المُصَرَّاة. وقيَّده البيضاوي بكونه عند عدم فِقه الراوي، فإنْ كان فقيهًا فلا يُرد ولو خالف القياس.
نعم، في "اللمع" (١) للشيخ أبي إسحاق أن أصحاب مالك أطلقوا أنه لا يُقبل إذا خالف القياس، وأن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إذا خالف قياس الأصول، لم يُقبل. وذكروه في أحاديث الوقف والقرعة والمصراة.
قال: (فإنْ أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول فهو قول المالكية، وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسُّنة والإجماع فليس معهم فيما ردوه كتاب ولا سُنة). انتهى
نعم، الصحيح عند الحنفية - وحكاه في "البديع" عن الأكثرين - تقديم الخبر على القياس مطلقًا. وقال الباجي: إنه الأصح عندي مِن قول مالك ﵁، فإنه سُئل عن حديث المصراة فقال: أَوَ لِأَحَدٍ في هذا الحديث رأْي؟ !
وفي المسألة قول ثالث اختاره الآمدي وابن الحاجب: إنْ كانت العلة ثبتت بنص راجح على الخبر في الدلالة وهي موجودة في الفرع قطعًا فالقياس مقدَّم، أو ظنًّا فالتوقف، أو ثبتت لا بنصٍّ راجح فالخبر مقدم.
وقول رابع: إنهما متساويان مطلقًا. حكاه الباجي عن القاضي أبي بكر.
الموضع الثاني من الكلام في خبر الواحد:
أنه وإنْ وجب العمل به فإنه إنما يفيد الظن، ولا يفيد القطْع إلا بقرينة، وهو معنى قولي: (وَلَا يُشْعِرُ بِالْيَقِينِ) إلى آخِره.
стр. 527
والمسألة فيها مذاهب:
أرجحها: أنه لا يفيد العلم إلا إذا انضم إليه قرائن يَقطع السامع مع وجودها بصدق الخبر، كإخبار مَلِك عن موت ولده المريض عنده مع قرينة البكاء وإحضار الكفن وآلات الدفن ونحو ذلك، وأما تجويز أن يكون قد أغمي عليه فلا يقدح في المسألة، بل في المقال، فيضيق الفرض فيه بما يمنع الحمل على الإغماء من قرينة أخرى.
وإنما مرَدُّ القرائن إلى ما يحصُل معه القطْع؛ إذ منها ما لا يعبر عنه كما يظهر بِوَجْه الخجِل والوَجِل؛ ولهذا قال المازري: إن القرائن لا يمكن أن تضبَط بعبارة.
وقال غيره: يمكن أن تضبط بما تسكن إليه النفْس، كالسكن للمتواتر أو قريب منه بحيث لايبقى فيه احتمال عنده.
ومن القرائن المفيدة للقطع: نحو الإخبار بحضرته ﷺ فلا ينكره، أو بحضرة جمعٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب، أو تتلقاه الأُمة بالقبول - على رأي ابن الصلاح حيث قال: (إن ما في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما مِن لازِم تَلَقِّي الأُمة له بالقبول اتفاق الأُمة على صحته، فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه، خلافًا لمن نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد. في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ).
قال الشيخ: (وقد كنت أميل إلى هذا وأَحسبه قويًّا، ثم بان لي أن ما اخترته هو الصحيح؛ لأن ظن مَن هو معصوم مِن الخطأ لا يخطئ، والأُمة في إجماعها معصومة من الخطأ؛ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حُجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك) (١).
انتهى النووي: (إن الشيخ قد خالفه في ذلك المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم
стр. 528
يتواتر؛ لأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ولا يَلْزَم مِن إجماع الأُمة على العمل بما فيها إجماعهم على أنه مقطوع به مِن كلام رسول الله ﷺ ) (١).
وممن أَنكَر هذه المقالة ابن برهان وابن عبد السلام وغيرهما.
فإنْ لم تحتف بالآحاد قرائن فلا يفيد اليقين؛ لاحتمال الغلط والسهو ونحو ذلك.
وبهذا التفصيل قال الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي وغيرهم من المتأخرين.
والقول الثاني: إنه لا يفيد العلم مطلقًا. وبه قال الأكثرون. قال الحارث المحاسبي في كتاب "فهم السنن": هو قول أكثر أهل الحديث [من] (٢) أهل الرأي والفقه.
الثالث وهو قول أهل الظاهر: إنه يفيد العِلم مطلقًا. ونقله ابنُ عبد البر عن الكرابيسي، والباجيُّ عن أحمد وابنِ خُويز منداد. زاد [المازري] (٣): وإنه (٤) نَسَبَه إلى مالك، وأنه نَصَّ عليه. ولكن نازعه (٥) بأنه لم يعثر لمالك على نَص فيه، قال: ولَعَلَّه رأَى مقالة تشير إليها، ولكنها مُتَأَوَّلة.
الرابع: إنه يوجب العلم الظاهر دون الباطن. نقله المازري، وأرادوا أنه يُثْمر الظن
стр. 529
القوي، وإلا فالعلم لا يتفاوت كما قرر ذلك الصيرفي وابن فورك، وحينئذ فيَرْجِع إلى القول بأنه لا يفيد العلم؛ ولهذا نقله الصيرفي عن جمهور العلماء، منهم الشافعي.
وحمل بعضهم ما نُقل عن أحمد أنه أراد الخبر المشهور، وهو الذي صحت له أسانيد متعددة سالمة عن الضعف والتعليل، فإنه يفيد العِلم النظري لكن لا بالنسبة إلى كل أحد، بل إلى الحافظ المتبحر.
الخامس: نقله السهيلي في "أدب الجدل"، وهو غريب: إنه يوجب العلم إن كان في إسناده إمام مثل مالك وأحمد وسفيان، وإلا فلا.
والسادس: إنَّ غير المستفيض منه لا يفيد العلم، والمستفيض يفيد العلم النظري، بخلاف المتواتر، فإنه يفيده ضرورةً.
تنبيه:
قيل: الخلاف في المسألة لفظي.
وليس كذلك.
فمن فوائده: هل يكفر جاحد ما ثبت بخبر الواحد؟ إنْ قُلنا: يفيد العلم، كفر. وقد حكى ابن حامد من الحنابلة في تكفيره وجهين، ولعل هذا مأخذهما، لكن التكفير بمخالفة المجمع عليه لا بُدَّ أن يكون معلومًا من الدِّين بالضرورة كما سبق، فهذا أولى؛ إذْ لا يَلْزم مِن القطْع أن يكفر منكره.
ومنها: هل [يفيد] (١) خبر الواحد في أصول الديانات؟ إنْ قلنا: يفيد العلم، قُبِل، وإلا فلا.
стр. 530
قولي: (وَشَرْطُهُ أَذْكُى مُبِينَهْ) أَيْ: وشرط العمل بخبر الواحد (سواء قلنا: يفيد الظن أو العِلم) ما أذكره بعد ذلك مبينًا له ومفصِّلًا، وهو ثلاثة شروط: عدالة الراوي ومروءته، وضبطه. وسيأتي شرحها في الأبيات التي بعد هذه موضحة إن شاء الله تعالى.
ونصب (مُبِينَهْ) على الحال؛ لأنه نَكرة؛ لكون إضافته غير مَحْضة.
والمراد بالشرط مجموع الشروط؛ لأن المفرد المضاف يَعُم.
وضابط الشروط في رواته: صفات تُغَلِّب على الظن أن المخبِر صادق.
ولم أذكر من الشروط:
- ما ذكره البيضاوي وغيره مما يرجِع إلى المخبَر عنه، ككون اللفظ لا يخالفه قاطع؛ لأن هذا الشرط جارٍ في كل عملٍ بظني، لا بخصوص خبر الواحد.
- ولا ما يرجع إلى نفس الخبر، كألفاظ الراوي في كيفية روايته؛ لأن ذلك مما يتحقق به وجود الرواية وصدقها عمن رُويت عنه؛ لأن [مِن] (١) شرائط العمل بها تقدم وجودها. والله أعلم.
ص:
٢٨٣ - أَمَّا الْعَدَالَةُ فَتِلْكَ مَلَكَهْ ... مَانِعَةُ اقْتِرَافِ كُلِّ هَلكَهْ
٢٨٤ - كَبِيرَةً تَكُونُ أَوْ إِصْرَارَا ... عَلَى صَغِيرَةٍ، أَيِ الْإكْثَارَا
الشرح:
الشرط الأول من شروط الراوي الذي يجب العمل بخبره: العدالة.
وهى لُغةً: التوسط في الأمر من غير ميل إلى أحد الطرفين، بل يكون معتدلًا، لا إفراط
стр. 531
ولا تفريط.
وأما في الشرع: فهي مَلَكَة مانعة من اقتراف كبيرة، ومن إصرار على صغيرة.
