← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

على ثلاثة أقوال: الراجح منها: الأول، وبه جزم أبو إسحاق في "شرح اللمع"؛ لأن به تستقر الأحكام، ونصره ابن مالك في كتاب "الفيصل". واختار الثاني الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي؛ لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجودًا وعدمًا، فإنَّ الإنسان إذا رأى شخصًا مِن بُعد تخيله طللًا، سَمَّاه بذلك، فإذا قرُبَ منه وظنه شجرًا، سمَّاه بذلك، فإذا قرب منه ورآه رجُلًا، سماه بذلك. ورُدَّ بأن ذلك إنما هو لاعتقاد مطابقة الذهني للخارج، فالمدار على الخارجي. والثالث: هو مختار الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد المسألة بالتصنيف. وإنما أَسْقَطتُ هذه المسألة من النَّظم وهي في "جمع الجوامع"؛ لقِلة جدواها. وكذلك أسقطتُ مسألة "إنه ليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى محتاج للفظ يدل عليه إما بخصوصه حقيقةً أو مجازًا أو في ضمن عموم"؛ لوضوح المراد بها، وقِلَّة نفعها في الاستدلال، والله أعلم. ص: ٣٧٨ - وَالرَّسْمُ لِلدِّلَالَةِ اللَّفْظِيَّهْ ... وَرُبَّمَا عُدِّيَ لِلْتقِيَّهْ ٣٧٩ - هُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَيْثُ أُطْلِقَا ... يُفْهَمُ مَعْنَاهُ الَّذِي تُحُقِّقَا الشرح: لمَّا ذكرت في "الوضع" أنه جَعْلُ اللفظ دليلًا، احتجتُ لتفسير الدلالة التي صار بها دليلًا. فذكرتُ في رسم "الدلالة اللفظية" التي الكلام فيها أنها: كَوْن اللفظ بحيث إذا أُطلِق،

стр. 772

فُهِم منه المعنى الذي هو له محقق بالوضع، فيفهمه مَن يَعرف أنه موضوع له، كدلالة "إنسان" على حيوان ناطق. وأما مَن يذكر في رسم هذه الدلالة أنها "فَهْم المعنى عند ذِكر اللفظ" فمردود مِن وجهين: أحدهما: أنَّ فَهْم المعنى فرعٌ عن كون اللفظ دل عليه، فلو عُرِّف به، لَتَوَقَّف معرفة الدلالة عليه، فيلزم الدور. الثاني: أن الدلالة في اللفظ موجودة سواء فهمها فاهم أوْ لا. فالصواب ما قلناه: إنَّ الدلالة هي كون اللفظ بالحيثية المذكورة، لا الفهم. وقولي: (مَعْنَاهُ) أعم من أن يكون دلالته عليه مِن حيث وضع اللغة أو مِن حيث اشتهاره شرعًا أو عرفًا. وقولي: (وَرُبَّمَا عُدِّيَ لِلْتقِيَّهْ) الضمير في "عُدِّيَ" للرسم المذكور، أي: وربما عُدِّي هذا الرسم لبقية الدلالات بعد اللفظية، فَجُعل رسمًا لها مُعَرِّفًا لمعناها. والمراد بِ "البقية" ما يقابل "اللفظية" مِن "العقلية" و"الطبيعية"، فَفُهِما وإنْ لم يسبق لهما ذِكر، لأن ذِكر الضد يُشْعر بضده، كالعمى والبصر، والحر والبرد، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولم يَقُل: "والبرد"؛ لِعِلمه مِن ضِده، وما أَشْبه ذلك. ولمَّا كان الكلام في الدلالة اللفظية التي هي وضعية، دخل أيضًا في لفظ "البقية" ضد الوضعية مِن اللفظية ما هو لفظي لكن غير وضعي كما سنوضح ذلك. والحاصل أن الدلالة مِن حيث هي يمكن تعريفها بهذا الرسم، فيقال: كون الشيء يَلزم مِن فَهْمه فَهْم شيء آخَر.

стр. 773

وتفصيل الدلالات أنا الدلالة من حيث هي: - إما وضعية: كدلالة الأقدار على مقدراتها، ونحو ذلك كما سبق، ومنه دلالة السبب على المسبَّب، كالدلوك على وجوب الصلاة، ودلالة المشروط على وجود الشرط، كالصلاة على الطهارة وإلا لَمَا صَحَّت. - أو عقلية: كدلالة الأثر على المؤثِّر، ومنه دلالة العالَم على مُوجِدِه وهو الباري ﷻ ، وعلى ما يجب له من الصفات الثبوتية والسلبية، وما يجوز له من صفات الأفعال، ومنه أيضًا دلالة الدليل على ما يُستدل به عليه، كالمقدمتين على النتيجة. - أو لفظية: وهي المستندة لوجود اللفظ إذا ذكر. وهذه الثالثة ثلاثة أقسام: - إما عقلية: كدلالة الصوت على حياة صاحبه. - أو طبيعية: كدلالة "أح أح" على وجع الصدر. - أو وضعية: أي بوضع اللغة أو الشرع أو العرف لذلك اللفظ. فهي غير الوضعية التي هي قسيم اللفظية. فالوضعية مِن الدلالات اللفظية هي المرادة، وبِ "البقية" ما سواها، والله أعلم.

стр. 774

ص: ٣٨٠ - [مِنْ هَذهِ] (١) "دِلَالَةُ الْمُطَابَقَهْ" ... يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ فِيهَا طَابَقَهْ ٣٨١ - وَمَا عَلَى بَعْضٍ لَهُ "تَضَمُّنُ" ... وَ" لَازِمٍ " هِيَ الْتِزَامٌ بَيِّنُ ٣٨٢ - وَالْعَقْلُ في ذَيْنِ لَهُ دُخُولُ ... مِنْ حَيْثُ الِانْتِقَالُ إذْ يَجُولُ ٣٨٣ - ثُمَّ الْمُرَادُ بِ " اللُّزُومِ " الذِّهْنِي ... لَا خَارِجٌ فَإنَّهُ لَا يُغْنِي الشرح: هذا تقسيم للدلالة اللفظية الوضعية إلى ثلاثة أقسام: مُطَابَقة، وتَضَمُّن، والتزام. فَ "دلالة المطابقة": هي دلالة اللفظ على مُسَمَّاه، ك "إنسان" على حيوان ناطق. ويقع في عبارة كثير: "على تمام مسماه"، وهي قاصرة، لخروج ما لا جُزء له، كاسْم "الله" تعالى، وكالجوهر الفرد، فلا يقال فيه: "تمام"؛ لأنه لا جُزء له. و"دلالة التضمن" هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه، كدلالة "إنسان" على حيوان فقط أو ناطق فقط، سُمي بذلك لتضمنه إياه. و"دلالة الالتزام": دلالة اللفظ على ما هو خارج عن المسمَّى لكنه لازِم له، كدلالة "إنسان" على كونه ضاحكًا. قيل: ينبغي أن يُزاد في تعاريفها "مِن حيث هو كذلك"، ففي "المطابقة": من حيث هو مسماه، وفي "التضمن": من حيث هو جزؤه، وفي "الالتزام": من حيث هو لازِم؛ لِدَفْع ما يَرِد على ذلك مِن كون اللفظ قد يكون مشتركًا بين المسمَّى وجزئه، أو بين المسمى ولازِمه،

стр. 775

كَـ "مصر" اسم للمدينة و [لإقليمها] (١) جميعه، و"الشمس" لِقُرصها وللضوء الذي هو لازِمها. فإنما يكون مطابقة من حيث الوضع للمسمَّى، وتَضمُّنًا من حيث الوضع للجزء، والتزامًا من حيث الوضع لِلازم. وكذلك قيَّد به صاحب "المحصول" وتلميذه صاحب "التحصيل"، لكن في دلالتَي التضمن والالتزام فقط. وينبغي أن يُقيِّدا به في المطابقة أيضًا على ما قصداه. لكن المتقدمون وكثير من المتأخرين لم يقيدوا بذلك؛ لأن الكلام في كل دلالة مِن حيث الوضع للمسمَّى، لا مِن وضع آخر؛ لأن ذلك حينئذٍ هو تمام مسماه، وهو واضح. وزعم ابن الحاجب في "المنتهى" أنه ينبغي أن يُزاد: "المراد لمعنًى"؛ للاحتراز عن دلالة اللفظ إذا أُريد نفس اللفظ لا مدلوله، كما تقول: "زيد" مبتدأ، "قام" فِعل ماض، "ثُم" حرف عطف. فإن الدلالة حينئذٍ ليست راجعة إلى معنى اللفظ. قلتُ: لكن مدلوله حينئذٍ هو ذاك، كأنك قلتَ: لفظ "زيد"؛ ولذلك تصير كلها أسماء وتُعرب أو تُبنى. كما قال ابن مالك في "الكافية": وإنْ نَسبْتَ لأداةٍ حُكْمَا ... [فابْنِ] (٢) أو اعرِبْ، واجْعَلنهَا اسْمَا نعم، استُشكِل انحصار الدلالة في الثلاث بدلالة العام على جزئي منه، كدلالة "المشركين" على "زيد" منهم، فإنه: - ليس مطابقة؛ إذ ليس هو جميع المشركين.

