وذهب سليم الرازي وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني إلى أنه لا يقول شيئا من ذلك إنْ لم [يقر الشيخ نُطقًا] (١)، وإنما يقول: "قرأتُ عليه" أو "قُرئ عليه وهو يسمع"، كما إذا قرأ على إنسان كتابًا فيه أنه أقَر بِدَيْن أو بَيْع أو نحو ذلك فلم يقر به، لا يجوز أن يشهد عليه.
وقد يُفرق بما سبق من اطِّراد العُرْف في نحو ذلك، بخلاف باب الشهادة، فإنه ضيق.
قولي: (يقرأ) في آخِر النصف الأول من البيت بفتح أوله، وفي آخِر النصف الثاني بالضم مبنيًّا للمفعول، والله أعلم.
ص:
٣٥٢ - ثُمَّ إجَازَةٌ مَعَ الْمُنَاوَلَهْ ... فَأَنْ يُجيزَ دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهْ
الشرح:
هذان النوعان دُون ما سبق:
أولهما: أن يجيزه بشيءٍ ناوله إياه بأنْ يدفع الشيخ إلى الطالب أصلَ مَرويه أو فرعًا مقابَلًا به ويقول له: "هذا سماعي أو مَرْوي بطريق كذا عن فلان، فارْوه عني"، أو: "أَجَزْتُه لك أن تَرويه عني"، ثم يُملِّكه إياه بِطَريقٍ، أو يعيره له ينقله ويقابله به.
وفي معناه أن يجيء الطالب بذلك إلى الشيخ ابتداءً ويعرضه عليه، فيتأمله الشيخ العارف اليقظ ويقول: "نعم، هذا مسموعي أو روايتي بطريق كذا، فارْوه عني" أو: "أَجَزْتُه لك". ويُسمى هذا "عَرْض المناولة" كما أنَّ سماع الشيخ يُسمى "عَرْض القراءة" كما سبق.
стр. 702
والرواية بهذا النوع جائزة، قال القاضي عياض في "الإلماع": بالإجماع. وكذا قال [المازري] (١): إنه لا شك في وجوب العمل به. وقد ذكر ابن وهب أن يحيى بن سعيد سأل مالكًا عن شيءٍ من أحاديثه، فكتب له مالك بيده أحاديث وأعطاها له. فقيل لابن وهب: [أَقَرَأَهَا] (٢) يحيى عليه؟ فقال: يحيى أَفْقَه من ذلك. أي: لاستواء الأمرين.
لكن الصيرفي حكى الخلاف في المسألة وأن المانع خَرَّجه على الشهادة [بما] (٣) في الصك ولم يقرأ على المشهود عليه بل قال: اشهدا علَيَّ بما فيه، فإنَّ القول بمنعه مشهور، وبه قال الشافعي في كتاب القاضي للقاضي: لا يقبله حتى يشهدا بأن القاضي قرأه عليهما أو نحو ذلك، دون ما إذا كان مختومًا، إلا أنْ يُقال: باب الرواية أوسع.
وإن كان كلام البيهقي يقتضي أن الشافعي يرى التسوية بينهما في ذلك.
ومما استُنِد إليه في أصل المناولة بدون القراءة ما قال البخاري: (إنَّ أهل الحجاز احتجوا به عليها): حديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، فلمَّا بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ (٤).
لكن أشار البيهقي إلى أنه لا حُجة في ذلك، وهو ظاهر؛ لاحتمال أنَّ النبي ﷺ قرأه عليه " فيكون واقعة عَيْن يسقط بها الاستدلال، للاحتمال.
стр. 703
وأمير السرية هو عبد الله بن جحش المُجَدَّع في الله، وذلك في رجب في السَّنة الثانية. والحديث المذكور رواه الطبراني موصولًا (١).
واعْلَم أني أشرتُ بقولي: (ثُمَّ إجَازَةٌ مَعَ الْمُنَاوَلَهْ) إلى أنَّ هذا ليس كالسماع، بل منحط عنه، وهو الصحيح. حكاه الحاكم عن فقهاء الإسلام المفتيين في الحلال والحرام: الشافعي، وصاحبيه المزني والبويطي، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، قال: وعليه عَهِدْنَا أئمتنا، وإليه نذهب.
وأي مُقابلة: فقول الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك، ومجاهد، وأبي الزبير، وابن عيينة، وقتادة، وأبي العالية، وابن وهب، وآخَرين.
قولي: (فَاَنْ يُجِيزَ دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهْ) بفتح (أَن) فيهما إشارة إلى أنه أعلى من الإجازة المجردة، وهو الراجح الذي قال به المحدِّثون وإنْ كان الأصوليون خالفوهم في ذلك كما صرح به إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي، وقالوا: المناولة ليست شرطًا ولا فيها مزيد تأكيد، وإنما هو زيادة تكلف أَحْدَثه بعضُ المحدثين.
واعْلم أنَّ ألفاظ الراوي بهذا النوع أنْ يقول: "ناولني فلان كذا، وأجازني بما فيه"، أو نحو ذلك، أو يقول: "أخبرني -أو: حدثني- مناولةً"، وهذا باتفاق، أمَّا الاقتصار على "حدثني " و"أخبرني" فالأصح المنع. ومَن أجاز، قاسَه على ما لو قُرئ عليه وهو ساكت، بل هذا أَوْلى، ولا يخفَى ما فيه، والله أعلم.
стр. 704
ص:
٣٥٣ - وَهَذِهِ لِذِي خُصُوصٍ أُفْرِدَا ... بِمَا يَخُصُّ، أَوْ يَعُمُّ الْمَوْرِدَا
٣٥٤ - فَعَكْسُ ذَا، ثُمَّ عُمُومٌ يُطْرَدُ ... ثُمَّ "فُلَانٌ مَعَ نَسْلٍ يُوجَدُ"
الشرح:
هذا تقسيم للإجازة المجردة عن المناولة.
و"الإجازة": مَصدر "أَجَزْتُ لفلان كذا" و"أجزت فلانًا".
فمَن عَدَّاه بحرف الجر فهو بمعنى سوغتُ له وأبحتُ له، ومَن عدَّاه بنفسه فهو بمعنى عدَّيته إلى ما لم يكن مُتحمِّلًا له وراويًا. أو من قولهم: "أَجَزْتُه ماءً"، أي: أسقيته ماءً لأرضه أو لماشيته، أو نحو ذلك.
ومنهم مَن قال: هي مِن المجاز المقابل للحقيقة؛ لأن حقيقة التحمل هو بالقراءة والسماع، فما سواه مجاز.
وصيغتها في الاصطلاح ما نذكره في كل قسم من أقسامها، وقبل ذلك نقول:
وقع الخلاف فيها في مواضع، منها ما يتعلق بها من حيث هي، ومنها ما يتعلق ببعض الأقسام، [فيُقدم] (١) الأول هنا:
فمنه: اختلفوا في العمل بها، فالجمهور على الجواز، وحكى القاضي عن أهل الظاهر أنها كالمرسل. وضُعِّف بأنَّ في الإجازة من اتصال المنقول بها و [الثقة] (٢) به ما ليس في المرسل.
стр. 705
وفي "المنخول" للغزالي قول غريب: إنه يعمل بها في أحكام الآخرة دُون ما سواها.
ومنه: اختلفوا في الرواية بها، والراجح الجواز، بل حكى القاضي أبو بكر والباجي وغيرهما من الأصوليين الاتفاق عليه.
وهو عجيب؛ فقد قال بالمنع شعبة، قال: (ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة). وقال به أيضًا أبو زرعة الرازي، وقال: الو صحت لذهب العلم)، وإبراهيم الحربي كما نقله عنه الخطيب ثم ابن الصلاح وإنِ اضطرب في النقل عنه.
واختاره القاضي الحسين والماوردي والروياني، ونقلوه عن نَص الشافعي.
وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا أرى هذا يجوز، ولا يعجبني.
قال أبو طاهر الدباس من الحنفية: مَن قال لغيره: (أجزتُ لك أنْ تروي عني)، فكأنه يقول: (أجزتُ لك أنْ تكذب علَيَّ). وكذا قال غيره: إنه بمنزلة: (أبحتُ لك ما لا يجوز في الشرع)؛ لأنَّ الشرع لا يبيح رواية ما لم يُسْمَع.
واحتج ابن الصلاح للإجازة بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نُطقًا كما في القراءة على الشيخ كما سبق (١). انتهى
فتقدير قوله: "أجزتُ لك" أخبرتك أني أروي هذا الكتاب وأذنتُ لك أن تنقله عني.
وما معنى قول الراوي: (أخبرنا فلان إجازةً) إلَّا هذا، فهو شبيه بمن يكتب الوصية ويقول لشخص: (اشْهَد علَيَّ بما في هذا المكتوب)، فقد جَوَّز محمد بن نصر المروزي -مِن أصحابنا- أن يشهد عليه بما فيه، والرواية أَوْلى.
