الصدِّيق وعُمر ﵄؛ لطلبهما الزيادة في الرواية، ولكن ما رُوي مِن ذلك [كله] (١) محمول على الاستظهار والتأكيد، لا أنَّ ذلك شرط.
وردَّ عليه إلْكِيا الطبري بأنه يلزم منه الخروج عن الحصر كما في تضعيف أعداد بيوت الشطرنج، وبأنَّ الفَرق بينه وبين الشهادة [الاتهام] (٢)؛ لتعلُّق الشهادة بخصوص كما فرق بينهما في أحكام كثيرة.
على أنَّ الجبائي قد نَقل عنه اشتراط أنْ يعضده ظاهر، يَقُوم ذلك العاضد مقام راوٍ آخَر.
ومما ينبغي أنْ يُستفاد أنَّ الحاكم نَقل أنَّ البخاري اشترط في صحيحه رواية عَدْلَين عن عَدْلين.
وخَطَّأه في ذلك ابن الجوزي وغيره، ولو صح لكان احتياطًا من البخاري، لا شرطاً.
وفي "البحر" للروياني و"جامع الأصول" لابن الأثير أنَّ بعضهم اشترط أربعة عن أربعة إلى أن ينتهي.
وقال الأستاذ أبو منصور: منهم مَن اعتبر ثلاثة عن ثلاثة، ومنهم من اعتبر خمسة، ومنهم من اعتبر سبعة، ومنهم من اعتبر عشرين، ومنهم من اعتبر سبعين، وكل هذا غريب، إنما ذكر بعض ذلك في شروط عدد التواتر، لا الآحاد.
ومنهم مَن شرط في الخبر غير هذا مما يَطُول ذِكره، وفيما ذُكِر كفاية في هذا المختصر، والله أعلم.
стр. 632
تنبيه:
٣٢٦ - تَحَقُّقُ الشُّرُوطِ فِيهِ مُعْتَبَر ... فَلَيْسَ يُقْبَلُ الَّذِي قَدِ اسْتَتَرْ
٣٢٧ - في بَاطِنٍ أَؤ ظَاهِرٍ، وَمَنْ جُهِلْ ... بِعَيْيهِ فَذَاكَ أَيْضًا مَا قُبِلْ
الشرح:
لَمَّا ذكرتُ شروط الراوي الثلاثة نَبهتُ بهذا التنبيه على أنه لا بُد من تحقُّق وجود الثلاثة. فما لا يتحقق فيه اجتماعُها، لا يكون حُجة، ويتضح ذلك بمسائل:
إحداها: أنَّ المستور هل يُقبل؟ والمراد به المجهول، وهو على ثلاثة أقسام: مجهول العدالة في الباطن دُون الظاهر، ومجهول العدالة باطنًا وظاهرًا، ومجهول العين.
فالأول: مَن هو عَدْل في الظاهر ولم تُعرف له عدالة في الباطن، وقد فَسَّر الرافعي في "كتاب الصيام" العدالة الباطنة بأنها التي يُرجَع فيها إلى أقوال [المزكِّيين] (١)، أي: حيث احتيج إليها، بخلاف مَن لم يحتج فيه لذلك كما سبق، وسبقه إليه الإمام في "النهاية".
والمراد أنه بحيث يحكم الحاكم بشهادته وإنْ لم تقع تزكيته عند الحاكم، وهو مأخوذ من قول الشافعي ﵁ في "اختلاف الحديث" في جواب سؤال أورده: فلا يجوز أنْ يُترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر.
فعُلِم من ذلك أنَّ المستور مَن يُترك الحكم بشهادته، أي: بكونه لم يُزكِّه مزكيان، فادِّعاء مُغايرة النَّص المذكور لكلام الرافعي غير مستقيم، وكذا ادِّعاء أن المراد بالعدالة الباطنة أن تقع التزكية عند الحاكم ويحكم بالعدالة.
وقال إمام الحرمين في أصوله: (المستور هو الذي لم يظهر منه ما يقتضي العدالة، ولم يتفق
стр. 633
البحث عن باطنه في العدالة) (١).
وفي كلام غيره من الأصوليين -كالقاضي في "التقريب"- أنَّ العدالة الباطنة هي الاستقامة بلزوم أداء أوامر الله واجتناب مناهيه وما يثْلم مروءته، سواء ثبت عند الحاكم أوْ لا.
وبالجملة فهذا القسم لا يُقبل عند الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، وعبارة الشافعي في "اختلاف الحديث": لا يُحْتَج بالمجهول. وكذا قال البيهقي في "المدخل": (إنَّ الشافعي لا يحتج برواية المجهولين) (٢).
وجرى على منع القبول الماوردي والروياني وغيرهما من أصحابنا، وجزم به أبو الحسين ابن القطان ونقله إلْكِيا عن الأكثرين.
ونقله شمس الأئمة عن محمد بن الحسن، وقال: (نصَّ في كتاب "الاستحسان" على أن خبر المستور كخبر الفاسق) (٣).
وذهب أبو حنيفة إلى قبوله؛ اكتفاءً بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا، ووافقه من أصحابنا ابن فورك كما نقله المازري في "شرح البرهان" وسليم في كتاب "التقريب" له.
وعزاه قوم للشافعي، تَوَهَّموه مِن نَصِّه على انعقاد النكاح بالمستورين، وهو غلط؛ فالفَرق بينهما أن المقصود حضور شاهدين ولو كانا يُعدلان عند الاحتياج إليهما، وأما غير النكاح فيقضى بذلك، وفرق بين القضاء بالمستور والانعقاد به؛ ولهذا عند التجاحد في النكاح لا
стр. 634
يُقضى إلَّا بِعَدْلَين.
وقال ابن الصلاح: (إنَّ الاحتجاج به قول بعض الشافعية، وبه قطع سليم، قال: لأنَّ أَمْر الإخبار مبني على حُسن الظن بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكون عند مَن يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن؛ فاقتُصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر. وتُفارق الشهادة؛ فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر ذلك عليهم؛ فاعتُبر فيها العدالة ظاهرًا وباطنًا) (١).
قال الشيخ: (ويُشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كُتب الحديث في جماعة من الرواة تَقَادَم العهد بهم وتعذَّرت خِبْرتهم باطنًا).
وصححه المحب الطبري أيضًا.
وقال النووي في "شرح مسلم" في المقدمة: (احتج به كثيرون من المحققين).
وحكى الرافعي في "الصوم" فيه وجهين من غير ترجيح.
وقال في "شرح المهذب": الأصح القبول.
وفي المسألة مذهب ثالث قاله أبو زيد الدبوسي في "التقويم" (٢): إنَّ المجهول إن نقل عنه السلف وسكتوا عن رَده، عُمِلَ به ما لم يخالف القياس.
تنبيهات
أحدها: ذكر صاحب "البديع" وغيره من الحنفية أنَّ أبا حنيفة إنما قَبِلَ ذلك في صدْر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، فأمَّا اليوم فلا بُد من التزكية؛ لِغَلبة الفِسق.
стр. 635
ومن هذا ما استقرئ في كتاب "الثقات" لابن حبان أن يُوَثق مَن كان في الطبقة المتقدمة من التابعين.
الثاني: قال إمام الحرمين: (إنَّ رواية المستور موقوفة إلى استبانة حاله، فلو كُنا على اعتقاد في حِل شيءٍ فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عمَّا كنا نستحله إلي تمام البحث عن حال الراوي).
قال: (وليس ذلك حُكمًا بالحظر المترتب على الرواية، وإنما هو توقُّف في الأمر، والتوقف في الإباحة يتضمن الإحجام، وهو في معنى الحظر، فهو إذًا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة، وهي: التوقف عند عدم بدُوِّ ظواهر الأمور إلى استبانتها، فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذْ ذاك) (١). انتهى
ولا ينافي ما سبق مِن رَد المستور، فإنَّ المراد أنَّا لا نعمل به في الحال، ولكن لا نتركه أصلًا، بل نبحث عنه.
نعم، قوله: (لو كنا على اعتقاد في حِل شيء) إلى آخِره -زَعَم [ابن الأنباري] (٢) أنه إجماع.
ورُدَّ: بأنَّ الإجماع لا يُعْرف، وبأنَّ المتجه أنه إنْ روى تحريمًا مخالِفًا للبراءة الأصلية فله اتجاه.
أما إذا كان الحِل مستندًا لدليل شرعي فلا وَجْه للإحجام؛ لأنَّ اليقين لا يُرْفع بالشك؛ ولهذا صححوا فيمن قال: (إنْ كنتِ حاملًا، فأنتِ طالق) أنه لا يحرُم وطؤها حتى يظهر الحمل.
стр. 636
الثالث: قيل: مثال رواية المستور ما رُوي عن أبي سهل عن مُسة -بضم الميم وتشديد السين المهملة- الأزدية، عن أُم سلمة: "كانت النُّفساء تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً، وكُنا نطلي على وجوهنا الورس. [تعني] (١) من الكلف" (٢).
قال القاضي أبو الطيب: أبو سهل ومُسَّه مجهولان.
لكن الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث أبي سهل عن مُسة الأزدية. قال: (وقال محمد بن إسماعيل: أبو سهل ثقة).
واسمه كثير بن زياد، وهو ثقة.
وقال الخطابب: حديث مُسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل. ثم ذكر ما سبق.
