وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": (إنَّ الخلاف في غير الداعية، وإنَّ الداعية ساقط إجماعًا) (١).
وردَّه عليه ابن دقيق العيد، لكن لم يُعَيّنه، بل نقَله عن بعض متأخري أهل الحديث.
السادس: ما قال ابن دقيق العيد: (إنه المختار): أنَّ الداعية إما أن يروي ما ينفرد به عن غيره فيُقبَل؛ للضرورة، وإما أن يروي ما يرويه غيره فلا يُقبل.
وهو تفصيل غريب.
تنبيهان
أحدهما: أنَّ مما قلنا: (إنه أرجح المذاهب) هو المنقول عن نَص الشافعي كما نقله الخطيب عنه أنه قال: (أقْبَل أهل الأهواء إلا الخطابية [من] (٢) الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم) (٣).
قال: (ويُحكى أيضًا عن ابن أبي ليلى والثوري وأبي يوسف القاضي) (٤).
وقال أبو نصر بن القشيري: إلى هذا ميل الشافعي.
стр. 562
وكذا قال ابن برهان: إنه الصحيح وقولُ الشافعي، لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية، فإنهم يتدينون بالكذب.
وكلام محمد بن الحسن يقتضي قبول الخطابية، إذ قال: إذا كنا نقبل رواية أهل العدل وهم يعتقدون أن مَن كَذب فسق، فلأنْ نَقبل رواية أهل الأهواء -وهُم يعتقدون أنَّ مَن كذب كفر- مِن طريق الأَوْلى.
قال ابن برهان: (وتحقيق ما ذكرناه من قبول المبتدعة هو أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما رووا في كُتبهم عن أهل الأهواء، حتى قيل: لو حذفت رواياتهم لابيضت الكتب) (١).
انتهى واعترض الهندي في "النهاية" على كون الخطابية من هذا القبيل المستثنى بأنَّ المحكي عنهم في بدعتهم ما يوجب كفرهم، فليسوا مِن أهل القِبلة، فاستثناء الشافعي لهم منقطع.
قلتُ: قد سبق تأويل كلام مَن استثناهم إما على أنَّ فيهم أمرين كل منهما يقتضي الرد، وإما على أن المراد مَن تبع أبا الخطاب على غير ما كفر به -على ما فيه مِن بُعْد. على أن الشافعي في "المختصر" لم يُعَيِّن خطابيًّا ولا غيره. [نعم] (٢)، سبق نقل الخطيب عنه تعيينهم [مع الرافضة] (٣).
ونَصُّ "المختصر" في أول كتاب الشهادات: (ولا أَرُد شهادة الرجُل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لِمُوافِقِه بتصديقه وقبول يمينه، وكشهادة مَن يرى كذبه شركًا بالله
стр. 563
ومعصية تجب بها النار -أَوْلى أنْ تطيب النفْس بقبولها مِن شهادة مَن يخفف المأثم فيها) (١).
انتهى قال [بعض] (٢) شراحه كالصيدلاني وغيره: يعني بذلك الخطابية، وهُم قوم من الخوارج يرون الكذب كُفرًا يوجِب التخليد في النار. فإذا حلف أحدهم لصاحبه بما يدعيه، يَشْهد له.
قال: (وإنما لا تُقبل شهادته مطلقة، فإنْ بيَّن السبب مِن بيع أو إقرار أو غيره، قُبِل. ثُم ذَكر -يعني الشافعيَّ- أنَّ القلب إلى قول مَن يرى الكذب كفرًا أو موجِبًا للتخليد أَسْكَن بعد ما لم يكن مِن الخطابية). انتهى
فبيَّن الجمْعَ بيْن كلامَي الشافعي أوَّ، وآخِرًا.
واعْلم أن الشهرستاني وابن السمعاني وغيرهما ممن تَرجم للخطابية ذكروا أمورًا كثيرة مِن كُفرهم، ولم يذكروا استحلالهم الكذب ولا التكفير به، ولكن مَن حَفظ حُجة على مَن لم يحفظ. عَلَى أنَّ الإمام الرازي وأتباعه على هذا المذهب قالوا: إلا أنْ يكون قد ظهر عناد المبتدع، فلا يُقبل قولُه، لأنَّ العناد كذب.
وإنما لم أذكر ذلك لأن مَن ظهر عناده وتعمد الكذب، عُرِف أنه يستحل الكذب، فهو داخل في مُستحِل الكذب.
الثاني: يستفاد مما ذكرناه من الراجح في قبول المبتدع مسألة مَن أَقْدَم على مفسق مظنون معتقدًا أنه غير مفسق، أنه يُقْبل؛ لأن المبتدع قد أقدم بظنه على مفسق مقطوع به، ومع ذلك يُقبل، فهذا أَوْلى، وهو ما سبق نقْله عن الشافعي مِن قبول أهل الأهواء، والآخَر مأخوذ من قوله في شارب النبيذ الحنفي: (أحدُّه، وأَقْبَل شهادته). أي: لأنه لم يُقْدِم عليه بجرأة، ودليل
стр. 564
تحريمه ليس قطعيًّا حتى لا يُعتبر ظنُّه معه؛ فتحقق بذلك أن المدار على الملَكَة المانعة كما سبق تقريره.
نعم، حكى في "المحصول" الاتفاق في المظنون على القبول.
قال الهندي: (والأظهر ثبوت الخلاف فيه، كما في الشهادة؛ إذْ لا فَرق بينهما فيما يتعلق بالعدالة) (١).
أما مَن يُقْدِم جاهلًا بالحرمة أو الحل فذلك من تفاريع الفقه؛ ولذلك لم أتعرض لهذه المسألة في النَّظم، والله أعلم.
ص:
٢٩٣ ثُمَّ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِالْعَدَالَهْ. . . سَمْعٌ كصَحْبٍ لَهُمُ جَلَالَهْ
الشرح:
أي: ما سبق من شروط الراوي منه ما هو ظاهر يُطَّلع عليه بسهولة، كالبلوغ والعقل والإسلام، ومنه ما هو خفي لا يُطَّلع عليه إلا بعُسر، وهو العدالة. وقد ذكر في طريق معرفتها أمور:
الأول: السمع من الكتاب والسُّنة، وذلك كالصحابة ﵃، فإن عدالتهم دل عليها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فهُم المخاطَبون حقيقة بهذا الخطاب الشفاهي حتى نقل بعضهم اتفاق المفسرين على أن الصحابة هم المراد من هاتين الآيتين.
стр. 565
ولكن حكاية الاتفاق مردودة بأنَّ الخلاف شهير في كثير من التفاسير في اختصاصهم بذلك أو هو عام لكل الأمة.
نعم، الاختصاص هو قول الأكثر، ويشهد له ما سيأتي من السُّنة والمعنى، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مِثل أُحُد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نَصيفَه" (١).
والحديث وإن وَرَدَ على سبب فالعبرة بعموم اللفظ، ولا يضر أيضًا كوْن الخطاب بذلك لأصحابه أيضًا؛ لأن المعنى: لا يَسُب غيرُ أصحابي أصحابي، ولا يَسُب بعضُكم بعضًا.
وفي الصحيحين من حديث عمران بن الحصين: "خير القرون قَرني، ثم الذين يلونهم" (٢) الحديث، وفي رواية لابن مسعود: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣)، وفي الترمذي عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمَن أحبهم فبحبي أحبهم، وَمن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (٤). وغير ذلك مما لا ينحصر.
فإن قيل: هذه الأدلة دلت على فضلهم، فأين التصريح بعدالتهم؟
стр. 566
قلتُ: مَن أثنى الله ورسوله عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا؟ ! فإذا كان التعديل يثبت بِقَول اثنين من الناس أو واحد في الراوي كما سيأتي، فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله ورسوله؟ !
وهذا المذهب هو المعتمد، بل حكى ابن عبد البر في مقدمة "الاستيعاب" الإجماع عليه من أهل السنة والجماعة، وقال القاضي أبو بكر: إنه قول السلف وجمهور الخلف.
وحكى فيه أيضًا إمام الحرمين الإجماع، قال: (والسبب فيه أنهم نَقَلةُ الشريعة، ولو ثبت توقُّف في روايتهم لَانحصرت الشريعة في عصره ﷺ دُون سائر الأعصار) (١).
قال إلْكِيا الطبري: إن عليه كافة أصحابنا، وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فمبني على الاجتهاد، فإما أن كل مجتهد مصيب، وإما المصيب واحد وغير المصيب معذور، بل مأجور؛ لأنه ليس من الاعتقاديات القطعية، وكما قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها أَلسِنتنا.
ووراء هذا المذهب أقوال ضعيفة، بل باطلة:
منها: أنهم كغيرهم في الفحص عن عدالتهم.
ومنها: أنهم عدول إلى زمن قتل عثمان ﵁؛ لظهور الفتن من يومئذ.
