رُوي أن [ابن عمر] (١) زُكِّي عنده رجُل، فسأل المزكِّي عن أحواله، فذكر له ما لا يُكتفَى به.
الرابع: أنه يكفي الإطلاق في كل منهما؛ لأنَّ الجارح والمعدِّل إن لم يكونا بصيرين بالأسباب، لم يَصْلُحَا لذلك، فإن كانا بصيرين بها فلا معنى لذكرهما إياها.
وهذا ما نَص عليه القاضي أبو بكر في "التقريب"، وكذا نقله عنه الخطيب في "الكفاية" والغزالي في "المستصفى" والمازري في "شرح البرهان" والقرطبي في "الوصول" والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب، وابن القشيري ورَدَّ على الإمام ما نقله في"البرهان" عنه.
وأما قول إمام الحرمين والإمام الرازي: (يكفي الإطلاق من العالم بأسبابهما دُون غيره) (٢) فلَم يخرج عن القاضي وهو الاكتفاء بالإطلاق فيهما؛ لأنَّ غير العارف لا يَصلح لتعديل ولا لتجريح.
قال القاضي تاج الدين السبكي: (والمختار عندي في الشهادة التفصيل بين الجرح والتعديل كما ذهب إليه الشافعي، وفي الرواية الاكتفاء بالإطلاق في الجرح والتعديل معًا إذا عُرف مذهب الجارح فيما يجرح به) (٣).
стр. 597
قلت: وفيما اختاره نَظَر مِن وجوه:
أحدها: مخالفة إمامه الشافعي والجمهور.
والثاني: أن الجارح إذا عُرف مذهبه فيما يجرح به، نزل ذلك منزلة ذِكره.
الثالث: أن الذي يظهر في مستنده في اختيار ذلك ما قال ابن الصلاح: (إنَّ لقائلٍ أنْ يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورَدِّ حديثهم على الكُتب التي صنفها أهل الحديث في الجرح، وقَلَّ ما يتعرضون فيها للسبب، بل يقتصرون فيها على مجرد قولهم: "فلان ضعيف" و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب في جرح الرواة يفضي إلى تعطيل ذلك وسَدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر) (١).
قال: (وجوابه أنَّ ذلك وإنْ لم يعتمد في إثبات الجرح فالحكم به معتمد في التوقف عن قبول حديث مَن قالوا فيه ذلك؛ بناءً على أنه أَوْجَد عندنا ريبةً قويةً يوجِب مثلها التوقف؛ ولهذا مَن زالت عنه هذه الريبة فبُحِث عن حاله فظهر ما يوجِب الثقة به، قَبِلْناه كمن احتج بكثير منهم صاحِبَا الصحيحين مع أنَّ فيهم مِثل هذا الجرح) (٢). انتهى ملخصًا.
وهو معنى قول النووي في "شرح مسلم": إنَّ المعْنِيَّ بعدم قبول الجرح المطلَق في الراوي وجوب التوقف عن العمل بروايته إلى أن يبحث عن السبب.
وهو حسن يزول به عن الصحيحين الإشكال [قبل] (٣) ذلك.
ويزول به إشكالٌ آخَر وهو أنَّ الجرح مقدَّم على التعديل، فكان على مقتضَى ذلك كل مَن جُرح بوجه لا يُقبل مطلقًا لاسيما وقد وقع بعض مَن دخل في الجرح والتعديل في كثير من
стр. 598
الأئمة الكبار وما سَلِم إلا القليل. فبهذا التوقف لا يلتفت لتجريح أحدٍ أحدًا منهم مع إمامته وجلالته وعدم احتياجه كما سبق لمعدِّل. فافْهَم ذلك، واجعله عقيدة لك في الأئمة؛ تَسْلَم، والله أعلم.
ص:
٣٠٨ - وَقُدِّمَ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيلِ ... مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَخَّرَ التَّعْوِيلِ
الشرح:
أي: هذا كله إذا لم يتعارض الجرح والتعديل، فأمَّا إذا تعارضا سواء أكان الجرح مبَيَّن السبب أو مطلقًا وقلنا بقبوله:
فالصحيح من المذاهب في المسألة أن الجرح مقدَّم مطلقًا، سواء كَثُر الجارح أو المعدِّل أو استويَا.
وبه جزم الماوردي والروياني وابن القشيري وقال: نقل القاضي فيه الإجماع.
ونقله الخطيب والباجي عن جمهور العلماء، وقال الإمام الرازي والآمدي وابن الصلاح: إنه الصحيح؛ لأنَّ مع الجارح زيادة عِلم لم يَطَّلِع عليها المعدِّل، فهو موافِقٌ له على أنَّ ظاهره كذلك ومُخْبِرٌ بما خَفي عن المعدِّل (١).
قال ابن دقيق العيد: هذا إنما يصح على اعتقاد أنَّ الجرح لا يُقبَل إلا مفسرًا. أي: فإنْ قبلناه مجملًا فالأقوى حينئذ أنْ يُطلَب الترجيح؛ لأنَّ قول كل مِن الجارح والمعدِّل ينفي ما يقوله الآخَر.
قال: (وبشرط آخَر، وهو أنْ يُبْنَى الجرح على أمرٍ مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما
стр. 599
اصطلح أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي مع اعتبار حديث غيره والنظر إلى كثرة الموافَقة والمخالفة والتفرُّد والشذوذ). انتهى
وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَخَّرَ التَّعْوِيلِ) بيان أن ذلك إنمَّا هو حيث لم يكن التعديل مؤخرًا فيما عول عليه عن سبب الجرح، والمراد بذلك ما استثناه أصحابنا مِن تقديم الجرح أنه إذا جرحه بمعصية وقال المعدِّل: (عرفتُ ذلك ولكنه تاب منها) أيْ: مع مُضِي مدة الاستبراء حيث اعتُبِرت، فإنَّ التعديل حينئذ مقدَّم؛ لأنَّ فيه زيادة [عِلم] (١).
القول الثاني: أنَّ التعديل مقدَّم أبدًا؛ لأنَّ الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحًا، والمعدِّل لا يُعدِّل حتى يتحقق بطريقٍ سلامته من كل جارح. وهذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لكن قضية تعليله بما سبق تخصيص الخلاف بالجرح غير المفسَّر بناءً على قبوله.
الثالث: يُقدَّم الأكثر من الجارح والمعدِّل. حكاه في "المحصول"؛ لأنَّ الكثرة لها تأثير في القوة.
ورَدَّ ذلك الخطيب بأنَّ المعدِّلين وإنْ كثروا فليسوا مخبرين بعدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك كانت شهادة نَفْي، وهي باطلة.
الرابع: تَعارُض الأمرين، فلا يُقدَّم أحدهما إلا بمرجِّح. حكاه ابن الحاجب.
واعْلم أنَّ القاضي في "التقريب" جعل موضع الخلاف فيما إذا كان عدد المعدِّلين أكثر. فإنِ استويا، قُدِّم الجرحُ إجماعًا. وكذا قال الخطيب في "الكفاية" وابن القطان وأبو الوليد الباجي.
اعتُرِض على حكايتهم ذلك بأن ابن القشيري قد نصب الخلاف فيما إذا استوى عدد
стр. 600
المعدِّلين والجارحين، قال: فإنْ كَثُر المعدِّلون فقبول المعدِّلين أَوْلى.
وقال المازري: (إنَّ [ابن أبي سفيان حكى في كتابه "الزاهر"] (١) الخلاف عند التساوي في العدد، قال: فإن زاد عدد المجرِّحين فلا وجه لجريان الخلاف) (٢).
وبه صرح أيضًا الباجي، فقال: لا خلاف في تقديم الجرح.
وقال الماوردي: لا شك فيه.
وعلى هذا فيخرج في محل الخلاف ثلاث طُرُق، والله أعلم.
ص:
٣٠٩ - وَيثْبُتُ التَّعْدِيلُ أَيْضًا بِعَمَلْ ... مَنْ يَشْرِطُ الْعَدْلَ لِمَا فِيهِ الْعَمَلْ
٣١٠ - رِوَايَةً تَكُونُ أَوْ شَهَادَهْ ... كَذَا إذَا عَنْهُ رَوَى مُعْتَادَهْ
الشرح:
التعديل والتجريح إما بالتصريح وإما بالتضمن لأمرٍ، فلمَّا انقضى القسمُ الأول شرعتُ في الثاني، فذكرت في التعديل الضمني أمرين:
أحدهما: أن يُعمَل بخبره، وتحته صورتان:
الأُولى: عمل العالِم برواية راو وقد عُلم مِن قاعدته أنَّه لا يَعمل إلا بقول العدل- يكون تعديلًا له كما حكاه القاضي أبو الطيب عن الأصحاب، ونقل الآمدي فيه الاتفاق.
стр. 601
ورُدَّ بأن الخلاف محكي في "تقريب" القاضي و"منخول" الغزالي، وكذا حكى إمام الحرمين وابن القشيري فيه أقوالًا، ثالثها: الصحيح إنْ أمكن أنه عمل بدليل آخَر فليس بتعديل، وإنْ بَانَ بقوله أو بقرينة أنَّ عمله إنما هو بالخبر الذي رواه ذلك الراوي فتعديل.