стр. 776

- ولا تَضَمُّنًا؛ لأنه ليس جزءًا منهم، بل جزئيًّا، وسيأتي بيان الفرق بينهما في باب العموم. - ولا التزامًا؛ لأنه داخل في مدلول "المشركين" بوصف الشرك. وقد يُجاب بادِّعاء كونه مِن المطابقة باعتبار صِدق المشرك عليه مِن حيث هو، وهو موضوع اللفظ، والكمية فيه بالكلية، والجزئية خارجة عما وُضع له اللفظ الذي هو كُلي. وبادِّعاء كونه مِن الالتزام؛ لأن لازم هذه الماهية الموضوع لها العموم كل فردٍ فردٍ، فالفرد لازم، وسيأتي في باب العموم فيه مزيد بيان. قولي: (يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ) إلى آخِره -أي: المطابقة أن تكون كذلك. وقولي: (وَمَا عَلَى بَعْضٍ لَهُ) أي: الذي وضع اللفظ له. وقولي: (ولازم) أي: وما هو دال فيه على لازم للمعنى هو التزام. وقولي: (وَالْعَقْلُ في ذَيْنِ لَهُ دُخُولُ) إلى آخِره -إشارة إلى التحقيق من الخلاف المشهور في الدلالات الثلاث: - أنها كلها لفظية. - أو المطابقة فقط، والأخريان عقليتان. - أو المطابقة والتضمن لفظيتان، والالتزام عقلية. ثلاثة مذاهب: الأول: هو المَعْزيُّ للأكثرين؛ لأن الاستناد لِلَّفْظ في كل مِن الثلاث، إذْ هو واسطة في الدلالة على الجزء واللازم، فكان كالمطابقة. الثاني: هو اختيار الإمام في "المحصول"، وتبعه ابن التلمساني والهندي وغيرهما؛ لأن اللفظ الموضوع للكل لم يوضع للجزء ولا للازم، فما دل إلا بواسطة تَضمُّنه له عقلًا

стр. 777

ولازِميَّته له عقلًا؛ فلذلك ينتقل الذهن من المسمَّى إليهما انتقالًا من الملزوم إلى اللازم. والثالث: هو رأي الآمدي وابن الحاجب؛ لأن الجزء داخل فيما وُضع له اللفظ، بخلاف اللازم؛ فإنه خارج عنه. فذكرتُ في النَّظم ما هو الحقّ أن للعقل دخولًا في التضمن والالتزام مع الاستناد للفظ، فليسا لفظيًّا محضًا كما في المطابقة، ولا عقليًّا محضًا حتى لا يحتاج للفظ فيهما، فكأنهما لفظيتان باعتبارٍ عقليتان باعتبارٍ، حتى زعم بعضهم أن الخلاف لفظي وأنه لا خلاف في المعنى؛ ولأجل ذلك كان تقسيم الدلالة اللفظية إلى الثلاثة، فاللفظ معتبَر فيها قطعًا وإلا فكان يلزم أن يدخل في المقسم ما ليس منه. وقولي: (ثُمَّ الْمُرَادُ بِ "اللُّزُومِ" الذِّهْنِي) إشارة إلى أن المعتبر في دلالة الالتزام اللزوم الذهني (على المرجَّح)، لا الخارجي؛ وذلك لأن اللفظ غير موضوع للازم، فلو لم يكن اللازم بحيث يَلزم مِن تَصَوُّرِ مُسَمَّى اللفظ تَصَوُّرُه، لَمَا فُهم مِن اللفظ، وهو معنى تعليل المنطقيين لِكَوْنه المختار عندهم بِكَوْن الذهن ينتقل مِن المسمَّى إليه. نعم، قيَّد في "المحصول" اللزوم الذهني بالظاهر؛ لأن القطع غير معتبر وإلا لم يَجُز إطلاق "اليد" على القدرة، فإن "اليد" ليست مستلزمة للقدرة بحسب القطع؛ إذ قد تكون شلَّاء. قلتُ: لزوم القدرة لليد إنما هو لزوم خارجي باعتبار ما ركَّبه الله فيها؛ دليلُه أنَّ "اليد" لا يَلزم مِن تصوُّرها تَصوُّر القدرة لها، والتخلف في الخارج قد يكون لمانع كما في الشلاء، فالذهني لا يحتاج لهذا القيد أصلًا، وإنما لم يعتبر اللزوم الخارجي كالسرير مع الإمكان؛ لأنه إذا لم ينتقل الذهن إليه، لم تحصل الدلالة البتة، وقد تحصل الدلالة وليس هناك لزوم خارجي، كدلالة العمى على البصر، والحر على البرد.

стр. 778

واعتبر كثير مِن الأصوليين وأهل [البيان] (١) اللزوم مطلقًا، أَعَم من الذهني والخارجي. وسواء أكان الذهني في ذهن كل أحد -كما في العدم والملكة- أو عند العالم بالوضع أو غير ذلك؟ ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال. ولكن عند التحقيق تراهم يرجعون إلى لزوم ذهني ولو بقرينة تدل عليه وأصله خارجي، وذلك حتى ينتقل الذهن كما بيناه؛ فلذلك جريتُ في النَّظم على إطلاق اعتبار اللزوم الذهني؛ وفاقًا لمن قاله، فإنه الظاهر. وقولي: (لَا خَارِجٌ) أي: ليس المعتبر مجرد اللزوم الخارجي؛ لأنَّ الدلالة قد توجد وليس هناك لزوم خارجي كما سبق، والله أعلم. ص: ٣٨٤ - وَالْقَوْلُ إنْ جُزْءٌ لَهُ دَلَّ عَلَى ... جُزْءٍ لِمَعْنَاهُ بِقَصْدٍ وُصِلَا ٣٨٥ - " مُرَكَّبٌ " وَمَا سِوَاهُ " الْمُفْرَدُ " ... وَالْبَدْءُ في تَقْسِيمِ هَذَا أُورِدُ الشرح: لَمَّا بيَّنتُ أنَّ اللفظ الموضوع لمعنى يُسمى "قولًا" وبيَّنتُ معنى "الوضع" ومعنى "الدلالة" وتقسيمها، ذكرتُ هنا أن القول ينقسم إلى مفرد ومركب، وقدمتُ في النظم تعريف "المركَّب"؛ لأن التقابل بينهما مِن تقابُل العدم والملَكَة، والأعدام إنما تُعرف بملكاتها. وإنما قَدَّم ابن الحاجب "المفرد" لمناسبة مختارِه في الفَرْق بين "المفرد" و"المركب" كما سيأتي. فَ "المركَّب": ما دَلَّ جزؤه على جزء معناه الذي وُضع له، سواء أكان تركيبه إسناديًّا كَ

стр. 779

"قام زيد"، أو إضافيًّا ك "غلام زيد"، أو تقييديًّا ك "زيد العالم "، لا مزجِيًّا ك "خمسة عشر" و"بعلبك"، فإنه لا يدل -حين كونه عَلَمًا- جزؤه على جزء معناه. وكذا المضاف إذا كان عَلَمًا، نحو"عبد الله". وقولي: (بِقَصْدٍ وُصِلَا) أي: إنما يكون مُركبًا إذا كان ذلك الجزء منه دالًّا على جزء معناه بالقصد؛ ليخرج نحو: "حيوان ناطق" عَلَمًا على إنسان؛ فإنه مفرد وإنْ كان جزؤه دل على جزء معناه من حيث هو. وبعضهم يقول: لا حاجة لهذا القيد؛ لأنه بعد العَلَمية لا يَصدُق أنَّ جزءه دلَّ على جزء معناه؛ لأن كُلًّا مِن جزئَيه صار بالعَلَمية بمنزلة حَرْف الهجاء فيه، ك "الزاي" من "زيد"، فكما لا يدل على جزء من ذات "زيد" كذلك هذا. وعلى هذا يكون هذا القيد إيضاحًا. وقولي: (إنْ جُزْءٌ لَهُ دَلَّ عَلَى جُزْءٍ لِمَعْنَاهُ) خرج به نحو "إنسان"، فإنه وإنْ دلَّ فيه "إنْ" على [الشرط] (١) لكن لم يدل على جزء معناه، وبعضهم يُسمي هذا مؤلفًا لا مركبًا، والمشهور المنع وأنَّ المؤلَّف بمعنى المركَّب. ومنهم مَن يُفرق بينهما بأن المؤلَّف يكون بين جزئيه ألفَة، بخلاف المركب. ورُدَّ بأن المراد بالتركيب إنما هو على الوجه المعتبر في كلام العرب، لا مطلق انضمام لفظ إلى آخَر، فحينئذٍ لا يوجد مركَّب إلا وبين جزئيه ألفة. وزعم بعضهم أنه يخرج بذلك أيضًا أنَّ حروف "زيد" -مَثلًا- كل واحد يدل على شيء في الجملة وهو ذلك الحرف، ف "الزاي" يدل على "زه"، وكذا الباقي. وهو فاسد؛ لأنه إن أراد بالدال اللفظ المعبَّر عنه ب "الزاي والياء والدال" فليس لذلك دلالة أصلًا، وإنْ أراد هذا اللفظ وهو "زاي ياء دال" فهذا ليس الذي تركب منه "زيد"، بل

