ لَيْسَ يَشْتَبِهْ
٢٧٦ - لكِنْ تَوَاتُرٌ بِسُنَّةٍ يَقِلْ ... بَلْ نَفْيُ غَيْرِ الْمَعْنَوِيْ فِيهَا قُبِلْ
الشرح:
لَمَّا فرغتُ من بيان السند في الدليل الأول وهو الكتاب، شرعتُ في بيانه في الدليلين الآخَرين وهُما السُّنة والإجماع، فذكرتُ أن كُلًّا منهما يكون بالتواتر وبالآحاد، لكن المتواتر في السُّنة قليل حتى إنَّ بعضهم نفاه إذا كان لفظيًّا، وهو أن يتواتر لفظه بعيْنه، لا ما إذا كان معنويًّا، كأن يتواتر معنى في ضمن ألفاظ مختلفة، ولو كان ذلك المعنى [المشترك] (١) فيه بطريق اللزوم، ويسمى "التواتر المعنوي"، وسيأتي بيانه.
وقد سبق أن ابن الصلاح قال: (إن المتواتر بِاسْمه الخاص إنما لم يذكره المحدثون لندرته عندهم حتى لا يكاد يوجد) (٢).
وسبق التعقب عليه في شيء من ذلك.
ثم قال: (ومَن سُئِل عن إبراز مثال لذلك فيما يُروَى من الحديث، أعياه تَطَلُّبه، وحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣) ليس من ذلك بسبيل وإنْ نقَله عددُ التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله) (٤).
стр. 512
يشير بذلك إلى أنه لم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر ﵁، ولا عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهر، فرواه عنه خلْقٌ كثير، قيل: سبعمائة. وقيل غير ذلك، وتَواتَر حتى الآن.
نعم، تُعُقِّب عليه بأنه قد رواه نحو العشرين صحابيًّا، وأنه قد تُوبع الثلاثة الذين بعد عمر.
وجوابه: أن ما ذُكر من ذلك إنما هو بمعنى "الأعمال بالنية"، لا بلفظِه، والكلام إنما هو في المتواتر لفظًا لا معنًى، وأن [المتابعات] (١) الواقعة لا تنتهي إلى حد التواتر.
ثم قال ابن الصلاح: (نعم، حديث: "مَن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) نراه مثالًا لذلك؛ فإنه نقله من الصحابة ﵁ العددُ الجمُّ) (٣). إلى آخِر ما ذكره.
وقد تُعُقب عليه بوصف غيره من الأئمة عِدة أحاديث بأنها متواترة:
كحديث ذكر حوض النبي ﷺ ، أورد البيهقي في كتاب "البعث والنشور" روايته عن أزيد من ثلاثين صحابيًّا، وأفرده المقدسي بالجمع. قال القاضي عياض: وحديثه متواتر بالنقل.
وحديث الشفاعة، قال القاضي عياض: بلغ التواتر.
وحديث المسح على الخفين، قال ابن عبد البر: رواه نحو أربعين صحابيًّا، واستفاض وتواتر.
стр. 513
وقال ابن حزم في "المحلى": (نقل تواتر يوجب العلم) (١).
قال: (ومن ذلك أحاديث النهي عن الصلاة في [معاطن] (٢) الإبل، وحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد وحديث قول المصلِّي: "ربنا ولك الحمد") إلى آخِره.
وجواب ذلك: يحتمل أنَّ مراد قائل ذلك بِـ"المتواتر" إنما هو المشهور، كما يعبر به كثيرا عنه، أو أنها متواترة معنًى، أو غير ذلك، وإلا فالواقع [فقْدان] (٣) شرط التواتر في بعض طبقاتها. وإلى هذا أشرت بقولي: (بَلْ نَفْيُ غَيْرِ الْمَعْنَوِيْ فِيهَا قُبِلْ).
وأما الإجماع فنقله بالتواتر كثير. نعم، وقع خلاف في أصل الإجماع إذا قُلنا بإمكان تصوُّره: هل يمكن معرفته والاطِّلاع عليه؟ فأثبته الأكثرون كما قاله الآمدي، ونفاه الأقلُّون، ومنهم أحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين عنه أنَّ مُدَّعي الإجماع كاذب.