стр. 706
وأما ما حُكي عن الشافعي فمحمول على كراهة ذلك، لا أنه ممتنع. كذا اقتضاه كلام البيهقي، وحكى عن شيخه الحاكم أنه قال: (فرَضي الله عن الإمام الشافعي كيف كره المكروه عند أكثر أئمة هذا الشأن). انتهى
وقد صرح بالجواز في القديم والجديد.
أما في القديم: فقال الكرابيسي: إنَّ الشافعي لَما قَدِم -يَعْني إلى بغداد- أتيتُه، فقلتُ: أتأذن لي أنْ أقرأ عليك الكُتب؟
قال: خُذ كُتب الزعفراني فانسخها، فقد أجزتها لك. فأخذتها إجازةً.
وأما في الجديد: فروى الربيع عن الشافعي الإجازة لمن بلغ سبع سنين.
واختُلِفَ أيضًا فيما يقول الراوي بالإجازة، فإنْ قال: "أجازني" أو "أجاز لنا" فهو الأجود. وهل يقول: "أخبرنا" أو "حدثنا"؟
قال أبو الحسين بن القطان: لا يقول ذلك، بل يحكي لفظ الشيخ. قال: وذهب إلى هذا أبو بكر.
وقال المازري: يمتنع حتى يقول بالإجازة. وقال إمام الحرمين: الأَوْلى التصريح به. وأقره ابن القشيري.
وسيأتي في بعض الأقسام في ذلك زيادة بيان.
إذا تَقرر ذلك، عُدنا إلى الأقسام، وذكرتُ منها خمسة:
الأول: إجازة خاصٍّ بخاص، وهي أعلاها. فيقول مثلًا: (أَجَزْتُك -أو: أجزتُ فلانًا أو عددًا [بعينهم] (١) - الكتاب الفلاني)، أو: (ما اشتملت عليه فهرستي هذه). وذلك مُعَيَّن
стр. 707
فيها.
وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها وأنَّ الخلاف إنما هو في غير هذا القسم. والصحيح شمول الخلاف للكل كما أطلقنا فيما سبق.
الثاني: الإجازة لِخَاصٍّ لكن بِعَامٍّ، وهو معنى قولي: (أَوْ يَعُمُّ الْمَوْرِدَا)، فإنه وإن كان معطوفًا بِـ "أو" فهو دُون الذي قَبْله، اعتمادًا على ظهور ذلك بالتقديم ووضوح أنَّ الإجازة [بالعام] (١) دون الإجازة بالخاص حتى كان ذلك بديهي، وذلك مثل أنْ يقول: (أجزتُ لك -أو: لكم- جميع مسموعاتي). فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر.
وإلى المنع ذهب إمام الحرمين، إذ قال: (يَبعُد أنْ يحصل العلم إلا بالتعويل على خطوط مشتملة على سماع الشيخ، فإنْ تحقق ظهور سماع لوثوق به، فإذْ ذاك، وهيهات) (٢). انتهى
والجمهور على جوازه أيضًا، وغاية ما قاله استبعاد.
الثالث: عكس الثاني، وهو الإجازة لعام بخاصٍّ، نحو: أجزت للمسلمين أو لمن أدرك حياتي أو نحو ذلك -بالكتاب الفلاني.
الربا: الإجازة لعام بعام، كـ "أجزتُ أهل العصر بجميع مروياتي". وهو دُون الذي قبله.
وقد منعه جماعة، وجوَّزه الخطيب وغيره، وقد فعله ابن منده، فقال: أجزتُ لمن قال: لا إله إلا الله.
وحكى الحازمي عمن أدركه من الحفاظ كأبي العلاء الحسن بن أحمد [القطان] (٣)
стр. 708
الهمداني وغيره أنهم كانوا يميلون للجواز.
وحكى الخطيب عن القاضي أبي الطيب الطبري أنه جوَّز الإجازة لجميع المسلمين مَن كان منهم موجودًا عند الإجازة.
وقال ابن الصلاح: (لم نر ولم نسمع عن أحدٍ ممن يُقتدَى به استعمل هذه الإجازة، ولا عن الشرذمة المجوزة، والإجازة في أصلها ضعفٌ، وتزداد بهذا التوسع ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله) (١).
قال بعض شيوخنا: ممن أجازها أبو الفضل بن خَيرون البغدادي وابن رشد المالكي والسلفي وغيرهم.
ورجحه ابن الحاجب، وصححه النووي من زيادة "الروضة".
وأفرد الحافظ أبو جعفر محمد بن حسين بن أبي البدر البغدادي كتابًا فيمن أجاز هذه الإجازة ومن عمل بها مُرَتبِين على حروف المعجم؛ لكثرتهم.
واعْلَم أنَّ مِن الإجازة للعموم أنْ يصفهم بوصفٍ خاص، فيكون إلى الجواز أقرب كما قاله ابن الصلاح، ومَثَّله القاضي عياض بقوله: (أجزتُ لمن هو الآن من طلبة العلم ببلد كذا) أو: (لمن قرأ علَيَّ قبل هذا).
قال: (فما أحسبهم اختلفوا في جوازه، أي: ممن يصحح الإجازة؛ لأنه محصور، فهو كقوله: لأولاد فلان، أو: لإخوة فلان) (٢).
الخامس: الإجازة للمعدوم تبعًا للموجود، كـ "أجزتُ لك ولولدك ولعقبك ما تناسلوا". وهى جائزة، فقد أجاز الفقهاء في الوقف مثل هذا، وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي
стр. 709
داود السجستاني، فإنه سُئِل الإجازة، فقال: (قد أجزتُ لك ولأولادك ولحبل الحبلة). يعني: مَن لم يولد بعدُ، وهذا معنى قولي: (ثُمَّ "فُلَانٌ مَعَ نَسْلٍ يُوجَدُ") أي: هي دون ما سبق في المرتبة.
تنبيهان
أحدهما: دخل في إطلاق جواز الإجازة على ما فُصل إجازةُ المُجَاز كـ: "أجزتُ لك مجُازاتي"، أو: "إجازة ما أُجِيزَ لي روايته". وهو الصحيح، خلافًا لبعض المتأخرين، وقد كان الفقيه نصر المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة، وعليه العمل إلى زماننا.
الثاني: عُلم مِن اقتصاري على هذه الخمسة الأقسام أنَّ ما سواها لا يجوز ولا يُعمل به، فمِن ذلك:
الإجازة للمعدوم ابتداءً دُون ذكر موجود يكون تابعًا له، نحو: "أجزتُ لمن يولد لفلان". وقد أجازها أبو يعلى من الحنابلة، وأبو الفضل بن عمروس مِن المالكية، والخطيب من الشافعية.
والصحيح الذي استقر عليه رأي القاضي أبي الطيب وابن الصباغ أنها لا تصح؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملةً بالمُجَاز كما تَقدم، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا يصح إجازته. قال ابن الصلاح: وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
ونظيره في الوقف لا يجوز عندنا، وأجازه أصحاب مالك وأبي حنيفة، فجوَّزوا الوقف على مَن سيولد أو يوجد مِن نسل فلان.
أمَّا الإجازة للمعدوم على العموم -كَ "أجزتُ لمن يوجد بعد ذلك مطلقًا"- فلا يصح بالإجماع، وكأنها إجازة من معدوم لمعدوم.
стр. 710
ومنه: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، كـ: "أجزتُ لرَجُلٍ مِن الناس" أو: "لفلان". ويشترك في ذلك الاسم جمع، أو: "أجزتُك أنْ تروي عني شيئًا" أو: "تروي كتاب السُّنن " وهو يروي عِدَّةً مِن كُتب في السُّنن المعروفة بذلك ولا قرينة ترشد للمراد، فهي إجازة فاسدة، لا فائدة لها.
وليس من هذه: الإجازة لِمُسَمين معينين بأنسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم، فلا يقدح كما لا يقدح عدم معرفته بمن هو حاضر يسمع بشخصه.
وكذا لو أجاز للمُسَمَّين في الاستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولا [تَصَفَّحَهم] (١) واحدًا واحدًا، فإنَّ ابن الصلاح قال: (ينبغي أن يصح كما يصح مَن حضر مجلسه للسماع منه وإنْ لم يعرفهم ولا عددهم ولا أشخاصهم).
ومنه: الإجازة المعلَّقة بشرط، مثل: "أجزتُ لمن يشاء فلان" أو نحو ذلك، فلا يصح أيضا كالذي قبله؛ لِمَا فيه من الجهالة والتعليق. وقد أفتى القاضي أبو الطيب بأنه لا يجوز؛ لأنه إجازة لمجهول، قال: كقوله: (أجزتُ بعض الناس).