قيل: ومن أمثلته حديث عبد الرحمن بن وَعْلة المصري عن ابن عباس أنَ النبي ﷺ قال: "أيُّما إهاب دُبغ فَقَدْ طَهُر" (٣). فقد قال أحمد: ومَن هو ابن وَعْلة؟
إلا أنَّ غير أحمد عرفه ووثَّقه، فقد روى عنه زيد بن أسلم ويحيى بن سعيد وغيرهما، ووثَّقه ابن مَعين والعجلي والنسائي، وروى له مسلم والأربعة.
الرابع: ما جرينا عليه -مِن كَون العدالة شرطًا فلا بُد مِن تحقُّقها- أَجْوَد مِن قول ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما: إنَّ الفِسق مانع، وإنه لا بُد مِن تحقُّقه. فجمعوا بين متنافيين؛ لأنَ جَعْله مانعًا يقتضي الاكتفاء بأنَّ الأصل عدمه، لا تَحقُّق عدمه؛ لأنَّ هذا شأن الموانع،
стр. 637
فجَعْل عدم المانع شرطًا غيرُ مستقيم، فتأمله.
قولي: (أَوْ ظَاهِرٍ) إشارة إلى المسألة الثانية، وهي "مجهول العدالة ظاهرًا وباطناً"، وقد عُلم مِن ذِكر جهالته ظاهرًا أنه مجهول باطنًا، بخلاف العكس وهو القِسم الذي بدأتُ به.
والحاصل أنَّ المجهول ظاهراً وباطناً (أي: وهو معروف العَيْن برواية عَدْلين عنه) لا تُقبل روايته.
قال بعضهم: بالإجماع. وجرى عليه في "جمع الجوامع".
وهو مردود بحكاية ابن الصلاح فيه عن الجماهير أنه لا يُقبَل.
وعن أبي حنيفة أنه يُقبَل.
وحكى غيره ثالثًا: إنْ كان الراوي عنه لا يروي إلَّا عن عَدْل، قُبِل، وإلَّا فلا.
وهذا القول لا حقيقة له؛ لِمَا سبق أنَّ مثل ذلك تعديل، فهو عَدْل، لا مستور.
قولي: (وَمَنْ جُهِلْ بِعَيْيهِ) إلى آخِره -إشارة إلى المسألة الثالثة، وهي "مجهول العين".
قال المحدثون: مَن لم يَرْوِ عنه إلا راوٍ واحد. ومثَّله الخطيب بجبار الطائي وعبد الله بن أغر الهمداني والهيثم بن حنش ومالك بن أعز وسعيد بن ذي حدان، لم يَرْوِ عنهم غير أبي إسحاق السبيعي.
وذَكر أمثلة أخرى عليه في بعضها نقد.
فهذا القسم ظاهر ما في "جمع الجوامع" فيه الاتفاق على عدم القبول، وصرَّح مُصَنِّفه بذلك في غيره، وليس كذلك؛ فقد حَكى ابن الصلاح وغيره الخلاف فيه.
وحاصل الأقوال فيه خمسة:
أحدها: وهو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لا يُقبَل
стр. 638
مطلقاً.
وثانيها: يُقبَل مطلقًا، وذلك هو رأي مَن لم يشترط في الراوي غير الإسلام.
وثالثها: إنْ كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلَّا عن عدل -كابن مهدي ويحيى بن سعيد- واكتفينا في التعديل بواحد، قُبِل، وإلَّا فلا.
رابعها: إنْ كان مشهورًا في غير العِلم بالزهد أو النجدة (أي: القوة) في الدِّين، قُبِل، وإلا فلا. وهو قول ابن عبد البر.
وخامسها: إنْ زكَّاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، قُبِل، وإلا فلا. وهو اختيار أبي الحسين بن القطان في كتاب "بيان الوهم والإيهام".
قال أبو العباس (١): (التحقيق أنه متى عُرفت عدالة الرجُل، قُبل خبرُه، سواء روى عنه واحد أو أكثر، وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن [تنطَّع] (٢) المحدثون). انتهى
وتعقب ابن الصلاح على الخطيب بأنَّ البخاري قد روى عن مرداس الأسلمي ولم يَرْو عنه غير ابن أبي حازم.
واعتُرض بأنه رَوى عنه أيضًا زياد بن علاقة.
ونحو ذلك ما قال الحاكم في النوع السابع والأربعين: إنَّ مسلمًا روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي، ولم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن.
стр. 639
واعتُرض بأنه قد روى عنه محمد بن عمرو بن عطاء وأبو عمران الجوني ونعيم المجمر وحنظلة بن علي، وأيضًا فمرداس وربيعة صحابيان، وكُلهم عدولٌ.
فائدة: عند المحدثين مِن أقسام المستور أيضًا مَن عُرف -بذكره في الجملة- عَيْنُه وعدالته ولكن جُهل تعيينه، كإيهام الصحابي، وكقول الراوي: (أخبرني فلان أو فلان) والفَرْض أنهما عَدْلان، فهذا لا يضر. أمَّا لو جُهِلت عدالة أحدهما أو قال: (أخبرني فلان أو غيرُه)، فلا يُحتج به حينئذ، والله أعلم.
ص:
٣٢٨ - فَإنْ يَكُنْ مِثْلُ الْإمَامِ الشَّافِعِي ... وَصَفَهُ بِـ "ثِقَةٍ" فَتَابِعِ
الشرح:
أي: إذا قال الشافعي ﵁ أو غيره: (أخبرنا الثقة) أو نحو ذلك، فهل الستر فيه باقي لكونه غير معيَّن؟ أو أنه زال بوصفه فيكون كإبهام الصحابي أو أحد العَدْلَين فلا يضر كما سبق ويسميه بعضهم "التعديل المبهم"؟ فيه مذاهب:
أحدها: لا يحتج به. وبه جزم القفال الشاشي والخطيب والصيرفي والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ والماوردي، والروياني قال: وهو كالمرسل. وصححه ابن الصباغ، قال: لأنه ربما لو سماه كان ممن جرحه غيرُه.
بل قال الخطيب: لو صرح بأنَّ جميع شيوخه ثقات ثم روى عمن لم يُسمه، لا يُعمل به.
قال: (نعم، لو قال العالم: "كل مَن أَروي عنه وأُسميه فهو عَدْلٌ رضى مقبولُ الحديث "،
стр. 640
كان ذلك تعديلاً لكل مَن رَوى عنه وسماه كما سبق) (١).
والثاني: يحتج بذلك مطلقًا؛ لما سبق مِن أن إبهام العدل لا يضر، ونقله ابن الصلاح عن أبي حنيفة.
والثالث: التفصيل بين أن يُعرف مِن عادته إذا أَطْلَق ذلك أن يعني به معيَّناً وهو معروف بأنه ثقة، فَيُقبل، وإلَّا فلا. حكاه شارح "اللمع" اليماني عن صاحب "الإرشاد".
الرابع: وهو الصحيح المختار الذي قطع به إمام الحرمين وجرَيتُ عليه في النَّظم، ونقله ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين أنه إنْ كان القائل لذلك من أئمة الشأن العارفين بما يشترطه هو وخصومه في العدل وقد ذَكَره في مقام الاحتجاج، فيُقبل؛ لأن مِثل هؤلاء لا يُطْلِق في مقام الاحتجاج إلا في موضع يأمَن أن يخالَف فيمن أطلق عليه أنه ثقة.
وإنما أهملتُ في النَّظم ذِكر كوْنه في مقام الاحتجاج؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما يذكرون ذلك في مقام الاحتجاج، بخلاف المحدِّث الذي عنايته برواية الحديث فقط.
تنبيهات
أحدها: عاب بعض المتعنتين على الشافعي مثل ذلك، قال: لأنه مُشعر بسوء الحفظ، وأيضًا فهو ضرب من الإرسال، والمرسل عنده غير حجة.
والجواب عن الأول: أنَّ الإمام الحافظ قد يعتريه شك في التعيين مع عدم شَكِّه في عدالته، فيتورع عن التعيين؛ احتياطًا، وقد فعل ذلك الأئمة، فروى مالك في "الموطأ" في باب الزكاة عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار.
стр. 641
وعن الثاني: بأنه قد استُقرئ عليه أنه لم يُبْهِم ذِكر الراوي إلا في حديث معروفٍ عند أهل الحديث براوٍ معلوم الاسم والعدالة، فلا يضره تركُه تسمية الشيخ.
قال الرافعي في "شرح المسند": (ولك أن تقول: المحتاج للوضوء إذا قال له مَن يَعرفه بالعدالة: "هذا الماء نجس بسبب كذا"، يَلْزَمه قبوله. ولو قال له مَن هو مِن أهل التعديل: "أخبرني عدلٌ بذلك"، ولم يُسَم، فيشبه أن الحكم كذلك). انتهى
وهذا الجزم مؤيد لِمَا قُلناه، ويؤيد ذلك أنَّ الحديث إذا رُوي عن رجل من الصحابة، يُحتج به ولا يُعَد مرسلًا وإنْ لم يكن الصحابي معيَّنًا كما سبق؛ للعِلم بعدالة الكل.
الثاني: إذا قال: (أخبَرني مَن لا أتهم) كما يقع في كلام الشافعي- ﵀ كثيرًا، كان دُون: (أخبرني الثقة). فقال الحافظ الذهبي: ليس مِثله فيما سبق؛ لأنه نفَى التهمة ولم يتعرض لإتقانه ولا لكونه حجة.