ولكنه محمول على:
- الاستبعاد، أيْ: يَبعد مع كثرة العلماء وتفرقهم في البلاد النائية أنْ يَعرف الناقل عنهم اتفاقَ معتقداتهم مع إمكان أن يكون قوله أو فعله المنقول عنه مخالفًا لمعتقده؛ لغرضٍ ما. وبتقدير تسليمه فقدْ يرجع عنه قبل الوصول للباقين، فالورَع أنْ لا يُنقل؛ [لذلك] (٤)، ولأنه قد يكون ثَم مخالف لم يُطَّلَع عليه.
- أو أنه قال ذلك في حَق مَن ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأن أحمد قد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة.
стр. 514
- وحمل ابن تيمية قوله ذلك على إجماع غير الصحابة؛ لانتشارهم، أما الصحابة فمعروفون محصورون.
ونقل ابن الحاجب أنَّ المانع احتج بأن نقْله مستحيل عادةً؛ لأن الآحاد لا يفيد العِلم بوقوعه، وهو قطعي لا بُدَّ له من سندٍ قطعي، والتواتر بعيد.
وأجاب عن ذلك بالوقوع؛ فإنَّا قاطعون [بتواتر النقل] (١) عن إجماع الأُمة على تقديم النَّص القاطع على الظن.
ولم يتعرض لِرد أن الآحاد لا يفيد، ولكنه مردودٌ بأنَّ قول النبي ﷺ وفِعله أقوى منه، ومع ذلك يثبت بالآحاد ويجب العمل به.
قال الماوردي: وليس آكد من سُنن الرسول ﷺ ، وهي تثبت بقول الواحد.
وجرى على هذا أيضًا إمام الحرمين والآمدي وإنْ نقل عن الجمهور اشتراط نقله بالتواتر.
ومنهم مَن فرَّع المنع على كون الإجماع حُجة قطعية، ونقل ذلك عن الجمهور. وقال القاضي في "التقريب": إنه الصحيح.
ولكن لا يلزم؛ فإنه وإنْ كان قطعيًّا في نفسه لكن طريق وصوله قد تكون ظنية؛ بدليل السُّنة كما قررناه.
وذهب جَمعٌ من الفقهاء إلى ثبوته بالآحاد بالنسبة إلى العمل خاصة، لكن لا يرفع به قاطع، ولا يعارضه.
стр. 515
تنبيه:
قول القائل: "لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في كذا" لا يكون نقلًا للإجماع. قال الصيرفي: لجواز الاختلاف. وكذا قاله ابن حزم في "الإحكام". وقال في كتاب "الإعراب": إن الشافعي نَص عليه في "الرسالة"، وكذا أحمد.
قال الصيرفي: وإنما يسوغ هذا لمن بحث البحث الشديد وعلم أصولَ العلم وجُمله.
وقال ابن القطان: إنَّ قائل ذلك إنْ كان من أهل العلم فهو حُجة، وإلا فلا.
وقال الماوردي: إن لم يكن من أهل الاجتهاد المحيطين بالإجماع والاختلاف، لم يَثبت الإجماع بقوله، وإلا ففيه خِلاف لأصحابنا.
ورَدَّ ابن حزم على من يجعل مثل هذا إجماعًا بأن الخلاف قد يخفَى على الأئمة الكبار، فقدْ قال الشافعي في زكاة البقر: (لا أعلم خلافًا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع). مع أن في المسألة قولًا مشهورًا: إنَّ الزكاة في خمس منها كالإبل.
و[قال] (١) مالك في "الموطأ" في الحكم بِرد اليمين: (وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس أَعْلمه). مع أن الخلاف شهير، فكان عثمان ﵁ لا يرى برد اليمين ويقضي بالنكول، وكذا ابن عباس، ومن التابعين الحكَم وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا القضاة في ذلك الوقت.
والله أعلم.
стр. 516
ص:
٢٧٧ - وَخَبَرُ الْآحَادِ مَا لَا يَنتهِي ... إلى تَوَاتُرٍ، وَغَيْرُ الْمُنْتَهِي
٢٧٨ - إنْ شَاعَ عَنْ أَصْلٍ [فَذَا] (١) الْمَشْهُورُ ... وَ [الْمُسْتَفِيضُ اسْمَانِ] (٢)، والْمَذْكُورُ
٢٧٩ - أَقلُّهُ اثْنَانِ، وَقَوْلُ الْوَاحِد ... يُعْمَلُ في الْمُفْتَى بِهِ وَالشَّاهِدِ
الشرح:
لَمَّا بينتُ أن السُّنة والإجماع يثبتان بخبر الواحد، شرعتُ في تعريفه وتقسيمه وأحكامه، وهو جُلُّ المقصود من هذا الباب.