وقال أبو يعلى الحنبلي وابن عمروس المالكي: يجوز ذلك.
فلو قال: "أَجزتُ مَن شاء" فهو كـ: "أَجزتُ مَن شاء فلان"، بل [هذا] (٢) أكثر جهالة وانتشارًا مِن جهة تعليقها بمشيئة مَن لا يُحصَر عددهم.
نعم، هذا فيمن أجاز لمن شاء الإجازة منه، أمَّا لو أجاز لمن شاء الرواية عنه فهو أَوْلى بالجواز مِن حيث إنَّ قضية كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة مَن أجاز له، فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحًا بما يقتضيه الإطلاق من حكاية الحال، لا تعليقًا؛ ولهذا أجاز
стр. 711
بعض أصحابنا في البيع: "بِعْتُك هذا إنْ شئتَ"، فيقول: قَبلتُ.
ومنه: الإجازة لمن ليس أهلًا، كالطفل والمجنون والكافر والحمل.
قال الخطيب: (سألتُ القاضي أبا الطيب عن الصبي: هل يُعتبر تمييزه في الإجازة له كالسماع؟ فقال: لا.
فقلتُ: قد منع بعض أصحابنا أنه [تصح] (١) الإجازة لمن لا يصح سماعه.
فقال: قد يصح أنْ يُجيز للغائب عنه، ولا يصح السماع له) (٢).
واحتج الخطيب بأنَّ [الإجازة] (٣) إباحة للرواية؛ فلا فرق بين المكلَّف وغيره، فيدخل الصبي والمجنون، وأما الكافر فقد صححوا تَحَمُّلَه إذا أدَّاه بعد الإسلام، فالقياس جواز الإجازة له.
ووقعت المسألة في زمن الحافظ أبي الحجاج المزي بدمشق، فكان طبيب يسمى محمد بن عبد السيد يسمع الحديث -وهو يهودي- عَلَى أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصُّوري، وكَتب اسمه في طبقات السماع مع الناس، وأجاز ابنُ عبد المؤمن لمن سمع، وهو مِن جُملتهم، وكان السماع والإجازة بحضرة المِزِّي وبعض السماع بقراءته ولم ينكره، ثُم هَدَى الله ابنَ عبد السيد للإسلام وحدَّث وتحمل الطلاب عنه.
стр. 712
قال شيخنا الحافظ عبد الرحيم بن العراقي: ورأيتُه ثَمَّ، ولم أسمع منه.
وأما الإجازة للمجهول فصحيحة إذا [علم بشخصه أو بنسبه] (١) أو نحو ذلك كما سبق.
وأما الإجازة للفاسق أو المبتدع فأَوْلى مِن الكافر، بل لا ينبغي الشك في جوازها لهما.
وأما الحمل فيفهم من قول الخطيب أنه لم يقع؛ لأنه قال: لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودًا.
لكن لا نعلم إذا وقع، هل يجوز؟ أو لا؟ وهو أَوْلى بالصحة من المعدوم، ويقوى إذا أجيز له تبعًا لأصله.
ويحتمل أنْ يُبنى على أن الحمل يُعلم، أي: يُعطى حكم المعلوم؟ أم لا؟
إنْ قلنا: نعم وهو الأصح، فيصح.
ومِنه: الإجازة لِمَا لم يتحمله المجيز ليَرْوِيَهُ المُجَاز له إذا تحمله المجيزُ.
قال القاضي عياض في "الإلماع": لم أرهم تكلموا فيه، ورأيتُ بعض العصريين يفعله.
لكن قال أبو مروان عبد الملك الطُّبني -أيْ بضم الطاء والموحدة مشددة ثم نون-: كنتُ عند القاضي أبي الوليد يونس بقُرْطُبة، فسأله إنسان الإجازة بما رواه وما يرويه مِن بَعد، فلم يُجِبه؛ فغضب.
فقلتُ: يا هذا، يعطيك ما لم يأخذ؟ !
فقال أبو الوليد: هذا جوابي.
стр. 713
قال عياض: (فهذا هو الصحيح) (١).
وعلى هذا ينبغي أنْ تُبنى المسألة على أن الإجازة إخبار بالمُجَاز جُملةً؟ أو إذن؟
فَعَلَى الأول: لا يصح؛ إذْ لا يُجيز عما لم يوجد.
أو بالثاني، فينبني على الخلاف في نظيره من الوكالة فيما لو أَذِنَ في بيع العبد الذي يريد أنْ يشتريه. وقد أجازه بعضُ أصحابنا، والصحيح خِلافه.
ومنه: الإذن في الإجازة، كَـ "أذنتُ لك أنْ [تُجِيزَ] (٢) عني مَن شئت".
قال السبكي في "شرح منهاج البيضاوي": (لم أَرَ مَن ذكره، وقد وقعت في عصرنا، وسُئلتُ عنها، فقلتُ: المُتَّجِه الصحة، كـ "وَكِّل عني"، وعلى هذا يكون مُجَازًا من جهة الآذِن، وينعزل "المأذون له في أنْ يجيز" بموت الآذِن كما ينعزل الوكيل بموت الموكِّل).
قال: (ولو قال: "أذِنتُ لك أنْ [تجيز] (٣) عني فلانًا"، فأَوْلى بالجواز) (٤).
والله أعلم.
стр. 714
ص:
٣٥٥ - "تَنَاوُلٌ"، "إعْلَامُهُ"، "وَصِيَّهْ" ... " وِجَادَةٌ" [تَرْتِيبُ ذِي] (١) الْبَقِيَّهْ
الشرح:
هذه أنواع أخرى منحطة عما سبق، وقد رجح كثيرٌ فيها المنع كما سنفصله، لكن جريتُ فيها على قول المجوِّزين؛ لقوته، بل كلام الشافعي يدل على الجواز في أَدْوَنها وهو الوجادة كما سيأتي، وأيضًا فلتكثير الفائدة باستيعاب ما ذكر مِن المراتب.
وقولي: ([تَرْتِيبُ ذِي] (٢) الْبَقِيَّهْ) تنبيه على ترتيبها، فكل واحد أعلى مما بعده.
أولها: المناولة المجردة عن الإجازة.
وأصلها لُغةً: الإعطاء باليد، ثم استُعملت عند [المحدِّثين] (٣) وغيرهم في إعطاء كتاب أو ورقة مكتوبة أو نحو ذلك، ويقول المناوِل له: (هذا سماعي من فلان) أو: (مَرْوِيِّي عنه بطريق كذا). سواء قال مع ذلك: (خُذه) أو ناوله بالفعل ساكتًا.
فإذا لم ينضم إليها إذْنٌ بالرواية على ما مضى ذِكره، يُسمى "المناولة المجردة"، وهي المراد بقولي: (تَنَاوُلٌ)؛ لأنه مطاوع ناوله مناولةً.
والمرجَّح عند الأكثرين فيها أنه لا تصح الرواية بها.
وحكى الخطيب عن قوم أنهم صححوها، وبه قال ابن الصباغ.
стр. 715
قال الهندي (١): وكلام الإمام فخر الدين صريح فيه، وكلام غيره يدل على المنع.
وقال ابن الصلاح: (إنها [إجازة مجملة] (٢) لا [تجوز] (٣) الرواية بها، وعابها غير واحد مِن الفقهاء والأصوليين على المحدثين) (٤).
وقال النووي: إنَّ الصحيح المنعُ عند الأصوليين والفقهاء.
الثانية: الإعلام المجرد عن المناولة والإجازة، كأنْ يقول: (هذا سماعي مِن فلان) أو: (روايتي عنه) أو نحو ذلك ولا يزيد على هذا، وهي أَوْلى بالمنع مِن التي قبلها، وإليه ذهب غير واحد مِن المحدثين وغيرهم، وبه قطع أبو حامد الطوسي مِن الشافعية كلما قاله ابن الصلاح.
والظاهر أنه أراد به الغزالي؛ فإنه كذلك في "المستصفى"، قال: (لأنه لم يأذن في الرواية، فلَعَلَّهُ لا يُجوِّز الرواية؛ لخلل يعرفه فيه وإنْ سمعه) (٥). انتهى
وإنْ كان في الشافعية كثير أبو حامد الطوسي لكن لا يُعْرف لهم تصنيف فيه هذا غير "المستصفى".
وبالجملة فالمنع هو المختار كما قال ابن الصلاح، وهو مقتضَى كلام الآمدي.
وذهب كثيرون إلى الجواز، منهم ابن جريج وعُبيد الله الغَمري -بفتح الغين المعجمة وبالراء المهملة- وأصحابه المدنيون وطائفة من المحدثين والفقهاء والأصوليين وأهل
стр. 716
الظاهر، ونصره أيضًا الوليد بن بكر الغَمري -بالمعجمة أيضًا- وبه قطع ابن الصباغ، وحكاه القاضي عياض عن كثير.