فَـ "مَلَكَة" جنس، وهي الصفة الراسخة في النفْس. أما الكيفية النفسانية في أول حدوثها قبل أن ترسخ فتسمى "حالًا"، و [لذلك] (١) عِيبَ على صاحب "البديع" في تعبيره بأن "العدالة": (هيئة في النفس) إلى آخِره؛ لشمولها الحال والملكة.
ويعرف هذا الرسوخ بغلبة الطاعات كما قال الشافعي في "الرسالة" ما نَصه: (وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه، وإنما علامة صدقه ما يخبر عن (٢) حاله في نفسه، فإذا كان الأغلب من أمره ظاهر الخير، قُبل) (٣). انتهى
وهو معنى قول ابن القشيري: إن الذي صح عن الشافعي أنه قال: ليس في الناس من يُمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية، ولا من المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى رَد الكل ولا إلى قبول الكل. فإنْ كان الأغلب من أمر الرجُل الطاعة والمروءة، قبلت شهادته وروايته. وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، رددتها.
وكذا جرى على نحو ذلك أبو بكر الصيرفي وغيره. وما أحسن ما تأسى بذلك محمد بن يحيى في تعليقته، فقال: (العدل مَن اعتاد العمل بواجب الدِّين، واتبع إشارة العقل فيه برهَةً من الدهر حتى صار ذلك عادةً ودَيْدنًا له، والعادة طبيعة خامسة، فيغلب دينه بحكم التمرين و [الترسخ] (٤) في النفس، فيوثق بقوله، بخلاف الفاسق، فإنه الذي يُتبع نَفْسه
стр. 532
هواها، فأَلِفَ ارتكابَ المحظورات واقتضاء [الشهوات] (١)؛ فضَعُف وازع الدِّين بسبب ذلك، فلا يُوثق بقوله). انتهى
وخرج بِقَيْد كَوْن الملكة مانعة من اقتراف الكبيرة والإصرار على الصغيرة: مَن لا تمنعه من ذلك، وهو الفاسق، وسيأتي بيان ذلك موضَّحًا.
فإن قلتَ: فقد أَدْخَل الشافعي في العدالة تعاطي المروءة، وكذا في عبارة الأكثر من الفقهاء والأصوليين، حتى جرى على ذلك من المتأخرين البيضاوي وغيره، وعبارة صاحب "جمع الجوامع" في تعريف العدالة: مَلَكَة تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخِسة والرذائل المباحة وهوى النفس.
فأشار بِـ"صغائر الخسة" إلى نحو سرقة لقمة، و"الرذائل المباحة" إلى ما يُخل بالمروءة منها، كالبَول في الطريق ونحوه مما سنذكره في موضعه. وبِـ"هوى النفس" إلى ما ذكره والده الشيخ تقي الدين - من تفقهه - من الاحتراز به عن انبعاث الأغراض حتى لا يملك نفسه عن اتباع هواها وإلا لخرج بذلك عن الاعتدال.
فلِمَ أسقطتها من التعريف؟
فالجواب عن إدخال المروءة أن مراد الشافعي ومَن تبعه على ذلك ذكر العدالة المعتبرة في الشاهد والراوي، لا العدالة من حيث هي، فضمنوا المروءة معناها لذلك، وإنما هي في الحقيقة شرط في قبول الشهادة والرواية كما يشترط فيها الضبط، ولا تدخل في حقيقة العدالة؛ ولهذا ترى في كُتب أصحابنا - كما في شرحَي الرافعي و"الروضة" وغيرها - جَعْل العدالة والمروءة شرطين متغايرين، فلو دخلت المروءة في العدالة لَاكتفي بالعدالة وجعلت شرطًا واحدًا.
стр. 533
وممن تعقب على البيضاوي في ذلك السبكي في شرحه، وأجاب بما أجبنا به عن الشافعي والأصحاب، إلا أنه لم يقتصر على ذلك، بل جعلها أنواعا نقلها عن الماوردي، وأن منها ما هو شرط في العدل، وستأتي عبارته بتمامها في الكلام على الشرط الثاني.
قال: (ومَن يُدْخل المروءة في العدالة فإنما يريد بذلك نوعًا منها، لا الجميع). انتهى
ومراده بكونه في نوع منها أنه شرط فيما يشترط فيه، لا أنه من حقيقة ذلك النوع حتى يحتاج لذكره، بل ذكره شرطًا مفردًا لقبول الشهادة والرواية أوضح وأَوْلى؛ لئلا يتوهم أنه من حقيقة العدالة.
ويستغنى في المخل بالمروءة عن التعرض لنوعَيْه، وهُما كونه معصية (كسرقة لقمة) أو مباحًا (كالبول في الطريق)، وحينئذ فلم يُحْتَج إلى قوله: (وصغائر الخسة).
نعم، ظاهر كلام الشافعي السابق أن العدالة المعتبرة في الشاهد هي المعتبرة في الراوي وإنْ شُرِط في الشاهد زيادة الحرية والعدد ونحو ذلك، فيرجح بذلك أحد الوجهين المحكيين عن الأصحاب أن عدالة الراوي هل يشترط أن تنتهي إلى عدالة الشاهد؟ أَمْ لا؟ حكاهما ابن عبدان في شرائط الأحكام:
أحدهما: أنه يعتبر في الراوي عدالة مَن يقبله الحاكم في الدماء والفروج والأموال.
وثانيهما: يُقبل في الرواية مَن ظاهره الدِّين والصدق.
وأما زيادة الاحتراز عن هوى النفس فيستغنى عنه بالملكة؛ لأنه ينافيها، ومما يؤيده ما سبق نقله عن محمد بن يحيى.
قولي: (مَانِعَةُ اقْتِرَافِ) هو صفة لملكة، وإطلاق الهلكة على ما ذكر لأنه سبب للهلاك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦]، وفي حديث المجامع في رمضان:
стр. 534
"هلكتُ وأهلكت؛ واقعت أهلي في رمضان" (١)، وفي الحديث كما سيأتي: "اجتنبوا السبعَ الموبقات" (٢). أيْ: الملقيات في الهلاك وهو العذاب.
ولم أجمع لفظ "الكبيرة"، بل أفردتُ فقلتُ: (كُلِّ هَلَكَة) وإنْ عبَّر كثيرٌ بالجمع، كالبيضاوي، فقالوا: (تمنع من اقتراف الكبائر)؛ لأن ذلك يوهم أن اقتراف الكبيرة الواحدة لا يقدح.
وأما جواب بعض الشراح عن ذلك بأن الملكة إذا قويتْ على دفع الجُملة، قويتْ على دفع البعض من باب أَوْلى - فغير ظاهر؛ لأنه يقال: قد تُسْتَهْوَن الواحدة وتَنْفِرُ النفْس عن الكثير، فتكون الملكة موجودة ولكنها ضعيفة، فانعكس المعنى الذي قاله.
وقولي: (كَبِيرَةً تَكُونُ) إلى آخِره - هو تفصيل للذنب الذي هو هلكة، أي: إنه إما كبيرة وإما إصرار على صغيرة، وربما جعل الإصرار من الكبائر كما قال الغزالي في "الإحياء" في كتاب التوبة: إنَّ الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة.
وحينئذ فإما أن يكون مراده بذلك أنها مثل الكبيرة؛ لِمَا يشتركان فيه من المعنى، فأطلق عليها "كبيرة" مجازًا؛ لذلك، لا أنها كبيرة على الحقيقة. أو تكون كبيرة حقيقةً لكنه عطف على "الكبيرة" من عطف الخاص على العام. لكن الأول أوضح.
بل قال أبو طالب القُضاعي في كتاب "تحرير القال في موازنة الأعمال": إن الإصرار حُكمه حُكم ما أصر به عليه، وإن الإصرار على الصغيرة صغيرة.
قال: (وقد جرى على أَلْسِنة الصوفية: "لا صغيرة مع إصرار"، وربما يُروى حديثًا، ولا يصح). انتهى
стр. 535
وما قاله من أن الإصرار على الصغيرة صغيرة هو وجه نقله الدبيلي من أصحابنا في "أدب القضاء"، والمذهب خِلافُه.
وقولي: (أَيِ الْإكْثَارَا) تفسير للإصرار، وأن المراد به الإصرار الفعلي، لا الحكمي.
قال ابن الرفعة: ولم أظفر في ضابطه بما يثلج الصدر، وقد عبَّر عنه بعضهم بالمداومة، وحينئذ فهل المعتبر المداومة على نوع واحد من الصغائر؟ أو الإكثار من الصغائر سواء أكانت من نوع واحد أو أنواع؟
ويخرج من كلام الأصحاب فيه وجهان.
