← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

نعم، قال الإمام فخر الدين في "تفسيره": إنه حقيقة في الباصرة، مجاز في غيرها (١). وإلى هذا النوع أشرتُ بقولي: (بِالْوَضْعِ قَدْ تَفَرَّدَا) أي: كل فرد من المعنى المتعدد هو موضوع له، لا لمجموعها، نحو: "العشرة" فإنها لمجموع ذلك العدد، لا لكل واحد منه. واحترزتُ بالوضع عما لو وُضع لواحد فقط ثم نُقل إلى غيره، فإنه لا يكون "مشتركًا"، وسيأتي بيانه. وقولي: (وُقُوعُهُ فِيمَا تُلي مَسْطُورُ) متضمن لمسألتين في "المشترك": إحداهما: أنَّه واقع في اللغة، ويَلزم من ذلك أنَّه جائز الوقوع؛ لأن مِن لازِم الوقوع الجواز بالضرورة. والمسألة الثانية: أنَّه مع وقوعه في اللغة وقع في القرآن، وهو معنى قولي: (فِيمَا تُلي)؛ لأن المتلو هو القرآن، فاكتفيتُ بأَخَص المسألتين عن أَعَمهما، فتصير المسائل ثلاثًا: - هل هو جائز الوقوع في اللغة؟ أم لا؟ - وإذا جاز، فهل وقع فيها؟ أم لا؟ - وإذا وقع فيها، فهل وقع في القرآن؟ أم لا؟ وما قلتُه هو الأصح في الثلاث، ولا بأس ببسطها قليلًا. الأولى: المخالف فيها ثعلب وأَبو زيد البلخي والأبهري على ما حكاه كثيرٌ عنهم. وفَصل الإمام الرازي، فمنعه في النقيضين فقط، قال: لخلوه عن الفائدة؛ (لأن سماعه

стр. 807

لا يفيد غير التردد بين الأمرين، وهو حاصل بالعقل، فالوضع له عبث) (١). لكن هذا إنما يكون عند اتحاد الواضع، أما إذا تَعدد - وهو السبب الأكثري - فلا، وذلك كالسُّدْفة (بضم [السين المهملة وسكون الدال المهملة] (٢) وبعدها فاء)، ففي "الصحاح": (إنها في لُغة نجد: الظُّلمة، وفي لُغة غيرهم: الضوء) (٣). وعلى تقدير أن يكون الواضع واحدًا فلا نُسَلم انتفاء الفائدة، بل له فوائد هي لأصل وضع المشترك. منها: غرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببًا لمفسدة. ومنها: استعداد المكلَّف للبيان كما قاله الإمام الرازي وغيره. نعم، منع المبرد -وغيرُه مِن أئمة اللغة- وقوعه مِن واضع واحد، وحكاه الصفار في "شرح سيبويه". الثانية: أنَّه واقع في اللغة كثيرًا في الأسماء كما سبق وفي الأفعال، كَـ "عسعس" لأَقْبَل وأَدْبَر، و"عسي" للترجي والإشفاق، و"المضارع" للحال والاستقبال على أرجح المذاهب الخمسة فيه. وكذا وقوع الفعل الماضي خبرًا ودعاءً، نحو: "غفر الله لنا ولك"، وإنشاءً، نحو: "بعتُ". وفي الحروف على طريقة الأكثر كما سنذكره في فصل الأدوات، كَـ "الباء" للتبعيض وبيان الجنس والاستعانة والسببية وغيرها.

стр. 808

وذهب قوم إلى المنع، وحُكي عن ثعلب والأبهري والبلخي أنهم لا يحيلون وقوعه كما سبق نقله عنهم، بل يمنعون وقوعه وَيرُدُّون ما نُقل من ذلك إلى المتباين لكن بتكلُّف في الفرق وتعسُّف. ثم القائلون بالوقوع اختلفوا، فقيل: واجب الوقوع، لأن الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة، فإذا وُزَعت، حصل الاشتراك. وهو ظاهر الفساد، لا حاجة إلى الإطالة فيه. ومنهم مَن رَدَّ القول بوجوب الوقوع والقول بالإحالة إلى أنَّه هل وقع؟ أو لا؟ فإنَ الواقع يجب أن يكون موجودًا، وما لم يقع يمتنع أن يكون موجودًا، ولذلك لم يَحْكِ ابنُ الحاجب إلَّا قول الوقوع وعدمه. ورُدَّ بأن سبب الوجوب أمر زائد على ذلك، وكذا سند المنع كما بيَّناه، فالتغاير ظاهر. الثالثة: حُكي عن ابن داود الظاهري أنَّه لم يقع في القرآن. ورُدَّ بنحو "القُرْء" و"الصريم" و"عسعس" وغيره مما سبق مِن اشتراك الفعل الماضي في الخبر والدعاء، نحو: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]، على قراءة تخفيف النون وكسر الضاد من "غَضبَ"، ومن اشتراك الحروف. ونقل عن قوم منعُه في الحديث، ولَعلَّهم هم المانعون في القرآن؛ لأن الشُّبهة في ذلك واحدة كما قاله صاحب "التحصيل" وهي أنَّه لو وقع فإما أن يقع مُبَينًا فيطول الكلام بغير فائدة، أو غير مُبيَّن فهو غير مفيد (١).

стр. 809

وأُجيب بأنَّ فائدته إجمالية كما في فائدة أسماء الأجناس، وأيضًا فمن فائدته في الأحكام الاستعداد للامتثال إذا بُيِّن المراد. تنبيه: المشترك ولو ثبت وقوعه فإنه على خلاف الأصل، أي: الغالب خِلافه، حتَّى إذا جُهل كَوْنه مشتركًا أو منفردًا، رُدَّ إلى الغالب. واختلف في وقوعه في الأسماء الشرعية، فقال الإمام الرازي: الحقُّ الوقوع؛ لأن لفظ "الصلاة" مستعمَل في معانٍ شرعية مختلفة بالحقيقة ليس فيها قَدْر مشترك بين الجميع، والله أعلم. ص: ٤٠٢ - كَـ "الْقُرْءِ"، ذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا ... كُلُّ مَعَانِيهِ لِمَنْ أَرَادَا ٤٠٣ - ثُمَّ إذَا خَلَا عَنِ الْقَرَائِنِ ... فَاحْمِلْ عَلَى الْكُلِّ مَعَ التَّبَايُنِ ٤٠٤ - لَا إنْ تَنَافَيَا كَـ "أَعْطِ عَيْنَا" ... يُعْطَى الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَبِينَا الشرح: قولي: (كَـ "الْقُرْءِ") مثال لما سبق مِن وقوع المشترك في القرآن، وقد سبق بيانه. وقولي: (ذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا) إلى آخِر الأبيات الثلاثة - فيه مسألتان متعلقتان بالمشترك: الأولى: يصح أن يريد المتكلم بالمشترك جميع معانيه إذا أمكن، فلو كان ذا معنيين فكذلك. فليس قولي: (مَعَانِيهِ) قَيْدًا، فاستعمال المشترك في أحد معنييه أو معانيه جائز قطعًا، وهو

стр. 810

حقيقة؛ لأنه فيما وُضع له. وأما إطلاقه على الكل معًا في حالة واحدة ففيه مذاهب: أحدها وهو الصحيح: يصح، ونُسب للشافعي، وقطع به مِن أصحابه ابن أبي هريرة في "تعليقه"، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، [فإن الصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة دعاء] (١) وإن كان في الاستدلال بذلك مباحث مشهورة، وكذلك لفظ "شهد" في ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، إذ شهادته تعالى علمه وغرره إقرارٌ بذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، النكاح: العقد والوطء مرادان منه إذا قُلنا: مشترك. وقطع بذلك أيضًا القاضي أَبو بكر، ونقله إمام الحرمين في "التلخيص" عن مذهب المحققين وجماهير الفقهاء، ونقل ابن القشيري عن القاضي أنَّه قال: (إنه المختار عندنا إذا دلت عليه قرينة) وإن نازع ابن تيمية في صحة ذلك عن القاضي. وحُكي هذا أيضًا عن أكثر المعتزلة وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وحكاه أَبو سفيان في "العيون" عن أبي يوسف ومحمد، وحملوا مَن حلف "لا يشرب من النهر" على الكرع والشرب من الإناء وإن كان أَبو حنيفة يحمله على الكرع وحده، ونسبه القاضي عبد الوهاب لمذهبهم، قال: وهو قول جمهور أهل العلم. وقد قال سيبويه: يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر عن حالِه في نحو: "الويل له". ثم اختلف المجوِّزون، فقيل: إن ذلك بطريق الحقيقة.

стр. 811

قال الأصفهاني: (وهو اللائق بمذهب الشَّافعي) (١)؛ لأنه يوجب حمله على الجميع كما سنذكره. ونقله أيضًا عن الشَّافعي والقاضي، ونقل صاحب "التلخيص" عن الشَّافعي أنَّه بطريق المجاز، وإليه مال إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب، وتبعه في "جمع الجوامع". المذهب الثاني: المنع. ونصره ابن الصباغ في "العُدة"، وبه قال أَبو هاشم والكرخي وأَبو عبد الله البصري والإمام الرازي وغيرهم، وحكاه الكرخى عن أبي حنيفة، ونقل عن جمع مِن أصحابه. ووقع في "الرافعي" في "باب التدبير" أن: (الأشبه أن اللفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه، ولا يُحمل عند الإطلاق على جميعها) (٢). وقال في "باب الوصية" في مسألة الوصية بِعُود: (في حمل المشترك على الجميع نظرٌ للأصوليين) (٣). ولم يرجح شيئًا، فلا ينبغي أنْ يُعوَّل على ذلك، لِمَا سبق من النقل عن الشَّافعي والأصحاب من مخالف ذلك. واختلف المانعون في سبب المنع: فقيل: لأنه لا يصح أن يقصد من حيث اللغة؛ لكونه لم يوضع إلَّا لواحد. قاله الغزالي وأَبو الحسين البصري. وضُعِّف بأنه لم يخرج بذلك عن استعمال اللفظ فيما وُضع له.

