← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

العراقيين والخراسانيين أنَّ أصله رذُ المراسيل، وأنها لا تُقبَل بنفسها بحال) (١). وأيضًا فإن كان في نفسه حُجة، فلا حاجة لفقد الدليل. وإنْ لم يكن حُجة، فسواء وجُد دليل آخَر أوْ لا، ومثل هذا بعيد عن التعقل. نعم، إنْ أُريدَ -على بُعْد- بفقد الدليل فقدُ دليل يُخالفه، فيرجع حاصله إلى أنه حُجة ضعيفة لا تقاوم شيئًا من الأدلة إلَّا البراءة الأصلية؛ لفقد غيرها، فإنها أضعف منه. قلتُ: ورأيت في كلام الماوردي ما يرشد لذلك، فقال في "باب زكاة الفطر" في قول الشافعي: (أخبرنا مالك بن أنس، عن حميد بن قيس، عن طاووس أنَّ معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة): (فإنْ قيل: حديث معاذ مرسل؛ لأنَّ طاووسًا ولد في زمن عمر، وكان له سَنة حين مات معاذ، والشافعي لا يقول بالمراسيل، فكيف يعتد بها؛ قيل: الجواب عنه من ثلاثة أوجُه). إلى أن قال: (والجواب الثاني: أنَّ الشافعي يمنع مِن أخذ المراسيل إذا كان هناك مسند يعارضه، فإن كان مشتهرًا لا يعارضه فالأخذ به واجب) (٢). انتهى نعم، تسميته لذلك "مرسلًا" إنما هو على طريقةٍ كما سبق، إلَّا أن يحمل على أنَ معاذًا إنما أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مُسنّة بأمر النبي ﷺ له بذلك حين وجَّهه إلى اليمن كما جاء في أصل الحديث، فإنه ينحل إلى رواية طاووس عن النبي ﷺ ؛ فهو مرسَل على كل حال على هذا التقرير. ويمكن جواب آخَر عن قول الماوردي والإمام، وهو: أنَّ المرسَل إذا دل على منع شيء

стр. 667

مباح بالبراءة الأصلية، وجبَ أنْ يُكَف عنه احتياطًا، لا لكون المرسَل حُجة كما قاله إمام الحرمين في المجهول إذا روى خبرًا أنه يجب الانكفاف ويُبحث عن حاله، وقد سبقت المسألة. وزاد بعضهم مقويًّا عاشرًا كما هو ظاهر عبارة "المحصول": أن يكون ممن سُبر مرسَلُه فوُجد مسندًا، كابن المسيب. لكنه تفريع على أنَّ مرسَل ابن المسيب ونحوه يُحتج به بمجرده مِن غير انضمام عاضِدٍ، وسبق أنَّ الراجح خِلافه. وبتقدير التسليم فهو في الحقيقة مسند. ومعنى قول الشافعي: (أحببنا) كما قال البيهقي: اخترنا. وكذلك قال القفال في "شرح التلخيص": إنَّ الشافعي يقول: "أحب" ويريد به الإيجاب. ووقع في "تقريب" القاضي أبي بكر أنَّ معناه: الاستحباب، فيُفهم أنَّ الأخذ بالمرسَل عنده مستحب، لا واجب. وضُعِّف بأن الشافعي لم يُرِد به قسيم الواجب؛ إذ ليس في الأدلة ما يُستحب الأخذ به ولا يجب، فالمراد قصوره عن رُتبة المسند كما صرح به عَقِبَهُ. وأعجَبُ من ذلك قول النووي في "شرح الوسيط": (إنَّ المرسَل ليس بحجة عندنا، إلا أن الشافعي قال: يجوز الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين بشرط أن يعتضد بأحد أمور أربعة) إلى آخِره. وهو إشارة إلى النّص، فعبَّر بالجواز تَعَلُّقًا بِقول الشافعي: (أحببنا)، لكن قد سبق المراد به، إذِ الجواز لا معنى له هنا؛ لأنه إنْ كان دليلاً، وجب العمل به، أو غير دليل، لا يجوز العمل به، اللهم إلا أن يريد النووي بالجواز أنه يسوغ الاستدلال به كسائر الأدلة، بمعنى أنه دليل، لا التخيير في تركه.

стр. 668

قولي: (فَيَحْصُلُ حُجَّيَّةُ الْمَجْمُوعِ) إلى آخِره -إشارة إلى سؤال مشهور أورده القاضي أبو بكر على الشافعي وتداوله الأصوليون، ونقله الإمام فخر الدين عن الحنفية، وتقريره: - إنَّ المرسَل إذا أُسند مِن طريق آخَر، فالعمل بالمسنَد. - وإنْ لم يسند وانضم إليه ما يكون حُجة (كعوام الفقهاء إنْ كان الشافعي أراد به الإجماع، وكالقياس الصحيح ونحوه)، فالعمل بالمنضم؛ لأنه حُجة على استقلاله. - وإنْ لم ينضم إليه ما ليس بحجة (كمرسل آخَر، وقول صحابي، وفتوى الأكثر إنْ أراده الشافعي بقوله: "عوام من أهل العلم"، ونحو ذلك)، فقد انضم غير مقبول إلى مِثله؛ فلا حُجة فيهما. فيجاب عن هذا الشق: بأنَّ المرسَل لَّمَا كان ضعيفًا، انجبر بما انضم إليه، وزال ضعفه بما يزيل التهمة فيه عن الراوي المحذوف، فالحجة بمجموع الأمرين كما يُفهمه قول الشافعي: (يقوي له مرسله). وسبق تقرير الماوردي له بأن الحجة ليست في المرسَل وحده ولا في المنضم وحده. وأما الجواب عن الشق الأول: فإن المسند إذا انضم إلى المرسل -كما قاله ابن الصلاح- كأنه بيَّن أن الساقط في المرسَل عَدْل محتج به، فوجب أن يكون دليلًا، ولا امتناع أن يكون للحكم دليلان، وتظهر فائدته في الترجيح عند التعارض. وأما عند انضمام إجماع أو قياس فكذلك فيه دلالة على صحة سند المرسل، [فيكونان] (١) دليلين أيضًا، كما في انضمام المسند. لكن في حالة انضمام إجماع نَظَر؛ فإنَّ الإجماع على وَفْق دليل لا يَلزم أنْ يكون مستندَه،

стр. 669

والقياس على وَفق شيء لا يَلزم منه صحته؛ لأنَّ الاعتماد في القياس على دليل الأصل المُقاس عليه؛ فلذلك لم أذكر في النَّظم إلا حالة انضمام المسند التي ذكرها ابن الصلاح، على أنَّ ابن الحاجب قد سلَّم ورود الاعتراض في هذا الشق، واقتصر على الجواب عن الشق الآخَر. تنبيهان أحدهما: مما ذكره الشافعي في كون المرسَل إذا لم يعتضد لا يكون حجة ما قال فيه: أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنَّ لي مالًا وعيالًا، وإنَّ لأبي مالًا وعيالًا ويريدُ أنْ يأخذَ مالي فيُطعم عياله؛ فقال رسول الله ﷺ : أنت ومالك لأبيك" (١). قال الشافعي: محمد بن المنكدر غاية في الثقة والفضل والدِّين والورع، ولكن لا ندري عمن قبل هذا الحديث. الثاني: هل تنحصر التقوية فيما ذُكر؟ أوْ لنا أن نُقوي بغيرها إذا ظهر؟ الظاهر: نعم؛ لأن المراد معلوم. ويحتمل المنع؛ لأنها من تخريج الراسخين في العِلم العالمين بمواقع الانجبار ومناسبة الجوابر، وفي هذه الأزمان قَصُرَت الأفهام عن التدقيق، فَيبعُد الإتيان بمثلها، والله تعالى يؤتي الحكمة مَن يشاء، ويختص بفضله مَن يريد، والله أعلم.

