← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أنَّ مقتضَى تصرفاتهم في الزيادة قبولًا وردًّا الترجيح بالنسبة إلى ما يَقْوَى عند الواحد منهم في كل حديث. قلتُ: كذا غاير بعضهم بين هذا وبين ما سبق مِن الأقوال، والظاهر أنه عَيْن قول الوقف الذي سبق، فتأمله. ونُقلت مذاهب أخرى يمكن عَوْدُها إلى ما سبق، لا نُطَول بها. قولي: (فإنْ يُرَ الْأَحْفَظُ عَنْهَا قَدْ سَكَتْ) إلى قولي: (تَعَارَضَا) إشارة إلى مسألتين كالمستثنى مما سبق أيضًا، فيكون عدمهما قيدًا للمختار في المسألة مضمومًا إلى ما سبق؛ لأنَّ الحكم فيهما التعارض حتى لا يرجح أحدهما إلا بمرجِّح مِن الخارج كما قاله الإمام في "المحصول". إحداهما: أن يكون الساكت عن الزيادة أحفظ وأضبط ممن رواها. والثانية: أن يُصرح مَن لم يَرْوِ الزيادة بنفيها. نعم، تقييد الثانية بكون النفي على وجه يُقبل -مأخوذ مِن غضون كلام الإمام في المسألة وإنْ لم يصرح به في الأول، وذلك حيث قال: (لو صرح الممسك بنفي الزيادة فقال مثلًا: إن النبي ﷺ وقف على قوله "فيما سقت السماء العشر" ولم يأت بعده بكلام آخَر مع انتظاري له، فهاهنا يتعارض القولان، ويصار إلى الترجيح) (١). وقال أبو الحسين في "المعتمد": (إن قال: "ما أعْلم بالزيادة" أو قال: "ما سمعتها" ولم يقطعه قاطع عن سماعها فإنه يكون ناقلًا للنفي ولارتفاع الموانع كما نقل الآخَر الزيادة؛ فتتعارض الروايتان.

стр. 737

وإنْ قال: "لم تكن هذه الزيادة" فإنه يحتمل أن يكون ذلك موضع اجتهاد ويحتمل أن يقال: رواية المثْبِت أَوْلى؛ لأنه يحتمل أن يكون النافي إنما نَفَى الزيادة بحسب ظنه، ويحتمل أن يرجع إلى النافي إذا كان أضبط) (١). ونقل الأبياري في المسألة أن قومًا قالوا بالتعارض وآخرون بتقديم الزيادة، قال: (وهو الظاهر عندنا؛ فإنه إذا لم يكن بُد مِن تَطَرُّق الوهم إلى أحدهما لاستحالة كذبهما وامتنع الحمل على تعمُّد الكذب، لم يبق إلا الذهول والنسيان، والعادة ترشد إلى أن نسيان ما جَرَى أقرب مِن تَخَيُّل ما لم يَجْرِ، وحينئذٍ فالمُثْبِت أَوْلى) (٢). وقال ابن الصلاح: (إنَّ الزيادة إذا خالفت ما رواه الثقات فهي مردودة) (٣). وكأنَّ ذلك حيث كان الساكتون أحفظ، فتنضم المخالفة مع كون الساكت أحفظ، أما غير ذلك فالذي يظهر ترجيح التعارض كما في مسألة النفي، بل أَوْلى. وقولي: (فَإنْ رَوَاهَا كَرَّهْ وَتَرَكَ التَّحْدِيثَ فِيهَا مَرَّهْ فكَرِوَايَتَيْنِ فِيَما قُدِّمَا) إشارة أن إلى ما سبق فيما إذا كانت الزيادة مِن بعض الرواة دون بعض -يجري الحكم فيها أيضًا فيما إذا كان الراوي للزيادة هو الساكت عنها في مرة أخرى حتى يُفصَل فيه بين اتحاد مجلس سماعها مِن الذي روى عنه وتعدده، والمراد ما أمكن جريانه مِن الشروط والأقوال، لا ما لا يمكن، وهو ظاهر. فلا يؤخذ من قولي: (مَا قُدِّمَا) شمول الكل، وما قلناه في المسألة هو ما قاله ابن الحاجب، وعبر بقوله: "فكروايتين". أيْ: حُكمه حُكم الروايتين، هكذا بخط المصنف،

стр. 738

ويقع في بعض النُّسخ: "فكراويين" تثنية "راوٍ"، وهو أوضح. وقال في "المحصول": (إنْ روى الزيادة مرة ولم يروها أخرى فالاعتبار بكثرة المرات. وإنْ تساوت، قُبلت) (١). واعْلَم أن ابن القشيري وكذا القاضي في "التقريب" نقلَا عن فرقة أنها تُرد مِن الراوي الواحد ولا تُرد مِن أحد الراويين. وقال ابن الصباغ في الواحد: إنْ صرَّح بأنه سمع الناقص في مجلس والزائد في آخَر، قُبلت. وإن عزاهما لمجلس واحد [أو] (٢) تكررت روايته بغير زيادة ثم روى الزيادة فإنْ قال: "كنتُ نسيت هذه الزيادة"، قُبل منه، وإنْ لم يقُل ذلك، وَجَبَ التوقُّف في الزيادة. وقال أبو الحسين في "المعتمد": (محله في الواحد إذا لم يقرنه استهانة، فلو روى الحديث تارةً بالزيادة وتارةً بحذفها استهانة وقِلَّة تحفُّظ، سقطت عدالته ولم يُقبل حديثه) (٣). تنبيه: مثال زيادة ثقة سكت عنها بقية الثقات: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله : حمدني عبدي" (٤). وهو خبر صحيح. ثم روى عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة

стр. 739

الخبر وذَكر فيه: "فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال تعالى: ذكرني عبدي" (١). تفرد بالزيادة عبد الله بن زياد، وفيه مقال. وحديث ابن عمر في صدقة الفطر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر" (٢). انفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن [عبد الله] (٣) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بزيادة: "أو صاعًا من قمح" (٤). وحديث ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "مَن شرب مِن إناءٍ مِن ذهبٍ أو فضةٍ فإنما يُجرجر في جوفه نار جهنم" (٥).

стр. 740

زاد فيه يحيى بن محمد [الحارثي] (١) عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر: "أو إناء فيه شيء من ذلك" (٢). ومثال زيادة الراوي مرة وتركها أخرى: حديث سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن [عبيد الله] (٣) بسنده إلى عائشة قالت: " [دخل] (٤) عَلَيَّ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: إنا خبأنا لك [خبيئًا] (٥). فقال: أما إني كنتُ أريد الصوم ولكن قَرِّبيه" (٦). أسنده الشافعي عن سفيان هكذا. ورواه عن سفيان شيخ باهلي، وزاد فيه: "وأصوم يومًا مكانه" (٧). : (ثم عرضته عليه قبل موته بِسَنة فذكر هذه الزيادة) (٨).

стр. 741

وقولي: (وَإنْ تَكُنْ قَدْ غَيَّرَتْ إعْرَابَ مَا يَبْقَى، تَعَارَضَا) إشارة إلى أن ما سبق كله محله ما لم تُغير الزيادة إعراب ما بقي مِن الحديث، كما لو روى راوٍ: "في كل أربعين شاةً شاةٌ" وروى الآخَر: "نصف شاة"، فيتعارضان كما هو الحق عند الإمام الرازي وأتباعه. وحكاه الهندي عن الأكثرين، قال: الأنَّ كل واحد منهما يروي غير ما رواه الآخَر؛ فيكون نافيًا له). قال: (وخالف أبو عبد الله البصري) (١). انتهى لكن الذي في "المعتمد" عن أبي عبد الله البصري قبول الزيادة سواء أثَّرت في اللفظ أوْ لا إذا أثرت في المعنى، وأن القاضي عبد الجبار يقبلها إذا أثَّرت في المعنى دُون ما إذا أثَّرت في إعراب اللفظ. وقولي: (وَمَا فِيه انْفَرَدْ) إلى آخِره -إشارة إلى أنه هل يُشترط العَدد في الرواية كالشهادة غالبًا؟ أوْ لا؟ الأكثرون على المنع؛ لإطلاق الأدلة في العمل بخبر الواحد؛ ولأن النبي ﷺ كان يرسل لتبليغ الأحكام وغيرها الواحد. والمخالف في المسألة الجبَّائي، اشترط العدد في كل خبر. ونقل القرافي عن كتاب "المحصول" لابن العربي أن الجبائي اشترط في قبول الخبر اثنين وشرط على الاثنين اثنين، وهكذا إلى أن ينتهي الخبر إلى السامع. ونقله الشيخ عنه في "اللمع". ويؤخذ مِن هذه المسألة أنَّ العَدد لا يُشترط في المنفرد عنه الثقة بالزيادة حتى لو انفرد بها واحد عن واحد، فإنها مقبولة عند الأكثر كما سبق في كلام ابن الصباغ.