стр. 780

مِن مدلولاته، فَتَأَمَّلَه. وقولي: (إنْ جُزْءٌ لَهُ دَلَّ) ولم أَقُل: (كل جزء)؛ إشارة إلى أنك إذا قلتَ: (زيد قائم) فإنما دل من الأجزاء كلمة "زيد" وكلمة "قائم"، لا كل حرف من حروفها؛ لأن كل حرف من حروف الكلمتين معًا لا دلالة له أصلًا، لا على جزء المعنى ولا غيره كما بيناه. وإنما يكون ذلك في الجزء القريب؛ فلذلك قيَّد به بعضهم. فإنْ قُلتَ: فَدَلَّ قولك ذلك أنه إذا دل جزءٌ على جزءِ المعنى، يكتفَى بذلك وإنْ لم تدل بقية الأجزاء على باقي المعنى، والفرض أنك إذا قلت مثلًا: (زيد قائم)، ف "زيد" دل على جزء المعنى و"قائم" دَلَّ على جزئه الآخَر، فكان ينبغي أن تقول: [(كل واحد من أجزائه) أو: (من أجز ائه القريبة)] (١) إذا أردت الإيضاح كما تَقدم. قلتُ: لم أحْتج لذلك؛ لأنه متى دَلَّ جزء على جزء المعنى كان الجزء الآخَر دالًّا على باقي المعنى بالضرورة؛ لئلا يَلزم ضَم مُهْمَل إلى مستعمَل، بل يصير مجموع اللفظ غيرَ وافٍ بجملة المعنى، والفَرْضُ خِلَافُه. أو يقال: المراد ما ذكرتم، ويدل عليه أن النكرة في سياق الشرط للعموم، ويكون المراد أن كل جزء قريب يدل على جزء من المعنى. وقولي: (وَمَا سِوَاهُ "الْمُفْرَدُ") بيان؛ لأن كل ما اختل فيه قيد من تعريف المركَّب يكون "مفردًا"؛ فيدخل: - ما لا جزء له أصلًا، ك "باء" الجر، فإنها مفرد وإن لم تستقل بالنطق بها ولا بالدلالة على معنى في نفسها؛ لكونها حرفًا. - وما له جزء لكن لا يدل، ك "زيد".

стр. 781

- أو يدل لا على جزء المعنى، كما سبق في "إنْ" مِن "إنسان". - أو يدل على جزء المعنى لكن في وضع آخَر لا في ذلك الوضع، كما سبق في "حيوان ناطق" عَلَمًا على "إنسان". تنبيه: هذا التعريف للمركَّب والمفرد هو اصطلاح المنطقيين وغيرهم مِن أهل الأصول، وأما أهل العربية فتُعزى إليهم تفرقة أخرى، وهي: أنَّ "المفرد" اللفظ بكلمة واحدة، و"المركَّب" بخلافه. واختار هذا ابن الحاجب. فخرج بِ "الكلمة" في تفسير المفرد: الكلام ونحوه من المتضايفين وغيرهما. وبِقَيْد الوحدة: المركَّبات الناقصة والمركَّب الذي هو عَلَم، ك "عبد الله" و"حيوان ناطق" عَلَمًا على إنسان، فهو وإن كان كلمة لكنه غير مفرد؛ إذِ "المفرد" عندهم أخص من الكلمة. ثم فرَّع ابن الحاجب على الفرقين أنَّ نحو: "بعلبك" مركَّب على طريق أهل العربية، واختاره دُون الأخرى، ونحو: "يضرب" بالعكس، أي: يكون على طريقة المنطقيين وأهل الأصول مركَّبًا، وعلى طريق أهل العربية مفردًا، وهو واضح. ثم قال: (ويَلزمهم -أي: المنطقيين ومَن [تبعهم] (١) - أن نحو "ضارب" مِن أسماء الفاعلين و"مخرج " ونحو ذلك مما لا ينحصر مُركَّب) (٢). أي: لأن "الألف" من "ضارب" و"الميم" من "مخُرج" جزء دل على جزء من المعنى. وما ادَّعاه مِن الإلزام لهم غير سديد؛ لأنَّ الدال على وصفيَّة الفاعل مجموع اللفظ، لا

стр. 782

" الألف " وحدها و [لا] (١) " الميم " وحدها. وقد أوضح هو هذا في "أماليه "، فقال: إنَّ "الألف" من "ضارب" و"الميم" من "مخرج" وأَحرُف المضارعة و"الألف" في "سكرى" و"غضبى" ونحو ذلك ليست كلمات مستقلة، بل جزء كلمة. قال: (وقد تَخيل كَوْن حروف المضارعة كلمة بعض المتأخرين، وهو غلط، والفرق بين هذه الحروف وأشباهها مما ليس بكلمة وبين التي هي كلمات أنَّ هذه لا تدل على المعنى الذي قُصِد بزيادتها له إلا بِسَبْك ما انضم إليها معها حتى صار كالجزء منه، وأما الحرف الذي هو كلمة فتجد ما ينضم إليه مستقلًّا في دلالته قبله، وتجده موضوعًا لذلك بمجرده وإنِ اشترط في استعماله ذِكر متعلقه، ك "اللام" مِن "لزيد"، فإن كُلًّا منهما يُفهم معنًى مستقلًّا، بخلاف " الألف " مِن " ضارب " و" الياء" من "يخرج"). انتهى مُلخصًا. وبه يُعلم أن قوله: (ونحو "يضرب" بالعكس) أي: ما يكون مركَّبًا على طريقة المناطقة قد يمنع؛ لعدم استقلاله بالدلالة على ما قرره، فَحَقِّقْ ذلك؛ فإنه نفيس، والله أعلم. وقولي: (وَالْبَدْءُ في تَقْسِيمِ هَذَا أُورِدُ) إشارة إلى أن كُلًّا من "المفرد" و"المركب" له تقسيمات من وجوه لا بُد من معرفتها، فنشرع في ذِكر ذلك. وبدأتُ هنا بالمفرد؛ لسبقه على المركَّب وإنْ كان في تفسيره وقع الأمر بالعكس؛ لِمَا قررناه. فمِن تقسيم "المفرد" ما ذكرتُه بقولي:

стр. 783

ص: ٣٨٦ - فَإنْ يَكُنْ تَصَوُّرُ الْمَعْنَى مَنَعْ ... مِنْ شِرْكَةٍ فِيهِ، فَجُزْئِيًّا يَقَعْ ٣٨٧ - وَمَا سِوَى هَذَا هُوَ "الْكُلِّىُّ" ... تَقْسِيمُهُ يَكْثُرُ، وَالْمَرْضِىُّ الشرح: وهو أنه ينقسم إلى جزئي وكُلي. وفي الحقيقة إنما هما قسمان لمعنى اللفظ، لا لنفس اللفظ، لكن بطريق التبعية، فنقول: معنى اللفظ إنْ مَنَع تَصَوُّره مِن وقوع الشركة فيه عقلًا فجزئي، ك "زيد"، وإنْ لم يمنع فكُلى، ك "إنسان". وقال الغزالي: الكلي ما قبل الألف واللام. ورُدَّ بنحو: "ابن آدم". وقد يجاب بأنه يقبل لولا مانع الإضافة. والكلى له تقسيمات، منها: أنه إما أنْ يوجد منه شيء في الخارج، أوْ لا. فإنْ وُجِد فإما أن يوجد واحد فقط أو كثير. وما وُجد منه واحد إما أن يكون غيره ممتنعًا وجوده أو جائزًا. وما وُجد منه كثير فإما أن يكون متناهيًا أو غير متناهٍ. والذي لم يوجد منه شيء إما أن يمكن وجوده أو يستحيل. فهذه ستة أقسام.

стр. 784

وبهذا يُعلم أن التعبير بقولنا: (إن لم يمنع) إلى آخِره -أَوْلى من نحو قول ابن الحاجب: (إن اشترك في مفهومه كثيرون) (١)؛ لخروج بعض هذه الأقسام عن تعبيره، إلا أن يحمل قوله: (إن اشترك) على الأَعَم من الاشتراك بالفعل أو بالقوة، ولا يخفَى ما فيه. فمثال ما وُجد منه واحد وغيرُه ممتنع: "إله"، فإنه الله تعالى لا إله غيره، ولا يمكن وجود إله غيره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ومعنى دخول لفظ "إله" في تعريف الكُلي أنه لا يمنعُ تَصورُ معناه مِن الشركة في معناه باعتبار التصور في الذهن، لا باعتبار الممكن في الخارج؛ فلهذا ضَلَّ مَن ضل بالإشراك. ولو كانت الوحدة بضرورة العقل، لما وقع ذلك من عاقل، ولكنها عقول أضلها بارئها بما قضى مِن شقاوتها. وعلى كل حال: في ذِكر المناطقة هذا المثال نوع من إساءة الأدب؛ فلذلك أهملتُ في النَظم ذِكر هذا التقسيم بالكُلية، وأشرتُ إلى أنه غير مُرْضٍ بقولي: (وَالْمَرْضِىُّ كذا وكذا) لِمَا أذكره من التقسيم بعد ذلك، وتعرضتُ له في الشرح؛ لئلا يظن الناظر في كتبهم ما لم يقصدوه، فيضل عن سواء السبيل. ومثال ها وُجد منه واحد ولا يمتنع وجود غيره: "الشمس". ومثال ما يوجد منه في الخارج كثير متناه: "إنسان". ومثال الكثير الذي لا يتناهى متعذرٌ على قول أهل السُّنة؛ إذْ ما في العالم شيء من الموجودات إلا وهو متناهٍ. ومثال ما لا يوجد منه شيء أصلًا ويمكن وجوده: بحر من زئبق. ومثال ما يستحيل وجوده: شريك الإله، فإنه مُحال. ولا يخفَى ما في التمثيل به من الإساءة على نحو ما سبق.