ورجح هذا أيضاً القاضي في "التقريب"، قال: وفرقٌ بين قولنا: (عمل بالخبر)، و: (عمل بموجَب الخبر).
نعم، الشرط -كما قال القاضي والإمام والغزالي- أنْ لا يكون ذلك من مسائل الاحتياط ويظهر أنَّ عمله به للاحتياط، فإنه حينئذ ليس تعديلًا.
وقال إلْكِيَا: إنْ كان من باب الاحتياط أو لم يكن من المحظورات التي يخرج المتحلي بها عن سمة العدالة، لم يكن تعديلاً. قال: ومن فروع هذه قبول المرسل.
وفي المسألة مذهب آخَر لبعض المتأخرين، وهو التفصيل بين:
- أنْ يعمل بذلك في الترغيب والترهيب، فلا يُقبل؛ لأنه يُتسامَح فيه بالضعف.
- أو غيرهما، فيكون تعديلًا.
وهو حَسَن.
الثانية: عملُ الحاكم بشهادته تعديلٌ له كما قاله القاضي والإمام، بل قال القاضي: إنه أقوى من التعديل باللفظ وبقيَّة الطُّرق.
والشرط كما بيَّنَّا أن لا يكون الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي لا يكذب، بل يَشترط فيه العدالة كما قيَّد بذلك الآمدي وإنْ أَطلق الإمام الرازي وأتباعُه المسألة.
لكن قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هذا قوي إذا منعنا حُكم الحاكم بعلمه، وإلا فيُحتمل أنه إنما قضَى بعلمه لا بالشهادة؛ فلا يكون تعديلًا إلَاّ إن تَيقَّنا أنه إنما حكم بشهادته دُون علمه. وبذلك صرح العبدري في "شرح المستصفى".
стр. 602
الأمر الثاني: أنْ يروى عنه مَن عادته أنْ لا يروي إلا عن عدلٍ، كيحيى بن سعيد القطان وشعبة ومالك ونحوهم. قال البيهقي: وقد تقع رواية بعضهم عن بعض الضعفاء؛ لخفاء حالِه، كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق.
فيكون تعديلًا له -على المختار عند إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي والآمدي وابن الحاجب والهندي والباجي وغيرهم- بشهادة ظاهر الحال، وإليه ذهب البخاري ومسلم في صحيحيهما، وقال المازري: إنه قول الحذاق.
وهذا على قول مَن لا يَشترط بيان سبب التعديل، أمَّا مَن يشترط فلا يكون مجرد الرواية عنه تعديلًا ولو كان مِن عادته أن لا يَروي إلا عن عَدْل؛ لأنهم قد يروون عمن لو سُئلوا عنه لجرَّحوه، ووقع ذلك كثيرًا (١).
قلتُ: هذا ينافي كَوْن مِن عادته أنْ لا يَروي إلَاّ عن عدل، فإنَّ الظاهر أنه لو سُئل عَمن يروي عنه لَعَدَّلَه ولم يجرحه.
ويُعرَف كونه لا يَروي إلا عن عَدْل إما بتصريحه وهو الغاية، أو باعتبارنا لحاله واستقرائنا لمن يروي عنه، وهو دُون الأول. قاله ابن دقيق العيد، قال: (وهل يكتفَى بذلك في قبول روايته عمن لا [نعرفه] (٢)؟ فيه وقفة لبعض أصحاب الحديث من المعاصرين، وفيه تشديد). انتهى
стр. 603
ووراء التفصيل في أصل المسألة قولان:
- المنع مطلقاً، وبه جزم الماوردي والروياني وابن القطان، وهو محكي عن أكثر أهل الحديث، وفي "التقريب" للقاضيْ إنه قول الجمهور، وإنه الصحيح.
- وكونه تعديلًا مطلقًا وإلا لَكان غِشًّا. حكاه الخطيب وغيره.
ويخرج من تصرف البزار في "مسنده" قول آخَر: إنَّ رواية كثير من العدول عنه تعديلٌ، بخلاف القليل.
وحيث قُلنا: (تعديل) فهو تفريع على جواز تعديل الراوي لمن روى عنه، وفيه في باب الأقضية من "الحاوي" حكاية وجهين في أنه هل يجوز للراوي تعديل مَن روى عنه؟ كالخلاف في تزكية شهود الفرع للأصل (١).
قولي: (مَنْ يَشْرِطُ الْعَدْلَ) أي: العدالة، فهو مَصْدر؛ لكنه يستعمل في الوصف مجازًا. و"مُعْتَادَهْ" نَصْبٌ على الحال؛ لأنَّ إضافته غير محضة، والتقدير: معتادًا إياه. والله أعلم.
ص:
٣١١ - وَلَيْسَ تَرْكُ عَمَلٍ بِمَا شَهِدْ ... أَوْ مَا رَوَى جَرْحًا؛ فَذَا لِلْمُجْتَهِدْ
الشرح:
هذا عكس صورتَي الأمر الأول، وهُما: عمل العالم بروايته والقاضي بشهادته. فإذا لم يعملا بها فهل يكون ترك العمل جرحًا للراوي والشاهد؟ أوْ لا؟
الجمهور على المنع؛ لأنَّ العمل قد يتوقف على أمرٍ آخَر زائد على العدالة، فيحتمل أنْ
стр. 604
يكون التَّرك إنما هو لعدم ذلك، لا لانتفاء العدالة.
وقال القاضي: يكون جرحاً إذا تحقق ارتفاع الدوافع والموانع، وأنه لو كان ثابتاً لَلَزِم العمل به، أما إن لم يتبين قصده إلى مخالفة الخبر فلا يكون جرحاً.
قلتُ: وفي الحقيقة لا يخالف الأول.
وقولي: (فَذَا لِلْمُجْتَهِدْ) أي: راجعٌ إلى رأي المجتهد فيما زاد على أصل العدالة. والله أعلم.
ص:
٣١٢ - أَمَّا الْمُرُوءَةُ فَتَرْكُ مَا لَا ... يَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا يُبَالَى
٣١٣ - نَحْوُ صَغِيرةٍ خَسِيسَةٍ، وَمَا ... يُبَاحُ مِنْ رَذَائِلٍ، فَيَسْلَمَا
٣١٤ - كسِرْقَةٍ لِلُقْمَةٍ وَكَلَعِبْ ... بِنَحْوِ شِطْرَنْجَ دَوَامًا يَرْتَكِب
الشرح:
هذا هو الشرط الثاني فيما يُعتبر في الراوي حتى يجب العمل بروايته، ومِثله في الشهادة، وهو أن يكون ذا مروءة. وقد سبق أن المغايرة بينه وبين العدالة هو ما في كُتب أصحابنا الفقهية، وأن ذلك أجود من إدخاله في حد العدالة، وسبق الجواب عن نَص الشافعي الذي يُتوَهم منه خلاف ذلك، وتبعه عليه كثير.
وعلى كل حالٍ المروءة معتبَرة في الراوي والشاهد؛ لأنَّ مَن لا مروءة له، لا يؤمَن أنْ يكذب؛ لأنه لا يَكترث بما يقع منه مما يُعاب عليه.
قال الجوهري: (المروءة: الإنسانية. ولك أن تشدد، أيْ: تترك الهمزة وتشدد الواو. قال أبو زيد: "مَرُؤ الرجُل" صار ذا مروءة، فهو مَرِيٌ، على "فعيل"، وتَمرَّأ: إذا تَكَلَّف
стр. 605
المروءة) (١). انتهى
أما معناها الاصطلاحي الذي نقصده هنا فهو: تَوَقِّي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس. وهو معنى قول الرافعي وغيره: إنها تَوَقِّي الأدناس؛ لأنَّ ما لا يليق به هو دنس بالنسبة إليه، فلا يلبس ما لا يليق بمثله كفقيه قباء أو قلنسوة لم تَجْرِ عادة الفقهاء بمثله، ومَد رِجله بين الناس، والأكل في السوق، وإكثار الحكايات المضحكة، والإكباب على لعب الشطرنج، ونحو ذلك.
وهو معنى قولي: (إذَا يُبَالَى)، أي: إذا كان ذلك الذي يتركه يبالَى بفعله في العادة لمثله، أما ما لا يبالَى به كتعاطي حرفة دنيةٍ وهي تليق به فلا تضر، فيُقبَل، نحو: حجام وكناس ودباغ وقَيِّم حمام (على الأصح).
قال الغزالي: (الوجهان في أصحاب الحرَف هُما فيمن تليق به وكان ذلك صنعة آبائه، فأما غيره فتسقط مروءته بها) (٢). قال الرافعي: وهو حسن.
وتفصيل ذلك مستوعبًا محله الفقه.
ومما ذكر فيه أنَّ مَن اعتاد ترك السُّنن الراتبة وتسبيحات الركوع والسجود، رُدَّت شهادته؛ لتهاونه بالدِّين وإشعار ذلك بِقِلة مبالاته بالمهمات.