стр. 742

ومن ثَم غاير في "جمع الجوامع" بين هذه المسألة وبين مسألة الجبائي حيث ذكر هذه المسألة هنا ناقلًا لها عن الأكثر بعد أنْ سبق منه النقل عن الجبائي أنه لا بُدَّ مِن اثنين أو اعتضاد، فلا يُظَن الاتحاد وأنه كرر كما زعمه شيخنا في شرحه. ومعنى [الاعتماد] (١) الذي أشار إليه أنْ يأتي له شاهد -مَثَلًا- يُقَوِّيه. والله أعلم. ص: ٣٦٥ - وَمُسْنِدٌ أَوْ رَافِعٌ مَا أَرْسَلُوا ... أَوْ وَقفُوا مُقَدَّمٌ، فَيُقْبَلُ الشرح: هذا استطراد للزيادة في السند دون المتن، وقد ذكرتُ في هذا البيت منه مسألتين: إحداهما: إذا أسند الراوي حديثًا ورواه غيرُه مرسلًا. والثانية: إذا رفع الراوي الحديث إلى النبي ﷺ ورواه غيرُه موقوفًا، وهو معنى قولي: "مَا أَرْسَلُوا أَوْ وَقفُوا"، ففيه لف ونشر مرتب. والحكم في المسألتين قبول مَن معه الزيادة وهو ثقة، فيُقدَّم مَن وصل ومَن رفع. وفي حُكم مَن أسند وأرسلوا مَن وصل السند وقطعه غيرُه، أي: رواه منقطعًا؛ فلذلك اقتصرتُ في النَّظم على إحدى المسألتين؛ لكون الأخرى في معناها وإنْ كان ابن الحاجب صرح بالثلاثة. مثال ما أسند وأرسلوا: إسناد إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن

стр. 743

أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ حديث: "لا نكاح إلا بولي" (١). ورواه سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا، فقضى البخاري لمن وصله وقال: (زيادة الثقة مقبولة) مع أنَّ المُرْسِل له شعبة وسفيان، وهُما مَن هُما حفظًا وإتقانًا. ومثال مَن رفع ووقَّفوا: حديث مالك في "الموطأ" عن أبي النضر، عن [بُسر] (٢) بن سعيد، عن زيد بن ثابت ﵁ موقوفًا عليه: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٣). وخالفه موسى بن عقبة وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وغيرهما، فرووه عن أبي النضر مرفوعًا. ومثل هذا كثير في حديث مالك. واعْلم أن قولي: (فَيُقْبَلُ) يحتمل أن يكون جزمًا ولو رددنا زيادة الثقة، ويحتمل أن يكون على الراجح؛ لكون الراجح قبولها، فيكون تفريعًا على الراجح في زيادة الثقة. وعبارة ابن الحاجب وابن السمعاني أن ذلك كالزيادة؛ فيقتضي جريان الخلاف الذي فيها فيه، وليس ببعيد وإنْ كان أكثر النَّقلة ساكتًا عنه. ونقل بعضهم أنَّ الراجح مِن قول أئمة الحديث أن الرفع والوقف يتعارضان، وكذا الوصل مع الإرسال، وهو نظير الوقف فيما سبق من الخلاف في زيادة الثقة.

стр. 744

فرع: لو كان الذي أرسل وأسند واحدًا مرة كذا ومرة كذا، فالظاهر القبول، وبه جزم الإمام وأتباعه وإنْ كان في عبارة البيضاوي في "المنهاج" حكاية خلاف، لكن الخلاف إنما يُنقل عن بعض المحدثين، فيبعد أن يكون البيضاوي أراده وخرج بحكايته عن طريقة إمامه. وحمل السبكي في شرحه قوله: (إنْ أرْسلَ ثم أسْندَ، قُبِلَ. وَقِيلَ: لا) على أنه إذا كان من شأنه إرسال الأخبار وأسند خبرًا هل يُقبل؟ أوْ لا؟ والخلاف في هذه المسألة مشهور. واحتج المانع بأنَّ إهماله ذِكر الرواة في الغالب يدل على ضعف الراوي، فيكون سَتْره له خيانة وتدليسًا؛ فلا يُقبل. وفيه نظر؛ لاحتمال أنْ يكون آثَر الاختصار أو طَرَقه النسيان. وإذا قُلنا بالراجح وهو القبول، فقال الشافعي: إنما يُقبَل مِن حديثه ما قال فيه: "حَدَّثَني" أو "سمعتُ"، لا باللفظ الموهِم. وقال بعض المحدِّثين: لا يُقبل إلا إذا قال: سمعتُ فلانًا. وقال شيخنا بدر الدين الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إن المصنِّف أهمل ما إذا أرسل ثم أسند أو وقف ثم رفع، وهو في "المنهاج" ورجَّح القبول) (١). انتهى وقد عرفتَ أنه إنما ذكر ما إذا أرسل ثم أسند، وفي كَوْن الوقف والرفع في معناه فيه نظر. وأيضا فقد حمله السبكي في شرحه على ما سبق، فلَعَلَّه لذلك أهمله في "جمع الجوامع"، على أنه في "جمع الجوامع" وقع له في المسألة سبق قَلَم، فإنه قال: (أو وقف ورفعوا)، وهو

стр. 745

بالعكس، أي: "رفع ووقفوا"، والله أعلم. ص: ٣٦٦ - وَحَذْفُ بَعْضِ خَبَرٍ مَا غَيَّرَا ... حُكْمًا لِبَاقٍ جَائِزٌ قَدْ حُرِّرَا الشرح: من مسائل الخاتمة أيضًا: إذا انفرد الراوي الثقة عن الثقات بنقص بعض الحديث -عكس مسألة الزيادة- فهل يكون ذلك جائزًا؟ أوْ لا؟ الأكثرون على الجواز إذا كان مستقلًّا؛ لأنهما كخبرين، وقد فرَّق الأئمة حديث جابر الطويل في حج النبي ﷺ على الأبواب، وكثيرًا ما يُفرق البخاري الحديث؛ لقصد الاستدلال أو لغير ذلك. وأما إذا لم يكن مستقلًّا، فإما أنْ يتغير -بحذفه- حُكم الباقي أو لا. إنْ لم يتغير حُكم الباقي فهو جائز، وإنْ تَعْير فلا يجوز، كما لو كان الساقط غايةً فيما بقي، نحو: "نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو" (١). أو استثناء، نحو: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء" (٢). أو صفة، نحو: "في الغنم السائمة الزكاة" (٣).

стр. 746

أو شرطًا، نحو: (١) أو كان فيه تغيير معنوي كما في النَّسخ، نحو: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" (٢). فلا يحذف "فزوروها". أو بيان المُجْمَل فيه، أو تخصيص العام، أو تقييد المطْلَق، أو نحو ذلك. وهذا التفصيل بين ما يُغَيِّر وما لا يُغَير هو ثالث المذاهب الصحيحُ المرضي عند القاضي، كما نقل المذاهب والترجيح إمام الحرمين وابن القشيري. نعم، حكاية قول بالجواز مع التغيير للمعنى في ثبوته بُعْد، وقد قال الهندي والأبياري في التعليق: إنه لا خلاف في عدم جوازه. وفي المسألة قول رابع حكاه القاضي في "التقريب" والشيخ في "اللمع": إنه إن كان نَقَل ذلك هو أو غيرُه مَرة بتمامه، جاز أن ينقل البعضَ. وإنْ لم ينقل ذلك لا هو ولا غيْره، لم يَجُز. نعم، قيَّد الغزالي وغيْره الجواز كيف كان بأن لا يتطرق إليه سوء الظن بالتهمة باضطراب النقل. وقول خامس: إن كان الحديث مشهورًا بتمامه، جاز نقْل بعضه، وإلا فلا. قاله بعض شُراح "اللمع". وسادس: إن لم يُعلم إلا مِن جهته فإنْ تَعلق به حُكم، لم يَجُز أن يترك منه شيء. وإن لم يتعلق به حكم: فإنْ كان فقيهًا، جاز له ذلك الحذف، أو غير فقيه، لم يجز. قاله ابن فورك

стр. 747

وابن القطان في كتابيهما. وقسَّم الأبياري غير المتعلق إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يُقْطع بذلك. ولا يَبْعُد طَرْد قول المنع هنا؛ حَسْمًا للذريعة، وحَذرًا مِن الإفضاء إلى موضع الإشكال. ثانيها: أن يُظن، فلا يجوز الحذف بحال. ثالثها: أن يُعْلم ذلك بنوع مِن النظر، فَعَلَى الخلاف في جواز الرواية بالمعنى للعارف. وبالجملة فالمسألة قريبة مِن مسألة الرواية بالمعنى. تنبيهان أحدهما: جاء في حديث ابن مسعود في الاستنجاء بالحجر: "أتيتُ النبي ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى بالروثة" (١). زاد أحمد: "وقال: ائتني بحجر ثالث" (٢). فهذا