стр. 785

تنبيهات أحدهما: لا بُد في الجزئي من ملاحظة قيد التشخيص والتعيين في التصور وإلا لَصَدق أنه لم يمنع تَصوُّره من وقوع الشركة فيه، إذْ لا بُد مِن اشتراك ولو في أخص صفات النفس. ثم المراد به الجزئي الحقيقي؛ لأن الجزئي قد يكون إضافيًّا، أي: بالنسبة لإضافته لِمَا هو أَعَم منه مع كونه كُليًّا بالنسبة إلى ما هو أخص منه، ك "حيوان"، فإنه جزئي بالنسبة إلى "جسم"، كُلي بالنسبة إلى "إنسان"، كما يسمى مثل ذلك نوغا إضافيًّا وإن كان النوع الحقيقي إنما هو المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة. الثاني: زاد التستري في تفسير "الكُلي" قَيْد أن يكون ذلك في الإيجاب، قال: فإن "زيدًا" يشترك في [مفهومه] (١) كثيرون باعتبار سلبه عن مفهوم خِلافِهِ مع أنه ليس بِكُلي. قلتُ: وهذا عجيب، فإن الكلام في تَصور حقيقتَي الكُلي والجزئي، والسلب والإيجاب أمر زائد على ذلك. قولي: (وَالْمَرْضِىُّ) تمامه ما بعده، وقد سبق أني أشرتُ بذلك إلى عدم ارتضاء نحو ما سبق من تقسيم الكلي إلى وحدته وكثرته، ومثل ذلك تقسيم الكلي إلى طبيعي ومنطقي وعقلي. مثاله: "الإنسان" من حيث الحيوانية التي فيه فقط هو "كُلي طبيعي"، وهذا موجود في الخارج؛ لأنه جزء الإنسان الموجود، وجزء الموجود موجود. ومن حيث إن تَصوُّره غير مانع من تَصوُّر الشركة فيه "كُلي منطقي"، وهذا لا وجود له؛ لأنه من حيث لا يتناهى. وقد سبق أن وجود ما لا يتناهى في العالم محُال.

стр. 786

ومن حيث ملاحظة الأمرين معًا "كُلي عقلي"، ولا وجود له أيضًا، لاشتماله على ما لا يتناهى. وخالف في ذلك أفلاطون، فقال: إنه موجود. ومحل ذلك الأليق به غير هذا المختصر. ومثل ذلك أيضًا: تقسيم الكُلي إلى جنس ونوع حقيقيَّين، فَـ "الجنس" هو المقول على مختلف بالحقيقة، و"النوع " هو المقول على متفق بالحقيقة، وقد يكونان إضافيين، أي: بالنسبة إلى ما فوقهما ودُونهما كما سبقت الإشارة إليه، ونحو ذلك. والله أعلم. ص: ٣٨٨ - مِنْ ذَلِكَ: الْكُلِّيُّ إنْ تَسَاوَتْ ... أَفْرَادُهُ وَمَا [بِهَا] (١) تَفَاوَتْ ٣٨٩ - فَـ "مُتَوَاطِئٌ"، وَمَا سِوَاهُ ... "مُشَكِّكٌ"؛ لِشَكِّ مَنْ يَرَاهُ الشرح: أي: مِن المرْضِي في تقسيم "الكلي" انقسامه إلى "متواطئ" و"مُشَكِّك". فالمتواطئ: ما تساوت أفراده باعتبار ذلك الكلي الذي تشاركت فيه، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده، فإنَّ الكلي فيها -وهو الحيوانية الناطقية- لا تفاوُت فيها بِزَيْد ولا نقصٍ، وسُمي بذلك من "التواطؤ" وهو التوافق، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، وهذا معنى قولي: (وما بها تفاوت) أي: ولم يتفاوت ذلك الكلي بها، أي: فيها، ف "ما" نافية، و"الباء" في "بها" متعلق بِ "تَفَاوَتْ"، وهو فعل ماض، والضمير في "بها" للأفراد، وموضعه نَصبٌ على الحال.

стр. 787

و"المشَكِّك": ما سوى ذلك، وهو ما تَفَاوَت في أفراده الكُلي: - إما باعتبار الوجوب وا لإمكان، كالوجود للقديم والحادث. - وإما باعتبار الاستغناء والافتقار، كالموجود الممكن للجوهر المستغني عن محل، والعَرَض المفتقر إلى محل يقوم به. - أو بالشدة، كبياض الثلج وبياض العاج، وكالنور لضوء الشمس وضوء السراج. وسمى "مُشَكِّكًا"؛ لِمَا فيه من تشكيك الناظر في معناه: هل هو متواطئ؛ لوجود الكُلي في أفراده؟ أو مشترك؛ لتغاير أفراده؟ فهو اسم فاعل من "شَكك" المضعَّف من "شك" إذا تَرَدَّد. تنبيه: اشتراط عدم التفاوت في "المتواطئ" كيف يجامع قولهم: (سُمي "مشككًا" لشك الناظر في كونه متواطئا)؟ كيف يقع الشك والفرضُ أنه متفاوت وقد شُرِط في "المتواطئ" عدم التفاوت؟ ويمكن الجواب عنه بأنَّ تَقابُل المتواطئ والمشكك تقابُل الأَعَم والأَخَص. فالمتواطئ أعم من المشكك. ويكون المراد بقولهم: (إن تساوت أفراده) أي: لم يُشرَط فيها تفاوُت، بل سواء اتفق فيها وقوع تفاوُت أوْ لا؟ لأن النظر إلى كونه متواطئًا من حيث الاشتراك. وبذلك يجمع بين قول ابن الحاجب: (فإنْ تَفاوَت كالوجود للخالق والمخلوق، فمشكك، وإلا فمتواطئ) (١)، وقوله في مسألة "وقوع المشترك" في جواب استدلال لا

стр. 788

يرتضيه: (وأُجيب بأن الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ) (١). فجعله متواطئًا مَرة ومشككًا أخرى، فليس ذلك إلا لِمَا ذكرناه، لا تناقضًا. ومن هنا يُعلم جواب سؤال ابن التلمساني المشهور: (أنه لا حقيقة للمشكك؛ لأن ما حصل به الاختلاف إنْ دخل في التسمية كان اللفظ مشتركا، وإلا كان متواطئا). لأنَّا نقول: - هو داخل في التسمية، ولا يلزم أن يكون مشتركًا؛ لأن "المشترك" ما ليس بين معنييه قَدْرٌ مشترك به سُمي بذلك الاسم. - ولا يكون خارجًا من المتواطئ؛ لأن التواطؤ أعمُّ مما تساوَت أفراده أو تفاوتت، إلا أنه إذا كان فيه تفاوت فهو مشكك. وهذا أحسن من جواب القرافي عنه بأن كُلًّا من المتواطئ والمشكك موضوع للقَدْر المشترك، ولكن الاختلاف إن كان بأمور من جنس المسمَّى فمشكك، أو بأمْرٍ خارج فمتواطئ. لأن ذلك إنما يمشي فيه التفاوت بالشدة والضعف فقط، لا فيما هو مختلف بالإمكان والوجوب أو بالاستغناء والافتقار ونحو ذلك. واعْلم أنه سيأتي لنا في مسألة "حمل المشترك على معنييه" أن الشافعي يجعله من قبيل العموم، ولا يكون ذلك إلا إذا كان بينهما قَدْر مشترك، فإذا قُدِّر قَدْر مشترك، أَشْبه ذلك المشكك. وسيأتي [فيه] (٢) مزيد بيان هنالك، والله أعلم.

стр. 789

ص: ٣٩٥ - وَأَيْضًا الْكُلِّيُّ إنْ يَسْتَغْرِقِ ... أَشْخَاصَهُ، فَذُو " الْعُمُومِ " حَقِّقِ ٣٩١ - وَإنْ يَكُنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّهْ ... فَقَطْ فَ "مُطْلَق" بِلَا كَمِّيَّهْ الشرح: هذا هو التقسيم الثاني من تقسيمَي "الكُلي" اللذين ذكرتهما، وهو انقسامه إلى: عام، ومطلق. وذلك أن الكلي إن وُضع اللفظ [فيه] (١) لاستغراق مَحاله لُغةً أو عُرفا فهو "العام"، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ونحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، إذ المراد جميع أنواع الإيذاء، فعمومه عُرفي كما سيأتي في باب "المفهوم" وفي باب "العموم"، ويأتي فيه مزيد بيان [لحقيقته] (٢) وأقسامه. وقد يكون العموم عقليًّا ولا يذكر هنا؛ لأن الكلام في تقسيم اللفظ، وذاك يذكر في باب العموم من حيث هو. وإن لم يكن كذلك بل دل على الماهيَّة من حيث هي من غير نظر إلى أفرادها -أي محَالها التي لا توجد حقيقتها إلا في شيء منها- فهو "المُطْلَق"، كقولك: (الرجُل خير من المرأة)، أي: هذه الحقيقة خير من هذه الحقيقة وإنْ كان في بعض أفراد هذه ما هو أفضل من أكثر تلك لكن لأمر خارجي، وسيأتي إيضاح ذلك في موضعه والفرق بينه وبين النكرة وما يترتب على ذلك. وقولي: (بِلَا كَمِّيَّهْ) أي: بلا مراعاة أفراد لا كثيرة ولا قليلة، فهو منسوب إلى "كَمْ"