وفي وجْه: لا ترد إلا إن كان الترك للوتر وركعتي الفجر، لِمَا جاء في فِعلها من التوكيد.
قولي: (نَحْوُ صَغِيرة) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ ما يخرم المروءة لا فرق فيه بين أن يكون معصية صغيرة أو مباحًا، ومثلتُ للأول بسرقة اللقمة، وللثاني بمداومة الشطرنج كما سبق في الأمثلة.
стр. 606
وأشرتُ بقولي: (بِنَحْوِ شِطْرَنْجَ) إلى ما المدار فيه على الحساب والفطنة؛ ليخرج ما هو قمار ونحوه من المحرم كالنرد على الأصح.
نعم، قسم المعصية هل يُخِل بالعدالة؟ أو لا؛ لكونه صغيرة ولا يُخل إلا الإصرار عليها؟ سبق ترجيح الأول والوعد بتقسيم الماوردي فيه وأن الختار خلافه.
والذي قاله الماوردي: (المروءة على ثلاثة أضرب:
ضربٌ شَرطٌ في العدالة. قال: وهو مجانبة ما سَخُف من الكلام المؤدِّي إلى الضحك، وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به أو يُستقبح، فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة في العدالة، وارتكابها مفسق.
وضرب لا يكون شرطًا فيها، وهو الإفضال بالمال، والمساعدة بالنفس والجاه.
وضرب مختلف فيه، وهو على ضربين: عادات، وصنائع.
فأما العادات: فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دُون أهل البذلة في مأكله وملبسه وتصرفه، فلا يتعرى من ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم، ولا ينزع سراويله في بلد يلبس فيه أهلها السراويلات، ولا يأكل على قوارع الطُّرق، ولا يخرج عن العُرف في مضغه، ولا يغالي بكثرة أكله، ولا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد يتحاماه أهل الصيانة. وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شرط العدالة أربعة أَوْجُه:
أحدها: أنه غير معتبَر فيها.
والثاني: أنه معتبر فيها وإن لم يفسق.
والثالث: إن كان قد نشأ عليها من صغره، لم يقدح في عدالته. وإنِ استحدثها في كبره، قدحت.
والرابع: إنِ اختصت بالدِّين، قدحت، كالبول قائمًا وفي الماء الراكد، وكشف عورته إذا
стр. 607
خَلا، وأن يتحدث بمساوئ الناس. وإنِ اختصت بالدنيا، لم يقدح، كالأكل في الطريق، وكشف الرأس بين الناس) (١). انتهى ملخصًا.
فائدة:
قال ابن الرفعة في "المطلب" في "كتاب الشهادات": سمعتُ من قاضي القضاة تقي الدين ابن رَزِين أنَّ بعض مَن لَقيه بالشام من المشايخ كان يقول: في تحريم تعاطي المباحات التي تُرَدُّ بها الشهادة ثلاثة أَوْجُه، ثالثها: إنْ تعلقت به شهادة، حرمت، وإلا فلا.
لكن في "النهاية" و"البسيط" الجزم بعدم التحريم مع رد الشهادة. والله أعلم.
ص:
٣١٥ - وَالضَّبْطُ أَنْ يَكُونَ لَا مُغَفَّلَا ... وَهْوَ الَّذِي نِسْيَانُهُ قَدْ جَزُلَا
٣١٦ - وَأَنْ يَكُونَ حَافِظًا مَرْوِيِّهُ ... إنْ كانَ قَدْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظٍ لَهُ
٣١٧ - أَوْ مِنْ كتَابِهِ رَوَى فَضَابِطَا ... لَهُ أَوِ الْمَعْنَى رَوَى، لَا سَاقِطَا
٣١٨ - فَعَالِمًا بِمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ... فَذَا يَجُوزُ مُطْلَقًا إذْ يُعْنَى
الشرح:
هذا هو الشرط الثالث فيما يُعتبر في الراوي، ومثله الشاهد أيضًا، وهو أن يكون ضابطًا. فمَن ليس بضابط لكونه مغفلًا [أو] (٢) كثير النسيان والغلط، لا تُعتبر روايته ولا شهادته. و"المغفل" هو الذي لا يحفظ ولا يضبط.
قال الرافعي: (إلا أن يشهد مفسرًا ويبين وقت التحمل ومكانه، فإنه تزول الريبة عن
стр. 608
شهادته، وتُقبل) (١). انتهى
والرواية كذلك.
وأما مَن لم يكثر نسيانه وغلطه بل كان يسيرًا فلا يقدح في شهادته ولا روايته؛ لأنَّ ذلك لا يَسلم منه أحد.
وجعل ابن الصلاح وغيره من الضبط أنه إنْ حدَّث مِن حفظه فيكون حافظًا مَرْوِّيه، أو حَدَّث من كتابه فيكون حاويًا له، حافِظَهُ من التبديل والتغيير، هذا إذا كان يروي باللفظ.
أمَّا إذا كان يروي بالمعنى فشرطه أن يكون عالمًا بما يحيل المعنى، وإلَّا فقد يَظن أنه معناه وهو ليس كذلك.
وقد نَص الشافعي ﵀ في "الرسالة" على ذلك كله، فقال: (لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها:
أنْ يكون مَن حَدَّث به ثقة في دِينه معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لِمَا يُحَدِّث به، عالِمًا بما يُحِيل معاني الحديث من اللفظ.
أو يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يُحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدَّث به على المعنى -وهو غير عالم بما يُحيل معناه- لم يَدْرِ لَعلَّه يحيل الحلال إلى الحرام أو الحرام إلى الحلال. وإذا أدَّاه بحروفه، فلم يَبْقَ فيه وَجْه يخالف فيه إحالته الحديث.
حافظًا إن حدَّث مِن حِفظه، حافظًا لكتابه إنْ حدَّث مِن كتابه. إذا شَرِكَ أهل الحفظ في الحديث، وافق حديثهم.
[بَرِئَ] (٢) مِن أن يكون: مدلِّسًا يُحدِّث عمن لَقِي ما لم يَسمع منه، ويُحدث عن النبي ﷺ
стр. 609
بما يحدث الثقات خلافه.
ويكون هكذا مَن فوقه ممن حدَّثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى مَن انتهى به إليه دُونه؛ لأنَّ كل واحدٍ مُثْبتٌ مَن حدَّثه و [مُثبتٌ] (١) على مَن حَدَّث عنه، فلا يُستغنَى في كل واحد منهم عما وصفتُ) (٢). انتهى نَصُّه.
وهو يشتمل على فوائد كثيرة، منها ما سبق، ومنها ما سيأتي وننبه على معنى كلامه فيه في موضعه.
قولي: (نِسْيَانُهُ قَدْ جَزُلَا) أيْ: كثر.
وقولي: (أَوْ مِنْ كِتَابِهِ رَوَى فَضابِطَا) أي: فيكون ضابطًا، دل عليه ما سبق في قولي: (وَأَنْ يَكُونَ حَافِظًا مَرْوِّيهُ) وقولي: (أَوِ الْمَعْنَى رَوَى، لَا سَاقِطَا) أي: أو يكون روى المعنى ولم يرو اللفظ حال كوْن ذلك المعنى بتمامه موجودًا لا ساقطاً بأن سقط منه شيء.
وقولي: (فَذَا يَجُوزُ مُطْلَقًا إذْ يُعْنَى) استطراد لمسألة الرواية بالمعنى هل هي جائزة؟ أو لا؟ وتمامه قولي بعده:
ص:
٣١٩ - وَإنْ يَكُنْ لَمْ يَنْسَ أَوْ بِغَير ... مُرَادِفٍ؛ بِالْأَمْنِ مِنْ تَغْيِر
الشرح: والحاصل أنَّ في المسألة مذاهب:
جواز الرواية بالمعنى مطلقًا، وهو قول الأئمة الأربعة سوى ما نذكره من النقل عن مالك، فالنقل عنه مضطرب، وبالجواز أيضًا قال الحسن البصري وأكثر السلف وجمهور
стр. 610
الفقهاء والمتكلمين، لكن بشروط:
أحدها: أن يكون الراوي عارفًا بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، وهو معنى قول الشافعي في "الرسالة" فيما سبق ذِكره: أن يكون عالِمًا بما يُحيل المعنى.
وفي "مختصر المزني": قال الشافعي: (الثابت عن رسول الله ﷺ في صدقة الغنم معنى ما أذكره إن شاء الله تعالى) (١). ثم سرده.
قال الأصحاب: كان الشافعي لم يحضره حينئذ اللفظ فذكره بمعناه؛ لأنه عارف بما يُحيل المعنى وهو يُجَوِّزه للعارف؛ ليكون مساويًا للأصل بلا زيادة ولا نقص، فغَيْر العارف قد يخالِف وإن لم يقصد، فيمتنع روايته بالمعنى بالإجماع كما في "تقريب" القاضي.
ثانيها: أن لا يكون مُتَعَبَّدًا بلفظه، كالقرآن قطعًا وإنْ نقل عن أبي حنيفة في ترجمة الفاتحة بغير العربية ما سنذكره في فوائد الخلاف، وكالتشهد، فلا يجوز نقل ألفاظه بالمعنى اتفاقًا كما نقله إلْكِيا والغزالي، وأشار إليه ابن برهان وابن فورك وغيرهما.