стр. 670

ص: ٣٤١ - وَالْأَخْذُ بِالَّذِي يَقُولُ الصَّاحِبُ: ... "قَالَ رَسُولُ اللهِ" حُكْم وَاجِبُ الشرح: لَمَّا كان الاتصال شرطًا في السند ليتحقق اجتماع الشروط كما سبق، وَجبَ أن يكون للراوي عن غيره صيغة تدل على عدم الوسط: - صريحة: نحو: "حدَّثني" و"أخبرني" و"سمعتُ" و"رأيتُ"، ونحو ذلك، وهذه أرفع الدرجات، سواء في الصحابي وغيره وإنْ قصرها الإمام الرازي وأتباعه على ألفاظ الصحابي. - أو راجحة من احتمالين: وعليها اقتصرتُ في النظم، لأنَّ الأُولى واضحة. لكن لغير [الصريح] (١) مراتب وهي في الصحابي، وأما غيره فسنتعرض لِمَا يمكن أن يجرى فيه من ذلك. فالمرتبة الأولى: إذا قال الصحابي: "قال رسول الله ﷺ " أو "فعل كذا" أو نحو ذلك، وجب أن يحمل على الاتصال، وأنْ لا واسطة بينهما، فيكون ذلك حُكمًا شرعيًّا يجب العمل به. ويُعبر عن هذه المسألة بِ: مُرسَل الصحابي هل هو حُجة؛ أوْ لا؟ الأكثرون أنه حُجة، خلافًا لما يُحكى عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني أنه ليس بحجة إلا أن يقول إنه لا يروي إلا عن صحابي، أي: فيما لا يمكنه إدراكه وأمما، (٢) يمكن أنه لا يروى إلا عن النبي ﷺ ، أو يعتضد بما سبق في مراسيل التابعين.

стр. 671

وهذا بناء على المشهور في تعليل المنع بأن الصحابي قد يروي عمن لا تُعلم عدالته ما لم يُنقَّب عنها كالتابعين، ومقابِله تعليل القرافي ذلك باحتمال روايته عن صحابي قام به مانع، كماعز وسارق رداء صفوان، ولا يَخفى ما فيه من نظر. وفي بعض كُتب الحنفية التصريح بأنه لا خلاف في الاحتجاج به، وكذا في "النهاية" للهندي أنه لا يتجه في قبوله خلاف، قال: لظهوره في الرواية عنه ﷺ ، وبتقدير روايته عن الصحابة فغير قادح؛ لثبوت عدالتهم، وأما احتمال رواية الصحابي عن تابعي فنادِر. وقد جرى على نحو هذا السبكي في شرح "المختصر" حيث قال ابن الحاجب: (إنه محمول على أنه سمعه منه، وقال القاضي: متردد). أيْ: بيْن ذلك وبين أن يكون سمعه من غيره عنه ﷺ ، بناء على عدالة الصحابة. أي: فإنْ قُلنا: الكل عدول، قُبل، وإلَّا كان كمرسل التابعي، بل يحتمل أن يكون الصحابي سَمعه مِن تابعي [عن] (١)، صحابي (٢) فقال: (هذا الذي نقله المصنف عن القاضي تبع فيه الآمدي، ولا نعرفه، والذي نَص عليه القاضي في "التقريب" حَمْلُ "قال" على السماع ولم يَحْكِ فيه خلافًا، بل ولا أحفظُ عن أحدٍ فيه خِلافًا) (٣). انتهى وهو عجيب؛ فإن ظاهر إطلاق الغزالي وابن برهان وغيرهما أن الشافعي يَرُد المرسل مطلقًا ولو كان مرسل صحابي إلَّا بانضمام مقوٍّ، وأنَّ الذي يحتج بمرسل الصحابة إنما هو بعض المنكرين للمرسَل، وكذا قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": إنَّ مذهب الشافعي

стр. 672

رد [المراسيل] (١) مطلقًا. ومن أصحابه مَن يقول: إنَّ مذهبه قبول مراسيل الصحابة. وفي "الوسيط" لابن برهان: (اختلف أصحابنا في مراسيل الصحابة، فمنهم مَن قال: إنها مقبولة؛ لأنَّ الشافعي قد قبل مراسيل سعيد، فلأنْ يَقبل ذلك مِن الصحابة أَوْلى. ومنهم مَن قال: لا يُقبل؛ لأنَّ الشافعي ما قَبِل المراسيل، وإنما عمل بمراسيل سعيد؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة، فقبلها من حيث الإسناد، لا من حيث الإرسال. وهذا هو الأصح). انتهى ونقله سليم عن الأشعري وأن الشيخ أبا إسحاق حكاه في "التبصرة" عن الأشعرية، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة ونقله أيضًا عن الأشعرية، وقد حكى الخلاف أيضًا بعض المحدثين. نعم، ابن الصلاح جَزَم بأنَّ ذلك في حُكم الموصول المسند، لكنه فرض المسألة في أحداث الصحابة، ويؤخَذ منه أن كبار الصحابة مِن باب أَوْلى. وكذلك مَثَّله النووي في "شرح مسلم" بقول عائشة ﵂: "أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة" (٢). وهي من كبار الصحابة، [فقد] (٣) روت قضية لا يمكن أن تكون حضَرتها؛ فيُحمل على أنه ﷺ حدَّثها بذلك. وإنما قَبِلنا مراسيل الصحابة -كما قال ابن الصلاح- لأنَّ روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول. وما أشار إليه من روايتهم عن الصحابة إنما هو بحسب الغالب، وربما كانت روايتهم عن التابعين، وقد ذكر الخطيب فيما صَنَّفه فيمن روى مِن الصحابة عن التابعين نحو ثلاث

стр. 673

وعشرين رواية وإن كان الغالب أنها إسرائلي أو موقوف أو حكاية، والمرفوع من ذلك قليل. كحديث سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، فجاء ابن أم مكتوم" (١) الحديث. رواه البخاري. وحديث السائب بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَن نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل" (٢). رواه مسلم. وحديث يعلى بن أمية، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أخته أم حبيبة ﵂، عن النبي ﷺ : "مَن صلَّى ثنتي عشرة ركعةً بالنهار أو بالليل، بُني له بيت في الجنة" (٣). رواه النسائي. وغير ذلك مما يطول ذكره، والله تعالى أعلم. ص: ٣٤٢ - وَ"عَنْ" وَ"أَنَّ" وَالَّذِي كَ "أُمِرَا" ... أَوْ "حُرِّمَ" اوْ"رُخِّصَ" فِيمَا أُثِرَا الشرح: هذه المرتبة الثانية من ألفاظ الصحابي المحتملة للاتصال -بِرُجْحان- ولغَيْره. أن يقول الراوي عن الصحابي بَعْد ذِكره: "عن النبي ﷺ "، أو: "عن رسول الله".

стр. 674

أو يقول: "أنَّ النبي- أو: رسول الله ﷺ قال كذا"، أو: "فَعل كذا". فأما "عَنْ " فتكون فيما بين الصحابي والنبي ﷺ ، وفيما بين من دُونه وبين مَن فوقه. وُيسمَّى ذلك كله عند المحدثين "العنعنة"، وهي: إيراد الحديث بلفظ "عن" مِن غير تصريح بالتحديث. قال ابن الصلاح: (عَدَّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره) (١). أي: محتجًّا بأنه لَمَّا احتمل الاتصالَ والانقطاعَ، احْتيط في أمره وجُعل مُرْسَلاً إنْ كان مِن قِبَل الصحابي، ومنقطعًا إنْ كان مِن قِبَل غيْره. وأُجيب بأنَّ "عن" لا بُد لها من متعلق كـ "رَوى" أو "حدَّث" أو نحوه، فيكون متصلًا. قال ابن الصلاح: (والصحيح الذي عليه الجمهور أنه من قبيل الإسناد المتصل، أي: حتى لو تَبيَّن عدم اتصاله بوجه آخَر، يكون ذلك كالإرسال الخفي. وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه، وكاد ابن عبد البر يَدَّعي إجماع أئمة الحديث على ذلك) (٢). انتهى ولا حاجة [إلى قوله] (٣): (كاد يدعي)؛ فقد ادَّعاه صريحًا في مقدمة "التمهيد"، فقال: (اعلَم -وفقك الله- أني تأملتُ أقاويل أئمة الحديث ونظرتُ في كتب مَن اشترط الصحيح في النقل ومَن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمعَ شروطا ثلاثة، وهي: عدالة المخبرين، ولقاء بعضهم بعضا مجالسةً ومشاهدةً،