قال الرافعي: (ويوافق الثاني قول الجمهور: مَن تغلب معاصيه طاعتَه، كان مردود الشهادة).
قال: (وإذا قلنا به، لم تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات. وعلى الأول يضر) (١).
لكن قال ابن الرفعة: (إن قضية كلامه أن مداومة النوع تضر على الوجهين، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فإنه في ضمن حكايته قال: إن الإكثار من النوع الواحد كالإكثار من الأنواع، وحينئذ لا يَحسُنُ معه التفصيل. نعم، يظهر أثرهما فيما لو أتى بأنواع من الصغائر: إنْ قُلنا بالأول، لم يضر، وإنْ قُلنا بالثاني، ضَر). انتهى
واعلم أن صاحب "المهمات" زعم أن الرافعي والنووي قد خالفا ما قالاه من ذلك في كتاب الشهادات بما ذكراه في الرضاع وفي النكاح آخِر الكلام على ولاية الفاسق أن العضل إذا تكرر، يكون فسقًا، وأن أقَل التكرر فيما حكاه بعضهم ثلاث. نعم، هل الثلاث باعتبار أنكحة ثلاث؟ أو باعتبار عرض الحاكم مرات وإن كان في النكاح الواحد؟ فيه نظر. انتهى
стр. 536
قلت: لكن سبق من كلام ابن الرفعة ما يلزم منه موافقة ما في النكاح لِمَا في الشهادات، فلا تناقض.
أما الإصرار الحكمي - وهو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها - فقيل: حُكمه حُكم مَن كررها فعلًا، بخلاف التائب منها. وفيه نظر ظاهر.
[تنبيهان]
الأول: بين العدالة وبين التقوى عموم وخصوص مِن وَجْه؛ لأن التقوى [تفسَّر] (١) بأن يُطاع الله، فلا يُعصَى، [فيحذر] (٢) العبد بطاعته تعالى عن عقوبته، فيتقي الشرك، ثم المعاصي، ثم يتقي الشبهات، ثم يتقي الفضلات عن حاجته، ولا يشترط أن يكون عنده ملكة في ذلك.
والعدالة مَلَكَة، ولا يشترط فيها ترك المعاصي كلها، بل الكبائر والإصرار على الصغائر كما سبق.
الثاني: تفسير "العدالة" بما سبق يتضمن اعتبار البلوغ -[بما] (٣) سنقرره - والعقل والإسلام فيمن يتصف بها، وكذا عدم المفسق.
فَجَعْل الثلاثة الأوُلى شروطًا زائدة على العدالة مغايرة لها - ليس تحقيقًا، إلا أنْ يراد بذلك الإيضاح بالتصريح وزيادة البيان بكثرة الشروط، فلذلك عقبت تفسير "العدالة" بما يخرج عن الأمور المذكورة بِقَوْلي:
стр. 537
ص:
٢٨٥ - فَيَخْرُجُ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ ... وَكَافِرٌ وَفَاسِقٌ [مَقْضِيُّ] (١)
الشرح:
أما خروج المجنون بِقَيْد العقل الذي تضمنته الملَكَة فواضح، وأما الصبي فإنه وإنْ [وافق سلامته] (٢) مما يَفسُقُ به غيره فليس ذلك لملَكَة قائمة به، بل على سبيل الاتفاق، وحينئذ فيضْعُف بذلك دعوى مَن يَصِف الصبي بالعدالة، وأن البلوغ إنما هو شرط لقبول روايته أو شهادته ونحو ذلك.
وأما الكافر فمنفي عنه هذه الملكة قطعًا، ووصفه بأنه عدل في دينه (في نحو ولاية النكاح ونظر الوقف والوصاية على الكفار ونحو ذلك) إنما هو بالنسبة لمعتقدهم، فهي ملكة نسبية، لا على الإطلاق، وهي العدالة الحقيقية التي هي شرط هنا، وسيأتي في ذلك مزيد بيان في مرتكب الفسق في اعتقاده دُون نفس الأمر وعكسه.
ومن اللطائف في رواية الكافر ما رواه أحمد في مسنده عن عروة بن عمرو الثقفي: سمعت أبا طالب -يعني عَمَّ النبي ﷺ - قال: سمعتُ الأمين ابن أخي يقول: "اشكُر تُرزَق، ولا تكفر فتُعذب" (٣). ورواه الحافظ الصريفيني، وقال: غريب رواية أبي طالب عن النبي ﷺ .
стр. 538
واعْلَم أن الصبي أَعَم مِن أن يكون مميِّزًا أو غير مميز، فإن الجمهور على عدم قبول المميز في الرواية والشهادة؛ لاحتمال كذبه، كما في الفاسق، بل أَوْلى؛ لِعِلْمه بأنه غير مُكلَّف، وأنه غير مؤاخَذ بالكذب؛ لأجل ذلك فلا واخ له عن ارتكابه، ولأن الصحابة لم يقبلوا إلا بالغًا، ولأن النبي ﷺ لم يُرسل لتبليغ شرعه إلا بالغًا. وهذان الأمران هما العمدة في تثبيت خبر الواحد.
وقيل: يُقبَل الصبي الموثوق به؛ لِغَلبة الظن بصدقه.
ويردُّه ما سبق، بل في "مختصر التقريب" للقاضي أبي بكر أنه لا يُقْبَل بالإجماع. لكن ردَّه ابن القشيري بأن الخلاف فيه شهير، أيْ: للأصوليين والمحدثين والفقهاء. وقد حكى فيه إمام الحرمين وجهًا، بل حكى القاضي الحسين الخلاف قولين للشافعي في إخباره عن القبلة، وجرى عليه الرافعي والنووي، وقيَّداه بالمميز، وحكيا في باب التيمم فيه وجهين أيضًا، إلا أنهما قيداه بالمراهق. ونقل التفصيل بين المراهق وغيره أيضًا ابن عَقيل الحنبلي في كتاب "الواضح"، بل في "المنخول" للغزالي أن محل الخلاف في المراهق الثبت، وستأتي مسائل كثيرة من ذلك.
وفي المسألة قول رابع للمالكية: إنه يُقبل في الدماء دُون غيرها، قال ابن الحاجب في "مختصر الأصول": (وأما إجماع المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم فمستثنى؛ لكثرة الجناية بينهم منفردين) (١).
أيْ على أصل المالكية.
لكن انتقد عليه في ادعاء إجماع المدينة، فالمشهور في كتبهم إنما هو نَقْله عن علي ومعاوية وعروة بن الزبير وشريح وعمر بن عبد العزيز. بل قال ابن حزم: لا نعلم أحدًا قبل مالك
стр. 539
قال مقالته. فكأنه ينازع في ثبوت ذلك عمن ذكر.
وفي رؤوس المسائل للقاضي عبد الوهاب منهم أنه قول علي ﵁ وابن أبي ليلى، ولا مخالِف لهما. قال: وحكي أنه قول عمر.
فربما يكون ذلك علقة لابن الحاجب في دعواه إجماع المدينة، لكن قال القاضي عَقب ذلك: إن عدم قبولهم قال به ابن عباس وعطاء والحسن والزهري، فكيف يقول: ولا مخالف لهما؟ ! ثم على تقدير صحة إجماع المدينة فقد سبق أنه غير حُجة، خلافًا لمن زعمه منهم.
وحكى النووي في "شرح المهذب" (١) - في باب الأذان في مسألة أذان الصبي - عن الجمهور قبول إخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة، بخلاف ما طريقه النقل، كرواية الأخبار. وسبقه إلى ذلك المتولي، فيكون هذا أيضًا قولًا خامسًا في المسألة.
على أنه قد وقع في الفقه مسائل تعتبر من الصبي المميز إخبارًا وإنشاءً، إما قطعًا أو بخلاف، ولها مدارك غير ما نحن فيه من الوثوق بالصدق وإن كان العلائي جعل في "القواعد" أنَّ الخلاف فيها جارٍ من الخلاف في رواية الصبي.
ولا بأس بإيراد شيء منها - لتكميل الفائدة - على ترتيب الفقه، وبيان المرجَّح فيها:
منها: أن يخبر بتنجيس الماء أو الثوب أو الأرض. في كلٍّ وجهان، الأصح عدم القبول، وكذا إخباره بأن هذا المرض مخوف حتى يبيح التيمم، وسبق بيانها.
ومنها: أذانه صحيح، وسبق كلام النووي فيه وفيما أشبهه.
ومنها: إمامته جائزة عندنا، ولكن لا تكمل به الأربعون في الجمعة. قيل: وجعل هذا من قبول خبره؛ لأنها تتضمن إخباره بالطهارة وغيرها من الشروط وبالنية ونحو ذلك. ولا
стр. 540
يخفى ما فيه من النظر.