ثالثها: أن لا يكون من باب المتشابه؛ ليقع الإيمان بلفظه من غير تأويل أو بتأويل على المذهبين المشهورين، فروايته بالمعنى تؤدي إلى الخلل على الرأيين.
رابعها: أن لا يكون من جوامع الكلم.
كقوله ﵊: "الخراج بالضمان" (٢)، و"البينة على المدَّعِي" (٣)، و"العجماء
стр. 611
جبار" (١)، و"لا ضرر ولا ضرار" (٢)، و"لا ينتطح فيها عنزان" (٣)، و"حمى الوطيس" (٤)، وغير ذلك مما لا ينحصر.
ونقل بعض الحنفية فيه خلافًا عن بعض مشايخهم.
خامسها: أن لا يكون من مصنفات الناس. فإنْ كان منها، فلا يجوز قطعًا.
قال ابن الصلاح: (وهذا الخلاف لا نراه جاريًا ولا أجراه الناس فيما نَعْلم فيما تضمنته بطُون الكتب، فليس لأحد أن يُغَير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت فيه بدله لفظًا آخَر بمعناه، فإنَّ الرواية بالمعنى رَخَّص فيها مَن رَخَّص لِمَا كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحَرَج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطُون الأوراق والكتب، ولأنه إنْ ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غَيْره) (٥). انتهى
وقد تعقب عليه ابن دقيق العيد في ذلك بأنه ضعيف، قال: (وأقَل ما فيه أنه يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنفات في أجزائنا وتخاريجنا، فمنه ليس فيه تغيير المصَنَّف).
قال: (وليس هذا جاريًا على الاصطلاح، فإنَّ الاصطلاح على أن لا تُغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة، سواء رويناها فيها أو نقلناها منها). انتهى
قال بعض شيوخنا: ولقائل أن يقول: لا نُسَلم أنه يقتضي جواز التغيير فيما نقلناه إلى
стр. 612
تخاريجنا، بل لا يجوز نقله عن ذلك الكتاب إلَّا بلفظه دُون معناه، سواء في مصنفاتنا وغيرها.
قلتُ: وإنما لم أتعرض في النَّظم لهذه الشروط لأنَّ غير العارف لا يتحقق-[لا] (١) هو ولا غَيْره -أنه وافق المعنى، وأما المتعَبَّد بلفظه فاللفظ فيه مقصود، والإخلال به إخلال بالمعنى الذي قصد به؛ فلا يوافِق.
ومثله يُقال في الوارِد من جوامع الكلم؛ لِبُعْد أنْ يُؤْتَى بنظيره من كل وجه.
ونحوه الكتب المصَنَّفة، فإنَّ المقصود فيها ما اختير فيها مِن الألفاظ، حتى أنَّ مُصَنِّفها كالمدَّعِي أنه لا شيء يؤدي معناها الذي قَصَدَه، فلا تخلو كلها من نظر، فاستغنى عن الشروط بموافقة المعنى.
تنبيه:
مما استُدل به على جواز الرواية بالمعنى ما رُوي من تصريح غير واحد من الصحابة به، ويدل عليه روايتهم للحديث الواحد في الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة، وما رواه ابن منده في "معرفة الصحابة" من حديث عبد الله بن سليمان بن أُكيمة الليثي عن أبيه، قال: "قلتُ: يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، فيزيد حرفًا أو ينقص حرفًا. فقال: إذا لم تحلوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصبتم المعنى، فلا بأس". فذكر ذلك للحَسَن، فقال: لولا هذا ما حدثنا (٢).
وأخرجه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أُكيمة
стр. 613
عن أبيه عن جده (١).
ومما استدل به بعض المتأخرين ما في الصحيحين وغيرهما من حديث سؤاله يوم النحر في حجة الوداع عمن حلق قبل أنْ يذبح، فقال له: "اذبح ولا حرج". وقال آخَر إنه نحر قَبْل أن يرمي، فقال: "ارْم ولا حرج". ثم قال الراوي وهو ابن [عمر] (٢): فما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: افعل ولا حرج (٣).
فإنَّ صَدْر الحديث يدل على أنه لم يَقُل: "افْعَل"، بل قال: "اذبح" و"ارْم " وغير ذلك، فعبَّر عن الكل بِـ "افْعَل" الذي هو بمعناه.
قال المحدِّثون: ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقبه: "أو كما قال" أو "نحوه" أو شبهه من الألفاظ الدالة على أنه ليس لفظ الأصل على التحقيق، بل هو أو معناه.
رُوي ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود ﵁.
المذهب الثاني في أصل المسألة:
المنع مطلقًا. نقله إمام الحرمين وابن القشيري عن معظم المحدثين وبعض الأصوليين، ونُقل عن أبي بكر الرازي من الحنفية، ونقله القاضي عبد الوهاب عن الظاهرية، وحكاه ابن السمعاني عن ابن عمر وجمعٍ من التابعين منهم ابن سيرين، وبه أجاب الأستاذ أبو إسحاق، ووَهمَ صاحب "التحصيل" فعزاه للشافعي، ونقله القاضي عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث، وقال: إنه مذهب مالك.
стр. 614
لكن ابن الحاجب قال: (وعن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء. أي: مثل "بالله" و"تالله"، قال: وحمل على المبالغة في الأَوْلَى) (١).
وقال غير ابن الحاجب: إنه ذهاب منه إلى منع نقل الحديث بالمعنى، وأنه كان يقول: لا يُنقل حديث رسول الله ﷺ بالمعنى، بخلاف حديث الناس.
فهذا مذهب ثالث بالتفصيل، ونقل الماوردي ذلك عن مالك.
لكن قال الباجي: (لعَلَّه أراد به مَن لا عِلم له بمعنى الحديث، وقد نجد الحديث عنه تختلف ألفاظه اختلافًا بَيِّنًا؛ فَدَلَّ على أنه مُجَوِّزٌ للرواية بالمعنى) (٢).
المذهب الرابع: التفصيل بمن ما يوجِب العِلم من ألفاظ الحديث، فالمعوَّل فيه على المعنى، ولا يجب مراعاة اللفظ.
وأما الذي يجب العمل به فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله ﵊: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٣)، و: "خمس يُقتلن في الحل والحرم" (٤). حكاه ابن السمعاني وجهًا لبعض أصحابنا.
الخامس: التفصيل بمن أن يُقطع بأنه مَعناه أو يُظن. فإنْ قطع بأنه معناه، جاز. أو ظن، لم يَجُز. قاله إمام الحرمين.
السادس: يجوز إن نَسي اللفظ؛ لأنه قد تحمَّل اللفظ والمعنى وعجز عن أحدهما، فيلزمه
стр. 615
أداء الآخَر، لاسيما أنَّ تركه قد يكون كتمًا للأحكام. فإنْ كان يحفظ اللفظ، لم يَجُز أن يؤديه بغيره؛ لأنَّ في كلام رسول الله ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في غيره.
وبهذا قال الماوردي في "الحاوي"، لكن جعل محل الخلاف في الصحابة، أمَّا غير الصحابي فلا يجوز له قطعًا. فيكون ذلك مذهباً سابعاً.
الثامن: يحوز إبدال اللفظ بالمرادف دُون غيره، وعلى ذلك جرى الخطيب البغدادي.
وإلى السادس والثامن أشَرتُ بقولي في النَّظم: (وَإنْ يَكُنْ لَمْ يَنْسَ) إلى آخِره.
التاسع: أن يُورَد على وجه الاحتجاج والفتيَا، فيجوز، أو التبليغ، فلا يجوز؛ لظاهر حديث البراء: "وآمنتُ برسولك الذي أرسلت" (١). قاله ابن حرم في كتاب "الإحكام".
العاشر: التفصيل بين الأحاديث الطوال فيجوز دُون القصار. حُكِي عن القاضي عبد الوهاب.
ويخرج من كلام الناس مذاهب أخرى غير ذلك فيها نظر؛ فلذلك أضربتُ عن حكايتها؛ خشية الطول.
وقولي: (بِالْأَمْنِ مِنْ تَغْييِر) تعليل للقول الراجح، أي: يجوز إذا ساوى المعنى جلاءً وخفاءً؛ بسبب الأمن من تغييره وإنْ كان لم يَنْس أو كان اللفظ غيْر مرادف.
تذنيب:
يظهر لهذه المسألة فوائد، وربما جُعلت ثمرة الخلاف في مسألة إقامة أحد المترادفين مقام الآخر أيضًا، والأحسن الأول؛ لأنه أَعَم.
نعم، منهم مَن يجعل الرواية بالمعنى من فروع تلك، وليس بجيد؛ لأنَّ اتحاد المعنى قد لا
стр. 616
يكون مع الترادف؛ لِكَوْن اللفظ:
- مُركبًا، والمترادف من قِسم المفرد، ولذلك جاء ها هنا مذهب بالفرق بين المترادف وغيره كما سبق.