стр. 675

وأن يكونوا بُرَآءَ من التدليس). ثم قال: (وهو قول مالك وعامة أهل العلم) (١). انتهى قال ابن الصلاح: (وادَّعى أبو عمرو الداني المقرئُ الحافظ إجماعَ أهل النقل على ذلك) (٢). قلمتُ: وكذلك أيضًا ادَّعى مسلم الإجماع في خطبة "الصحيح" وإنِ اعترض عليه في ذلك. نعم، يُشترط في غير الصحابة ما سبق نَقله عن ابن عبد البر ثلاثة شروط، وذكرها أيضًا ابن الصلاح سِوى شرط العدالة، فإنه لم يذكره؛ لأنه شرط في الاحتجاج بالحديث، لا في كَونه متصلًا؛ ولذلك لا يتعرضون له في تعريف "المتصل" ونحوه. وجرى البيضاوي والهندي على تصحيح الاتصال فيما إذا كانت العنعنة بين الصحابي والنبي ﷺ ، ومُقَابِلُه التوقّف كما اقتضاه "المحصول". وأمَّا "أنَّ" فقال ابن الصلاح: (اختلفوا في قول الراوي: "أنَّ فلانًا قال كذا وكذا" هل هو بمنزلة "عن" في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه الانقطاع؛ مثاله: مالك عن الزهري أنَّ سعيد بن المسيب قال كذا) (٣). قلمتُ: في كون محل النزاع مثل ما ذكره من التصريح بعد "أنَّ" بلفظ "قال" ونحوه- نَظَرٌ؛ فإنَّ ذلك لا ينحط عن درجة "قال" المجردة عن "أنَّ"؛ إذْ لم يَرِد فيه (٤) إلا ما يدل على

стр. 676

التأكيد. والذي يظهر أن يكون محل النزاع أنْ يقول -مَثلًا- فلان: (أنَّ فلانًا فَعل كذا) أو: (قال لفلان كذا)، أو نحو ذلك مِن غير أنْ يذكر لفظًا يدل على أنه حدَّثه بذلك أو سمعه منه. قال ابن الصلاح: (ورُوينا عن مالك أنه كان يرى "عن فلان" و"أنَّ فلانًا" سواء، وعن أحمد: [لَيْسَا] (١) سواء) (٢). انتهى واعتُرض عليه بأنَّ أحمد لم يَقُل ذلك كما رواه الخطيب في "الكفاية" بسنده إلى أبي داود فيما قيل له: إنَّ رجُلًا قال: "عروة أنَّ عائشة قالت: يا رسول الله"، و"عروة عن عائشة" سواء. فقال: ليس هذا بسواء. أي: لأنَّ عروة في الأول استند إلى قول عائشة ولا أدرك القصة؛ فكان منقطعًا، و"عن" بمجرفى ها تدل على التحديث، ولا إشكال في ذلك، فكان متصلًا. فلو قال: (أنَّ عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله)، كان متصلًا. وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أنَّ "عن" و"أنَّ" سواء، وعن البرديجي أبي بكر أنَّ حرف "أنَّ" محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بِعَيْنه من جهة أخرى. قال ابن عبد البر: (وعندي لا معنى لهذا؛ لإجماعهم على أنَّ الإسناد المتصل بالصحابب سواء قال: "قال رسول الله ﷺ " أو "أنَّ رسول الله" أو "عن رسول الله" أو "سمعتُ") (٣). انتهى

стр. 677

قال ابن الصلاح: (ووجدتُ مثل ما حكاه عن البرديجي للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في "مسنده " الفحل، فإنه ذكر فيه ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار قال: "أتيتُ النبي ﷺ وهو يُصلي فسلمت عليه، فَرَدَّ عليّ السلام" (١)، وجعله مسندًا موصولًا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: "أنَّ عمارًا مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يصلي" (٢)، فجعله مرسَلًا) (٣). وأُجيب عن ذلك بمثل ما سبق في قول أحمد؛ وذلك لأنَّ ابن الحنفية لم يُسند القصة إلى قول عمار، ولو قال: أنَّ عمارًا قال: (مررتُ بالنبي ﷺ ) لَمَا كان مرسلاً، ولكنه لَمَّا قال: (أنَّ عمارًا مَر)، كان حاكيًا لقصة لم يدركها، فتحَصَّلَ أنه ليس في كلام ابن أبي شيبة ولا أحمد ما يدل على الاستواء، إلا أن يريدا ما سبقت الإشارة إليه من أنَّ "عن" تتعلق بِـ "حدَّث" أو "قال" محذوفة، ولا كذلك "أنَّ"؛ فافترقا. ويظهر أثر هذا الفرق في نحو حديث عائشة في بدء الوحي، فإنه مرسَل صحابي كما قاله النووي كما سبق؛ لأنها لم تسنده إلى قول النبي ﷺ ولا أدركَتْ الواقعة. ولو أُتِي هنا بِ "عن" بدل "أنَّ" كما لو قيل: (عائشة عن النبي ﷺ : أول ما بُدئَ به الوحي) إلى آخره، كان ذلك ظاهرًا في أنه ﷺ حدَّثها بذلك أو سَمعَته يقوله وإنْ لم يُؤتَ في ذلك بلفظ "قال" ونحوه. فالضابط كما قاله ابن عبد البر أنَ الراوي لقضية: - إنْ أمكن أن يكون أدركها، حُكِم بالاتصال.

стр. 678

- أو لم يدركها وكان صحابيًّا، فمرسل صحابي. - أو تابعيًّا، حُكِم بالانقطاع، إلا أنْ يُسندها إلى صحابي. وممن حكى اتفاق أهل النقل على ذلك أبو عبد الله بن المواق، فذكر من عند أبي داود حديث عبد الرحمن بن طرفة: "أنَّ جدَّه عرفجة قُطع أنفه يوم الكُلَاب" (١) الحديث، وقال: إنه عند أبي داود هكذا مرسَل. قال: وقد نبه ابن السكن على إرساله. قال: وهذا بيِّن، لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى. كذلك إذا عُلم أنَّ الراوي لم يدرك زمان القصة كما في هذا الحديث ونحوه. قولي: (وَالَّذِي كـ "أُمِرَا" أَوْ "حُرمَ" اوْ "رُخِّصَ") هو بضم أولها على البناء للمفعول، والمراد مِن ذلك أن الصحابي إذا قال: (أُمرنا بكذا) أو (نُهينا عن كذا) أو (رُخص لنا في كذا) أو: (حُرم علينا كذا)، يكون ذلك محمولًا على الاتصال، أي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم ونهاهم ورَخص لهم وحَرم عليهم تبليغًا عن الله ، وإنْ كان يحتمل أنَّ ذلك من بعض الخلفاء لكنه بعيد" فإن المشَرِّع لذلك هو صاحب الشرع. هذا قول الشافعي وأكثر الأئمة، خلافا للصيرفي والإسماعيلي وإمام الحرمين وللكرخي والرازي من الحنفية ولأكثر مالكية بغداد، ونقله ابن القطان عن نَص الشافعي في الجديد وأنَّ القول بأنه مرفوع هو القديم. وحكى ابنُ السمعاني قولًا ثالثًا بالوقف، وابنُ الأثير في أول "جامع الأصول" قولًا رابعًا: إنْ كان من قول أبي بكر الصديق فمرفوع؛ لأنه لم يتأمَّر عليه غيرُه، أو مِن قول غيره فلا.

стр. 679

وفي "شرح الإلمام": إنْ كان قائله من أكابر الصحابة كابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ ابن جبل ﵁، وفي معناهم مَن كَثُر إلمامُهم بالنبي ﷺ وملازمتهم، كأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس. وأمَّا غير هؤلاء فالاحتمال فيهم قوي. ثم قال القاضي في "التقريب": إنه لا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في زمنه ﷺ أو بعده. أما لو قال التابعي ذلك فقد تردد الغزالي بين كونه موقوفًا أو مرفوعًا مرسَلًا، وجزم ابن عقيل من الحنابلة بأنه مرسل. تنبيهان أحدهما: عُلم من ذلك أنه إذا صرح الصحابي بالفاعل، يكون متصلاً مِن باب أَوْلى، بأنْ يقول: (أَمرنا رسول الله ﷺ )، أو: (نهانا)، أو: (حَرم علينا)، أو: (فَرض)، أو: (رَخص)، أو نحوه، وأنَّ ذلك مِثل "قال". وقد سبق بيان ما فيه؛ لأنه مرسل صحابي، إلا أنَّ هذا يطرقه أمر آخَر من حيث يحتمل أنْ يَظن ما ليس بأمرٍ أمرًا، لكنه بعيد، فلذلك ذهب الجمهور إلى أنه حُجة. وخالف داود، فقال: لا يُحتج به حتى ينقل لفظ الرسول. ونازع ابنُ بيان -من أصحاب داود- في ثبوت ذلك عن داود. أمَّا حملُ لفظ الأمر على الوجوب والنهي على التحريم أوْ لا فسيأتي في محله من باب "الأمر والنهي". وفي المسألة مذهب ثالث بالتفصيل بين أن يكون الناقل له من أهل المعرفة باللغة فيجعل قوله: (أمر) -ونحوه- كحكاية لفظ النبي ﷺ ، أوْ لا يكون كذلك فلا. حكاه القاضي في

стр. 680

"التقريب" وإمامُ الحرمين في "التلخيص". قال القاضي: والصحيح عندنا أنه إن كان المعنى المنقول بحيث تعتور عليه العبارات المختلفة فلا نجعل نقله ذلك كقوله ﷺ ، وإلَّا فلا. ثم هل يحمل ذلك على أمر العموم ونهيهم؛ أو على خصوص؛ أو [يُوقف] (١)؛ اختار القاضي الوقف. قال ابن القشيري: جرى فيه على معتقده في الوقف. الثاني: من أمثلة القسم الأول وهو البني للمفعول: "أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (٢). رواه البخاري وغيره عن أنس. وقول أم عطية ﵄: "أُمرنا أن نخرج في العيدين الحيَّض وذوات الخدور، وأُمر الحيضُ أن يعتزلن مصلى المسلمين" (٣). وقولها أيضًا: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعزم علينا" (٤). وكلاهما في الصحيحين. وفي حديث زيد بن ثابت في "النسائي": "أُمروا أن يُسبحوا دُبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" (٥). وفي "مسلم" عن عائشة: "أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد، فسبوهم" (٦).