وأجازه أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي، قال: حتى لو قال: "هذه روايتي لكن لا تَرْوِها عني ولا أُجيزه لك"، لم يضره ذلك.
قال القاضي عياض: (وما قاله صحيح، لا يقتضى النظر سواه؛ لأنَّ منعه -لا لِعِلة ولا لريبة- لا يؤثر؛ فهو مِن الذي لا يُرجَع فيه) (١).
ورَدَّ ذلك ابن الصلاح بأنه كالشاهد يسمع مَن يذكر شيئًا في غير مجلس الحكم ليس له أنْ يشهد على شهادته إذا لم يأذن له. قال: (وذلك مما تساوت فيه الرواية والشهادة). انتهى
لكن القاضي عياض قد تعرَّض للجواب عن هذا بأنَّ الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإشهاد أو الإذن في كل حال سوى ما لو سمعه أدَّى عند الحاكم فإنَّ فيه اختلافًا، وأما الرواية فليس فيها ذلك؛ فإنَّ الحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذنٍ باتفاق؛ فافترقَا.
وقد يخدش هذا الجواب: بأنَّ الحديث عن السماع والقراءة وِزان سماعه عند القاضي يؤدي أو نحو ذلك؛ لأنه لا يحتمل شيئًا آخر، بخلاف ما لو سمع شخصًا يقول: (أنا شاهد على فلان بكذا)، فلا فرق بينهما في ذلك حينئذٍ.
واعْلَم أنَّ هذا كله في جواز الرواية، أما العمل بما أخبره به الشيخ أنه سماعه أو مَرْوِيُّه فإنه يجب عليه إذا صح إسناده كما جزم به ابن الصلاح، وحكاه عياض عن محققي أصحاب الأصول أنهم لا يختلفون فيه.
стр. 717
الثالث: الوصية: بأنْ يوصي قبل موته أو عند سفره بأنَّ فلانًا يروى عنه كذا كذا.
فَعَنْ بعض السلف أنه يجوز للموصَى له أنْ يرويه عن الموصي، فروى الرامهرمزي من رواية حماد بن زيد عن أيوب قال: قلتُ لمحمد بن سيرين: إنَّ فلانًا أوصى لي بكُتبه، أفأُحَدِّث بها عنه؟
قال: نعم. ثم قال لي بعد ذلك: لا آمُرك ولا أنهاك.
قال حماد: وكان أبو قلابة قال: ادفعوا كُتبي إلى أيوب إنْ كان حيًّا، وإلا فاحرقوها.
وعَلل ذلك القاضي عياض بأنه نوع مِن الإذن.
قال ابن الصلاح: (وهذا بعيد جدًّا، وهو إما زَلَّة عالِم أو مُؤَوَّل على أنه أراد أن يكون ذلك على سبيل الوجادة) (١).
الرابع: "الوِجادة" بكسر الواو: مصدر [مُوَلَّدٌ] (٢) لِـ "وَجَد". قال المعافَى بن زكريا النهرواني: إنَّ المولدين ولدوه وليس عربيًّا، جعلوه مباينًا لمصادر "وجد" المختلفة المعنى، فكما ميزت العرب بين معانيها فَرَّقَ هؤلاء بين ما قصدوه مِن هذا النوع وبين تلك.
قال ابن الصلاح: (يعني قولَهم: وَجَد ضالَّتَه وِجْدانًا، ومطلوبَه وُجُودًا، وفي الغضب: مَوْجِدةً، وفي الغِنَى: وُجْدًا، وفي [الخير] (٣): وَجْدًا) (٤). انتهى
وزِيد عليه "جِدة" في الغضب، وفي الغِنَى "إجْدان" بكسر الهمزة. حكاهما ابن الأعرابي. وبَسْط ذلك له موضع أَلْيَق مِن هذا.
стр. 718
و"الوجادة" في الاصطلاح: أن يجد الحديث أو نحوه بخط مَن يعرفه ويثق بأنه خطه، حيًّا كان أو ميتًا.
فأما الرواية به فأنْ يقول: (وجدتُ بخط فلان كذا). وإذا لم يثق بذلك، يقول: (ذُكر أنه خط فلان). ولا يقول لا "حدَّثنا" ولا "أخبرنا"، خلافًا لمن جازف في إطلاق ذلك.
قال القاضي عياض: (لا أعلم أحدًا ممن يُقتدَى به أجاز ذلك) (١).
وأما أنْ يقول: (عن فلان) فقال ابن الصلاح: (إنه تدليس قبيح إذا كان يُوهم سماعه منه) (٢).
أما العمل بها فمعظم المحدثين والفقهاء والأصوليين على المنع.
وحُكي عن الشافعي الجواز، وهو الذي نَصره الجويني، واختاره غيره مِن أرباب التحقيق.
قال ابن الصلاح: (قطع به بعض المحققين من أصحابه، وهو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة) (٣).
وقال النووي أيضًا: إنه الصحيح.
تنبيهان
أحدهما: سبق في الرواية بالوجادة اللفظ الذي يروى به وينبغي في الوصية أن يصرح
стр. 719
بذلك بأن يقول: (أوصَى لي فلان أن [أروي] (١) عنه كذا). ولا يُطْلِق "حدَّثنا" و"أخبرنا"، وكذا في "الإعلام".
وأما "المناولة" وكذا ما قبلها وهو "الإجازة" فلا يُقال فيهما: (حدثنا) ولا: (أخبرنا) على الصحيح المختار عند الجمهور.
وقال الزهري وما لك: يجوز فيهما إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا".
وحُكي عن قوم أنَّ ذلك جائز في "الإجازة" مطلقًا مِن غير أن يُقيد بكونها إجازة. فحكاه عياض عن ابن جريج وجماعة مِن المتقدمين. وقال الوليد بن بكر: إنه مذهب مالك وأهل المدينة. وذهب إليه أيضًا إمام الحرمين، وخالفهم غيرهم مِن أهل الأصول وغيرهم.
وجوَّز أبو نُعيم وأبو عبد الله المَرْزَباني -بميم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم موحدة وبعد الألف نون- أن يقول: (أخبرنا) دُون (حدثنا) إلَّا أن يقول: (حدثنا - أو: أخبرنا - إجازةً) كما يقول في المناولة: (أخبرنا - أو: حدثنا - مناولة) أو نحو ذلك، وللمحدثين ألفاظ أخرى في ذلك موضحة في عِلم الحديث، لا نُطَول بها.
الثاني: "المكاتبة": بأن يكتب الشيخ إلى غيره: (سمعت من فلان كذا).
للمكتوب إليه -إذا عَلم خطه أو ظنه بإخبار عدلٍ أنه خطه أو شاهده يكتب -أنْ يعمل به ويرويه عنه إنْ أجازَه به، وكذا إن لم يُجِزه عند كثير من المتقدمين حتى قال ابن السمعاني: إنها أقوى من الإجازة.
واقتضى كلام إلْكِيا [أنها] (٢) كالسماع، قال: لأنَّ الكتابة أحد اللسانين، وقد كان ﷺ يُبلِّغ الغائب بالكتابة إليه.
стр. 720
قال: ولو بعث إليه رسولًا وأخبره بالحديث، حَلَّت له الرواية؛ لأنَّ الرسول ينقل كلام المرسِل؛ فهو كالكتاب، بل أَوْثق منه، وكان ﷺ يكتب إلى عُماله تارةً ويُرسل أخرى.
ونقل الصيرفي عن مالك أنه كان يكتب ويقول: كتبتُ كتابي هذا وختمته بخاتمي، فارْوِه عني.
قال البيهقي: (الآثار فيه كثيرة عن التابعين وأتباعهم مِن بعدهم؛ فدَلَّ على أنه واسمع عندهم، وكُتُب النبي ﷺ إلى عُمَّاله بالأحكام شاهدة لقولهم. إلا أن ما سَمِعَه مِن الشيخ فوعاه أو قُرئ عليه وأقرَّ به فحَفظه يكون أَوْلى بالقبول مما كتب به إليه؛ لِما يخاف على الكتاب مِن التغيير والإحالة). انتهى
ونقل أبو الحسين بن القطان عن بعضهم اعتبار شاهدين على الكاتب بأنه كتبه على حد شرط كتاب القاضي.
وصِفَةُ الرواية بهذا النوع: (كَتب إلَيَّ)، أو: (أخبرني كتابةً).
وجَوَّز الإمام فخر الدين أن يُطلق "أخبرني" وإنْ لم يقُل: (كتابةً). وجرى عليه ابن دقيق العيد في "شرح العنوان"، فجعل قول الراوي: (كتابةً) أدبًا لا شرْطًا، ونُقل نحو ذلك عن الليث بن سعد أنه يجوز إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا".
