← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

محتملًا للغوي والشرعي، فمَن يقول بنقل الشارع، يحمله على الشرعي، ومَن ينفي كالقاضي، فقياسه أن يحمل على اللغوي، لكن المنقول عن القاضي أنَّه مُجْمل، وعبارته في "التقريب": (يجب التوقف؛ لجواز أن يُراد اللغة أو الشرع أو هُما). وهو مُشْكِل على أصله إنْ لم يكن له قول آخَر بإثبات الحقيقة الشرعية. نعم، قال السهروردي: إنَّ تَردُّد القاضي بين الكمال والصحة في نحو: "إنما الأعمال بالنية" (١)، "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب" (٢) - ليس لاعترافه باللغات الشرعية، بل لأنه يرى الإضمار، ولا تعيين لأحد الإضمارين. والله أعلم. الخامس: من المنقولات الشرعية: صِيَغ العقود، كَـ "بِعْتُ" و"اشتريتُ"، والحلول كَـ "فسختُ" و"طلقتُ" و"أعتقتُ". وإنَّما أصلها الخبر. هذا قول الأكثرين، منهم الإمام الرازي وأتباعه. ونُقل عن الحنفية أنَّها إخبارات على حالها يُقَدَّر وقوع معانيها قبل اللفظ بها؛ ليطابق خبرُها مُخْبَرَها. لكن أنكر القاضي شمس الدين السروجي - من الحنفية - في كتاب "الغاية" ذلك، وقال: المعروف عند أصحابنا أنَّها إنشاءات. وقال صاحب"البديع" منهم: إنه الحقُّ. وإنَّما اختلفوا بعد إجماعهم على ثبوت أحكامها عند التلفظ بها: هل يَثبت مع آخِر حرف من حروفها؟ أو عَقبه؟ نعم، قال الأصبهاني فى "شرح المحصول": (إن الأول اختيار أئمة النظر من

стр. 842

الخلافيين) (١). والله أعلم. ص: ٤٠٩ - وَ"النَّقْضِ"، وَ"الْمَجَازُ" مَا يُسْتَعْمَلُ ... في ثَانِ وَضْعٍ حَسْبَمًا يُفَصَّلُ ٤١٠ - عِلَاقَةٌ لَهُ، وَوَضْعُهُ انْقَسَم ... كَفِي حَقِيقَةٍ ثَلَاثًا، [فَلْيُضَمْ] (٢) الشرح: قولي: (وَ"النَّقْضِ") بالجر عطف على الأمثلة السابقة، وسبق بيانه. وقولي: (وَ"الْمَجَازُ") مبتدأ خبره ما بعده، وهو إشارة إلى تعريف "المجاز" في الاصطلاح. أما لفظ المجاز في الأصل فَـ "مَفَعْل" من الجواز وهو العبور والانتقال، فأصْله "مَجْوَز"، استثقلَت حركة "الواو"، لأنها حرف علة، فنُقِلت إلى الساكن قبلها، فانقلبت "الواو" ألِفًا، لسكونها بعد فتحة. والـ "مفعل" يكون مصدرًا ومكانًا وزمانًا. فَـ"المجاز" بالمعنى الاصطلاحي إما مأخوذ مِن الأول أو مِن الثاني، لا مِن الثالث؛ لعدم العلاقة فيه، بخلافهما" فإنه إن كان مِن المصدر فهو مُتَجَوَّز به إلى الفاعل" للملابسة، كَـ "عَدْل" بمعنى "عادل"، أو من المكان له، فهو من إطلاق المحل على الحالّ. ومع ذلك ففيه تَجَوُّز آخَر؛ لأن الجواز حقيقة للجسم لا للفظ؛ لأنه عَرَض لا يقبل

стр. 843

الانتقال، فهو مجاز باعتبارين، لا أنَّه مجاز منقول من مجاز آخر فيكون بمرتبتين كما زعم الإمام وأتباعه كالبيضاوي. فالمجاز هو اللفظ الجائز مِن شيء إلى آخَر، تشبيها بالجسم المنتقل مِن موضع إلى آخر. فَحَقِّقْ ذلك. والتعبير في هذا المعنى الاصطلاحي أن يقال: "المجاز" قولٌ مستعمَل بوضحٍ ثانٍ؛ لِعلاقة. فَـ "قول": جنس، مُعَبَّر عنه في النظم بـ "مَا"؛ لأن الكلام في تقسيم القول المفرد، فيعلم أنَّه المراد، ولا يقال: "لفظ"؛ لأنه جنس بعيد. والعلاقة: هي العُلْقة الحاصلة بين المعنى الأول والمعنى الثاني بحيث ينتقل الذهن بواسطتها على ما سنفصله بعد ذلك. وكان القياس فتح عَيْنها؛ لأن الفتح في المعاني، كما تقول: علقت زوجتي عَلاقة، أي: أحببتها حُبًّا شديدًا. والكسر في الأجسام، ومنه عِلاقة السوط، وحينئذٍ فإما أن يُقرأ بالفتح على الأصل أو بالكسر على التشبيه بالجسم. وخرج بقيد الاستعمال في وضع ثانٍ: الحقيقةُ، فإنها المستعمل بوضع أولٍ كما سبق. ومَن لم يَرَ المجاز موضوعًا يقول: (في غير ما وُضع له)، لكن المرجح - كما سيأتي - أنَّه موضوع على الوجه الآتي بيانه. وعُلم أنَّه لا يشترط في المجاز إلَّا سَبْق وضعٍ فقط، سواء سَبَق استعماله أوْ لا، وهي مسألة أن المجاز هل يستلزم الحقيقة؟ أوْ لا؟ والثاني: هو ما رجحه الآمدي، ونقله صاحب "البديع" عن المحققين، واختاره في "المحصول" في موضع. وبالأول قال أَبو الحسين وابن السمعاني والإمام الرازي في موضع آخَر. واحتجوا على

стр. 844

ذلك بأنه لو لم يستلزم لَعَرِيَ الوضع عن الفائدة. ورُدَّ بأن الفائدة لا تنحصر في استعماله فيما وُضع له أولًا، فقد يُتَجَوَّز؛ فتحصل الفائدة بالمجاز. وخرج بقيد العلاقةِ: العَلمُ المنقول، ولو لُحِظت العلاقة في أول نقله إلَّا أن استمرار دلالته إنما هو لمجرد الوضع مع عدم الالتفات إلى غيره. وحينئذٍ فالقول إما حقيقة أو مجاز، أو لا حقيقة ولا مجاز، وهو ما وُضع لشيء ولم يُستعمل فيه ولا نُقل عنه، ومنه الأعلام على ما قررناه. وقد يكون حقيقة ومجازًا باعتبارين: - إما بحسب وضعين لُغوي وعُرفي، أو لُغوي وشرعي، أو نحو ذلك. - أو بمعنيين مختلفين، كألفاظ العام المخصوص على قول مَن يقول: إنه حقيقةٌ باعتبار دلالته على ما بقي، مجازٌ باعتبار سلب دلالته على ما أُخْرِج. أما بحسب وضع واحد فمُحال؛ لامتناع اجتماع النفي والإثبات مِن جهة واحدة. واعْلَم أن ما سبق في تعريف "المجاز" قد يُورَد عليه مجازُ التركيب، فإن المركب غير موضوع، فيكون غيرَ جامعٍ لأنواع المجاز، إلَّا أن يُقال: الكلام إنما هو في المجاز اللغوي، وأما المجاز العقلي الواقع في الإسناد فَمَعَ كوْنه في ثبوته خلاف (كما سيأتي بيانه) ليس مقصودًا. وقولي: (ووَضْعُهُ انْقَسَمْ) إلى آخِره - إشارة إلى أن المجاز ينقسم بحسب جهة وضعه إلى ثلاثة أقسام: لُغوي، وشرعي، وعرفي، كما انقسمت الحقيقة إلى ذلك. فاللغوي: كَـ "الأسد" للشجاع؛ لعلاقة الوصف الذي هو الجرأة. فكأن أهل اللغة باعتبارهم النقل لهذه المناسبة وضعوا الاسم ثانيًا للمجاز.