стр. 748

يدل على جواز حذف بعض الخبر وإنْ تَعلق به حُكم يَفُوت بالحذف. لكن قال إلْكِيَا الطبري: الحقُ التفصيل بين أن يكون الناقل فقيهًا -كابن مسعود- فيجوز الحذف، أوْ لا يكون فلا؛ لأنَّ ابن مسعود حيث لم ينقل الأمر بالإتيان بحجر ثالث كان مقصوده منع الاستنجاء بالروث، وحيث كان مقصوده مراعاة العدد نَقَل جميعه. وكذا قاله إمام الحرمين. نعم، للشافعي ﵁ نَص على أن الإخلال بزيادة تُخِل بالمعنى لا يجوز، وحمل في حديث ابن مسعود طلب الحجر الثالث على أنه مما لم يسمعه بعض الرواة؛ فلم يَرْوِه. وما أشار إليه الشافعي ظاهر؛ لأن الإيهام حاصل على أيِّ القَصْدَين كان. الثاني: مما [يشبه] (١) هذا ما وقع البحث فيه أنه إذا استُدِل بآية وأَولها حرف عطف أو نحوه، هل يجوز إسقاط ذلك حيث استقام المعنى بدونه؟ ظاهر تَصرُّف الفقهاء جوازه. ففي "الوسيط" للغزالي في أول الصلاة: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وفي كتاب البيع: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وفي "صحيح البخاري": "لم ينزل علَيَّ إلا هذه الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وفي "الترمذي": "إذا خطب لكم مَن ترضون خُلقه، فزوجوه، إلَّا تَفعلوا تَكُن فتنة في الأرض وفساد كبير" (٢).

стр. 749

ونحو ذلك، والله أعلم. ص: ٣٦٧ - ثُمَّ الصَّحَابِيُّ إذَا كَانَ رَوَى ... ذَا مَعْنييْنِ [لِتَنَافٍ] (١) قَدْ حَوَى ٣٦٨ - يُقْبَلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا أَدْرَكَا ... مَا لَمْ يَكُنْ لِظَاهِرٍ قَدْ ترَكَا الشرح: هذه المسألة تُعرف بما إذا قال راوي الحديث فيه شيئًا، هل يُقْبَل؟ أو يُعمل بالحديث؟ ولها أحوال: منها: أن يكون الخبر عامًّا فيحمله الراوي على بعض أفراده، وسيأتي ذلك في باب "تخصيص العام" موضحًا. أو يدعي تقييدًا في مطلَق، فكالعام يُخصِّصه. أو يدعي نَسْخَه، وسيأتي ذلك أيضًا في "النَّسخ". أو يخالفه بِتَرْك نَص الحديث، كرواية أبي هريرة في الولوغ سبعًا وقوله: "يُغسل ثلاثًا". وبعضهم يمثل بذلك لتخصيص العام، ولا يصح؛ لأن العَدَد نَص. أما مسألتنا فمذهب الشافعي فيها أن الاعتبار بروايته، لا برأيه، خلافًا للحنفية. وحكى القاضي عن ابن أبان أنه إنْ كان مِن الأئمة فيدُل على نَسخ الخبر. وقال إمام الحرمين وابن القشيري: (إنْ تَحقَّقْنا نسيانه للخبر أو فرضنا مخالفته لخبر لم يَرْوِه وجَوَّزنا أنه لم يَبْلُغه، فالعمل بالخبر، أو روى خبرًا يقتضي رفع الحرج فيما سبق فيه حظرٌ

стр. 750

ثُم رأيناه يتحرج، فالعمل بالخبر أيضًا، ويُحمَل تَحَرُّجُه على التورُّع. وإنْ ناقض عملُه روايتَه ولم نجد محمَلًا في الجمْع، امتنع التعلق بروايته، إذْ لا يُظَن بمن هو أَهْل للرواية أن يتعمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبتٍ يُوجِب المخالفة) (١). قال ابن القشيري: وعلى هذا فلا يُقطع بأن الحديث منسوخ كما يقوله ابن أبان. وربما ظن الراوي شيئًا ناسخًا وليس بناسخ؛ ولهذا إذا قال الصحابي في خبر: "إنه منسوخ"، لا يَثْبُت النسخ بذلك كما سيأتي. ثم قال إمام الحرمين: (إن هذا غير مختص بالصحابي، بل لو روى بعض الأئمة خبرًا وعمل بخلافه، كان على هذا التفصيل) (٢). وستأتي المسألة قريبًا. وما نُقل مِن مخالفة أبي حنيفة حديث خيار المجلس وكذا مالك فمحمول على أن أبا حنيفة لَمَّا قَدَّم القياس ومالِكًا عملَ أهلِ المدينة (٣) ترَكَا ظاهر الحديث لذلك، وقد بَيَّنَّا المسألتين في محلهما. ومتى لم يُعْلم سبب المخالفة، كان في ذلك تضعيف للحديث عند المخالف. ومنها وهو مسألة الكتاب: أن يروي الصحابي خبرًا محتملًا لمعنيين ويحمله على أحدهما. فإنْ تَنَافَيَا كالقروء ويحملُه الراوي على الأطهار، وَجبَ الرجوع إلى حمله كما قاله جمهور أصحابنا كالأستاذَين -أبي إسحاق وأبي منصور- وابن فورك وإلْكِيَا وسليم، ونقله القاضي أبو الطيب في باب "بيع الثمار" عن مذهب الشافعي؛ ولذلك رجع إلى تفسير ابن

стр. 751

عمر التفرق في خيار المجلس (١) بالأبدان، وإلى تفسيره "حبل الحبلة" (٢) ببيعه إلى نتاج النتاج، هالى قول عمر في "هاءَ وهاءَ" (٣): إنه التقابض في مجلس العقد. وقال الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" بعد حكاية هذا القول: وفيه نظر عنده (٤). فجعل ذلك بعضهم قولًا بالوقف، وعليه جَرَى في "جمع الجوامع". ولا يخفَى ما فيه؛ فإنَّ ظاهر المراد به تضعيف القول به، لا الوقف في المسألة. وقال أبو بكر الصيرفي: تأويل الراوي أَوْلى؛ لأنه قد شاهد مِن الأمارات ما لا يَقدر على حكايته، إلا أن يقوم دليل على مخالفته، فالحكم للدليل. وهذا معنى قولي في النَّظم: (يُقْبَلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا أَدْرَكَا)، أي: يُقبل حَمل الصحابي الحديث على المعنى الذي رآه وأدركه باعتقاده. وقولي: (ذَا مَعْنيينِ) أي: فأكثر، فهو مثال. أما إذا لم يكن بين المعنيين تنافٍ: فإنْ قُلنا: اللفظ المشترك ظاهر في جميع محامله كالعام، فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي، وقد سبقت الإشارة إليه وإحالته على محله. وإنْ قُلنا: لا يحمل على جميعها، ففي "البديع": يُحمل فيه على ما حمله راويه وعَيَّنَه؛ لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة.

стр. 752

قال: (ولا يَبْعُد أن يقال: لا يكون تأويله حُجة على غيره، فإنْ لاح لمجتهد تأويلٌ غيْره بدليل، [حَمَله] (١) عليه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح). انتهى نعم، محل ذلك إذا لم يُجْمِعوا على أن المراد أحدهما وجوزوا كُلًّا منهما؛ ولهذا لَمَّا ذكر الماوردي في "الحاوي" حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس هل هو التفرق بالأبدان؟ أو بالأقوال؟ قال: (وأجمعوا على أن المراد أحدهما، فكان ما صار إليه الراوي أوْلى) (٢). قال: (وقال أبو علي بن أبي هريرة: أحمله عليهما معًا، فأجعل لهما في الحالين الخيار بالخبر) (٣). قال الماوردي: (وهذا صحيح لولا أنَّ الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما). واعْلَم أن الخلاف -كما قاله الهندي- فيما إذا ذكر ذلك الراوي لا بطريق التفسير لِلَفْظةٍ (٤)، وإلا فتفسيره أوْلى بلا خلاف. وقولي في موضوع المسألة: (الصَّحَابِيُّ) -يقتضي قَصْر المسألة عليه، وهي طريقة الآمدي وابن الحاجب، ورجحها القرافي وإنْ كان إمام الحرمين والإمام الرازي وغيرهما فَرَضُوها في الراوي سواء أكان صحابيًّا أو غيْرَه، ورجَّحها كثيرٌ لكن بشرط أن يكون ذلك الراوي مِن الأئمة.