ورجَّح غيره أنه مِثله؛ لأنَّ ذلك إذا وقع مِن مِثل الشافعي في الاحتجاج، فإنما يريد به ما يريد بقوله: ثقة.
على أنَّ الذهبي قد سُبق بذلك مِن فحول أصحابنا، ففي كتاب "الدلائل والأعلام" للصيرفي: إذا قال المحدث: "حدثني الثقة عندي" و"حدثني مَن لا أتهم"، لم يكن حجة؛ لأنَّ الثقة عنده قد لا يكون ثقة عندي. وذكر نحوه الماوردي والروياني في القضاء.
فاقتصار السبكي في "جمع الجوامع" على الذهبي قصورٌ، إلا أنْ يريد أنَّ الذهبي يفرق بين "ثقة" و"لا أتهم" وهؤلاء يخالفون فيهما معًا كما أوضحناه عند حكاية المذاهب.
نعم، قول الصيرفي: (حدثني الثقة عندي) يقتضي التصوير [بِقَيد] (١) "عندي"، حتى لو قال: (الثقة) وأَطْلَق، لا يكون كذلك.
стр. 642
الثالث: قال ابن الصباغ في "العدة": إنَّ الشافعي إنما يُطْلق ذلك في ذِكره لأصحابه أنَّ الحجة عنده على هذا الحكم، لا في مقام الاحتجاج به على غيره. وكذا قال القاضي أبو الطيب، قال: وقيل: إنه كان قد أَعْلَم أصحابه بذلك؛ ولهذا قيل في بعضهم: إنه أحمد، وفي بعضهم: يحيى بن حسان، وفي بعضهم: ابن أبي فديك وسعيد بن سالم القداح، وغيرهم.
وقال الماوردي والروياني: (اشتهر عنه أنه يعني به إبراهيم بن إسماعيل) (١).
وقال ابن برهان: قيل: إنه كان يريد به مالكًا، وقيل: مسلم بن خالد الزنجي، إلا أنه كان يرى القدَر، فاحترز عن التصريح بِاسْمه؛ لهذا المعنى.
وقال أبو حاتم بن حبان: إذا قال الشافعي: "أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب" فهو ابن أبي فديك، أو: "عن الليث" فهو يحيى بن حسان، أو: "عن الوليد بن كثير" فهو [أبو أسامة، أو: "عن الأوزاعي" فهو] (٢) عمرو بن أبي سلمة، أو: "عن ابن جريج" فهو مسلم بن خالد الزنجي، أو: "عن صالح مولى التَّوْأَمَة" فهو إبراهيم بن أبي يحيى.
وأمَّا مالك فقال بعضهم: إذا قال: (عن الثقة -عنده- عن بكير بن عبد الله ابن الأشج)، فهو مخرمة بن بكير، أو: (عن عمرو بن شعيب) فقيل: عبد الله بن وهب، وقيل: الزهري.
وفي "المعرفة" للبيهقي (٣) في "باب الاستسقاء" عن الربيع: إذا قال الشافعي: (أخبرنا الثقة) فهو يحيى بن حسان، وإذا قال: (مَن لا أتهم) فهو إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: (بعض الناس) فهو يريد أهل العراق، وإذا قال: (بعض أصحابنا) فيريد أهل الحجاز.
стр. 643
ثم قال الحاكم: إنَّ الربيع إنما ذكر الغالب، فإنَّ أكثر ما رواه الشافعي عن الثقة هو يحيى ابن حسان، وقد قال في كُتبه: (أخبرنا الثقة)، وهو يريد به غير يحيى بن حسان.
قال البيهقي: (وقد فصَّل ذلك شيخنا الحاكم تفصيلًا على غالب الظن، فقال بعض ما قال: "أخبرنا الثقة" إنه أراد إسماعيل بن عُلية، [وفي بعضها أراد أسامة] (١)، وفي بعضها عبد العزيز بن محمد، وفي بعضها هشام بن يوسف الصنعاني، وفي بعضها أحمد بن حنبل، أو غيره من أصحابه، ولا يكاد يُعْرف ذلك باليقين، إلَّا أن يكون قيَّد كلامه في موضع آخَر) (٢). انتهى
وإنما أطلتُ في هذا لاحتياج الشافعية لمثله، والله أعلم.
ص:
٣٢٩ - وَلَيْسَ يُحْتَجُّ بِمَا قَدِ انْقَطَعْ ... سَنَدُهُ؛ لِجَهْلِ مَنْ [مِنْهُ] (٣) ارْتَفَعْ
الشرح:
أي: إذا عُرف أنه لا بُد من تحقُّق شروط الراوي فالحديث المنقطع -الذي قد سقط منه الراوي- ليس بحجة؛ للجهل بحاله.
والانقطاع في سند الحديث إلى النبي ﷺ ضربان: أحدهما: سقوط راوٍ فأكثر ممن هو دون الصحابي.
والثاني: سقوط الصحابي.
стр. 644
فالأول هو المسمَّى في اصطلاح المحدثين على ما قاله الحاكم بِـ "المنقطع" إما الحديث أو الإسناد على ما يوجد في كلامهم مِن الإطلاقين، إذْ مرةً يقولون في الحديث: (منقطع)، ومرة في الإسناد: (منقطع).
فالمنقطع بهذا الاعتبار أخص مِن مطلق المنقطع المقابل للمتصل الذي هو مورد التقسيم في قولي: (بِمَا قَدِ انْقَطَعْ سَنَدُهُ). فما كان فيه راوٍ لم يسمع ممن فوقه سواء أكان الساقط واحدًا أو أكثر إذا كانت الطبقة واحدة.
فإنْ كان الساقط أكثر من واحد باعتبار طبقتين فصاعدًا إن كان في موضع واحد، سُمي "مُعضَلًا". وإن كان في موضعين، سُمي "منقطعًا" من موضعين، كحديث عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع -بضم المثناه تحت وفتح المثلثة بعدها ثم ياء التصغير والعين [المهملة] (١) - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنْ وَلَّيتموها أبا بكر، فقوِي أمين" (٢). فإنَّ صورته متصل، ولكن سقط بين عبد الرزاق وسفيان: ابنُ أبي شيبة الجنَدي (نِسبة إلى الجنَد -بفتح الجيم والنون- مدينة باليمن)، وسقط بين الثوري وأبي إسحاق: شريك.
أما ما فيه راوٍ مُبْهَم (كحديث أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير، عن رجُلين، عن شداد ابن أوس، عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر" (٣)
стр. 645
الحديث) فمنهم مَن يسميه أيضًا "منقطعًا"؛ لأنَّ مَن لا يُعْلم كالمتروك، لكن المختار أنه يُسمى متصلاً في إسناده لمجهول، والمثال المذكور نقله ابن الصلاح عن الحاكم.
والذي قاله الحاكم: إنما هو عن رجُل -بالإفراد- عن شداد.
وكذا رواه الترمذي والنسائي عن رجُل من حنظلة. وقال بعضهم في تفسيره: يشبه أنْ يكون هو المُطلب بن عبد الله الحنظلي.
لكن قال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني ﵀ في كتابه "محاسن الاصطلاح" إنه وجَدَه في أصلٍ مِن "علوم الحديث" للحاكم مسموع بلفظ: "رجُلين" كما أورده ابن الصلاح.
وجعل من ذلك أيضًا إمام الحرمين ما لو قال: أخبرني عدل.
واعْلَم أنَّ وراء ما ذكرناه مذاهب في "المنقطع" و"المعضل" مبسوطة في علوم الحديث، لا نطول بها، وإنما الغرض هنا أنَّ هذه الأقسام لا يُحتج بها بأيِّ اسمٍ سُميت، والله أعلم.
ص:
٣٣٠ - وَلَوْ يَكُونُ سَاقِطًا صَحَابِيْ ... في ظَاهِرٍ فَقَدْ يُزَادُ رَابِي
٣٣١ - وَذَا يُسَمَّى "مُرْسَلًا"، وَرُبَّمَا ... جَافي الْأُصُولِ رَسْمُهُ مُعَمَّمَا
الشرح:
هذا بيان الضرب الثاني مما لم يتصل فيه الإسناد؛ لسقوط الصحابي الراوي له عن النبي ﷺ ، وهو المسمَّى بِـ "المُرْسَل"، بأْن يقول التابعي: (قال رسول- ﷺ -كذا)، أو: (فعل كذا)، أو نحو ذلك من وجوه السُّنة السابق بيانها، سواء أكان:
- من كبار التابعين، وهو مَن لقي جماعة كثيرة من الصحابة، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، حتى أنَّ ابن عبد البر وابن حبان وابن منده عَدّوه صحابيًّا؛ لكونه وُلد في حياته ﷺ -
стр. 646
على مذهبهم في ذلك كما سبق. وكسعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس النخعي الإمام فقيه العراق وهو قد وُلد في حياته ﷺ ، وكأبي مسلم الخولاني الذي يُقال له: حكيم هذه الأُمة، ومسروق وكعب الأحبار وأشباههم.
- أو من صغارهم، وهو مَن لم يَلْقَ من الصحابة إلا الواحد [أو] (١) الاثنين أو نحو ذلك، نحو يحيى بن سعيد الأنصاري وأبي حازم ومحمد بن شهاب الزهري كما قال ابن الصلاح وإنِ انتقد عليه بأنه قد لقي عشرة من الصحابة وأكثر كما بُسِط في محله حتى عَدَّه الحاكم من كبار التابعين.