والحقُّ أن عثمان قُتل ظلمًا، وحمى الله تعالى الصحابة من مباشرة قَتْله، ولم يتول قتلَهُ إلا شيطانٌ مريد، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة الرضا بقتله، بل المحفوظ أن كُلًّا منهم أنكر ذلك.
ومنها: قول المعتزلة كما حكاه ابن الحاجب: إنهم عدول إلَّا مَن قاتل عليًّا ففاسق؛
стр. 567
لخروجه على الإمام الحق.
وهذا أيضًا باطل؛ لأن مسألة الأخذ بثأر عثمان اجتهادية، رأَى علي ﵁ فيها التأخير؛ لمصلحة، ورأت عائشة ﵁ المبادرة مصلحة، وكلٌّ مأجور على اجتهاده. فالوقائع كلها جوابها سهل ظاهر، فالصواب التسليم فيما شجر بينهم إلى ربهم جل وعلا، ونبرأ ممن يطعن في أحد منهم، ونعتقد أن المخالف في ذلك مبتدع زائغ عن الحق، نعوذ بالله من ذلك.
ومنها: أن مَن قَلَّت صحبته فكَغْيره، والحكم بالعدالة إنما هو لمن اشتهرت صحبته. قاله [المازري] (١).
ومنها: قول مَن قال: عدول، ومَن خرج منهم عن الطريقة لا يسمَّى صحابيًّا.
وغير ذلك من الأقوال الواهية الباطلة.
تنبيهات
أحدها: ليس المراد بكونهم عدولًا ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية عليهم؛ إنما المراد أنه لا يُتكلف البحث عن عدالتهم ولا طلب التزكية فيهم، وقد سبق أن غلبة الخير في العدل كافية.
الثاني: قال الحافظ المزي: من الفوائد أنه لم يوجد قط رواية عمن لُمِزَ بالنفاق من الصحابة.
الثالث: من فوائد القول بعدالتهم مطلقًا: إذا قيل: "عن رجل من أصحاب النبي ﷺ كذا"، كان ذلك كتعيينه بِاسْمه؛ لاستواء الكل في العدالة.
وقال أبو زيد الدبوسى: بشرط أن يعمل بروايته السلف، أو يسكتوا عن الرد مع
стр. 568
الانتشار، أو تكون موافِقة للقياس، وإلا فلا يُحتج بها.
ولا يخفَى ضعف ذلك، والله أعلم.
ص:
٢٩٤ ثُمَّ الصَّحَابِيُّ الَّذِي قَدِ اجْتَمَعْ. . . مَعَ النَّبِيِّ مُؤْمنًا، بِذَا ارْتَفَعْ
٢٩٥ وَإنْ يَكُنْ لَمْ يَرْوِ أَوْ لَمْ يُطِلِ. . . أَوْ مَا غَزَا مَعَ الرَّسُولِ الْأَكْمَلِ
الشرح:
إذا تَقرر أن الصحابة عدول، فلا بُدَّ من بيان الصحابي مَن هو؟ وما الطريق في معرفة كونه صحابيًّا؟ فذكرتُ في هذين البيتين المقام الأول.
وقد اختُلف في تفسير الصحابي على أقوال منتشرة، المختار منها ما اقتصرت عليه: وهو أن "الصحابي" مَن اجتمع مؤمنًا بالنبي محمد ﷺ ولو لم يَرْوِ عنه، ولو لم تَطُل صحبته معه، ولو لم يَغْزُ معه في شيء من غزواته.
فقولنا: (مَن اجتمع) يشمل مَن رأى النبي ﷺ ، أو لم يره؛ لكونه أعمى، كابن أم مكتوم. وخرج به: مَن رآهم النبي ﷺ حين كُشف له عنهم ليلة الإسراء وغيرها، ومن رآه في غير عالم الشهادة، كالمنام، وكذا مَن اجتمع به مِن الأنبياء والملائكة في السماوات؛ لأن مقامهم أجل مِن رُتبة الصحبة، وكذا مَن اجتمع به في الأرض، كعيسى والخضر إنْ صح ذلك، فإنما المراد الاجتماع المعروف على الوجه المعتاد، لا خوارق العادات؛ فلهذا لا يُورَد على هذا التعريف شيء من ذلك.
والتعبير بـ "اجتمع" أجود من التعبير بـ "رأى النبي ﷺ " أو "رآه النبي"؛ لِمَا ذكرناه. وأجود أيضًا من التعبير بِـ "صَحبَ"؛ لئلا يلزم الدَّور ما لم يُحمل "صَحبَ" على المعنى
стр. 569
اللغوي، ولأن الصحبة عُرفًا تتوقف على ملازمة ونحوها.
وخرج أيضًا بالاجتماع: مَن رأى النبي ﷺ بعد موته قبل الدفن، كأبي ذؤيب الشاعر خالد بن خويلد الهذلي؛ لأنه لَمَّا أَسلم وأُخبر بمرض النبي ﷺ ، سافر؛ ليراه، فوجده ميتًا مسجًى، فحضر الصلاة عليه والدفن، فلم يُعَد صحابيًّا.
نعم، ابن عبد البر إنما يعتبر في الصحبة أنْ يُسْلم في حياته ﷺ وإنْ لم يَرَه، فالذي رآه ميتًا من باب أَوْلى.
عَلَى أن الذهبي في "التجريد" للصحابة قد عَدَّ منهم أبا ذؤيب، وقوَّاه شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني، وقال: الظاهر أنه يُعَدُّ صحابيًّا.
ولكن مرادهم كلهم الصحبة الحكمية التي سنبينها، لا حقيقة الصحبة.
وخرج بالتقييد بالإيمان: مَن رآه واجتمع به قبل النبوة ولم يره بعد ذلك، كما في زيد بن عمرو بن نفيل، مات قبل البعث، وقال النبي ﷺ : "إنه يُبعث أُمة وحده" (١). كما رواه النسائي، وأما [ذِكر ابن منده وغيره له مِن] (٢) الصحابة فمن التوسع الآتي بيانه.
وليس ورقة بن نوفل من هذا النوع؛ لأنه إنما اجتمع به بعد الرسالة؛ لِمَا صح في الأحاديث أنه جاء له بعد مجيء جبريل- ﵇ له وإنزال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] عليه، وبعد قوله له: "أَبْشر يا محمد، فأنا جبريل أُرسلتُ إليك، وإنك رسول هذه الأُمة". وقول ورقة له: "أَبْشر، فأنا أشهد أنك الذي بَشَّر به ابنُ مريم، وإنك على مثل
стр. 570
ناموس موسى، وإنك نبيٌّ مرسل" (١)، ورؤيته ﵊ لورقة في الجنة وعليه ثياب خضر. وجاء أنه قال: "لا تَسبُّوه؛ فإني رأيته وعليه جبة أو جبتان" (٢). رواه الحاكم في "المستدرك".
وأما قول الذهبي في "التجريد": (إنَّ ابن منده قال: اختُلف في إسلامه، والأظهر أنه مات بعد النبوة وقبل الرسالة) فبعيد؛ لِمَا ذكرناه، فهو صحابي قطعًا، بل أول الصحابة كما كان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يقرره.
وخرج أيضًا بالاجتماع مؤمنًا: مَن ارتد بعد موت النبي ﷺ ، أو قَبْله وقُتل بالرِّدة، كابن خطل وغيره؛ فإنه بالردة تَبين أنه لم يجتمع به مؤمنًا؛ تفريعًا على قول الأشعري ﵀: إن الكفر والإيمان لا يتبدلان، خلافًا للحنفية، والاعتبار فيهما بالخاتمة.
أما مَن ارتد ثم رجع للإسلام كالأشعث بن قيس ﵁ فقدْ تَبين أنه لم يَزَل مؤمنًا. فإنْ كان قد رآه مؤمنًا ثم ارتد ثم رآه ثانيًا مؤمنًا، فأوْضح؛ فإنَّ الصحبة قد حصلت بالاجتماع الثاني قطعًا.
وخرج أيضًا: مَن اجتمع به قبل النبوة ثم أسلم بعد المبعث ولم يَلْقَه، الظاهر أنه لا يكون صحابيًّا بذلك الاجتماع، لأنه حين ذاك لم يكن مؤمنًا كما روى أبو داود عن عبد الله بن أبي الحمساء: "بايعتُ النبي ﷺ قبل أن يُبعث، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، ونسيتُ ثم ذكرتُ بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى، لقد شققتَ علَيَّ، أنا في انتظارك
стр. 571
منذ ثلاث" (١). ثم لم يُنقَل أنه اجتمع به بعد المبعث.