стр. 753

ويأتي للمسألة مزيد بيان في تخصيص العموم يظهر منه ترجيح ما جَرَيْنَا عليه هنا من القَصْر على الصحابي. وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لِظَاهِرٍ قَدْ تَرَكَا) أي: محل قبوله في حمله على أحد المعنيين إذا استويَا أو حمله على الراجح، أما إذا حمله على المرجوح وترك الظاهر كما إذا حمل ما ظاهره الوجوب على الندب أو بالعكس أو ما هو حقيقة على المجاز أو نحو ذلك، فالعبرة بالظاهر، لا بحَمْله (على أصح المذاهب). قال الآمدي: (ولهذا قال الشافعي: كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتُهم لحججتهم؟ ! ) (١). وهي أحسن من قول ابن الحاجب: (وفيه قول الشافعي: كيف أترك الحديث لمن لو عاصرته لحججته؟ ! ) (٢). فإنه يقتضي قصور قول الشافعي ذلك فيما نحن فيه وهو مخالفة الصحابي لظاهر ما روى، والفرض أنه قال ذلك في الأَعَم مِن هذا ومن مخالفة حديث وإنْ لم يكن هو راوِيه. كذا قيل، ولكن في التغاير بينهما نظر. ومقابل الراجح قول ثانٍ عن أكثر الحنفية: العمل بتعيين الراوي مطلقًا؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا عن توقيف. وقول ثالث لأبي الحسين مِن المعتزلة: (إنه يحمل على تأويله إنْ صار إليه لِعِلمه بقصد النبي ﷺ مِن مشاهدته قرائن تقتضي ذلك، فإنْ جهل وجَوَّزنا أن يَكون لظهور نَص أو

стр. 754

قياس أو غيرهما، وجَبَ النظر في الدليل، فإنِ اقتضى ما ذهب إليه، وَجَبَ، وإلا فلا) (١). وذهب الآمدي إلى قول رابع: (إنه إنْ عُلِم مَأْخَذُ خِلافه وأنه مما يوجبه، صِيرَ إليه؛ اتِّباعًا للدليل. وإنْ جُهِل، عُمِل بالظاهر؛ لأن الأصل في خبر العَدْل وجوب العمل به، ومخالفة الراوي للظاهر يحتمل النسيان) (٢). واعْلَم أن هذه المسألة غيرُ ما سبق في صدْر الكلام أن يكون الخبر نَصًّا في شيء فيخالفه الصحابي، وعلى ذلك ينزل ما رُوي مِن قول الشافعي: كيف [يترك] (٣) كلام المعصوم إلى مَن ليس بمعصوم؟ ! وتلك أَوْلى مِن هذه أن يُعْمَل بما رَوى، لا بما رأى؛ فلذلك اقتصرتُ في النَّظم عليها. فرع: إذا خالف الحديثَ عَمَلُ أكثر الأُمة وقُلنا بالراجح: (إنَّ ذلك ليس إجماعًا)، فالعبرة بالحديث (على الصحيح). واستثنى ابن الحاجب مِن ذلك إجماع أهل المدينة؛ بِناءً على قاعدة المالكية، وقد سبق بيانه في باب الإجماع وأنَّ ذلك ليس بحجة. بل مقتفَى كلامه هنا تقييد إجماع أهل المدينة بكونهم أكثر الأُمة، ولا قائل به، بل إما بحجِّيَّتهم وإنْ كانوا أَقَل الأُمة، أو لا حُجة في قولهم مطلقًا، إلا أنْ تُؤَوَّل عبارته بأنَّ الاستثناء منقطع. وأما مسألة تعارض القياس مع خبر الواحد فستأتي في باب القياس. والله أعلم.

стр. 755

النوع الثاني: ما يتوقف عليه الاستدلال من جهة فَهْم المعنى، وهو اللغة ٣٦٩ - كِتَابُ رَبِّنا وَسُنَّةُ النَّبِيْ ... أَفْصَحُ لَفْظٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الشرح: لَمَّا فرغتُ مِن النوع الأول مما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة الثلاثة -الكتاب والسُّنة والإجماع- وهو طريق ثبوتها، شَرعتُ في النوع الثاني، وهو ما يتوقف عليه مِن جهة دلالتها، وذلك في الكتاب والسنة اللذين هما أصل الإجماع، بل وأصل القياس، وربما كانا دالَّين على الأصل المقيس عليه كما سيأتي، وذلك هو اللغة؛ لأن فَهْم المعاني [فيهما] (١) متوقف على معرفة أن هذا هو مدلوله لُغةً؛ لأن القرآن والسنة عربيان، فلا بُدَّ للمستدل بهما مِن معرفة لُغة العرب، بل هما أفصح الكلام العربي، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وغير ذلك من الآيات. فإنْ قيل: مَن سَبقَ نبينا محمدًا ﷺ مِن الأنبياء المرسلين إنما كان مبعوثًا لقومه خاصة، فهو مبعوث بلسانهم، وأما محمد ﷺ فمبعوث لجميع الخلْق، فَلِمَ لَمْ يُبعَث بسائر الألسنة ولم يُبعث إلا بلسان بعضهم وهُم العرب؟ فالجواب: أنه لو بُعث بلسان جميعهم لكان كلامه خارجًا عن المعهود، وَيبْعُد -بل يستحيل- أن تَرِد كل كلمة مِن القرآن مكررة بكل الألسنة؛ فتَعَيَّن البعض، وكان لسان العرب أَحَق؛ لأنه أوسمع وأفصح، ولأنه لسان المخاطَبين وإنْ كان الحكم عليهم وعلى

стр. 756

غيرهم. كذا قرر ابن السمعاني السؤال والجواب، وهو حَسَن. قولنا في التر جمة: (فَهْم المعنى) هو مَفْعَلٌ مِن "عَنيتُ كذا" أيْ: قصدتُه، فالمراد به المصدر منه، ثم المراد بالمصدر المفعول، كالصيد بمعنى المصيد. و"عَنَى" يتعدى لمفعولين ثانيهما بالجارِّ، تقول: عَنيتُ زيدًا بكذا. قال أبو علي: "المعنى": هو القصد إلى ما يُقصَد إليه. وقال الخليل: معنى كل شيء: محنته وحاله التي يصل إليها أمرُه. وقال ابن الأعرابي يقال: ما أَعرِفُ معناه ومعناته. ف "المعنى" في كل شيء كما قال ابن فارس: (هو المقصد الذي يُبْرَزُ ويُظهر في الشيء إذا بحِث عنه) (١). وأما " اللغة " فقال الجوهري: (أصلها "لُغَيٌ" أو "لُغَوٌ") (٢). فردد بين أن يكون من ذوات الياء أو من ذوات الواو، قال: (والهاء عوض، وجمعها "لُغا" و"لغات"، والنسبة إليها " لُغَويٌّ "، ولا يقال: " لَغَوي ") (٣). أي: بفتح أوله. انتهى لكن فيها لُغة ضعيفة حكاها صاحب "تثقيف اللسان"، كما قالوا: "أَمَوي" بفتح أوله نِسبةٌ إلى "أُميَّة" وإن كان ضعيفًا. والمراد بِ "اللغة": اللفظ الموضوع، فخرج المهمل، وسيأتي تفسير الوضع. وللُّغة علوم كثيرة تُسمَّى "علوم اللسان"، سنشير إليها بعد ذلك.

стр. 757

تنبيه: مِن لطف الله تعالى حدوث الموضوعات اللغوية ليُعَبَّر بها عمَّا في الضمير، سواء قلنا: الواضعُ الله تعالى أو البشر بإقداره تعالى وإلهامه. ووَجْه الحاجة إلى ذلك أنَّ الله لَمَّا خلق النوع الإنساني وجعله محتاجًا لأمور لا يستقل بها بل يحتاج فيها إلى المعاونة، ولا بُد للمعاون مِن الاطلاع على ما في نفس المحتاج إليه بشيء يدل، وذلك إما لفظ أو إشارة أو كتابة أو مثال، وكان اللفظ هو أكثر إفادة وأيسر. أما كونه أكثر فلأنَّ اللفظ يقع على: المعدوم والموجود، الغائب والحاضر، الحسي والمعنوي، ولا شيء مِن الباقي يستوعب ذلك. وأما كونه أَيسر؛ فلأنه موافق للأمر الطبيعي؛ لأن الحروف كيفيات تعْرِضُ للنفَس الضروري. وإذا تَقرر الاحتياج للوضع، فكلما اشتدت الحاجة إليه افتقر إلى ما يُوضَع له وإلا لكان ذلك مُخِلًّا بمقصود الوضع، وما لا تشتد إليه الحاجة يجوز أن يوضع له (لِمَا فيه مِن الفوائد) وأنْ لا يوضع له الأنه قد لا يُحتاج إليه). قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": (وإنما كان نوع الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان؛ لأن غيره قد يستقل بنفسه عن جنسه، وأما الإنسان فمطبوع على الافتقار إلى جنسه في الاستعانة به، فهو صفة لازِمةٌ لطبعه وخِلقةٌ قائمة في جوهره؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، أي: ضعيفًا عن الصبر عمَّا هو إليه مفتقر واحتمال ما هو عنه عاجز. وإنما خُصَّ الإنسان بكثرة الحاجة وظهور العجز نعمة عليه ولُطفًا به؛ ليكون لِذُل الحاجة و [مهانة] (١) العجز خارجًا مِن طغيان الغِنى وبَغْي القدرة؛ إذ هما مركوزان في