стр. 790

المسئول بها عن عدد الشيء، والقاعدة في مِثله التضعيف للحَرف الثاني، فلذلك شُدِّدت الميم، والله أعلم. ص: ٣٩٢ - وَذَلِكَ "الْجُزْئِيُّ "إمَّا شَائِعُ ... فَسَمِّهِ "بمِرَةً" لَا مَانِعُ ٣٩٣ - وَإنْ يَكُنْ مُعَيَّنًاتَ "الْمَعْرِفَهْ" ... فَمَا بِوَضْعٍ التَّعَيُّنُ اعْرِفَه ٣٩٤ - بِ "الْعَلَمِ" الْمَعْرُوفِ، ذَا "شَخْصِىُّ" ... إنْ كَانَ في الْخَافيِ، وَ"الْجِنْسِيُّ" ٣٩٥ - إنْ كانَ في الذِّهْنِ، بِهَذَا افْتَرَقَا ... مِنِ اسْمِ جِنْسٍ، قَالَهُ مَنْ حَقَّقَا الشرح: لَمَّا فرغتُ من تقسيم "الكُلي" شرعتُ في تقسيم مُقابِلِه وهو "الجزئي"، فذكرتُ أنه ينقسم إلى: نكرة، ومعرفة. وذلك أن الجزئي إنْ قُصد به فردٌ مشخصٌ مِن محَال الكُلي ولم يقصد عموم المَحال كلها كما هو العام على ما سبق، فذلك الفرد: - إنْ قُصد شيوعه في الأفراد (أي: يكون مُبْهمًا يحتمله كل فرد فرد على البدل) فهو "النكرة"، مفردًا كان (ك "رجل") أو جَمعًا حقيقيًّا (ك "رجال" و"مسلمين") أو ما كالجمع (ك "قوم" و"نساء" و"تمر") أو محتملًا (كـ " لبن " و" عسل "). - وإنْ قُصد به فردٌ مُعَين فهو "المعْرِفة". والتفرقة بينهما بعلامة لفظية، وهو قبول النكرة "رُب" أو "ال" المؤثرة للتعريف، أو نحو ذلك من وظيفة النحوي. فإنْ قيل: إذا كانت "النكرة" فيها شيوع، كانت مما لا يمنع تَصوُّره من وقوع الشركة فيه،

стр. 791

وهو خلاف ما سبق أن الجزئي هو ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. قيل: المراد بالشركة في "الكُلي" التعدد لمحاله، وإذا كانت النكرة فردًا واحدًا واللفظ إنما دل عليه من حيث هو فرد، فقد منع تصوره من وقوع الشركة فيه من حيث فرديته، ولهذا كان داخلًا في الجَمْع ونحوه -كما سبق- وفي الأعداد نحو ثلاثة [وعشرة] (١)؛ لأن الجمع ليس قابلًا لأن يكون جمعين ولا العشرة [عشرتين] (٢)، فَتَأَمَّل ذلك، فإنه دقيق. وقولي: (بِوَضْعٍ التَّعَيُّنُ) إلى آخِره -تقسيم للمعرفة إلى عَلَم وغير عَلَم، والعَلَم إلى عَلَم شخصي وعَلَم جنسي، فالباء في "بِالْعَلَمِ" متعلق بفعل الأمر في قولي: (اعْرِفَه)، أي: اعْرف هذا النوع بِاسْم "العَلَم"، أي: بكون "العَلَم" اسمًا له. والحاصل أنه لَمَّا تَقرر أنَّ المعرفة هي التي فيها تَعَيُّن بخلاف النكرة فإنها شائعة، انقسمت المعرفة إلى: - ما يكون التعيُّن فيه بالوضع، وهو العَلَم. - وإلى ما يكون التعين فيه لا بالوضع، بل بأمر خارجي، وهو غيره من المعارف كما سيأتي بيانه. ثم التعين الوضعي في العَلَم إما أن يكون بحسب الوجود الخارجي، فيُسمى العَلَم حينئذٍ "عَلَم شخص"، نحو "زيد" و"هند". وإما باعتبار التصور في الذهن، فيُسمى "عَلم الجنس"، ك "أسامة" عَلَمًا على حقيقة "الأسد" المشخصة في الذهن. وهو معنى قولى: (ذَا "شَخْصِىُّ") إلى آخِره، والضمير في قولي: (إنْ كَانَ) عائد على

стр. 792

التعين في البيت الذي قبله، وكذا في قولي: (إنْ كَانَ في الذِّهْنِ). وينقسم [العلمان] (١) باعتبارات: مرة بكون المدلول ذا عِلم، كأسماء الله تعالى الأعلام، ومن ذلك أعلام العقلاء من الملائكة (ك "جبريل") أو الأنبياء (ك "محمد"). أو عَلَم لغير ذي عِلم إما لحيوان غير مألوف (ك "أسامة" للأسد و"ثُعالة" للثعلب) أو مألوف (ك " لاحق " فرس لمعاوية، و"شذقم" لجمل، و" واشق " لكلب) أو للأمكنة (ك "بغداد") أو الأزمنة (ك "رمضان")، وغير ذلك. وينقسم مرة إلى اسم وكنية ولقب؛ لأنه إن بُدئ بـ "أب" أو "أم" فكُنية، أو دَلَّ على رفعة المسمَّى" "زين العابدين" أو ضِعَتِه ك "إبليس" فلقب، وإلا فاسْم. ومرة إلى منقول (ك "فضل") وغير منقول وهو المرتجل (ك "أدد" و" غطفان "). وينقسم مرة إلى مفرد (ك "زيد") ومركب إضافي (ك "عبد الله") أو إسنادي (ك "برق نحرُه") أو غير ذلك. وكل هذه الأقسام موضحة في محلها من النحو. وقولي: (بِهَذَا افْتَرَقَا) الضمير فيه عائد إلى عَلَم الجنس، أي: بهذا المعنى المذكور في علم الجنس -وهو قيد التشخُّص في الذهن- افترق من اسم الجنس الذي هو النكرة، نحو "أسد"، فإن أسدًا إنما دل على فرد شائع كما سبق، لا على الحقيقة من حيث هي بقيد تشخُّص [فرد منها] (٢) في الذهن، أي: حضور فرد مشتمل على الحقيقة مما يمكن أن تكون الحقيقة فيه

стр. 793

[كسائر] (١) الأفراد في الذهن مطلقًا. وقولي: (قَالَهُ مَنْ حَقَّقَا) أي: قاله المحققون، وملخص الخلاف في المسألة أن "عَلَم الجنس" و"اسم الجنس" هل معناهما واحد وإنما فُرق بينهما في الأحكام اللفظية (كمنع الصرف في عَلم الجنس مع عِلة أخرى، ووقوعه مبتدأ بلا مسوغ، وكذا في الحال منه بلا مسوغ، وكامتناع دخول "أل" و" الإضافة " فيه، وغير ذلك)؟ أو بينهما فرق من جهة المعنى؟ فالأول قال به جمعٌ من النحاة، منهم ابن مالك كما قرره في شرح "التسهيل"، إذ قال: إنه نكرةٌ معنًى، معرفةٌ لفظًا. وكذا عبر في "خلاصته" بقوله: ووضعوا لبعض الأجناس عَلَم ... كعَلم الأشخاص لفظًا، وهو عم أي: في الأحكام اللفظية، وهو عام في الأفراد عمومًا بدليًّا كاسم الجنس. والثاني هو قول كثير من المحققين، قال القرافي: (إن الخسروشاهي كان يفرق بين علم الجنس واسم الجنس ويقرره بتقرير لم أسمعه من أحد إلا منه، وكان يقول: ما في البلاد المصرية من يعرفه). أي: لأن الفرق مشكِل حتى إن بعض الأئمة ينفيه كما سبق، فقال الخسر وشاهي: (إن الموضوع للماهية من حيث خصوصها في الذهن "عَلَم الجنس"، ومن حيث عمومها ذهنًا في أفرادها "اسم الجنس") (٢). وهو معنى ما ذكرناه من كون "أسد" مثلًا موضوعًا للحقيقة من غير اعتبار قيد معها

стр. 794

أصلًا، وعلم الجنس الذي هو "أسامة" مثلًا موضوع للحقيقة باعتبار حضورها الذهني الذي فيه نوع تشخص لها مع قطع النظر عن أفرادها. ونظيره الفرق بين النكرة وبين المعرَّف بلام الحقيقة بأنه دال عليها باعتبار حضورها في الذهن وإن كانت عامةً بالنسبة إلى أفرادها، فهي باعتبار حضورها أخص من مُطلق الحقيقة، فإن الصورة الكائنة في الذهن من حقيقة الأسد جزئية بالنسبة إلى مطلق الحقيقة؛ لأن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في زمان، ومِثلها يقع في زمان آخَر وفي ذهن آخَر، والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد. وفي كلام سيبويه إشارة إلى هذا الفرق، إذ قال في ترجمة "باب من المعرفة يكون الاسم الخاص فيه شائعًا في أمته ليس واحدٌ منها بأوْلى من الآخَر" ما نَصه: (إذا قلتَ: "هذا أبو الحارث"، إنما تريد هذا الأسد، أي: هذا الذي سمعت باسْمه أو عرفتَ أشباهه ولا تريد أن تُشير إلى شيء قد عرفتَه بمعرفته ك "زيد"، ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم) (١). ومعنى قوله: (عرفته بمعرفته) عرفته بشخصه الخارجي. فانظر كيف جعله سيبويه بمنزلة المعرف باللام التي للحقيقة، وقوله "هذا" إشارة إلى شيء بعَيْنه، فصار "أسامة" يغني عن هذا كما أن "زيدًا" يغني عن قولك: (الرجُل المعروف بكذا وكذا)، وكون "أسامة" واقعًا على كل أسد إنما كان لأن التعريف فيه للحقيقة وهي موجودة فيه. هكذا قرره ابن عمرون في شرحه، قال: (ونظيره "يا رجُل" إذا أردت مُعَينًا، فأيُّ رجُل أقبلتَ عليه وناديتَه كان معرفة؛ لوجود القصد إليه، فكذا أسامة، أي أسد رأيته فإنك تريد هذه الحقيقة المعروفة بكذا، فالتعدد ليس بطريق الأصل). انتهى