أما تعريفه فَـ "خبر الواحد": ما لم يَنْتَهِ إلى رتبة التواتر، إما بأن يرويه مَن هو دُون العدد الذي لا بُدَّ منه في التواتر، وهو الخمسة كما تَقدم، بأنْ يرويه أربعة فما دونها، أو يرويه عددُ التواتر ولكن لم ينتهوا إلى إفادة العِلم باستحالة تواطؤهم على الكذب، أو لم يكن ذلك في كل الطبقات، أو كان ولكن لم يخبِروا عن محسوس، أو غير ذلك مما يعتبر في التواتر كما سبق.
وقد عُلم ذلك من التقسيم أول الباب مِن أن ما لم يُفِد العِلم بنفسه من الأخبار هو الآحاد، وعُلم أيضًا أنه ليس المراد به ما يرويه الواحد فقط كما قد يُفهم مِن إطلاق خبر الواحد أو الآحاد، بل ما ذكرناه.
وقولي: (وَغَيْرُ الْمُنْتَهِي) إلى آخِره - إشارة إلى أن أرجح الأقوال وأقواها في "المشهور" أنه قسم من الآحاد، ويسمى أيضًا "المستفيض".
стр. 517
وقد سبق عن الماوردي والأستاذ أبي إسحاق وجمعٍ أنه قسم ثالث غير المتواتر والآحاد، وذهب أبو بكر الصيرفي والقفال الشاشي إلى أنه و"المتواتر" بمعنًى واحد.
وثالثها: أن "المشهور" أعم من "المتواتر"، وهو طريقة المحدثين.
قال ابن الصلاح: (ومعنى الشهرة مفهوم، وهو ينقسم إلى: صحيح، كحديث: "إنما الأعمال بالنية" (١)، وغير صحيح، كحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٢). ونقل عن أحمد أن أربعة أحاديث تدور في الأسواق ليس لها أصل) (٣). إلى آخِره.
ثم قال: وينقسم إلى: ما هو مشهور بين أهل الحديث وغيرهم، نحو: "المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤)، وبين أهل الحديث خاصة، كقنوته ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو على رعل وذكوان) (٥)(٦).
ثم ذكر وَجْه اختصاصه بالشهرة عندهم، ثم قال: (ومن المشهور المتواتر). إلى آخِر ما
стр. 518
سبق نقله عنه.
وفسره الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" بما يقتضي أنه أَخَص من "المتواتر" وأعلى منه، فيكون قولًا رابعًا، فقالا: (الاستفاضة أن ينتشر من ابتدائه بين البر والفاجر، ويتحققه العالم والجاهل، ولا يشك فيه سامع، إلى أن ينتهي) (١).
عَنَيا استواء الطرفين و [الواسطة] (٢).
قالا: (وهو أقوى الأخبار وأثبتها حُكمًا. و"التواتر": أن يبتدئ به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم، ويبلغوا قدرًا ينتفي عن مِثلهم التواطؤ والغلط، فيكون في أوله من أخبار الآحاد، وفي آخِره من "المتواتر") (٣).
ومرادهما بِـ"أوله" أول أمره، لا أول الطبقات من الأسفل.
ثم قالا: (والفرق بينهما من ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، وثانيها: أن الاستفاضة لا يراعَى فيها عدالة المخبِر، بخلاف المتواتر. وثالثها: أن الانتشار في الاستفاضة من غير قصد، والانتشار في المتواتر بالقصد، ويستويان في: انتفاء الشك، ووقوع العِلم بهما، وعدم الحصر في العَدد، وانتفاء التواطؤ على الكذب من المخبِرين) (٤).
ومَثَّلا "المستفيض" بعدد الركعات، و"المتواتر" بوجوب الزكوات.
وما اشترطاه في الاستفاضة من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب مفرَّع على قولهما في شهادة الاستفاضة بذلك، وبه قال ابن الصباغ والغزالي والمتأخرون.
стр. 519
قال الرافعي: (وهو أشبه بكلام الشافعي) ((١).
ولكن الذي اختاره الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق وأبو حاتم القزويني أنَّ أَقَل ما تثبت به الاستفاضة اثنان، وإليه ميل إمام الحرمين.