стр. 845

والشرعي: كَـ "الصلاة" لمطلق الدعاء؛ انتقالًا من ذات الأركان للمعنى المضمن لها مِن الخضوع والسؤال بالفعل أو القوة. وكأن الشارع بهذا الاعتبار وضع الاسم ثانيًا لَمَّا كان بَيْنه وبين اللغوي هذه المناسبة. والعُرفي الخاص والعام كذلك، فكل معنى حقيقي في وضعٍ هو مجاز بالنسبة إلى وضعٍ آخَر؛ ولهذا مَثَّلنا به فيما سبق لِمَا يكون حقيقة ومجازا باعتبارين، وعلى هذا فيُرَد كل مجاز إلى حقيقته كما قررناه، وهو معنى قولي: (فَلْيُضَمْ). تنبيهات أحدها: قد سبق الخلاف في استلزام المجاز للحقيقة، ووقع في "جمع الجوامع" - تفريعًا على أنَّه لا يشترط سَبْق الاستعمال - أنَّه: (قيل بذلك مطلقًا، والأصح لِمَا عَدَا المَصْدَر) (١). وتَوقَّف كثير مِن العَصريين في مراد المصنِّف بذلك، حتَّى إنَّ شيخنا بدر الدين الزركشي (رحمه الله تعالى) لم يتعرض لشرح ذلك، بل بيض له. وقد ألهمني الله مقصوده بذلك من كلامه في "شرح المختصر"، فإنه لَمَّا تكلم على استدلال ابن الحاجب على عدم الاستلزام بأنه لو استلزم لكان للفظ "الرحمن" حقيقة، أي: وليس كذلك؛ لأنَّ "رحمان" فَعْلان للمبالغة في الكثرة، وصفاتُ الله تعالى لا تقبل ذلك، قال: (وأيضًا فهو مِن معنى الرقة وميل القلب، وهو مستحيل على الله تعالى، ولم يُستعمل إلَّا

стр. 846

في الله تعالى، وهذا بناء على أن أسماءه تعالى صفات لا أعلام. أما إذا قلنا: أعلام، فالعَلَم ليس حقيقة ولا مجازًا. وما يقال: "قد قال بنو حنيفة: رحمان اليمامة، ولا زلت رحمانًا في مسيلمة" فقد أجاب الزمخشري بأن ذلك من تَعنّتهم في كفرهم. وهو غير مفيد؛ لأن التعنت سبب في الإطلاق، ومتى ثَبتَ الإطلاق، قام الدليل. وإنَّما الجواب السديد أنهم لم يستعملوا "الرحمن" بالألف واللام والكلام فيه) (١). ثم قال: (وعند هذا أقول: مذهبي أن المجاز يستلزم استعمال اللفظ المشتق منه بطريق الحقيقة، سواء استُعمل مع ذلك بالحقيقة فيما استعمل بالمجاز أم لا. فأقول مثلًا: إنما استعمل "رحمن" إذا استعملت العرب الرحمة، ثم إذا استعملت الرحمة، كان لنا أن نتصرف فيما يُشتق منها مِن فَعْلان وفاعل ومَفْعُول وغير ذلك وإنْ لم تنطق به العرب البتَّة، ولا أَشترِط أن تكون العرب استعملت "رحمن" - الذي هو فَعْلان - بالحقيقة). ثم قال: (إن بهذا يَخْلُصُ ابن الحاجب مِن الاعتراض عليه في استدلاله بأنَّ هذا مشترك الإلزام في الوضع بعين ما ذكره، لا مَخْلَصَ له غيره) (٢). انتهى ملخصًا. قلت: وفيما قاله نَظر مِن وجوه: الأول: أن قوله: (إن صفات الله تعالى لا تَقبل القِلة والكثرة) إنما ذاك في صفات الذات؛ لأنها قديمة، أما صفات الأفعال - على القول الراجح وهو قول الأشاعرة بحدوثها - فتَقبل باعتبار متعلقها. ثانيها: أنَّ هذه المسألة عَيْن مسألة الإمام أن المجاز لا يدخل في المشتقات بالذات بل بطريق التبع للمصدر، ثم هذا إنما هو إذا قُلنا: المجاز في "رحمان" باعتبار المبالغة في "فَعْلان".

стр. 847

أما إذا قُلنا بأنَّ المجاز في المادة، فلا. ثالثها: أن قوله: (إن الأصح لِمَا عَدَا المصْدَر) يقتضي أنه خِلافٌ منقول، وهو في شرح "المختصر" إنما جعله مذهبًا لنفسه. رابعها: أن قوله: (لما عدا المصدر) يقتضي اشتراط الاستعمال في المصدر على الإطلاق، سواء تُجُوِّز بالمصدر لِغَير معناه أو بالنسبة لِمَا اشتق منه إذا تجوّز به عن معنى ذلك المشتق حقيقة أَم إليهما معًا، لكن كلامه في الشرح يقتضي أن ذلك إنما هو بالنسبة للمشتقات فقط. خامسها: أن قوله: (إن جواب الزمخشري عن "رحمان اليمامة" لا يفيد) ممنوع؛ وذلك لأن تعنتهم في كفرهم أدَّاهم إلى أن يأخذوا ما جاء به النبي ﷺ من الألفاظ التي لا يعرفونها ويستعملونه فيما شاءوا، ولا يَلزم من ذلك استعمالهم لها قبل أن يأتي بها الشارع. نعم، إنْ ثبت استعمالهم لها قبل ذلك، اتضح ما قاله من الرد. سادسها: أن ما أجاب به من أنهم لم يستعملوه بالألف واللام - عجيبٌ؛ فإنَّ المجاز والحقيقة للمفرد، ولا مدخل للمركب في ذلك، ولا شك أن "أل" كلمةٌ أخرى زائدة على المفرد الذي الكلام فيه. الثاني: ما أطلقتُه مِن وقوع المجاز هو الأصح، خِلافًا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني كما نُقل عنه، لكن استبعده الإمام والغزالي؛ باعتبار جلالته، فلا يقع ذلك منه. قال الإمام (١): (فإنْ أراد الأستاذ أن أهل اللغة لم يسموه "مجازًا" بل حقيقة عند القرينة،

стр. 848

فممنوع؛ فإنَّ كُتبهم مشحونة بتلقيبه "مجازًا"، و [لو سُلِّم ذلك لم يَقدح في تسميتهم بانفراده] (١) مجازًا). انتهى فيتعجب من إلْكِيَا كيف أجاب عنه بهذا الجواب وإمامه قد ضعفه؟ ! وقال الغزالي في "المنخول": إنَّ [مراده] (٢): ليس ثابتًا ثبوت الحقيقة. ونَقَل عنه في موضع آخَر أن النص عنده هو الحقيقة وأن الظاهر هو المجاز (٣). وقد قال جَمْعٌ بأن المجاز من النص.

стр. 849

نعم، الفارسي منعه مطلقًا كما نقله عنه ابن الصلاح في "فوائد الرحلة"، لكن تلميذه ابن جني -وهو أَخْبر بمذهبه- نقل عنه في "الخصائص" أن المجاز غالب على اللغات كما هو اختيار ابن جني أنه غالب على لغة العرب وغيرها. كذا نقل عنه في "المحصول" وأنه ادَّعى أن نحو: "قام زيد" يقتضي نسبة جميع أفراد القيام إليه؛ لأن القيام جنس. قال: (وهو ركيك؛ لأن المصدر إنما دَل على ما يَصْدق عليه مِن القدْر المشترك، لا على جميع أفراده) (١). نعم، ابن جني قال: إن نحو: "ضربت زيدًا" لم يضرب إلا بعضه. واعترضه تلميذه ابن مَتُّويه المتكلم بأن التأَلُّم وقع لكله. وما قاله ضعيف؛ لأن الكلام في نسبة الضرب لا التألم. ولا شك أن الضرب الذي هو الإمساس إنما وقع في بعضه، والتألم أثَرُه وإنْ كان في الكل. ونقل ابن السمعاني عن أبي زيد الدبوسي أن المجاز غالب على اللغات كما نقل عن ابن جني. قيل: وغرض ابن جني بذلك نفي خلق الله لأفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦]، قال: ولو لم يكن ذلك لكان خالقًا لأفعالنا، فيكون خالقًا للكفر والعصيان ونحوهما، تعالى الله عن ذلك. وقد استدرج إلى أمور [صعبة] (٢)، منها: نفي عِلمه تعالى، و [غيرها] (٣). وخَطَأُ ابن