стр. 758

طَبْعه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]؛ ولذلك لَمَّا خلقه محتاجًا عاجزًا جعل له فيما يحتاج إليه في دفع حاجته وقضاء وطره حِيَلًا، وخَلَق له عقلًا يهتدي إليها به، وكل ذلك ليتصف بالرغبة إلى الله تعالى والرهبة منه) (١). فسبحان مَن هذا مِن بديم صُنعِه! قولي: (أَفْصَحُ) إشارة إلى أن الكتاب والسنة -مع أنهما عربيان- جاءَا على أفصح لغات العرب. قال ابن مالك: (نزل القرآن بلغة الحجاز، وما فيه من لغة تميم -أيْ: ونحوهم- إلا قليلًا، كإدغام ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ﴾ [الحشر: ٤] و ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ [المائدة: ٥٤] في قراءة غير نافع وابن عامر، والأكثر إنما هو لغة الحجاز بالفك، نحو: ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، و ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١]، و ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ [النساء: ١١٥]، و ﴿مَنْ يُحَادِدِ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤]، ونحو ذلك، وهو كثير). قال: (وقد أجمع القراء على نَصْب ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ونَصْب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]) (٢). وقد عنيَ بعض العلماء بجمع ما في القرآن مِن غير لغة الحجاز ونسبها إلى أهلها. والله تعالى أعلم.

стр. 759

ص: ٣٧٠ - وَلَيْسَ في الْقُرْآنِ مِنْ مُعَرَّبِ ... وَهْوَ الَّذِي لَيْسَ بِلَفْظٍ عَرَبِي ٣٧١ - أَمَّا الَّذِي كَـ "سُنْدُسٍ" وَ" اسْتَبْرَقِ " ... وَعِدَّةٍ مِنْ نَحْوِ ذَا الْمُحَقَّقِ ٣٧٢ - فَإنَّهُ تَوَافُق في اللُّغَة ... فَعَرَبِيٌّ كُلُّهُ، فَأَثْبِتِ ٣٧٣ - لَكِنَّ مَا يَكُونُ مِنْ ذَا عَلَمَا ... فَهْوَ حِكَايَةٌ لِمَا قَدْ عُلِمَا الشرح: لَمَّا ذكرتُ أن التوقف على معرفة لغة العرب لكون الكتاب والسنة عربيين ذكرتُ جوابًا عن سؤال مُقدَّر وهو أن: في القرآن ما ليس بعربي، وهو المسمَّى بِ "المُعَرَّب" بتشديد الراء؛ لأنهم تَكلفوا بإدخاله في لُغتهم وليس منها. و"المُعَرَّب": لفظ استعملته العربُ في معنى وُضِع له في غير لُغتهم. وفي القرآن مِن ذلك ألفاظ كثيرة جمعها بعضهم في قوله: السَّلْسَبِيلُ وَطَهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ ... إسْتَبْرَقٌ صَلَواتٌ سُنْدُسٌ طُورُ والزنجبيلُ ومِشْكاةٌ سرادق مع ... رُومٌ وَطُوبَى وسِجِّيلٌ وكافُورُ كذا قَرَاطِيسُ ربَّانِيُّهُم وغَسَّا ... قٌ ثُمَّ دِينارٌ القسطاسُ مَشْهورُ كَذَاكَ قَسْوَرَةٌ وَاليَمُّ ناشِئةٌ ... ويُؤْتِ (١) كِفْلَيْنِ مَذكُورٌ ومَنْظُورُ لَهُ مقاليدُ فِرْدَوْسٌ فَعُدَّ كَذَا ... فيما حَكَى ابنُ دُريد مِنْهُ تَنُّورُ (٢)

стр. 760

على ما في بعض هذه الألفاظ مِن خلاف -في كونه عربي الأصل أوْ لا- مشهور في التفاسير، وقد ذكر في غير ما نُظم كثير فيه خلاف كَـ "مرجان" وغيره، ولسنا بصدد الكلام في ذلك ولا تفسير معانيها ولا عزو كل إلى أهلٍ، بل الإشارة إلى هذا النوع فقط، على أنه قد عَنيَ بجمع ما في لغة العرب مطلقًا مِن ذلك ابن الجواليقي، وربما جعل بعض اللغويين وغيرهم لكثير مِن المعرَّب ضوابط، كقول ابن جنى وغيره مِن النُّحَاة: متى خلا اسمٌ رباعي الأصول أو خماسيها عن بعض حروف الذلاقة الستة المجموعة في "فرّ مَنْ لَبَّ" يكون أعجميًّا. وقول الجوهري وغيره: متى اجتمع جيمٌ وقاف في كلمة فهي أعجمية، كَ " منجنيق " و " جَرْدَق " و " جِلَّق " ونحوها.

стр. 761

إلى غير ذلك من الضوابط. فقلتُ في جواب هذا السؤال: إنه مِن تَوافُق وَضْع العجم مع وضع العرب، فيظن الظان أن العرب أخذت لفظ العجم واستعملته في لغتها، وليس كذلك، وهذا إنما نَدَّعيه في الواقع في القرآن فقط؛ لِمَا سيأتي من الدليل على أن القرآن كله عربي، وأما وقوعه في لغة العرب فَبِلَا خلاف وإنْ كان حازم في "منهاج البُلغاء" قد ذكر تقسيمًا طويلًا ربما قدح في حكاية الاتفاق لسنا بصدد بسطه، إنما الحاجة إلى وقوعه في القرآن أوْ لا. فممن أثبته فيه: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وجمعٌ، واختاره ابن الحاجب مع نقل نَفْيِه عن الاكثرين، وإنْ كان الآمدي لم يرجح شيئًا، ولكن ما ذهب إليه الأكثرون هو الأرجح، منهم القاضي أبو بكر والقفال وأبو الوليد الباجي والشيخ أبو إسحاق، وابن القشيري قال: وعليه المحققون. وجرى عليه الإمام الرازي وأتباعه. وقال ابن فارس في "فقه اللغة": إنه قول أهل العربية. ونَصَّ عليه الإمام الشافعي ﵁ في "الرسالة" في الباب الخامس، فقال: (وقد تكلم في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أوْلى له، فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا. والقرآن يدل على أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، أووجدنا قائل هذا القول ومَن قَبِل ذلك منه تقليدًا وتركًا للمسألة عن حُجة ومسألة عصره ممن خالفه، (١)، وبالتقليد أغفلَ مَن أغفلَ منهم، والله يغفر لنا ولهم). انتهى وممن نقل هذا النص: الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، وقال: (إنه قول عامة أهل العلم وقول المتكلمين بأسرهم). ثم نَصَره.

стр. 762

فإنْ قُلتَ: المنقول عنهم إثباته أئمة، فكيف يقول الشافعي ذلك؟ قلتُ: قد أجاب هو في "الرسالة" عنه بأنه لعلَّ قائله أراد به ما جهل معناه بعض العرب، ولهذا قال عمر ﵁ لَمَّا سمع ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]: (لا أدري ما "الأَبُّ"). وقال ابن عباس: (ما كنتُ أدري معنى ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعتُ أعرابية تقول: تعال إلى القاضي يفتح بيننا). ولا يَلزم مِن كونه غير معلوم لواحد أو اثنين أن لا تكون عربية. وأجاب غير الشافعي: بأن الوضع في الأصل للعجم، فلمَّا استعملتها العرب في لُغتها، كان ذلك وضعًا موافقًا لُغة غيرهم. وإليه ذهب أبو عبيد في "غريبه" بعد أن نقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنَّ مَن زعم أنَّ في القرآن لسانًا سِوَى العربية فقد أعظم على الله تعالى القول. وقال: إنَّ مَن ذهب إلى إثباته -كابن عباس وغيره- وإنْ كانوا أَعْلم مِن أبي عبيدة فإنما أرادوا باعتبار الأصل، وهو أراد باعتبار أنها لَمَّا استعملته صار عربيًّا، فكلاهما مُصيبٌ إن شاء الله تعالى. وهذا الجواب قريب مما ذكرتُه في النَّظم الذي سبق تقريره، إلا أنَّ ذاك أَحْسن باعتبار جريانه على أن اللغة توقيفية أو اصطلاحية، وهذا إنما هو على كونها اصطلاحية. أما وقوع المعرَّب في السُّنة فجزَم به كثير وإنْ كان ابن القشيري وغيره نصبوا الخلاف الذي في القرآن فيها أيضًا، ولكون هذا بعيدًا لم أتعرض في النَّظم له. وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" باب "مَن تكلم بالفارسية والرَّطَانة"، وأسند فيه عن أُم خالد: "أتيتُ النبي ﷺ مع أبي وعلَيَّ قميصٌ أصفر، فقال النبي ﷺ : سَنَهْ سَنَهْ" (١). قال ابن المبارك: هي بالحبشية: حسنة.