ومنها: إذا أخبر برؤية الهلال وجعلناه رواية لا شهادة، فالقياس جريان الخلاف فيه، لكن المشهور الرد جزمًا. قاله الرافعي.
ومنها: إذا جامع في نهار رمضان عمدًا وهو صائم، لا كفارة على أصح الوجهين ولو قلنا [بأن] (١) عَمْدَه عمدٌ؛ لِعَدَم التزام العبادات.
ومنها: إذا حج وباشر محظورات الإحرام عمدًا، كلبس ونحوه، وجبت الفدية في الأصح؛ لأن عَمْدَه في العبادات كالبالغ، كتعمد كلامه في الصلاة أو أكله في الصوم، وفيه قول غريب حكاه الداركي: إنه إن [كان] (٢) يلتذ باللباس والطيب، وجبت، وإلا فلا.
نَعَم، الفرْق بين هذه المسألة ومسألة الجماع في الصوم أن الفدية هنا إنْ وجبت في مال الولي وهو الأرجح إن كان قد أحرم بإذنه، فهو من خطاب الوضع، أو في مال الصبي وهو إذا أحرم بغير إذنه، فهو من قبيل [الإتلاف] (٣)، بخلاف الجماع في الصوم؛ [بدليل أن الفدية تجب في الحلق والتقليم ونحوهما ولو نسيانًا، بخلاف الطيب ولبس المخيط. وأما الصوم فإنما تجب الكفارة فيه حيث كان عمدًا يأثم به، والصبي لا إثم عليه] (٤).
ولا يخفَى ما فيه من نظر.
ومنها: بيعه وشراؤه - لاختبار الرشد - يصح قبل البلوغ (على وَجْهٍ).
ومنها: اعتماده في الإذن في دخول الدار، وحمل الهدية على الأصح، لكن للقرينة، لا
стр. 541
لمجرد إخباره. وفي "البحر" للروياني: قال الزُّبَيري: يجوز توكيل الصبي في طلاق زوجته. وغلطه فيه.
ومنها: إخباره بأن الشريك قد باع حتى تسقط الشفعة بالتأخير، وفيها وجهان، الأصح: لا يقبل، فالشفعة باقية. وكذا إخباره بأن المرض مخوف حتى يُحسب تصرف المريض من الثلث، الأصح: لا يقبل.
ومنها: تصح وصيته على قولٍ، والأصح المنع.
ومنها: لو قتل مورثه عمدًا وقُلنا: إنَّ عمْده خطأ، وإنَّ الخطأ لا يمنع الإرث، هل يرث؟ أو لا؟
ومنها: وطء الصبي هل يثبت المصاهرة؟ إن قلنا: إن عمْده عمدٌ، كان كوطء الزاني، وإلا فكالشبهة، وأجروا مثله في وطء المجنون.
ومنها: أخبر بطلب صاحب الدعوة له، قال الماوردي والروياني: يَلْزَمه الإجابة. إلا أن الروياني اشترط أن يقع في قلبه صِدْقه. ويشبه أن ذلك للقرينة في مثل الدعوات.
ومنها: خلع الصغيرة المميزة يقع رجعيًّا على الأصح عند البغوي والمتولي، ورجح الإمام والغزالي أنه لا يقع شيء؛ بناءً على أن عَمْدَه ليس عمدًا.
ومنها: قال للصَّبية: (أنت طالق إن شئتِ)، فقالت: (شئتُ). فيه وجهان.
ومنها: إذا شارك في الجناية بالغًا، فإنْ قُلنا: عمده عمدٌ، اقتص مِن البالغ، وإلا فلا.
ومنها: تغليظ الدية عليه إن قُلنا: عمده عمدٌ.
ومنها: تحمُّل العاقلة عنه وغير ذلك من الأحكام المتعلقة [بالعمد] (١).
стр. 542
ومنها: إسلامه فيه قولان، المرجَّح المنع. وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يرجح الصحة، وقال العلائي: أخبرني من أثق به أن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة حكم به.
ومنها: ذبحه وصيده حلال على الأصح [إنْ] (١) عمده عمد.
ومنها: وجوب رد السلام عليه.
ومنها: أن قيامه بصلاة الجنازة يُسقط فرض الكفاية عن غيره.
ومنها: في أمانه طريقان، المشهور: لا يصح. وقيل: فيه الخلاف في تدبيره ووصيته.
ومنها: تدبيره، فيه قولان، الأصح: المنع.
وغير ذلك.
وفي الفقه في الكافر أيضًا مسائل اختلف في قبول قول الكافر فيها، والمراد غيْر المكَفَّر ببدعته، فإن ذلك سيأتي بيانه.
منها: قال الشافعي ﵀ في (باب صلاة الرجل بالقوم لا يعرفونه): (إنه إذا أعلمهم أنه غير مسلم أو علموه من غيره، أعادوا كل صلاة صلوا خَلْفه) (٢). انتهى
قال الشيخ تقي الدين السبكي: ولولا هذا النَّص لكان يظهر أن لا يقبل إلا إنْ أَسلم وأخبر بذلك.
ومنها: لو أخبر كافرٌ الشفيعَ بالبيع ووقع في قَلْبه صِدقُه، لا يكون عذرًا في تأخيره. قاله الماوردي، وأطلق الأصحاب أن إخبار الكافر يكون عذرًا للشفيع، فإما أن يكون قد خالفهم، وإما أنْ يُحمل كلامهم على أنه لم يقع في قلبه صِدقُه.
стр. 543
قال الشيخ تقي الدين: وعلى هذا ينبغي أن يكون القول قوله أنه لم يقع في قلبه صدقُه.
ومنها: في باب الوصية من الرافعي حكاية وَجْه عن الخطابي أنه يجوز العدول من الوضوء إلى التيمم بِقَول الطبيب الكافر، كشرب الدواء من يده ولا يُدرَى أداء هو؟ أم دواء؟ ولم يستبعد الرافعي طرده فيما إذا أخبر بأن المرض مخوف في باب الوصية.
أما قبول شهادة الكافر على كافر ففيها الخلاف المشهور بيننا وبين الحنفية. وقيل: يشهد اليهودي أو النصراني على مِثله، لا على الآخَر. والله أعلم.
ص:
٢٨٦ وَمَنْ وَعَى في نَقْصِهِ فَأَدَّى. . . بَعْدَ الْكَمَالِ فَاقْبَلِ الْمُؤَدَّى
الشرح:
أي: ما سبق من عدم قبول الناقص إذا أدَّى في حال نقْصه، أما إذا كان قد تحمَّل في حال النقص وأدَّى في حالة الكمال فإنه يُقبَل؛ اعتبارًا بحالة الأداء. ويفرض ذلك في ثلاثة مواضع: أن يتحمل وهو صبي أو كافر أو فاسق، ويؤدِّي بعد بلوغه وإسلامه وتوبته.
فالأُولى: القبول فيها هو أصح المذهبين، وعليه الجمهور، وممن حكى ذلك الشيخ في "شرح اللمع"، والقاضي في "مختصر التقريب".
دليل الراجح: القياس على الشهادة، وهو إجماع.
واعتُرض بأن الرواية تقتضي شرعًا عامًّا، فاحتيط فيها.
ورُد بأن باب الشهادة أضيق؛ فلذلك يعتبر فيها ما لا يعتبر في الرواية كما سيأتي.
واستُدل أيضًا بإحضار السلف للصغار مجالس الحديث.
وضُعِّف باحتمال أن يكون تبركًا.
стр. 544
ورُد بأنه لا ينافي أن يقصدوا مع ذلك التحمل للأداء عند الكمال.
واستُدل أيضًا بإجماع الصحابة على قبول رواية نحو الحسَنَين وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة ونحوهم ﵃ عن النبي ﷺ ، وحين وفاته لم يكن أحد منهم بلغ إلا ابن عباس على قولٍ.
ووهَّموا القاضي أبا بكر في قوله في "مختصر التقريب": (إنه كان حينئذ ابن سبع سنين)؛ فإن ذلك لم يَقُله أحد، بل قيل: إنه كان ابن عشر. وقيل: ثلاث عشرة. وقيل: خمس عشرة، ورجحه أحمد.
واستشكل بأنه إنما وُلد قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، والاتفاق على أن إقامته ﷺ بالمدينة عشر سنين.
قال ابن دقيق العيد: وهذه الطريقة في الاستدلال تتوقف على أن من رَووا له فقبله أنه لم يكن يعلم ذلك إلا من جهتهم، وهو متعذر، وإنما ينبغي أن يستدل بإجماع الأُمة على قبول رواية هؤلاء مع احتمال تحمُّلهم صغارًا.
وقد يجاب عمَّا قاله بأن الأصل أنهم لم يكونوا يعلمون ما رَووه لهم إلا من جهتهم حتى يَثْبت مِن طريق غيره.