وقولي: (إنْ شَاعَ عَنْ أَصْلٍ) هذا متضمن لتعريف هذا النوع وهو "المشهور" بأنه: الشائع عن أصل. أي: الشائع بين الناس لكن بشرط أن يكون عن أصل؛ فخرج ما شاع لا عن أصلٍ يُرجَع إليه، فإنه مقطوع بكذبه.
وقولي: (والْمَذْكُورُ أَقَلُّهُ اثْنَانِ) أي: هذا الذي يسمى "المشهور" و"المستفيض" أقله اثنان، وقيل: عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقد سبق تقرير القولين وتعيين قائلهما.
وقال الآمدي: (هو ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة) (٢).
وقيل: المستفيض ما تلقته الأُمة بالقبول. وعن الأستاذ أنه ما اشتهر عن أئمة الحديث. فلتضم هذه الأقوال إلى ما سبق.
تنبيه:
قد عُلم من دخوله - على المرجَّح - تحت الآحاد أنه يفيد الظن كما سيأتي، لكن الظن فيه أوكد من غيره. ومَن سَوَّى بينه وبين "المتواتر" أو قال: إنه أعلى منه، فهو مفيد عنده القطع، وكذا مَن يشترط استحالة الكذب في رواته، والله أعلم.
وقولي: (وَقَوْلُ الْوَاحِدِ) إلى آخِره وبعده:
стр. 520
ص:
٢٨٠ - وَهَكَذَا رَاوٍ وَلَوْ في دِينِي ... سَمْعًا، وَلَا يُشْعِرُ بِالْيَقِينِ
٢٨١ - إلَّا إذَا انْضَمَّ لَهُ قَرِينَه ... وَشَرْطُهُ أَذْكُرُهُ مُبِينَه
٢٨٢ - عَدَالَةُ الرَّاوِي، كَذَا مُرُوءَتُه ... وَضَبْطهُ، فَهَذِهِ شَرِيطَتُهْ
الشرح:
هو بيان لحكم خبر الآحاد، والكلام فيه في ثلاثة مواضع: في الاحتجاج به، وهل يفيد الظن؟ أو اليقين؟ وفي شروطه.
الاول:
يُعمل به بإجماع في ثلاثة أماكن:
- في الفتوى، ومنها الحكم؛ لأنه في المعنى فتوى، وزيادة التنفيذ بشروطه المعروفة، فلذلك استغنيت عن التصريح به بذلك.
- وفي الشهادة، سواء شُرط العدد أو لا؛ لأنه لم يخرج عن الآحاد.
- وفي الرواية في الأمور الدنيوية، كالمعاملات ونحوها. وأما في الأمور الدينية فعلَى الصحيح من الخلاف الآتي بيانه؛ ولذلك قلت: (وَلَوْ في دِينِي) إيماءً إلى أنه محل الخلاف.
وممن صرح بأن الثلاثة الأُولى محل وفاق القفال الشاشي في كتابه والماوردي والروياني وابن السمعاني، حيث قسموا خبر الواحد إلى ما يحتج به فيه بالإجماع، كالشهادات والمعاملات، ومنها الإخبار بإذن صاحب الدار في دخولها وأكل الهدية بإخباره.
قال القفال: ولا خلاف في قبوله؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
стр. 521
قال الماوردي ومن بعده: (لا يراعى فيه عدالة المخبر، وإنما يراعى سكون النفْس إلى خبره، فيقبل من كل بر وفاجر، ومسلم وكافر، وحر وعبد، فإذا قال الواحد منهم: "هذه هدية فلان إليك"، أو: "هذه الجارية وهبها فلان لك"، أو: "كنت أمَرتَه بشرائها فاشتراها"، كُلِّف المخبَر قبول قوله إذا وقع في نفسه صِدقه، ويحل له الاستمتاع بالجارية والتصرف في الهدية، وكذا الإذن في دخول الدار. وهذا شيء متعارَف في الأمصار مِن غير نكير) (١).
ويلتحق بذلك خبر الصبي فيه على الصحيح.
قلت: وعَدُّ هذا ونحوه من المعاملات الدنيوية فيه نظر، وإنما ينبغي أن يكون قِسمًا من الديني وقع فيه الإجماع؛ لاطِّراد العادات فيه والتعارف، وإلا فأكل الهدية والتصرف فيها ووطء الجارية حُكم شرعي، ويرشد إلى ما قُلتُه أن الفتوى والشهادة إجماع مع أنهما من الديني أيضًا؛ ولذلك أشار الشافعي في الاستدلال بحمل ما سواهما من الديني عليهما؛ إذْ لا فارق، وذلك أنه لَمَّا صنف كتابًا في إثبات العمل بخبر الواحد، أوسع فيه الباع، وساق فيه نحو الثلاثمائة حديث عُمِل فيها بخبر الواحد.