وأُجيبَ عنه بأنَّ مراده بالواحد والاثنين ذلك ونحوه إلى العشرة وفوقها بقليل، فيكون هذا كالتمثيل.
ولا يخفى ضعف الجواب، وأجود منه أنَّ مراده أنْ يلقَى الواحد أو الاثنين مع انضمام أن يكثر من الرواية عنه، والزهري إنما وقع له ذلك في الواحد والاثنين ونحوهما وإنْ رأى مِن الصحابة كثيرًا.
وعلى هذا فَعُدَّ نحو كثير بن العباس وأبي إدريس الخولاني، قال أبو داود في "سؤالات الآجُرِّي": سمعت أحمد بن صالح يقول: إنهم يقولون: إنَّ مولد الزهري سنة خمسين.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله، عن الزهري قال: وفدتُ إلى مروان ابن الحكم وأنا محتلم.
ونقل ابن عبد البر عن قوم أن ما كان من قول صغار التابعين في ذلك ليس مرسَلًا، بل يسمَّى "منقطعًا" أيضًا؛ لكثرة الوساطة؛ لِغَلبة روايتهم عن التابعين، فيصير كمَن دُون التابعين في ذلك.
стр. 647
لكن المشهور -كما قال ابن الصلاح وغيره- التسوية بين التابعين في اسم "الإرسال" وإنْ تَغَايَرَا في حُكم الاحتجاج على قول الشافعي كما سيأتي.
فقولي: (وَلَوْ يَكُونُ سَاقِطًا صَحَابِيْ) اسم كان مُؤخَّر وهو "صَحَابِيْ"؛ لأنه وإنْ كان بمِرة إلَّا أنه في سياق الشرط؛ فيقتضي العموم، وذلك من مُسَوِّغات الابتداء بالنكرة.
وقولي: (في ظَاهِرٍ فَقَدْ يُزَادُ رَابِيْ) أي: زائدٌ على الصحابي، مِن "ربَا يربو": إذا زاد. وإذا احتمل سقوط غير الصحابي ممن يحتمل أن لا يكون عدلًا، فلم تتحقق عدالة الراوي. وكوْن الساقط هو الصحابي فقط إنما هو بحسب الظاهر، ويحتمل أكثر كما بينَّاه.
وقولي: (وَذَا يُسَمَّى "مُرْسَلًا") أي: باتفاق في التابعي الكبير، وعلى الراجِح في الصغير.
وقولي: (وَرُبَّمَا جَا في الْأُصُولِ رَسْمُهُ مُعَمَّمَا) إشارة إلى أن ما سبق في تفسير "المرسل" هو الراجح، فإنه قول الاكثرين المشهور الذي قطع به الحاكم وغيره من أهل الحديث، وجرى عليه كثير من الأصوليين.
وربما وُجد في أصول الفقه تفسيره بأعم من سقوط الصحابي وسقوط غيره، وتحته طريقتان:
إحداهما: تسمية ما سقط مِن الإسناد واحد أو أكثر -سواء الصحابب أو غيره- "مرسلًا"، فيتحد مع المسمى بِ "المنقطع" بالمعنى الأعم كما سبق، ويدخل فيه حينئذٍ "المعضل" وهو ما تَعدد فيه الساقط على ما سبق في تفسيره.
قال ابن الصلاح: ففي الفقه وأصوله أن كل ذلك يسمى "مرسلًا".
قال: (وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب وقطع به، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وأما ما رواه تابِعِيُّ التابعي
стр. 648
عنه فيسمونه " المعضل") (١). انتهى
وعبارة ابن برهان (٢): "المرسَل" أن يحذف الراوي واحدًا بينه وبين غيره، كقول التابعي: "قال رسول الله ﷺ "، أو نحو ذلك، وقول واحد من تابعي التابعين: "قال أبو بكر"، ونحن نعلم أنه ما لقيه ولا سمع منه.
وفي "المستصفى" للغزالي نحوه أيضا (٣)، بل ويوجد مِثله في كلام المحدثين غير الخطيب، فقد نقله النووي في "شرح مسلم" عن جماعة مِن المحدثين.
الطريقة الثانية: أن يقول مَن هو دُون الصحابي: (قال رسول الله ﷺ )، أو نحو ذلك، أعم مِن أن يكون تابعيًّا أو دُونه، كما قال ابن الحاجب في تعريفه: هو قول غير الصحابي: (قال رسول الله ﷺ ).
فتلخَّص في تفسير "المرسل" أربعة آراء.
وفيه أيضًا خامس: وهو أنه إذا قيل في الإسناد: (فلان، عن رجل)، أو: (عن شيخ، عن فلان) وذلك [غير] (٤) النبي ﷺ ، أو نحو ذلك مما يُذكر فيه الراوي مُبْهمًا.
قال ابن الصلاح: (فالذي ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" أنه لا يُسمى "مرسلًا"، بل "منقطعًا" وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع "المرسَل") (٥). انتهى
стр. 649
قيل: وكأنه يريد ببعض المصنفات المعتبرة "البرهان" لإمام الحرمين، فإنه قال فيه ذلك، قال: وكذا كُتُب رسول الله ﷺ التي لم يُسَم حاملها.
وزاد صاحب "المحصول" على ذلك أنَّ الراوي إذا سمَّى الأصل بِاسْم لا يُعرف به فهو كالمرسل.
على أنَّ هذا موجود في كلام أهل الحديث أيضًا، فقد ذكر أبو داود كثيرًا مما أبهم فيه الرجُل في كتاب "المراسيل".
على أنَّ المختار أنه لا يسمَّى "مرسلًا" ولا "منقطعًا"، بل متصلًا في إسناده مجهول كما نقله الحافظ رشيد الدين العطار في "الغُرر" عن الأكثرين.
وقال النووي في "شرح مسلم" في (البيوع) في الرجُل الذي أصابته الجائحة في ثمره: (قال القاضي: قول الراوي: "حدثني غير واحد" أو "حدثني الثقة" أو "حدثني بعض أصحابنا" ليس هو من المقطوع ولا من المرسل ولا من المعضل، بل هو من باب الرواية عن المجهول) (١). انتهى
ومسألة "أخبرني الثقة" سبق ترجيح أن الجهالة فيها زالت بذلك إنْ كان قائله إمامًا معتبرًا.
أما إذا وقع الإبهام في الواسطة بين التابعي والنبي ﷺ وصرح في ذلك المبهم بأنه صحابي، فليس من "المرسل"؛ لأنَّ الصحابة عدول. وقد نقله الحافظ عبد الكريم في "القدح المعلى" عن أكثر العلماء.
وما وقع في "سنن البيهقي" من جعل ذلك مرسلًا: إن أراد في التسمية مع كونه محتجًّا به كمرسل الصحابة فإنه يُسمى مرسلًا وهو حُجة كما سيأتي، فقريب، وإلا فممنوع؛ فقد
стр. 650
صرح بخلافه البخاريُّ عن الحميدي والأثرمُ عن أحمد.
نعم، فرَّق أبو بكر الصيرفي بين أنْ يُصرح التابعي بسماعه من الصحابي فيمبل؛ لأنهم عدول، أو يقول: (عن رجُل من أصحاب النبي ﷺ ) فلا يُقبل؛ لاحتمال واسطة بينه وبين الصحابي. وهو حَسَنٌ متجه، وكلامُ مَن أَطْلَق محمولٌ عليه.
قلتُ: "عن" محمولة عندهم على الاتصال كما سيأتي، فلا فرق حينئذٍ، وبتقدير التسليم فالفرق بينه وبين مسألتنا ظاهر، فإنَّ التصريح بأنَّ الواسطة صحابب لا يساويه المحتمل لوساطة غير الصحابي، والله أعلم.
ص:
٣٣٢ - نَعَمْ، يَكُونُ حُجَّةً مُرْسَلُ مَنْ ... لَمْ يَرْوِ إلَّاعَنْ عُدُولٍ تُؤْتَمَنْ
٣٣٣ - كَابْنِ الْمُسَيِّبِ، الَّذِي يُرْسِلُهُ ... عَنْ صِهْرِهِ أَبِي هُرَيْرَةَ اعْزُهُ
الشرح:
هذا استدراك لإطلاق أنَّ "المرسَل" مِن "المنقطع" الذي لا يُحتج به، وقد حُكي فيه نحو العشرين قولًا، بعضها ضعيف جدًّا وبعضها داخل في الأقوال المشهورة فيه، فلنقتصر في ذلك على خمسة؛ لكونها أقوى، غَيْر ما في مسألة مرسَل الصحابي، فإنها تأتي مِن بعدُ.
أحد الأقوال الخمسة: أنه يحتج به مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأشهر الروايتين عن أحمد، وحكاه في "المحصول" عن الجمهور، ومراده جمهور الأصوليين، واختاره أيضًا الآمدي.
وذكر محمد بن جرير الطبري أنَّ التابعين أجمعوا بأَسْرهم على قبول المراسيل، ولم يأت عن أحدٍ إنكارُه إلى رأس المائتين.
стр. 651
قال ابن عبد البر: (كأنَّ ابن جرير يعني أنَّ الشافعي أول مَن رد المرسل) (١). انتهى
قيل: إنْ صحَّ هذا عن ابن جرير فهو محمول على أنه لم يكن يُعمَل به إلى رأس المائتين حتى يحتاج لإنكار، فلمَّا عُمل به، أنكرَه مَن أنكره، وإلَّا فابن جرير مِن أجلاء الشافعية يَبعُد أن يدَّعي خَرْقَ إمامِهِ الإجماع، وإمامُه أَدْرَى بمواقع الإجماع والاختلاف مِن أمثاله، وهذا مُسْلم وابن عبد البر والخطيب ينقلون رده عن الجماهير كما سيأتي.