واعْلم أن شرط تحمل الصغير التمييز، ونُقل عن المحدثين اعتبار خمس سنين، وقيل: أربع. وذلك لِمَا رواه البخاري والنسائي وابن ماجه عن محمود بن الربيع، قال: "عقلتُ من النبي ﷺ مَجَّة مَجَّها في وجهي مِن دلوٍ وأنا ابن خمس سنين" (١). وبوَّب عليه البخاري: "متى يصح سماع الصغير؟ ".
وقال ابن عبد البر: إنه حفظ ذلك وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين. ووجْه الاستدلال
стр. 545
به أنه لم يقيده بسبع ولا بتمييز، بل بعقل المجَّة، ولا يَلزم منها أن يَعْقل غيرها مما سمعه. نعم، الظاهر أن مَن يَعْقل مثل ذلك يكون مميِّزًا، ونحن إذا فرضنا التمييز دُون السبع، كان هو المعتبر، ولكن الراجح عند محققي المحدثين اعتبار التمييز وأن تمييز محمود كان في هذا السن، فلا يقاس به إلا مَن مَيَّز مثله، وإن كان القول باعتبار الخمس هو قول الجمهور الذي نقله القاضي عياض في "الإلماع" عن أهل [الصنعة] (١).
وقال ابن الصلاح: (إنه الذي استقر عليه عمل أهل الحديث) (٢).
ومما يدل على اعتبار التمييز قول أحمد وقد سُئل: متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط. فذُكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة. فأنكره، وقال: بئس القول.
قلتُ: وعلى القول باعتبار الخمس أو دونها فإنما ذلك للمحافظة على سلسلة الإسناد المخصوص بها هذه الأُمة، ثم اعتبار التمييز إنما هو لأجل ضبط اللفظ؛ لأنه المعتبَر في الرواية. وقيل: يعتبر معرفة المعنى.
قال ابن الأثير في شرح "المسند": وعليه فيتعذر رواية الحديث إلا على بعض أفراد.
الثاني: أن يتحمل [حالة] (٣) الكفر ويؤدي بعد الإسلام، فيُقبل أيضًا على الصحيح. وممن ذكر المسألة القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد".
مثاله: حديث جبير بن مطعم المتفق على صحته: "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب
стр. 546
بالطور" (١)، وكان قد جاء في فداء أُسارَى بدرٍ قبل أن يُسلم.
وفي رواية للبخاري: "وذلك في أول ما وقر الإيمان في قلبي" (٢).
وفي رواية: "فوافقتُه وهو يُصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]. قال: فكأنما صدع قلبي" (٣).
وفي رواية: "فسمعته يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، فكاد قلبي يطير" (٤). الحديث.
الثالث: أن يتحمل حالة الفسق ويؤدي بعد التوبة المعتبرة، فيُقبل؛ لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والشهادة كالرواية في ذلك إلا إذا كان قد رُدت شهادته ثم أدَّى بعد التوبة تلك الشهادة، فإن الراجح بقاء الرد؛ للتهمة، بخلاف العبد والصبي كما بُيِّن في موضعه.
قولي: (وَمَنْ وَعَى) احتراز عما لو تحمل حال الجنون وأدَّى بعد زواله، فإنه لا عبرة به؛ لأنه لم يكن عند التحمل واعيًا، فتستحيل المسألة، بل لو كان متقطع الجنون وتحمَّل في إفاقة من إفاقاته، لم يصح تحمُّله إلا إن كان زَمَن جنونه لم يؤثر في ضبْطه عند إفاقته، والله أعلم.
стр. 547
ص
٢٨٧ - وَالْفِسْقُ بِاقْتِرَافِ مَا قَدْ سَلَفَا ... وَالضَّبْطُ في كبيرةٍ لِتُعْرَفَا
٢٨٨ - مَا أَشْعَرَ ارْتكَابُهُ [لِكَامِنِ] (١) ... بِأَنَّهُ في الدِّينِ ذُو تَهَاوُنِ
٢٨٩ - غَيْرُ مُبَالٍ فِيهِ، كَالْقَتْلِ أَذَى ... زِنًا، لِوَاطٍ، شُرْبِ خَمْرٍ، فَانْبِذَا
٢٩٠ - وَسِرْقَةٍ، غَصْبٍ، وَمَا أَشْبَهَهَا ... وَغَيْرُهُ صَغِيرَةٌ بِلَا انْتِهَا
الشرح: لَمَّا سبق أن العدالة ملَكَةٌ تمنع من اقتراف الكبيرة ومن الإصرار على صغيرة بينتُ هنا أن ارتكاب ذلك هو الفسق شرعًا، فمرتكبه هو الفاسق إذا كان عالِمًا بذلك مختارًا، لكنه لا يقال: (إنه ارتكبه) إلا إذا كان كذلك.
فالجاهل والمكرَه معذوران، إلا أن المكره قد يؤاخَذ؛ لأنه مكلَّف كما سبق في موضعه، وسبقت الإشارة إلى ما يُعذَر فيه وما لا يعذر، وسيأتي: مَن أَقْدم جاهلًا، هل ترتفع عنه المؤاخذة بهذا العذر؟ أو لا؟
وبينتُ معنى الكبيرة والصغيرة والفرق بينهما.
فأما "الفسق" لُغةً: فهو الخروج عن الطريق. قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرج عن طاعته] (٢).
وأما الفرق بين الكبيرة والصغيرة فإنما هو مفرَّع على القول بانقسام الذنب إليهما، وعليه الجمهور، وقال الأستاذ والقاضي أبو بكر وابن القشيري: إن جميع الذنوب كبائر. ونقله ابن فورك عن الأشعرية واختاره؛ نظرًا إلى مَن عُصي به جَلَّ وعلا.
стр. 548
قال القرافي: (كأنهم كرهوا تسمية معصية الله "صغيرة"؛ إجلالًا له مع موافقتهم في الجرح أنه ليس بمطلق المعصية، بل منه ما يقدح ومنه ما لا يقدح) (١).
وإنما الخلاف في التسمية.
دليل الجمهور: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] الآية. وقوله ﵊ في تكفير الصلوات الخمس والجمعات ما بينهما: "ما اجتنبت الكبائر" (٢). إذ لو كان الكل كبائر، لم يَبْقَ بعد ذلك ما يكفر بما ذكر.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، فغاير بين الفسوق والعصيان، لكن ليس هذا صريحًا؛ لجواز أن المغايرة بين ما يفسق به فاعله و [ما] (٣) لا يفسق به. وقد سبق أن ذلك محل وفاق.
وفي الحديث كما سيأتي: "الكبائر سبع" (٤). وفي رواية: "تسع" (٥) وعدَّها، فلو كانت الذنوب كلها كبائر لَمَا ساغ ذلك.
стр. 549
ثُم القائل بالفرق بينهما اختلفوا، فقيل: لا يُعْرف ضابطها.
قال الواحدي: (الصحيح أن الكبائر ليس لها حد تُعرف به وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله أخفى ذلك عن العباد؛ ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه؛ رجاء أن تُجتنب الكبائر. ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك).
وقال الأكثرون: ضابطهما معروف. فقال سفيان الثوري: ما تعلق بحق الله صغيرة، وما تعلق بحق الآدمي كبيرة.
وذكر أصحابنا في ضابطهما غير ذلك، فحكى الرافعي وغيره أربعة أوجُه:
أحدها: أن الكبيرة ما فيه وعيد شديد بِنَص كتاب أو سُنة.
ثانيها: ما أَوجب حدًّا، قال الرافعي: وهُم إلى ترجيح هذا أميل. [والأول ما يوجد لأكثرهم، وهو الأوفق؛ لِمَا ذكروه عند تفصيل الكبائر] (١).
ثالثها: لأبي سعد الهروي: كل معصية يجب في جنسها حدٌّ مِن قتل وغيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.
رابعها: ما قاله إمام الحرمين في "الإرشاد": كل جريمة تؤذن بِقِلة اكتراث مرتكبها بالدِّين ورِقَّة الديانة.
وفي معناه ما في "النهاية": (إنَّ الصادر إنْ دَلَّ على الاستهانة لا بالدِّين ولكن بغلبة التقوى وتمرين عليه رجاءَ العفو فهو كبيرة، وإنْ صدر عن فلتة خاطر أو لفتة ناظر فصغيرة) (٢). انتهى ملخصًا.
стр. 550
ومعنى قوله: (لا بالدين) لا بأصل الدين، فإنَّ ذلك كفر، وهو معنى قوله في العبارة الأخرى: (بقلة اكتراث)، ولم يَقُل: (بعدم اكتراث).
والكفر وإن كان أكبر الكبائر فالمراد تفسير غيره مما يَصْدر من المسلم، وهذا ما اقتصر عليه الرافعي من الأوجُه، وتبعه في "الروضة".