стр. 795

وأما ابن مالك فقال بعد حكاية نَص سيبويه: إنه جعله خاصًّا شائعًا في حالة واحدة، فخصوصه باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشياعُه باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطًا من تلك الحقيقة في الخارج. قلتُ: وهذا يعكر على ما ادَّعاه من كونه مِثل العَلم الشخصي لفظًا ومِثل النكرة في المعنى. وفرق ابن الحاجب في "شرح المفصل" بين أسامة وأسد بأن "أسدًا" موضوع لفرد من أفراد النوع لا بعينه، فالتعدد من أصل الوضع، و"أسامة" موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن. واختار الشيخ تقي الدين السبكي أن "عَلم الجنس" ما قُصد به تمييز الجنس عن غيره مع قطع النظر عن أفراده، و"اسم الجنس" ما قُصد به [اسم] (١) الجنس باعتبار وقوعه على الأفراد حتى إذا أدخلتَ عليه الألف واللام الجنسية، صار مساويًا لعَلم الجنس؛ لأن الألف واللام الجنسية لتعريف الماهية. وفرّع على ذلك أنَّ "عَلَم الجنس" لا يُثنى ولا يجُمع؛ لأن الحقيقة من حيث هي لا تقبل جَمعًا ولا تثنية، والجمع إنما هو للأفراد (٢). لكن صرح ابن السمعاني بأن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس لعهد الجنس لا للتعريف (٣).

стр. 796

وبالجملة فهذه الفروق متقاربة، لكن تحتاج إلى نقل يدل على قصد العرب في وضعها ذلك. قال أبو حيان بعد أن قرر ما حكيناه عن ابن مالك من ترادُف "اسم الجنس" و"عَلم الجنس" وإنِ اختص أحدهما بأحكام لفظية - كَـ "ذِي" بمعنى صاحب- مع افتراقهما في أحكام لفظية، قال: (وقد رام بعض المتنطعين من المتأخرين التفرقة بين أسامة وأسد من جهة المعنى). فذكر ما نقلناه عن ابن الحاجب، ثم قال: (وما أظن العرب قصدت شيئًا من هذا الذي ذكره هذا المتأخر في "عَلم الجنس"، وأيضًا فإنه ما من نكرة إلا ومعناها الذهني مفرد لا متكثر، فلا اختصاص لأسامة بذلك). انتهى وقد علمت أن في كلام سيبويه -إمام اللغة والعربية- الإشعار بالفرق، فكيف يدعي أنه مِن تفرقة المتنطعين؟ ! أي: المتعمقين في الكلام. وأمَّا أن العرب لا تقصد ذلك فقد يُمْنَع بأنها كان لها دقائق في كلامها لا تنحصر وإنْ لم يدل دليل على أنها قصدتها بل يُستدل عليها بالاستقراء لتراكيبها، بل مما وضع لاستخراج تلك الأسرار المستقرأة من كلمها علم المعاني والبيان ونحو ذلك. والخسر وشاهي السابق ذِكره في كلام القرافي هو الإمام العلامة شمس الدين الشافعي أبو محمد، تلميذ الإمام الرازي، روى عنه الحافظ الدمياطي، وأخذ عنه أيضًا الخطيب زين الدين ابن المرحل، رحمهم الله تعالى. والله أعلم.

стр. 797

ص: ٣٩٦ - أَوْ بِقَرِينَةٍ يُرَى التَّعَيُّن ... فَ "مُضْمَرٌ" وَنَحْوُهُ يُبَيَّنُ الشرح: هذا مقابل لقولي: (إن كان التعين بالوضع)، وهو القسم الثاني من "المعرفة"، أي: وهو ما يكون فيه التعيُّن لا بالوضع بل بقرينة، وهو "المضمر"؛ لأن التعين بقرينة خارجية وهي التكلم (نحو: "أنا")، والخطاب (نحو: "أنت")، والغيبة (نحو: "هو"). ومثله بقية المعارف، كاسم الإشارة، فإنها بقرينة الإشارة إليه، والمعرَّف باللام بقرينة انضمامها إليه، والمضاف بقرينة الإضافة لمعرفة، والموصول بقرينة الصلة أو اللام الفظًا فيما هي فيه كَـ"الذي"، وتقديرًا فيما تَجَرَّد منها كَـ "مَن" و"ما")، والمنادى بقرينة القصد والإقبال. وهذا كله مبيَّن في محله في كتب النحو. وهو معنى قولي: (يُبَيِّن). وأما بيان تفاوتها في التعريف فمبيَّن في محله، وقد عُلم بهذا أن قول جمعٍ كالبيضاوي: (إنَّ الذي لا يستقل بإفادة المعنى بل يحتاج لقرينة هو "المضمر") ليس جيد، بل وغير المضمر كالإشارة وغيره من بقية المعارف كما سبق. تنبيه: اختُلف في "المضمر" هل هو جزئي؟ . أو كُلي؟ فالأكثرون على الأول؛ لأنه لِمُعَيَّن، بل هو أعرف المعارف عند الأكثر، ونقل القرافي والأصفهاني في "شرح المحصول" عن الأوَّلين أنه كُلي، ورجَّحاه. وقال بعض المتأخرين: إنه الصواب؟ لأن نحو: "أنا" و"أنت" ليس لمتكلِّم أو مخاطَب بالتعيين، بل كل مَن كان كذلك،

стр. 798

وهذا حقيقة الكلي، [فالتعيين] (١) إنما هو عند الإرادة وتعريفه على حسب الواقع، فأشبه لفظ "الشمس" من حيث إن الواقع منه في الوجود واحد، بل ولا ينبغي أن يختص هذا الخلاف بالضمير، بل كل المعارف غير العَلم كذلك؛ ولهذا قال الشيخ أَبو حيان: الذي نختاره أن الضمير كُليٌّ وضعًا جزئيٌّ استعمالًا. قلت: إذا كان الوضع إنما هو لإفادة المعنى وقت النطق لا لمعنى يشترك في مفهومه كثيرٌ أو يقبل الاشتراك من حيث هو و [كأنّ]، (٢) الوضع إنما هو لجزئي، والكلي إنما هو الذي وُضع لِمَا لا يمنع تصوُّره مِن وقوع الشَّرِكةَ فيه، فيستوي الوضع والاستعمال في كون ذلك جزئيًا. مثاله: "أنا"، لم تضعْه العرب لمعنًى لا يمنع تصوُّره من وقوع الشَّرِكةَ فيه مع المتكلِّم به، بخلاف "إنسان"، فمن أجل ذلك أدخلنا المعارف كلها في قسم الجزئي، والله أعلم. ص: ٣٩٧ - وَكُلُّ ذَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى ... وَاللَّفْظِ، لَا تَعَدُّدٍ إذْ يُعْنَى الشرح: أي: كل ما قُلناه - من تقسيم المفرد إلى كلي وجزئي وتقسيم كل منهما - حيث كان اللفظ واحدًا والمعنى واحدًا، لا حيث تَعدد اللفظ وتَعدد المعنى، ولا حيث اتحد اللفظ وتعدد المعنى، ولا حيث تعدد اللفظ واتحد المعنى. فالقسمة رباعية، سبق منها القسم الأول، والثلاثة الأخرى المشار إليها بقولي: (لَا تَعَدُّدٍ إذْ يُعْنَى) فإنه يشمل التعدد في كل من

стр. 799

اللفظ والمعنى والتعدد في اللفظ فقط والمعنى فقط - يأتي بيانها واحدًا واحدًا، والله أعلم. ص: ٣٩٨ - فَفِيهِمَا "الْمُبَايِنُ" الْمُنَاصِفُ ... وَاللَّفْظُ وَحْدَهُ هُوَ "الْمُرَادِفُ" الشرح: اشتمل هذا البيت على قسمين: أحدهما: إذا كان التعدد فيهما معًا بشرط مساواة عدد كلٍّ عددَ الآخَر بحيث يكون لكل لفظ معنًى يخصه، فهو المسمى بالألفاظ المتباينة. وهذا معنى قولي: ("الْمُبَايِنُ" الْمُنَاصِفُ)، أي: الذي وقع فيه التناصف من الجانبين بحيث لا يزيد عدد الألفاظ على عدد المعاني، سواء: - تفاصلت، أي: ليس لأحدها ارتباط بالآخَر، كَـ "الإنسان" و"الفرس" ونحو: "ضرب زيد عمرًا". - أو تواصلت، بأنْ كان بعض المعاني صفة للبعض الآخَر، كَـ "السيف" و"الصارم"، فإنَّ "السيف" اسم للحديدة المعروفة ولو مع كونها كالَّةً، و"الصارم" اسم للقاطع، وكَـ "الناطق" و"الفصيح" و"البليغ". والمراد أنَّه يمكن اجتماعها في شيء واحد ونحوه لو كان أحدهما جزءًا من الآخَر كالإنسان والحيوان.