стр. 812

وقيل: السبب أنَّه استعمال في غير ما وضع له، وهو على البدل؛ فيكون مجازًا. وهو في الحقيقة راجع لما قَبْله، وفيه تسليم الجواز ولكن مجازًا كما سبق أنَّه أحد القولين تفريعًا على الجواز. المذهب الثالث: أنَّه يجوز استعماله في معنييه إنْ كان معه قرينة متصلة. وهو ظاهر كلام الإمام في "البرهان"، وسبق نقل ابن القشيري له عن القاضي. الرابع: يجوز في النفي دون الإثبات؛ لأن النكرة في النفي تَعُم. ورُدَّ بأن النفي لا يرفع إلَّا ما يقتضيه الإثبات. وقد حكى هذا القول ابن الحاجب، وإنَّما هو احتمال لصاحب "المعتمد" تبعه عليه الإمام الرازي. نعم، الماوردى حكاه وجهًا لأصحابنا في "كتاب الأشربة"، وهو ظاهر كلام الحنفية، فحكى ثلاثة أَوْجُه، ثالثها: الفرق بين الجمع والسلب. الخامس: يجوز إنْ كان المشترك جمعًا (كَـ "اعْتَدِّي بالأقراء") أو مثني (كَـ "قُرْءَين")، لا إن كان مفردًا؛ لأن الجمع في حكم تعدد الألفاظ، وهو وجه لأصحابنا فيما حكاه الماوردي كما سبق، وهو مُفرع على جواز تثنية المشترك وجمعه باعتبار معنييه أو معانيه. وقد منعه أكثر النحاة كما حكاه ابن الحاجب في "شرح المفصل" واختاره، ورجح ابن مالك الجواز مطلقًا كما في حديث: "الأيدي ثلاث" (١)، وحديث: "ما لنا إلَّا الأسودان" (٢). واستعمل الحريري ذلك في "المقامات" في قوله: (فانثني بلا عَيْنين). يريد الباصرة والذهب. وفصل ابن عصفور بين أن يتفقَا في معنى التسمية (نحو: الأحمران الذهب والزعفران) فيجوز، أو لا فلا (كالعين الباصرة والذهب).

стр. 813

ولا يخفى ما فيه من نظر؛ لأن الإطلاق إن كان باعتبار ذلك الوصف فليس ذلك من المشترك اللفظي، بل من المعنوي الذي هو المتواطئ، وإن كان لا باعتباره فلا موقع لهذا التفصيل. ووجه تفريع هذا المذهب على هذا الخلاف واضح. ومنهم من يعكس البناء، فيجعل تثنية المشترك وجمعه مبنيًّا على استعماله في كل معانيه أو لا. قال ابن الحاجب: (والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني عليه) (١). أي: على الخلاف في المفرد، إنْ جاز، ساغَ وإلَّا فلا. ووجْه البناء أن التثنية والجمع تابعان لما يسوغ استعمال المفرد فيه. وقال بعضهم: يجوز وإنْ لم يَجُز في المفرد؛ لأنه كما سبق في حُكم ألفاظ متعددة. السادس: التفصيل بين أن يتعلق أحد المعنيين بالآخَر فيجوز، نحو: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فإنَّ كلًّا من اللمس باليد والوطء لازِمٌ للآخَر، والنكاح للوطء والعقد كذلك. وإنْ لا فلا. حكاه بعض شراح "اللمع". ولا يخفَى - مع غرابته - ضعفُه. السابع: الوقف. واختاره الآمدي. تنبيه: محل هذا الخلاف استعمال المشترك في كل من معنييه أو معانيه في حالة واحدة، لا في الكل المجموعي كَـ "الخمسة"؛ لأن كل واحد حينئذٍ جزء مِن المدلول، بخلاف استعماله في الجميع؛ لأن كل واحد تمام المدلول.

стр. 814

نعم، ادَّعى الأصفهاني في "شرح المحصول" أنَّه رأى في مصنف آخَر لصاحب "التحصيل" أن الخلاف في الكل المجموعي، قال: الأن أكثرهم صرحوا بأن المشترك عند الشَّافعي كالعام) (١). قلتُ: هذا عليه، لا لَهُ؛ فإن دلالة العام من دلالة الكلي على جزئياته، لا الكل على أجزائه، وإلَّا لَتَعذر الاستدلال بالعام على بعض أفراده. وأما إذا لم يستعمل في وقت واحد بل في وقتين مثلًا، فإنَّ ذلك جائز قطعًا. ومما اختلف فيه القائلون بالجواز أن ذلك هل هو بإرادة واحدة لكل المعاني؛ أو لكل معنى إرادة؟ وهو من الخلاف الذي لا طائل تحته. المسألة الثانية: هل يجب على سامع المشترك المكلَّف بمعناه عملًا أو اعتقادًا أن يحمله على معنييه أو معانيه؟ وهي ما أشرتُ إليه في النَّظم بقولي: (ثُمَّ إذَا خَلَا عَنِ الْقَرَائِنِ) إلى آخِره، وتحته صُوَرٌ: - أن لا يكون هناك قرينة لا بإعمال ولا بإلغاء. - أو قرينة بإعمال في متعدد. - أو بإلغاء بعضٍ وغيرُه متعدد، لا قرينةٌ في بعضه. وعُلم من ذلك أنَّه: - إذا دلت على إرادة واحد مُعَين قرينةٌ، وجب الحمل عليه. - أو إلغاء البعض وبقي واحد مُعَين، فكذلك.

стр. 815

- أما لو دلت قرينة على أن المراد واحد لا الكل ولا مُعَين ولكن مُبْهَم، فهو مُجْمَل قطعًا؛ لعدم إمكان حمله على مُعَين بلا دليل وعلى الكل. وحاصل ما في مسألتنا - المقيدة بما سبق - مذاهب: أصحها: وجوب الحمل على الكل. نقله الرافعي في "المناقب" عن القاضي عبد الجبار، ونقله البيضاوي عن الجبائي، قال ابن القشيري: وعليه يدل كلام الشَّافعي؛ فإنه حمل ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجس باليد الذي هو فيه حقيقة وعلى الوقاع الذي هو فيه مجاز. قال: وإذا قال ذلك في الحقيقة والمجاز، ففي الحقيقتين أَوْلى. وقال الأستاذ أَبو منصور: إنه قول أكثر أصحابنا. قال: ولهذا حملنا اللمس على الجماع والجس باليد. ونقله غيرهما أيضًا عن الشَّافعي والقاضي صريحًا، لكن قال القرطبي: الحقَّ أن في النقل عنهما في هذا خللًا. وقال أَبو العباس بن تيمية: (ليس للشافعي فيه نَص صريح، بل مستنبط من قوله فيما لو أوصى لمواليه وله مَوَالٍ من أعلى وَموَالٍ من أسفل أو وقف والأمر كذلك: إنه يصرف للجميع. ولكن يجوز أن يكون ذلك لكون المولى عنده لفظًا متواطئًا؛ لِمَا بينهما من القَدْر المشترك وهو الموالاة والمناصرة) (١). ونقله ابن الرفعة في "الكفاية" عن شيخه الشريف عماد الدين. وقيل: يحتمل أن ذلك لكون المضاف يَعُم. ولا يخفى ما فيه؛ فإن العموم تابع للمدلول المراد.

стр. 816

قال: (والنقل عن القاضي أيضًا غير سديد؛ لأنَّ مِن أصله الوقف في صيغ العموم وأنه لا يحملها على الاستغراق، فكيف يجزم في المشترك بالحمل على معانيه؟ ! ). قال: (والذي في كُتبه أن المشترك لا حقيقة له، وإنَّما هو متواطئ باعتبار معنًى مشترك بين الأفراد). انتهى نعم، أجاب الأبيارى والقرافي عن القاضي بأنه إنما ينكر وضعها، لا الاستعمال، والكلام فيه، والحمل فرع عنه. لكن بعض المحققين قال: إن الذي في كلام القاضي في "التقريب" ونقله عنه الإمام في "التلخيص" أنَّه إنما يحمل على الكل بقرينة وإلَّا فيتوقف، فلم يخرج عن قاعدته في الصيغ. وأما إنكار ما عُزي للشافعي فَردَّه بعض شيوخنا بنصوصه، إذْ قال في "الأم" في "الكتابة" في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أن المراد بالخير الأمانة والقوة، إذ قال ما نَصه: (وأظهر معاني الخير قوة العبد - بدلالة الكتاب -[للاكتساب] (١) مع الأمانة، فأحب أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا). انتهى وفي "الأم" أيضًا في حديث حكيم بن حزام: "لا تَبع ما ليس عندك" (٢). قال الشَّافعي: (فكان نهي النبي ﷺ أن يبيع المرء ما ليس عنده يحتمل أن يبيع بحضرته فيراه المشتري كما يراه البائع عند تبايعهما) (٣). أي: فيكون المعتبر في سلامته من النهي أن يكون كذلك.