قال بعد ذلك: ومَن الذي يُنكر خبر الواحد والحكام آحاد والمفتون آحاد والشهود آحاد؟ !
وقد افتتح الشافعي كت هذا الكتاب بحديث: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها" (٢). الحديث المشهور.
ظ عترض ابن داود بأنه أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، فقال أصحابه: إن ما قاله
стр. 522
باطل؛ لأن الشافعي ﵁ إنما استدل بما تضمنه مجموع ما ذكره من الأحاديث، وسنشير إلى بعض شيء منها.
وحاصل ما في العمل بخبر الواحد في الأمور الدينية من الخلاف المنتشر المشهور أقوال:
أحدها: أن العمل به جائز عقلًا، وواجب سمعًا. وهو قول الجمهور. قال أبو العباس ابن القاص: لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد، وإنما دفع بعض أهل الكلام خبر الآحاد لعجزه عن السُّنن، زعم أنه لا يقبل منها إلا ما تواتر بخبر مَن لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهذا ذريعة إلى إبطال السُّنن، فإنَّ ما شَرَطَه لا يكاد يوجد إليه سبيل.
وقد استدل الشافعي بقضية أهل قباء لَمَّا أتاهم آتٍ وقال: إن القبلة قد حولت. فرجعوا إليه (١)، وبإرساله ﷺ عماله واحدًا بعد واحد؛ ليخبروا الناس بالشرائع. وبسط كلامه في ذلك في "الرسالة" بسطًا شافيًا.
ومما احتجوا به أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وغير ذلك من الأدلة.
ولسنا بصدد ذلك في هذا الشرح المختصر، فأصحاب هذا القول اتفقوا على أن الدليل السمعي دل عليه من الكتاب والسُّنة وعمل الصحابة ورجوعهم كما ثبت ذلك بالتواتر. واختلفوا في أن الدليل العقلي هل دَلَّ على وجوب العمل مع ذلك؟ أم لا؟
فالأكثرون على المنع، وهو معنى قولي في النظم: (سَمْعًا) أيْ: فقط؛ إذ مفهومه أنه لا يُعمل به بغير السمع.
وذهب الأقلون إلى أن العقل دل أيضًا، فنقل ذلك عن أحمد وابن سريج والصيرفي
стр. 523
والقفال - مِنَّا - وأبي الحسين البصري من المعتزلة.
قالوا: لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر، وفي ترك ذلك أعظم الضرر، ولأن العمل به يفيد دفع ضرر مظنون؛ فكان العمل به واجبًا، ولأنه ﷺ مبعوث إلى جميع الناس ولا يمكن مشافهة الكل، فلا بُدَّ من بعث الرُّسل، وإرسال عدد التواتر لكل الأقطار قد يتعذر؛ فلا يَلزم ذلك، فوجب قطعًا أن يُكتفَى بالآحاد.
وذكروا نحو ذلك مما لا ينتهض - عند التأمل - أن يدل عقلًا.
وقد استغرب عزو ذلك إلى غير أبي الحسين المعتزلي مع أنهم أئمة أهل السُّنة، فقيل: لأن القفال كان أول أمره معتزليًّا، فَلَعَلَّه قال ذلك وقت اعتزاله، وابن سريج كان يناظر ابن داود، فلعله بالغ في الرد عليه؛ فَتُوُهِّم منه هذا القول.
وأما أحمد ﵁ فيمكن الاعتذار عنه بأنه أراد أنه ليس في العقل ما يمنع العمل به، أو قصد ما هو معلوم من أن الأدلة النقلية لا تخلو عن مقدمة عقلية في الدلالة وإنْ كانت محذوفة؛ للعلم بها، فلا منع أنْ يُصرِّح بها عند وجود المعاند. وربما يُعتذَر عن الجميع بذلك.
ومَن قال بهذا فوجوب العمل به عنده قطعي، ومَن قال بالأول فكذلك أيضًا؛ لأن ما استدلوا به مقطوع به بالضرورة.