стр. 763

وفي "الصحيح" أيضًا: "ويكثر الهَرْجُ. قيل: وما الهرج؟ قال: القتل" (١). قال أبو موسى الأشعري: هي لغة الحبشة. قولي: (لَكِنَّ مَا يَكُونُ مِنْ ذَا عَلَمَا) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ الأعلام الأعجمية خارجة عن الخلاف في المعرَّب كما قرره الهندي وغيره، وإنما الخلاف في أسماء الأجناس كاللجام والفرند والفيروزج والياقوت والسمور والسنجاب والإبريق والطست والخوان والفلفل والقرفة والخولنجان والياسمين والكافور، ونحو ذلك مما سبق من المذكور في القرآن وغيره، وذلك لأنَّ نحو "إبراهيم" و"إسماعيل" و"إسحاق" و"يعقوب" من أسماء الأنبياء والملائكة -عليهم الصلاة والسلام- حتى قال أبو منصور: كُل أسماء الأنبياء أعجمية إلا أربعة: آدم وصالح وشعيب ومحمد ﷺ . وعلى هذا تكون الأعلام معرَّبة لكن واقعة في القرآن قَطعًا، ولا يستطيع مَن أجاب عن المعرَّب غيرها بأنه مِن تَوافُق اللغتين أن يقول به فيها؛ لأنه متى وُجد وضع العرب وجبَ أن يكون عربيًّا وصُرف، والفَرْضُ منعه من الصرف؛ للعَلَمِثة والعجمة، إلا أن يُقال بأنه لَمَّا كان في الأصل مِن وضْعهم تَمَيَّز عمَّا لم يكن مِن وضعهم أصلًا، بل محض وضع عربي [بِمَنعْ] (٢) ذاك من الصرف دُون هذا -على ما فيه من بُعْد. وحينئذٍ فلا يُعَد شيء مِن الأعلام الأعجمية مُعرَّبًا. ولعل صاحب "جمع الجوامع" أخرجه مِن تعريف "المعرَّب" لذلك، حيث قال: ("المعرَّب" لفظ غيرُ عَلَم استعملته العرب في معنى وُضع له في غير لغتهم) (٣). لكن انتُقِد عليه بأنه إنما يخرج من الخلاف في وقوعه لا مِن تسميته معرَّبًا؛ لأنه أعجمي

стр. 764

استعملته العرب، وهذا معنى التعريب. وعندي أنها خارجة مِن المعرَّب بالطريق الذي أشرتُ إليه في النَّظم، وهو أنه حكاية ألفاظ الأعلام كما هي كما أن العجم إذا حكت أعلامًا عندنا ك "محمد" و"أحمد" لا يَصِير بذلك وضعًا أعجميًّا؛ إذْ لا سبيل إلى أنْ يُعَبَّر في الأعلام عن مدلولها إلا بها، بخلاف أسماء الأجناس، لكون العَلَم وُضِع لِمُعَيَّن لا يتناول غيره. تنبيهات أحدها: قال ابن دقيق العيد: الخلاف في المعرَّب مبني على إثبات الحقيقة الشرعية، فَمَن أَثبتها وجعلها مجازات لغوية، لا يلزم مِن قوله أنْ يكون القرآن غير عربي. ولكن يَرُد ذلك قول أبي نصر القشيري: إنَّ هذا ليس هو الخلاف في الأسماء الشرعية. وهو ظاهر؛ لأنَّ الأسماء الشرعية نُقِلت إلى معنى غير الأول، والمعرَّب باقٍ على معناه، فكيف يكون هو إياه أو مُفَرَّعًا عليه إلا بِعُسْر؟ ! الثاني: عُلم مِن إخراج الأعلام مِن الخلاف أن استدلال ابن الحاجب تبعًا لشيخه الأبياري بذلك ليس بجيد؛ لكونه إما غير مُعرَّب أو مُعرَّبًا ليس الخلاف في وقوعه في القرآن كما سبق، بل سبقهما إلى ذلك خَلْقٌ. وربما عزوا ذلك إلى نَص سيبويه في "كتابه" فيما لا ينصرف وفي النسب وفي الأمثلة وغير ذلك، وجرى عليه ابن خروف وغيرُه. الثالث: إن منشأ الخلاف في اشتمال القرآن على المعرَّب أنه لَمَّا وُصف في عِدة آيات بكونه عربيًّا كما سبق أول الباب وكما أشار إليه الشافعي فيما ذكرناه مِن نَص "الرسالة" فهل يكون المراد الجميع كما فهمه مَن مَنع؟ أو الأكثر كما أَوَّله مَن أَثبت وقوعه؟ لكن الحقيقة هو الكل؛ فلذلك كان أَرْجَح، والله أعلم.

стр. 765

ص: ٣٧٤ - لِذَا تَوَقَّفَ الدَّلِيلُ مِنْهُمَا ... عَلَى الَّذِي في لُغَةٍ قَدْ رُسِمَا ٣٧٥ - وَفي الْأُصُولِ يُعْتَنَى بِذِكْرِ ... مُهِمِّ أَقْسَامٍ؛ لِجَوْلِ الْفِكْرِ الشرح: أي: لأجل أنَّ القرآن والسنة عربيان تَوقَّف الاستدلال بهما على حكم من الأحكام على معرفة ما نُقل مِن لغة العرب ورُسم فيها على اختلاف فنونه؛ لأن عِلم لسان العرب: - إما أن يُبحث فيه عن مدلول اللفظ، فهو عِلم "اللغة"، وإنْ كان في الأصل يشمل كل علومها لكن له إطلاقان: عام، وخاص. - وإما أن يُبحث فيه عن بنية المفردات وأحوالها، وهو عِلم "التصريف". - أو عن المركبات وما يعرض لها، فهو علم "النحو". - أو عن فصاحتها وبلاغتها ووجوه حُسنها، وهو علم "المعاني والبيان والبديع". فمَن لا يَعرف قَدْر الحاجة من هذه العلوم ولا يخوض في أسرارها لا يفهم القرآن والسنة على الوجه اللائق. فإنْ قيل: سيأتي أنَّ الألفاظ تكون غير لُغوية إما شرعية أو عُرفية، فلا يكون الاستدلال في تلك متوقفًا على لغة العرب؛ فلا يُطْلق أن الاستدلال دائمًا متوقف على معرفة اللغة، ولذلك قال الأبياري في "شرح البرهان": إنَّ الافتقار إلى اللغة إنما هو حيث عُلم أن الشرع لم يتصرف في ألفاظ اللغة وأنها باقية، أي: ولا أرشد فيها إلى اتِّباع العُرف في مدلول اللفظ، فإنْ عُلِم تَصَرُّفه بذلك فلا يحتاج إلى معرفة اللغة، بل لمعرفة تلك الأوضاع الشرعية. أي: أو العرفية.

стр. 766

فالجواب: أن معرفة اللغة لا بُد منها مع معرفة هذه الأوضاع؛ لجواز أن يَصرف اللفظ عنها إلى اللغة قرينةٌ كما سيأتي ذلك في أحوال التعارُض؛ فقدْ تَوقَّف في الجملة. ثم النظر في علوم اللغة المذكورة لا يخلو إما أن يكون عن جزئيات أو كليات، وعادة الأصوليين أن يتكلموا على بعض أنواع من الكليات؛ لكثرة دورانها، ولأن لها ضوابط تضبطها، فتشتد الحاجة في الاستدلال إليها، فهي من الأقسام المهمة في فن الأصول؛ فلذلك اعتنوا بها. وهذا معنى قولي: (لِجَوْلِ الْفِكْرِ). أي: لجولان الفكر، أي: في أي شيء يكون منه اللفظ لمستدَل به حتى يُرَد إليه، والله أعلم. ٣٧٦ - فَ "اللَّفْظُ ": صَوْتٌ بَعْضَ أَحْرُفٍ وَعَى ... بِالْقَصْدِ، وَ"الْقَوْلُ" لِمَعْنًى وُضِعَا الشرح: لَمَّا سبق أنَّ مِن لُطف الله تعالى حدوث اللفظ الموضوع للمعنى، احتِيجَ إلى تفسير اللفظ والوضع وبيان الاصطلاح في أسمائها؛ لِيُفهم المراد عند إرادة تلك الأقسام، وقد اشتمل هذا البيت على تفسير "اللفظ" وما يُسمى إذا وُضِع. فَ "اللفظ" في اللغة: مصدر "لفظ الشيء"، أي: طرحَه، ثم استعمل في المطروح، كالصيد بمعنى المصيد. وفي الاصطلاح: الصوت المشتمل على بعض الحروف قصدًا. ليخرج بذلك تصويت الجمادات وغيرُ الناطق مِن الحيوان وإنْ تخيل في صوته بعض أَحْرُف لكنه بغير قصد، فليس بلفظ" فلذلك قيدته بقولي: (بِالْقَصْدِ). وربما عُبِّر عن ذلك بالصوت المعتمد على مقاطع