стр. 850

جني في ذلك كُله ظاهرٌ. ومنع قوم وقوع المجاز في القرآن، ونَسبه الغزالي في "المنخول" للحشويه، وحُكي عن الأستاذ وابن خويز منداد، وبه قال أيضًا ابن القاص مِن أصحابنا كما حكاه عنه العبادي في "الطبقات"، وحكوه عن داود وابنه وعن جماعة آخرين. وقيل: إنما أنكرت الظاهرية مجاز الاستعارة؛ لأنها عند الضيق، وأنه مُنَزه عن ذلك. ورُدَّ بأنه يَلزم أن لا يكون في القرآن توكيد ولا نحوه مِن تثنية القصص، وأيضًا فالمجاز يكون أَبْلَغ مِن الحقيقة، ولامتحان السامعين به، وغير ذلك من المقاصد. ومنع ابن داود وقوعه في السُّنة أيضًا كما حكاه في "المحصول"، لكن استنكره الأصفهاني في "شرحه"، وقال: (إنه تفرد بنقله) (١). لكن هذا مردود بقول ابن حزم في "الإحكام": (إن قومًا منعوه فيهما) (٢). وفي "شرح المفصَّل" لابن الحاجب في "باب الإضافة": (ذهب القاضي إلى أنه لا مجاز في القرآن، وأن مِثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] محمول على أن القرية تُطلَق على الأهل والجدران معًا على وَجْه الاشتراك) (٣). ورُدَّ بتبادر الجدران وتَوقُّف الأهل على القرينة. وقيل: إنْ تَعلق به حُكم شرعي، لا يجوز، وإلا جاز. وقد أَلجأَتْ هذه المذاهب الفاسدة سلطان العلماء ابن عبد السلام إلى أن يصنف كتابه

стр. 851

الحافل في مجاز القرآن الذي أطال فيه وأجاد وعَمَّ نفعُه أقطار البلاد. الثالث: المجاز خلاف الأصل؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على دلالته على معناه الأول. وكذا يقال في المنقول شرعًا أو عُرفًا: الأصلُ عدم النقل، وعدم الاشتهار الذي يصير به حقيقةً فيهما، وحينئذٍ فالعدول إلى المجاز -مع إمكان الحمل على الحقيقة- غير جائز. نعم، هو والنقل أَوْلى من الاشتراك؛ لاحتياج "المشترك" إلى قرينة، فإنْ لم تكن قرينة فهو مُخِل بالفَهم، بخلاف الحقيقة والمجاز، فإنَّ اللفظ يُحمل على الحقيقة ما لم تكن قرينة للمجاز فيُحمل عليه بها. وقيل: الاشتراك أَوْلى؛ لِتوقُّف المجاز على وَضْعَين وعلاقة، بخلاف "المشترك" مِن واضع واحد، ولتوقُّفه على نَسخ الحقيقة اللغوية. قلتُ: لكن مَن يحمل "المشترك" على معنييه لا يرجح المجاز والنقل عليه مطلقًا، بل من حيث يتعذر الحمل، فتأمله. نعم، إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز مع الإمكان: - لِثقل لفظ الحقيقة على اللسان، كَـ "الخنفقيق" اسم للداهية، فيُعدل إلى لفظ النائبة أو الحادثة أو نحو ذلك. - أو بشاعتها، كالعدول في اسم الخارج البشع إلى "الغائط"، أو جهل الحقيقة مِن المتكلِّم أو المخاطَب. - أو يُعدَل إلى المجاز؛ لبلاغته في سجع أو تجنيس أو غير ذلك مِن أنواع البلاغة. - أو لكونه أشهر من الحقيقة. - أو حيث لا يكون للمعنى الذي عُبِّر عنه بالمجاز لفظ حقيقي أو يقصد المتخاطبان

стр. 852

إخفاءه، أو نحو ذلك. أما إذا تعذرت الحقيقة؛ للاستحالة وأمكن المجاز، فيُعدَل إليه قطعًا. الرابع: إذا استحالت الحقيقة، لا يتعين كَوْن المجاز معتمَدًا بمجرد ذلك، بل لا بُد من دليل للحمل على أن المتكلم أراده. وخالف أبو حنيفة فقال: يتعين حملُ اللفظ على المجاز بمجرد تَعذُّر الحقيقة؛ تصحيحًا للكلام حيث ما أَمكن. وانبنى على هذا الخلاف ما لو قال لغلامه الذي هو أسن منه: (هذا ابني)، فعنده يتعين حمله على المجاز، أي: مِثل ابني في الحرية؛ فيُعتق. وعندنا يُلغَى لفظه؛ لِتعذُّره، ولا يُعتق، فقد يقصد المتكلم مجازًا آخَر، أي: مثل ابني في الحنو، أو نحو ذلك. ولو قال: (أوصيت له بنصيب ابني) فوجهان: أصحهما عند العراقيين والبغوي: بُطلان الوصية؛ لورودها على حق الغير، وعزاه الرافعي لأبي حنيفة، وهو مُشْكل على أصله. والثاني وبه قال مالك: يصح وكأنه قال: (مثل نصيب ابني)؛ لكثرة استعمال مِثل ذلك، وصححه الإمام والروياني وغيرهما. ويجريان فيما لو قال: (بعتُ عبدي بما باع به فلان فرسه) وهُما يَعْلمان قَدْره ولم يكن ذلك بعينه، انتقل إلى مِلك المشتري، ونحو ذلك. واعْلَم أن الفرق بين هذه المسألة وبين ما سبق مِن أن "الحقيقة إذا تَعذرت، يُعدَل للمجاز" أنَّ ذلك في الاستعمال، وهذه في الحمل. قلتُ: ومِن هنا نشأ كلام العلماء في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات المشكلة،

стр. 853

فإن الحقيقة فيها متعذرة بالأدلة القطعية عقلًا ونقلًا على طريق أهل السُّنة، فهل يُقال حينئذٍ: يجب الحمل على المجاز بمجرد التعذر؟ أوْ لا؛ لاحتمال إرادة ما يليق مما لا نعرفه مُعَيَّنًا؟ طريقتان: طريقة السلف الثانية مع اعتقاد التنزيه، خِلافًا لِمَا ينسبه المبتدعة لهم مِن الإجراء على الظاهر. وطريقة مَن بَعْدهم هي الأَوْلى الآن؛ محافظةً على التنزيه ونَفْي التوهُّم. فالفريقان متفقان على التنزيه. بل أقول: الواجب في هذا الزمان العمل بطريق التأويل (١)، لِمَا سلكه المبتدعة مِن الحلول والاتحاد ومِن الجهة والتجسيم وتسمية مَن لم يعتقد ذلك "مُعَطِّلًا" والدعاء لهذه البدعة العوام؛ لضعف عقولهم عن إدراك حقائق التوحيد ودقائق الشرع. وقد بينتُ في مقدمة كتابي المُسمى بـ "تحقيق القول بالصمات عن مشكلات الصفات" وجوهًا مِن الترجيح: منها: ما نقلناه عن أبي حنيفة مِن وجوب الحمل على المجاز بمجرد تَعذُّر الحقيقة وقوة ما تمسك به؛ لأن خطاب الله ورسوله ﷺ إنما هو باللسان العربي، ووجدنا العرب تستعمل مثل ذلك في هذه المعاني التي يُؤَوَّل بها المُشْكل مجازًا، فنكاد أنْ نَقطع بأنَّ ذلك هو المراد. ومنها: أنَّ سلوك التأويل يدفع تَوهُّم ما هو محُال والضرر العظيم الحاصل مِن عوامِّهم لعوامّ آخَرين. وعدمُ تَعرُّض الأوَّلين لذلك إنما كان لخلو زمانهم عن مثل هذا الفساد، وربما نَهوا عن الاشتغال بعلم الكلام كما يُروى ذلك عن الإمام الشافعي وغيره ﵁ خشيةً من

стр. 854

تخيُّل ضعفاء العقول ما يجب من التنزيه [عنه] (١). أما مَن كمل رأيه وأدواته فواجب عليه ذلك؛ لردِّ المُبْطِلين وإقامة الحجج عليهم، وقد تكلم في ذلك نفس الأئمة الناهين عن ذلك بما يشفي الصدور، ﵃ أجمعين. وقد أوسعَ العلماء في كل فَنٍّ مِن الفقه وغيره في بيان أحكام عسى أن تقع أو تجري في الخيال، فادِّعاء أن الصحابة ما كانوا يتكلمون في العقائد - يُوهم أن ذلك لِمَا قرروه مِن اعتقاد ظواهر المُحَالات، وليس كذلك، إنما هو خشية الوقوع فيما لا يجوز كما وقع في هذا الزمان. وكل هذا ظاهر لا خفاء به، والله أعلم. ص: ٤١١ - وَاللَّفْظُ دَائِمًا عَلَى عُرْفِ الَّذِي ... خَاطَبَ مَحْمُولٌ، فَغَيْرَهُ انْبِذِ ٤١٢ - فَفِي خِطَابِ الشَّرْعِ شَرْعِيٌّ قَوِي ... وَبَعْدَهُ الْعُرْفِيُّ، ثُمَّ اللُّغَوِي الشرح: لما بينتُ أن الحقيقة إما لُغوية أو شرعية أو عُرفية وأن المجاز كذلك، ذكرتُ هنا أن اللفظ إذا سُمع من كلٍّ من الجهات الثلاثة فإنما يجب حمله على ما هو المتعارف في تلك الجهة. فإذا سُمع مِن الشارع، وجبَ حملُه على ما بَيَّنه الشرع مِن مدلول اللفظ. وإذا سُمع من أهل اللغة، حُمل على ما يُعرف في اللغة. وإذا سُمع في عُرفٍ عام أو خاص، حُمل على ذلك العرف. فإذا تَعذَّر الحمل عليه، وجب الحمل على ما يدل عليه الدليل من المجاز في عُرف مَن يُخاطِب به، أي: بحسب العلاقة المعروفة فيه، وعلى ذلك يجري كثير مِن مسائل الفقه. والأهم من هذا ما أشرتُ إليه بقولي: (فَفِي خِطَابِ الشَّرْعِ) إلى آخِره - معطوفًا على ما