قال ابن دقيق العيد: والحقُّ عندنا في الدليل - بعد اعتقاد أن المسألة عِلمية - أنَّا قاطعون بعمل السلف والأُمة بخبر الواحد، وهذا القطع حصل لنا من تتبعُّ الشريعة وبلوغ جزئيات لا يمكن حصرها، ومَن تتبَّع أخبار النبي ﷺ والصحابة والتابعين وجمهور الأُمة - ما عدا الفِرقة اليسيرة المخالفة - عَلِم ذلك قطعًا.
واعْلَم أن إمام الحرمين أول "البرهان" قال: (إنَّ إطلاق وجوب العمل بخبر الواحد فيه تساهُل؛ لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لَعُلِم ذلك منه، وهو لا يثمر عِلمًا، وإنما وجب
стр. 524
العمل عند سماعه بدليل آخَر وهي الأدلة القطعية على وجوب العمل عند رواية الآحاد. فالتحقيق - وهو قول المحققين - أنه يوجِب العمل عنده، لا بِه) (١).
قال: وهكذا القول في العمل بالقياس.
القول الثاني: إنَّ العمل بالآحاد لا يجب وإنْ كان جائزًا عقلًا، ونُقل ذلك عن ابن داود والرافضة، ونقله ابن الحاجب عن [القاساني] (٢)، لكن سيأتي أنه ممن يقول بمنعه عقلًا، فلا ينبغي أن ينقل عنه هذا المذهب.
واحتجوا لهذا القول بنحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وأجيب بأنه محمول على ما يجب فيه العمل باليقين، كالاعتقادات كما سيأتي بيانه.
القول الثالث: إنه لا يجوز العمل به؛ لعدم الدليل على حجيته.
الرابع: إن العمل به غير جائز عقلًا. وهو قول جمهور القدرية وطائفة من الظاهرية كالقاساني وغيره، ونقله ابن الحاجب عن الجبَّائي، لكن الصحيح في النقل عنه تفصيل يأتي ذِكره.
قالوا: لأنه يؤدي إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام إذا رُوي كل منهما في محل واحد بالآحاد وكان أحدهما راجحًا. فإن لم يكن ترجيح، أدَّى إلى الجمع بين النقيضين أو الترجيح بلا مرجِّح.
ورُدَّ: بأنَّا إنْ قُلنا: (المصيب من المجتهدين واحد)، فإن كان الراجح هو الحقّ في نفس الأمر فواضح, وإن كان غيره فلَم يُكلَّف إلا بما غلب على ظنه وإن كان خطأ في نفس الأمر،
стр. 525
وعند التساوي يوقف إلى أن يتبين الرجحان؛ فلا يَلزم شيء مما قُلتم.
القول الخامس: لا يعمل به في الحدود؛ لأن الحدود تُدْرَأ بالشُّبهات، وكونه لم يُرْوَ إلا بالآحاد شُبهة. وهو قول الكرخي. وعبارة أبي الحسين في هذا القول المنع فيما ينتفي بالشبهة، وذلك أعم أن يكون حدودًا أو غيرها. قال: وأيضًا فإنَّ الكرخي يَقبله في إسقاط الحدود ولا يَقبله في إثباتها.
السادس: إنه لا يُعمل به في ابتداء النُّصُب، بخلاف غيرها. والفَرق أن ابتداء النصُب أصل والزائد فرع، فيقبل في النصاب الزائد على خمسة أوسق، ولا يقبل في ابتداء نصاب الفصلان (١) والعجاجيل؛ لأنه أصل. نقل ذلك ابن السمعاني عن بعض الحنفية.
السابع: لا يُعمل به فيما عمل الأكثر بخلافه. والحقُّ أنَّ عمل الأكثر مُرجَّح به، لا مانع.
الثامن: لا يعمل به إذا خالف عمل أهل المدينة. وهو قول المالكية؛ ولهذا نفوا خيار المجلس.
التاسع: لا يعمل به فيما تَعُم به البَلْوَى. وهو قول الحنفية؛ ولهذا أنكروا خبر نقض الوضوء مِن مَسِّ الذكَر والجهر بالبسملة وغيره.
العاشر: لا يقبل إذا خالفه راوِيه. نقل عن الحنفية؛ ولذلك لم يوجبوا السَّبع في الولوغ؛ لمخالفة أبي هريرة ﵁ لروايته.
وقال صاحب "البديع" منهم: إن محله إذا خالفه بعد الرواية، فإنْ خالفه قَبل الرواية فلا يُرَد، وكذا إذا جُهل التاريخ.