ودخل أيضًا في الاجتماع مَن جِيء به إلى النبي ﷺ وهو غير مميِّز، فحنكه كعبد الله بن الحارث بن نوفل، أو تفل فيه كمحمود بن الربيع، بل مَجَّه بالماء وهو ابن خمس سنين أو أربع كما سبق بيانه قريبًا، أو مسح وجهه كعبد الله بن ثعلبة بن صُعَير (بضم الصاد وفتح العين المهملتين)، ونحو ذلك. فهؤلاء صحابة وإنِ اختار جماعة خِلاف ذلك كما هو ظاهر كلام ابن معين وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم وأبي داود وابن عبد البر وغيرهم، وكأنهم إنما نفوا الصحبة المؤكدة كما سيأتي.
واعْلَم أن بعض العلماء شرَط في الصحابي زيادة على ما ذكرناه، والمختار خلافُه.
مِن ذلك ما أشرتُ إليه في النَّظم بقولي: (وَإنْ لَمْ يَرْوِ) إلى آخِره، فشرَط بعضهم أن يروى عنه ولو حديثًا، وإلا فلا يكون صحابيًّا.
وشرَط بعضهم أن تطول الصحبة وتكثر المجالسة على طريق التبع له والأخذ عنه. ويُنقل ذلك عن أهل الأصول أو بعضهم، ورَدَّه الخطيب في "الكفاية" بأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن ما اشتُق منه الصحابي وهو "الصحبة" لا تُحَد بزمن ولا طولٍ، فتقول: صحبته سَنة، وصحبته لحظة (٢).
وفيما قاله نظر؛ لأن الكلام في الصحبة الاصطلاحية، وإلا فليس في اللغة اشتراط الإسلام في الصُّحبة.
وشرَط سعيد بن المسيب أن يقيم معه سَنة أو سنتين، أو يغزو معه غزوةً أو غزوتين. وقد
стр. 572
اعتُرض عليه بنحو جرير ممن وفد عليه في السَّنة العاشرة وما قاربها، إلا أن يريد الصحبة المؤكدة، فيستقيم.
ومما لم أُشِر إليه في النَّظم من الاختلاف ما شرَطه بعضهم من البلوغ. حكاه الواقدي عن أهل العلم.
ورُدَّ بخروج نحو عبد الله بن الزبير والحسن والحسين وأنظارهم ﵃.
وشرط بعضهم كوْنه من البَشَر؛ ليخرج مَن آمن به من الجن الذين قَدِموا عليه من نَصِيبين (١) وهم سبعة من اليهود أو ثمانية؛ ولهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وذكر في أسمائهم: شاصر، وماصر، وناشئ، ومنشئ، والأحقب، وزوبعة وسُرق، وعمرو بن جابر.
وقد استشكل ابن الأثير في "أسد الغابة" قول مَن ذكرهم في الصحابة، وهو محل نظر.
واشترط أبو الحسين بن القطان العدالة، قال: والوليد الذي شرب الخمر ليس بصحابي، وإنما صحْبه الذين هُم على طريقته.
والصحيح خلاف ما قال؛ لِمَا سبق من ثبوت عدالة الصحابة المطلقة، وقد سبق بيان معناها.
стр. 573
تنبيهان
أحدهما: ذكر ابن الجوزي في كتاب "التلقيح" تقسيمًا للصحابة به يجتمع أكثر الأقوال السابقة، وتتضح مدارك قائليها، فجعلها مراتب:
الأولى: الصحبة المؤكدة المشتملة على المعاشرة وكثرة المخالطة بحيث لا يُعرف صاحبها إلا بها، فيقال: هذا صاحب فلان.
الثانية: مطلق الصحبة التي تَصْدق بمجالسةٍ أو مماشاة ولو ساعة وإنْ لم يشتهر بها صاحبها.
قال: وكلام سعيد بن المسيب محمول على إرادة القِسم الأول، وكلام غيره على القسم الثاني؛ فلذلك عدوا جريرًا وأشباهه ومَن لم يَغْزُ ومَن تُوفي النبي ﷺ وهو صغير السن.
قال: وأما مَن رآه رؤية ولم يجالسه ولم يماشه -أيْ: وهو المرتبة الثالثة- فألحقوه بالصحبة إلحاقًا وإنْ كان حقيقة الصحبة لم توجد في حقه. أيْ: فهي صحبة إلحاقية؛ لشرف قَدْر النبي ﷺ ؛ لاستواء الكل في انطباع طلعة المصطفى فيهم برؤيته إياهم أو برؤيتهم إياه مؤمنين وإنْ تفاوتت رُتَبهم (١). انتهى
وهو كلام متين.
الثاني: زعم جمعٌ من الأصوليين -كالآمدي وابن الحاجب- أن الخلاف في ذلك لفظي.
وليس كذلك؛ فإنَّ مِن فائدته القول بعدالة الكل، وقد أشار إليه ابن الحاجب، ففي كلامه تعارُض بين أوله وآخِره، فإنه قال بعد ذِكر الخلاف في ضابط الصحبة: (وهي لفظية
стр. 574
وإنِ انبنى عليها ما تَقدم) (١). أيْ: في عدالة الصحابة.
فيقال له: إذا كان مبنيًّا عليها ذلك، فكيف تكون لفظية؟ !
ومن فوائده أيضًا: لو أرسل حديثًا، فإنَّ مُرْسَل الصحابي حُجة، بخلاف مرسَل غيره على ما سيأتي من الخلاف.
ومنها: أن قول الصحابي هل هو حُجة؟ وسيأتي الخلاف فيه، [فيتوقف] (٢) على معرفة مَن هو الصحابي؟
ومنها: مَن شَرَط أن الإجماع من الصحابة معتبَر دُون [غيره] (٣)، وكذلك مَن لا يَعتبِر خِلاف غيرهم معهم، وغير ذلك مما لا ينحصر.
قولي: (مُؤْمِنًا) حال مِن فاعل (اجْتَمَعْ). وقولي: (بِذَا ارْتَفَعْ) أيْ: عظم قَدْرُه وارتفع شأنه بهذا الوصف، والله أعلم.
ص:
٢٩٦ - وَمُدَّعِي الصُّحْبَةِ وَهْوَ عَدْلُ ... مُعَاصِرٌ نَقْبَلُهُ؛ فَالْكُلُّ
٢٩٧ - بِالنَّصِّ تَعْدِيلُهُمُ، وَعَمَّمَا ... لَهُ ابْنُ عَبْدِالْبَرِّ بَاقِي الْعُلَمَا
٢٩٨ - كَمَا ابْنُ مَوَّاقٍ رَأَى، وَاسْتَنَدَا ... لِخَبَرٍ أُرْسِلَ، ضَعْفُهُ بَدَا
الشرح: هذا هو المقام الثاني، وهو طريق معرفة الصحابي، وله طرق ظاهرة وطريق خفي، فاقتصرتُ على الخفي؛ لأن الظاهر معلوم من باب أَوْلى.
стр. 575
فمن الطرق الظاهرة: التواتر والاستفاضة بكونه صحابيًّا أو بكونه من المهاجرين أو من الأنصار، وقول صحابي ثابت الصحبة: (إنَّ هذا صحابي)، أو ذِكر ما يَلزم منه أن يكون صحابيًّا، نحو: (كنت أنا وفلان عند النبي ﷺ )، أو: (دخلنا عليه)، ونحو ذلك، لكن بشرط أن يُعرف إسلامه في تلك الحالة واستمرار ذلك كما عَلِمتَه مما سبق.
وأما الخفِي: فهو إذا ادَّعَى العَدْل المعاصِر للنبي ﷺ أنه صحابي. قال القاضي: يُقبل؛ لأن وازع العدالة يمنعه من الكذب. أي: مثل ما روى البخاري في "المغازي" عن الزهري، عن سنين أبي جميلة، قال: زعم أنه أدرك النبي ﷺ وخرج معه عام الفتح (١).
وحكى هذا المذهب أيضا أبو بكر الصيرفي في كتاب "الدلائل والأعلام" حيث قال: لا يُقبل حتى تُعلم عدالته، فإذا عُرفت، قُبِل منه.
وجَرَى على ذلك ابن الصلاح والنووي.
ومنهم مَن توقف في الثبوت بذلك؛ لأنه يثبت رُتبةً لنفسه، وهو ظاهر كلام ابن القطان المحدث، وبه قال أبو عبد الله الصيمري من الحنفية، وأنه لا يجوز أن يقال: (إنه صحابي) إلا عن عِلم ضروري أو كسبي، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني أيضًا.
ويخرج من كلام بعضهم مذهب ثالث بالتفصيل بين:
- مُدَّعِي الصُّحْبَة اليسيرة، فيُقْبَل، لأنه قد يتعذر إثبات صحبته بالنقل، إذْ ربما لا يحضره حين اجتماعه بالنبي ﷺ أحد أو حال رؤيته إياه.
- ومُدَّعِي طول الصحبة وكثرة التردد في السفر والحضر، لا يُقبل ذلك منه؛ لأن مثل ذلك يشتهر وينقل.