- أو أعجميًّا، والمترادف من أقسام لغة العرب وإن أمكن أن يكون في غيرها. وسيأتي لذلك مزيد بيان في موضعه.
وعلى كل حالٍ فهذه الفوائد قسمان:
أحدهما: الترجمة عن الألفاظ العربية بغيرها، وله أضرب:
أحدها: ما يمتنع قطعًا، كترجمة القرآن بِلُغة أخرى، وهو إجماع. وما يُحكَى عن أبي حنيفة من تجويزه قراءة القرآن بالفارسية صَحَّ أنه رجع عنه. حكاه عبد العزيز في "شرح البزدوي" (١)، وعلى تقدير أنه لم يَرجع تأوَّلَه بعض أصحابه بأنه أراد عند الضرورة والعجز عن القرآن.
نعم، قال القفال في "فتاويه": عندي أنه لا يَقْدِر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية. قيل له: فإذَنْ لا يَقدر أحد أن يُفَسرَ القرآن. قال: ليس كذلك؛ لأنَّ هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض، أمَّا قراءته بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله تعالى.
وقال غيره: الفرق بين معنى "الترجمة" ومعنى "التفسير" أن "الترجمة" بدل اللفظ بلفظ يقوم مقامه في مفهوم المعنى للسامع المعتبر لتلك الألفاظ؛ فلذلك امتنع.
و"التفسير" عبارة عمَّا في النفس من المعنى للحاجة والضرورة، فهو تعريف السامع بما فَهم المترجِم؛ فلا يمتنع، وهو فَرْقٌ حَسَن.
стр. 617
وممن وافق القفال على إحالة ترجمة القرآن ابنُ فارس في "فقه العربية"، وأوضح الدلالة على ذلك (١).
ومثل ترجمة القرآن ترجمة الدعاء غير المأثور إذا اخترعه وأتى به في الصلاة بالعجمية، فيمتنع قطعًا كما قاله إمام الحرمين.
الثاني: ما يجوز [قطعًا] (٢) للقادر والعاجز، كالبيع والخلع والطلاق ونحوها، ويكون صريحًا في [الأصح] (٣).
والثالث: ما يمتنع -على الأصح- للقادر دون العاجز، كالأذان وتكبيرة الإحرام والتشهد؛ لِمَا فيه من معنى التعبد، وكذا مأثور الدعاء والذكر في الصلاة والسلام وخطبة الجمعة.
الرابع: ما يجوز -على الأصح- للقادر والعاجز (كالنكاح والرجعة واللعان، وكذا الإسلام)، وما يجوز للعاجز دُون القادر (كتكبيرة الإحرام).
القسم الثاني:
التعبير باللفظ العربي بمعناه من العربي، وهو أيضا أربعة أضرب:
- ما يمتنع قطعًا: كاللفظ المتعبَّد به، وكقول القاضي: قُل: "بالله"، فيقول: "بالرحمن"، فإنه لا يقع الموقع، حتى لو صَمم جُعل ناكلًا. فلو أَبدَل الحرف فقال: قُل: "بالله"، فقال: "والله " أو "تالله"، ففي الحكم بِنكوله وجهان، ولو أُكرِه على الطلاق بِ "طلقتُ"، فقال:
стр. 618
"سرحتُ"، وقع الطلاق.
- وما يجوز قطعًا.
- وما يمتنع على الأصح، كقوله في التشهد ونحوه: "أَعلم" موضع "أَشهد".
- وما يجوز في الأصح، كـ "طَلِّقْني على ألْف"، فقال: "خالعتُك". والمخالِف ابن خيران. قال ابن الرفعة: وللمسألة شبه بما لو قال لها: "طلقي نفسك"، فقالت: "اخترتُ"، ونَوَتْ.
ومن هذا القسم في الأصل أن قوله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (١) مقتضاه تَعيُّن هذا اللفظ، لكن في "المنهاج" للحليمي أنه يقوم مقامه ألفاظ أخرى نقلها عنه الرافعي آخر كتاب الرِّدَّة وأقَرَّها وإنْ كان في بعضها نظر.
وفي "التحقيق" و"الأذكار" وغيرهما أنه لو قال في التشهد: "اللهم صَلِّ على أحمد"، لم يَكْفِ، بخلاف "النبي" و"الرسول".
ومُقْتَضَى كلامهم أنه لو عَبَّر في التشهد أيضًا بِ "الرسول" عوضًا عن "النبي" المذكور في أوائله وبـ "النبي" عوضًا عن "الرسول" المذكور في آخِره، لم يَكْفِ.
والفروع في ذلك كثيرة، وإنمَّا هذا أنموذج [تُستحضَر] (٢) به القواعد، و [تتمهَّد] (٣) به، والله تعالى أعلم.
стр. 619
ص:
٣٢٠ - وَيُقْبَلُ الَّذِي لَهُ تَسَاهُلُ ... لَا في الْحَدِيثِ، وَكَذَا الْمُوَاصِلُ
٣٢١ - بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ إنْ أَمْكَنَ أَنْ ... يُحَصِّلَ الْمَرْوِيَّ في ذَاكَ الزَّمَنْ
الشرح:
لما ذكرتُ الشرط الثالث في الراوي وهو كونه ضابطًا واستطردتُ إلى مسألة الرواية بالمعنى، رجعتُ إلى ما يتعلق بالشرط المذكور، وهو كون التساهل هل هو مَظنة عدم الضبط؟ أو لا؟ والإكثار من الحديث هل هو مظنة التساهل؟ أو لا؟
فهاتان مسألتان:
الأولى: المتساهل إنْ كان تساهله في الحديث سماعًا وإسماعًا (كمَن لا يبالي بالنوم في السماع أو يُحدِّث لا مِن أصلٍ مصحح أو نحو ذلك)، فلا تعتبر روايته بلا خِلاف كما قاله في "المحصول" (١) وغيره.
نعم، إذا كان نعاسه يسيرًا بحيث لا يختل معه الكلام، لا يضر.
ومما يُعَدُّ من التساهل في الحديث تساهلًا مُضِرًّا مَن عُرِف بالتأويل لأجل مذهبه، فربما أحال المعنى بتأويله، وربما يزيد في موضع زيادة يُصحح بها مذهبه أو ينقص، أو يُغيِّر؛ لذلك فلا يوثق بخبره. قاله ابن السمعاني (٢).
ومن المتساهلين أيضًا: مَن عُرِفَ بقبول التلقين في الحديث، فيروي ولا يَذكر أنه لُقِّنَ ما
стр. 620
لم يسمعه من الشيخ.
ومنه المكثر مِن الشواذ والمناكير في حديثه، ومن عُرِفَ بكثرة السهو في رواياته إذا لم يُحدِّث مِن أصل صحيح، فكل هذا يَخرِم الثقة بضبطه.
وإن كان تساهله في غير الحديث ويحتاط في الحديث، قُبِلَت روايته على الأصح.
وقيل: يُرَدُّ المتساهل مطلقًا. ونَصَّ عليه أحمد، وأنكر على من قبل روايته إنكارًا شديدًا، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني وغيره.
المسألة الثانية: وإليها أشرتُ بقولي: (وَكَذَا الْمُوَاصِلُ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ). فإذا أكثر مع قِلة مخالطته لأهل الحديث، فإنْ أَمْكَن تحصيل ذلك القَدْر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان، قُبِلَ إخباره، وإلَّا فلا.
أما المُقِل من سماع الحديث ورواياته الذي لم يشتهر بمجالسة المحدثين ومخالطتهم فمقبول. وكذا مَن لم يَرْوِ إلا يسيراً كحديث واحد كما قال في "المحصول"، فإنه مقبول أيضًا، فقد قَبِلَت الصحابة حديث أعرابي لم يرو غير حديث، والله أعلم.
ص:
٣٢٢ - وَاقْبَلْ مُدَلِّسًا إذَا يُسَمِّى ... بِغَير مَشْهُورٍ، كَذَاكَ بِاسم
٣٢٣ - لِغَيرهِ [مُشَبِّهًا] (١) بِذَاكَا ... أَوْ مُوهِمًا رِحْلَة أوْ إدْرَاكا
الشرح:
لَمَّا كان التدليس له شبه بالتساهل، نالسَب أنْ أذكره عقبه.
وهو لُغةً: كتمان العَيْب في مبيع أو غيره، ويقال: "دالَسَه": خادَعَه، كأنه من "الدلس"
стр. 621
وهو الظُّلمة؛ لأنه إذا غَطَّى عليه الأمر، [أَظْلَمَه] (١) عليه.
وأما في الاصطلاح فهو قسمان: قِسم مُضر يمنع القبول، وقسم لا يضر.
فالثاني -وهو ما بدأتُ به في النَّظم- له صُوَر:
إحداها: أن يُسمِّي شيخَه في روايته بِاسْم له غيْر مشهور، ومرادي بالاسم ما يُقْصد تعريفه به مِن اسمٍ وكنية ولقب ونسبٍ ووصفٍ.