ورجح المتأخرون مقالة الإمام؛ لحسْن الضبط بها، وعليها اقتصرتُ في النَّظم، ولعلها وافية بما ورد في السُّنة من تفصيل الكبائر الآتي بيانها وما أُلحق بها قياسًا.
ثم قال ابن عبد السلام: (إذا أردت معرفة الكبائر والصغائر، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإنْ نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإنْ ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أَرْبت عليها فهي منها. فمَن شتم الرب أو الرسول ﷺ أو استهان بالرسل أو كذَّب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة أو ألقى المصحف بالقاذورات، فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة) (١). انتهى
وانتُقد عليه بأن هذا كله مندرج تحت الشرك بالله الذي هو أول المنصوص عليه من الكبائر؛ إذِ المراد منه مُطلق الكفر إجماعًا، لا خصوص الشرك، إما تعبيرا بالبعض عن الكل، وخُص بالذِّكر؛ لغلبته ببلاد العرب، وإما تنبيهًا بأحد النوعين على الآخَر.
قلتُ: وهذا كله بناء على تفسير الكبيرة بالأعم من الكفر وغيره، لا على المعنى الذي سبق من مقتضى كلام إمام الحرمين.
ثم قال ابن عبد السلام: وكذلك مَن أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو أمسك مسْلمًا لمن يقتله فلا شك أن مفسدته أعظم من مفسدة آكِل مال اليتيم، وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع عِلمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسْبون حريمهم وأطفالهم ويغنمون
стр. 551
أموالهم، فإن نِسبة هذه المفاسد أعظم من [التَّولِّي يوم] (١) الزحف بغير عذر، وكذا لو كذب على إنسان يَعلم أنه يُقتل به.
وأطال في ذلك، إلى أنْ قال: (وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال: كل ذنب قُرِن به وعيدٌ أو حَدٌّ أو لَعْن فهو من الكبائر، فتغيير منار الأرض كبيرة؛ لاقتران اللعن به. فَعَلَى هذا كل ذنب يُعلم أن مفسدته كمفسدة ما قُرن الوعيد به أو اللعن أو الحدُّ أو كان أكثر من مفسدته فهو كبيرة) (٢). انتهى
وذَيَّل ابن دقيق العيد على ذلك أن لا تؤخذ المفسدة مجردة مما يقترن بها [من] (٣) أمرٍ آخَر، فإنه قد يقع الغلط في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن في مفسدة الخمر السكْر وتشويش العقل، فإنْ أخذنا هذا بمجرده، لَزِم أن لا يكون شرب القطرة الواحدة منه كبيرة؛ لخلوها عن المفسدة المذكورة، لكنها كبيرة؛ لمفسدة أخرى وهي التجرِيء على شرب الكثير الموقِع في المفسدة، فبهذا الاقتران تصير كبيرة.
تنبيه:
قال بعض المحققين: ينبغي أن تجمع هذه التعاريف كلها؛ ليحصل بها استيعاب الكبائر المنصوصة والمقيسة؛ لأن بعضها لا يَصْدق عليه هذا وبعضها لا يصدق عليه الآخَر.
قلتُ: لكن تعريف الإمام لا يكاد يخرج عنه شيء منها لمن تأمله.
قولي: (وَالْفِسْقُ) مبتدأ خبره "باقتراف"، أي: حاصل بذلك، والإشارة بِـ "مَا قَدْ سَلَفَ" إلى اقتراف الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة.
стр. 552
والباقي قولي: (بِأَنَّهُ في الدِّينِ) متعلق بِـ "أَشْعَرَ"، أي: أشعَر بتهاون المرتكِب له. وهو معنى قول الإمام: (بِقِلة اكتراثه). أي: مبالاته، وتاؤه الأخيرة مثلثة.
والمراد برقة الديانة ضعف [التدين] (١).
وقولي: (في الدِّينِ) متعلق بالتهاون، والمعنى أن التهاون في الدِّين، لا بالدِّين، فإن ذاك كفر، وقد سبق كلام الإمام في "النهاية" وإيضاحه.
وقولي: (غَيْرُ مُبَالٍ فِيهِ) خبرٌ بعد خبر لِـ "أنَّ" التوكيدية المصدرية، أي: غير مُبَالٍ في ذلك الأمر، أو: غير مبال فيما يُعاب عليه في الدِّين. وهو معنى قول الإمام: (رقة الديانة).
قولي: (كَالْقَتْلِ) إلى آخِره -أمثلة من الكبائر المنصوصة وغيرها، وقد ذكر الرافعي وغيره طائفة منها لا بأس بإيرادها؛ تكميلًا للفائدة، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات" (٢).
وسيأتي في رواية ذِكر تِسع، على أن في تعيين السبع اختلافًا في الروايات يُعلم منه عدم الحصر فيما ذكر، وأن ذلك العدد كان بحسب المقام باعتبار السائل أو غير ذلك.
وتسمية هذه كبائر رواه أبو القاسم البغوي وابن عبد البر في "التمهيد" بسنده من طريقه عن طيلسة بن علي، قال: "أتيتُ ابن عمر ﵁ عشية عرفة وهو تحت ظل أراك وهو يصب الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: هن تِسع. قلتُ: وما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف،
стр. 553
والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام قِبْلتكم أحياءً وأموات" (١). ورواه الخطيب في "الكفاية" بلفظ: "الكبائر سبع" (٢). وذكرها دون "قذف المحصنة" و"الإلحاد في الحرم". وأخرجه البخاري في كتاب "الأدب المفرد" عن طيلسة بن مياس عن ابن عمر موقوفًا (٣)، وقال الحافظ المزِّي: طيلسة وثَّقه ابن حبان، وهو ابن مياس. ويقال فيه أيضا: طيسلة، بتقديم السين على اللام.
وقال العلائي في "القواعد": (إن المنصوص عليه من الكبائر في مجموع أحاديث كثيرة وأنه كتبها في مصنف مفرد: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، والزنا، وأفحشه بحليلة الجار، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والاستطالة في عِرض المسلم بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، وترك السُّنة، و [التعرب] (٤) بعد الهجرة، واليأس من روح الله، والأمن مِن مكْر الله، ومنع ابن السبيل من فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، والتسبب إلى شتمهما، والإضرار في الوصية. هذا مجموع ما جاء في الأحاديث منصوصًا عليه أنه كبيرة) (٥).
انتهى
стр. 554
وفي النَّظم من ذلك:
- " القتل"، وقيدتُه بلفظ: (الأذَى)؛ احترازًا من القتل بحق، فإنه ليس على وجْه الأذى، ويُفهم منه أيضًا أنه يكون عمدًا، لا خطأ ولا شِبه عمد. وحذفتُ حرف العطف مما بعده؛ لاستقامة الوزن، ولأن المقصود سرد هذه الأنواع بعطف وغيره.
- و"الزنا"، ويقاس به "اللواط"؛ للحَدِّ فيهما، بل اللواط أفحش، ويلتحق به وطء الزوجة والأَمة في الموضع المكروه.
- وشرب الخمر، أي: وإن لم يُسكر، والسكِر مطلقًا في معناه، بل كل ما يزيل العقل لغير ضرورة.
- والسرقة والغصب؛ للتوعد والحد في السرقة، وللتوعد في الغصب واللعن في حديث: "لعن الله مَن غيَّر منار الأرض" (١). كما سبق رواه مسلم، وقيد العبادي وشريح الروياني بما يبلغ قيمته ربع دينار، كأنهم قاسوه على السرقة. أما سرقة الشيء التافه فصغيرة إلا إن كان المسروق منه مسكينًا لا غنى به عما أخذه، فتكون كبيرة. قاله الحليمي، لكنه من جهة الإيذاء، لا من جهة السرقة فقط، والغصب مثله أيضًا.
وأشرتُ بقولي: (وَمَا أَشْبَهَهَا) إلى باقي الكبائر، وسبق منها من كلام العلائي طائفة مما قال: (إنه في الأحاديث)، فنذكرها وغيرها.
فمنها: القذف، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين الغموس، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، ومال اليتيم، كما سبق في الأحاديث، وخيانة الكيل والوزن؛ لقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عنه، وعليه حمل حديث الترمذي: "مَن جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب
стр. 555
الكبائر" (١)، والكذب على رسول الله ﷺ عمدًا، بل قال الشيخ أبو محمد: إنه كفر، ولا شك في ذلك فيما يكون إحلالًا لحرام أو تحريمًا لحلال، وضرب المسلم بغير حق، وفي معناه ضرب الذمي بغير حق، وفي [الصحيح] (٢): "صنفان من أهل النار: قوم معهم كأذناب البقر يضربون بها الناس" (٣)، وسب الصحابة ﵁، وكتمان الشهادة، والرشوة، والدياثة (وهي الاستحسان على أهله)، والقيادة (وهي الاستحسان على غير أهله)، والسعاية عند السلطان بما يضر الناس ولو كان صِدقًا، ومنع الزكاة، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة من غير ضرورة، وفطر رمضان، والغلول (وهي الخيانة في مال الغنيمة أو بيت المال أو الزكاة، وقيل: من المغنم فقط)، والمحاربة، والسحر، وبيع الربا.