стр. 855

سبق بـ "الفاء" المشعِرة بتَسَبُّبه عنه وهو أن خطاب الشرع بلفظٍ يجب حمله على عُرف الشرع؛ لأنه ﷺ مبعوثٌ لبيان الشرعيات؛ ولأنه كالناسخ المتأخر، فيجب حمله عليه. ولهذا ضعَّفوا حمل حديث: "مَن أكل لحم الجزور فليتوضأ" (١) على التنظيف بغسل اليد، ورجَّح النووي التوضؤ منه؛ لضعف الجواب عن الحديث الصحيح بذلك. هذا هو أرجح المذاهب في المسألة. فإنْ تَعذَّر الحمل على الشرعي، حُمل على العُرفي؛ لأنه المتبادر إلى الفَهم؛ ولهذا اعتبر الشرع العادات في مواضع كثيرة كما سيأتي ذلك في قواعد الفقه التي ذكرها القاضي الحسين في الكلام على قاعدة تحكيم العادة ودليلها من السُّنة. فإذا تَعذَّر العُرفي أيضًا، حُمل على اللغوي، كقوله ﵊: "مَن دُعي إلى وليمة فليُجب، فإنْ كان مفطرًا فليأكل، وإنْ كان صائمًا فَلْيُصَلِّ" (٢). حمله ابن حبان في "صحيحه" على معنى "فَلْيَدْعُ" (٣). فإن تعذَّر حَملُه على الحقائق الثلاث، حُمل على المجاز كما سبق بيانه آنفًا. فإنْ قيل: هذا يخالف قول الفقهاء: (ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة، يُرجع فيه إلى العُرف)؛ فإنَّ فيه تأخير العُرف عن اللغة.

стр. 856

فالجواب من وجوه: أحدها: حمل ما قاله الأصوليون على لفظ الشارع، وما قاله الفقهاء على لفظِ غيره. وضُعِّفَ بأن الفقهاء قد استعملوا ذلك في القبض والإحياء والحرز ونحوها مِن ألفاظ الشرع. وثانيها وبه أجاب الباجي: أن كلام الأصوليين في العُرف الكائن في زمنه ﷺ ، وكلام الفقهاء في عُرفِ غيره. وضُعِفَ أيضًا بأنه لا يظهر بينهما فرق في المخاطبات حيث يتبادر الذهن إليه. وثالثها وهو الأَجود: أن مراد الأصوليين مدلول اللفظ، ومراد الفقهاء ضبط المعنى المقصود وتحديده؛ ولهذا يقولون: (ما ليس له حَد في اللغة) ولم يقولوا: (ما ليس له معنى في اللغة). أما بقية المذاهب في الوارد مِن لفظ الشارع: فقال أبو حنيفة: يُحمل على اللغوي إلا أن يدل دليل على إرادة الشرعي. قال: لأن الشرعي مَجاز، والكلام بحقيقته حتى يدل دليل على المجاز. وأجيب بأنه بالنسبة إلى الشرع حقيقة وإلى اللغة مجاز. فذلك دليل عليه، لا لَهُ. وثمرة الخلاف في مسائل، منها: أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة عندنا، ويوجب عنده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وهو لُغةً: الوطء، فغيرُه مجَاز. فيُقال له: هو في العقد حقيقة شرعية، وفي الوطء مجاز؛ فيُحمل على الحقيقة. وإلحاق الشبهة به للمعنى الذي ليس مثله في الزنا.

стр. 857

ومنها: في قوله ﵊: "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح" (١). جَوَّز الحنفية عقد النكاح للمحرم؛ حملًا للحديث على أن النكاح بمعنى الوطء. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. جَوَّزوا للحر نكاح الأَمة بدون خوف العنت لذلك. ومنها حديث: "لا صلاة إلا بطهور" (٢)، وحديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣) وحديث: "لا نكاح إلا بولي" (٤)، كلها تُحمل عندنا على الشرعي. نعم، إذا دل دليل على إرادة غيره، حُمل عليه، كما في حديث: "لا صلاة خلف الصف" (٥) كما بُيِّن ذلك في الفقه. وقال الغزالي والآمدي: يحمل اللفظ في الإثبات وما في معناه - كالأمر- على الشرعي؛ لِمَا سبق، كقوله ﵊: "إني إذَن أصوم" (٦)، أي: الصيام الشرعي، حتى يُستدل به على جواز النية في النَّفْل بالنهار. وأما في النفي وما في معناه -وهو النهي- فاختلفا فيه:

стр. 858

فقال الغزالي: مُجْمَل (١). كالنهي عن الصيام يوم النحر، إذْ لو حُمل على الشرعي، لَلَزِمَ صحة الصوم فيه؛ لأنه لا ينهى إلا عمَّا يمكن. ولو حُمل على اللغوي، لكان حَملًا لكلام المتكلم على غير عُرفه. وقال الآمدي: يُحمل على اللغوي؛ للاستحالة المتقدمة، والأصلُ اللغة (٢). ويُضعِّف مذهبَهما الاتفاقُ على حَمل نحو قوله ﷺ : "دَعِي الصلاة أيام أَقرائك" (٣) على المعنى الشرعي باتفاق مع أنه في معنى النهي. تنبيه: قد يرجح المجاز حتى يصير مُعادِلًا للحقيقة، لاشتهاره، فيصير حقيقة شرعية أو عُرفية، أو تدل قرائن على ضعف الحقيقة اللغوية بحيث لا تُمَاتُ أصلًا، وإنما تتساوى مع المجاز، وفي ذلك حينئذٍ مذاهب: أحدها: تُقدم الحقيقة اللغوية؛ لأنها الأصل. وهو قول أبي حنيفة، وسبق ذلك في معارضتها الشرعية والعُرفية. والغرض هنا مسألة ضَعْفها بالقرائن، وذلك كما لو حلف ليشربنَّ مِن هذا النهر، فإن حقيقته أن يكرع منه، ومجازه الراجح المعادل للحقيقة أن يغترف بإناء منه ويشرب، فالحقيقة ليست مماتة أصلًا؛ لأن كثيرا مِن الرعاة وغيرهم يكرع بِفِيه. وثانيها: يقدم المجاز؛ لِغَلبته. وهو قول أبي يوسف، واختاره القرافي؛ لأنه هو الظاهر، والتكليف إنما هو بالظهور.

стр. 859

وثالثها وهو المختار عند البيضاوي وجمعٍ وعُزيَ للشافعي ﵀: مُجْمَل؛ للتعارض؛ لأن كُلًّا منهما راجح مِن وَجْه. ويجوز أن يُقال: إنما يحكم بأنه مجمل إذا لم يحمل اللفظ على حقيقته ومجازه عند عدم القرينة، أما إذا قُلنا بذلك فيحمل عليهما معًا. وفي "كتاب الأيمان" مِن "الرافعي": (لو حلف لا يأكل مِن هذه الشجرة، حُمل على الأكل مِن ثمرها دُون الورق والغصون، بخلاف ما لو حلف لا يأكل من هذه [الشاة] (١)، فإن اليمين تحمل على لحمها دُون لبنها ولحم ولدها؛ لأن الحقيقة فيه متعارفة) (٢). نعم، في "المطلب" لابن الرفعة في "باب الإيلاء" أنَّ: (محل الخلاف في الإثبات، أما في النفي فيعمل بالمجاز الراجح جزمًا؛ فلهذا كان "لا أجامعك" صريحًا في الإيلاء مع أن حقيقته الاجتماع). انتهى ومما يقرُب مِن هذه المسألة مسألة ذكرها في "المحصول" (٣)، وهي: أن يكون للفظ حقيقة ومجاز ويدل على إرادة الحكم في المعنى المجازي دليل مِن إجماع أو غيره لكن يمكن أن يكون هو المراد مِن هذا الخطاب ويمكن أن يراد معه غيره، هل يتعين المجاز؟ أو يحمل اللفظ عليه وعلى الحقيقة؟ ذهب الكرخي والبصري إلى الثاني. وذهب القاضي عبد الجبار - وتبعه في "المحصول"- إلى الأول. والصحيح الثاني؛ لأن المرجح -كما سبق عن الشافعي وغيره- حمل اللفظ على حقيقته