стр. 817

قال: (ويحتمل أن يبيع ما ليس عنده ما ليس يملك [لغيبته] (١)، فلا يكون موضوعًا مضمونًا على البائع يُؤخَذ به ولا في مِلكه، فيلزمه أن يسلمه إليه؛ لأنه كغيبته) (٢). انتهى وعَنَى هذين المعنيين (٣). وكذا في ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كما سبق، وغير ذلك. قلتُ: ولكن هذه المواضع كلها قد ترجع إلى المتواطئ، ألا ترى إلى قوله: (إن الخير القوة)؟ ثم جعل القوة أمرين: الاكتساب والأمانة، وكذا الباقي لمن تأمله. الثاني: ونقله الهندي عن الأكثرين، أنَّه لا يُحمل أصلًا. وقد سبق ما في "باب التدبير" من"الرافعي" وأنه مُعترَض بأنَّ ذلك إنما هو قول الحنفية كما قاله أَبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة"، قال: (ولهذا قال علماؤنا: مَن أوصى لمواليه وله موالٍ مِن أعلى وأسفل، أن الوصية باطلة. وإذا قال لامرأة: "إنْ نكحتك فأنت طالق" لم ينصرف للعقد والوطء جميعًا؛ لأنهما مختلفان) (٤). انتهى وبه قال الإمام أيضًا؛ تفريعًا على جواز الاستعمال. الثالث: الوقف؛ إذ ليس بعضها بِأَوْلى مِن بعض، فيجب التوقف حتَّى يدل الدليل على الكل أو البعض. الرابع: إن كان بلفظ المفرد فمُجْمَل، أو بلفظ الجمع فيجب الحمل. وبه قال القاضي من

стр. 818

الحنابلة. فإنْ قيل: إذا كان المرجَّح في مذهب الشَّافعي الحمل على الكل، فَلِمَ لا حمل ما لو قال: "أنت طالق في كل قرء طلقة" على أنَّها تُطلق في الطُهر طلقة وفي الحيض طلقة؟ قلتُ: إما حملًا للقُرء على أنَّه حقيقة في الطهر فقط؛ فلا يدخل الحيض، وإما لكون قرينة كَوْنه في الحيض بِدعيًّا عَيَّنَتْ إرادة الطهر ولو قُلنا: مشترك. تنبيهان الأول: القائلون بوجوب الحمل على الجميع اختلفوا في سبب ذلك: هل هو لكونه من باب العموم؟ أو أن ذلك احتياط؟ فبالأول قال إمام الحرمين وابن القشيرى والغزالي والآمدي، وجرى عليه ابن الحاجب حتَّى إنه ذكر المسألة في باب العموم. وقال الأستاذ أَبو منصور: إنه قول الواقفية في صيغ العموم. وتوجيه ذلك أن نسبة المشترك إلى معانيه كنسبة العام إلى أفراده، وعند التجرد يَعُم الأفراد، فكذا المشترك، والجامع صِدق اللفظ بالوضع على كل فرد كما يصدق العام على كل فرد مِن أفراده وإنِ افترقا مِن حيث إنَّ العام صِدقه بواسطة أمر اشتركت فيه، والمشترك صِدقه بواسطة الاشتراك في أن اللفظ وُضع لكل واحد. فعُلِم من هذا التقرير الرد على مَن ضَعَّف ذلك بأن العام إنما دَلَّ بالقدر المشترك والمشترك ليس مثله، حتَّى قال النقشوانى: لا يَبعُدُ أن الأئمة لم يريدوا العموم حقيقة، وإنَّما هذه الزِّيادة من جهة النَّقَلة عنهم لَمَّا رأوا أنهم يقولون بإطلاق المشترك على معنييه، ظنوا أنهم ألحقوه بالعام في معنى استغراقه لمدلولاته ووجوب الحمل على جميع معانيه.

стр. 819

وبالثاني - وهو كونه احتياطًا - قال الإمام الرازي، وينقل ذلك عن القاضي أيضًا، لكن سبقت المنازعة في ثبوت قوله بالحمل. الثاني: محل الحمل على الكل - عند القائل به - حيث لا يكون بين المعنيين أو المعاني تنافٍ، كاستعمال لفظ "افْعَل" في الأمر والتهديد، وهذا قيد في الاستعمال أيضًا. وإلى ذلك أشرتُ بقولي: (لَا إنْ تَنَافَيَا). أي: فإنه لا يُستعمل ولا يُحمل، فهو راجع للمسألتين. وهذا التقييد ذكره ابن الحاجب بقوله: (إن صح الجمع) (١)، والبيضاوي بقوله: (في جميع مفهوماته الغير المتضادة) (٢) وإنْ لم يذكره إمامه، لكن في عبارته - مع ضَعْفها بإدخال "ال" على "غَيْر" - خَلَل؛ فإنَّ التضاد لا يلزم منه التنافي، بدليل أنَّه لو قال: (اعْتَدِّي بِقُرْء) وأراد الحيض والطهر معًا، صح، أو قال: (الجونُ ملبوسُ زيد) وأراد الأبيض والأسود، فكذلك، إلَّا أن يُريد بتضادهما في العمل بهما، أي: بالنسبة إلى الجمع، فيعود إلى معنى التنافي، ولهذا مَثَّل الإمام وغيره محل النزاع بلفظ "القروء" مع وجود التضاد من حيث هو. ويؤخذ مِن قيد عدم التنافي أن بعض المعاني إذا تعذر أن يُراد مع الآخَر، كان خارجًا من المسألة قطعًا، كما لو قال لوكيله: (أَعْطِه عَيْنًا)، فإنما يحمل على ما يمكن أن يَبِين مِن محله ويُعْطَى، كعين الذهب وعين الميزان والعين الجارية على معنى تمليكها له أو نحو ذلك، لا عين الشمس ولا العين الباصرة ولا عين الركبة ونحوها، فإنه لا يكون مرادًا. وهو معنى قولي: (يُعْطَى الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَبِينَا). إذا علمتَ ذلك، فمما يتخرج على القاعدة في جانب الممكن: إذا قال: (أنتِ عَلَيَّ كظهر أُمي خمسة أشهر) مثلًا وقُلنا بصحة الظهار المؤقت وهو

стр. 820

الصحيح، فإنه يكون مع ذلك موليًا؛ لامتناعه من الوطء مدة تزيد على أربعة أشهر مقيدًا بوقوع محذور، فكان موليًا على الصحيح. وقيل: لا، بل يُحمل على الظهار خاصةً؛ لِمدْرك آخَر خارج عن الجمع في المشترك بين معنييه، وهو عدم الحلف صريحًا. ولكن الصحيح أنَّه لا يتقيد. وفي جانب المتنافي: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة وخيَّرناه، فقال لواحدة منهن: (فارقتُك)، فقال القاضي أَبو الطيب: يكون ذلك اختيارًا للزوجية ثم تطلق؛ لأنه صريح في الطلاق، والطلاق يستلزم الزوجية، فأشبه ما لو قال: طلقتُك. والأصح - كما قاله الرافعي - أنَّه فسخ للنكاح، كقوله: (اخترتُ قطعَ نكاحك)، وليس بطلاق. قال ابن الصباغ: فيكون حقيقة فيهما، ولكن تُخصص بالموضع الذي يقع فيه. قيل: والأمر على ما قاله ابن الصباغ من كونه على هذا التقدير مشتركًا ولكن بين معنين متضادين، فإن أحدهما يقتضي اختيارها للنكاح والآخَر يقتضي خِلافه، فلا يصح الإعمال فيهما ولا الحمل عليهما؛ لأنهما متنافيان، فينبغي أن لا يحمل على أحدهما إلَّا بالنية. نعم، دعوى ابن الصباغ أنَّه [يخصص] (١) بالموضع - ضعيف؛ لأن الموضع هنا صالح لهما، فالحمل على الفسخ ترجيح بلا مرجّح. هذا مقتضَى القواعد، فينبغي حمل كلام الرافعي عليه وهو أن محله إذا نوى بالفراق فرقة الفسخ. لكن يشكل من وجه آخر وهو أن لفظ "الفراق" حقيقة في بابه وهو الطلاق، ووجد نفاذًا في موضوعه؛ فلا يُصرف إلى غيره بالنية.