قلتُ: الجواب حسن إلَّا كونه لم يكن يُعمل به إلى رأس المائتين، ففيه نظر؛ لأنَّ أبا حنيفة ومالكًا من القائلين بقبوله والعمل به.
قيل: ويحتمل أنَّ مراد ابن جرير مراسيل الصحابة؛ لأنَّ المخالف فيها الأستاذ أبو إسحاق، وهو بعد المائتين.
قلتُ: لكن بكثير، فإنَّ وفاته عاشر المحرم سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فكيف يكون رأس المائتين غايةً لذلك؟ ! إلَّا أن يكون للأستاذ سَلَف في رأس المائتين قال ابن جرير ذلك لِأَجْلهِ.
وغَلَا بعض هؤلاء فزعم أنَّ "المرسَل" أقوى من "المسند" من حيث إنَّ المرسِل له كأنه التزم صحته مِن حيث أَخفَى، بخلاف ما لو صرح. ويحكَى ذلك عن بعض الحنفية، وحكاه صاحب "الواضح" عن أبي يوسف.
والشافعي ﵁ قد أشار إلى رد ذلك، حيث قال -بعد المرسَل الذي اعتضد بما سنذكره عنه حتى صار حُجة -ما نَصه: (ولا نستطيع أن نزعم أنَّ الحجة تثبت [بها ثبوته] (٢) بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يَكون يُرْغَبُ عن الرواية
стр. 652
عنه إذا سُمِّي) إلى آخِره.
فأشار إلى انحطاطه؛ بما فيه مِن الاحتمال، هذا مع الاعتضاد، فكيف بالمجرد ولو قيل بحجيته؟ ! وإذا لم يُساوه فكيف يكون أقوى؟ !
الثاني: إلرد مطلقًا. قال ابن عبد البر: وهو قول أهل الحديث.
قال ابن الصلاح: (وهو المذهب الذي استقر عليه [آراء جماهير] (١) حفاظ الحديث ونقاد الأثر) (٢). أي: كما قاله الخطيب في "الكفاية". وبه قال القاضي أبو بكر من الأصوليين.
وفي صدر "صحيح مسلم": ("المرسَل" في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة). وهذا وإنْ قاله مُسْلم على لسان غيره لكنه أَقرَّه.
نعم، ظاهر كلام ابن الصلاح في قوله بالرد إنما هو في غير ما قدمه من "المرسل" المحتج به كما سنذكره عن الشافعي، إلَّا أنه لَمَّا نقل عن مسلم ذلك، ، اقتضى أنَّ مراده الرد مطلقًا، فبَيْن كلامَيْه بعضُ تَنافٍ إنْ لم يُؤوَّل.
الثالث: إنْ كان المرسِل من أئمة النقل، قُبل، وإلَّا فلا. واختاره ابن الحاجب.
الرابع وهو قول عيسى بن أبان: إنْ كان من مراسيل الصحابة والتابعين وتابِعي التابعين ومَن كان مِن أئمة النقل، قُبل، وإلا فلا.
وقد يُدَّعَى اتحاده مع ما قَبْله؛ لأنَّ الظاهر بقوله: (التابعين وتابعي التابعين) مَن هو مِن أئمة النقل منهم، وأما الصحابة فكلهم أئمة النقل. فإنْ أراد عموم التابعين وتابعي التابعين، تَغايرَا، ولكنه بعيد.
стр. 653
نعم، هُما في الحقيقة راجعان إلى قبول المراسيل مطلقًا، إذِ المراد بأئمة النقل أهل الجرح والتعديل، ومَن ليس كذلك لا يقول أحد بقبول مرسَله، لأنَّ اعتماد القائلين له إنما اعتمدوا على أنَّ تركه تعديلٌ له وإلَّا لَمَا جاز له الجزم بأنَّ المحدَّث عنه صَدَر ذلك منه.
لكن اختار ابن برهان في "وَجِيزِه" قريبًا من ذلك، وهو: مع كوْنه مِن أئمة النقل أنْ يكون مذهبه في الجرح والتعديل موافِقًا لمذهب مَن يريد العمل بمرسَله في ذلك.
الخامس: وهو ما اقتصرتُ عليه في النَّظم؛ لأنَّه مذهب الشافعي الذي نَصَّ عليه، وهو أرجح الأقوال: أنَّ "المرسَل" لا يُحتج به بمجرَّدِه.
ومن ألطَف ما استدل به الشافعي في ذلك وتداوله الناس عنه- كالغزالي وغيره- الإجماع على رد "المرسل" في الشهادة، وأهي، (١) أنْ لا يَذكر الشاهد مَن شهد على شهادته. ولم يجعلوا تركَه تعديلًا له؛ أفكذا، (٢) الرواية؛ إذْ لا فارق بينهما فيما يرجع إلى العدالة.
نعم، إذا انضم إلى "المرسَل" ما يتقوى به، يكون حجة.
فمن ذلك إذا كان المرسِل له ممن عُرف أنه لا يروي إلَّا عن عدلٍ وقد اعتُبِرَت مراسيله فوُجدت مسانيد، كسعيد بن المسيب ﵁.
لكن هل يحتاج "مُرْسَلُه" إلى انضمام ما يؤكده -كما سيأتي- مِن مُرْسَل غيْره؛ أو لا؛ قال الماوردي في "باب بيع اللحم بالحيوان": (إنَّ القديم (٣): يُحتج به؛ لأنه لا يرسِل حديثًا إلَّا ويوجد مُسنَدًا، ولأنه لا يروي إلا عن أكابر الصحابة، وأيضًا فإنَّ مراسيله سُبِرَت
стр. 654
فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لِمَا بينهما مِن الوصلة والصهارة (١)؛ فصار إرساله كإسناده عنه. ومذهب الشافعي في الجديد أنَ مرسَل سعيد وغيره ليس بحجة، وإنما قال: مرسَل سعيد عندنا حسن بهذه الأمور التي وصفناها) (٢).
يشير بذلك إلى العواضد التي قَدَّمها وسيأتي بيانها، قال: (استئناشا بإرساله، واعتمادًا على ما قارَنَه مِن الدليل؛ فيصير "المرسَل" مع ما قارنه حُجة) (٣). انتهى
فظاهره أنَّ الجديد الاحتياج للعاضد، وهو خِلاف ما حكاه ابن الصلاح عنه من كونه لا يحتاج بخلاف مرسل غيره.
أنعم، (٤)، هو ظاهر نَص الشافعي في "الرهن الصغير"، فإنه لَمَّا قيل له: فكيف قَبلتم عن ابن المسيب منقطعًا ولم تقبلوه عن غيره؛ :
(قُلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعًا إلَّا وُجد ما يدل على [مسنده] (٥)، ولا نَأْثرُ روى عن أحد فيما عرفناه عنه إلَّا ثقة معروفا، فمَن كان مِثل حاله، قَبلنا منقطعه) (٦).
قال: (ورأينا غيره يُسمِّي المجهول ويُسمي مَن رُغبَ عن الرواية عنه، ويرسل عن النبي ﷺ ويرسل عمن لم يَلْحَق من الصحابة المستنكَر الذي لا يوجد له شيء [يرده] (٧)، ففرقنا
стр. 655
بينهم؛ لافتراق أحاديثهم، ولم نُحابِ أحدًا، ولكِنَّا قَبِلنا في ذلك بالدلالة البيِّنة على ما وصفنا من صحة روايته) (١). انتهى
ويمكن تأويل هذا النص بأنَّ المراد: قبلتم مرسل سعيد بشرطه، ويكون مراد الشافعي التنبيه على أحد الشروط التي نقلها عنه، وهو أنْ يكون المرسِل للحديث إذا سمَّى لا يُسمِّي إلَّا ثقة، فلا يخالف ما نقله الماوردي عن الجديد.
ولهذا قال البيهقي: (إنَّ لابن المسيب مراسيل لم يَقبلها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قَبِلها حين انضم إليها ما يؤكدها) (٢). انتهى
ومنه يُعْلم أنَّ ذلك لا يختص بسعيد كما هو ظاهر نَص "الرهن الصغير" وإنْ زعم الروياني أنه يقتضي اختصاصه بسعيد، وكأنه نَظرَ أول النَّص دُون قوله بعده: (فمَن كان) إلى آخِره.
وبذلك أيضًا يُردُّ على مَن زعم أنَّ الشافعي يحتج بمرسل سعيد والحسن دُون غيرهما.
قلتُ: ولكون مرسَل سعيد لا بُدَّ له من الاعتضاد قال الشافعي في "المختصر" في باب "بيع اللحم بالحيوان" بعد أن روى عن مالك عن زيد بن أسلم عن ابن المسيب: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (٣) وعن ابن عباس: "أنَّ جزورًا نُحرت على عهد أبي بكر الصديق، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جُزءًا بهذا العناق. فقال أبو بكر: لا يصلح
стр. 656
هذا" (١):
(وكان القاسم بن محمد وابن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان). إلى أن قال: (ولا نَعْلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ خالف في ذلك أبا بكر، وإرسال ابن المسيب عندنا حَسَن) (٢). انتهى
نعم، اختلف الأصحاب في قوله: (حسن) على وجهين حكاهما الشيخ أبو إسحاق والبغوي والخطيب في "الكفاية":
أحدهما: معناه: محتج به. وصرح القفال في "شرح التلخيص" بنقله عن النص، فقال: قال الشافعي: مرسَل ابن المسيب عندنا حُجة.