كقول أبي بكر بن مجاهد المقرئ الإمام: (حدثنا عبد الله بن أبي [عبد الله]) (٢). يُريد به عبد الله بن أبي داود السجستاني. وقوله أيضاً: (حدثنا محمد بن سند). يريد النقاش المفسر، نَسَبَه إلى جدٍّ له. وكقول الخطيب الحافظ: (حدثنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي)، ومرةً: (الروياني)، وهُوَ هُوَ. وكقوله: (حدثنا علي بن أبي علي المعدل)، ومرةً: (البصري)، وهُو هو، ونحو ذلك.
وُيسمَّى هذا "تدليس الشيوخ"، ذكره ابن الصلاح (٣) بعد مَا ذَكر ما يُسمَّى "تدليس الإسناد"، وهو أن يروي عمن لقيه أو عاصَره ما لم يسمعه منه مُوهِمًا سماعه منه قائلًا: "قال فلان" أو "عن فلان" ونحوه، وربما لم يسقط شيخَه وأسقطه غيره.
ومَثَّله غيره بما في "الترمذي" عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعًا: "لا نَذْر في معصية، وكفارتُه كفارة يمين" (٤). ثم قال: هذا حديث لا يصح؛ لأنَّ الزهري لم يسمعه
стр. 622
من أبي سلمة. ثم ذكر أن بينهما سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير، وأن هذا وَجْه الحديث.
وممن ذكر هذا القسم أيضاً الماوردي والروياني، قال ابن الصلاح: إنَّ هذا القسم مكروه جدًّا، ذَمَّه أكثر العلماء، وكان شُعبة مِن أشدهم ذَمّاً له، قال مرةً: "التدليس أخو الكذب"، ومرة: "لأنْ أزني أحبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُدَلِّس"، وهذا منه إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه.
والصحيح فيه التفصيل بين ما رواه بلفظ محُتمل لم يُبيِّن فيه السماع والاتصال فكالمرسل، وما بين كـ "سمعت" و"حدثنا" و"أخبرنا" فمقبول محتج به، وهو واقع مِن كثير مِن الرواة في الصحيحين وغيرهما كقتادة والأعمش والسُفيانين وهُشَيم بن بشير وغيرهم؟ وذلك لأنه ضربٌ من الإيهام، لا كذب.
وطرد الشافعي ذلك فيمن دَلَّس مَرَّة، وكذا قال إلْكِيا الطبري: مَن قَبِل المراسيل، لم يَرَ للتدليس أثرًا إلَّا أنْ يُدلّس -لضعفٍ- عمن سمع منه، فلا يُعمَل به إلَّا أن يقول: "حدثني" أو "أخبرني" أو "سمعتُ".
وحُكي عن الشافعي أيضا نحو ذلك.
وذهب فريقٌ من أهل الحديث والفقهاء إلى الجرح بهذا التدليس مطلقاً ولو بَيَّنَ سماعَه، وإنما لم أذكر هذا القسم في النَّظم لِمَا عُلِمَ مِن كَوْنه قادحًا عند عدم التصريح بالسماع، فيخرج بالمفهوم؛ لأنه خارج عما ذكرنا قبول التدليس فيه، وأما عند التصريح فيخرج عن كونه تدليساً.
وأما القسم الذي بَدأتُ به وسبق شرحه فقال ابن الصلاح: (إنَّ أَمْرَه أخَف، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعيرٌ لطريق معرفته على مَن يطلب الوقوف على حاله وأهليته، ويختلف الحال في كراهته بحسب الغَرض الحامل عليه، فقد يَحمِلُ عليه كَوْن الشيخ غير
стр. 623
ثقة أو متأخِّر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دُونه أو أصغر سنًّا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب الإكثار مِن ذِكْر شخص واحد على صورةٍ واحدةٍ).
قال: (وتسمح بذلك جماعةٌ من الرواة المصنِّفين كالخطيب في تصانيفه) (١). انتهى
وليس فيه تصريح بحكم الجرح به.
وقد قال أبو الفتح ابن برهان: هو جرح إلَّا أن يكون مَن عدل عن اسمه مِن أهل الأهواء صوناً له عن القدح مع أنَّ بعض العلماء قبلهم.
وقال غيره من الأصوليين: إنه غير قادح.
قال ابن السمعاني: (هذا إذا كان لو سُئل عنه أخبر عنه بِاسْمه، كما كان ابن عُيينة يدلس، فإذا سُئل عمن حدَّثه بالخبر، نَصَّ على اسمه ولم يكتمه، أمَّا مَن لو سُئل عنه لم يُنبِّه عليه، فمردود ((٢).
وفَصَّل الآمدي بَين أن يكون تغيير الاسم لضعف المروي عنه فيكون جرحًا، أو لِصغر سِنه أو لكونه مختلَفًا في قبوله وهو يعتقد القبول، كمبتدع لم يُسَمه بِاسْمه المشهور حتى لا يَقدح فيه مَن لا يعتقد قبوله، أيْ: أو نحو ذلك، فلا يكون جرحاً.
وما قاله حسن ظاهر؛ لئلا يؤدي إلى العمل بخبر غير الثقة، أما إذا لم يُعلَم تغييرُه لماذا؟ فمحتمل.
الصورة الثانية: أن يُسمي شيخه باسْم شيخ آخَر لا يمكن أن يكون رواه عنه، كما يقول تلامذة الحافظ أبي عبد الله الذهبي: (حدثنا أبو عبد الله الحافظ) تَشبيهًا بقول البيهقي فيما يرويه عن شيخه أبي عبد الله الحاكم: (حدثنا أبو عبد الله الحافظ)، وهذا لا يقدح؛ لظهور
стр. 624
المقصود.
الصورة الثالثة: أن يأتي في التحديث بلفظ يُوهِم أمرًا لا قدح في إيهامه ذلك، كقوله: (حدثنا وراء النهر) موهِمًا أنه نهر جيحون وهو يريد به نَهر عيسى ببغداد أو الجيزة ونحوها بمصر، فلا حرج بذلك. قاله الآمدي (١)؛ لأنَّ ذلك من باب الإغراب، وإنْ كان فيه إيهام الرحلة إلا أنه صِدقٌ في نفسه، ونحوُه أنْ يقول: (حدثني فلان بِالعراق) يريد موضعًا بِإخْمِيم (٢)، أو: (بِزَبِيد) (٣) يريد موضعًا بِقُوص (٤)، أو: (بِحلب) يريد موضعًا متصلًا [بالقارة] (٥).
قولي: (مُوهِمًا رِحْلَةً اوْ إدْرَاكَا) أي: أو موهما إدراك مَن لم يُدركه وقد عُرف أنه لم يدركه، فلا يضر، غايته أن يكون الحديث منقطعًا والثقات تروي المنقطع ولا يقدح ذلك فيهم، وهذا هو المحترز عنه فيما سبق في تعريف "تدليس الإسناد": "أن يروي عمن لقيَه أو عاصره ما لم يسمع منه"، إذْ مفهومه أنه إذا لم يُعاصره ولا لقيه أنه غير [مُدلس] (٦) على الصحيح المشهور، وحكى ابن عبد البر في "التمهيد" عن قومٍ أنه تدليس، قال: فعلى هذا لا يَسْلم مِن التدليس أحد، لا مالك ولا غيره. والله أعلم.
стр. 625
ص:
٣٢٤ - أَمَّا مُدَلِّسُ الْمُتُونِ الْمُدْرجُ ... مَرْوِيَّهُ بِغَيرهِ فَيَمْزُجُ
٣٢٥ - مِنْ غَر تَمْيِيزٍ فَذَا مَجْرُوحُ ... إنْ كَانَ قَصْدُه لِذَا يَلُوحُ
الشرح:
ما سبق من الصور الثلاث هو الذي لا جَرح فيه كما عَلمته، وأما هذا القسم فهو الذي يكون جرحًا، وقد سبق القسم الذي بدأ به ابن الصلاح وأنه جرح في بعض أحواله، فَيُضم إلى هذا.
نعم، لم يذكر ابن الصلاح هذا القسم الذي ذكرناه هنا فيما يسمى تدليسًا، بل أفرده بنوع آخَر، وهو المسمَّى بِـ "المدرج "، وإليه أشرت بقولي: (الْمُدْرِجُ) بكسر الراء اسم فاعل، و (مَرْوِّيهُ) مفعوله، فالراوي للحديث إذا أدخل فيه شيئًا من كلامه أولًا أو آخِرًا أو وسطًا على وجه يُوهِم أنه من جملة الحديث الذي رواه -وهو المراد بقولي: (فَيَمْزُج مِنْ غَيْر تَمْيِيزٍ) - يُسمَّى هذا "تدليس المتون"، وفاعله مجروح إن كان فَعَله عن قصدٍ؛ لِمَا فيه من الغش. أما لو اتفق ذلك من صحابي أو غيره من غير قصدٍ، فلا.
ومن هذا النوع كثير في الحديث أفرده بالتصنيف الخطيب البغدادي، فشفَى وكَفَى.
فمن أمثلته المشهورة حديث ابن مسعود في التشهد، قال في آخره: "فإذا قلت هذا، فإنْ شئتَ أنْ تقوم فَقُم، وإنْ شئتَ أنْ تقعد فاقعد" (١) وهو من كلامه، لا مِن متن الحديث المرفوع. قاله البيهقي والخطيب.