стр. 821

ونحو ذلك لفظ "شَري" يكون بمعني اشترى وبمعني باع؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، ويتصور التردد فيه بأنْ يكون وكيلان كُل منهما في بغ وشراء فيقول أحدهما للآخر: (شريتُ منك كذا)، ونحو ذلك، والله أعلم. ص: ٤٠٥ - وَالْجَمْعُ في الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ ... أَوْ في مَجَازينِ كَذِي الطَّرِيقَةِ الشرح: لَمَّا ذكرتُ مسألتَي استعمال المشترك في معانيه والحمل من السامع استطردتُ منه إلى ذكر المسألتين في أمرين آخَرين، وهُما: الحقيقة والمجاز، والمجازان. فيُقال في اللفظ الذي له حقيقة ومجاز: هل يصح إطلاقه عليهما؟ وهل يجب على السامع الحمل عليهما؟ وفيما إذا تَعذر حمل اللفظ على معناه الحقيقي أو قام دليل على أنَّه غير مُراد وعدل إلى المعنى المجازي إطلاقا أو حملًا وكان المجاز متعددًا، فهل يجوز إرادة الكل؟ وهل يجوز للسامع الحمل على الكل؟ فهي في الحقيقة أربع مسائل، فذكرتُ أن حُكمها على الأصح كما مضى في "المشترك" إطلاقًا وحَملًا، وهذا معنى قولي: (كَذِي الطَّرِيقَة)، أي: كما في الطريقة المذكورة في "المشترك". نعم، محل ذلك في الحقيقة والمجاز ما إذا رجح المجاز بمرجِّح من الخارج حتَّى ساوى الحقيقة، وفي المجازين إذا لم يرجح أحدهما، وإلَّا فالحقيقة مقدَّمة قطعًا والراجح من المجازين مقدَّم قطعًا، وإنَّما أهملتُ التقييد بذلك في النَّظم، لظهوره من التشبيه بالمشترك، إذ

стр. 822

هو بالنسبة إلى معانيه سواء؛ لعدم القرينة كما سبق. فلو لم يكن في الحقيقة والمجاز أو في المجازين تساوٍ، لم يكن شبيهًا بالمشترك، ولا يخفَى أيضًا أن محل الجواز فيهما حيث لا تنافي كما هو في "المشترك". ولا بأس ببسط المسائل قليلًا: أما مسألة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه (كإطلاق النكاح للعقد والوطء معًا إذا قُلنا: حقيقة في أحدهما مجاز في الآخَر) ففيها مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشَّافعي وجمهور أصحابنا كما قاله النووي ﵀ في "كتاب الأيمان" من "الروضة" (١) أنَّه يجوز وإنْ كان الرافعي قد خالف ذلك كما سبق أنَّه قال: إن استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز مستبعَد عند أهل الأصول. وهو قول القاضي، صرح به في كتاب "التقريب"، ونقل بعضهم أن الرافعي قال بالمنع، وهو غلط عليه، إنما قال ذلك في مسألة [الحَمْل] (٢) الآتية. وحيث قُلنا بالإطلاق هنا على الكل فهو مجاز قطعًا؛ لأن بعض المعاني مجاز قطعًا. قيل: ولا يُعْرف أحدٌ يقول: (حقيقة) والمراد حقيقة في كل منهما. أما كونه في الحقيقة حقيقة وفي المجاز مجازًا فهو ظاهر لا شك فيه، بل هو التحقيق في المسألة، خلافًا لإطلاق ابن الحاجب وغيره أن ذلك مجاز. الثاني: المنع. وهو قول الحنفية، واختاره من أصحابنا ابن الصباغ وابن برهان، ونقله صاحب "المعتمد" عن أبي عبد الله البصري وأبي هاشم والكرخى، وتجري بقية المذاهب السابقة في "المشترك" هنا أيضًا، ويقال: كل مَن جَوَّز هناك جَوَّز هنا، ومَن منع منع، ومَن فصَّل يأتي تفصيله؛ ولهذا قَرن ابن الحاجب بينهما في الخلاف والحجاج.

стр. 823

نعم، خالف القاضي في ذلك وقال: إن استعماله فيهما هنا محُال؛ لأن "الحقيقة" استعمال اللفظ فيما وُضع له، و"المجاز" فيما لم يوضع له، وهُما متناقضان، فلا يصح أن يُراد بالكلمة الواحدة معنيان متناقضان. لكن قد سبق أن محل الخلاف عند تساوي المجاز والحقيقة، وحينئذٍ فلا تناقض في المرادَين، وموضع البيان ليس محل النزاع. ومنهم مَن قال: إن القاضي إنما يخالف في الحمل. ومنهم مَن نقل أنَّه لا يمنع إلَّا عند تَعذُّر الجمع، وهو وفاق، ومنهم مَن نقل عنه غير ذلك، فالنقل عنه مضطرب. وأما مسألة حمل اللفظ على حقيقته ومجازه عند المساواة كما سبق فالمنقول عن الشَّافعي وجوب الحمل؛ طردًا لأصله في مسألة الإطلاق في الحقيقة والمجاز، وطردًا لأصله في الإطلاق والحمل في المشترك. قال ابن الرفعة في "باب الوصية" من "المطلب": إنه نَص على ذلك فيما إذا عقد لرجُلين على امرأة ولم يُعلم السابق منهما. وقال إمام الحرمين وابن القشيرى: إنه اختيار الشَّافعي، فإنه قال في آية اللمس: هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازًا. وقد سبق أن منه استُنبط قوله في حمل المشترك. ومن نصوصه أيضًا في ذلك ما قاله في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، حيث احتج به على جواز العبور في المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ [النساء: ٤٣]، وقال: أراد الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا

стр. 824

تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ومواضع الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١). نعم، نَص في البويطي على أنَّه لو أوصي لواليه وله عتقاء ومعتقون أنَّها تختص بالأولين؛ لأن الآخَرين مجاز بالسببيَّة، وكذلك لو وقف على أولاده لم يدخل ولد ولده على الأصح. وجوابه أن المجاز إذا لم يرجح حتَّى ساوى الحقيقة، فالحقيقة مقدَّمة؛ لرجحانها، وهنا كذلك؛ لأن معتقيه ليس إرثهم له، بخلاف العكس. وأما ولد الولد فلا قرينة فيه مرجِّحة. وفى المسألة مذهب ثالث قاله القاضي عبد الوهاب: وجوب الحمل على الحقيقة دُون المجاز. ورابع حكاه القاضي أيضًا: الوقف حتَّى يتبين المراد. وأما مسألة استعمال اللفظ في جميع مجازاته عند انتفاء الحقيقة ومسألة الحمل ففيهما ما سبق في الحقيقة والمجاز. مثاله: حلف لا يشتري دار زيد، وقامت قرينة على أن المراد أنَّه لا يعقد بنفسه، وتردد الحال بين السوم وشراء الوكيل، هل يحمل عليهما؛ أو لا؛ فمَن جوَّز الحمل فيقول: يحنث بكل منهما. وقَل مَن تَعرَّض لمسألتَي المجازين، وقد ذكر ذلك إمام الحرمين وابن السمعاني والأصفهاني في "شرح المحصول"، وكذا الآمدي وابن الحاجب في باب "المجمل" لكن اختارا فيهما الإجمال، عكس اختيارهما في الحقيقتين والحقيقة والمجاز. نعم، اختار الإمام الرازي الإجمال في الموضعين.

стр. 825

تنبيهات الأول: احتج ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" على جواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا بقوله ﷺ : "صُبوا عليه ذَنوبًا مِن ماء" (١) من حيث إنَّ صيغة الأمر توجهت إلى صب الذنوب، والواجبُ مِن ذلك القَدْرُ الذي يغمر النجاسة ويزيلها، والزائد مستحب، فقد استعمل صيغة الأمر في الحقيقة والمجاز. الثاني: إذا قُلنا: يجوز الحمل على الكل في الحقيقة والمجاز، فقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] شاملٌ للواجب والمندوب، خلافًا لمن خَصَّه بالواجب؛ بِناءً على منع الاستعمال في الكل. وبعضهم قال: للقَدْر المشترك وهو مُطْلَق الطلب؛ فرارًا من الاشتراك والمجاز. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، عند مَن يرى بأنَّ العمرة غير واجبة، فحمل الأمر بالإتمام على الوجوب في الحج والسُّنة في العمرة. ومَن يرى وجوب العمرة يجعله إما مِن حمل المشترك على حقيقتيه أو للقدر المشترك بينهما. الثالث: قد عُلِم مما سبق أن محل الحمل على الكل في الحقيقة والمجاز عند التساوي؛ فلذلك قال أصحابنا فيما لو قال: (وقفتُ على أولادي): لا يدخل أولاد الأولاد. وسبق نقله عن النص. ولو أوصى لإخوة زيد، لا يدخل أخواته كما قال إمام الحرمين في "النهاية": إنه مذهب الشَّافعي وأبي حنيفة، وقال أَبو يوسف ومحمد: للجميع. الرابع: نقض ابن السمعاني على الحنفية أصلهم في منع حمل اللفظ على حقيقته ومجازه

стр. 826

بقولهم: (لو حلف لا يضع قَدَمه في الدار فدخل راكبًا أو ماشيًا، حنث) فعمَّموه في الحقيقة والمجاز. وكذا لو قال: (اليوم الذي يدخل فيه فلان الدار عبدي فيه حر) أنَّه إنْ دخل ليلًا أو نهارًا حنث. وقالوا: إن في "السير الكبير" أنَّه لو أخذ الكافر الأمان لِبَنِيه، دخل بنو بَنِيه (١). انتهى أما مذهبنا في الأُولى: فالظاهر عدم الحنث، تقديمًا للحقيقة، لرجحانها، وليس في المجاز قرينة إلحاق بالحقيقة. وأما الثانية: فالظاهر موافقتهم، لأنَّ الرافعي نقل عن"التتمة" أنَّه: الو قال: "أنت طالق اليوم"، طلقت في الحال وإن كان بالليل ويلغو اليوم، لأنه لم يُعلِّق ولم [إن] (٢) سمَّى الوقت بغير اسمه) (٣). قلتُ: مِن إطلاقات "اليوم" في اللغة: مُطْلق الزمان كما صرح به أهل اللغة، وهو شاع في الاستعمال كما يقول الفقهاء: قيمة يوم التلف ومهر المثل يوم الوطء ويوم الولادة ويوم الترافع للقاضي وغير ذلك. ولا يُراد بذلك النهار فقط، بل مطلق الزمان. وأما المسألة الثالثة: فمقتضَى قولهم في الوقف على الأولاد: (إنه لا يدخل أولاد الأولاد) جريان مثله في الأمان، إلَّا أنْ يقال: دخولهم في الأمان أَوْلى؛ لقوة الاستتباع في الأمان؛ ولذلك لو قال: "أَمَّنْتُك"، تَعدَّى الأمان إلى ما معه مِن أهل ومال على وجهٍ مع أن اللفظ لا يَصْدُق عليهما لا بالحقيقة ولا بالمجاز، قال الرافعي: وفي "البحر" تفصيل حَسَن. وذكَره، فليراجَع منه، فإنَّ ذاك محله، والله أعلم.