стр. 860

ومجازه عند عدم الدليل على تَعيُّن أحدهما. مثاله قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فالتيمم لمعنى اللمس المجازي -وهو الجماع- ثابت بالدليل، فهل هو المراد من الآية حتى لا يُستدل بها على الانتقاض باللمس الذي هو المعنى الحقيقي في ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وهو تماس البشرتين؟ أو لا يدل على أنه المراد بل يجوز أن يكون المراد المعنيين المجازي والحقيقي؟ ويرجع حاصل الخلاف فيها إلى أن المجاز هل رجح ها هنا حتى صارت الحقيقة مماتة؛ لكون الدليل قام على إرادته؟ أو لم تمت الحقيقة؛ إذْ لا مانع من إرادتها أيضًا، بل يُعمل باللفظ فيهما معًا؟ ولا يتأتى هنا القول بأنه يَكون مُجْمَلًا؛ لأن المجاز هنا مراد قطعًا؛ للدليل، والحقيقة ليست مماتة؛ لأن كون الدليل قائمًا على أن المجاز مراد -لا يدل على إماتة الحقيقة. نعم، قال الشيخ علاء الدين بن نفيس في كتابه "الإيضاح": إنه وإن لم يمنع إرادة الحقيقة مع المجاز لكنه يُرجح اعتبار المجاز. وذهب الأصفهاني في "شرح المحصول" إلى أن هذه المسألة إنما هي مُفرعة على القول بمنع الحمل على الحقيقة والمجاز معًا، وأن الذي يقول بأن الحقيقة تُراد مع المجاز لا من حيث الحمل عليهما، بل لأن موجب الحقيقة قائم لم يمنعه مانع، وغايته أن المجاز دل دليل على إرادته وتلك المسألة حيث لا قرينة. قلتُ: لكن سبق تقرير أن الدليل الذي قام على المجاز لم يدل على أنه هو المراد فقط، فيقال: إنه لم يقم دليل على أن أحدهما هو المراد، بل على أنه مراد. وفَرْقٌ بينهما؛ ولهذا قال بعضهم: إنَّ هذه المسألة شبيهة بما سبق مِن أن الإجماع على وَفْق دليل لا يدل على أن ذلك الدليل هو مستندهم، بل يجوز أن يكون دليلًا آخَر (على الأصح). أي: الإجماع لَمَّا قام على أن المجاز مراد، هل مستنده أن الحقيقة لا يُعمل بها؛ فيتَعَيَّن

стр. 861

المجاز؟ أو أن اللفظ يحمل على الحقيقة والمجاز معًا؟ والله أعلم. ص: ٤١٣ - أَمَّا الْعِلَاقَةُ الَّتِي تُعْتَبَرُ ... بِنَوْعِهَا فِيهِ فَوَصْفٌ يَظْهَرُ ٤١٤ - أَوْ شَكْلٌ، اوْ مَا كَانَ أَوْ يَؤُولُ ... بِالْقَطْعِ أَوْ بِالظَّنِّ، لَا الْمَجْهُولُ ٤١٥ - أَوْ بِتَجَاوُرٍ، وَكَالزِّيَادَهْ ... وَالنَّقْصِ، وَالضِّدِّ لِمَنْ أَرَادَهْ ٤١٦ - أَوْ سَبَبًا يَكُونُ أَوْ مُسَبَّبًا ... وَالْكُلُّ لِلْبَعْضِ، وَعَكْسٌ نُسِبَا ٤١٧ - وَمُتَعَلَّقٌ لِمَا تَعَلَّقَا ... وَعَكْسُهُ بِصُوَرٍ قَدْ حُقِّقَا ٤١٨ - وَمَا بِفِعْلٍ أَطْلَقَوا بِالْقُوَّهْ ... لِهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مَدْعُوَّهْ الشرح: هذا تفسير لما سبق مِن اعتبار العلاقة في المجاز وبيان اعتبار الواضع معناها وأنواعها. أما اعتبارها في الجملة فباتفاق وإلا لكان الكلام كذبًا أو خارجًا عن كلام الذي المجاز باعتبار وضعه من شرع أو لغة أو عرف (١). وأمَّا اعتبار الواضع معناها: فالمراد اعتبار نوعها مِن كونها مِن إطلاق الكل على البعض أو عكسه أو المجاورة أو نحو ذلك مما سيأتي، فإن ذلك هو معنى الوضع في المجاز كما سبق. وليس المراد اعتبار وضع كل فرد مِن النوع. ويُعبر عن هذه المسألة أيضًا باشتراط السمع في المجاز، أي: السمع في النوع، لا في الفرد المشخص قطعًا، ولا في كون العلاقة لا حاجة إليها أصلًا، إذ لا بُد مِن عُلقة باتفاق، بل

стр. 862

المراد اعتبار النوع. وهو ما اختاره إمام الحرمين في "التلخيص" والإمام الرازي وأتباعه. وقيل: لا حاجة إلى سماع النوع أيضًا، بل يكفي وجودها وإنْ لم يسمع نوعها. ورجحه ابن الحاجب وغيره وإنْ لم يرجح الآمدي مِن القولين شيئًا. نعم، في كلام السمرقندي من الحنفية في كتاب "الميزان" ما يُشعر بخلاف في جزئيات كل نوع، فإنه قال: (قيل: إنه موضوع كالحقيقة إلا أنها بوضع أول. وقيل: الموضوع طريقُه دُون لفظِه. وقيل: لم يضعوا لفظَه ولا طريقَه؛ لأن العلاقة عِلة، فإذا وُجدت العلة، وُجد المعلول، فلو شرطنا سماع العلاقة لَزِمَ أن يكون الحكم منصوصًا كما في عِلل الأحكام، فيرتفع المجاز أصلًا) (١). انتهى ولا يخفَى ما في ذلك مِن نظر؛ لأن النَّص على العلة لا يَلزم منه أن يصير الحكم منصوصًا. وقال ابن الحاجب في "أماليه" (٢): الإنصاف أن المجاز إن كان باعتبار الألفاظ مفردة، احتاج إلى النقل، وإن كان باعتبار المعاني الحاصلة باعتبار تَعدُّد الألفاظ - مثل "طلع [فجرُ عُلاه] (٣) " وشابت لمَّةُ رأسه وأشباهه - لم يحتج لنقل. قلتُ: وكأنه يشير إلى أن المجاز العقلي غير موضوع، بخلاف المجاز في المفرد وإنْ كان في أمثلته مجاز الإفراد ومجاز التركيب، على أنه في "مختصره" يَرُد المجاز العقلي في مثل ذلك إلى مجاز المفرد كما سيأتي، فتضعف هذه التفرقة.

стр. 863

أما بيان أنواع العلاقة: فقال في "المحصول": (الذي يحضرنا منها اثنا عشر قِسمًا) (١). وأنهاها الهندي في "النهاية" إلى أحد وثلاثين، وزاد غيره على ذلك، وقال بعضهم: إنَّ فيها تَداخُلًا. وقد ذكرت في النظم منها طائفة مهمة، فنشرحها ثم نذكر بعض زيادة، ونشير إلى وجه التداخل فيما لم نذكره: الأول: مجاز المشابهة في معنى، كَـ "الأسد" للشجاع بشرط أن يكون صفة ظاهرة، لا خَفية؛ ليخرج إطلاق الأسد على الأبخر؛ لأن البخر خفي. وقال القرافي: أن يكون أشهر صفات المشبَّه به، ومنه نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، أي: في الحرمة، وكذلك لو قال لعبده: (أنت ابني) وكان بحيث يمكن، فإنه يعتق. الثاني: مجاز المشابهة الصورية، كالأسد على ما هو بشكله مِن مُجَسَّد أو منقوش، وربما وجدت العلاقتان نحو: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨]. الثالث: إطلاقه باعتبار ما كان وزال، كتسمية العتيق عبدًا، لكن يُشترط أن لا يكون متلبسًا الآن بضده، فلا يقال للشيخ: (إنه طفل) باعتبار ما كان، ولا للثوب المصبوغ: (أبيض) باعتبار ما كان، ولا لمن أسلم: (كافر) باعتبار ما كان. وكأنهم يريدون بذلك أنْ لا يطرأ وصف وجودي محسوس قائم به، وإلا فما الفرق بين ذلك وبين تسمية العتيق عبدًا باعتبار ما كان؟ وقد قال أصحابنا في حديث المفلس: "فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (٢): إنه جُعل كذلك باعتبار ما كان مع أن صاحب المتاع الآن