стр. 576
قيل: والمنع مطلقًا قوي؛ لأن الشخص إذا قال: (أنا عدل)، لا تُقبل دعواه، فكيف مُدَّعي الصحبة التي هي فوق العدالة؟
قلتُ: الفَرق ظاهر؛ لأن ذلك يثبتُ أصل العدالة من غير دليل، وهذا عدل مقبول القول يُنشئُ رُتبة، فيُقبل منه؛ لوجود عدالته.
ولم يقف ابن الحاجب على نقل في المسألة، فقال: (لو قال المعاصر العدل: "أنا صحابي"، احتمل الخلاف) (١).
فرع:
إذا أخبر عنه عدل من التابعين أو تابعيهم أنه صحابي، قال بعض شراح "اللمع": لا أعرف فيه نقلًا. قال: والذي يقتضيه القياس أنْ لا يُقبل؛ لأن ذلك مُرْسَل؛ لكونها قضية لم يحضرها.
قيل: والظاهر خلاف ذلك؛ لأنه لا يقول مثل ذلك إلا عن عِلم اضطراري أو اكتسابي.
وقد قال ابن السمعاني: إن الصحبة تُعْلَم بالطريق القطعي كالتواتر أو ظني وهو خبر الثقة.
قلتُ: مراده بِـ "خبر الثقة" حيث لم يتضمن كَوْنه مرسلًا، والاستناد إلى أنه لم يَقُل ذلك إلا عن عِلم- ضعيفٌ، وإلا لزم الاحتجاج بالمرسل مطلقًا، والتفريع على أنه ليس بحجة ما لم يعتضد كما سيأتي.
تنبيه:
إذا قال العَدْلُ: (أنا تابعي؛ لأني أدركتُ الصحابي رؤيةً أو اجتماعًا)، الظاهر أنه مِثله،
стр. 577
وأما بماذا يثبت كون التابعي؟ كذلك فسيأتي في الكلام على المرسَل.
وقولي: (فَالْكُلُّ بِالنَّصِّ تَعْدِيلُهُمُ) هذا وإنْ عُلِم من قولي فيما سبق: (طَرِيقُ الْعِلْمِ بِالْعَدَالَهْ سَمْعٌ) إلا أني أَعَدْتُه؛ للإيماء إلى أن مَن قال: إنَّ حَمَلَة العِلم مِثل الصحابة في ثبوت عدالتهم مِن غير طَلَب تزكيتهم؛ للنص فيهم كالصحابة. وهو ابن عبد البر، قال: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرْحُه.
واستدل لذلك بحديث رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية مُعان بن رفاعة السلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال النبي ﷺ : "يحمل هذا العِلم مِن كل خلف عُدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (١). أورده
стр. 578
العقيلي في كتاب "الضعفاء" في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: (لا يُعرف إلا به). ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة كتاب "الجرح والتعديل"، وابن عدي في مقدمة "الكامل"، وهو مرسَل معضل ضعيف.
وإبراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القطان: (لا نعرفه البتة في شيء من العِلم غير هذا).
وقال الخلال في كتاب "العلل": سُئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقيل له: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح. فقيل له: ممن سمعتَه؟ قال: من غيْر واحد. قيل له: مَن هُم؟ قال حدثني به مسكين إلا أنه يقول: عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، ومعان لا بأس به. ووثَّقه ابن المديني أيضًا.
قال ابن القطان: وخَفِي على أحمد مِن أمره ما عَلِمَه غيره.
ثم ذكر تضعيفه عن ابن معين وابن أبي حاتم والسعدي، وابن عدي وابن حبان.
وقد وَرَدَ هذا الحديث -كما قاله شيخنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي- مرفوعًا مسندًا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبي أُمامة وجابر بن سمرة ﵁ بِطُرُق كلها ضعيفة.
قال ابن عدي: ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: أخبرنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال. فَذَكَرَه.
وممن وافق ابن عبد البر على قوله هذا من المتأخرين أبو بكر بن المَوَّاق (بفتح الميم وتشديد الواو وآخِره قاف)، فقال في كتابه "بغية النقاد": أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر فيهم خلاف ذلك.
стр. 579
واعْلَم أن ابن الصلاح قال في قول ابن عبد البر ذلك: (إن ما قاله فيه اتساع غير مرضِي) (١).
واستدلاله بذلك لا يصح من وجهين:
أحدهما: الإرسال والضعف.
والثاني: عدم صحة كَوْنه خبرًا؛ لأن كثيرًا ممن يحمل العِلم غير عدلٍ، فَلَم يَبْقَ إلا حَمْله على الأمر، ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم؛ لأن العلم إنما يُقْبَل عن الثقات، ويدل له أن في بعض طرق ابن أبي حاتم: "لِيَحْمِل هذا العِلم" بلام الأمر، والله أعلم.
стр. 580
ص:
٢٩٩ وَيَثْبُتُ التَّعْدِيلُ بِاشْتِهَارِ. . . كَفِي أَئِمَّةِ الْهُدَى الْأَخْيَارِ
الشرح:
هذا هو الطريق الثاني مما تثبت به العدالة، وهو أن يكون الشخص ممن اشتهر بالإمامة في العلم وشاعَ الثناءُ عليه بالثقة والأمانة، فلا يحتاج مع ذلك إلى تزكية خاصة، بل كوْنه كذلك غاية في تزكيته وثبوت عدالته.
قال ابن الصلاح: (هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في أصول الفقه، وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب، ومثَّل ذلك بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد وابن معين وابن المديني، ومَن جرَى مجراهم في نَباهَة الذِّكر واستقامة الأمر، ولا يُسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، إنما يُسأل عمن خَفي أمرُه عن الطالبين) (١). انتهى
وقد سُئل ابن معين عن أبي عبيد، فقال: مِثلي يُسأل عن أبي عبيد؟ ! أبو عبيد يُسأل عن الناس.
وسُئل أحمد عن إسحاق بن رَاهَوَيْه، فقال: مِثل إسحاق يُسأل عنه؟ ! وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبِر إنما يحتاجان إلى التزكية متي لم يكونَا مشهورين بالعدالة والرضا وكان أمرهما مُشكلًا ملتبسًا ويجوز فيه العدالة وغيرها.
قال: (والدليل على ذلك أنَّ العِلمَ يُظهر رشدهما، واشتهار عدالتهما بذلك أقوي في
стр. 581
النفوس مِن تعديل واحد أو اثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة) إلى آخِر كلامه في ذلك.
ويدخل في قولي: (أَئِمَّةِ الْهُدَى الْأَخْيَارِ) مَن ذُكر ومَن لم يذكره هؤلاء، كأبي حنيفة والشافعي ﵄، وكذلك داود بن علي الظاهري وغيره من الأئمة، وكذا أصحاب الأئمة الأكابر المشهورون. والله أعلم.
ص:
٣٠٠ كَذَاكَ بِالتَزكِيَةِ الْمُعْتَبرَهْ. . . وَلَوْ بِوَاحِدٍ، كجَرْحٍ ذَكَرَهْ
٣٠١ وَعَدَدٌ يُشْرَطُ في الشَّهَادَهْ. . . جَرْحًا وَتَعْدِيلًا لِمَنْ أَرَادَهْ
الشرح:
هذا هو الطريق الثالث في معرفة العدالة -وهو التزكية- سواء في الراوي والشاهد، والتقييد بِـ "المعتبرة" يَشملُ أمورًا:
منها: ما يُعتَبر في لفظ التزكية بأن يقول: هو عدل. وهذا كافٍ في الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢]. فمَن شَهَد أو أخبر بمطلق العدالة، وافق إطلاق الآية. وحكاه القاضي أبو الطيب عن نَص الشافعي في "حرملة" (١).
وقيل: لا بُدَّ أن يقول في الشاهد: عدل عليَّ ولي. وحكاه الروياني عن نص "الأُم" و"المختصر".
قال ابن الصباغ: وبه أخذ أكثر الأصحاب. وزاد بعضهم أن يقول: عدل رِضًى لي وعلَيّ.
стр. 582
ومحل بسط ذلك كُتب الفقه.
قال القرطبي: عندنا لا بُد أن يقول: عدل رضًى. ولا يكفي الاقتصار على أحدهما، ولا يلزمه زيادة عليهما.
هذا في الشهادة، أما الرواية فلهُم ألفاظ غير ذلك تَوَسُّعًا، وجعلوها مراتب:
أعلاها: أن يجمع بين لفظين متحدي المعني؛ تأكيدًا، كأن يقول: "ثبتٌ حُجةٌ" أو "ثبتٌ حافظٌ" أو "ثقةٌ متقنٌ" أو نحو ذلك، أو يكرر فيقول: "ثقةٌ ثقةٌ" أو "ثبتٌ ثبتٌ". قاله الذهبي في مقدمة "الميزان".