стр. 767

الحروف؛ حتى يخرج بالاعتماد ما ذكرناه. وهو معنى قولي: (بَعْضَ أَحْرُفٍ وَعَى)، فَ "بعض" مفعولٌ مُقدَّم على ناصِبِه وهو " وَعَى "، أي: حَوَى. وإنما سُمي "لفظًا"؛ لأنه مطروح بلسان اللافظ إلى سمع السامع ولو بتقدير أن لو كان سامع. وأما "القول" فهو في اللغة: مصدر "قال يقول" إذا نطق. ثم نُقل اصطلاحًا إلى المقول مِن اللفظ المستعمل، فَ "القول": هو اللفظ الموضوع لمعنًى. وهو معنى قول بعضهم: (المستعمل)؛ ليخرج بذلك اللفظ المهمل وهو الذي لم يوضع، كَ "ديز" مقلوب لفظ "زيد"، و"رفعج" مقلوب "جعفر"، فاللفظ أعم من القول مطلقًا. وهو معنى قولي: (وَ"الْقَوْلُ" لِمَعْنًى وُضِعَا)، أي: الذي من اللفظ وُضع لمعنى، والله أعلم. ص: ٣٧٧ - وَ"الْوَضْعُ": جَعْلُهُ دَلِيلَ مَعْنَى ... أَوْمَا كَجَعْلٍ في اشْتِهَارٍ يُعْنَى الشرح: لَمَّا سبق أنَّ "القول" ما وُضع لمعنى، احتيجَ إلى تفسير "الوضع" في الاصطلاح، وله إطلاقان: خاص: وهو تخصيص اللفظ بمعنى ليدُل عليه. وهو المراد هنا، فاللام فيه للعهد الذهني؛ لأن الكلام في الألفاظ. وعام: وهو تخصيص شيء بشيء بحيث يدل عليه، سواء فيه ما سبق وجَعْل المقادير دالة

стр. 768

على مقدراتها مِن موزون ومكيل ومزروع ومعدود، وجَعْل مركبات الأدوية والأغذية بإزاء ما وُضعت له. فالضمير في قولي: (جَعْلُهُ) عائد على اللفظ، سواء أكان اسمًا كَـ "زيد" و"رجُل" و"قائم"، أو فِعلًا ك "قام"، أو حرفًا كَـ "ثم" و"بل". وقولي: (أوْ مَا كَجَعْلٍ) إشارة إلى أن الوضع قد لا يكون تخصيصَ واضعٍ بإرادته، بل اشتهار لفظ في معنى إما في الشرع أو في العُرف، فالاشتهار ليس حقيقة الجعل، بل يُشْبه الجعل. ويَصْدُق أن يُقال: الواضع الشرع أو العُرف، والمراد ما ذكرناه مع أن الشارع لم يَقُل: اعلموا أنَّ هذا اسم لذلك. وكذلك أهل العُرف لم يقولوا ذلك. فمَن يُعَرِّف "الوضع" بأنه "جَعْل اللفظ دليلًا على المعنى" يُورِد عليه الوضع الشرعي والعُرفي إلا أنْ يذكر في تعريفه هذه الزيادة أو يريدبِ "الجَعْل" الحقيقي والمجازي. تنبيه: قد يؤخذ من قولي: (جَعْلُهُ) -أي: جَعْل اللفظ- أنَّ المركَّب موضوع؛ لشموله المفرد والمركب، بل زعم بعضهم أنَّ "اللفظ" جمعٌ واحِدُه "لفظة"، والحقُّ أنه اسم جنس، و [التاء في] (١) "لفظة" إنما هي للوحدة من الجنس، لا لتمييز المفرد عن الجمع، إلا أن المفرد موضوع قطعًا، وفي المركب خلاف: - فقيل: ليس بموضوع؛ ولهذا لم يتكلم أهل اللغة فيه ولا في أنواع تأليفه؛ لكون الأمر فيه موكولًا إلى المتكلم. واختار هذا الإمام الرازي، وهو ظاهر كلام ابن مالك حيث قال: إن دلالة الكلام عقلية. واحتج له في "الفَيْصَل على المُفصل" بأنَّ مَن يعرف لفظين لا يفتقر

стр. 769

عند سماعهما مع إسنادٍ إلى مُعَرِّف لمعنى الإسناد، بل يُدركه ضرورةً، ولأنه لو كان المركب موضوعًا، لافتقر كل مُركَّب إلى سماعه من العَرَب كما في المفردات. ونحوه ما حكاه ابن إياز عن شيخه. - وقيل: بل المركب موضوع؛ بدليل أن له قوانين في العربية لا يجوز تغييرها، ومتى غُيرت حُكِم عليها بأنها ليست عربية، كتقديم المضاف إليه على المضاف وإنْ قُدِّم في غير لُغة العرب، وكتقديم الصلة أو معمولها على الموصول، وغَيْر ذلك مما لا ينحصر، فحجروا في التركيب كما في المفردات. هالى هذا ذهب ابن الحاجب حيث قال: (وأقسامها مفرد ومركَّب) (١). قال القرافي: وهو الصحيح. وعزاه غيره للجمهور. والتحقيق أن يقال: إنْ أُرِيدَ أنواع المركَّبات فالحقُّ أنها موضوعة، أو جزئيات النوع فالحقُّ المنع. وينبغي أن يتنزل المذهبان على ذلك، وعلى هذا فيقال: إنَّ كَوْن "الوضع" جَعْل اللفظ دليلًا على المعنى -صادقٌ على المفردات مطلقًا، وعلى المركبات باعتبار الأنواع لا الجزئيات. أو يقال: إنَّ مَن قال: (المركَّب موضوع) قد يعني به أن مفرداته موضوعة، فيصدُق كونه موضوعًا بهذا الاعتبار. ويصح تفسير "الوضع" السابق وتقسيم "القول" إلى مفرد ومركَّب كما سيأتي. ومما يتفرع على هذا الخلاف ما سيأتي أن المجاز هل يكون في التركيب؟ وأن العلاقة هل

стр. 770

تشترط في آحاده؟ ونحو ذلك. نعم، المثنى والجمع هل هو مِن قبيل المفرد فيكون موضوعًا؟ أو مِن قبيل المركَّب؛ لِشبَهِه به فلا يكون موضوعًا؟ على الخلاف السابق فيه. ظاهر كلام ابن مالك في "التسهيل" الثاني، حيث قال: ("التثنية" جَعْل الاسم القابل دليل اثنين متفقين) إلى آخِره. وقال في "الجمع": (جَعْله دليل ما فوق اثنين) (١) إلى آخرِه. وبعضهم يقول: "المثنى" ما وُضع لاثنين، و"الجمع" ما وُضِع لأكثر، فيقتضي أنه موضوع؛ لأنه مفرد على قوانين لا يجوز الإخلال بها، وينبغي أن يجري فيه ما سبق في المركَّبات وهو الوضع في الأنواع [لا] (٢) الجزئيات، ويُحمل كلام الفريقين على ذلك. ولا ينبغي أن يقال: إن كلام ابن مالك مفرَّع على مذهبه في [وضع] (٣) المركب؛ لانتفاء النسبة في المثنى والجمع، فيفترقان من المركَّبات، لأنهما مفردان قطعًا، وإنما المدرك ما سبق. فائدة: اختُلف في أن اللفظ إذا وُضع لمعنًى: هل هو موضوع للمعنى الخارجي (أي: الموجود في الخارج)؟ أو للمعنى الذهني وهو ما يتصوره العقل، سواء طابق ما في الخارج أوْ لا؟ أو للمعنى مِن حيث هو مِن غير ملاحظة كَوْنه في الذهن أو في الخارج؟