الحادى عشر (عن الحنفية أيضًا): إنه لا يقبل ما عارض القياس؛ ولهذا ردوا خبر
стр. 526
المُصَرَّاة. وقيَّده البيضاوي بكونه عند عدم فِقه الراوي، فإنْ كان فقيهًا فلا يُرد ولو خالف القياس.
نعم، في "اللمع" (١) للشيخ أبي إسحاق أن أصحاب مالك أطلقوا أنه لا يُقبل إذا خالف القياس، وأن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إذا خالف قياس الأصول، لم يُقبل. وذكروه في أحاديث الوقف والقرعة والمصراة.
قال: (فإنْ أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول فهو قول المالكية، وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسُّنة والإجماع فليس معهم فيما ردوه كتاب ولا سُنة). انتهى
نعم، الصحيح عند الحنفية - وحكاه في "البديع" عن الأكثرين - تقديم الخبر على القياس مطلقًا. وقال الباجي: إنه الأصح عندي مِن قول مالك ﵁، فإنه سُئل عن حديث المصراة فقال: أَوَ لِأَحَدٍ في هذا الحديث رأْي؟ !
وفي المسألة قول ثالث اختاره الآمدي وابن الحاجب: إنْ كانت العلة ثبتت بنص راجح على الخبر في الدلالة وهي موجودة في الفرع قطعًا فالقياس مقدَّم، أو ظنًّا فالتوقف، أو ثبتت لا بنصٍّ راجح فالخبر مقدم.
وقول رابع: إنهما متساويان مطلقًا. حكاه الباجي عن القاضي أبي بكر.
الموضع الثاني من الكلام في خبر الواحد:
أنه وإنْ وجب العمل به فإنه إنما يفيد الظن، ولا يفيد القطْع إلا بقرينة، وهو معنى قولي: (وَلَا يُشْعِرُ بِالْيَقِينِ) إلى آخِره.
стр. 527
والمسألة فيها مذاهب:
أرجحها: أنه لا يفيد العلم إلا إذا انضم إليه قرائن يَقطع السامع مع وجودها بصدق الخبر، كإخبار مَلِك عن موت ولده المريض عنده مع قرينة البكاء وإحضار الكفن وآلات الدفن ونحو ذلك، وأما تجويز أن يكون قد أغمي عليه فلا يقدح في المسألة، بل في المقال، فيضيق الفرض فيه بما يمنع الحمل على الإغماء من قرينة أخرى.
وإنما مرَدُّ القرائن إلى ما يحصُل معه القطْع؛ إذ منها ما لا يعبر عنه كما يظهر بِوَجْه الخجِل والوَجِل؛ ولهذا قال المازري: إن القرائن لا يمكن أن تضبَط بعبارة.
وقال غيره: يمكن أن تضبط بما تسكن إليه النفْس، كالسكن للمتواتر أو قريب منه بحيث لايبقى فيه احتمال عنده.
ومن القرائن المفيدة للقطع: نحو الإخبار بحضرته ﷺ فلا ينكره، أو بحضرة جمعٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب، أو تتلقاه الأُمة بالقبول - على رأي ابن الصلاح حيث قال: (إن ما في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما مِن لازِم تَلَقِّي الأُمة له بالقبول اتفاق الأُمة على صحته، فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه، خلافًا لمن نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد. في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ).
قال الشيخ: (وقد كنت أميل إلى هذا وأَحسبه قويًّا، ثم بان لي أن ما اخترته هو الصحيح؛ لأن ظن مَن هو معصوم مِن الخطأ لا يخطئ، والأُمة في إجماعها معصومة من الخطأ؛ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حُجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك) (١).
انتهى النووي: (إن الشيخ قد خالفه في ذلك المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم
стр. 528
يتواتر؛ لأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ولا يَلْزَم مِن إجماع الأُمة على العمل بما فيها إجماعهم على أنه مقطوع به مِن كلام رسول الله ﷺ ) (١).
وممن أَنكَر هذه المقالة ابن برهان وابن عبد السلام وغيرهما.
فإنْ لم تحتف بالآحاد قرائن فلا يفيد اليقين؛ لاحتمال الغلط والسهو ونحو ذلك.
وبهذا التفصيل قال الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي وغيرهم من المتأخرين.
والقول الثاني: إنه لا يفيد العلم مطلقًا. وبه قال الأكثرون. قال الحارث المحاسبي في كتاب "فهم السنن": هو قول أكثر أهل الحديث [من] (٢) أهل الرأي والفقه.