стр. 681

وفي "البخاري" عن أنس: "حُرمت علينا الخمر، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامَّةُ خمرنا البُسر" (١). وفي أبي داود والترمذي عن عمار ﵁: "رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفرَ إِذَا حَاضَتْ" (٢). وأما أمثلة المبنى للفاعل مصرحًا به فكثيرة: كحديث عبد الله بن مغفل في "مسلم": "أَمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب" (٣) الحديث. وحديث البراء بن عازب في الصحيحين: "أَمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع" (٤) الحديث. وحديث عقبة بن عامر في "أبي داود" و"الترمذي" و ["النسائي"]) (٥): "أَمرني النبي ﷺ أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة" (٦). وحديث أبي هريرة في ["مسلم"] (٧): "حَرم رسول الله ﷺ ما بين لابَتَي المدينة" (٨).

стр. 682

وحديث جابر في مسلم أيضًا: "رَخص النبي ﷺ لآل عمرو بن حزم في الرقية" (١) الحديث. إلى غير ذلك، والله أعلم. ص: ٣٤٣ - وَقَول رَاوٍ في الصَّحَابِي الْمُنْتَبِهْ: ... "يَرْفَعُهُ"، "يَنْمِيهِ"، أو "يَبْلُغُ بِهْ" الشرح: من الألفاظ المتعلقة برواية الصحابي وإن لم يذكر فيها لفظه: أنْ يقول راوي الحديث عنه: (يرفعه)، أو: (ينميه)، أو: (يبلغ به)، فإنه محمول على أنه يرفعه للنبي ﷺ أو ينميه عنه (أي: ينقله ويعزوه إليه) أو يبلغ به (أي: يبلغ به منتهى الحديث وهو كوْنه عن النبي ﷺ ). قال ابن الصلاح: (حُكم ذلك عند أهل العلم حُكم المرفوع صريحًا) (٢). وذلك كقول سعيد بن جبير: عن ابن عباس: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيَّة نار". ثم قال: رفع الحديث (٣). رواه البخاري. وكحديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به، قال: "الناس تبع لقريش" (٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة رواية: "تقاتلون قومًا صغار الأعين" (٥) الحديث.

стр. 683

وروى مالك في "الموطأ" عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يؤمَرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". قال أبو حازم: الا أعلم إلا أنه ينمِي دلك) (١). قال مالك: رَفعَ ذلك. هذه رواية عبد الله بن يوسف. ورواه البخاري من حديث القعنبي عن مالك بلفظ: "يَنْمِي ذلك للنبي ﷺ " (٢). فصرح بالرفع. والمراد بقولي: (رَاوٍ في الصَّحَابِي) الراوي عن الصحابي، أما إذا لم يكن الراوي أدرك الصحابي فالحديث مرفوع منقطع، وكذا إذا كان مَن دُون التابعي -مثلًا- يقول عن التابعي: (إنه يرفعه) أو: (ينميه) أو: (يبلغ به)، فهو مرسل؛ لسقوط الصحابي، والله أعلم. ص: ٣٤٤ - وَهَكَذَا قَوْلُ الصَّحَابِي يَأْثِره: ... "إنَّ مِنَ السُّنَّةِ ذَا" وَيَذْكُرهُ الشرح: أي: من ألفاظ الصحابي أن يقول: (مِن السُّنَّة كذا)، ويذكره، فإنه أيضًا محمول على الرفع عند الاكثرين، وأن المراد سُنَّة النبي ﷺ ، أي: شرعُه الذي تلقَّاه الصحابة عنه. وذلك مثل قول علي ﵁: "مِن السُّنَّة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة" (٣). رواه أبو داود في رواية ابن داسة وابن الأعرابي. قال ابن الصلاح: (فالأصح أنه مُسْنَدٌ مرفوع؛ لأنَّ الظاهر أنه لا يريد به إلا سُنَّة رسول

стр. 684

الله ﷺ وما يجب اتِّباعه) (١). وحكى ابن الصباغ في "العدة" عن أبي بكر الصيرفي وأبي الحسين الكرخي وغيرهما أنهم قالوا: (يحتمل أن يريد به سُنَّة غير النبي ﷺ ؛ فلا يُحمل على سُنته). انتهى. ونقل هذا إمام الحرمين عن المحققين، وجرى عليه القشيري. وقال الماوردي: (إنَّ القول الجديد للشافعي أنه مجمل، وإنَّ كوْنه محمولًا على سُنَّة النبي ﷺ هو القول القديم). انتهى وحكى نحوه ابن فورك وسليم في "التقريب" وابن القطان والصيدلاني في "شرح المختصر" في باب "أسنان إبل الخطا" وغيرهم، حتى قيل: إنها من المسائل التي يفتى فيها بالقديم في الأصول. لكن المشهور أن هذا هو الجديد، فإن الشافعي قال في القديم: المرأة تُعاقِل الرجل إلى ثلث الدية. أي: تساويه في العقل. فإنْ زاد الواجب على الثلث، صارت على النصف. قال الشافعي في الجديد: كان مالك يذكر أنه السُّنَّة، وكنت أتابعه على ذلك وفي نفسي منه شيء، حتى علمتُ أنه يريد سُنَّة أهل المدينة، فرجعتُ عنه. فَدَلَّ هذا على أنَّ عنده أنَّ مَن يقول: (السُّنَّة كذا) إنما يعني به سُنَّة النبي ﷺ ، سواء الصحابي أو مَن دُونه -إلا أنَّ مَن دُون الصحابي يكون مُرْسلًا- ما لم يتبين أنَّ القائل: (مِن السُّنة كذا) لا يريد به سُنة النبي ﷺ . ومثله ما قال الشافعي أيضًا: وقد روي عن سفيان عن أبي الزناد قال: سألتُ سعيد بن المسيب أنَّ الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما؟ قال أبو الزناد: قلتُ: هو

стр. 685

سُنَّة؛ فقال سعيد: سُنَّة. قال الشافعي: والذي يُشبه قول سعيد أنْ يكون سُنة رسول الله ﷺ . وجمن ثَمَّ قال القاضي أبو الطيب: إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه احتج على قراءة الفاتحة بصلاة ابن عباس وقراءتها والجهر بها، وقال: إنما فعلتُ هذا لتعلموا أنها سُنة. وكذا قال ابن السمعاني أيضًا: إنه مذهب الشافعي. قلتُ: ونَص عليه في "الأم" في باب "عدد الكفن" (١)، فقال بعد ذِكر ابن عباس والضحاك: (ذلك أنهما رجلان من أصحاب النبي ﷺ ، لا يقولان: "السُّنَّة" إلا لِسُنَّة رسول الله ﷺ ) (٢). وحينئذٍ فقد تَلَخَّص أنه منصوص في القديم والجديد، وجزم به الرافعي في "كتاب التيمم"، وقال النووي في "شرح المهذب" في المقدمة: إنه المذهب الصحيح المشهور. وجرى عليه من المتأخرين الإمام الرازي والآمدي. نعم، شرط الحاكم وأبو نعيم كون الصحابي معروفًا بالصحبة، وفيه إشعار بأنَّ مَن قَصُرت صحبته، لا يكون كذلك. فيكون ذلك قولًا ثالثًا مُفَصلًا. وفي المسألة قول رابع: إنه في حكم الموقوف. ونقله ابن الصلاح والنووي عن أبي بكر الإسماعيلي.