стр. 864

هو المفلس إلا أنها ليست صفة وجودية فيه. وبالجملة فلا يخلو ذلك كله مِن نظر. الرابع: إطلاقه باعتبار ما يَؤُول إليه: إما بالفعل: كإطلاق الخمر على العنب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. أو بالقوة: كإطلاق المسكر على الخمر، ومنهم مَن اعتبر أن يؤول بنفسه؛ ليخرج أن العبد لا يُطلق عليه "حُر" باعتبار ما يؤول إليه. وقولي: (بِالْقَطْعِ) إلى آخِره - إشارة إلى اعتبار كَوْن المآل مقطوعًا بوجوده، نحو: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، أو غالبًا كما سبق في تسمية العصير خمرًا، فإنَّ الغالب أنه إذا بقي، ينقلب خمرًا، لا ما إذا كان نادرًا أو محتملًا على السواء. وهو معنى قولي: (لَا الْمَجْهُولُ)؛ فلذلك ضعَّف أصحابنا حمل الحنفية "فنكاحها باطل" (١) على أن المراد: يَؤول إلى البطلان؛ لِكون الولي قد يَرده ويفسخه، فإن ذلك ليس قطعيًّا ولا غالبًا. وشَرَطَ إلْكِيَا القَطع، وكذا محمد بن يحيي في "تعليقه"، والجمهور على أن الغَلَبة كالقَطْع. الخامس: إطلاقه باعتبار المجاورة، كإطلاق لفظ "الراوية" على ظرف الماء، وإنما هي في الأصل للبعير، ومنه: جَرَى الميزاب و ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] إذا لم يُجعَل مِن مجاز الحذف، أي: ماء الميزاب أو ماء الأنهار.

стр. 865

السادس: الزيادة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فالكاف زائدة، أي: ليس مِثله شيء. وقيل: الزائد لفظ "مثل". حكاه إمام الحرمين، وكذا حكاهما الماوردي وغيره وجهين لأصحابنا. وإنما حُكِم بزيادة أحدهما لئلا يَلزم أن يكون للباري تعالى مِثْل؛ لأنَّ نفي مِثل المِثل يقتضي ثبوت مِثل، وهو مُحال، أو يَلزم نفي الذات الشريفة؛ لأنَّ مِثل مِثل الشيء هو ذلك الشيء، وثبوته واجبٌ؛ فتَعَيَّن أن المراد نَفْي المِثل، وذلك إما بزيادة "الكاف" أو "مِثل". نعم، ادَّعى كثيرٌ عدمَ الزيادة والتخلصَ مِن المحذور بغير ذلك، لاسيما على القول بأنه لا يُطلق أنَّ في القرآن ولا في السُّنة زائدٌ كما سبق بيانه، وذلك من وجوه: أحدها: أن سلب المعنى عن المعدوم جائز، كسلب الكتابة عن ابن فلان الذي هو معدوم، فلا يلزم مِن نفي المِثل عن المِثل ثبوت المِثل. ثانيها: أن المراد هنا بلفظ "المثل" الصفة كالمَثَل -بفتحتين- كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، فالتقدير: ليس كصفته تعالى شيء. ثالثها: أن المراد بـ "مثل" ذاتٌ، نحو قولك: مثْلك لا يبخل. أي أنت لا تبخل. قال الشاعر: ولم أقُل مثلك أَعْني به ... غيرَك يا فردًا بلا مُشبه بل هذا النوع مِن الكناية أَبلغ من الصريح؛ لتضمنه إثبات الشيء بدليله. رابعها: أنه لو فُرض لشيءٍ مِثلٌ ولذلك المثل مِثل، كان كلاهما مِثلًا للأصل، فيَلزم مِن نفي مِثل المثل نفيُهما معًا، ويبقى المسلُوب عنه ذلك بالضرورة؛ لأنه الموضوع وكلٌّ منهما مُقَدَّرٌ مِثْليته وقد نُفِيَا عنه.

стр. 866

خامسها: قاله يحيى بن إبراهيم السَّلمَاسي في كتاب "العَدْل في منازل الأئمة الأربعة": (إنَّ الكاف لتشبيه الصفات، و"مِثل" لتشبيه الذوات، فنَفَى الشبهين كليهما عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس له مِثل ولا كهو شيء) (١). انتهى ولا يخفى بُعْدُه ومنافرته لكلام العرب. تنبيه: قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": (قد اختُلف في كون هذا مجازًا، فقال الجمهور: إن الكلام يصير بالزيادة مجازًا. وقيل: إن نفس الزيادة هي المجاز دُون سائر الكلمات؛ لأن "الكاف" مثلًا هي المستعملة في غير موضوعها، وأما "المِثل" فمستعمل في موضوعه). قال: والصحيح الأول؛ لأن الحرف الواحد لا يفيد بنفسه، وما لا يفيد بنفسه لا يوصَف بأنه حقيقة ولا مجاز، وإنما يوصف بذلك الكلام المفيد. [ففي] (٢) هذا تفريع على أن المجاز لا يكون في الحرف، وستأتي المسألة. السابع: علاقة النقصان، بأنْ ينقص لفظ من المركب ويكون كالموجود؛ للافتقار إليه، سواء أكان مفردًا أو مركبًا، جملة أو غيرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي: يحاربون عباد الله أو أهل دين الله أو نحو ذلك، ومثل: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦]، أي: من أثر حافر فرس الرسول، وبه قُرِئ شاذًّا، ومثل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فأفطر. وهو كثير جدًّا، والقرآن مملوء منه، وقد أورد منه ابن عبد السلام في كتاب "المجاز" على

стр. 867

ترتيب نظم القرآن من أوله إلى آخِره، بل هو غالب كتابه. لكن حكى الإمام خلافًا في أن ذلك هل يسمى مجازًا؟ أو لا؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل؟ كما جرى مثله في الزيادة حتى زعم بعضهم أنهما مِن مجاز التركيب، واختاره الأصفهاني وغيره، ولا يخفَى ضعفه. نعم، دخوله في المجاز الإفرادي قيل: باعتبار تغيُّر الإعراب الذي شرَطه بعضهم في المجاز حتى يخرج مِن ذلك ما سبق في نحو: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. قال: فلا يُسمى ذلك مجازًا؛ لعدم تغيُّر الإعراب؛ لأنه لم يستعمل في غير ما وُضع له. قال: وميل القاضي للأول، وهو الظاهر. والخلاف في ذلك سهل. ولهذا قال إلْكِيَا: إن الخلاف لفظي، على أن طريقة البيانيين تقتضي الثاني. ومن أمثلته المشهورة قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية، لكن هذا إذا لم نجعل القرية اسمًا للناس المجتمعين بها، مِن "قرأتُ الشيء": جمعتُه، ومنه نحو: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١]. أو القرية مشتركة بين الأبنية والمجتمعين بها، وأُريدَ الثاني. أو أن يجعل المجاز فيه مِن إطلاق المحل على الحالّ. أو المراد سؤال الأبنية؛ لِتُجِيب، ويكون ذلك معجزة. والأرجح مِن هذه الأقوال أنه من مجاز الحذف، ونَص عليه الشافعي في "الرسالة" وجعله من الدال لفظه على باطنه دون ظاهره، فقال بعد ذِكر الآية: (لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير؛ لأن القرية والعير لا يُنبئان

стр. 868

عن صدقهم) (١). انتهى تنبيه: قال المطرزي: (إنما يكون كل من الزيادة والنقصان مجازًا إذا تغير بسببه حُكم، فإنْ لم يتغير فلا. فلو قلت: "زيد منطلق وعمرو" وحذفت الخبر، لم يوصف بالمجاز؛ لأنه لم يؤَد إلى تغيير حُكم من أحكام ما بقي من الكلام). انتهى الثامن: علاقة المضادة، بأن يطلق اسم الضد على الضد، كإطلاق البصير على الأعمى. ووَهِمَ مَن يمثلها بإطلاق "الجون" للأسود أو للأبيض؛ لأن اللفظ مشترك، فإطلاقه على كُلٍّ حقيقةٌ، وأكثر ما تقع هذه العلاقة عند التقابل، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله ﷺ : "فإن الله لا يمل حتى تملوا" (٢)، على أن بعضهم رَد هذا النوع إلى مجاز المشابهة ولو بوجهٍ ما. ووجَّه بعضهم هذه العلاقة باللزوم الذهني. ورُدَّ بأنه كان يلزم أن يسمَّى الابن أبًا، وإنما هو من قبيل الاستعارة بتنزيل القابل منزلة المناسب بواسطة تمليح أو تهكم، كإطلاق الشجاع على الجبان. التاسع: إطلاق السبب على المسبَّب، وربما قيل: العِلة على المعلول. وتحته أربعة أقسام؛ لأن العلة: إما فاعلية، نحو: نزل السحاب، أي: المطر، لكن فاعليته باعتبار العادة، كما تقول:

стр. 869

أحرقت النار، وكما في قوله ﷺ : "بلوا أرحامكم ولو بالسلام" (١). أي: صلوها. أو مادية: كتسمية العصير عنبًا، وقد يُرَدّ هذا إلى المجاز باعتبار ما كان. أو صورية: كإطلاق اليد على القدرة في نحو قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وقد يُرَدّ هذا لمجاز المشابهة في أمر لائق بالمقام. أو غائية: كتسمية العصير خمرًا والحديد خاتمًا. وبعضهم يَرُد هذا إلى مجاز ما يَؤول، لكن سبق أن شرطه أن يكون بقَطْعٍ أو غَلَبة، لا باحتمال. نعم، هو يشبه ما سيأتي مِن إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة - على أن فيه نظرًا من حيث إنَّ العِلة الغائية إنما هي في الذهن وهي معلولة في الخارج، فإنْ رُوعِي: - الخارج، فهو مِن إطلاق المعلول على العلة، كتسمية الخشب سريرًا. - أو الذهن، فهو من إطلاق العلة على المعلول؛ لأن العلة حينئذٍ إرادة خمريته بالعصير أو إرادة كونه سريرًا قبل عمله، لكن العلة في الحقيقة هي إرادة ذلك. العاشر: عكسه، وهو إطلاق المسبَّب على السبب، كتسمية المرض المهلك "موتًا" وهو من السبب العادي، ومنه قوله: شربتُ الإثم حتى ضَلَّ عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول قال الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية، أي: أعطاهم؛ لأنَّ مَن يُعطي يَمُن، لكن الامتنان ليس بمحمود إلا مِن الله؛

стр. 870

لأن عطاءه مِن فضله، فله المنة، وأما مَنُّ غيره تعالى فمذموم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وإنما أخرتُ هذا النوع عن الذي قبله لأولويَّة ذلك؛ لأن السبب المعيَّن يستدعي مُسبَّبًا معيَّنًا، كزنا المحصن في الرجم، والمسبَّب المعيَّن لا يستدعي سببًا مُعيَّنًا، كإباحة الدم، إما لِرِدَّة أو زِنَا مُحصَن أو ترك صلاة أو موجب قصاص أو دفع صِيال أو بَغْي. وما يقتضي المعيَّن أقوى مما يقتضي المطلَق؛ لأنه يقتضي المطلق وزيادة. ويأتي فيه الأقسام الأربعة السابقة: إطلاق المسبَّب على السبب الفاعلي والمادي والصوري والغائي، ولا يخفى أمثلتها مما سبق في عكوسها. الحادي عشر: باعتبار الكُلية، وهو إطلاق الكل على الجزء، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: أناملهم؛ لأن العادة أن الإنسان لا يضع جميع الإصبع في الأذن. ومثله قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، فإن الناظر من الوجهِ العينُ فقط. ومَثَّله البيضاوي بإطلاق القرآن على بعضه. وفيه نظر؛ فإنَّ ذلك مِن الكُلي على الجزئي، ومثل ذلك إنما هو حقيقة كما قرر ذلك فخر الإسلام وهو ظاهر؛ لأن المجاز هو المستعمل في غير ما وُضع له أولًا، والجزئي ليس غير الكلي كما أنه ليس عَيْنه؛ ولأجل ذلك لم أذكر في النَّظم إطلاق الكُلي وإرادة الجزئي. الثاني عشر: باعتبار الجزئية، عكس ما قبله، بأنْ يُطلق الجزء ويُراد الكل، نحو: "فعتق رقبة"، والعتق إنما هو للكل، لا للرقبة فقط.

стр. 871

و"على اليد ما أخذته حتى تؤديه" (١)، المراد صاحب اليد بكماله. ونحو ذلك: "فلان يملك كذا رأسًا من الغنم"، وقولهم للجاسوس: "عَيْن"، وإطلاق "الكلمة" على الكلام، نحو: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقيل: العلاقة في هذا أن له وحْدَةً جعلته كالمفرد، فأطلق عليه اسم المفرد. ومثَّله البيضاوي بإطلاق "الأسود" على الزنجي، فإن بياض عينيه وسنِّه مانع مِن كونه حقيقة. وتعقب ذلك بعضهم بأنه من القسم الذي قبله، وهو إطلاق الكل للبعض. وفساده ظاهر؛ لأنه مشتمل على بعضٍ أسود وبعضٍ أبيض، فإطلاق اسم أحد البعضين على الكل مجاز باعتبار ذلك قطعًا. وقد فرَّع بعض أصحابنا على ذلك إضافة الطلاق إلى جزئها مِن يد ونحوها، لكن الأصح أن ذلك من باب السراية، لا من إطلاق البعض على الكل. ويجري ذلك في العتق وفي البيع ونحوه لو قال: (بعتُ نصفك هذه الدار)، هل هو كناية؟ أوْ لا؟ ومحل بسط ذلك كتب الفقه.

стр. 872

تنبيه: إذا تعارض هذا والذي قبله، كان ذلك أوْلى؛ لأن الكل يستلزم الجزء، ولا عكس. نعم، تعقب ذلك الهندي بأن الجزء الخاص يستلزم الكل، كالناطق يستلزم الإنسان. وفيه نظر؛ فإن استلزامه ليس مِن حيث كونه مطلق جزءٍ، بل بكونه جزءًا خاصًّا، وهو كونه جُزئيًّا للجزء الأعم الذي هو الحيوان. أشار إلى ذلك الهندي. الثالث عشر: علاقة التعلق، وهو إما إطلاق المتعلَّق (بالفتح) على ما تعلق به، وإما بالعكس، وذلك يستدعي صُوَرًا كثيرة لا تكاد تنحصر؛ وذلك لأن المصدر اسم للمعنى الصادر مِن الفاعل أو ما هو كالصادر كالحادث القائم به، ثم يُصاغ منه الأفعال الثلاثة ووَصْفَا الفاعل والمفعول، ومِن وَصْف الفاعل صيغة المبالغة بشرطها، وهى الخمسة المشهورة: فَعَّال، ومِفْعَال، وفعول، وفعيل، وفَعِل، وغيرها، وأسماء الآلات والزمان والمكان، وغير ذلك مما هو مشهور في التصريف واللغة. فإذا أُطلق المصدر على شيء من ذلك أو أُطلق شيء منها وأُريدَ به المصدر، كان مجازًا، والعلاقة فيه التعلق، إما إطلاق المتعلِّق على المتعلَّق أو بالعكس أو إطلاق بعض المتعلقات على بعض، ولا بأس بذكر بعض صُوَر منه: فمنه نحو قول تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: مخلوقه، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: مِن معلومه، ولو كان المراد حقيقة العِلم لَمَا دخلت عليه "مِن" التبعيضيَّة؛ لأن القديم لا يتبعض. ونحو: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] أي: مصيدُه. ومنه: إطلاق الفقه على المفقوه والنحو على المنحو، وهو باب واسع. ومثله إطلاق المصدر على الفاعل، كَـ "عَدْل" و"صوم" بمعنى "عادل" و"صائم"، ما لم

стр. 873

يُقَدَّر "ذو عدل" أو "ذو صوم"، فيكون من مجاز الحذف. وعكسه، نحو: قُم قائمًا، أي: قيامًا. وأَنصِتْ ساكتًا، أي: سكوتًا، ما لم يجعل ذلك حالًا مؤكدة. ويتفرع على الأول من الفقه: ما لو قال لها: (أنت طلاق)، أو للعبد: (أنت عِتقٌ) أو: (حريَّة)، فإنه كناية فيهما، إنْ نَوَى أنه بمعنى "طالق" و"مُعْتَق" أو "محرر"، وقع. ومنه قولك: (ضربًا زيدًا) بمعنى: اضرب زيدًا؛ لأنه أُقيم مقام الفعل، فهو مجاز. ومن عكسه نحو: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: إراءتكم، و"تسمع بالمُعَيدي" (١) أي: سماعك. ومن مجاز التعلق نحو: نهارُه صائم وليلُه قائم، على الخلاف بين السكاكي وغيره في كونه مجازًا أو كناية كما هو مبين في علم البيان. ومنه قوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي: في الجنة؛ لأنها محل الرحمة. ومنه: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساترًا، ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آتِيًا على طريقة. وفي تقرير هذه المواضع أبحاث لا يليق ذكرها بهذا المختصر، إنما الغرض تقرير أصل هذه العلاقة بأمثلة توضحها. ومن أمثلتها أيضًا نحو: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] أطلق