والئاني: معناه: يرجح به وإنْ لم يكن حُجة. وصححه الخطيب.
فإنْ قيل: ما المراد بأنها تُتبعَتْ فَوُجِدَت مسانيد؟
أيْ: تُتبعَتْ كُلها فظهر أن سعيدًا أسندها مِن غيْر هذا الطريق؟
أو: [أنها] (٣) تُتبعَ غالِبُها فكانت كذلك، فكأنها كلها مُسْنَدة؛ إلحاقًا للأقل بالأغلب؟ أو: تُتبعت فوُجدت كلها مسندة مِن غير طريق سعيد؛ فَحُكِمَ على الكل بذلك؟
فالجواب: أنَّ الظاهر إرادة الثاني؛ إذْ لو أُرِيدَ الأول لكانت مسانيد، لا مراسيل؛ لخروجها عن الإرسال بمجيئها مسندة مِن هذا الوجه؛ ولهذا قال الخطيب: إنَّ [مراسيل سعيد منها] (٤) ما لم يوجد مسندًا بحال مِن وَجْهٍ يَصِح.
стр. 657
وهذا غيْر ما سبق عن البيهقي أن بعضها لم يعتضد، فلا يُظَن اتحادهما.
ولو أُريدَ الثالث -وإنْ أَوْهَمه كلام ابن الصلاح- لَمَا احتاجت إلى مُقَوٍّ آخَر، على أنَّ في اعتبار اجتماعه مع المسنَد المقَوِّي إشكال يأتي تقريره وجوابه. ومما يدل على نَفْي إرادة ذلك قول الشافعي: ولا نَعْلمه يَأْثر إلَّا عن الثقات.
على أنه قد اختلف في اختصاص مراسيل سعيد بما ذكر بحسب الواقع وإنْ كان الشافعي قال: إنَّ مَن كان مِثله، يكون كذلك.
فقيل: يختص، وكأنه قال: (إذا قلتُ: قال رسول الله ﷺ ، فإنما أعني أنَّ أبا هريرة أخبرني بذلك). فهو مُسْنَد حُكمًا، ولكنه لَمَّا انحطَّ عن درجة المسنَد الصريح، احتاج إلى المقَوِّي.
وقيل: لا يختص؛ لأنه قد يوجد المعنى المذكور في غيره.
تنبيهات
أحدهما: ما سبق نقلُه عن "نحتصر المزني" من المرسَل في "بيع اللحم بالحيوان" أسنده الترمذيُّ من رواية زيد بن سلمة الساعدي، والبزارُ من رواية ابن عمر، والحاكمُ من حديث الحسن عن سمرة. وقد احتج البخاري بالحسَن عن سمرة، فهذا عاضِد آخَر لمرسَل سعيد زائد على ما في "المختصر".
الثاني: من الفوائد المهمة أنَّ الشافعي قال في "الرسالة" ما نَصه: (وكُل حديث كتبه منقطعًا فقد سمعته متصلًا أو مشهورًا رُويَ عنه بنقل عامة مِن الفقهاء يروونه عن عامة، ولكن كرهتُ وضعَ حديثٍ لا أُتقِنُه حِفظًا، وخفتُ طولَ الكتاب، وغاب عني بعضُ كُتبي) (١). انتهى
стр. 658
وهو يشمل كل منقطع أورده في كُتبه مرسَلًا أو منقطعًا بغير الإرسال، فيكون متصلًا؛ لِمَا ذكره. وقد انكشف بذلك عن الناظر في كلامه غُمة عظيمة، فلله الحمد.
الثالث: قولي: (الَّذِي يُرْسِلُهُ عَنْ صِهْرِهِ أَبِي هُرَيْرَةَ) إشارة إلى ما سبق نقله عن الماوردي؛ لأنَّ سعيدًا كان زوج ابنة أبي هريرة ﵁، والمعنى أنه إذا أرسل، فإنما يريد به ما رواه عن أبي هريرة -كما دل عليه الاستقراء- وإنْ كان قد روى عن غيره من الصحابة، فروى عن عمر كما في السُّنن الأربعة، وعن أُبَي وعن أبي ذر وأبي بكر عند ابن ماجه، وروى عن علي وعثمان و [سعد] (١) وأبي موسى وشريك وعائشة، وروى أيضًا عن أبيه وغيرهم في الصحيحين وغيرهما، وروى عنه خلائق، وقد كان رأس علماء التابعين وفقيههم، وُلد سنة خمس عشرة، وقيل: سبع عشرة. ومات سنة أربع وتسعين.
فَ "الَّذِي يُرْسِلُهُ" مبتدأ، خبره الجملة الطلبية وهي "اعْزُهُ"، أي: انْسبه، أو مفعول بفعل مُقَدَّر، أي: اعز الذي يُرسله وارْوِه عن صهره. على قاعدة الاشتغال في العربية، بل هذا أرجح؛ لأنَّ الإخبار بالجملة الطلبية قليل، والله تعالى أعلم.
ص:
٣٣٤ - وَمَنْ يَكُونُ تَابِعًا كبِيرَا ... كَمَا رَآه الشَّافِعِي تَحْرِيرَا
الشرح:
"مَنْ" هذه في موضع خفض عطفًا على "مَنْ" التي أضيف إليها "مُرْسَلُ" في قولي: (نَعَمْ، يَكُونُ حُجَّةً مُرْسَلُ مَنْ). والمراد استثناء هاتين الصورتين من رَد المراسيل:
إحداهما: مرسَل مَن لم يَروِ إلَّا عن العدول، كابن المسيب.
стр. 659
والثانية: مَن يروي عن العدول وغيرهم ولكنه تابعي كبير، فإنَّ الغالب في مِثله أنْ لا يروي إلَّا عن الصحابة، وهُم عدول، فالغلبة فيما سبق باعتبار نفس المرسل، وفي الثاني باعتبار نوع الرسل، فافترقا.
والتقييد بالتابعي الكبير هو ما قرَّره الشافعي وحرَّره في نَصه الآتي نقله عن "الرسالة" مبسوطًا وشرح ما يشكل منه. والمراد بالتابعي الكبير والصغير سبق بيانه قريبًا.
قولي: (تَحْرِيرَا) مفعول ثاني لِـ "رَأَى"، أيْ: رأَى الشافعي أنَّ هذا القيد هو المحرر. والله أعلم.
ص:
٣٣٥ - بِشَرْطِ أَنْ يَعْضُدَ كلًّا مُسْنَدُ ... أَوْ قَوْلُ أَوْ فِعْلُ الصَّحَابِي يَعْضُدُ
٣٣٦ - أَوْ وَفْقُهُ لِمَا يَقُولُ الْأَكثر ... أَوْ مُرْسَلٌ بِمِئْلِ هَذَا يُؤْثَرُ
٣٣٧ - عَمَّنْ رَوَى لَا عَنْ شُيُوخِ الْأوَّلِ ... أَوِ انْتِشَارٌ أَوْ قِيَاسٌ مُنْجَلِي
٣٣٨ - أَوْ عَمَلُ الْعَصْرِ بِهِ؛ فَيَحْصُلُ ... حُجَّيَّةُ الْمَجْمُوعِ لَا ذَا الْمُرْسَلُ
٣٣٩ - مُجَرَّدًا وَلَا الَّذِي لَهُ عَضَد ... مَا لَمْ يَكُنْ لِمُسْنَدٍ قَدِ اسْتَنَدْ
٣٤٠ - فِإنَّ كُلَّ وَاحِدٍ دَلِيل ... يَنْفَعُ في التَّرجِيحِ مَا [نقُولُ] (١)
الشرح:
المراد بقولي: (يَعْضُدَ كُلًّا) كل قسم من القسمين السابقين، وهذا على ما سبق من ترجيح أنَّ مرسَل سعيد بن المسيب ونحوه لا يُعمل به عند الشافعي إلا إذا اعتضد.
стр. 660
والحاصل أنَّ العمل بالمرسَل مطلقًا عنده لا بُد له من مُقَوٍّ.
نعم، شُرط في القسم الثاني زيادة على اشتراط المقوي ثلاثة شروط:
- كونْه مِن كبار التابعين، وقد صرحتُ به في البيت الذي قبله.
- وأن يكون بحيث لو سمَّى لم يُسَمِّ مجهولًا.
- وأنْ لا ينفرد عن الثقات بمعنى مُرسَله.
ولم أصرح بهما في النَّظم؛ لأنَّ الثالث يُفهَم مما سيأتي في "زيادة الثقة"، فإنه يدخل فيه الزائد عمَّا رواه الثقات وزيادة بعض حديث انفرد به عن الثقات. وإذا كان هذا في المسند لا يُقبَل إلَّا بشرط أنْ لا يخالفه الثقات في المعنى، ففي المرسَل أَوْلى.
وأما الثاني فيخرج مِن اشتراط كوْن التابعي كبيرًا؛ لأنَّ العِلَّة فيه إنما هي روايته غالبًا عن الصحابة، وهُم عدول، فهذا في الغالب إذا سمَّى لا يُسمي إلَّا مَن هو معلوم العدالة، لا مجهولها، وحينئذٍ فتصريح الشافعي بهما للإيضاح وللبيان الشافي في ذلك.