стр. 827

ص: ٤٠٦ - وَمَا لِبَعْضٍ وَضْعُهُ في الِابْتِدَا ... مُسْتَعْمَلًا "حَقِيقَة" في الْمُبْتَدَا ٤٠٧ - في لُغَةٍ أَوْ شَرْعٍ أوْ في عُرْفِ ... لِذِي عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ تُلْفِي الشرح: هذا قسيم قولي فيما سبق: (فَإنْ يَكُنْ بِالْوَضْعِ قَدْ تَفَرَّدَا)، وهو أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا وليس منفردًا بالوضع لكل واحد، بل وُضع لبعض المعاني وضعًا أولًا ثم استُعمل بعد ذلك في غير ما وُضع له، فيسمَّى بالنسبة إلى ما وُضع له أولًا "حقيقة"، وأما في غيره فسيأتي تفصيله، لكن إنما يكون حقيقة في الأول إذا استُعمل فيه، فإنْ وُضع ولم يُستعمل، لا يكون حقيقة. وهو معنى قولي: (مُسْتَعْمَلًا). وهو حال مِن الضمير في الجار والمجرور الأول أو الثاني مِن السابقين عليه حيث خبر المبتدأ الذي هو "وضعه"، أو من الضمير في "وضعه"؛ لأنَّ المضاف عامل في المضاف إليه في "وضعه"، أي: وضع اللفظ في الابتداء لمعنًى حال كونه مستعملًا فيه. فتعريف "الحقيقة": قولٌ مُستعمَلٌ فيما وُضع له ابتداء. فخرج المجاز مِن قَيْد كونه في الابتداء، فإنه بوضعٍ ثانٍ؛ بناءً على أنَّه موضوع. أمَّا مَن يقول بأنه غير موضوع فيخرج بقيد الوضع، ولا حاجة حينئذٍ إلى التقييد بكونه "أوَّلًا"، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه. وخرج بقيد "الاستعمال" ما لم يُستعمل، فإنه لا حقيقة ولا مجاز؛ إذِ المجاز يُعتبر فيه أيضًا الاستعمال كما سيأتي. فإنْ قيل: يَرِد على التعريف "العَلَم"، فإنه يَصْدُق عليه هذا التعريف وليس حقيقة.

стр. 828

قيل: الذي [في "العَلَم" تعليق اسم يُخَصُّ ذلك المسمَّى] (١) به، لا من حيث وضع الواضع في اللغة، بل كل أحد له جَعْل عَلَم على ما يريده، والذي ذكر من الوضع إنما هو من جهة مَن يُعْتبر وضعه لِلُّغات. ولكن فيه نظر؛ فإنَ الأعلام قد تكون بوضع اللغة. قولي: (في لُغَةٍ) إلى آخِره - تقسيم للحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لُغوية، وشرعية، وعُرْفية. وذلك باعتبار الوضع الأول. فإنْ كان مِن حيث اللغة فهي الحقيقة اللغوية، أو الشرع فالشرعية، أو العرف فالعرفية، وهذا بناء على أن الوضع أعم مِن جَعْلِ اسمٍ لمعنى أو ما أكان، (٢) كالجعل وهو الاشتهار في شرع أو عُرف كما سبق تقريره. نعم، إطلاق الوضع بحسب الاشتهار مجاز، فيكون استعمال الوضع في جميع ذلك استعمالًا للفظ في حقيقته ومجازه معًا، وهو جائز كما سبق ما لم يجعل لِقَدْرٍ مشترك بين الجعل وما كالجعل وهو مطلق تخصيص اللفظ بمعني يدل عليه حيث أُطْلِق. تنبيه: إطلاق لفظ "الحقيقة" على المعنى المذكور حقيقة عُرفية؛ لأنه مِن الاصطلاحي، لا من وضع اللغة. نعم، هي منقولة منها، واختُلف في كيفية النقل، فقال البيضاوي تبعًا لإمامه ما معناه: (إن الحقيقة فعيلة مِن الحقِّ بمعنى الثابت أو المثبَت، نُقِل إلى العقد المطابق ثم إلى القول

стр. 829

المطابق ثم إلى المعنى الاصطلاحي) (١). يريد بذلك أن فعيلًا منه إن كان: - بمعنى فاعِل، فمعناه: الثابت، مِن"حَق الشيء يَحقُّ" بالكسر والضم (٢) - بمعني "ثَبتَ"، والتاء حينئذ على بابها في إفادة التأنيث. - أو بمعنى مفعول، مِن "حَققتُ الشيء": أثبتهُ، فهذا وإنْ كان يستوي فيه المذكر والمؤنث (كَـ "جريح") لكن التاء فيه لنقل اللفظ فيه مِن الوصفية إلى الاسمية بأن يستعمل بدون موصوفه، كقوله تعالى: ﴿وَالْنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: والبهيمة النطيحة، ولولا إخراجها للاسمية لَقِيل: "البهيمة النطيح" بلا تاء، ثم نقل هذا اللفظ - وهو الحقيقة سواء بمعني الثابت أو المثبت - إلى العقيدة الحق، ثم نقل منها إلى النسبة الصادقة، ثم إلى الكلمة الباقية على مدلولها الأول. وهذا أحسن ما يُقرَّر به كلامه وإلَّا فالعقد والقول المطابق واللفظ الموضوع أولًا لا تأنيث في شيء منها، فكيف أتى بالتاء ولا تأنيث أصلًا؟ ! نعم، تُعُقِّب على القول بذلك بأنه لِمَ احتيج في النقل إلى هذه الوسائط؟ ولمَ لا يقال: إنه نقل إلى الاصطلاحي من الأول [من غير] (٣) ضرورة إلى وساطة؟ بل مقتضَى كلام ابن سِيدَه أن لا نَقْل أصلًا، فإنه قال في "المحكم": (الحقيقة في اللغة ما أُقِرَّ في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز بخلافه) (٤).

стр. 830

وحكاه في "المحصول" عن ابن جني، واعترضه بأنه غير جامع؛ لخروج الشرعية والعُرفية. ورُدَّ بأن المراد أنَّه في اللغة ما بقِي على وضعٍ أولٍ بأي وضعٍ كان، لا بوضع اللغة فقط، والله أعلم. ص: ٤٠٨ - وَذِي الثَّلاثُ وَاقِعَاتٌ، كَـ "الْأَسَدْ " ... وَكَـ "الصَّلَاةِ" وَكَـ "دَابَةٍ" وَرَدْ الشرح: أي: إذا ثبت انقسام الحقيقة إلى هذه الثلاث، فاعلم أنَّها واقعة. أما اللغوية: فقطعًا، كالأسد للحيوان المفترس. وأما الشرعية: فكإطلاق "الصلاة" على ذات الركوع والسجود، وهذه على الأرجح كما سيأتي، وإنَّما أصلها الدعاء. وأما العُرفية: - فالعام منها: كَـ "الدابة" على ذوات الأربع، وإنَّما أصلها لُغةً لِمَا يدب على الأرض. وهو معنى قولي: (وَكَـ "دَابَةٍ")، ولكني قصرته وتركت مَده وتشديده؛ للضرورة، فزالت منه إحدى الباءين. - والخاص منها: كًـ "النقض" كما ذكرته في أول البيت الذي بعد هذا، وهو ما يذكره الأصوليون وأهل الجدل كما سيأتي في "باب القياس"، ومثله الكسر والجمع والفرق، وكالمبتدأ والخبر والحال والتمييز في اصطلاح النحاة، وكاصطلاح علماء الجبر على المال والعدد والجذر، وما أَشبه ذلك في سائر العلوم، وكذا أرباب الصنائع في تسمية آلاتها

стр. 831

وغيرها. وهذا القسم لا خِلاف فيه. قيل: ولا الذي قَبْله وهو العامة. ورُدَّ بحكاية الآمدي الخلاف فيه تبعًا "للمحصول"، لكن استغربه شارحه الأصفهاني عليه. ولا غرابة؛ فقد حكى الخلاف فيه صاحب "المعتمد" وإنْ كان الأكثر على الوقوع، ثم قال في "المعتمد": (إن مَن أجاز ذلك شَرَط أن لا يتعلق بالاسم اللغوي حُكم شرعي، فإنْ تَعلق، لم يَجُز نقله للعُرف قطعًا). قال: (لأنه يرجع حينئذٍ إلى التكليف). انتهى فيخرج فيه ثلاثة مذاهب. [بل] (١) يخرج مِن كلام القاضي وأتباعه والإمام الرازي مذهب رابع: وهو جوازه إن خَصص العُرفُ عمومَ المعنى اللغوي، كَـ "الدابة" خُصت بِ "ذي الحافر"، أو كان له باللغوي مناسبة ما ولو هُجرت الحقيقة، كلفظ "الغائط"، بخلاف غيرها. ورُدَّ ذلك بأنهم قد نقلوا فيما ليس مِن الأمرين، كَـ "عسى"، فإنه وُضع أولًا للفعل الماضي ولم يستعمل فيه قط، بل استعمل في الإنشاء بوضع العُرف. أما الخلاف [في] (٢) "الشرعية"، وهي: "المستفاد وضعها لذلك المعنى مِن الشرع" كما فسرها به في "المحصول" تبعًا "للمعتمد"، والمراد بالوضع اشتهار ذلك في ألفاظ الشرع كما سبق في تفسير أصل الوضع أول الفصل، وأنه ليس المعْنى إعلام الشارع بأنه وضعه له. وقال ابن برهان: "الشرعي" أنْ يستفاد اللفظ مِن اللغة والمعنى مِن الشرع، أو المعنى مِن اللغة واللفظ مِن الشرع.