стр. 626
وقال النووي في "الخلاصة": (اتفق الحفاظ على أنها مُدْرَجة) (١).
ولا يعارضه قول الخطابي: اختلفوا في كونه من قول النبي ﷺ ؛ فإن مراده اختلاف الرواة فيه، وهذا من المدرج آخرًا.
أما مثال المدرج أولًا فما رواه الخطيب بسنده عن أبي هريرة: "أسبغوا الوضوء، وَيْل للأعقاب من النار" (٢). فإنَّ "أسبغوا الوضوء" من كلام أبي هريرة.
ومثال الوسط: ما رواه الدارقطني عن بسرة بنت صفوان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن مَسَّ ذكَره أو أنثييه أو رفغه، فليتوضأ" (٣) قال: فذِكر الأنثيين والرفغ مُدْرج؛ إنما هو من قول عروة الراوي عن بسرة.
والبسط في ذلك محله علم الحديث.
ويُعْرف الإدراج بأن يَرِد من طريق أُخرى التصريح بأنَّ ذلك من كلام الراوي، وهو طريق ظني قد يَقوى كما إذا وقع في آخِر الحديث، وقد يَضعُف كما إذا وقع في أثنائه.
قلتُ: وهو [مُشْكِل] (٤) بزيادة الثقة؛ لاحتمال كون ذلك منها، وسيأتي إيضاحه هناك.
стр. 627
تنبيهات
أحدها: فسر الماوردي والروياني وابن السمعاني مُدلِّس المتون بأنه مَن يُحرِّف الكلم عن مواضعه، وكأنَّ مرادهم التقديم والتأخير المُخِل بالمعنى، أو يأتي بما يُغير المعنى بوجهٍ ما. وأما ما سبق من تسمية الإدراج تدليسًا فهو ما قاله أبو منصور البغدادي.
الثاني: مِن أقسام التدليس ما هو خفي، كما ورد في بعض الروايات عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، فقال قوم: لم يسمع من أبي هريرة، وإنما أراد بقوله: (حدثنا): حدَّث أهل بلدنا. وقال قوم: لم يَقُم دليل قاطع على عدم سماعه منه، فلا تدليس.
ومن الخفي أيضا قول [أبي] (١) إسحاق: (ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه). فظاهره أنَّ المراد سماعه من عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، ولم يَقُل قَبْله: (ليس أبو عبيدة ذكره). نَبَّه على ذلك ابن دقيق العيد في "الاقتراح"، قال: (وللتدليس مفسدة، وله مصلحة. المفسدة: قد يخفى ويصير الراوي مجهولًا؛ فيسقط العمل به مع كونه عَدْلا. وأما المصلحة فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات وإلقاء ذلك إلى مَن يُراد اختبار حِفظه ومعرفته بالرجال) (٢).
ومن التدليس أيضًا: ما يُعرف بِ "تدليس التسوية"، ولم يذكره ابن الصلاح، وهو شَرُّ الأنواع، وهو أن يروي حديثاً عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس بالثقتين ويُسْقِط الضعيف بلفظ محتمل، وهو غرور شديد. وممن نُقِل عنه فِعْله بقية
стр. 628
بن الوليد، والوليد بن مسلم.
ومن التدليس أيضاً: أن يُسقِط أداة الرواية ويذكر الشيخ فيقول: (فلان). وهذا يفعله أهل الحديث كثيراً، ولا يضر.
قال على بن خشرم: كنا عند ابن عُيينة، فقال: الزهري. فقيل له: حدَّثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
وقد مَثَّل ابن الصلاح بهذا للقسم الأول وهو "تدليس الإسناد"، وسبق ما ذَكره في حُكمه وأنه إذا كان لا يُسمِّي إلَّا ثقة، لا يقدح.
قال أئمة الحديث: يُقبَل تدليس ابن عُيَينة؛ لأجل ذلك. قال ابن عبد البر: لا يكاد يوجد له حديث دلس فيه إلا وقد تَبيَن سماعه عن ثقة. ثم مَثَّل ذلك بمراسيل كبار الصحابة، فإنهم لا يُرسِلون إلَّا عن صحابي.
الثالث: في اقتصاري في النَّظم على شروط الراوي الثلاثة إشعارٌ بأنه لا يُشترط غير ذلك، وقد أشرتُ إلى بعض ما لا يُشترط مما فيه خِلاف، ولم أستوعبه؛ لكثرته.
فمِن ذلك: لا يُشترط أن يكون بصيراً. وفي "الشهادات" مِن الرافعي حكاية وجهين في رواية الأعمَى، والأصح عند الأكثرين الجواز، خلافًا لتصحيح الإمام والغزالي.
قال: (ومحل الخلاف فيما تحمَّله وهو أعمى، لا ما سمع قبل العمى، فإنَّ ذلك مقبول قطعًا؛ للإجماع على قبول روايات ابن عباس وغيره ممن طرأ عليه العمى). انتهى
لكن الشرط فيمن تحمل حالة العمى أنْ يحصل الثقة به بأنْ يكون ضابطًا للصوت، ويدل له إجماع الصحابة على قبول حديث عائشة مِن خلف سِتْر، فإنهم في هذه الحالة كالعميان، وقَبِلوا خبر ابن أم مكتوم وعتبان بن مالك ونحوهما.
стр. 629
ومنه: لا يُشترط النطق، فيُقبَل الأخرس الذي له إشارة مفهمة، وبناه بعضهم على الخلاف في شهادته، إنْ قُلنا: (تُقْبَل)، قبِلت روايته مِن باب أَوْلى، أو: (لا)، فوجهان: الظاهر القبول؟ لأنَّ باب الرواية أوسع.
ومنه: الذكورة لا تُشترط، فتُقبل رواية المرأة والخنثى، ونَقل صاحب "الحاوي" (١) عن أبي حنيفة أنه لا يقبل أخبار النساء في الدِّين إلا أخبار عائشة وأُم سلمة ﵁.
وغلطه الروياني بأنَّ الحنفية لا يَعرفون هذا النقل، ولكان يَلْزَم أنْ لا يُقبل قولهن في الفتوى، قال أبو زيد الدبوسي: رواية النساء مقبولة؛ لأنهن فوق الأعمى.
نعم، ظاهر كلام الروياني الاتفاق على قبولها في الفتوى، وفيه نظر، ففي تعليق ابن أبي هريرة حكاية وجهين فيه، ولا يَبعُد جريانهما في روايتها، وسيأتي في التراجيح خلاف في رُجحان رواية الرجُل عليها.
ومنه: الحرية لا تُشترط، فتُقبل رواية العبد. قال إلْكِيَا: بلا خلاف.
ومنه: لا يُشترط أن يكون فقيهًا عند الأكثرين، سواء خالفت روايته للقياس أو لا، خلافًا لابن أبان، فلذلك يردُّ حديث المصراة، وتابعه أكثر متأخِّري الحنفية كالدبوسي، لكن الكرخي وأتباعه لم يشترطوا ذلك، قال صاحب "التحقيق" منهم: وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة: "إذا أكل أو شرب ناسيًا" (٢) وإنْ كان مخالفًا للقياس حتى قال أبو حنفية: لولا الرواية لقلتُ بالقياس. قال: ولم يُنقَل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي؛ فثبت أنه قولٌ مُحْدَثٌ.
стр. 630
قلتُ: وكل هذا بِناء على أنَّ أبا هريرة ﵁ لم يكن فقيهًا، والصواب خلافُه، فقد كان من فقهاء الصحابة، وقد أَفْرَد الشيخ تقي الدين السبكي جُزءًا في فتاويه (١).
وما أحسن ما قاله شارح "البزدوي": (بل كان فقيهًا، ولم يُعْدَم شيئًا مِن آلات الاجتهاد وكان يُفتي في زمن الصحابة، وما كان يُفتي في ذلك الزمان إلَّا مجتهد، وقد انتشر عنه معظم الشريعة، فلا وَجْه لِرَدِّ حديثه بالقياس) (٢). انتهى
ومنه: لا يُشترط أن يكون عالِمًا بالعربية، ولا أن يكون عالمًا بمعنى ما رواه، كالأعجمي؛ لأنَّ جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه الحديث؛ ولهذا يمكنه حفظ القرآن وإنْ لم يَعرف معناه؛ ولهذا قال ﷺ : "فَرُبَّ مُبَلِّغ أَوْعَى مِن سامِع" (٣).
ولا يُشترط أيضًا أن يكون مُعتنيًا بشأن علوم الحديث كما جزم به إلْكِيا الطبري وغيره وإنْ رجح عليه رواية مَن اعتنى بالروايات.
ولا يُشترط كوْنه أجنبيًّا، فلو روى خبرًا ينفع به نفسه أو ولده، قُبِل؛ لأنَّ نفْعه لا يختص به ولا بزمن حياته.
ولا يُشترط أن يكون لفظُه: "سمعتُ" و"أخبرنا"، خلافًا للظاهرية.