والمختار الراجح: الأول.
ومنع قوم مِن الرواية بالكتابة، كالماوردي والروياني، وأجابا عن كُتب النبي ﷺ بأن الاعتماد كان على إخبار المرسَلة على يده، ونُقل إنكار ذلك أيضًا عن الدارقطني.
قال إمام الحرمين في "النهاية": (كل كتاب لم يُذكر حامله فهو مرسَل) (١).
стр. 721
قلتُ: وإنما لم أذكر هذا النوع في النَّظم؛ لأنَّ مَردَّه عند القائل به أحد أمرين:
[أحدهما] (١): "الوجادة" وإنْ فارقها مِن حيث إنه هنا قصده بالكتابة، بخلاف "الوجادة".
[والآخَر] (٢): "الإجازة" على ما سبق مِن تفاصيلها وإنْ فارقها مِن حيث إنَّ فيها لفظًا، بخلاف الكتابة، فاكتفي بذكرهما. ومَن أراد التوسع في ذلك فليراجعه من محله وهو عِلم الحديث، والله تعالى أعلم.
خاتمة:
٣٥٦ - تَكْذِيبُ أَصْلٍ فَرْعَهُ لَا يُسْقِطُ ... مَرْوِيَّهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ يَضْبِطُ
٣٥٧ - وَالشَّيْخُ نَاسٍ، فَإذَا مَا ظَنَّا ... أَوْ شَكَّ فَهْوَ لِلْقَبُولِ أَدْنَى
الشرح:
هذه الخاتمة في مسائل كالمفرَّعة على ما تأَصَّل مِن القواعد في خبر الواحد وما شُرط فيه، وربما يخرج مِن ذلك شروط أخرى في قبول خبر الواحد سوى ما تَقدم لكن على آراء تارةً ترجح وتارةً تضعف، والفَطِن ينظر في الراجح [فيزيده] (٣).
الأُولى:
إذا كذَّب الأصلُ فرعَه فيما رواه عنه، هل يسقط ذلك المروي عن درجة الاعتبار فَيُرَد
стр. 722
ولا يُعمل به؟ أوْ لا؟ قولان:
أحدهما: وهو المختار وعليه جَريتُ في النظم وفاقًا لابن السمعاني كما سيأتي وجرى عليه صاحب "جمع الجوامع"، لموافقته للقواعد -أنه لا يُسقط مَرْوِيَّه؛ لأنه قد يضبط الفرعُ ويكون الشيخ ناسيًا له؛ فينكره اعتمادًا على غَلبة ظنه أنه ما أخبره؛ ولهذا كان الحالف على غلبة ظنه -والأمر بخلافِه- لا يحنث.
وممن اختار ذلك أيضًا أبو الحسين بن القطان وابن السمعاني في "القواطع".
وجزم به الماوردي والروياني إلا أنهما قالا: إن الفرع لا يجوز أن يرويه عن الأصل.
وهو مُشْكل؛ لأنه إذا كان المروي معتبرًا، فَلِمَ لا يُعزى للشيخ؟
القول الثاني: سقوط ذلك المروي، وهو المشهور، وذكر إمام الحرمين أن القاضي عزاه للشافعي، ونقله ابن السمعاني في كتاب "القواطع" عن الأصحاب وإنْ خالفهم.
بل ربما حكى بعضهم الاتفاق عليه كما هو مقتضَى كلام الهندي في بعض كُتبه ومقتضَى كلام النووي في "شرح مسلم" في "باب الذكر بعد الصلاة".
وفيه نَظر؛ لِمَا سبق.
وفى المسألة قول ثالث بالوقف؛ لتعارُض قَطعْ الشيخ بكذب الراوي وقَطْع الراوي [بأن الشيخ رواه له] (١) وليس أحدهما بأَوْلى مِن الآخَر. وهو ظاهر كلام ابن الصباغ في "العدة"، ونقله ابن القشيري عن اختيار القاضي أبي بكر على خلاف ما نقله عنه إمام الحرمين والخطيب في "الكفاية" من الرد.
وعلى قول الوقف: يُطلب الترجيح.
стр. 723
وفي "شرح المختصر" لابن السبكي تأييد القول الأول بأنه كان يلزم أن يقول الأصحاب: إنه لو اجتمع الأصل والفرع في شهادة، تُرد.
قال: (وما أراهم يقولون بهذا) (١).
فقضيته أنه إجماع، وصرح بأنه حكى الاتفاق فيه الشيخ بدر الدين في "شرح جمع الجوامع"، ثم قال: (لكن ينازع في ذلك قول الهندي: إنه لا يصير بذلك واحد منهما بِعَيْنه مجروحًا وإنْ كان لا بُدَّ مِن جَرْح واحد منهما لا بِعينه، كالبينتين المتكاذبتين).
قال: (وفائدته تظهر في قبول رواية كل واحدٍ منهما وشهادته إذا انفرد، وعدم قبول شهادته وروايته مهما اجتمعا ولو كان في غير ذلك الحديث) (٢). انتهى
قال السبكي: (وقد حكوا قولين فيما إذا ادَّعى رجل على رجلين أنهما رهناه عبدهما، فزعم كل واحد منهما أنه ما رهن نصيبه وأن شريكه رهن وشهد عليه بذلك:
أحدهما: لا يقبل؛ لطعن كل واحد منهما في صاحبه.
وأصحهما: يقبل، وبه قال الأكثرون؛ لأنهما ربما نسيا) (٣).
ومما يشبه ذلك من الفقه:
البينتان تتكاذبان بتعارضهما، ولا يقدح ذلك في عدالتهما.
وإذا قال لامرأته: (إنْ كان هذا الطائر غرابًا فأنت طالق) وعَكَس آخَر ولم يُعْرف الطائر، لا يُمْنَع أحد منهما غشيان امرأته مع أنَّ امرأة أحدهما طالق في نَفْس الأَمْر.
стр. 724
وكذا المجتهدان في إناءين كل منهما توضأ بإناء، لا يَؤُم أحدهما الآخر.
وما لو عَلَّقَ عتق عبده بكون الطائر غرابًا والآخَرُ بكونه ليس غرابًا ثُم ملك أحدهما العبد الآخَر واجتمعا في ملكه، عُتق أحدهما لا بعينه.
وهو كثير، إلا أنَّ الفرق أن مسألتنا يقال فيها: إنَّ يقين أحدهما لا ينافي كونه ناسيًا، فلا تُرد شهادته بالاحتمال.
تنبيهات
أحدهما: محل الخلاف: إذا أنكر الشيخ الحديث بالجملة، أما لو أنكر لفظةً منه فقط فلا خلاف في وجوب العمل به. قاله القاضي في "التقريب".
ومحله أيضًا: إذا كان الشيخ المنكِر واحدًا، أمَّا لو كانوا كثيرًا يَبعد أنهم نسوا وحَفظ الراوي فإنه يكون قادحًا قطعًا. قاله ابن فورك.
ومحله أيضًا: إذا كان الفرعُ جازمًا به، فإن كان شاكًّا فلا يخفى أنه لا يُعمل به؛ لأن شرط الرواية الجزم وإنْ لم ينكر الشيخ، فكيف مع الإنكار؟
ومحله أيضًا: إذا أنكره لفظًا، وهو معنى قولي: (تَكْذِيبُ).
أما لو أنكره فِعلًا بأن رواه له ثم عمل بخلافه:
- فإنْ كان مما يَقبل التأويل، فيجوز أن يكون ذلك؛ لأنه أَوَّلَه.
- وإنْ لم يقبل فقال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": إنه مردود. وبمثله قال أبو زيد الدبوسي من الحنفية.
لكن قياس مذهبنا أنه لا يُرد بذلك مطلقًا؛ لأنَّ العبرة بما روى الراوي، لا بما يرى، كما لو كانا مِن واحد.
стр. 725
فإنْ لم يعمل الشيخ بخلافه ولكن ترك العمل به، فهو يُشْعر بأنه لو كان صحيحًا لَمَا تركه، والظاهر أنه كالذي قبْله.
الثاني: أنَّ الرواية في هذا [تخالف] (١) الشهادة، فمانَّ الأصل إذا أنكر، بطلت شهادة الفرع الذي هو شاهد على شهادته.
الثالث: إذا لم يقع الإنكار إلا من أصحاب الشيخ، لا مِن الشيخ، فإن لم يكن المنكِر عليه من مشاهير أصحابه فنقل ابن برهان عن أصحابنا أنه يُرد، كما ردوا حديث أبي خالد الدالاني: "ليس الوضوء على مَن نام قائمًا أو قاعدًا أو راكعًا أو ساجدًا، وإنما الوضوء على مَن نام مضطجعًا"؛ لقول أحمد: إنَّ أبا خالد الدالاني يُزاحم أصحاب قتادة وليس منهم.