الثانية: وهي ما بدأ بها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، أنْ يقول: ثقةٌ، أو: متقنٌ، أو: ثبتٌ، أو: حجةٌ، أو: حافظٌ، أو: ضابطٌ. قال الخطيب: (أرفع العبارات أن يقول: حجةٌ، أو: ثقةٌ).
الثالثة: أن يقول: "لا بأس به" أو "صدوق" أو "خيار".
الرابعة: أن يقول: "محلُّه الصدق" أو "رَووا عنه" أو "شيخ" أو "وسط" أو "صالح الحديث" أو "مُقارب" بفتح الراء وكسرها كما حكاه صاحب "الأحوذي".
على أن ابن أبي حاتم وابن الصلاح جعلَا "محله الصدق" من الرتبة التي قبل هذه، لكن صاحب "الميزان" جعلها من الرابعة.
ودُون ذلك أنْ يقول: صويلح، أو: صدوق إن شاء الله تعالى. ومحل البسط في ذلك كتب علوم الحديث.
ومنها: ما يعتبر في المزكِّي من كوْنه عدلًا عارفًا بأسباب التعديل والجرح، مطَّلعًا على أحوال من يزكيه بطُول صحبته معه واختباره في سِره وعلانيته سفرًا وحضرًا؛ فلذلك صعبت التزكية جدَّا.
نعم، اختُلف في ذلك في مسائل:
стр. 583
الأُولى: هل يُشترط في المزكِّي عدد؟ أو يجوز أن يكون واحدًا؟
وكذا في الجرح: هل يشترط العدد؟ أو لا؟ سواء ذلك في شهادة أو رواية.
وأصح المذاهب الاكتفاء بواحد في الرواية تعديلًا وجرحًا، وهو معني قولي: (وَلَوْ بِوَاحِدٍ، كَجَرْحٍ ذَكَرَهْ) أي: ذكره الجارح.
وأما الشاهد فيُشترط في مُعَدِّله أو جارحِه عَدْلان؛ جَرْيًا في كل منهما على أصله، وكما أن العدد شرط في الشهادة، اعتُبر في تعديلها وجرحها العدد، والرواية لا يُشترَط فيها ذلك، فلا يشترط في تعديلها وجَرْحها ذلك؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل. ونقل هذا الآمدي وابن الحاجب والهندي عن الأكثرين.
قال ابن الصلاح: (وهو الصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره) (١).
وهذا معنى قولي: (وَعَدَدٌ يُشْرَطُ في الشَّهَادَهْ) أي: في ذي الشهادة، وهو الشاهد.
القول الثاني: أن العدد في التزكية والجرح شرط مطلقًا في الرواية والشهادة، وهو ما حكاه القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم، وقال الأبياري: إنه قياس مذهب مالك.
الثالث: الاكتفاء بالواحد مطلقًا في الشاهد والراوي جرحًا وتعديلًا. واختاره القاضي أبو بكر، وقال: إن الذي يوجبه القياس تزكية كل عَدْل مَرْضِي ذكر أو أنثي، حر أو عبد، شاهد ومخبِر.
قال الماوردي والروياني: (إن حاصل الخلاف في ذلك أنَّ تعديل الراوي هل يجري مجرَى الخبر؟ أو مجرى الشهادة؛ لأنه حُكم على غائب؟ ) (٢).
стр. 584
نعم، جعلا الخلاف السابق في التعديل فيهما فقط، وجزَمَا في الجرح بالتعدد؛ لأنها شهادة على باطن مغيَّب.
لكن القاضي أبو [الطيب] (١) أَجرَى الخلاف في الأمرين -التعديل والجرح- كما ذكرناه أولًا.
فرع:
إذا اكتفينا بالواحد، فقد أَطلق في "المحصول" قبول تزكية المرأة.
وحكى القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء أنًّ النساء لا يُقبَلن في التعديل، لا في شهادة ولا في رواية، ثم اختار قبول قولها فيهما كما تُقبَل روايتها وشهادتها في بعض المواضع.
وهذا جارٍ على اختياره في قبول الواحد في تزكية الشاهد كالراوي؛ بِنَاءً على أن ذلك مَحْض رواية.
وغيره يقول: شهادة -كما سبق عن المارودي والروياني أن ذلك منشأ الخلاف.
وأما تزكية العبد فقال القاضي: يجب قبولها في الخبر دون الشهادة؛ لأنَّ خبره مقبول وشهادته مردودة. وبه جزَم صاحب "المحصول" وغيره.
قال الخطيب: (والأصل في هذا سؤال النبي ﷺ بريرة في قصة الإفك عن عائشة أم المؤمنين ﵂، وجوابها له) (٢).
قلت: هذا إن كان ذلك قبل أنْ تُعتق، فالإفك في الرابعة أو الخامسة، ويبقى النظر في تاريخ شراء عائشة وعتقها إياها.
стр. 585
تنبيه:
يُعتبر في الجرح ما سبق اعتباره في التعديل من اللفظ الدال وأهلية الجارح، ولكن لا يشترط هنا صحبته ولا اختباره؛ لأن سبب الجرح يجب بيانه ويكتفَى فيه بسبب واحد كما سيأتي.
فمن ألفاظ التجريح عند المحدثين سوى التصريح بفِسقه ونحوه مراتب أيضًا:
الأُولى: أن يقول: "كذاب"، أو: "يكذب"، أو: "وضَّاع"، أو: "يضع الحديث"، أو: "دجَّال"، أو: "متروك الحديث"، أو: "ذاهب الحديث"، أو: "ساقط لا يُكتَب حديثه". وإنما كان ذلك خارجًا عما استثنيته من التصريح بالفسق؛ لعدم استلزامه للفسق؛ لجواز أن يقع منه ذلك من غير قصد، أو نحو ذلك.
الثانية: أن يقول: "متهم بالكذب"، أو: "بالوضع"، أو: "ساقط"، أو: "هالك".
وفي رَأْيٍ أنَّ هذا مِن القِسم الذي قَبْله،
الثالثة: "رُدَّ حديثه"، أو "ردوا حديثه"، أو "مردود الحديث"، أو "ارْم به"، أو"ليس بشيء"، أو "لا شيء"، أو "لا يسوي شيئًا".
الرابعة: "ضعيف" أو"منكر الحديث" أو "حديثه منكر" أو "مضطرب" أو "واهٍ" أو "ضَعَّفوه" أو "لا يُحتج به".
الخامسة: "فيه مقال"، أو "ضُعِّف"، أو "في حديثه ضعف"، أو"يعرف ويُنكِر"، أو "ليس بذاك"، أو "ليس بالقوي"، أو "ليس بالمتين"، أو "ليس عمدةً"، أو"ليس بالمرضِي"، أو "طعنوا فيه"، أو "مطعون"، أو "سَيِّئ الحفظ"، أو "ليِّن"، أو "لين الحديث".
وهذه الأمور كلها محل بسطها كُتب علم الحديث، وفي هذه الإشارة كفاية.
وسيأتي في أمورٍ أخرى خِلاف: هل هي مِن الجرح؟ أو هل هي من التعديل؟ ذكرت
стр. 586
لمناسبة محلها [التي] (١) تُذكَر فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
ص:
٣٠٢ - فَإنَّهَا الْإخْبَارُ عَنْ خُصُوصِ ... أَيْ بِتَرَافُعٍ مَعَ الْمَخْصُوصِ
٣٠٣ - وَعَنْ عُمُومٍ مُطْلَقًا هُوَ الْخَبَرْ ... [أَوْمَا] (٢) إلى ذَا الشَّافِعِيْ في الْمُخْتَصَرْ
٣٠٤ - لِأَجْلِ ذَاكَ خُصَّتِ الشَّهَادَهْ ... بِشَرْطِهَا الْمَشْهُورِ بِالزِّيَادَهْ
الشرح:
لَمَّا وقع التفصيل في التزكية والتجريح بين الشهادة والرواية في الاكتفاء بواحدٍ، احتيج للفرق بين حقيقتهما، وهو من المهمات في هذا العلم وغيره، وقد خاض كثير غُمرة ذلك، ولكن غاية ما يفرقون به بينهما اختلافهما في الأحكام، كاشتراط العدد والحرية والذكورة ونحو ذلك مما يُعتبر في الشهادة، ولا يخفَى أنَّ هذه أحكام مترتبة على معرفة الحقيقة، فلو عُرِّفَت الحقيقة بها، لَزم الدَّوْر.
قال القرافي: (أقمتُ مُدة أتطَلب الفَرق بينهما حتى ظفرت به في "شرح البرهان" للمازرى. فذكر ما حاصله أنَّ الخبرَ إنْ كان عن عامٍّ لا يختصُّ بمعيَّن ولا تَرافُع فيه ممكن عند الحكام فهو الرواية، وإن كان خاصًّا وفيه ترافُع ممكن فهو الشهادة. وعُلِمَ مِن هذا الفرق المعنى فيما اختصت به الشهادة من العدد والحرية والذكورة ونحوها. واحترز بإمكان الترافع عن الرواية عن خاصٍّ مُعيَّنٍ؛ فإنه لا ترافُع فيه ممكن) (٣). انتهى ملخَّصًا.