ولا يُشترط أن يحلف على روايته، وعن علي ﵁ أنه كان يذهب إلى تحليف الراوي على روايته. وحكاه الأستاذ أبو إسحاق أيضًا.
ومنه: هل يُشترط في الراوي العَدد؟ عن الجبائي اشتراطه بأن يروي اثنان عن اثنين حتى ينتهي إلى المخبَر عنه؟ اعتبارًا بالشهادة. ونقل عنه القاضي أبو الطيب أنه زعم أنه مذهب
стр. 631
الصدِّيق وعُمر ﵄؛ لطلبهما الزيادة في الرواية، ولكن ما رُوي مِن ذلك [كله] (١) محمول على الاستظهار والتأكيد، لا أنَّ ذلك شرط.
وردَّ عليه إلْكِيا الطبري بأنه يلزم منه الخروج عن الحصر كما في تضعيف أعداد بيوت الشطرنج، وبأنَّ الفَرق بينه وبين الشهادة [الاتهام] (٢)؛ لتعلُّق الشهادة بخصوص كما فرق بينهما في أحكام كثيرة.
على أنَّ الجبائي قد نَقل عنه اشتراط أنْ يعضده ظاهر، يَقُوم ذلك العاضد مقام راوٍ آخَر.
ومما ينبغي أنْ يُستفاد أنَّ الحاكم نَقل أنَّ البخاري اشترط في صحيحه رواية عَدْلَين عن عَدْلين.
وخَطَّأه في ذلك ابن الجوزي وغيره، ولو صح لكان احتياطًا من البخاري، لا شرطاً.
وفي "البحر" للروياني و"جامع الأصول" لابن الأثير أنَّ بعضهم اشترط أربعة عن أربعة إلى أن ينتهي.
وقال الأستاذ أبو منصور: منهم مَن اعتبر ثلاثة عن ثلاثة، ومنهم من اعتبر خمسة، ومنهم من اعتبر سبعة، ومنهم من اعتبر عشرين، ومنهم من اعتبر سبعين، وكل هذا غريب، إنما ذكر بعض ذلك في شروط عدد التواتر، لا الآحاد.
ومنهم مَن شرط في الخبر غير هذا مما يَطُول ذِكره، وفيما ذُكِر كفاية في هذا المختصر، والله أعلم.
стр. 632
تنبيه:
٣٢٦ - تَحَقُّقُ الشُّرُوطِ فِيهِ مُعْتَبَر ... فَلَيْسَ يُقْبَلُ الَّذِي قَدِ اسْتَتَرْ
٣٢٧ - في بَاطِنٍ أَؤ ظَاهِرٍ، وَمَنْ جُهِلْ ... بِعَيْيهِ فَذَاكَ أَيْضًا مَا قُبِلْ
الشرح:
لَمَّا ذكرتُ شروط الراوي الثلاثة نَبهتُ بهذا التنبيه على أنه لا بُد من تحقُّق وجود الثلاثة. فما لا يتحقق فيه اجتماعُها، لا يكون حُجة، ويتضح ذلك بمسائل:
إحداها: أنَّ المستور هل يُقبل؟ والمراد به المجهول، وهو على ثلاثة أقسام: مجهول العدالة في الباطن دُون الظاهر، ومجهول العدالة باطنًا وظاهرًا، ومجهول العين.
فالأول: مَن هو عَدْل في الظاهر ولم تُعرف له عدالة في الباطن، وقد فَسَّر الرافعي في "كتاب الصيام" العدالة الباطنة بأنها التي يُرجَع فيها إلى أقوال [المزكِّيين] (١)، أي: حيث احتيج إليها، بخلاف مَن لم يحتج فيه لذلك كما سبق، وسبقه إليه الإمام في "النهاية".
والمراد أنه بحيث يحكم الحاكم بشهادته وإنْ لم تقع تزكيته عند الحاكم، وهو مأخوذ من قول الشافعي ﵁ في "اختلاف الحديث" في جواب سؤال أورده: فلا يجوز أنْ يُترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر.
فعُلِم من ذلك أنَّ المستور مَن يُترك الحكم بشهادته، أي: بكونه لم يُزكِّه مزكيان، فادِّعاء مُغايرة النَّص المذكور لكلام الرافعي غير مستقيم، وكذا ادِّعاء أن المراد بالعدالة الباطنة أن تقع التزكية عند الحاكم ويحكم بالعدالة.
وقال إمام الحرمين في أصوله: (المستور هو الذي لم يظهر منه ما يقتضي العدالة، ولم يتفق
стр. 633
البحث عن باطنه في العدالة) (١).
وفي كلام غيره من الأصوليين -كالقاضي في "التقريب"- أنَّ العدالة الباطنة هي الاستقامة بلزوم أداء أوامر الله واجتناب مناهيه وما يثْلم مروءته، سواء ثبت عند الحاكم أوْ لا.
وبالجملة فهذا القسم لا يُقبل عند الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، وعبارة الشافعي في "اختلاف الحديث": لا يُحْتَج بالمجهول. وكذا قال البيهقي في "المدخل": (إنَّ الشافعي لا يحتج برواية المجهولين) (٢).
وجرى على منع القبول الماوردي والروياني وغيرهما من أصحابنا، وجزم به أبو الحسين ابن القطان ونقله إلْكِيا عن الأكثرين.
ونقله شمس الأئمة عن محمد بن الحسن، وقال: (نصَّ في كتاب "الاستحسان" على أن خبر المستور كخبر الفاسق) (٣).
وذهب أبو حنيفة إلى قبوله؛ اكتفاءً بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا، ووافقه من أصحابنا ابن فورك كما نقله المازري في "شرح البرهان" وسليم في كتاب "التقريب" له.
وعزاه قوم للشافعي، تَوَهَّموه مِن نَصِّه على انعقاد النكاح بالمستورين، وهو غلط؛ فالفَرق بينهما أن المقصود حضور شاهدين ولو كانا يُعدلان عند الاحتياج إليهما، وأما غير النكاح فيقضى بذلك، وفرق بين القضاء بالمستور والانعقاد به؛ ولهذا عند التجاحد في النكاح لا
стр. 634
يُقضى إلَّا بِعَدْلَين.
وقال ابن الصلاح: (إنَّ الاحتجاج به قول بعض الشافعية، وبه قطع سليم، قال: لأنَّ أَمْر الإخبار مبني على حُسن الظن بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكون عند مَن يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن؛ فاقتُصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر. وتُفارق الشهادة؛ فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر ذلك عليهم؛ فاعتُبر فيها العدالة ظاهرًا وباطنًا) (١).
قال الشيخ: (ويُشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كُتب الحديث في جماعة من الرواة تَقَادَم العهد بهم وتعذَّرت خِبْرتهم باطنًا).
وصححه المحب الطبري أيضًا.
وقال النووي في "شرح مسلم" في المقدمة: (احتج به كثيرون من المحققين).
وحكى الرافعي في "الصوم" فيه وجهين من غير ترجيح.
وقال في "شرح المهذب": الأصح القبول.
وفي المسألة مذهب ثالث قاله أبو زيد الدبوسي في "التقويم" (٢): إنَّ المجهول إن نقل عنه السلف وسكتوا عن رَده، عُمِلَ به ما لم يخالف القياس.
تنبيهات
أحدها: ذكر صاحب "البديع" وغيره من الحنفية أنَّ أبا حنيفة إنما قَبِلَ ذلك في صدْر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، فأمَّا اليوم فلا بُد من التزكية؛ لِغَلبة الفِسق.
стр. 635
ومن هذا ما استقرئ في كتاب "الثقات" لابن حبان أن يُوَثق مَن كان في الطبقة المتقدمة من التابعين.
الثاني: قال إمام الحرمين: (إنَّ رواية المستور موقوفة إلى استبانة حاله، فلو كُنا على اعتقاد في حِل شيءٍ فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عمَّا كنا نستحله إلي تمام البحث عن حال الراوي).
قال: (وليس ذلك حُكمًا بالحظر المترتب على الرواية، وإنما هو توقُّف في الأمر، والتوقف في الإباحة يتضمن الإحجام، وهو في معنى الحظر، فهو إذًا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة، وهي: التوقف عند عدم بدُوِّ ظواهر الأمور إلى استبانتها، فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذْ ذاك) (١). انتهى
ولا ينافي ما سبق مِن رَد المستور، فإنَّ المراد أنَّا لا نعمل به في الحال، ولكن لا نتركه أصلًا، بل نبحث عنه.
نعم، قوله: (لو كنا على اعتقاد في حِل شيء) إلى آخِره -زَعَم [ابن الأنباري] (٢) أنه إجماع.
ورُدَّ: بأنَّ الإجماع لا يُعْرف، وبأنَّ المتجه أنه إنْ روى تحريمًا مخالِفًا للبراءة الأصلية فله اتجاه.
أما إذا كان الحِل مستندًا لدليل شرعي فلا وَجْه للإحجام؛ لأنَّ اليقين لا يُرْفع بالشك؛ ولهذا صححوا فيمن قال: (إنْ كنتِ حاملًا، فأنتِ طالق) أنه لا يحرُم وطؤها حتى يظهر الحمل.