стр. 686

تنبيهان أحدهما: إذا قُلنا بأنَّ "مِن السُّنَّة" مرفوع، لا يكون في ذلك دلالة على تعيين الحكم من وجوب أو ندب؛ فقد يأتي ويُراد به: - الندبُ، كما في: "مِن السُّنة وضع الكف على الكف في الصلاة" (١). - والوجوبُ كما في "الصحيحين" من حديث أبي قلابة عن أنس: "مِن السنة: إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا ثم قَسم. وإذا تزوج الثيب على البكر، أقام عندها ثلاثًا، ثُم قسم". قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إنَ أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ (٢). قال ابن دقيق العيد: (يحتمل قول أبي قلابة وجهين: أحدهما: أن يكون ظن ذلك مرفوعًا لفظًا من أنس، فتحرز عن ذلك؛ تَوَزُعًا. والثاني: أنْ يكون رأَى أنَّ قول أنس: "مِن السُّنَّة" في حُكم المرفوع، فلو شاء لَعَبَّر عنه بالمشهور على حسب ما اعتقده). قال: (والأول أقرب) (٣). انتهى وفي الحديث مباحث أخرى ذكرتها في "جمع العُدة لفهم العمدة"، فراجعها. ومن هذا يُعلم أن إطلاق "السُّنَّة" هنا كما [يُطلق] (٤) في مقابَلة "الكتاب".

стр. 687

الثاني: عُلم مِن قولي: (وَهَكَذَا قَوْلُ الصَّحَابِي) أنَّ مَن دُون الصحابي لا يُحتج بقوله ذلك، بل يكون مرسَلًا وإنْ كان مرفوعًا كما فُهم ذلك مِن نَص الشافعي السابق. فإنْ كان مِن مِثل سعيد بن المسيب، ففيه ما سبق في مراسيله، ولهذا قال القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية": قول التابعي: "من السُّنَّة كذا" في حُكم المراسيل، إنْ كان قائله سعيدًا؛ فهو حُجة، وإلَّا فلا. وفي "تعليقه" في "باب الجمعة والعيد": وجهان، أصحهما وأشهرهما: أنه موقوف على بعض الصحابة، وثانيهما: مرفوع مرسَل. والله أعلم. ٣٤٥ - "كُنَّا مَعَاشِرَ الْأُنَاسِ نَفْعَلُ ... بِعَهْدِهِ" وَ"النَّاسُ فِيهِ تَفْعَلُ" (١) ٣٤٦ - وَ [مِثْلُهُ] (٢): "كنَّا نَقُولُ" أَوْ "نَرَى" ... أَوْ "نَفْعَلُ الشيْءَ" بِعَهْدٍ ذُكِرَا ٣٤٧ - قِيلَ: وَإنْ لَمْ يَذْكرِ الْعَهْدَ، وَذَا ... النَّوَوِي قَوَّاهُ في الْمَعْنَى خُذَا ٣٤٨ - كَذَاكَ: "كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَا" ... وَ"مَا عَلَى التَّافِهِ يَقْطَعُونَا" الشرح: هذه صيغ مِن ألفاظ الصحابي محمولة على الرفع إلى النبي ﷺ وإنْ كانت دُون ما سبق. وبؤخذ ذلك من النَّظم من تأخيرها عنها؛ لأن المقام لبيان المراتب، وبعض هذه تَكون الحجة

стр. 688

فيه من إلحاقه بالإجماع، لا من جهة كوْنه سُنَّة مرفوعة كما سيأتي بيانه، وبعضها أقوى من بعض. أولها وهو أعلاها: إذا قال الصحابي: "كنا معاشر الناس نفعل كذا بعهد النبي ﷺ ". وعبرتُ في النظم بِ "الْأُنَاسِ" باعتبار الأصل. قال الجوهري (١): (والناس قد تكون مِن الإنس والجن، وأصله: "أُناس"، فخفف، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضًا من الهمزة المحذوفة؛ لأنه لو كان كذلك لَمَا اجتمع مع المُعَوض منه في قول الشاعر: إن المنايا يَطَّلِعـ ... ـن على الأُناس الآمِنِينا). انتهى ومثل هذه المرتبة: "كان الناس يفعلون في عهده ﷺ "، وهو معنى قولي: (فِيهِ)، أي: في عهده. وإنما حُمل ذلك على الرفع؛ لأنَّ الظاهر من حال الصحابي تبليغ ما يتلقاه من الشارع. قال الشيخ تاج الدين السبكي في "شرح المختصر": (إنَّ هذا مما لا يتجه -في كونه حُجة- خِلافٌ) (٢). ومراده مِن حيث كونه مرفوعًا، لا من حيث إنه إجماع اعتضد بمعرفة النبي ﷺ كما نقله شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع" عنه؛ لفساد ذلك؛ لأن الإجماع لا ينعقد في حياة النبي ﷺ وكما سبق بيانه.

стр. 689

الثانية: قول الصحابي: "كنا نقول -أو نرى، أو نفعل- كذا بعهده ﷺ "، أو: "في عصره"، أو: "في حياته"، أو نحو ذلك. وهذه دُون ما قبلها؛ لاحتمال عَوْد الضمير على طائفة مخصوصة، لا جميع الناس. قلتُ: لكن المدار على التقييد [بعهده] (١) ﷺ ؛ فإنَّ ظاهره أنه اطّلَع عليه وأقره؛ فلذلك قلتُ: ونحوه كذا. ولم أقُل: ودُونه. مِثال ذلك قول جابر: "كنا نَعزِل على عهد رسول الله ﷺ " (٢). متفق عليه. وقوله: "كنا نأكل من لحوم الخيل على عهد النبي ﷺ " (٣). رواه النسائي وابن ماجه. فهذا قطعَ الحاكم وغيره مِن أهل الحديث وغيرهم بأنه مِن قبيل المرفوع، وصححه الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما وغيرهم مِن الأصوليين. قال ابن الصلاح: (وهو الذي عليه الاعتماد؛ لإشعار ذلك بأنه ﷺ اطَّلع عليه وأقره، و"تقريرُه" أحد وجُوه السُّنن المرفوعة) (٤). قال: (وبلغني عن البرقاني أنه سأل الإسماعيلي عن ذلك، فأنكر كونه من المرفوع) (٥). أي: فهو موقوف عنده؛ لاحتمال أنه لم يَبْلُغه ﷺ أما لو صرح بِاطِّلاعه فَبِلَا خلاف، كقول ابن عمر: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أَفْضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر،

стр. 690

وعمر، وعثمان. ويسمع ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكره" (١). رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، والحديث في "الصحيح" (٢) لكن بدون التقييد باطِّلاعه. قال ابن الصلاح: (ومن هذا القبيل قول الصحابي: كنا لا نرى بأسًا ورسول الله ﷺ فينا) (٣). وقد أشرتُ إلى شمول ذلك -بقولي: (أَوْ "نرَى") - قوله: "كنا نرى" أو "لا نرى"؛ إذْ لا فرق بين النفي والإثبات. الثالثة: أن يقول الصحابي ما سبق من: "كنا نفعل"، أو: "نقول"، أو: "نرى"، ولكن لا يُقَيد بعهده ﷺ ، فالمختار كما قاله ابن الصلاح أنه موقوف تبعًا للخطيب وغيره. وإنْ كان الحاكم والإمام الرازي أطلقَا أنَّ هذه الصيغة للرفع، فيشمل ما قُيِّد بعهده وما لم يُقيد بعهده. نعم، قال ابن الصباغ في "العدة": إنه الظاهر. ومَثَّله بقول عائشة ﵂: "كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه" (٤). وقال النووي في "شرح المهذب": (إنه قال به أيضًا كثير من الفقهاء، وهو قوي من حيث المعنى). انتهى ولكن هذا التمثيل إنما يَحسُن أنْ يكون من القسم الرابع الذي ذكرته في البيت الرابع