стр. 587
قلتُ: هذا الفرق بِعَينه في كلام الشافعي ﵁، وبيَّن المراد من العموم والخصوص هنا، فقال فيما نقله عنه المزني في "المختصر" في باب "شهادة النساء لا رجُل معهن والرد على مَن أجاز شهادة امرأة من [أهل] (١) الكتاب" في مسألة الخلاف بينه وبين أبي حنيفة وأصحابه -حيث قبلوا شهادة امرأة على ولادة الزوجة دون المطلقة- ما نصه:
(وقلتُ لِمَن يُجيز شهادة امرأة في الولادة كما يُجيز الخبر بها لا مِن قِبل الشهادة: وأين الخبر من الشهادة؟ أتَقْبل امرأةً عن امرأةٍ أنَّ امرأة رُجلٍ وَلَدَتْ هذا الولد؟ قال: لا.
قلتُ: وتَقبل في الخبر: أخبرنا فلان عن فلان؟ قال: نعم.
قلتُ: والخبر هو ما استوى فيه المخبِرُ والمخبَرُ والعامة من حرامٍ أو حلالٍ؟ قال: نعم.
قلتُ: والشهادة ما كان الشاهدُ منه خَلِيًّا والعامَّةُ، وإنما يلْزمُ المشهود عليه؟ قال: نعم.
قلتُ: أفَتَرَى هذا مُشْبِهًا لهذا؟ قال: أمَّا في هذا فلا) (٢). انتهى
وقوله: (الخبر بها لا من قِبل الشهادة) هو المصطلح على تسميته "رواية" وإنْ كانت الشهادة أيضًا خبرًا باعتبار مقابلة الإنشاء، فللخبر [إطلاقان] (٣)، والمتقدمون يُعبِّرون عن "الرواية" بِـ "الخبر" كما قدمناه في بعض عبارة القاضي أبي بكر والماوردي والروياني وغيرهم.
وبيَّن الشافعي ﵀ السبب فيما تُفارقُ فيه الشهادة الرواية مِن الأحكام وتَرتُّبه على ما افترقت به حقيقتاهما من المعنى، وذَكَرَ بعض الأحكام قياسًا على البعض ردًّا على خصمه
стр. 588
الذي قد سلَّم المعنى وفرق في الأحكام بما لا يناسب.
فإن قلتَ: فأين اعتبار إمكان الترافُع في الشهادة دون الرواية في كلام الشافعي؟
قلتُ: من قوله: "وإنما يلزم المشهود عليه"؛ فإن اللزوم يستدعي مخاصمةً وترافُعًا.
فإنْ قيل: ليس فيما نقلتَ عن الشافعي ولا فيما نقله القرافي عن المازري ذكر ما يُعتبر في الشهادة مِن لفظ "أشهد" وكوْنه عند الحاكم أو المحكَّم أو سيِّد العبد والأَمة حيث سمع عليهما البيِّنة لإقامة الحدود إنْ جوَّزنا له ذلك، ولا ما أَشْبَه ذلك مما يختص بالشهادة.
قلتُ: إنما لم تُذكر؛ لِكونها أحكامًا وشروطًا خارجة عن الحقيقة، وعلى كل حالٍ فقد عُلِمَ مما سبق وجْه المناسبة فيما اختصت به الشهادة عن روايات الأخبار.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: (لأنَّ الغالب من المسلمين مَهابة الكذب على رسول الله ﷺ ، بخلاف شهادة الزور؛ فاحتيج إلى الاستظهار في الشهادات. وأيضًا فقد ينفرد الحديث النبوي بشاهد واحد في المحاكمات وبهذا يظهر فيما سبق في تزكية الواحد في الرواية أنه لكونه أحوط. وأيضًا بيْن كثير من المسلمين إحَنٌ وعَداوات قد تحمل على شهادة الزور من بعضٍ، بخلاف الأخبار النبوية). انتهى ملخصًا.
وفَصَّل غيره المعنى فيما اعتُبِر في الشهادة:
أمَّا العَدد: فإنها لَمَّا تَعلقت بمُعَين، تَطرَّقت إليها التهمة باحتمال العداوة؛ فاحتيط بإبعاد التهمة بالعدد، بخلاف الرواية. وسيأتي آخِر الفصل الإشارة إلى خلاف ضعيف في اشتراطه في الرواية أيضًا.
وأما الذكورة حيث اشتُرِطت: فلأن إلزام المعيَّن فيه نوع سلطنة وقَهْر، والنفوس تأباه ولاسيما من النساء؛ لنقص عقولهن ودِينهن، بخلاف الرواية؛ لأنها عامة تتأسى فيها النفوس، فَيَخِفُّ الألم، وأيضًا فلنقص النساء يكثُر غلطُهن، ولا ينكشف ذلك غالبًا في
стр. 589
الشهادة؛ لانقضائها بانقضاء زمانها، بخلاف الرواية؛ فإنَّ بتعلقها بالعموم يقع الكشف عنها؛ فيتبَيَّن ما عساه وقع من البراءة مِن غلطٍ ونحوه.
وأما الحرية: فلأنَّ قهرَ العبيد صعبٌ على النفوس، وأيضًا فَقدْ يحمل الرق على الحقد في المعيَّن؛ لفوات الحرية، فيدخل بذلك من التُّهمة ما لا يَدخل في المتعلق بالعموم.
فلذلك أُكِّدَتْ بهذه الشروط وغيرها من انتفاء العداوة وفرط المحبة، كشهادة الأصل للفرع وعكسه، والشهادة بما يجر النفع أو يَدفع الضرر، وكذا التهمة في المبادرة، بخلاف الرواية. وهو معنى قولي: (لِأَجْلِ ذَاكَ) إلى آخِره، فالشرط المشهور هو ما ذكرناه ونحوه، فإنه زائد على شروط الرواية التي شاركت فيها الشهادة، وقد اتضح بحمد الله، والله أعلم.
ص:
٣٠٥ وَقَدْ يُشَابُ الشَّيْءُ في الْأَحْكَامِ. . . مَعْنَاهُمَا، كَرُؤْيَةِ الصِّيَامِ
الشرح:
هذا تنبيه على أنَّ ما سبق إنما هو في الرواية المحضة (كالأحاديث النبوية) والشهادة المحضة (كالشهادة ببيع عين أو إجارة أو نكاح أو طلاق). وقد يكون الشيء فيه شائبتَا الرواية والشهادة، فتوزع الأحكام باعتبارهما بحسب المناسبة.
فمنه الخبر برؤية الهلال لرمضان، فإنه -من جهة عُمومه لأهل المصر أو الآفاق أو لغير البلد البعيد بمسافة القصر أو لمخالف المطلع على الخلاف في ذلك -رواية، ومن جهة اختصاصه بهذا العام وهذا القرن من الناس- شهادة.
فروعيت شائبة الشهادة باعتبار الحرية والذكورة -كما نَصَّ عليه الشافعي فيهما- ولفظ الشهادة على الأرجَح مِن الخلاف في الطُّرق، وكذا اعتبار كونه عند القاضي فيه خلاف.
стр. 590
نعم، قَطع بالمنع ابن عبدان والغزالي والبغوي، ومن شهد فيه على شهادته يعتبر العدد على الأرجح.
وروعيت شائبة الرواية بالاكتفاء بواحدٍ على أصح قَوْلَي الشافعي المنصوص في أكثر كُتبه كما قاله الرافعي وغيره، وقطع به طائفة. والثاني: لا يُقبَل إلَاّ عدلان؛ تغليبًا للشهادة. وقال الربيع: إنَّ الشافعي رجع إليه. قيل: وينبغي أن يكون الفتوى.
ولكن في "الأم" في كتاب "الصيام [الصغير] (١) "أنَّ الاكتفاء بالواحد إنما هو للاحتياط في الصوم وإنْ كان هو في ذاته لا يقبل فيه إلا عدلان؛ فلا منافاة بين النصين حينئذ.
ولفظه: قال الشافعي: (فإنْ لم تر العامة هلال رمضان ورآه رجل عَدْل، أَقْبله؛ للأثر والاحتياط، أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن [أبيه] (٢)، عن فاطمة بنت الحسين ﵉: أنَّ رجُلًا شهد عند علي ﵁ على رؤية هلال رمضان؛ فصام. وأحسبه قال: وأَمَر الناس بصيامه. وقال: أصوم يومًا من شعبان أَحبُّ إلَيَّ مِن أنْ أفطر يومًا من رمضان).
ثم قال الشافعي بعد ذلك: (ولا يجوز على رمضان إلا شاهدان) (٣). انتهى
وللعمل في صوم رمضان دليل مِن: حديث ابن عباس فيما رواه الأربعة وغيرهم (٤)، وحديث ابن عمر فيما رواه أبو داود وصححه الحاكم (٥)، وغيره مما هو مشهور في الفقه.