فلنذكر نَصه في "الرسالة" بحروفه؛ لِمَا اشتمل عليه من القواعد والفوائد، ونُبيِّن ما قد يحتاج إلى البيان وما تضمَّنه مِن صُوَر الاعتضاد، ثم نذكر ما زاد بعض أصحابه منها مما استُخرج من كلامه في غير ذلك، فأقول:
قال الشافعي ﵁ في باب "الحجة على تثبيت خبر الواحد" حيث ذكر أنه قال له قائل: فهل يقوم بالحديث المنقطع حُجة على مَن عَلِمه؛ وهل يختلف المنقطع؛ أو هو وغيره سواء؟ :
(فقلتُ له: المنقطع نحتلِف، فمَن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدَّث حديثا منقطعًا عن النبي ﷺ ، اعتُبِر عليه بأمور:
منها: أن يُنظر إلى ما أَرسل من الحديث، فإنْ شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى
стр. 661
رسول الله ﷺ بمثل معنى ما رَوى، كانت هذه دلالة على صحة مَن قَبِل عنه وحفظه.
وإنِ انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه مَن يسنده، قُبل ما ينفرد به مِن ذلك وُيعتَبر عليه بأنْ يُنظر هل يوافقه مُرسِلٌ غيرُه ممن قبل العِلم عنه مِن غير رجاله الذين قبل عنهم؛ فإنْ وُجد ذلك، كانت دلالة [تقوي] (١) له مرسَله، وهي أضعف من الأُولى.
فإنْ لم يوجد ذلك، نُظر إلى ما يُروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قولًا له يوافقه، فإنْ وُجِد يوافِق ما رَوى عن النبي ﷺ ، كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسَلَه إلَّا عن أصلٍ يصح إن شاء الله تعالى.
وكذلك إنْ وُجد عوام من أهل العلم يُفتون بمثل معنى ما رَوى عن النبي ﷺ .
ثم يُعتبر عليه بأنْ يكون إذا سَمى، لم يُسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيُستدل بذلك على صحته فيما يروي عنه.
ويكون إذا شَرِكَ أحدًا من الحفاظ في حديثه، لم يخالفه. فإنْ خالفه ووُجد حديثه أنقص، كانت في هذه دلائل على صحة مَخْرَج حديثه.
ومتى خالف ما وصفتُ، أضَر بحديثه، حتى لا يَسَع أحدًا منهم قبولُ مراسيله.
وإذا وُجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفتُ، أحببنا أنْ نَقبل مرسلَه، ولا نستطيع أن نزعم أنَّ الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل؛ وذلك أنَّ معنى المنقطع مُغَيَّب، يحتمل أنْ يكون حُمِلَ عمن يُرغَب عن الرواية عنه إذا سُمي، وأنَّ بعض المنقطعات -وإنْ وافقه مرسَلٌ مِثله- فَقدْ يحتمل أنْ يكون مخرجهما واحدًا مِن حيث لو سُمي لم يُقبل، وأنَّ قول بعض أصحاب النبي ﷺ إذا قال برأيه [أو] (٢) وافقه، لم تصح على مخرج الحديث دلالة قوية إذا نُظر فيها.
стр. 662
ويمكن أنه يكون إنما غلط فيه حين سمع بعض أصحاب النبي ﷺ ، ويحصل مِثل هذا فيمن [يوافقه عن بعض الفقهاء من بعض الفقهاء]) (١)(٢).
قال الشافعي: (فأما مَن بَعْد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب النبي ﷺ فلا أعلم واحدًا منهم يُقبل مرسلُه؛ لأمور:
أحدها: أنهم أشد تَجوُّزًا فيمن يروون عنه.
والآخر: أنهم تُؤخَذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة في الأخبار كان أمكن للوهم وضعف من يُقبل عنه) (٣). انتهى
وممن روى كلام الشافعي هذا: أبو بكر الخطيب في "الكفاية"، وأبو بكر البيهقي في "الدخل" بإسنادهما الصحيح إليه.
فقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان.
وقال الخطيب: (أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن محمد بن سلم، قال: أنا أحمد بن موسى الجوهري، ح. وأخبرنا محمد بن عبد العزيز الهمداني، قال: أخبرنا صالح بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن حمدان الطرائفي، قالا: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: المنقطع مختلف ... ) (٤) إلى آخِره.
стр. 663
ففيه ذكر الشروط الثلاثة السابقة.
ولا يُقال: إنَّ قوله: (ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى مَن روى عنه لم يُسم مجهولًا) إنما هو من العواضد كما زعمه الإمام في "المحصول" وأتباعه حتى لا يكون شرطًا في كل مرسَل.
لأنَّا نقول: لو أراد ذلك لقال: (وكذلك أن يكون إذا سمى) إلى آخِره، أو نحو ذلك، فعدوله إلى قوله: (ثم يعتبر) إلى آخِره - كالصريح في اعتباره في المرسل من حيث هو، والمعنى في اشتراطه مطلقًا واضح؛ ولهذا عطف عليه قوله: (ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ)؛ فإثه لا يصح أن يُجعل من المقويات، بل اشتراط أنَّ المرسَل إذا رُوي معناه من وجهٍ آخَر أنْ يكون مساويًا لِمَا رواه الثقات في المعنى، وهو معنى قوله أولًا: فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما رَوى. فإنْ خالفهم، اشترط أنْ تكون نحالفتهم له بالنقصان في المعنى.
فإن قيل: ففي "مختصر المزني" في حديث: "إذا كان الماء قُلتين، لم يحمل نجسًا" (١) أو قال: "خبثًا" (٢). أخرجه الشافعي بسنده، ثم قال: إنَّ ابن جريج روى بإسناد -لم يحضر الشافعي ذلك- بزيادة: "بِقلال هجر" (٣). وكذا قال في "الأم" و"المسند".
وقال ابن الأثير والرافعي في شرحيهما للمسند: إن الإسناد الذي لم يحضر الشافعي كما
стр. 664
ذكره أهل العلم بالحديث: محمد [بن] (١) يحيى بن عقيل، أن يحيى بن يعمر أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قُلتين بِقلال هجر" (٢) الحديث. وأخرجه كذلك الدارَقطني.
قال ابن الأثير: (وهو مرسل، فإنَّ يحيى تابعي مشهور). انتهى
فقد عمل الشافعي بالمرسل مع كونه مخالفًا للمسند بزيادة.
فالجواب: أنه أنقص معنًى؛ لعموم قوله: "قلتين" -الواقع في جواب الشرط- كل قلتين، فتخصيصه بِقلال هجر نقص معنوي، فهو أنقص.
وكذا يُجاب عن كل ما أشبه ذلك، كحديث: "قضى بالشاهد واليمين" (٣)، ونحوه.
والعلة في اشتراط عدم مخالفة المرسل رواية الثقات أنه لا يقوى حينئذٍ بما رووه، بل يضعف.
ثم حاصل ما في كلام الشافعي من المقويات أربعة:
أحدها: أن يأتي معناه مسندًا من طريق آخر، وهو أقوى الأربعة.
ويُعْلم من تعبير الشافعي فيه بقوله: (شَرِكهُ فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه) أنَّ مِن شرط ذلك المسند أنْ يكون صحيحًا، خِلافًا لما زعمه الإمام في "المحصول" أنَّ مراد الشافعي المسند الضعيف.
стр. 665
ثانيها: أن يوافقه مرسَلٌ أَخَذَ مَن أرسله العِلم مِن غيْر مَن أَخَذ منه مرسِلُ الأول.
ثالثها: أن يوافقه قول بعض الصحابة.
رابعها: أن يوافقه قول أكثر العلماء، وهو معنى قول الشافعي: (عوام من أهل العلم)؛ إذْ لم يَقُل: (عوام أهل العلم) حتى يكون إجماعًا، ولا قال: (بعض أهل العلم) حتى يكون أقَل.
وزاد الماوردي وغيره عن الشافعي: أن يوافقه قياس أو انتشار من غير دافع، أو عمل أهل العصر به، أو فِعل صحابي.
وهذا الأخير ربما رُوي في النص السابق، ففيه بعد ما سبق من المقويات ما لفظه: نُظر إلى ما يُروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قولاً له أو فعلاً.
لكن هذا داخل فيما ذكره الشافعي ثالثًا، وهو عمل بعض الصحابة، فإنه يشمل القول والفعل؛ فلذلك صرحتُ بهما في النَّظم، وذكرت هذه السبعة لا على ما وقع في ترتيب الشافعي كما تراه؛ لأجل النَّظم. وأسقطتُ التقوية بعمل أهل العصر؛ لأنه إذا كان قول الأكثر عاضدًا، فقول الكل أَوْلى، ويأتي فيه ما سنذكره في اجتماع المرسل والمسند من كونهما دليلين.
وزاد الماوردي تاسعًا: وهو أنْ لا يوجد دليل سواه.
ونقله أيضًا إمام الحرمين عن الشافعي، فقال: (وقد عثرتُ في كلامه على أنه إذا لم يجد إلَّا المرسَل مع الاقتران بالتعديل على الإجمال، عمل به) (١).
ورُدَّ بأنه لا يُعرف ذلك عن الشافعي.
وبالغ ابن السمعاني في التغليظ على الإمام، وقال: (أجمع كل مَن نقل عن الشافعي من
стр. 666
العراقيين والخراسانيين أنَّ أصله رذُ المراسيل، وأنها لا تُقبَل بنفسها بحال) (١).