قال ابن برهان: وما تخيلوه لا يصح؛ لأنَّ الفرض أنَّ الناقل ثقة عدل، فكيف يُرد وغاية ذلك زيادة ثقة؟ ! فاللائق بمذهبنا أنه لا يُرد.
فإنْ كان الإنكار من الراوي نفسه بأنْ قال: (كنتُ وهمتُ أو أخطأتُ)، فقال ابن القطان: الظاهر أن يكون كما سبق؛ لاحتمال النسيان. وقال القاضي أبو الطيب: يُقبل إنكاره كما قُبل أولا تحديثه.
أما لو قال: (تعمدتُ الكذب)، فقال الصيرفي: لا يُعمل بذلك الحديث ولا بشيء مِن نَقْله.
فإنْ قال عدل مرتضى في رواية عدل: (إنها ليست بصحيحة)، ولم يُبين لقوله وَجْهًا، لم يُسْمع منه. قاله إلْكِيا الطبري، قال: وبمثله رددنا قول ابن معين: لم يصح في "النكاح بغير ولي" حديثٌ.
стр. 726
الرابع (١): مِن أمثلة المسألة: ما رواه البخاري في رفع الصوت بالذكر عن عمرو - يعني ابن دينار - عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، فإن الشافعي ثُم مُسْلمًا قالا: إنَّ الحديث معلول بأنَّ أبا معبد أنكر تحديثه عَمرًا بذلك. قال الشافعي: وكأنه نَسيَ.
ومنها: ما في سؤالات الآجُري لأبي داود: سمعتُ أبا داود يقول: قال ابن المبارك: كابرني روح بن شيبان مكابرة، حدَّثني بحديث، ثم قال: لم أُحدثك.
المسألة الثانية:
إذا لم ينكِر الشيخ وإنما شك أو ظن أنه لم يحدِّث فرعَه أو قال: (لا أدري صحة ما عزاه إلَيَّ) والراوي ثقة جازم بذلك، فالأكثر على قبوله والعمل به.
وإليه أشرتُ بقولي: (فَإذَا مَا ظَنَّا أَوْ شَكَّ فَهْوَ لِلْقَبُولِ أَدْنَى) أي: أقرب للقبول من الذي سبق في إنكار الشيخ، وعلى هذا أصحابنا ومحمد بن الحسن.
قال القاضي: وهو مذهب أكثر العلماء والفقهاء مِن أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقال سليم: إنه قول أصحاب الحديث بأسْرهم وبعض الحنفية.
قال ابن القشيري: وهو ما اختاره القاضي، وادَّعاه مذهب الشافعي.
كما روى ربيعة عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين" (٢). ثم قال سهيل: لا أدري. ثم صار بعد ذلك يقول: حَدَّثني ربيعة عني
стр. 727
أني حَدَّثته بذلك، كذا رواه أبو داود (١).
وهو في "الترمذي" (٢) و"ابن ماجه" (٣) بدون قول سهيل لربيعة: لا أدري.
واستُدل -باشتهار ذلك ولم ينكره أحد- على جوازه وإنْ كان ابن الحاجب ضَعَّف الاستدلال به بأنه ليس فيه ما يدل على وجوب العمل، والخلاف إنما هو في ذلك.
ورُدَّ بأنه إذا جاز أنْ يُعمل به، ثَبتَ أنه حق يجب العمل به.
قال السبكي في "شرح المختصر": (ومن ظريف ما اتفق في ذلك أنَّ أبا القاسم بن عساكر -وهو أستاذ زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا- حدَّث عن سعيد بن مبارك الدهان ببغداد، قال: رأيت في النوم شخصًا أعرفه وهو ينشد صاحبًا له:
أيُّها [الماِطلُ] (٤) دَيْني أَمليٌّ ومماطِل ... عَلِّلِ القلبَ فإني قانِعٌ منك بِبَاطِل
وحدَّث ابن عساكر بذلك الحافظ أبا سعد بن السمعاني. قال ابن السمعاني: فرأيت سعيد بن البارك وعرضتُ عليه هذه الحكاية، فقال: ما أعرفها. قال ابن السمعاني: وابن عساكر مِن أوثق مَن رأيتُ؛ جُمع له الحفظ والمعرفة والإتقان، ولَعَلَّ ابن الدهان نسيَ) (٥).
وذهب الكرخي والرازي وأكثر الحنفية إلى أنَّ الحديث في هذه المسألة لا يُقبل؛ ولذلك ردُّوا خبر: "أيما امرأة نُكحت بغير إذن وَليها فنكاحها باطل" (٦)؛ لأنَّ راويَه الزهري قال: لا
стр. 728
أذكره. وكذا حديث سهيل في "الشاهد واليمين" كما سبق، وذكر الرافعي في "باب الأقضية" أنَّ القاضي ابن كج حكاه وجهًا عن بعض الأصحاب، ونقله شارح "اللمع" عن اختيار أبي حامد [المروروذي] (١) [وأنه] (٢) قاسه على الشهادة. فإنْ كان المراد في شهادة الشاهدين على القاضي وهو يقول: (لا أعلم)، فهو ما استدل به مَن قاله مِن الحنفية، ولكن الفرق أنَّ باب الشهادة أضيق.
وفى المسألة مذهب ثالث قاله أبو زيد الدبوسي: التفصيل بين أن يكون الأصل ممن يغلب نسيانه واعتياد ذلك فيُقبل، أوْ لا فلا.
ورابع قاله إلْكِيا: التفصيل بين أن يكون هناك دليل مستقل فلا يُعمل به؛ لأنه بمنزلة خبرين تعارضَا، والتردد يورث ضعفًا؛ فقُدِّم الأخير. وإنْ لم يوجد دليل مستقل فهو أَوْلى. قال: وهو حسن جدًّا.
وقول خامس: إنه يجوز لكل أحد أن يرويه إلَّا الذي نسيه. حكاه بعض شراح "اللمع" عن أهل اليمن أنَّ صاحب "الاتصال" (٣) حكاه عن بعض أصحابنا، وهو معنى ما حكاه ابن كج وجهًا أنه هو لا يَعمل به، ويعمل به غيره، وكأنَّ ذلك لكون المرء لا يعمل بخبر أحد عن فعل نفسه، كما في المصَلِّي يُنَبَّه على ما لا يعتقده.
دليلُه: حديث ذي اليدين، لم يَعمل بخبره حتى أخبره غيره، وتذكر بذلك ما نسي.
وبه أُجيب عن رد الشاهدين يشهدان على القاضي وهو لا يستحضر، لكن الفرق في القاضي كما سبق، وأما في مسألتنا فموضع الفائدة من الرواية نسبته إلى النبي ﷺ ، والناس في
стр. 729
ذلك كلهم سواء.
قال الصيرفي: فإنْ قيل: هلا حملتم النسيان على الفرع.
قيل: هو جازم مثبت، والنسيان إنما هو في جانب مَن قال: "لا أدري" وشَكَّ.
أما إذا لم يكن الراوي جازمًا، فإنْ قال: "أشك" فلا يُقبل قطعًا، وإنْ قال: "أظن" فيقدح كما قاله ابن القطان.
وقال صاحب "الإنصاف": فيه نظر أصوليٌّ، ولتجويزه وَجْه؛ ولهذا يجوز أن يروي على الخط، بخلاف الشهادة. وفي "مسلم" في "باب الاغتسال" عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أكثر ظني والذي يخطر على بالي أنَّ أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" (١). واعتذر بعضهم عن مُسلم بأنه إنما ذكره متابعةً لا اعتمادًا.
نعم، ينبغي أن يجري في العمل بها الخلاف في الشاهد بالاستفاضة إذا ذكرها في مستنده، وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يختار أنه لا يضر ذلك؛ لأنه إذا كان حقًّا فلا يضر التعرض له.
قال الهندي: (إذا قال: "أظن أني سمعته منك" فقال الشيخ: "أشك" أو "لا أذكر"، فالأشبه أن يكون مِن صُوَر إنكار الشيخ، فلا يُقبل، أو يُقبل على الخلاف السابق) (٢).
تنبيه:
كره العلماء لأجل هذا الخلاف الرواية عن الأحياء، منهم الشعبي وعبد الرزاق
стр. 730
والشافعي. حكاه الخطيب في "الكفاية"، وذكر البيهقي في "المدخل" أن ابن عبد الحكم روى عن الشافعي حكاية فأنكرها الشافعي ثُم ذكرها، فقال له: "لا تُحدِّث عن حي؛ فإنَّ الحي لا يُؤْمَن عليه النسيان".
وصنَّف الدارقطني جُزءًا فيمن روى عنه بعد نسيانه، ثُم صنَّف في ذلك الخطيب وذكر ما أهمل الدارقطني من ذلك. والله أعلم.