وعلى ما سبق في الاصرار على الصغيرة إنْ قُلنا: إنَّ نفسه كبيرة، يُعَد أيضًا منها. نعم حكى الدبيلي في "أدب القضاء" وجهًا كما سبق أنه باق على كوْنه صغيرة، وسبق أيضًا نقله عن غيره.
ومن الكبائر أيضًا كما في الشرح و"الروضة": (ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن، وإحراق الحيوان، ، وامتناعها من زوجها بلا سبب، والوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن) (٤).
قال الرافعي: (وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال، كقطع الرحم وترك الأمر
стр. 556
بالمعروف على إطلاقهما، ونسيان القرآن وإحراق الحيوان).
قال: (وقد أشار الغزالي في "الإحياء" إلى مثل هذا التوقف) (١).
انتهى وتَعقَّبه النووي في نسيان القرآن بحديث أبي داود والترمذي: "عُرضَتْ علَيَّ ذنوب أُمتي، فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أُوتيها رجُل ثم نسيها" (٢). قال: (لكن في إسناده ضعف، وتكلم فيه الترمذي) (٣).
وقولي: (وَغَيْرُهُ صَغِيرَةٌ بِلَا انْتِهَا) إشارة إلى أن ما سوى ما ذُكر في تعريف "الكبيرة" وأمثلتها هو "الصغيرة"، ولا انتهاء لأمثلتها ولا حصر؛ فلذلك لم أُورِد لها مثالًا؛ لوضوحه. ولا بأس بذكر شيء من ذلك؛ زيادة في الإيضاح، أو للخفاء، أو للخلاف فيه.
فمِن ذلك ما نقله الرافعي عن صاحب "العدة": النظر إلى ما لا يجوز، والغيبة، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق الثلاث، وكثرة الخصومات وإن كان مُحِقًّا، والسكوت على الغيبة، والنياحة، والصياح، وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس مع الفساق إيناسًا لهم، والصلاة المنهي عنها في أوقات النهي، والبيع والشراء في المسجد، وإدخال الصبيان والمجانين فيه، وإمامة قوم يَكرهونه؛ لِعَيْبٍ فيه، والعبث في الصلاة والضحك فيها، وتَخطي رقاب الناس يوم الجمعة، والكلام والإمام يخطب، والتغوط مُستقبِل القِبلة أو في طريق المسلمين، وكشف العورة في الحمام.
قال: ولك أن تقول في كثرة الخصومات من المُحِق: ينبغي أن لا يكون معصية إذا
стр. 557
راعَى حدَّ الشرع، وتخطي الرقاب؛ فإنه معدود من المكروهات، لا محُرَّم، وكذا الكلام والإمام يخطب -على الأظهر.
قال النووي: (المختار أن التخطي حرام؛ للأحاديث فيه) (١).
قال: (والصواب في الخصومات ما قاله الرافعي، وأنَّ البيع والشراء في المسجد وإدخال الصبيان إذا لم يغلب تنجيسهم إياه والعبث في الصلاة -من المكروهات مشهور) (٢).
قال: (ومن الصغائر: القُبلة للصائم التي تُحرك شهوته، والوصال في الصوم على الأصح، والاستمناء، ومباشرة الأجنبية بغير جماع، ووطء الزوجة المظاهر منها قَبل التكفير والرجعية، والخلوة بالأجنبية، ومسافرة المرأة بغير زوج ولا محَرم ولا نسوة ثقات، والنجش، والاحتكار، والبيع على بيع أخيه، والسوم والخطبة كذلك، وبيع الحاضر للبادي وتَلَقّي الركبان، والتصرية وبيع المعيب مِن غير بيانه، واتخاذ الكلب الذي لا يُباح اقتناؤه، وإمساك الخمر غير المحترمة، وبيع العبد المسلم من الكافر (٣) والصحف وسائر كُتب العِلم الشرعي، واستعمال النجاسة في البدن لغير حاجة، وكشف العورة في الخلوة لغير حاجة -على الأصح، وأشباه ذلك) (٤).
والله أعلم.
стр. 558
ص:
٢٩١ - مِنْ أَجْلِ هَذَا يُقْبَلُ الْمُبْتَدِعُ ... لِأَنَّهُ بِجَهْلِهِ يَبْتَدِعُ
٢٩٢ - مَا لَمْ يُبِحْ مِنْ كَذِبِ الْكَذَّابِ ... شيْئًا، فَذَا يُرَدُّ كَالْخَطَّابِي
الشرح:
أي: من أجل أن العدالة هي الملَكة المذكورة قُبلت رواية المبتدعة وشهادتهم، وهُم الذين انتحلوا ما ليس عليه أهل السُّنة من العقائد، وإنما قُبلوا لحصول الملَكة عندهم، لأن المبتدع منهم إنما قال ببدعته جهلًا منه أنها ليست معصية فضلًا عن كونها كبيرة، لكن يُستثنى منهم مَن يستبيح الكذب كالخطابية، فإنه لا يُقبل، وهُم قوم من غلاة الشيعة أصحاب أبي الخطاب الأسدي، كان -لعنه الله تعالى- يقول بإلَاهِيَّة جعفر الصادق ثم ادَّعى [الإلاهية] (١) لنفسه، وكان يزعم أنَّ الأئمة أنبياء، وفي كل وقت رسول، إلى غير ذلك من الضلال. الواحد منهم خطابي، وهو معنى قولي: (كَالْخَطَّابِي).
وملخص ما في المسألة مذاهب، أرجحها: أن المبتدع يُقبل مطلقًا إلا حيث كفرناه ببدعته، أو لم نكفره ولكن من عقيدته جواز الكذب، كالخطابية، ولكن محل ذلك إذا لم يوافقوا أبا الخطاب على ما هو كافر به مما سبق، وإلا فلا يُقبَلون؛ لأمرين: لِهَذا، وللكفر. فإنما يصح التمثيل به بالتأويل الذي ذكرناه.
وإنما ذكرتُ في النَّظم استثناء مَن يبيح الكذب؛ لأنَّ مَن يكفر ببدعته داخلٌ فيما سبق من رد الكافر مطلقًا. وهذا معنى قول ابن الحاجب: (إن المبتدع بما يتضمن الكفر كالكافر عند
стр. 559
المكفر) (١).
ومقتضاه أن ذلك باتفاق، سواء أكان يعتقد حرمة الكذب أو لا.
لكن معتقِد حُرمة الكذب مع الحكم بتكفيره ببدعته (كالقول بنبوة علي، وغَلَطِ جبريل في الرسالة، وكالمجسِّمة عند مَن يكفرهم، ونحو ذلك) فيه مذهبان مشهوران:
قال الأكثرون (منهم القاضي والغزالي والآمدي وغيرهم): لا يُقبل.
وقال أبو الحسين البصري والإمام الرازي وأتباعه: يُقبل.
فإنْ كان مكفَّرًا ببدعته ولكن هو ممن يعتقد جواز الكذب تعبدًا، مردود اتفاقًا.
قال ابن السبكي في شرحَي "المختصر" و"المنهاج": (أرى أن موضع الاتفاق فيمن اعتقد الحِل مطلقًا؛ لأنها رذيلة لا نَعلم أحدًا ذهب إليها. أما من اعتقد حِله في أمر خاص كالكذب في نُصرة عقيدته أو في ترغيب وترهيب أو نحو ذلك، فَيُرد في ذلك المحل الخاص) (٢).
وهو فيما سوى ذلك المحل كغيْره في جريان الخلاف.
وخرج من ذلك:
قولٌ ثان: إنَّ المبتدع مقبول ولو كان كافرًا بشرط أن يعتقد تحريم الكذب.
وقولٌ ثالث بالرد فيما يعتقد حِل الكذب فيه دُون غيره.
القول الرابع: أن المبتدع مردود مطلقًا وإنْ لم يكفر ببدعته. وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق في "اللمع".
стр. 560
قال الخطيب البغدادي: (ويروى ذلك عن مالك).
واستبعده ابن الصلاح بأن كُتب الأئمة طافحة بالرواية عن المبتدعة.
قال ابن دقيق العيد: لعل هذا القول مبني على مَن كفر ببدعته.
ورُد بأنَّ الفرض فيمن لم يكفر، وإنما مأخذهم أن البدعة نفسها فِسق، ولم يُعذر صاحبها بتأويله، قالوا: فهو فاسق ببدعته وبجهله بها.