стр. 800

القسم الثاني: أن يكون اللفظ كثيرًا والمعني واحدًا، فيسمى "مترادفًا"؛ لأن كل لفظ مرادف في المعنى للفظ الآخَر، مأخوذ مِن "الرديف" وهو ركوب اثنين دابة واحدة، كَـ "الإنسان" و"البشر"، و"البُر" و"الحنطة"، و"جلس" و"قعد"، و"دخلت النار في هرة" و"لِهرة"، والله أعلم. ص: ٣٩٩ - ذَا وَاقِعٌ كَمَثَلِ "اجْلِسْ" وَ"اقْعُدِ" ... وَاغْنَ بِكُلٍّ غَيْرِ ذِي تَعَبُّد الشرح: اشتمل هذا البيت أيضًا على [مسألتين متعلقتين] (١) بالمترادف: إحداهما: أنَّه واقع في كلام العرب في الأسماء والأفعال والحروف، ففي الأسماء: جلوس وقعود، وفي الأفعال: جلس وقعد، وهو ما مَثَّلتُ به في النَّظم بقولي: ("اجْلِسْ" وَ"اقْعُدِ")، وفي الحروف: "إلى" و"حتَّى" لانتهاء الغاية. هذا أصح المذاهب في المسألة وقول الجمهور، وفي "سنن أبي داود" و"التِّرمِذي" و"ابن ماجة" من حديث العباس ﵁: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ بالبطحاء، فمرت سحابة، فقال ﷺ : أتدرون ما هذا؛ فقلنا: السحاب. قال: والمزن. قلنا: والمزن. قال: والعنان" (٢) الحديث. الثاني: أن المترادف لم يقع مطلقًا، لأنَّ وضع اللفظين لمعنى واحد غش يجل الواضع

стр. 801

عنه، ولأنه لا فائدة فيه. ورُدَّ بأن الأكثر في سبب المترادف أن يقع مِن واضعَين. قال الإمام الرازي: ويلتبسان. واعتُرض بأنه لا معنى للالتباس. وقد يكون مِن واضع واحد لفائدة التوسعة في التعبير عن المعاني المطلوبة حتَّى نُقل عن واصل بن عطاء المعتزلي - وكان ألثغ في الراء - أنَّه كان يجتنبها بالإتيان بالمرادف الذي لا راء فيه. والثالث ونُقل عن شذوذ: امتناع وقوع المترادف في اللغة؛ لِما سبق في المذهب الذي قبله وسبق رده. ومن فوائده أيضًا تيسير النظم للروي والنثر للوزن والجناس والمطابقة. واختار هذا القول ابن فارس في "فقه العربية" وحكاه عن شيخه ثعلب، وكذا حكاه عنه ابن السراج. ورُد عليه بأنَّ اللغة طافحة به، كَـ "مضى" و"ذهب" ونحو ذلك. وممن منع ذلك أيضًا الزجاج، وصنَّف في رده كتابًا سماه "الفروق"، كجلوس وقعود، ف "القعود" ما كان عن قيام، و"الجلوس" ما كان عن نوم ونحوه؛ لدلالة المادة على معنى الارتفاع. قال: وإليه ذهب المحققون مِن العلماء. وأشار إليه المبرد وغيره حتَّى إنَّ بعض أهل العربية فرَّق بين صيغ المبالغة مثلًا فجعل فعولًا كَـ "صبور" على معنى القوة في الفعل، وفَعَّالًا لِمَا يمرر منه كَـ "علَّام"، ومِفعالًا لما كان عادةً له كَـ "مِغْوار"، وأشباه ذلك. ولهذا قال أيضًا المحققون: إن حروف الجر لا تتعاقب.

стр. 802

وقال سيبويه: في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة وإفساد الحكم فيها. وممن اختار ذلك مِن المتأخرين الخُوَبي في "الينابيع"، وقال: أكثر ما يظن أنه مترادف مختلف، لكن وجه الاختلاف خفي. وبالجملة فلا يخفَى بُعْدُ ما ذكروه وصحةُ القول بوقوع الترادف. نعم، هو على خلاف الأصل، حتى إذا دار اللفظ بين أنْ يُجعل مترادفًا أو متباينًا، يرجَّح التباين؛ لأنه الأصل. تنبيهات الأول: محل الخلاف في وقوعه مِن لغة واحدة، أمَّا مِن لغتين فلا ينكره أحد. قاله الأصفهانى (١)، وكذا العسكري مع أنه ممن ينكر المترادف. الثاني: يقع الترادف أيضًا في الأسماء الشرعية كما في اللغة. وقيل: لا. واختاره في "المحصول" (٢)، ولكنه مخالف لقوله: (إن الفرض والواجب مترادفان، خِلافًا لأبي حنيفة) (٣). الثالث: إذا قلنا بوقوعه في اللغة، فهل وقع في القرآن؟ نقل أبو إسحاق - الشهير بابن المرأة - في أول كتاب "الإرشاد" عن أبي إسحاق الأسفراييني منعه، وهو ظاهر كلام المبرد وغيره ممن يُبدِي لكل لفظ معنًى مغايرًا.

стр. 803

لكن الصحيح الوقوع؛ لقوله تعالى: " ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٣٦] (١)، وفي الآية الأخرى: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ [الأنعام: ٤٢] وهو كثير. المسألة الثانية: مما ذُكر في النظم أن أحد المترادفين هل يقوم مقام الآخر؛ فأما من حيث هو فبلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في "المنتهى" (٢) وغيره. وأما إذا فرض أحدهما في تركيب فهل يلزم صحة وقوع الآخَر في محله في ذلك التركيب؟ فيه مذاهب: أصحها: نعم، وربما يعبَّر عن ذلك باللزوم كما قال في "المحصول" (٣) وأتباعُه، والمراد: يلزم أن يصح وقوع كل من الرديفين مكان الآخَر؛ لأن كل واحد معناه معنى الآخر، وكل ما في أحد المثلين من حيث هما مِثلان يجب أن يكون في الآخر ضرورةً. وصححه ابن الحاجب. الثاني: المنع، واختاره في "الحاصل" و"التحصيل" تبعًا "للمحصول" في موضع وإنْ صرح في موضع آخَر بخلافه. والثالث: يصح إذا كان مِن لغة واحدة، لا من لغتين. واختاره البيضاوي والهندي. الرابع: الجواز ما لم يكن تُعُبِّد بلفظه.

стр. 804

ويتفرع على هذه القاعدة مسائل: منها: عقود البياعات ونحوها مما لم يُتعبد بلفظه، يجوز فيها استعمال أحد الرديفين مكان الآخر. أما ما تُعبد بلفظه فالمنع منه لأمر خارجي؛ لأن جوهر لفظه مقصود، فلو تغير لَاخْتَل المراد، وهو منشأ الخلاف في انعقاد النكاح بالعجمية، والصحيح الجواز. ثالثها: لمن لم يُحسن العربية، بناءً على أن ذلك اللفظ مُتعبَّد به أو لا. ومنعوا لذلك قراءة القرآن بالعجميَّة؛ لِتَعَيُّن لفظه، خِلافًا لمن أجازه، ونحوه التكبير والتشهد. تنبيه: مما يشبه المترادف وليس منه: الحد والمحدود، كَـ "الإنسان حيوان ناطق"، ولا خلاف في وقوعه، وإنَّما لم يجعل مترادفًا؛ لأن الترادف مِن عوارض المفردات؛ لأنها الموضوعة كما سبق، والحدُّ مركَّب. ولو سُلِّم فالمترادف ما اتحد فيه المعنى، ولا اتحاد؛ لأن المحدود دَلَّ مِن حيث الجملة والوحدة المجتمعة، والحد دَلَّ من حيث التفصيل بذكر المادة والصورة مِن غير وحْدة. ومن ذلك أيضًا: التوابع، نحو حسن بسن، وشيطان ليطان، وخاز باز، ونحو ذلك. وزَعْم بعضهم أنَّه من المترادف. ورُدَّ بأن التابع وحده غير مفيد، إنما يتبع للتقوية. وصنف فيه ابن خالويه كتابًا سماه "الإتباع والألباع"، وكذلك عبد الواحد اللغوي وابن فارس. وهو في ثلاثة ألفاظ كثير، كَـ: حَسَن بَسَن فَسَن.