стр. 691

بقولي: (كَذَاكَ: "كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَ") إلى آخِره. فإذا قال الصحابي: (كان الناس يفعلون) أو: (كانوا لا يقطعون في التافه) أو نحو ذلك ولم يقيد بعهده أو في عصره أو زمانه أو نحو ذلك، فقيل: يحتج به؛ لأن ظاهره أنه إجماع. وجمع ابن الحاجب بينه وبين القسم الذي قبله، وسوى بينهما في الاحتجاج به على قول الأكثر لهذا المعنى، فقال: (إذا قال -أيِ الصحابي-: "كنا نفعل" أو: "كانوا يفعلون"، فالأكثر: حُجة؛ لظهوره في عمل الجماعة) (١). انتهى ولم يذكر المرتبتين الأولتين؛ لأنهما حينئذٍ حجة من باب أَوْلَى، ومقتضى كلام القاضي في "التقريب" أنه لا يحتج بمثل ذلك إلا إنْ أضافه لعهد النبي ﷺ أو أسنده للإجماع صريحًا؛ فإن هذا ليس فيه تصريح بكل الأُمة، وكأن الأولين اكتفوا بظهور ذلك في الاتفاق؛ لأنَّ "الناس" ظاهرُه العموم بالألف واللام، و"كانوا لا يقطعون" أيْ: مَن لهم التصرف في الشرع، وهُم أهل الإجماع. ويظهر أثر ذلك فيما إذا كان القائل لذلك تابعيًّا، فإنْ قيَّده بعهد النبي ﷺ فهو كالمرسل، وإنْ لم يقيد وقُلنا: إنه كالإجماع، فكأنه حاكٍ للإجماع. وقد ذكر المسألة في "المستصفى" إلا أنه خبر واحد واختلف في ثبوت الإجماع به، ومختار الغزالي أنه لا يَثْبُت، وهو قول الأكثر، واختار الرازي ثبوته، وجزم به الماوردي، قال: وليس آكد مِن السُّنة، وهِي تَثبت به. وقد سبقت المسألة أول هذا الباب. ومما يشبه ذلك حديث الغيرة بن شعبة: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه

стр. 692

بالأظافير" (١). قال الحاكم: هذا يتوهمه مَن ليس مِن أهل الصنعة مُسنَدًا -أيْ مرفوعا- لِذِكْر رسول الله ﷺ فيه، وليس بمسنَد، بل موقوف. وذكر الخطيب نحوه. قال (أَعْني ابن الصلاح): لكنه مرفوع، بل أَوْلى مما سبق؛ لكونه أحرى باطِّلاعه ﷺ عليه، ولعل الحاكم -وهو ممن يرى بأنَّ ما سبق مرفوعًا- إنما قال ذلك هنا نَفْيًا لكونه مرفوعًا لفظًا، بل هو مرفوع عنده معنًى. هذا معنى كلام ابن الصلاح. ونقل النووي [أوائل] (٢) "شرح مسلم" في فصوله المفرقة عن جماعات في أصل المسألة أنه إنْ كان ذلك الفعل لا يخفَى غالبًا، كان مرفوعًا، وإلا كان موقوفًا، كقول بعض الأنصار: "كنا نجامع، فنكسل ولا نغتسل". قال: وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية. واختار القرطبي أيضًا هذا التفصيل، ومثّل الشرع المستقر الذي لا يخفى بقول أبي سعيد: "كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" (٣) الحديث، ومثّل ما يمكن خفاؤه بحديث رافع بن خديج: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ حتى روى لنا بعض عمومتي أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك" (٤). وقال في القطعة التي له على "البخاري": إنَّ ظاهر كلام كثير من المحدثين والفقهاء أنه

стр. 693

مرفوع مطلقًا، وهو قوي. وهذه العبارة في الترجيح أقوى مما نقلناه آنفا عن"شرح المهذب" وإنْ كنتُ في النَّظم إنما ذكرتُ مقالته في "شرح المهذب". والله أعلم. ص: ٣٤٩ - وَمَا يَقُولُهُ الصَّحَابِيْ مِمَّا ... لَمْ يَكُنِ الرَّأْيُ لَهُ قَدْ عَمَّا ٣٥٠ - فَحُكْمُ مَرْفُوعٍ، وَأَمَّا مُسْتَنَدْ ... غَر الصَّحَابِيِّ [فَرَتِّبْ] (١)، يُعْتَمَدْ الشرح: إذا قال الصحابي شيئًا ليس للاجتهاد فيه مجال ولا يُقال مِثله من [قِبَل الرأي] (٢)، فحُكمه حُكم المرفوع إلى النبي ﷺ ؛ لأنَّ الظاهر أنه سمعه من النبي ﷺ . قاله الإمام في "المحصول" والحاكم في "علوم الحديث"، ومثّل ذلك بقول ابن مسعود: "مَن أتى ساحرًا أو عرافًا فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ " (٣)، ونحو ذلك. واقتضاه أيضًا كلام ابن عبد البر وغيره من الأئمة. ولا التفات إلى قول ابن حزم: إنَّ ذلك وإنْ كان لا يُقال مِثله من جهة الرأي فلعل الصحابي سمعه من أهل الكتاب كما سمع جمعٌ من الصحابة من كعب الأحبار. فقد روى عنه العبادلة وغيرهم، وقد قال ﷺ : "حَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٤).

стр. 694

قيل: ويخرج كوْن ذلك مرفوعًا من قول الشافعي في مسألة الاحتجاج بقول الصحابي الآتي ذِكرها في باب "الأدلة المختلف فيها" فيما نقله إلْكِيَا أنَّ مذهبه قديمًا وجديدًا اتِّباع قضاء عمر في تقدير دية المجوسي بثمانمائة درهم ونحو ذلك على ما قاله بعض الأصحاب في سبب ذلك أنه كان يرى الاحتجاج بقول الصحابي إذا خالف القياس مِن حيث إنه لا مَحْمَل له سِوَى التوقيف. فتلخص أنَّ قوله: (حُجة) إذا لم يكن مُدْرَكًا بالقياس، دُون ما إذا كان للقياس فيه مجال. قال بعض المحققين: وهذا القول هو المختار، وبه تنجمع نصوص الشافعي، فحيث قال: (إنَّ قول الصحابي غير حجة) أراد إذا كان للقياس فيه مجال، وحيث قال: (إنه حجة) أراد إذا لم يكن للرأي فيه مجال. وكذا حكاه القاضي في "التقريب" والغزالي استنباطًا من قول الشافعي في "اختلاف الحديث": إنه روي عن علي ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات، كل ركعة بست سجدات. ثم قال: إنْ ثبت ذلك عن عَلِي، قلتُ به؛ فإنه لا مجال للقياس فيه (١). فالظاهر أنه جعله توقيفًا. قال القاضي: (وهذا من قول الشافعي يدل على أنه كان يعتقد أنَّ الصحابي إذا قال قولًا ليس للاجتهاد فيه مدخل فإنه لا يقوله إلا سمعًا وتوقيفًا، وأنه يجب اتِّباعه عليه؛ لأنه لا يقول ذلك إلا عن خبر). انتهى نعم، الغزالي جعله من تفاريع القديم، وهو مردود؛ لأنَّ كتاب "اختلاف الحديث" من الكتب الجديدة قطعًا، رواه عنه الربيع بن سليمان بمصر، وجزم بهذا الحكم أيضًا ابن الصباغ في "الكامل في الخلاف"، وقال إلْكِيَا في "التلويح": إنه الصحيح.

стр. 695

وسيأتي في الكلام على قول الصحابي مزيد بيان إن شاء الله تعالى. نعم، هنا تنبيه: وهو أن ما ذكرناه عن الغزالي نقله الشيخ صلاح الدين العلائي في قواعده عن "المستصفى" وتعقب نقله له عن القديم بما سبق مِن كوْن "اختلاف الحديث" جديدًا، وقال: إنما هذا تفريع على قوله: "إنَّ مذهب الصحابي حجة"، وليس هو قديما، بل هو جديد. ثم ذكر نصوصًا له في "الأم" تدل على أنه حجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذِكرها هناك. وذكر أيضا نحو هذا في كتاب "إجمال الإصابة في أقوال الصحابة". ولكن الشيخ تقي الدين السبكي جعله مستثنى مما هو مشهور عن الجديد أنه ليس بحجة، ثم ذكر نَص "اختلاف الحديث"، وجَرَى على هذا الشيخ جمال الدين الأسنائي في "التمهيد". وقال بعض المحققين في عصرنا: إنَّ نَقل ذلك عن"اختلاف الحديث" غلط، والظاهر أنهم قلدوا فيه الغزالي، فليس ذلك في "اختلاف الحديث"، فقد تَتبَعنا الكتاب في عِدة نُسَخ فلم نجده. نعم، في كتاب "اختلاف عِلي وابن مسعود" من كتاب "الأم" في ترجمة الصلاة في الزلزلة قال الشافعي ما نَصه: (عبَّاد عن عاصم الأحول، عن قزعة، عن عِلي ﵁ أنه [صلَّى في زلزلة ست ركعات، أربع سجدات في خمس ركعات، وسجدتين في ركعة] (١)، ولسنا نقول بهذا، نقول: لا يُصَلَّى في شيء من الآيات إلا في كسوف الشمس والقمر. ولو ثبت هذا الحديث