الخامس: إنْ كان داعية إلى بدعته -أيْ بإظهارها وتحقيق علتها- لم يُقبل. فإنْ كان مع ذلك يَحمل الناس على القول بها، فقال أبو الوليد الباجي: لا خِلاف في ترك حديثه.
وممن قال بالتفصيل بين مَن يدعو إلى بدعته أوْ لا: سليم في "التقريب"، وحكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص" عن مالك؛ لقوله: لا تأخذ الحديث مِن صاحب هوًى يدعو إلى هواه.
قال القاضي عياض: يحتمل ذلك، ويحتمل أن مراده: لا يُقبل مطلقًا؛ لأن المبتدع يدعو إلى هواه، فهو بيان لسبب تهمته.
قال: وهذا هو المعروف من مذهبه.
قال الخطيب: والتفصيل أيضًا مذهب أحمد. ونسبه ابن الصلاح للأكثرين، قال: وهو أعدل المذاهب وأَوْلاها.
وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غيْر الدعاة احتجاجًا واستشهادًا، [كعمر بن خطاب] (١) وداود بن الحصين وغيرهما، ونقل ابن حبان الإجماع على ذلك.
стр. 561
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": (إنَّ الخلاف في غير الداعية، وإنَّ الداعية ساقط إجماعًا) (١).
وردَّه عليه ابن دقيق العيد، لكن لم يُعَيّنه، بل نقَله عن بعض متأخري أهل الحديث.
السادس: ما قال ابن دقيق العيد: (إنه المختار): أنَّ الداعية إما أن يروي ما ينفرد به عن غيره فيُقبَل؛ للضرورة، وإما أن يروي ما يرويه غيره فلا يُقبل.
وهو تفصيل غريب.
تنبيهان
أحدهما: أنَّ مما قلنا: (إنه أرجح المذاهب) هو المنقول عن نَص الشافعي كما نقله الخطيب عنه أنه قال: (أقْبَل أهل الأهواء إلا الخطابية [من] (٢) الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم) (٣).
قال: (ويُحكى أيضًا عن ابن أبي ليلى والثوري وأبي يوسف القاضي) (٤).
وقال أبو نصر بن القشيري: إلى هذا ميل الشافعي.
стр. 562
وكذا قال ابن برهان: إنه الصحيح وقولُ الشافعي، لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية، فإنهم يتدينون بالكذب.
وكلام محمد بن الحسن يقتضي قبول الخطابية، إذ قال: إذا كنا نقبل رواية أهل العدل وهم يعتقدون أن مَن كَذب فسق، فلأنْ نَقبل رواية أهل الأهواء -وهُم يعتقدون أنَّ مَن كذب كفر- مِن طريق الأَوْلى.
قال ابن برهان: (وتحقيق ما ذكرناه من قبول المبتدعة هو أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما رووا في كُتبهم عن أهل الأهواء، حتى قيل: لو حذفت رواياتهم لابيضت الكتب) (١).
انتهى واعترض الهندي في "النهاية" على كون الخطابية من هذا القبيل المستثنى بأنَّ المحكي عنهم في بدعتهم ما يوجب كفرهم، فليسوا مِن أهل القِبلة، فاستثناء الشافعي لهم منقطع.
قلتُ: قد سبق تأويل كلام مَن استثناهم إما على أنَّ فيهم أمرين كل منهما يقتضي الرد، وإما على أن المراد مَن تبع أبا الخطاب على غير ما كفر به -على ما فيه مِن بُعْد. على أن الشافعي في "المختصر" لم يُعَيِّن خطابيًّا ولا غيره. [نعم] (٢)، سبق نقل الخطيب عنه تعيينهم [مع الرافضة] (٣).
ونَصُّ "المختصر" في أول كتاب الشهادات: (ولا أَرُد شهادة الرجُل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لِمُوافِقِه بتصديقه وقبول يمينه، وكشهادة مَن يرى كذبه شركًا بالله
стр. 563
ومعصية تجب بها النار -أَوْلى أنْ تطيب النفْس بقبولها مِن شهادة مَن يخفف المأثم فيها) (١).
انتهى قال [بعض] (٢) شراحه كالصيدلاني وغيره: يعني بذلك الخطابية، وهُم قوم من الخوارج يرون الكذب كُفرًا يوجِب التخليد في النار. فإذا حلف أحدهم لصاحبه بما يدعيه، يَشْهد له.
قال: (وإنما لا تُقبل شهادته مطلقة، فإنْ بيَّن السبب مِن بيع أو إقرار أو غيره، قُبِل. ثُم ذَكر -يعني الشافعيَّ- أنَّ القلب إلى قول مَن يرى الكذب كفرًا أو موجِبًا للتخليد أَسْكَن بعد ما لم يكن مِن الخطابية). انتهى
فبيَّن الجمْعَ بيْن كلامَي الشافعي أوَّ، وآخِرًا.
واعْلم أن الشهرستاني وابن السمعاني وغيرهما ممن تَرجم للخطابية ذكروا أمورًا كثيرة مِن كُفرهم، ولم يذكروا استحلالهم الكذب ولا التكفير به، ولكن مَن حَفظ حُجة على مَن لم يحفظ. عَلَى أنَّ الإمام الرازي وأتباعه على هذا المذهب قالوا: إلا أنْ يكون قد ظهر عناد المبتدع، فلا يُقبل قولُه، لأنَّ العناد كذب.
وإنما لم أذكر ذلك لأن مَن ظهر عناده وتعمد الكذب، عُرِف أنه يستحل الكذب، فهو داخل في مُستحِل الكذب.
الثاني: يستفاد مما ذكرناه من الراجح في قبول المبتدع مسألة مَن أَقْدَم على مفسق مظنون معتقدًا أنه غير مفسق، أنه يُقْبل؛ لأن المبتدع قد أقدم بظنه على مفسق مقطوع به، ومع ذلك يُقبل، فهذا أَوْلى، وهو ما سبق نقْله عن الشافعي مِن قبول أهل الأهواء، والآخَر مأخوذ من قوله في شارب النبيذ الحنفي: (أحدُّه، وأَقْبَل شهادته). أي: لأنه لم يُقْدِم عليه بجرأة، ودليل
стр. 564
تحريمه ليس قطعيًّا حتى لا يُعتبر ظنُّه معه؛ فتحقق بذلك أن المدار على الملَكَة المانعة كما سبق تقريره.
نعم، حكى في "المحصول" الاتفاق في المظنون على القبول.
قال الهندي: (والأظهر ثبوت الخلاف فيه، كما في الشهادة؛ إذْ لا فَرق بينهما فيما يتعلق بالعدالة) (١).
أما مَن يُقْدِم جاهلًا بالحرمة أو الحل فذلك من تفاريع الفقه؛ ولذلك لم أتعرض لهذه المسألة في النَّظم، والله أعلم.
ص:
٢٩٣ ثُمَّ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِالْعَدَالَهْ. . . سَمْعٌ كصَحْبٍ لَهُمُ جَلَالَهْ
الشرح:
أي: ما سبق من شروط الراوي منه ما هو ظاهر يُطَّلع عليه بسهولة، كالبلوغ والعقل والإسلام، ومنه ما هو خفي لا يُطَّلع عليه إلا بعُسر، وهو العدالة. وقد ذكر في طريق معرفتها أمور:
الأول: السمع من الكتاب والسُّنة، وذلك كالصحابة ﵃، فإن عدالتهم دل عليها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فهُم المخاطَبون حقيقة بهذا الخطاب الشفاهي حتى نقل بعضهم اتفاق المفسرين على أن الصحابة هم المراد من هاتين الآيتين.
стр. 565
ولكن حكاية الاتفاق مردودة بأنَّ الخلاف شهير في كثير من التفاسير في اختصاصهم بذلك أو هو عام لكل الأمة.
نعم، الاختصاص هو قول الأكثر، ويشهد له ما سيأتي من السُّنة والمعنى، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مِثل أُحُد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نَصيفَه" (١).
والحديث وإن وَرَدَ على سبب فالعبرة بعموم اللفظ، ولا يضر أيضًا كوْن الخطاب بذلك لأصحابه أيضًا؛ لأن المعنى: لا يَسُب غيرُ أصحابي أصحابي، ولا يَسُب بعضُكم بعضًا.
وفي الصحيحين من حديث عمران بن الحصين: "خير القرون قَرني، ثم الذين يلونهم" (٢) الحديث، وفي رواية لابن مسعود: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣)، وفي الترمذي عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمَن أحبهم فبحبي أحبهم، وَمن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (٤). وغير ذلك مما لا ينحصر.
فإن قيل: هذه الأدلة دلت على فضلهم، فأين التصريح بعدالتهم؟