ص:
٣٥٨ - وَزَائِدٌ عَلَى الثِّقَاتِ مِنْ ثِقَهْ ... [يُقْبَلُ؛ فَهْوَ قَدْ يَكُونُ] (١) حَقَّقَهْ
٣٥٩ - إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي لَمْ يَرْوِهَا ... مِثْلُهُمُ لَا يُغْفِلُونَ مِثْلَهَا
٣٦٠ - أَوْ مَا دَوَاعِي [نَقْلِهَا] (٢) تَوَفَّرَتْ ... [فإنْ يُرَ] (٣) الْأَحْفَظُ عَنْهَا قَدْ سَكَتْ
٣٦١ - أَوْ كَانَ قَدْ صَرَّحَ بِالنَّفْيِ لَهَا ... عَلَى الَّذِي يُقْبَلُ حَيْثُ وُجِّهَا
٣٦٢ - تَعَارَضَا، فَإنْ رَوَاهَا [كَرَّهْ] (٤) ... وَتَرَكَ التَّحْدِيثَ فِيهَا مَرَّهْ
٣٦٣ - [فَكَرِوَايَتَيْنِ] (٥) فِيمَا قُدِّمَا ... وَإنْ تَكُنْ قَدْ غَيَّرَتْ إعْرَابَ مَا
٣٦٤ - يَبْقَى، تَعَارَضَا، وَمَا فِيهِ انْفَرَدْ ... عَنْ وَاحِدٍ وَاحِدٌ، اقْبَلْ إنْ وَرَدْ
стр. 731
الشرح:
المسألة الثالثة من مسائل هذه الخاتمة: زيادة الثقة في الحديث ما لم يَرْوِه غيرُه من الثقات الذين رووا الحديث، ولها ثلاثة أحوال: أنْ يُعْلَم تَعدُّد المجلس أو اتحاده أو لا يُعلم واحد منهما.
فالأُولى: وهي أن يُعلم تعدد المجلس فيُقْبَل ما انفرد به. قال الأبياري وابن الحاجب والهندي: بلا خلاف.
وانتُقد بأن ابن السمعاني قد أجرى فيها الخلاف الآتي.
الثانية: أن لا يُعلم واحد منهما، فكالذي قبْله.
الثالثة: أن يعلم اتحاد المجلس، فإما أن يصرح الذي لم يَرْوِها بنفيها أو يسكت، فإن صرَّح بنفيها فسيأتي أن حكمها التعارض وطلب الترجيح.
وإن لم يصرح بنفيها بل سكت ففيها مذاهب:
أحدها: وهو قول الجمهور مِن الفقهاء والمحدثين أنها مقبولة مطلقًا؛ ولهذا قَبِل النبي ﷺ خبر الأعرابي عن رؤية الهلال مع انفراده، وقَبِل خبر ذي اليدين وأبي بكر وعمر ﵁ وإنِ انفردوا عن جميع الرُّواة.
وممن نُقل عنه إطلاق القبول مالك كما حكاه عنه القاضي عبد الوهاب في "الملخص" وعن أبي الفرج مِن أصحابه وعن أصحاب الشافعي.
وجرى على الإطلاق أبو الحسين بن القطان وإمام الحرمين في "البرهان" والغزالي في "المستصفى" وقال: (سواء أكانت الزيادة مِن حيث اللفظ أو المعنى) (١)، والشيخ أبو
стр. 732
إسحاق في "اللمع" وابن برهان، واختاره ابن القشيري أيضًا.
وأطلق إمام الحرمين وغيرُه نَقْل ذلك عن الشافعي، لكن سبق في المرسَل أن كلام الشافعي في "الرسالة" يدل على أنَّ الزيادة ليست مقبولة مطلقًا، بل مقيدة بما سبق هناك. نعم، له نَص آخَر في "الأم" يأتي ذِكره.
الثاني: أنها تُقبل إلا إذا كان الساكت عنها لا يَغْفُل مِثلهم عن مِثلها عادةً؛ إما لكثرتهم أو نحو ذلك. وبه قال ابن السمعاني، وابن الصباغ قال: فإنْ كان الراوي للزيادة واحدًا والساكت عنها واحدًا فالأخْذ برواية الضابط منهما، فإنْ كانا ضابطين ثقتين فالأخذ بالزيادة أَوْلى.
وفي "المحصول" قريب من ذلك.
وكذا قال الآمدي: (إنَّ مَن لم يَرْوِ الزيادة إنِ انتهى إلى حدٍّ لا تقضي العادة بغفلة مِثلهم عن سماعها والذي رواها واحد فهي مردودة، وإلا فاتفق جماعة من الفقهاء والمتكلمين على القبول، خلافًا لجماعة من المحدثين ولأحمد في إحدى الروايتين عنه) (١).
وجرى عليه أيضًا ابن الحاجب والقرافي وغيرهما.
ونقل ابن السبكي عن ابن السمعاني ذلك مع زيادة استثناء أَمْرٍ آخَر، وهو أن تكون الزيادة مما تتوفر الدواعي على نقله، قال: وهو المختار.
وعليه جريتُ في النَّظم بقولي: (إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي لَمْ يَرْوِهَا) إلى آخِره.
و"مَا" في قولي: (أَوْ مَا دَوَاعِي) موصولة بمعنى "التي"؛ فلذلك أعَدتُ الضمير عليها مؤنثًا في "نَقْلها".
стр. 733
و (يُغفِل) بضم أوله وكسر ثالثه -مزيد "غفل" "يَغْفُل" بضم الفاء.
نعم، قال بعضهم: إن مسألة توفر الدواعي ليست في "القواطع" لابن السمعاني.
قلتُ: يجوز أن يكون قالها في موضع آخَر، وأيضًا فاستثناؤها واضح، فقد صرح الإمام الرازي وأتباعه بأن مِن المقطوع بكذبه الخبر الذي تتوفر الدواعي على نقله، وأبطلوا بذلك ما نقله الروافض من النَّص على إمامة علي ﵁، وأبطلوا به أيضًا قول العيسوية -وهُم أتباع أبي عيسى الأصفهاني اليهودي- عن التوراة: (إنَّ موسى ﵇ آخِر مبعوث) بأنه لو كان كذلك لَذَكَره أحبار اليهود في زمن رسول الله ﷺ مع شدة عداوتهم وتبديلهم ما في التوراة مِن بَعْثه وإخفاء نَعْته.
بل زاد الإمام الرازي مِن المقطوع بكذبه "ما نُقل عن النبي ﷺ بعد استقرار الأخبار وفُتش عنه فلم يوجد في بطون الصحف ولا في صدور الرجال" وإنْ كان في القطع بكذبه نَظر، وإنما ينبغي أن يكون مُغلبًا على الظن كذبه. وعلى كل حال فجريان مِثل ذلك في الزيادة أَوْلى.
الثالث: لا يُقبل مطلقًا. وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل الحديث ونقله عن الحنفية، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أبي بكر الأبهري وغيره من أصحابهم، قال: وعلى هذا بَنوا الكلام في الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم ﵁: "وإن أكل فلا تأكل" (١).
الرابع: الوقف؛ لتَعارُض أصل عدم الزيادة مع أصل صِدق الثقة.
الخامس: أن الزيادة لا تُقبل إلا إذا أفادت حُكمًا شرعيًّا. حكاه ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب. فإنْ لم تُفِده، لم تُقبل، كقولهم في مُحْرِمٍ: "وقصَتْه ناقتُه في [أخايين] (٢)
стр. 734
جرذان". فَذِكْر الموضع لا يتعلق به حُكم شرعي. قال البكري في "المعجم": الجرذان أيْ: بجيم ثم راء ثم ذال معجمة على لفظ جمع "جُرْذ" موضع بالشام معروف. لكن هذا لا يناسب تفسير الواقع في الحديث إلا بتأويل.
السادس: عكسه، وهو القبول إذا رجعت الزيادة إلى لفظ لا يتضمن حُكمًا زائدًا.
حكاه ابن القشيري.
السابع: تُقبل الزيادة إن كانت باللفظ دُون المعنى. حكاه القاضي في "التقريب".
الثامن: إنِ اشتهر بنقل الزيادات منفردًا بها، لم تُقبل، وإلا قُبل. نقله الأبياري في "شرح البرهان".
التاسع: لا يُقبل إن كان الساكت عنها أحفظ وأكثر ممن رواها، ونُقل عن نَص الشافعي في "الأم" في مسألة "إعتاق الشريك" في الكلام على زيادة مالك وأتباعه في حديث: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" (١)، إذْ قال الشافعي: (إنما يُغلط الرجُل بخلاف مَن هو أحفظ منه أو
стр. 735
يأتي بشيء يشركه فيه مَن لم يحفظ منه ما حفظ منه وهُم عدد وهو منفرد) (١). انتهى
فظاهره أن زيادة الثقة إنما تُرد حيث [خالف] (٢) بها مَن هو أحفظ منه، أو [لم] (٣) يخالف وإنما انفرد بها عنه وهُم كثير وهو واحد.