стр. 832

لكن القول الأول أَعَم؛ لشموله أربعة أقسام: - ما إذا كان اللفظ والعنى معلومين من اللغة لكن لم يضعوا ذلك اللفظ لذلك المعنى، كلفظ "الرحمن" اسمًا لله ؛ ولهذا قالوا: "وما الرحمن؟ لا نعلم إلَّا رحمان اليمامة". - وما إذا لم يُعلم من اللغة لا اللفظ ولا المعنى، كأوائل السُّوَر. - وما إذا عُلم اللفظ ولم يُعلم المعنى، كالصوم والصلاة والحج وغالب الأمور الشرعية. - وما إذا عُلم المعنى ولم يُعلم اللفظ، كَـ "الأَب" بالتشديد وهو "المرعى"؛ ولهذا قال عمر ﵁: "ما الأَبّ؟ ". وكذا قرر الهندي الأقسام الأربعة ومَثلها بذلك. نعم، حكي الماوردي في"كتاب الصلاة" خلافا لأصحابنا في أن الشارع أَحْدَث وجود اللفظ كما أحدث المعنى أوْ لا. وقد عُلم مما قررناه أنَّه ليس مِن الألفاظ التي الكلام فيها - وفيها الخلاف في الشرعية - ما اصطلح عليه علماء الشرع مِن الفقهاء والأصوليين مِن الفرض والواجب والمندوب ونحوها، وكذا السبب والشرط والماخ وما أَشبه ذلك، بل هي عُرفية محضة مِن عُرف علمائه كما تَقدم في "النَّقض" ونحوه. كذا قرره القاضي عضد الدين، وهو واضح؛ ولذلك تراهم في الاستدلال إنما يقولون: "الشارع وضعها" و"هي بوضع الشارع"، ونحو ذلك. نعم، قد يقع مِن ألفاظ الشارع ﷺ أو الراوي عنه لفظٌ ويتكرر في المعنى الذي اصطلح أهل الشرع على وضعه له، فيكون عُرفًا للشارع وعرفًا لأهل الشرع، كما في قوله ﷺ : "خشيت أنْ تُفرض عليكم"، وقول [الصحابة] (١): "فرض رسول الله ﷺ كذا"، فلا منافاة،

стр. 833

فاعْلَمه. إذا علمتَ ذلك: فالقول الأول مِن الخلاف في الأسماء الشرعية: إنها لم تقع. قال المازري في "شرح البرهان": (وهو رأي المحققين مِن أئمتنا الفقهاء والأصوليين) (١). وبه قال القاضي أَبو بكر، وابن القشيري ونقله عن أصحابنا وأنهم قالوا: لم ينقل الشارع شيئًا مِن الأسامي اللغوية، إنما خاطبنا ﷺ بلسان العرب. ونقله الأستاذ أَبو منصور عن القاضي أبي حامد [المروروذي] (٢) وعن الأشعري كما سيأتي، فَ "الصلاة": الدعاء، و"الزكاة": النمو، و"الصوم": الإمساك، و"الحج": القصد لكن كُلٌّ على وجه مخصوص؛ ولهذا يعرفونها بمثل ذلك. نعم، اختُلف هل زِيدَ في معناها في الشرع على المعنى اللغوي ما هو داخل في المدلول الشرعي؟ أوْ لا؟ والأول هو المختار عند ابن فورك، ونقله عن الأشعري، وبه قال طائفة من الفقهاء كما نقله إمام الحرمين وابن السمعاني، إلَّا أنَّه يؤول إلى القول بالنقل؛ لأن تلك الزيادات تصير داخله في المدلول الشرعي مع خُلو المدلول اللغوي عنها، وهذا حقيقة النقل. ونَقَلًا الثاني عن القاضي، وهو أنَّها لم تُنقل ولم يُزد في معناها. أي: وإنْ زِيدَ في المعتبر فيها شرطا وحُكما ونحوهما مِن الأمور الخارجية. والقول الثاني مِن الأصل: إن الشرعية واقعة. وهو قول الجمهور مِن الفقهاء والمعتزلة، وحكاه ابن برهان وابن السمعاني عن أكثر المتكلمين والفقهاء، وصححاه.

стр. 834

قال الأستاذ أَبو منصور: (أجمع أصحاب الشَّافعي على أنَّه قد نُقل في الشرع أسماء كثيرة عن معانيها في اللغة إلى معانٍ سواها، إلَّا أبا حامد المروروذي كالأشعري). قال: (كَـ "الإيمان" في اللغة، فإنه بمعنى التصديق، وقد صار عند أصحاب الشَّافعي اسمًا لجميع الطاعات، وعند الأشعري أنَّه الآن أيضًا بمعنى التصديق، وذلك نحو الصلاة والحج والعمرة). انتهى ونقل نحوه أيضًا عن الأشعري ابنُ فورك في جزءٍ جمعه في "الإسلام" و"الإيمان". نعم، هذا يُشعر بدخول "الإيمان" في الخلاف، وذلك هو إثبات الألفاظ الدينية - على أحد تفسيريها الآتيين - كالشرعية، وهو ما نُقل عن المعتزلة أنهم أثبتوها مغا لكن على معنى أن الشارع اخترع أسماء خارجة [عن] (١) اللغة لمعانٍ أثبتها شرعًا كما سيأتي، فمخالفتهم في إثبات الشرع الأمرين على الوجه المذكور وإنْ أَوْهمت عبارة ابن الحاجب بعض شراحه أنهم [لا يخالفون في الدينية بل] (٢) يخالفون في الشرعية، لكن الصواب أن خلافهم في الدينية أيضًا، وإنَّما لم يصرح ابن الحاجب في نَصْب الأدلة بذلك؛ لأنه محل وفاق. نعم، اختلف النقل عنهم في تفسير "الدينية"، ففي "التقريب" للقاضي و"تلخيص" الإمام و"بُرهانه" أنَّه ما تعلق بأصول الدِّين كالإيمان والكفر والفسق، بخلاف نحو الصلاة والحج والزكاة والصيام. وكذا نقل عنهم القشيري والغزالي وغيرهم، وهو الصواب. ونقل الإمام الرازي وجَمعٌ عنهم أن الديني أسماء الفاعلين، كالمؤمن والفاسق والمصلِّي والصائم، بخلاف الإيمان والفسق والصلاة والصيام، فإنَّ ذلك شرعي لا ديني. ورُدَّ بأنه يلزم تسمية اللفظ باسم لا يجري في المشتق منه.

стр. 835

والمختار - وفاقًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وأكثر أصحابنا - أن النقل إنما وقع في الشرعية، لا في الدينية. واختاره ابن الحاجب وغيره. ومنهم مَن يجعل الخلاف في الإيمان فقط، لا في كل ديني. وقد نقل محمد بن نصر المروزي عن أبي عُبيد أنَّه استدل على أن الشارع نقل "الإيمان" بأنه قد نقل "الصلاة" و"الحج" ونحوهما إلى معانٍ أُخَر. قال: فما بالُ "الإيمان"؟ فهذا يدل على تخصيص الخلاف بالإيمان، إلَّا أن يُراد: و [نحوه] (١) من الألفاظ المتعلقة به، وهو الأمور الدينية. وعلى كل حال ففيه إشارة إلى أن مَن أثبت الدينية - كالإيمان - دُون غيرها خارقٌ للإجماع. فالحاصل مِن الخلاف: - إما نفي النقل مطلقًا، كما هو قول القاضي ومَن سبق. - وإما إثباته مطلقًا، كالمعتزلة ومن وافقهم كما سبق. - وإما التفرقة بينه وبين الدينية بوقوع الشرعية دُون الدينية، وهو المختار، ولم يَقُل أحد بعكسه. وإنَّما لم أَتَعرَّض في النَّظم لنفي وقوع الدينية؛ لأن المثبِت لها هُم المعتزلة، وأما غيرهم فلا يثبت أن الشارع له في ذلك عُرف مُغايِر لِلُّغة حتَّى يُحتاج إلى إجراء الخلاف فيها. ثم اختلف المثبتون للشرعية في أن الشارع اخترع لهذه المعاني ألفاظًا فصادفت ألفاظًا مِن اللغة؛ أو أنَّه نقلها عن معناها اللغوي؟