стр. 696

عندنا عن عِلي لَقُلْنَا به، وهُم يثبتونه ولا يقولون به، يقولون: يُصلى ركعتين في الزلزلة، في كل ركعة ركعة. هشيم عن يونس، عن الحسن: أنَّ عليًّا صلَّى في كسوف الشمس خمس ركعات في أربع سجدات. ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، أما نحن فنقول بالذي روينا عن النبي ﷺ : "أربع ركعات وأربع سجدات") (١) (٢). إلى آخِر ما ذكر. وقد أخرج في الزلزلة ابن أبي شيبة في مُصنفه بسنده عن ابن عباس أنه ﷺ : "صلَّى بهم في زلزلة كانت أربع سجدات، [سجد] (٣) فيها ستًا" (٤). قال: (فلعل الغزالي وقع له نسخة صحف فيها الناسخ لفظ "زلزلة" بِ "ليلة"، وسبق وهْمه إلى أنَّ ذلك في "اختلاف الحديث"، وإنما هو في "اختلاف علي وابن مسعود"). انتهى والله أعلم. وقولي: (وأما مستند غير الصحابي) تمامه قولي بعده: ص: ٣٥١ - قِرَاءَةُ الشَّيْخِ، فَرَاوٍ يَقْرَأُ ... ثُمَّ سَمَاعُ مَا عَلَيْهِ يُقْرَأُ

стр. 697

الشرح: والمراد بذلك أنَّ مستند غير الصحابي في الرواية له مراتب وإنْ كان بعضها يكون في الصحابي مِثله كما سبق في عكسه، وهو أن ألفاظ الصحابي قد يكون منها ما هو في غير الصحابي لكن الضرورة داعية إلى بيان مستند غير الصحابي والاصطلاح فيه ولو كان الحكم فيهما سواء. وقد اشتمل هذا البيت على ثلاث منها: إحداهما: وهو أعلى المراتب كلها عند الأكثر، أنْ يقرأ الشيخ والراوي عنه يسمع، سواء كان إملاءً أو تحديثًا لا إملاء فيه، وسواء أكان من حِفظه أو من كتابه. قال الماوردي والروياني: (وسواء أكان عن قصد أو اتفاقًا، وسواء أكان ما بالقصد استرعاء أو في مذاكرة أو غير ذلك، بخلاف الشهادة. وسواء أكان المحدِّث أعمى أو أصم أو سليمًا، فلو كان المتحمِّل أعمى، صَحَّ سماعُه إذا عَرف أنَّ ذلك صوت شيخه بطريق مُعتبر. فإذا حدَّث ما سمعه: فإنْ كان مِن حِفظه، صَح إذا وثق به، أو من كتابه، صَح إن كان بصيرًا بشرط أن يكون ذاكرًا لوقت سماعه، واثقًا بكتابه. ومنع أبو حنيفة أنْ يروي إلا من حفظه كالشاهد) (١). قال الماوردي والروياني: (ولو صح ذلك لبطلت فائدة الكتابة، فقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عند أصحاب الحديث من [الحفظ] (٢) (٣). ومقابل قول الأكثر: أنَّ القراءة على المحدِّث أقوى من قراءته؛ لأنه أَبْعَد من الخطأ

стр. 698

والسهو، وإنما كان أكثر التحمل عن النبي ﷺ بتحديثه لأنه لا يُعْلَم إلا منه، وهو لا يحدِّث إلا مِن حِفظه، وغيْره ليس كذلك. وجواب الأكثرين: أنَّ تجويز الخطأ والنسيان -في صورة القراءة على الشيخ وهو يسمع - أَقْرَب، وسيأتي لذلك مزيد بيان. واعْلم أن كل مرتبة للمتحمل بها لفظ يخبر به عن تحمله هو من وظيفة أهل الحديث؛ ولذلك لم أتعرض له في النظم، لكني أتعرض هنا لشيء منه؛ تتميمًا للفائدة. ففي هذه المرتبة يقول: "حدثنا"، و"أخبرنا"، و"أنبأنا"، و"سمعت فلانًا يقول"، و"قال لنا فلان"، و"ذكر لنا فلان". وقد نقل القاضي عياض الإجماع في هذا كله. فلذلك تعقب بعضهم على ابن الصلاح في قوله بعد أن حكى ذلك: (إنَّ فيه نظرًا، وإنه ينبغي -فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ على ما سيأتي- أنْ لا يُطْلَق فيما سمع من لفظ الشيخ؛ لِمَا فيه من الإيهام والإلباس) (١). ووجه التعقب عليه: معارضته للإجماع، وأنه لا يجب على السامع أن يُبين هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا. نعم، إطلاق لفظ "أنبأنا" بعد أن اشتهر استعمالها في الإجازة يُوهِم أن يكون ذلك إجازة، والفرض أنه قد سمعه من الشيخ. قال الخطيب: أرفع العبارات: "سمعتُ"، ثم "حدثنا" و"حدثني"، ثم "أخبرنا" وهو كثير في الاستعمال، ثم "أنبأنا" و"نبأنا" وهو قليل في الاستعمال. وقال أحمد بن صالح: " أخبرنا" و"أنبأنا" دُون "حدثنا". وقال أحمد (٢): "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"، فإنَّ "حدثنا"

стр. 699

شديد. وبَسْط هذا الخلاف وتوجيهه محله كُتب علم الحديث. المرتبة الثانية: أن يقرأ هو على الشيخ، والشيخ يسمع. ويسميها أكثر المحدثين "العَرْض"، وكأن القارئ يَعْرِض ذلك على الشيخ. وأصل ذلك حديث أَنس ﵁ في الرجل الذي جاء من البادية -وهو ضمام بن ثعلبة- فقال: "يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أنَّ الله أرسلك. قال: صَدَق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نَصَب هذه الجبال؟ ونصب فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونَصَب هذه الجبال الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أنَّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق" (١) الحديث. واختُلف -في كون هذه المرتبة دون التي قبلها أو فوقها أو مثلها- على ثلاثة أقوال: أرجحها -وهو قول الجمهور من أهل المشرق- الأولُ. وذهب ابن أبي ذئب وأبو حنيفة إلى الثاني، وحكاه ابن فارس عن مالك وعن ابن جريج والحسن بن عمارة، ورواه الخطيب عن مالك والليث وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد ويحيى بن بكير وغيرهم. والثالث: التسوية، وهو مشهور مذهب مالك ومعظم علماء الحجاز والكوفة وقول البخاري.

стр. 700

الثالثة (١): أن يقرأ غيرُ الشيخ على الشيخ، والراوي يسمع، ويُسمى هذا "عَرْضًا" كالذي قبله، وفي الرواية به خلاف، فحكى الرامهرمزي عن أبي عاصم النبيل المنع، وحكاه الخطيب عن وكيع وعن محمد بن سلام، وكذا عبد الرحمن بن سلام الجمحي. وجمهور العلماء -منهم الأئمة الأربعة- على خلاف ذلك. نعم، شرط بعض العلماء في العَرْض أن يكون الشيخ مُمْسِكًا لأصله إن لم يكن حافظًا ما يُقرأ عليه، أو يمسك غير الشيخ من الثقات- على خلاف في هذا لبعض الأصوليين. وفي معنى إمساك الثقة أصل الشيخ: حِفظه ما يُعرض على الشيخ والثقة مستمع، أو يكون القارئ بنفسه هو الحافظ، فيقرأ مِن حِفظه والشيخ يسمع. نعم، شرَط بعض الظاهرية إقرار الشيخ بصحة ما قُرئ عليه [نُطقًا] (٢). والصحيح أن عدم إنكاره -ولا حامل له على ذلك من إكراه أو نوم أو غفلة أو نحو ذلك- كافٍ؛ لأنَّ العُرْف قاضٍ بأن السكوتَ تقريرٌ في مثل هذا وإلا لكان سكوتُه -لو كان غير صحيح- قادحًا فيه. واعْلَم أنَّ التحديث بهذا العَرْض المسمَّى عندهم "عَرْض القراءة" يقول فيه الراوي: "حدثنا" أو "أخبرنا"، سواء قيَّد ذلك بقوله: "بقراءتي عليه" أو "سماعي عليه" أو أَطلق -على الأصح عند ابن الحاجب وغيره، فقد نقله الحاكم أبو عبد الله عن الأئمة الأربعة. وذهب ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد في رواية والنيسابوري إلى المنع مطلقًا. وقيل: يجوز "أخبرنا" ولا يجوز "حدثنا". وهو قول الشافعي ومسلم وجماهير أهل المشرق، وعليه العمل.