ونحوه قول الشافعي أيضًا في حديث سعيد بن أبي عروبة: "وإن كان معسرًا استسعى العبد في قيمته": (إنَّ هذه الزيادة -وهي ذِكر الاستسعاء- تَفرَّد بها سعيد، وخالفه الجماعة؛ فلا يُقبل).
ومَن يرى مِن أصحابه قبول الزيادة مطلقًا -كما هو ظاهر ما اشتهر عن الشافعي- يُؤوِّل ذلك.
فقال سليم الرازي: أراد الشافعي أنَّ غير سعيد زاد: (قال قتادة: ويستسعى)، فجعله من قول قتادة؛ فيكون مُدْرَجًا في الرواية الأخرى، فقَدَّم مَن أوضح الإدراج، لا أنه ردَّ زيادة مَن زاد "الاستسعاء" لكونها زيادة.
وقال إلْكِيا الطبري: إن مُراد الشافعي أنَّ الزيادة لا يُعمل بها عند معارضة حديث آخَر لها؛ تقديمًا لأرجح الدليلين، فقدَّم خبر السراية على خبر السعاية؛ لتفرُّد راويه -وهو سعيد- مِن بين أصحاب الزهري، وسيأتي أنَّ المختار في هذه المسألة التعارض.
العاشر: ما عزاه بعض المتأخرين إلى المحققين مِن أهل الحديث -خصوصًا متقدميهم كيحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهما كأحمد وعلي بن المديني وابن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي وسليم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارَقطني
стр. 736
أنَّ مقتضَى تصرفاتهم في الزيادة قبولًا وردًّا الترجيح بالنسبة إلى ما يَقْوَى عند الواحد منهم في كل حديث.
قلتُ: كذا غاير بعضهم بين هذا وبين ما سبق مِن الأقوال، والظاهر أنه عَيْن قول الوقف الذي سبق، فتأمله.
ونُقلت مذاهب أخرى يمكن عَوْدُها إلى ما سبق، لا نُطَول بها.
قولي: (فإنْ يُرَ الْأَحْفَظُ عَنْهَا قَدْ سَكَتْ) إلى قولي: (تَعَارَضَا) إشارة إلى مسألتين كالمستثنى مما سبق أيضًا، فيكون عدمهما قيدًا للمختار في المسألة مضمومًا إلى ما سبق؛ لأنَّ الحكم فيهما التعارض حتى لا يرجح أحدهما إلا بمرجِّح مِن الخارج كما قاله الإمام في "المحصول".
إحداهما: أن يكون الساكت عن الزيادة أحفظ وأضبط ممن رواها.
والثانية: أن يُصرح مَن لم يَرْوِ الزيادة بنفيها.
نعم، تقييد الثانية بكون النفي على وجه يُقبل -مأخوذ مِن غضون كلام الإمام في المسألة وإنْ لم يصرح به في الأول، وذلك حيث قال: (لو صرح الممسك بنفي الزيادة فقال مثلًا: إن النبي ﷺ وقف على قوله "فيما سقت السماء العشر" ولم يأت بعده بكلام آخَر مع انتظاري له، فهاهنا يتعارض القولان، ويصار إلى الترجيح) (١).
وقال أبو الحسين في "المعتمد": (إن قال: "ما أعْلم بالزيادة" أو قال: "ما سمعتها" ولم يقطعه قاطع عن سماعها فإنه يكون ناقلًا للنفي ولارتفاع الموانع كما نقل الآخَر الزيادة؛ فتتعارض الروايتان.
стр. 737
وإنْ قال: "لم تكن هذه الزيادة" فإنه يحتمل أن يكون ذلك موضع اجتهاد ويحتمل أن يقال: رواية المثْبِت أَوْلى؛ لأنه يحتمل أن يكون النافي إنما نَفَى الزيادة بحسب ظنه، ويحتمل أن يرجع إلى النافي إذا كان أضبط) (١).
ونقل الأبياري في المسألة أن قومًا قالوا بالتعارض وآخرون بتقديم الزيادة، قال: (وهو الظاهر عندنا؛ فإنه إذا لم يكن بُد مِن تَطَرُّق الوهم إلى أحدهما لاستحالة كذبهما وامتنع الحمل على تعمُّد الكذب، لم يبق إلا الذهول والنسيان، والعادة ترشد إلى أن نسيان ما جَرَى أقرب مِن تَخَيُّل ما لم يَجْرِ، وحينئذٍ فالمُثْبِت أَوْلى) (٢).
وقال ابن الصلاح: (إنَّ الزيادة إذا خالفت ما رواه الثقات فهي مردودة) (٣).
وكأنَّ ذلك حيث كان الساكتون أحفظ، فتنضم المخالفة مع كون الساكت أحفظ، أما غير ذلك فالذي يظهر ترجيح التعارض كما في مسألة النفي، بل أَوْلى.
وقولي: (فَإنْ رَوَاهَا كَرَّهْ وَتَرَكَ التَّحْدِيثَ فِيهَا مَرَّهْ فكَرِوَايَتَيْنِ فِيَما قُدِّمَا) إشارة أن إلى ما سبق فيما إذا كانت الزيادة مِن بعض الرواة دون بعض -يجري الحكم فيها أيضًا فيما إذا كان الراوي للزيادة هو الساكت عنها في مرة أخرى حتى يُفصَل فيه بين اتحاد مجلس سماعها مِن الذي روى عنه وتعدده، والمراد ما أمكن جريانه مِن الشروط والأقوال، لا ما لا يمكن، وهو ظاهر.
فلا يؤخذ من قولي: (مَا قُدِّمَا) شمول الكل، وما قلناه في المسألة هو ما قاله ابن الحاجب، وعبر بقوله: "فكروايتين". أيْ: حُكمه حُكم الروايتين، هكذا بخط المصنف،
стр. 738
ويقع في بعض النُّسخ: "فكراويين" تثنية "راوٍ"، وهو أوضح.
وقال في "المحصول": (إنْ روى الزيادة مرة ولم يروها أخرى فالاعتبار بكثرة المرات. وإنْ تساوت، قُبلت) (١).
واعْلَم أن ابن القشيري وكذا القاضي في "التقريب" نقلَا عن فرقة أنها تُرد مِن الراوي الواحد ولا تُرد مِن أحد الراويين.
وقال ابن الصباغ في الواحد: إنْ صرَّح بأنه سمع الناقص في مجلس والزائد في آخَر، قُبلت. وإن عزاهما لمجلس واحد [أو] (٢) تكررت روايته بغير زيادة ثم روى الزيادة فإنْ قال: "كنتُ نسيت هذه الزيادة"، قُبل منه، وإنْ لم يقُل ذلك، وَجَبَ التوقُّف في الزيادة.
وقال أبو الحسين في "المعتمد": (محله في الواحد إذا لم يقرنه استهانة، فلو روى الحديث تارةً بالزيادة وتارةً بحذفها استهانة وقِلَّة تحفُّظ، سقطت عدالته ولم يُقبل حديثه) (٣).
تنبيه:
مثال زيادة ثقة سكت عنها بقية الثقات: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله : حمدني عبدي" (٤). وهو خبر صحيح.
ثم روى عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة
стр. 739
الخبر وذَكر فيه: "فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال تعالى: ذكرني عبدي" (١). تفرد بالزيادة عبد الله بن زياد، وفيه مقال.
وحديث ابن عمر في صدقة الفطر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر" (٢).
انفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن [عبد الله] (٣) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بزيادة: "أو صاعًا من قمح" (٤).
وحديث ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن شرب مِن إناءٍ مِن ذهبٍ أو فضةٍ فإنما يُجرجر في جوفه نار جهنم" (٥).
стр. 740
زاد فيه يحيى بن محمد [الحارثي] (١) عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر: "أو إناء فيه شيء من ذلك" (٢).
ومثال زيادة الراوي مرة وتركها أخرى: حديث سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن [عبيد الله] (٣) بسنده إلى عائشة قالت: " [دخل] (٤) عَلَيَّ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: إنا خبأنا لك [خبيئًا] (٥). فقال: أما إني كنتُ أريد الصوم ولكن قَرِّبيه" (٦). أسنده الشافعي عن سفيان هكذا. ورواه عن سفيان شيخ باهلي، وزاد فيه: "وأصوم يومًا مكانه" (٧).
: (ثم عرضته عليه قبل موته بِسَنة فذكر هذه الزيادة) (٨).