الثالث وهو قول أهل الظاهر: إنه يفيد العِلم مطلقًا. ونقله ابنُ عبد البر عن الكرابيسي، والباجيُّ عن أحمد وابنِ خُويز منداد. زاد [المازري] (٣): وإنه (٤) نَسَبَه إلى مالك، وأنه نَصَّ عليه. ولكن نازعه (٥) بأنه لم يعثر لمالك على نَص فيه، قال: ولَعَلَّه رأَى مقالة تشير إليها، ولكنها مُتَأَوَّلة.
الرابع: إنه يوجب العلم الظاهر دون الباطن. نقله المازري، وأرادوا أنه يُثْمر الظن
стр. 529
القوي، وإلا فالعلم لا يتفاوت كما قرر ذلك الصيرفي وابن فورك، وحينئذ فيَرْجِع إلى القول بأنه لا يفيد العلم؛ ولهذا نقله الصيرفي عن جمهور العلماء، منهم الشافعي.
وحمل بعضهم ما نُقل عن أحمد أنه أراد الخبر المشهور، وهو الذي صحت له أسانيد متعددة سالمة عن الضعف والتعليل، فإنه يفيد العِلم النظري لكن لا بالنسبة إلى كل أحد، بل إلى الحافظ المتبحر.
الخامس: نقله السهيلي في "أدب الجدل"، وهو غريب: إنه يوجب العلم إن كان في إسناده إمام مثل مالك وأحمد وسفيان، وإلا فلا.
والسادس: إنَّ غير المستفيض منه لا يفيد العلم، والمستفيض يفيد العلم النظري، بخلاف المتواتر، فإنه يفيده ضرورةً.
تنبيه:
قيل: الخلاف في المسألة لفظي.
وليس كذلك.
فمن فوائده: هل يكفر جاحد ما ثبت بخبر الواحد؟ إنْ قُلنا: يفيد العلم، كفر. وقد حكى ابن حامد من الحنابلة في تكفيره وجهين، ولعل هذا مأخذهما، لكن التكفير بمخالفة المجمع عليه لا بُدَّ أن يكون معلومًا من الدِّين بالضرورة كما سبق، فهذا أولى؛ إذْ لا يَلْزم مِن القطْع أن يكفر منكره.
ومنها: هل [يفيد] (١) خبر الواحد في أصول الديانات؟ إنْ قلنا: يفيد العلم، قُبِل، وإلا فلا.
стр. 530
قولي: (وَشَرْطُهُ أَذْكُى مُبِينَهْ) أَيْ: وشرط العمل بخبر الواحد (سواء قلنا: يفيد الظن أو العِلم) ما أذكره بعد ذلك مبينًا له ومفصِّلًا، وهو ثلاثة شروط: عدالة الراوي ومروءته، وضبطه. وسيأتي شرحها في الأبيات التي بعد هذه موضحة إن شاء الله تعالى.
ونصب (مُبِينَهْ) على الحال؛ لأنه نَكرة؛ لكون إضافته غير مَحْضة.
والمراد بالشرط مجموع الشروط؛ لأن المفرد المضاف يَعُم.
وضابط الشروط في رواته: صفات تُغَلِّب على الظن أن المخبِر صادق.
ولم أذكر من الشروط:
- ما ذكره البيضاوي وغيره مما يرجِع إلى المخبَر عنه، ككون اللفظ لا يخالفه قاطع؛ لأن هذا الشرط جارٍ في كل عملٍ بظني، لا بخصوص خبر الواحد.
- ولا ما يرجع إلى نفس الخبر، كألفاظ الراوي في كيفية روايته؛ لأن ذلك مما يتحقق به وجود الرواية وصدقها عمن رُويت عنه؛ لأن [مِن] (١) شرائط العمل بها تقدم وجودها. والله أعلم.
ص:
٢٨٣ - أَمَّا الْعَدَالَةُ فَتِلْكَ مَلَكَهْ ... مَانِعَةُ اقْتِرَافِ كُلِّ هَلكَهْ
٢٨٤ - كَبِيرَةً تَكُونُ أَوْ إِصْرَارَا ... عَلَى صَغِيرَةٍ، أَيِ الْإكْثَارَا
الشرح:
الشرط الأول من شروط الراوي الذي يجب العمل بخبره: العدالة.
وهى لُغةً: التوسط في الأمر من غير ميل إلى أحد الطرفين، بل يكون معتدلًا، لا إفراط