стр. 701

وذهب سليم الرازي وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني إلى أنه لا يقول شيئا من ذلك إنْ لم [يقر الشيخ نُطقًا] (١)، وإنما يقول: "قرأتُ عليه" أو "قُرئ عليه وهو يسمع"، كما إذا قرأ على إنسان كتابًا فيه أنه أقَر بِدَيْن أو بَيْع أو نحو ذلك فلم يقر به، لا يجوز أن يشهد عليه. وقد يُفرق بما سبق من اطِّراد العُرْف في نحو ذلك، بخلاف باب الشهادة، فإنه ضيق. قولي: (يقرأ) في آخِر النصف الأول من البيت بفتح أوله، وفي آخِر النصف الثاني بالضم مبنيًّا للمفعول، والله أعلم. ص: ٣٥٢ - ثُمَّ إجَازَةٌ مَعَ الْمُنَاوَلَهْ ... فَأَنْ يُجيزَ دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهْ الشرح: هذان النوعان دُون ما سبق: أولهما: أن يجيزه بشيءٍ ناوله إياه بأنْ يدفع الشيخ إلى الطالب أصلَ مَرويه أو فرعًا مقابَلًا به ويقول له: "هذا سماعي أو مَرْوي بطريق كذا عن فلان، فارْوه عني"، أو: "أَجَزْتُه لك أن تَرويه عني"، ثم يُملِّكه إياه بِطَريقٍ، أو يعيره له ينقله ويقابله به. وفي معناه أن يجيء الطالب بذلك إلى الشيخ ابتداءً ويعرضه عليه، فيتأمله الشيخ العارف اليقظ ويقول: "نعم، هذا مسموعي أو روايتي بطريق كذا، فارْوه عني" أو: "أَجَزْتُه لك". ويُسمى هذا "عَرْض المناولة" كما أنَّ سماع الشيخ يُسمى "عَرْض القراءة" كما سبق.

стр. 702

والرواية بهذا النوع جائزة، قال القاضي عياض في "الإلماع": بالإجماع. وكذا قال [المازري] (١): إنه لا شك في وجوب العمل به. وقد ذكر ابن وهب أن يحيى بن سعيد سأل مالكًا عن شيءٍ من أحاديثه، فكتب له مالك بيده أحاديث وأعطاها له. فقيل لابن وهب: [أَقَرَأَهَا] (٢) يحيى عليه؟ فقال: يحيى أَفْقَه من ذلك. أي: لاستواء الأمرين. لكن الصيرفي حكى الخلاف في المسألة وأن المانع خَرَّجه على الشهادة [بما] (٣) في الصك ولم يقرأ على المشهود عليه بل قال: اشهدا علَيَّ بما فيه، فإنَّ القول بمنعه مشهور، وبه قال الشافعي في كتاب القاضي للقاضي: لا يقبله حتى يشهدا بأن القاضي قرأه عليهما أو نحو ذلك، دون ما إذا كان مختومًا، إلا أنْ يُقال: باب الرواية أوسع. وإن كان كلام البيهقي يقتضي أن الشافعي يرى التسوية بينهما في ذلك. ومما استُنِد إليه في أصل المناولة بدون القراءة ما قال البخاري: (إنَّ أهل الحجاز احتجوا به عليها): حديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، فلمَّا بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ (٤). لكن أشار البيهقي إلى أنه لا حُجة في ذلك، وهو ظاهر؛ لاحتمال أنَّ النبي ﷺ قرأه عليه " فيكون واقعة عَيْن يسقط بها الاستدلال، للاحتمال.

стр. 703

وأمير السرية هو عبد الله بن جحش المُجَدَّع في الله، وذلك في رجب في السَّنة الثانية. والحديث المذكور رواه الطبراني موصولًا (١). واعْلَم أني أشرتُ بقولي: (ثُمَّ إجَازَةٌ مَعَ الْمُنَاوَلَهْ) إلى أنَّ هذا ليس كالسماع، بل منحط عنه، وهو الصحيح. حكاه الحاكم عن فقهاء الإسلام المفتيين في الحلال والحرام: الشافعي، وصاحبيه المزني والبويطي، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، قال: وعليه عَهِدْنَا أئمتنا، وإليه نذهب. وأي مُقابلة: فقول الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك، ومجاهد، وأبي الزبير، وابن عيينة، وقتادة، وأبي العالية، وابن وهب، وآخَرين. قولي: (فَاَنْ يُجِيزَ دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهْ) بفتح (أَن) فيهما إشارة إلى أنه أعلى من الإجازة المجردة، وهو الراجح الذي قال به المحدِّثون وإنْ كان الأصوليون خالفوهم في ذلك كما صرح به إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي، وقالوا: المناولة ليست شرطًا ولا فيها مزيد تأكيد، وإنما هو زيادة تكلف أَحْدَثه بعضُ المحدثين. واعْلم أنَّ ألفاظ الراوي بهذا النوع أنْ يقول: "ناولني فلان كذا، وأجازني بما فيه"، أو نحو ذلك، أو يقول: "أخبرني -أو: حدثني- مناولةً"، وهذا باتفاق، أمَّا الاقتصار على "حدثني " و"أخبرني" فالأصح المنع. ومَن أجاز، قاسَه على ما لو قُرئ عليه وهو ساكت، بل هذا أَوْلى، ولا يخفَى ما فيه، والله أعلم.

стр. 704

ص: ٣٥٣ - وَهَذِهِ لِذِي خُصُوصٍ أُفْرِدَا ... بِمَا يَخُصُّ، أَوْ يَعُمُّ الْمَوْرِدَا ٣٥٤ - فَعَكْسُ ذَا، ثُمَّ عُمُومٌ يُطْرَدُ ... ثُمَّ "فُلَانٌ مَعَ نَسْلٍ يُوجَدُ" الشرح: هذا تقسيم للإجازة المجردة عن المناولة. و"الإجازة": مَصدر "أَجَزْتُ لفلان كذا" و"أجزت فلانًا". فمَن عَدَّاه بحرف الجر فهو بمعنى سوغتُ له وأبحتُ له، ومَن عدَّاه بنفسه فهو بمعنى عدَّيته إلى ما لم يكن مُتحمِّلًا له وراويًا. أو من قولهم: "أَجَزْتُه ماءً"، أي: أسقيته ماءً لأرضه أو لماشيته، أو نحو ذلك. ومنهم مَن قال: هي مِن المجاز المقابل للحقيقة؛ لأن حقيقة التحمل هو بالقراءة والسماع، فما سواه مجاز. وصيغتها في الاصطلاح ما نذكره في كل قسم من أقسامها، وقبل ذلك نقول: وقع الخلاف فيها في مواضع، منها ما يتعلق بها من حيث هي، ومنها ما يتعلق ببعض الأقسام، [فيُقدم] (١) الأول هنا: فمنه: اختلفوا في العمل بها، فالجمهور على الجواز، وحكى القاضي عن أهل الظاهر أنها كالمرسل. وضُعِّف بأنَّ في الإجازة من اتصال المنقول بها و [الثقة] (٢) به ما ليس في المرسل.

стр. 705

وفي "المنخول" للغزالي قول غريب: إنه يعمل بها في أحكام الآخرة دُون ما سواها. ومنه: اختلفوا في الرواية بها، والراجح الجواز، بل حكى القاضي أبو بكر والباجي وغيرهما من الأصوليين الاتفاق عليه. وهو عجيب؛ فقد قال بالمنع شعبة، قال: (ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة). وقال به أيضًا أبو زرعة الرازي، وقال: الو صحت لذهب العلم)، وإبراهيم الحربي كما نقله عنه الخطيب ثم ابن الصلاح وإنِ اضطرب في النقل عنه. واختاره القاضي الحسين والماوردي والروياني، ونقلوه عن نَص الشافعي. وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبني. قال أبو طاهر الدباس من الحنفية: مَن قال لغيره: (أجزتُ لك أنْ تروي عني)، فكأنه يقول: (أجزتُ لك أنْ تكذب علَيَّ). وكذا قال غيره: إنه بمنزلة: (أبحتُ لك ما لا يجوز في الشرع)؛ لأنَّ الشرع لا يبيح رواية ما لم يُسْمَع. واحتج ابن الصلاح للإجازة بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نُطقًا كما في القراءة على الشيخ كما سبق (١). انتهى فتقدير قوله: "أجزتُ لك" أخبرتك أني أروي هذا الكتاب وأذنتُ لك أن تنقله عني. وما معنى قول الراوي: (أخبرنا فلان إجازةً) إلَّا هذا، فهو شبيه بمن يكتب الوصية ويقول لشخص: (اشْهَد علَيَّ بما في هذا المكتوب)، فقد جَوَّز محمد بن نصر المروزي -مِن أصحابنا- أن يشهد عليه بما فيه، والرواية أَوْلى.
следующие страницы →