стр. 591
ومما يدل على أنَّ ذلك احتياط في الصوم أنه لا يجري في حلول أَجَل ولا معلق طلاق أو عتق أو نحو ذلك قطعًا إلَّا أن يتأخر التعليق عن ثبوته ويعلق به، فإنه ينصرف عُرفًا إلى الثبوت الذي به الصيام، وهذا [مقتضى] (١) ما أشرتُ إليه في الجمع بين النصين مِن كوْن العَدْل الواحد للصوم احتياطًا والعَدْلَين في سائر الأحكام.
نعم، يُعكِّر على هذا الجمع نصوص الشافعي المصرحة بأنه لا يُصام إلا بشهادة عدلين، منها ما قاله في موضع من "الأم"، ولفظه: (ولا يلزم الناس أنْ يصوموا إلا بشهادة عدلين فأكثر، وكذلك لا يُفطرون، وأَحَبُّ إليَّ لو صاموا بشهادة العدل؛ لأنه لا مؤنة عليهم في الصيام. إنْ كان مِن رمضان، أدوه. وإنْ لم يكن، رجوتُ أنْ يُؤجَروا به) (٢). انتهى.
وهو صريح في أن الصوم بعدل مستحب احتياطًا، لا وجوب فيه، وأن الوجوب بعدلين.
وإنما قلنا في قبول الواحد للصوم (على القول به): إنه شهادة كالرواية في الواحد فقط؛ لِمَا في حديث: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ غم عليكم فاقدروا له" (٣). زيادة
стр. 592
النسائي فيه على البخاري: "وإنْ شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" (١). فسماها "شهادة". فلما جاء حديث الواحد، لم يُزِل عنها حقيقة الشهادة بل وصف العدد.
ومنه على ما قاله القرافي: القائف المخبِر بإلحاق النسب؛ فإنه -من حيث خصوص إثبات بنوة زيد لعمرو- شهادة، فينبغي اعتبار العدد فيه، ومن حيث انتصابه للعموم -رواية، فينبغي الاكتفاء فيه بواحد (٢). ثم ذكر ما يقوي الأول.
لكن الأصح عند الشافعية وابن القاسم من المالكية ترجيح قبول الواحد؛ لأنه ﷺ قبل خبر مجزز المدلجي وحْده، ولأنه شبيهٌ بالحكم؛ لأنَّ فيه اجتهادًا وفصلًا للخصومة، فأَشْبه الفتوى والقضاء.
قال الرافعي: (ويحكَى هذا التشبيه والحكم عن نَص الشافعي في "الأم"، حتى لو كان القاضي قائفًا، قضى بذلك؛ بناءً على الأصح في حُكمه بعلمه) (٣).
قلتُ: فيَضعُف بذلك [ترديد] (٤) هذا الخبر بين الرواية والشهادة، بل هو غيرهما كما عرفته.
ومنه -على ما قاله القرافي أيضًا- المترجم للفتاوى والخطوط، قال مالك: (يكفي الواحد. وقيل: لا بُد من اثنين. ومنشأ الخلاف الشائبتان؛ لأنه نُصب نصبًا عامًّا وإخباره عن مُعيَّن مِن فتوى أو خط). انتهى ملخصًا.
والظاهر أنه رواية محضة، وأصله حديث أبي جمرة الضبعي: "كنت أترجم بين يدي ابن
стр. 593
عباس وبين الناس" الحديث في "مسلم" وغيره (١). فالمخبِر عن المفتي كراوي الأحاديث الحُكمية وغيرها. أما الشهادة على الخط -على مذهب مَن يراها- فشبيهة بالقائف، وفيه ما سبق.
ومنه المترجم للقاضي وعنه، وإسماع القاضي الأصم والتبليغ عنه. والأصح فيهما اعتبار العددِ ولفظِ الشهادة.
ومنه المزكي عند القاضي المنصوب لذلك، متردد بينهما، والأصح ترجيح الشهادة.
ومنه الخارص، والأصح فيه الاكتفاء بواحد.
ومنه القاسم من جهة الحاكم، والأصح فيه الاكتفاء بواحد، لكن لشَبهه بالحاكم ففيه ما سبق في القائف. هذا إنْ لم يكن فيها تقويم وإلا فلا بد من العدد، إلا أن يفوض إليه سماع بيِّنة القيمة.
ومنه الطبيب في مواضع:
- في كوْن المشَمَّس يورث البرص إنْ قلنا بكراهته بقول الأطباء.
- وفي كون الماء يضر حتى يعْدل إلى التيمم. والأصح فيهما قبول الواحد؛ لأن ذلك لحقِّ الله في العبادات، فلا يؤكد بالعدد.
- وفي كون المرض مخوفًا حتى تعتبر التبرعات فيه من الثلث.
- والإخبار عن المجنون أنه يَنفعه التزوج. ولكن الأصح في هذين اعتبار العدد؛ لأنَّ فيه حق آدمي.
ومنه الإخبار بأنه عيب في المبيع إذا اختلف المتبايعان فيه.
стр. 594
ومنه بعث الحكمين عند الشقاق بين الزوجين. والأصح العدد، لظاهر الآية. قال الرافعي: ويُشبه أن يقال: إن جعلناه تحكيمًا فلا يشترط العدد، أو توكيلًا فكذلك إلا في الخلع، فيكون على الخلاف في تولي الواحد طَرَفي العقد.
وغير ذلك من الفروع، وبسطها وبيان المعنى في ترجيح إحدى الشائبتين فيها والمدارك - محله الفقه، والله أعلم.
ص:
٣٠٦ وَلَيْسَ في التَّعْدِيلِ ذِكْرُ السَّبَبِ. . . شَرْطًا، خِلَافَ الْجَرْحِ [في] (١) التَّجَنُّبِ
٣٠٧ لِكَثْرَةِ الْخِلَافِ في أَسْبَابِهِ. . . وَلِلْغِنَى بِوَاحِدٍ في بَابِه
الشرح:
اختُلف في كل من الجرح والتعديل -هل يُقبل مِن غير ذِكر سببه؟ أو لا؟ - على أقوال منشؤها أن المجرِّح والمعدِّل مخبِر فيصدق، أو حاكم ومُفْت فلا يقلد.
أحدها وهو الصحيح المنصوص للشافعي، قال القرطبي: وهو الأكثر من قول مالك. قال الخطيب: (وذهب إليه الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم) (٢). وعليه اقتصرتُ في النَّظم: التفريق بين التعديل فيُقبل بلا تفسير، والجرح فلا يُقبل إلا مع ذِكر السبب؛ لأمرين ذكرتهما:
أحدهما: كثرة الاختلاف في أسباب الجرح، بخلاف التعديل.
стр. 595
والثاني: أن أسباب العدالة كثيرة ولا بُد مِن ذِكر الكل؛ فيشق ذِكرُها بأن يقول المُعدِّل: (ليس يفعل كذا ولا كذا) إلى آخِر المجتنَبات، و: (يفعل كذا ويفعل كذا) إلى آخِر الطاعات المرتكَبات، بخلاف الجرح، فإنَّ ذِكرَ الواحد من أسبابه يُغْني في ثبوت الجرح.
قالوا: وربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرح، فروى الخطيب بسنده [لأبي] (١) جعفر المدائني قال: قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون؛ فتركت حديثه.
إلى غير ذلك مما يُظن جرحًا وليس بجرح، وهو معنى ثالث لكن يمكن دخوله في الأول، فإنه اختلاف في السبب وإنْ كان القول بأحدهما وَهمًا أو نحو ذلك.
قلت: لكن ركض البرذون ربما يكون مفسقًا أو مخلًّا بالمروءة، فلا ينبغي أن يمثَّل به لذلك.
وفي أنواع الشهادات مواضع أخرى اختُلف في الإطلاق فيها هل يكتفَى به؟ أو لا بُد من السبب؟ وهي مختلفة ترجيحًا وجزمًا، ليس ذلك موضع بسطها، تَعَرَّض لكثير منها العلائي في "قواعده" وغيره.
القول الثاني: عكس الأول، وهو أنه يُقبل الجرح بلا تفسير، ولا يقبل التعديل إلا مفسَّرًا؛ لأن أسباب العدالة يَكثُر التصنع فيها، فيبني فيها المعدِّل على الظاهر. حكاه صاحب "المحصول" وغيره، ونقله إمام الحرمين في "البرهان" والغزالي في "المنخول" وإلْكِيَا في "التلويح" وابن بَرهان في "الأوسط" عن القاضي أبي بكر؛ لكن المعروف عنه ما سيأتي.