стр. 836

والثاني هو اختيار الإمام في "المحصول"، فلم يخرج عن كلام العرب وإنْ لم تَعرف العرب ذلك المعنى الذي آلَتْ إليه دلالة اللفظ، وأنَّ المجاز منسوب للغة العرب باعتبار العلاقة، فَيُعَدُّ مِن أوضاعهم بهذا الاعتبار، وحينئذٍ فيقال: إنه بوضع الشرع باعتبار ما آلَ إليه. قال الماوردي في "كتاب الصلاة" من "الحاوي": (إنَّ الذي عليه جمهور أهل العلم أن الشرع لاحَظَ في الألفاظ الشرعية المعنى اللغوي) (١). انتهى وقال الشيخ شمس الدين ابن اللبان في "ترتيب الأُم" للشافعي ﵁: إن نصوصه صريحة في أنَّها مجازات لُغوية. وبالأول قالت المعتزلة، قالوا: وتارةً يصادفُ الوضع الشرعي علاقة بينه وبين اللغوي، لا قصدًا، بل اتفاقًا، وتارةً لا يُصادف، فليست حقيقة لغوية ولا مجازًا لُغويًّا. ووافقهم مِن أصحابنا كثير كابن السمعاني، إلَّا أنَّه قال في ذيل المسألة: (ويجوز أن يُقال: هذه الأسماء حقائق شرعية فيها معنى اللغة؛ لأن الصلاة لا تخلو عن الدعاء في غالب الأحوال، والأخرس نادر، فقد تخلو في بعض المواضع عن معظم الأفعال) (٢). انتهى وهو ظاهر في عَوْدِه إلى القول الآخَر. وتظهر ثمرة هذين القولين في أن المعنى الشرعي هل يحتاج لعلاقة؛ أوْ لا؟ فعَلَى القول الأول: لا يحتاج، وعلى الثاني: يحتاج.

стр. 837

تنبيهات الأول: قد عُلم أن الخلاف السابق إنما هو في وقوع الشرعية، أما الجواز فزعم الإمام الرازي والآمدي والهندي أنَّه لا خلاف فيه، حتَّى عبَّر ابن الحاجب في "المنتهى" بأنَّ الجواز ضرورة، وأسقط المسألة في "الصغير" (١)؛ لاعتقاده الاتفاق أو أن الخلاف شاذ، لكن أَبو الحسين في "المعتمد" حكى عن بعضهم أنَّه منع مِن إمكانها، وكذا نقله ابن برهان في "الوجيز" عن طائفة يسيرة، قال: وبناءُ المسألة على حرف واحد، وهو أن نقلي مِن اللغة إلى الشرع لا يؤدي إلى قلب الحقائق، وعندهم يؤدي. ثم حكى ابن برهان خلافا آخَر تفريعًا على الجواز: هل يصير [حسنًا كالفسخ] (٢)؛ أو [قبيحًا] (٣) لِمَا يَلْزَم عليه مِن إسقاط الأحكام الشرعية؟ الثاني: لا يختص الخلاف في الوقوع بالحقيقة الشرعية، بل يجري في المجاز أيضًا. وإنَّما لم أذكره في النظم؛ لأن الحقيقة إذا ثبتت، لزم ثبوتُ مجازها؛ لأن كل مجاز ناشئ عن [حقيقته] (٤) كما سيأتي. نعم، لا يختص ذلك بالأسماء ولا بنوع منها، بل يكون في الألفاظ المتباينة - كالصلاة

стр. 838

والزكاة - والمشتركة، فالأصح وقوعها في الشرعية كَـ "القرء" إنْ قُلنا حقيقة في الحيض والطهر، وكالصلاة على الكاملة وعلى ناقصة رُكن أو شرط، كصلاة المصلوب ونحوه ومُصلِّي الفرض قاعدًا للعجز عن القيام. ومَثَّله الهندي بِـ "الطهور" للماء والزاب، وفيه نظر؛ فإنَّ بينهما قَدْرًا مشتركًا وهو [التطهير] (١) بالماء والتيمم بالتراب، خلافًا لن زعم أن هذا مِن المشترك. وكَـ "الصلاة" للفرض والنفل، وفيه النظر السابق، بل و [فيما مُثِّل] (٢) به قَبْله أيضًا. وأما المترادفة ففي "المحصول": الأظهر أنَّها لم توجد. ورُدَّ بأن الفرض والواجب مترادفان شرعًا، لكن سبق أنَّ عُرْفَ أهلِ الشرع غَيْرُ عُرْف الشرع الذي الكلام فيه، وقد يجتمعان، ولكن يمنع بأنهما في ذلك اجتمعا. قلتُ: ويمكن تمثيله بالزكاة مع الصدقة، فإن الصدقة كثيرًا ما تُطلق شرعًا على الزكاة، نحو: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٩ - ٦٠]، الآية. وفي الحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلَّا زكاة الفطر في الرقيق" (٣). فاستثنى بلفظ "الزكاة" مما هو بلفظ "الصدقة"، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضًا لفظ التزويج والإنكاح، وما أَشبهه. وأما الأفعال فلم توجد إلَّا تبعًا لمصادرها، كَـ "صلَّى" من"الصلاة"، و"زكَّى" من "الزكاة"، ونحو ذلك.

стр. 839

وأما الحروف فليس في الشرع استعمال حرف بغير معناه اللغوي يكون منقولًا منه إلَّا باعتبار متعلَّقه، فيكون نَقْلُه شرعًا نقلًا للحرف بالتبع. الثالث: سبق أن"الشرعي"المراد به هنا: ما لم يُستفَد معناه إلَّا من الشرع. وربما يُطلق "الشرعي" على بعض أحكام الشرع. قال إمام الحرمين في "الأساليب": الذي يعنيه الفقيه بِـ "الشرعي" هو الواجب والمندوب. ويشهد له قول الأصحاب: إن الجماعة في النفل المطلق لا تشرع. أي: لا تندب وإنْ كانت مباحة. وفي زيادات "الروضة" في "باب صلاة الجماعة": معنى قولهم: "لا تشرع" لا تستحب. وقد يطلق المشروع على المباح، كما تقول: بيع المجهول غير مشروع، وشرع السلم للحاجة، ونحو ذلك. الرابع: قيل: الخلاف في هذه المسألة يضمحلُّ عند التحقيق؛ فإن الزِّيادة على المعنى اللغوي لم تُستفَد إلَّا مِن الشرع، والمعنى اللغوي موجود في الشرعي. وهذا مردود بما سبق من تقسيم الشرعية أول المسألة. وأيضًا فمن فائدة الخلاف أن الفسق عند المعتزلة منزلة بين الإيمان والكفر؛ بِناءً على أن الإيمان نُقِل إلى جميع الطاعات، والفاسق مُخِلٌّ ببعضها، فليس مؤمنًا، ولا هو كافر؛ لتصديقه. قيل: وللإجماع على أنَّه ليس بكافر. وفيه نظر؛ فإن الخوارج تُكَفره بالكبيرة.

стр. 840

وعلى كل حالٍ فَحَمَلَ المعتزلةَ على ذلك الأحاديثُ الواردة في نَفْي الإيمان عنه، مثل: "لا يَزْنِي الزاني حين يَزْنِي وهو مؤمن" (١)، ونحو ذلك. وغيرُ المعتزلة رأَى أن الإيمان بإزاء المعنى اللغوي وإنْ زِيدَ في مدلوله، فلم يخرج الفاسق بذلك عن الإيمان، وأَوَّلوا الوارد إما على نفي الكمال أو على المستحِل، وأنه ليس [متلبسًا] (٢) بفعل من الإيمان بل بخارج عن الإيمان وإنْ كان في ذاته مؤمنًا، إلى غير ذلك. وكذا القول في الأسماء الفرعية، كمن صلَّى بغير قراءة، هل يقال: لم يُصلِّ؛ لأن الصلاة نُقلت شرعًا للهيئة المجموعة؟ أو [يُسمَّى] (٣) بذلك؛ لوجود المعنى اللغوي وهو الدعاء بالفعل أو بالقوة؟ ومن ثَم استشكل الإمام في "المعالم" على الشَّافعي أن الماهية المركبة تنتفي بانتفاء جزئها، وإذا كان الإيمان مركَّبًا من قول وعمل واعتقاد، فينبغي إذا انتفى العمل أنْ ينتفي الإيمان. وزعم أنَّه سؤال صعب. لكن قد ذكر هذا السؤال محمد بن نصر المروزي، وأجاب عنه بأن الإيمان له أصل مَتَى نقص ذَرَّةً، زال اسمُ الإيمان عنه، وما بَعْده إنْ فَعله فقد زاد إيمانًا على إيمانه. وإنْ لم يفعل الزِّيادة، لم [ينقص] (٤) الأصل الذي هو التصديق. قال؛ كَـ "شجرة" تُطلَق على مجموعها، وإذا أُزِيل منها غُصن، لا يزول اسم الشجرة عنها، بل تبقى شجرة ناقصة. ومن ثمرة الخلاف أيضًا: أنَّ الاسم الشرعي إذا ورد في كلام الشارع مجردًا عن القرينة