стр. 805

ولم يسمع في أكثر من خمسة، نحو: كثير [بثير] (١) برير بجير [بذير] (٢). وقيل: [بحير] (٣). ومن ذلك: التأكيد، نحو: قام القوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون. فليس أيضًا من المترادف؛ لعدم استقلاله كما سبق في الذي قبله، والله أعلم. ص: ٤٠٠ - أَمَّا الَّذِي الْمَعْنَى فَقَطْ تَعَدَّدَا ... فَإنْ يَكُنْ بِالْوَضْعِ قَدْ تَفَرَّدَا ٤٠١ - فَذَلِكَ "الْمُشْتَرَكُ" الْمَشْهُورُ ... وُقُوعُهُ فِيمَا تُلي مَسْطُورُ الشرح: هذا هو القسم الرابع: وهو المتحد لفظه المتعدد معناه، وله أنواع: الأول: أن يُوضع لكل واحد مِن ذلك المعنى المتعدد، فيسمى "المشترك"، وأصله أن يقال: "المشترك فيه"، فحذف لفظة "فيه"؛ توسعًا؛ لكثرة دوره في الكلام أو لكونه صار لقبًا كما قاله ابن الحاجب في "شرح المفصل" (٤)، نحو "القُرْء" للطهر والحيض، و"العين" للباصرة وعين الذهب وعين الشمس وعين الميزان، وغير ذلك كما هو مشهور.

стр. 806

نعم، قال الإمام فخر الدين في "تفسيره": إنه حقيقة في الباصرة، مجاز في غيرها (١). وإلى هذا النوع أشرتُ بقولي: (بِالْوَضْعِ قَدْ تَفَرَّدَا) أي: كل فرد من المعنى المتعدد هو موضوع له، لا لمجموعها، نحو: "العشرة" فإنها لمجموع ذلك العدد، لا لكل واحد منه. واحترزتُ بالوضع عما لو وُضع لواحد فقط ثم نُقل إلى غيره، فإنه لا يكون "مشتركًا"، وسيأتي بيانه. وقولي: (وُقُوعُهُ فِيمَا تُلي مَسْطُورُ) متضمن لمسألتين في "المشترك": إحداهما: أنَّه واقع في اللغة، ويَلزم من ذلك أنَّه جائز الوقوع؛ لأن مِن لازِم الوقوع الجواز بالضرورة. والمسألة الثانية: أنَّه مع وقوعه في اللغة وقع في القرآن، وهو معنى قولي: (فِيمَا تُلي)؛ لأن المتلو هو القرآن، فاكتفيتُ بأَخَص المسألتين عن أَعَمهما، فتصير المسائل ثلاثًا: - هل هو جائز الوقوع في اللغة؟ أم لا؟ - وإذا جاز، فهل وقع فيها؟ أم لا؟ - وإذا وقع فيها، فهل وقع في القرآن؟ أم لا؟ وما قلتُه هو الأصح في الثلاث، ولا بأس ببسطها قليلًا. الأولى: المخالف فيها ثعلب وأَبو زيد البلخي والأبهري على ما حكاه كثيرٌ عنهم. وفَصل الإمام الرازي، فمنعه في النقيضين فقط، قال: لخلوه عن الفائدة؛ (لأن سماعه

стр. 807

لا يفيد غير التردد بين الأمرين، وهو حاصل بالعقل، فالوضع له عبث) (١). لكن هذا إنما يكون عند اتحاد الواضع، أما إذا تَعدد - وهو السبب الأكثري - فلا، وذلك كالسُّدْفة (بضم [السين المهملة وسكون الدال المهملة] (٢) وبعدها فاء)، ففي "الصحاح": (إنها في لُغة نجد: الظُّلمة، وفي لُغة غيرهم: الضوء) (٣). وعلى تقدير أن يكون الواضع واحدًا فلا نُسَلم انتفاء الفائدة، بل له فوائد هي لأصل وضع المشترك. منها: غرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببًا لمفسدة. ومنها: استعداد المكلَّف للبيان كما قاله الإمام الرازي وغيره. نعم، منع المبرد -وغيرُه مِن أئمة اللغة- وقوعه مِن واضع واحد، وحكاه الصفار في "شرح سيبويه". الثانية: أنَّه واقع في اللغة كثيرًا في الأسماء كما سبق وفي الأفعال، كَـ "عسعس" لأَقْبَل وأَدْبَر، و"عسي" للترجي والإشفاق، و"المضارع" للحال والاستقبال على أرجح المذاهب الخمسة فيه. وكذا وقوع الفعل الماضي خبرًا ودعاءً، نحو: "غفر الله لنا ولك"، وإنشاءً، نحو: "بعتُ". وفي الحروف على طريقة الأكثر كما سنذكره في فصل الأدوات، كَـ "الباء" للتبعيض وبيان الجنس والاستعانة والسببية وغيرها.

стр. 808

وذهب قوم إلى المنع، وحُكي عن ثعلب والأبهري والبلخي أنهم لا يحيلون وقوعه كما سبق نقله عنهم، بل يمنعون وقوعه وَيرُدُّون ما نُقل من ذلك إلى المتباين لكن بتكلُّف في الفرق وتعسُّف. ثم القائلون بالوقوع اختلفوا، فقيل: واجب الوقوع، لأن الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة، فإذا وُزَعت، حصل الاشتراك. وهو ظاهر الفساد، لا حاجة إلى الإطالة فيه. ومنهم مَن رَدَّ القول بوجوب الوقوع والقول بالإحالة إلى أنَّه هل وقع؟ أو لا؟ فإنَ الواقع يجب أن يكون موجودًا، وما لم يقع يمتنع أن يكون موجودًا، ولذلك لم يَحْكِ ابنُ الحاجب إلَّا قول الوقوع وعدمه. ورُدَّ بأن سبب الوجوب أمر زائد على ذلك، وكذا سند المنع كما بيَّناه، فالتغاير ظاهر. الثالثة: حُكي عن ابن داود الظاهري أنَّه لم يقع في القرآن. ورُدَّ بنحو "القُرْء" و"الصريم" و"عسعس" وغيره مما سبق مِن اشتراك الفعل الماضي في الخبر والدعاء، نحو: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]، على قراءة تخفيف النون وكسر الضاد من "غَضبَ"، ومن اشتراك الحروف. ونقل عن قوم منعُه في الحديث، ولَعلَّهم هم المانعون في القرآن؛ لأن الشُّبهة في ذلك واحدة كما قاله صاحب "التحصيل" وهي أنَّه لو وقع فإما أن يقع مُبَينًا فيطول الكلام بغير فائدة، أو غير مُبيَّن فهو غير مفيد (١).

стр. 809

وأُجيب بأنَّ فائدته إجمالية كما في فائدة أسماء الأجناس، وأيضًا فمن فائدته في الأحكام الاستعداد للامتثال إذا بُيِّن المراد. تنبيه: المشترك ولو ثبت وقوعه فإنه على خلاف الأصل، أي: الغالب خِلافه، حتَّى إذا جُهل كَوْنه مشتركًا أو منفردًا، رُدَّ إلى الغالب. واختلف في وقوعه في الأسماء الشرعية، فقال الإمام الرازي: الحقُّ الوقوع؛ لأن لفظ "الصلاة" مستعمَل في معانٍ شرعية مختلفة بالحقيقة ليس فيها قَدْر مشترك بين الجميع، والله أعلم. ص: ٤٠٢ - كَـ "الْقُرْءِ"، ذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا ... كُلُّ مَعَانِيهِ لِمَنْ أَرَادَا ٤٠٣ - ثُمَّ إذَا خَلَا عَنِ الْقَرَائِنِ ... فَاحْمِلْ عَلَى الْكُلِّ مَعَ التَّبَايُنِ ٤٠٤ - لَا إنْ تَنَافَيَا كَـ "أَعْطِ عَيْنَا" ... يُعْطَى الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَبِينَا الشرح: قولي: (كَـ "الْقُرْءِ") مثال لما سبق مِن وقوع المشترك في القرآن، وقد سبق بيانه. وقولي: (ذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا) إلى آخِر الأبيات الثلاثة - فيه مسألتان متعلقتان بالمشترك: الأولى: يصح أن يريد المتكلم بالمشترك جميع معانيه إذا أمكن، فلو كان ذا معنيين فكذلك. فليس قولي: (مَعَانِيهِ) قَيْدًا، فاستعمال المشترك في أحد معنييه أو معانيه جائز قطعًا، وهو

стр. 810

حقيقة؛ لأنه فيما وُضع له. وأما إطلاقه على الكل معًا في حالة واحدة ففيه مذاهب: أحدها وهو الصحيح: يصح، ونُسب للشافعي، وقطع به مِن أصحابه ابن أبي هريرة في "تعليقه"، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، [فإن الصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة دعاء] (١) وإن كان في الاستدلال بذلك مباحث مشهورة، وكذلك لفظ "شهد" في ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، إذ شهادته تعالى علمه وغرره إقرارٌ بذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، النكاح: العقد والوطء مرادان منه إذا قُلنا: مشترك. وقطع بذلك أيضًا القاضي أَبو بكر، ونقله إمام الحرمين في "التلخيص" عن مذهب المحققين وجماهير الفقهاء، ونقل ابن القشيري عن القاضي أنَّه قال: (إنه المختار عندنا إذا دلت عليه قرينة) وإن نازع ابن تيمية في صحة ذلك عن القاضي. وحُكي هذا أيضًا عن أكثر المعتزلة وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وحكاه أَبو سفيان في "العيون" عن أبي يوسف ومحمد، وحملوا مَن حلف "لا يشرب من النهر" على الكرع والشرب من الإناء وإن كان أَبو حنيفة يحمله على الكرع وحده، ونسبه القاضي عبد الوهاب لمذهبهم، قال: وهو قول جمهور أهل العلم. وقد قال سيبويه: يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر عن حالِه في نحو: "الويل له". ثم اختلف المجوِّزون، فقيل: إن ذلك بطريق الحقيقة.
следующие страницы →