الثالث: يُعتبر في كلٍّ منهما ذِكر سببه؛ لأنَّه قد يجرح بما لا يقدح، وقد يبني المعدِّل على الظاهر والأمر بخلافه. حكاه الخطيب والأصوليون، وبه قال الماوردي أيضًا، قال: وقد
стр. 596
رُوي أن [ابن عمر] (١) زُكِّي عنده رجُل، فسأل المزكِّي عن أحواله، فذكر له ما لا يُكتفَى به.
الرابع: أنه يكفي الإطلاق في كل منهما؛ لأنَّ الجارح والمعدِّل إن لم يكونا بصيرين بالأسباب، لم يَصْلُحَا لذلك، فإن كانا بصيرين بها فلا معنى لذكرهما إياها.
وهذا ما نَص عليه القاضي أبو بكر في "التقريب"، وكذا نقله عنه الخطيب في "الكفاية" والغزالي في "المستصفى" والمازري في "شرح البرهان" والقرطبي في "الوصول" والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب، وابن القشيري ورَدَّ على الإمام ما نقله في"البرهان" عنه.
وأما قول إمام الحرمين والإمام الرازي: (يكفي الإطلاق من العالم بأسبابهما دُون غيره) (٢) فلَم يخرج عن القاضي وهو الاكتفاء بالإطلاق فيهما؛ لأنَّ غير العارف لا يَصلح لتعديل ولا لتجريح.
قال القاضي تاج الدين السبكي: (والمختار عندي في الشهادة التفصيل بين الجرح والتعديل كما ذهب إليه الشافعي، وفي الرواية الاكتفاء بالإطلاق في الجرح والتعديل معًا إذا عُرف مذهب الجارح فيما يجرح به) (٣).
стр. 597
قلت: وفيما اختاره نَظَر مِن وجوه:
أحدها: مخالفة إمامه الشافعي والجمهور.
والثاني: أن الجارح إذا عُرف مذهبه فيما يجرح به، نزل ذلك منزلة ذِكره.
الثالث: أن الذي يظهر في مستنده في اختيار ذلك ما قال ابن الصلاح: (إنَّ لقائلٍ أنْ يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورَدِّ حديثهم على الكُتب التي صنفها أهل الحديث في الجرح، وقَلَّ ما يتعرضون فيها للسبب، بل يقتصرون فيها على مجرد قولهم: "فلان ضعيف" و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب في جرح الرواة يفضي إلى تعطيل ذلك وسَدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر) (١).
قال: (وجوابه أنَّ ذلك وإنْ لم يعتمد في إثبات الجرح فالحكم به معتمد في التوقف عن قبول حديث مَن قالوا فيه ذلك؛ بناءً على أنه أَوْجَد عندنا ريبةً قويةً يوجِب مثلها التوقف؛ ولهذا مَن زالت عنه هذه الريبة فبُحِث عن حاله فظهر ما يوجِب الثقة به، قَبِلْناه كمن احتج بكثير منهم صاحِبَا الصحيحين مع أنَّ فيهم مِثل هذا الجرح) (٢). انتهى ملخصًا.
وهو معنى قول النووي في "شرح مسلم": إنَّ المعْنِيَّ بعدم قبول الجرح المطلَق في الراوي وجوب التوقف عن العمل بروايته إلى أن يبحث عن السبب.
وهو حسن يزول به عن الصحيحين الإشكال [قبل] (٣) ذلك.
ويزول به إشكالٌ آخَر وهو أنَّ الجرح مقدَّم على التعديل، فكان على مقتضَى ذلك كل مَن جُرح بوجه لا يُقبل مطلقًا لاسيما وقد وقع بعض مَن دخل في الجرح والتعديل في كثير من
стр. 598
الأئمة الكبار وما سَلِم إلا القليل. فبهذا التوقف لا يلتفت لتجريح أحدٍ أحدًا منهم مع إمامته وجلالته وعدم احتياجه كما سبق لمعدِّل. فافْهَم ذلك، واجعله عقيدة لك في الأئمة؛ تَسْلَم، والله أعلم.
ص:
٣٠٨ - وَقُدِّمَ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيلِ ... مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَخَّرَ التَّعْوِيلِ
الشرح:
أي: هذا كله إذا لم يتعارض الجرح والتعديل، فأمَّا إذا تعارضا سواء أكان الجرح مبَيَّن السبب أو مطلقًا وقلنا بقبوله:
فالصحيح من المذاهب في المسألة أن الجرح مقدَّم مطلقًا، سواء كَثُر الجارح أو المعدِّل أو استويَا.
وبه جزم الماوردي والروياني وابن القشيري وقال: نقل القاضي فيه الإجماع.
ونقله الخطيب والباجي عن جمهور العلماء، وقال الإمام الرازي والآمدي وابن الصلاح: إنه الصحيح؛ لأنَّ مع الجارح زيادة عِلم لم يَطَّلِع عليها المعدِّل، فهو موافِقٌ له على أنَّ ظاهره كذلك ومُخْبِرٌ بما خَفي عن المعدِّل (١).
قال ابن دقيق العيد: هذا إنما يصح على اعتقاد أنَّ الجرح لا يُقبَل إلا مفسرًا. أي: فإنْ قبلناه مجملًا فالأقوى حينئذ أنْ يُطلَب الترجيح؛ لأنَّ قول كل مِن الجارح والمعدِّل ينفي ما يقوله الآخَر.
قال: (وبشرط آخَر، وهو أنْ يُبْنَى الجرح على أمرٍ مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما
стр. 599
اصطلح أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي مع اعتبار حديث غيره والنظر إلى كثرة الموافَقة والمخالفة والتفرُّد والشذوذ). انتهى
وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَخَّرَ التَّعْوِيلِ) بيان أن ذلك إنمَّا هو حيث لم يكن التعديل مؤخرًا فيما عول عليه عن سبب الجرح، والمراد بذلك ما استثناه أصحابنا مِن تقديم الجرح أنه إذا جرحه بمعصية وقال المعدِّل: (عرفتُ ذلك ولكنه تاب منها) أيْ: مع مُضِي مدة الاستبراء حيث اعتُبِرت، فإنَّ التعديل حينئذ مقدَّم؛ لأنَّ فيه زيادة [عِلم] (١).
القول الثاني: أنَّ التعديل مقدَّم أبدًا؛ لأنَّ الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحًا، والمعدِّل لا يُعدِّل حتى يتحقق بطريقٍ سلامته من كل جارح. وهذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لكن قضية تعليله بما سبق تخصيص الخلاف بالجرح غير المفسَّر بناءً على قبوله.
الثالث: يُقدَّم الأكثر من الجارح والمعدِّل. حكاه في "المحصول"؛ لأنَّ الكثرة لها تأثير في القوة.
ورَدَّ ذلك الخطيب بأنَّ المعدِّلين وإنْ كثروا فليسوا مخبرين بعدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك كانت شهادة نَفْي، وهي باطلة.
الرابع: تَعارُض الأمرين، فلا يُقدَّم أحدهما إلا بمرجِّح. حكاه ابن الحاجب.
واعْلم أنَّ القاضي في "التقريب" جعل موضع الخلاف فيما إذا كان عدد المعدِّلين أكثر. فإنِ استويا، قُدِّم الجرحُ إجماعًا. وكذا قال الخطيب في "الكفاية" وابن القطان وأبو الوليد الباجي.
اعتُرِض على حكايتهم ذلك بأن ابن القشيري قد نصب الخلاف فيما إذا استوى عدد
стр. 600
المعدِّلين والجارحين، قال: فإنْ كَثُر المعدِّلون فقبول المعدِّلين أَوْلى.
وقال المازري: (إنَّ [ابن أبي سفيان حكى في كتابه "الزاهر"] (١) الخلاف عند التساوي في العدد، قال: فإن زاد عدد المجرِّحين فلا وجه لجريان الخلاف) (٢).
وبه صرح أيضًا الباجي، فقال: لا خلاف في تقديم الجرح.
وقال الماوردي: لا شك فيه.
وعلى هذا فيخرج في محل الخلاف ثلاث طُرُق، والله أعلم.
ص:
٣٠٩ - وَيثْبُتُ التَّعْدِيلُ أَيْضًا بِعَمَلْ ... مَنْ يَشْرِطُ الْعَدْلَ لِمَا فِيهِ الْعَمَلْ
٣١٠ - رِوَايَةً تَكُونُ أَوْ شَهَادَهْ ... كَذَا إذَا عَنْهُ رَوَى مُعْتَادَهْ
الشرح:
التعديل والتجريح إما بالتصريح وإما بالتضمن لأمرٍ، فلمَّا انقضى القسمُ الأول شرعتُ في الثاني، فذكرت في التعديل الضمني أمرين:
أحدهما: أن يُعمَل بخبره، وتحته صورتان:
الأُولى: عمل العالِم برواية راو وقد عُلم مِن قاعدته أنَّه لا يَعمل إلا بقول العدل- يكون تعديلًا له كما حكاه القاضي أبو الطيب عن الأصحاب، ونقل الآمدي فيه الاتفاق.