стр. 841

محتملًا للغوي والشرعي، فمَن يقول بنقل الشارع، يحمله على الشرعي، ومَن ينفي كالقاضي، فقياسه أن يحمل على اللغوي، لكن المنقول عن القاضي أنَّه مُجْمل، وعبارته في "التقريب": (يجب التوقف؛ لجواز أن يُراد اللغة أو الشرع أو هُما). وهو مُشْكِل على أصله إنْ لم يكن له قول آخَر بإثبات الحقيقة الشرعية. نعم، قال السهروردي: إنَّ تَردُّد القاضي بين الكمال والصحة في نحو: "إنما الأعمال بالنية" (١)، "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب" (٢) - ليس لاعترافه باللغات الشرعية، بل لأنه يرى الإضمار، ولا تعيين لأحد الإضمارين. والله أعلم. الخامس: من المنقولات الشرعية: صِيَغ العقود، كَـ "بِعْتُ" و"اشتريتُ"، والحلول كَـ "فسختُ" و"طلقتُ" و"أعتقتُ". وإنَّما أصلها الخبر. هذا قول الأكثرين، منهم الإمام الرازي وأتباعه. ونُقل عن الحنفية أنَّها إخبارات على حالها يُقَدَّر وقوع معانيها قبل اللفظ بها؛ ليطابق خبرُها مُخْبَرَها. لكن أنكر القاضي شمس الدين السروجي - من الحنفية - في كتاب "الغاية" ذلك، وقال: المعروف عند أصحابنا أنَّها إنشاءات. وقال صاحب"البديع" منهم: إنه الحقُّ. وإنَّما اختلفوا بعد إجماعهم على ثبوت أحكامها عند التلفظ بها: هل يَثبت مع آخِر حرف من حروفها؟ أو عَقبه؟ نعم، قال الأصبهاني فى "شرح المحصول": (إن الأول اختيار أئمة النظر من

стр. 842

الخلافيين) (١). والله أعلم. ص: ٤٠٩ - وَ"النَّقْضِ"، وَ"الْمَجَازُ" مَا يُسْتَعْمَلُ ... في ثَانِ وَضْعٍ حَسْبَمًا يُفَصَّلُ ٤١٠ - عِلَاقَةٌ لَهُ، وَوَضْعُهُ انْقَسَم ... كَفِي حَقِيقَةٍ ثَلَاثًا، [فَلْيُضَمْ] (٢) الشرح: قولي: (وَ"النَّقْضِ") بالجر عطف على الأمثلة السابقة، وسبق بيانه. وقولي: (وَ"الْمَجَازُ") مبتدأ خبره ما بعده، وهو إشارة إلى تعريف "المجاز" في الاصطلاح. أما لفظ المجاز في الأصل فَـ "مَفَعْل" من الجواز وهو العبور والانتقال، فأصْله "مَجْوَز"، استثقلَت حركة "الواو"، لأنها حرف علة، فنُقِلت إلى الساكن قبلها، فانقلبت "الواو" ألِفًا، لسكونها بعد فتحة. والـ "مفعل" يكون مصدرًا ومكانًا وزمانًا. فَـ"المجاز" بالمعنى الاصطلاحي إما مأخوذ مِن الأول أو مِن الثاني، لا مِن الثالث؛ لعدم العلاقة فيه، بخلافهما" فإنه إن كان مِن المصدر فهو مُتَجَوَّز به إلى الفاعل" للملابسة، كَـ "عَدْل" بمعنى "عادل"، أو من المكان له، فهو من إطلاق المحل على الحالّ. ومع ذلك ففيه تَجَوُّز آخَر؛ لأن الجواز حقيقة للجسم لا للفظ؛ لأنه عَرَض لا يقبل

стр. 843

الانتقال، فهو مجاز باعتبارين، لا أنَّه مجاز منقول من مجاز آخر فيكون بمرتبتين كما زعم الإمام وأتباعه كالبيضاوي. فالمجاز هو اللفظ الجائز مِن شيء إلى آخَر، تشبيها بالجسم المنتقل مِن موضع إلى آخر. فَحَقِّقْ ذلك. والتعبير في هذا المعنى الاصطلاحي أن يقال: "المجاز" قولٌ مستعمَل بوضحٍ ثانٍ؛ لِعلاقة. فَـ "قول": جنس، مُعَبَّر عنه في النظم بـ "مَا"؛ لأن الكلام في تقسيم القول المفرد، فيعلم أنَّه المراد، ولا يقال: "لفظ"؛ لأنه جنس بعيد. والعلاقة: هي العُلْقة الحاصلة بين المعنى الأول والمعنى الثاني بحيث ينتقل الذهن بواسطتها على ما سنفصله بعد ذلك. وكان القياس فتح عَيْنها؛ لأن الفتح في المعاني، كما تقول: علقت زوجتي عَلاقة، أي: أحببتها حُبًّا شديدًا. والكسر في الأجسام، ومنه عِلاقة السوط، وحينئذٍ فإما أن يُقرأ بالفتح على الأصل أو بالكسر على التشبيه بالجسم. وخرج بقيد الاستعمال في وضع ثانٍ: الحقيقةُ، فإنها المستعمل بوضع أولٍ كما سبق. ومَن لم يَرَ المجاز موضوعًا يقول: (في غير ما وُضع له)، لكن المرجح - كما سيأتي - أنَّه موضوع على الوجه الآتي بيانه. وعُلم أنَّه لا يشترط في المجاز إلَّا سَبْق وضعٍ فقط، سواء سَبَق استعماله أوْ لا، وهي مسألة أن المجاز هل يستلزم الحقيقة؟ أوْ لا؟ والثاني: هو ما رجحه الآمدي، ونقله صاحب "البديع" عن المحققين، واختاره في "المحصول" في موضع. وبالأول قال أَبو الحسين وابن السمعاني والإمام الرازي في موضع آخَر. واحتجوا على

стр. 844

ذلك بأنه لو لم يستلزم لَعَرِيَ الوضع عن الفائدة. ورُدَّ بأن الفائدة لا تنحصر في استعماله فيما وُضع له أولًا، فقد يُتَجَوَّز؛ فتحصل الفائدة بالمجاز. وخرج بقيد العلاقةِ: العَلمُ المنقول، ولو لُحِظت العلاقة في أول نقله إلَّا أن استمرار دلالته إنما هو لمجرد الوضع مع عدم الالتفات إلى غيره. وحينئذٍ فالقول إما حقيقة أو مجاز، أو لا حقيقة ولا مجاز، وهو ما وُضع لشيء ولم يُستعمل فيه ولا نُقل عنه، ومنه الأعلام على ما قررناه. وقد يكون حقيقة ومجازًا باعتبارين: - إما بحسب وضعين لُغوي وعُرفي، أو لُغوي وشرعي، أو نحو ذلك. - أو بمعنيين مختلفين، كألفاظ العام المخصوص على قول مَن يقول: إنه حقيقةٌ باعتبار دلالته على ما بقي، مجازٌ باعتبار سلب دلالته على ما أُخْرِج. أما بحسب وضع واحد فمُحال؛ لامتناع اجتماع النفي والإثبات مِن جهة واحدة. واعْلَم أن ما سبق في تعريف "المجاز" قد يُورَد عليه مجازُ التركيب، فإن المركب غير موضوع، فيكون غيرَ جامعٍ لأنواع المجاز، إلَّا أن يُقال: الكلام إنما هو في المجاز اللغوي، وأما المجاز العقلي الواقع في الإسناد فَمَعَ كوْنه في ثبوته خلاف (كما سيأتي بيانه) ليس مقصودًا. وقولي: (ووَضْعُهُ انْقَسَمْ) إلى آخِره - إشارة إلى أن المجاز ينقسم بحسب جهة وضعه إلى ثلاثة أقسام: لُغوي، وشرعي، وعرفي، كما انقسمت الحقيقة إلى ذلك. فاللغوي: كَـ "الأسد" للشجاع؛ لعلاقة الوصف الذي هو الجرأة. فكأن أهل اللغة باعتبارهم النقل لهذه المناسبة وضعوا الاسم ثانيًا للمجاز.

стр. 845

والشرعي: كَـ "الصلاة" لمطلق الدعاء؛ انتقالًا من ذات الأركان للمعنى المضمن لها مِن الخضوع والسؤال بالفعل أو القوة. وكأن الشارع بهذا الاعتبار وضع الاسم ثانيًا لَمَّا كان بَيْنه وبين اللغوي هذه المناسبة. والعُرفي الخاص والعام كذلك، فكل معنى حقيقي في وضعٍ هو مجاز بالنسبة إلى وضعٍ آخَر؛ ولهذا مَثَّلنا به فيما سبق لِمَا يكون حقيقة ومجازا باعتبارين، وعلى هذا فيُرَد كل مجاز إلى حقيقته كما قررناه، وهو معنى قولي: (فَلْيُضَمْ). تنبيهات أحدها: قد سبق الخلاف في استلزام المجاز للحقيقة، ووقع في "جمع الجوامع" - تفريعًا على أنَّه لا يشترط سَبْق الاستعمال - أنَّه: (قيل بذلك مطلقًا، والأصح لِمَا عَدَا المَصْدَر) (١). وتَوقَّف كثير مِن العَصريين في مراد المصنِّف بذلك، حتَّى إنَّ شيخنا بدر الدين الزركشي (رحمه الله تعالى) لم يتعرض لشرح ذلك، بل بيض له. وقد ألهمني الله مقصوده بذلك من كلامه في "شرح المختصر"، فإنه لَمَّا تكلم على استدلال ابن الحاجب على عدم الاستلزام بأنه لو استلزم لكان للفظ "الرحمن" حقيقة، أي: وليس كذلك؛ لأنَّ "رحمان" فَعْلان للمبالغة في الكثرة، وصفاتُ الله تعالى لا تقبل ذلك، قال: (وأيضًا فهو مِن معنى الرقة وميل القلب، وهو مستحيل على الله تعالى، ولم يُستعمل إلَّا
следующие страницы →