стр. 771

على ثلاثة أقوال: الراجح منها: الأول، وبه جزم أبو إسحاق في "شرح اللمع"؛ لأن به تستقر الأحكام، ونصره ابن مالك في كتاب "الفيصل". واختار الثاني الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي؛ لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجودًا وعدمًا، فإنَّ الإنسان إذا رأى شخصًا مِن بُعد تخيله طللًا، سَمَّاه بذلك، فإذا قرُبَ منه وظنه شجرًا، سمَّاه بذلك، فإذا قرب منه ورآه رجُلًا، سماه بذلك. ورُدَّ بأن ذلك إنما هو لاعتقاد مطابقة الذهني للخارج، فالمدار على الخارجي. والثالث: هو مختار الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد المسألة بالتصنيف. وإنما أَسْقَطتُ هذه المسألة من النَّظم وهي في "جمع الجوامع"؛ لقِلة جدواها. وكذلك أسقطتُ مسألة "إنه ليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى محتاج للفظ يدل عليه إما بخصوصه حقيقةً أو مجازًا أو في ضمن عموم"؛ لوضوح المراد بها، وقِلَّة نفعها في الاستدلال، والله أعلم. ص: ٣٧٨ - وَالرَّسْمُ لِلدِّلَالَةِ اللَّفْظِيَّهْ ... وَرُبَّمَا عُدِّيَ لِلْتقِيَّهْ ٣٧٩ - هُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَيْثُ أُطْلِقَا ... يُفْهَمُ مَعْنَاهُ الَّذِي تُحُقِّقَا الشرح: لمَّا ذكرت في "الوضع" أنه جَعْلُ اللفظ دليلًا، احتجتُ لتفسير الدلالة التي صار بها دليلًا. فذكرتُ في رسم "الدلالة اللفظية" التي الكلام فيها أنها: كَوْن اللفظ بحيث إذا أُطلِق،

стр. 772

فُهِم منه المعنى الذي هو له محقق بالوضع، فيفهمه مَن يَعرف أنه موضوع له، كدلالة "إنسان" على حيوان ناطق. وأما مَن يذكر في رسم هذه الدلالة أنها "فَهْم المعنى عند ذِكر اللفظ" فمردود مِن وجهين: أحدهما: أنَّ فَهْم المعنى فرعٌ عن كون اللفظ دل عليه، فلو عُرِّف به، لَتَوَقَّف معرفة الدلالة عليه، فيلزم الدور. الثاني: أن الدلالة في اللفظ موجودة سواء فهمها فاهم أوْ لا. فالصواب ما قلناه: إنَّ الدلالة هي كون اللفظ بالحيثية المذكورة، لا الفهم. وقولي: (مَعْنَاهُ) أعم من أن يكون دلالته عليه مِن حيث وضع اللغة أو مِن حيث اشتهاره شرعًا أو عرفًا. وقولي: (وَرُبَّمَا عُدِّيَ لِلْتقِيَّهْ) الضمير في "عُدِّيَ" للرسم المذكور، أي: وربما عُدِّي هذا الرسم لبقية الدلالات بعد اللفظية، فَجُعل رسمًا لها مُعَرِّفًا لمعناها. والمراد بِ "البقية" ما يقابل "اللفظية" مِن "العقلية" و"الطبيعية"، فَفُهِما وإنْ لم يسبق لهما ذِكر، لأن ذِكر الضد يُشْعر بضده، كالعمى والبصر، والحر والبرد، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولم يَقُل: "والبرد"؛ لِعِلمه مِن ضِده، وما أَشْبه ذلك. ولمَّا كان الكلام في الدلالة اللفظية التي هي وضعية، دخل أيضًا في لفظ "البقية" ضد الوضعية مِن اللفظية ما هو لفظي لكن غير وضعي كما سنوضح ذلك. والحاصل أن الدلالة مِن حيث هي يمكن تعريفها بهذا الرسم، فيقال: كون الشيء يَلزم مِن فَهْمه فَهْم شيء آخَر.

стр. 773

وتفصيل الدلالات أنا الدلالة من حيث هي: - إما وضعية: كدلالة الأقدار على مقدراتها، ونحو ذلك كما سبق، ومنه دلالة السبب على المسبَّب، كالدلوك على وجوب الصلاة، ودلالة المشروط على وجود الشرط، كالصلاة على الطهارة وإلا لَمَا صَحَّت. - أو عقلية: كدلالة الأثر على المؤثِّر، ومنه دلالة العالَم على مُوجِدِه وهو الباري ﷻ ، وعلى ما يجب له من الصفات الثبوتية والسلبية، وما يجوز له من صفات الأفعال، ومنه أيضًا دلالة الدليل على ما يُستدل به عليه، كالمقدمتين على النتيجة. - أو لفظية: وهي المستندة لوجود اللفظ إذا ذكر. وهذه الثالثة ثلاثة أقسام: - إما عقلية: كدلالة الصوت على حياة صاحبه. - أو طبيعية: كدلالة "أح أح" على وجع الصدر. - أو وضعية: أي بوضع اللغة أو الشرع أو العرف لذلك اللفظ. فهي غير الوضعية التي هي قسيم اللفظية. فالوضعية مِن الدلالات اللفظية هي المرادة، وبِ "البقية" ما سواها، والله أعلم.

стр. 774

ص: ٣٨٠ - [مِنْ هَذهِ] (١) "دِلَالَةُ الْمُطَابَقَهْ" ... يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ فِيهَا طَابَقَهْ ٣٨١ - وَمَا عَلَى بَعْضٍ لَهُ "تَضَمُّنُ" ... وَ" لَازِمٍ " هِيَ الْتِزَامٌ بَيِّنُ ٣٨٢ - وَالْعَقْلُ في ذَيْنِ لَهُ دُخُولُ ... مِنْ حَيْثُ الِانْتِقَالُ إذْ يَجُولُ ٣٨٣ - ثُمَّ الْمُرَادُ بِ " اللُّزُومِ " الذِّهْنِي ... لَا خَارِجٌ فَإنَّهُ لَا يُغْنِي الشرح: هذا تقسيم للدلالة اللفظية الوضعية إلى ثلاثة أقسام: مُطَابَقة، وتَضَمُّن، والتزام. فَ "دلالة المطابقة": هي دلالة اللفظ على مُسَمَّاه، ك "إنسان" على حيوان ناطق. ويقع في عبارة كثير: "على تمام مسماه"، وهي قاصرة، لخروج ما لا جُزء له، كاسْم "الله" تعالى، وكالجوهر الفرد، فلا يقال فيه: "تمام"؛ لأنه لا جُزء له. و"دلالة التضمن" هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه، كدلالة "إنسان" على حيوان فقط أو ناطق فقط، سُمي بذلك لتضمنه إياه. و"دلالة الالتزام": دلالة اللفظ على ما هو خارج عن المسمَّى لكنه لازِم له، كدلالة "إنسان" على كونه ضاحكًا. قيل: ينبغي أن يُزاد في تعاريفها "مِن حيث هو كذلك"، ففي "المطابقة": من حيث هو مسماه، وفي "التضمن": من حيث هو جزؤه، وفي "الالتزام": من حيث هو لازِم؛ لِدَفْع ما يَرِد على ذلك مِن كون اللفظ قد يكون مشتركًا بين المسمَّى وجزئه، أو بين المسمى ولازِمه،

стр. 775

كَـ "مصر" اسم للمدينة و [لإقليمها] (١) جميعه، و"الشمس" لِقُرصها وللضوء الذي هو لازِمها. فإنما يكون مطابقة من حيث الوضع للمسمَّى، وتَضمُّنًا من حيث الوضع للجزء، والتزامًا من حيث الوضع لِلازم. وكذلك قيَّد به صاحب "المحصول" وتلميذه صاحب "التحصيل"، لكن في دلالتَي التضمن والالتزام فقط. وينبغي أن يُقيِّدا به في المطابقة أيضًا على ما قصداه. لكن المتقدمون وكثير من المتأخرين لم يقيدوا بذلك؛ لأن الكلام في كل دلالة مِن حيث الوضع للمسمَّى، لا مِن وضع آخر؛ لأن ذلك حينئذٍ هو تمام مسماه، وهو واضح. وزعم ابن الحاجب في "المنتهى" أنه ينبغي أن يُزاد: "المراد لمعنًى"؛ للاحتراز عن دلالة اللفظ إذا أُريد نفس اللفظ لا مدلوله، كما تقول: "زيد" مبتدأ، "قام" فِعل ماض، "ثُم" حرف عطف. فإن الدلالة حينئذٍ ليست راجعة إلى معنى اللفظ. قلتُ: لكن مدلوله حينئذٍ هو ذاك، كأنك قلتَ: لفظ "زيد"؛ ولذلك تصير كلها أسماء وتُعرب أو تُبنى. كما قال ابن مالك في "الكافية": وإنْ نَسبْتَ لأداةٍ حُكْمَا ... [فابْنِ] (٢) أو اعرِبْ، واجْعَلنهَا اسْمَا نعم، استُشكِل انحصار الدلالة في الثلاث بدلالة العام على جزئي منه، كدلالة "المشركين" على "زيد" منهم، فإنه: - ليس مطابقة؛ إذ ليس هو جميع المشركين.
следующие страницы →