وأيضًا فإن كان في نفسه حُجة، فلا حاجة لفقد الدليل. وإنْ لم يكن حُجة، فسواء وجُد دليل آخَر أوْ لا، ومثل هذا بعيد عن التعقل.
نعم، إنْ أُريدَ -على بُعْد- بفقد الدليل فقدُ دليل يُخالفه، فيرجع حاصله إلى أنه حُجة ضعيفة لا تقاوم شيئًا من الأدلة إلَّا البراءة الأصلية؛ لفقد غيرها، فإنها أضعف منه.
قلتُ: ورأيت في كلام الماوردي ما يرشد لذلك، فقال في "باب زكاة الفطر" في قول الشافعي: (أخبرنا مالك بن أنس، عن حميد بن قيس، عن طاووس أنَّ معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة):
(فإنْ قيل: حديث معاذ مرسل؛ لأنَّ طاووسًا ولد في زمن عمر، وكان له سَنة حين مات معاذ، والشافعي لا يقول بالمراسيل، فكيف يعتد بها؛ قيل: الجواب عنه من ثلاثة أوجُه).
إلى أن قال: (والجواب الثاني: أنَّ الشافعي يمنع مِن أخذ المراسيل إذا كان هناك مسند يعارضه، فإن كان مشتهرًا لا يعارضه فالأخذ به واجب) (٢). انتهى
نعم، تسميته لذلك "مرسلًا" إنما هو على طريقةٍ كما سبق، إلَّا أن يحمل على أنَ معاذًا إنما أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مُسنّة بأمر النبي ﷺ له بذلك حين وجَّهه إلى اليمن كما جاء في أصل الحديث، فإنه ينحل إلى رواية طاووس عن النبي ﷺ ؛ فهو مرسَل على كل حال على هذا التقرير.
ويمكن جواب آخَر عن قول الماوردي والإمام، وهو: أنَّ المرسَل إذا دل على منع شيء
стр. 667
مباح بالبراءة الأصلية، وجبَ أنْ يُكَف عنه احتياطًا، لا لكون المرسَل حُجة كما قاله إمام الحرمين في المجهول إذا روى خبرًا أنه يجب الانكفاف ويُبحث عن حاله، وقد سبقت المسألة.
وزاد بعضهم مقويًّا عاشرًا كما هو ظاهر عبارة "المحصول": أن يكون ممن سُبر مرسَلُه فوُجد مسندًا، كابن المسيب.
لكنه تفريع على أنَّ مرسَل ابن المسيب ونحوه يُحتج به بمجرده مِن غير انضمام عاضِدٍ، وسبق أنَّ الراجح خِلافه. وبتقدير التسليم فهو في الحقيقة مسند.
ومعنى قول الشافعي: (أحببنا) كما قال البيهقي: اخترنا. وكذلك قال القفال في "شرح التلخيص": إنَّ الشافعي يقول: "أحب" ويريد به الإيجاب.
ووقع في "تقريب" القاضي أبي بكر أنَّ معناه: الاستحباب، فيُفهم أنَّ الأخذ بالمرسَل عنده مستحب، لا واجب.
وضُعِّف بأن الشافعي لم يُرِد به قسيم الواجب؛ إذ ليس في الأدلة ما يُستحب الأخذ به ولا يجب، فالمراد قصوره عن رُتبة المسند كما صرح به عَقِبَهُ.
وأعجَبُ من ذلك قول النووي في "شرح الوسيط": (إنَّ المرسَل ليس بحجة عندنا، إلا أن الشافعي قال: يجوز الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين بشرط أن يعتضد بأحد أمور أربعة) إلى آخِره.
وهو إشارة إلى النّص، فعبَّر بالجواز تَعَلُّقًا بِقول الشافعي: (أحببنا)، لكن قد سبق المراد به، إذِ الجواز لا معنى له هنا؛ لأنه إنْ كان دليلاً، وجب العمل به، أو غير دليل، لا يجوز العمل به، اللهم إلا أن يريد النووي بالجواز أنه يسوغ الاستدلال به كسائر الأدلة، بمعنى أنه دليل، لا التخيير في تركه.
стр. 668
قولي: (فَيَحْصُلُ حُجَّيَّةُ الْمَجْمُوعِ) إلى آخِره -إشارة إلى سؤال مشهور أورده القاضي أبو بكر على الشافعي وتداوله الأصوليون، ونقله الإمام فخر الدين عن الحنفية، وتقريره:
- إنَّ المرسَل إذا أُسند مِن طريق آخَر، فالعمل بالمسنَد.
- وإنْ لم يسند وانضم إليه ما يكون حُجة (كعوام الفقهاء إنْ كان الشافعي أراد به الإجماع، وكالقياس الصحيح ونحوه)، فالعمل بالمنضم؛ لأنه حُجة على استقلاله.
- وإنْ لم ينضم إليه ما ليس بحجة (كمرسل آخَر، وقول صحابي، وفتوى الأكثر إنْ أراده الشافعي بقوله: "عوام من أهل العلم"، ونحو ذلك)، فقد انضم غير مقبول إلى مِثله؛ فلا حُجة فيهما.
فيجاب عن هذا الشق: بأنَّ المرسَل لَّمَا كان ضعيفًا، انجبر بما انضم إليه، وزال ضعفه بما يزيل التهمة فيه عن الراوي المحذوف، فالحجة بمجموع الأمرين كما يُفهمه قول الشافعي: (يقوي له مرسله).
وسبق تقرير الماوردي له بأن الحجة ليست في المرسَل وحده ولا في المنضم وحده.
وأما الجواب عن الشق الأول: فإن المسند إذا انضم إلى المرسل -كما قاله ابن الصلاح- كأنه بيَّن أن الساقط في المرسَل عَدْل محتج به، فوجب أن يكون دليلًا، ولا امتناع أن يكون للحكم دليلان، وتظهر فائدته في الترجيح عند التعارض.
وأما عند انضمام إجماع أو قياس فكذلك فيه دلالة على صحة سند المرسل، [فيكونان] (١) دليلين أيضًا، كما في انضمام المسند.
لكن في حالة انضمام إجماع نَظَر؛ فإنَّ الإجماع على وَفْق دليل لا يَلزم أنْ يكون مستندَه،
стр. 669
والقياس على وَفق شيء لا يَلزم منه صحته؛ لأنَّ الاعتماد في القياس على دليل الأصل المُقاس عليه؛ فلذلك لم أذكر في النَّظم إلا حالة انضمام المسند التي ذكرها ابن الصلاح، على أنَّ ابن الحاجب قد سلَّم ورود الاعتراض في هذا الشق، واقتصر على الجواب عن الشق الآخَر.
تنبيهان
أحدهما: مما ذكره الشافعي في كون المرسَل إذا لم يعتضد لا يكون حجة ما قال فيه: أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنَّ لي مالًا وعيالًا، وإنَّ لأبي مالًا وعيالًا ويريدُ أنْ يأخذَ مالي فيُطعم عياله؛ فقال رسول الله ﷺ : أنت ومالك لأبيك" (١).
قال الشافعي: محمد بن المنكدر غاية في الثقة والفضل والدِّين والورع، ولكن لا ندري عمن قبل هذا الحديث.
الثاني: هل تنحصر التقوية فيما ذُكر؟ أوْ لنا أن نُقوي بغيرها إذا ظهر؟
الظاهر: نعم؛ لأن المراد معلوم. ويحتمل المنع؛ لأنها من تخريج الراسخين في العِلم العالمين بمواقع الانجبار ومناسبة الجوابر، وفي هذه الأزمان قَصُرَت الأفهام عن التدقيق، فَيبعُد الإتيان بمثلها، والله تعالى يؤتي الحكمة مَن يشاء، ويختص بفضله مَن يريد، والله أعلم.
стр. 670
ص:
٣٤١ - وَالْأَخْذُ بِالَّذِي يَقُولُ الصَّاحِبُ: ... "قَالَ رَسُولُ اللهِ" حُكْم وَاجِبُ
الشرح:
لَمَّا كان الاتصال شرطًا في السند ليتحقق اجتماع الشروط كما سبق، وَجبَ أن يكون للراوي عن غيره صيغة تدل على عدم الوسط:
- صريحة: نحو: "حدَّثني" و"أخبرني" و"سمعتُ" و"رأيتُ"، ونحو ذلك، وهذه أرفع الدرجات، سواء في الصحابي وغيره وإنْ قصرها الإمام الرازي وأتباعه على ألفاظ الصحابي.
- أو راجحة من احتمالين: وعليها اقتصرتُ في النظم، لأنَّ الأُولى واضحة.
لكن لغير [الصريح] (١) مراتب وهي في الصحابي، وأما غيره فسنتعرض لِمَا يمكن أن يجرى فيه من ذلك.
فالمرتبة الأولى: إذا قال الصحابي: "قال رسول الله ﷺ " أو "فعل كذا" أو نحو ذلك، وجب أن يحمل على الاتصال، وأنْ لا واسطة بينهما، فيكون ذلك حُكمًا شرعيًّا يجب العمل به.
ويُعبر عن هذه المسألة بِ: مُرسَل الصحابي هل هو حُجة؛ أوْ لا؟
الأكثرون أنه حُجة، خلافًا لما يُحكى عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني أنه ليس بحجة إلا أن يقول إنه لا يروي إلا عن صحابي، أي: فيما لا يمكنه إدراكه وأمما، (٢) يمكن أنه لا يروى إلا عن النبي ﷺ ، أو يعتضد بما سبق في مراسيل التابعين.