стр. 874

اسم الآلة -وهو اللسان- على المعمول بها وهو الذِّكْر. وإلى كثرة الصُّوَر والأنواع أشرتُ في النَّظم بقولي: (بِصُوَرٍ قَدْ حُقِّقَا)، أي: كثيرة، نَكَّرْتُها؛ للكثرة. الرابع عشر: إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة، وربما عُبر عنه بمجاز الاستعداد، كإطلاق "الخمر" على العصير في الدن قبل أن يتخمر، وإطلاق "كاتب" على العارف بالكتابة حالة تركها. واعلم أن منهم مَن يُوَحِّد بين هذه العلاقة وبين علاقة ما يَؤول السابق ذِكرها، وهو ظاهر تمثيل "المحصول" وابن الحاجب. والحقُّ تغايرهما كما غايرتُ بينهما في النَّظم؛ لأن المستعد للشيء قد لا يَؤول إليه، بأن يكون مستعدًّا له ولغيره، كما أن العصير قد لا يؤول إلى الخمرية وإن كان مستعدًّا لها. نعم، سبق أنه يشابه مجاز العلة الغائية، وسبق تقريره وبيان النظر فيه. قلتُ: لكنه على كل حال يعكر على مَن شرط في مجاز الأيلُولة القَطْع أو الغَلَبة، لا مطلق الاحتمال. غايته أنه عند مطلق الاحتمال لا يُسمى مجازًا بما يؤول إليه، ويُسمى مجاز القابلية، فإنْ أُريدَ ذلك فالتسمية اصطلاح لا أثر له مع وجود أصل التجوز. فصل في علاقات أخرى قد يُدَّعى زيادتها على ما سبق، وقد يُدَّعى دخولها فيها: نذكرها لتمام الفائدة: منها: إطلاق اللازم على الملزوم، كالمس على الجماع، وهذا على الغالب، وإلا فقد يكون الجماع بحائل. ومنه قوله: قَومٌ إذا حاربوا شَدُّوا مآزِرهُم ... دُونَ النساء ولو باتَتْ بأطْهار

стр. 875

فالمراد بالشد الاعتزال عن النساء؛ لأنه مِن لوازم الاعتزال، وهذه العلاقة قد يُدَّعى دخولها في إطلاق السبب على المسبَّب. ومنها عكس ذلك: وهو إطلاق الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] أي: يدل على ذلك، والدلالة مِن لازم الكلام. ومنه قولهم: (كلُّ صامتٍ ناطقٌ بموجِدِه)، أي: دال على وجود مُحْدِثه. وقد يُدَّعَى دخول هذه أيضًا في إطلاق المسبَّب على السبب. ومنها: تسمية الحالّ باسم المحل، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] إن لم يُجعل من الحذف، أي: أهل ناديه، أو يُقَلْ: إن النادي اسم لهم. وكَـ "الغائط" للخارج، وإنما أصله المكان المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه لقضاء الحاجة. ومنه قولهم: (لا فَضَّ الله فاك) أي: أسنان فِيك، إنْ لم يجعل من الحذف، وقد يُدَّعَى أيضًا أنه من مجاز المجاورة. ومنها: عكسه، نحو قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: ثيابكم التي هي محل الزينة. وقد يُدَّعَى أنه من المجاورة كما في عكسه أو من إطلاق المسبَّب على السبب. ومنها: إطلاق المنكَّر وإرادة المعرَّف، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] إن كان المراد بها مُعيَّنة. وقد يقال: إن المعرَّف جُزئيٌّ للمنكَّر، وسبق أن إطلاق الكلي على الجزئي حقيقة، لا مجاز. ومنها عكسه، نحو: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] إنْ قُلنا: المأمور به دخول أَيِّ باب كان. وقد يقال: إذا كانت اللام فيه للجنس، كان المراد ذلك، وكون اللام للجنس

стр. 876

حقيقة. ومنها: إطلاق المعرَّف باللام على الجنس، نحو: الرجل خير من المرأة. وجوابه كالذي قبله، إلا أن الجنس قد يقصد به واحد منه كالذي سبق. وقد يقصد به الحقيقة من غير نظر للأفراد كهذا. ومنها: إطلاق اسم المقيد على المطلق، كقول القاضي شريح: أصبحتُ ونصفُ الناس عَلَيَّ غضبان. المراد مطلق البعض، لا خصوص النصف. ونحوه قول الشاعر: إذا مت، كان الناس نصفان: شامت ... وآخَر مُثن بالذي كنت أفعل بدليل الرواية الأخرى: كان الناس صنفان. وحمل عليه بعضهم: "الطهور شطر الإيمان" (١) المراد: بعضٌ منه. وقيل فيه غير ذلك، وقد يقال: إنما قصد في ذلك حقيقة النصفية باعتبارٍ ما، لا باعتبار الأفراد. ومنها عكسه، نحو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ عند مَن يرى بأن المراد بها مؤمنة. وقد يقال: إن التقدير "رقبة مؤمنة" فحُذفت الصفة، فهو مِن مجاز الحذف. ومنها: تسمية البدل بِاسْم المبدل، كتسمية الدِّيَة دمًا، نحو قوله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" (٢). وقد يقال: إنه من مجاز الحذف، أي: بدل دمه. ومنها تسمية الأداء قضاء في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]. وجواب ذلك أن المراد بالقضاء المعنى اللغوي، ولا فرق بين أن يكون في الوقت أو

стр. 877

خارجه، فهو حقيقة، والتفرقة اصطلاحية شرعية حادثة. وذكر أبو إسحاق النهَاوَندي مِن النحاة في "شرح الجمل" أنواعًا لم يتعرض لها الأصوليون. قيل: لأنَّ المجاز فيها في التركيب، لا في الإفراد. وعندي أنه ولو سُلِّم التجوز فيها في الإفراد فدخولها فيما سبق ممكن، من ذلك: القلب، نحو: (خرق الثوبُ المسمارَ)، وعليه: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] على القول بأن المراد: تنوء العُصْبةُ. وجواب ذلك أن المختلف الإعراب لا المدلول، فأين المجاز؟ وإلا فنحو: (جحر ضب خرب) بالجر مع كونه صفة من ذلك، ولا قائل به. ومنه التشبيه، كقوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]. كذا قاله أبو حيان في "الارتشاف" تبعًا لبعض المغاربة. والحقُّ أن التشبيه حقيقة، لا مجاز. ومنه قلب التشبيه: نحو: (كأن لون أرضه سماؤه). ولا يخفَى أنه من المبالغة في التشبيه التي جعلت حقيقة ذلك ادَّعاء. ومنه: الكناية والتعريض على رأي، لكن الراجح أنهما حقيقة كما سيأتي بيانه. ومنه: المدح في صورة الذم، وعكسه، نحو: "ما أشعره قاتله الله"، ونحو: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. ويمكن دخولهما تحت مجاز المضادة؛ تمليحًا أو تَهكُّمًا. ومنه: المستثنى المنقطع من غير الجنس. وقد يقال: إنه بتأويله بدخوله تحت الجنس يكون من مجاز المشابهة أو نحو ذلك.

стр. 878

ومنه: ورود الأمر بصيغة الخبر، وعكسه، نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]. وقد يقال: إن ذلك من المضادة أو المبالغة بتنزيله منزلة الذي استعمل فيه حقيقةً بحسب اعتقاده. ومنه: ورود الواجب أو المُحَال في صورة الممكن، كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقد يقال: إنه لا يخرج عن إطلاق الملزوم على اللازم؛ لِتَعَذُّر الحقيقة. ومنه: التقدم والتأخر، نحو: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]، والغثاء: ما احتمله السيل مِن الحشيش، والأحوى: الشديد الخضرة، وذلك سابق في الوجود. ويمكن أن يُدَّعَى أنه مِن التجوز بما كان عليه. ومنه: إضافة الشيء إلى ما ليس له، نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وقد يُدَّعَى أن الإضافة بأدنى ملابسة، فلم تخرج عن كونها حقيقة. ومنه: إيراد المعلوم مساق المجهول. وربما عُبر عن ذلك بتجاهل العارف إذا كان في غير كلام الله، ومَثَّلوه بنحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد يقال: إن هذا من باب التشكيك على المخاطب، فلم يخرج عن كونه حقيقةً. وقولي: (لِهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مَدْعُوَّهْ) أي: وإن كانت في النظم غير ممثَّلة، أي: فينبغي أن يُبْحث عن أمثلتها ويُسْتَدْعَى حضورها. والله أعلم.

стр. 879

ص: ٤١٩ - وَقَدْ يُرَى الْمَجَازُ في الْإسْنَادِ ... كَـ "أَهْلَكَ الدَّهْرُ" بِلَا اعْتِقَادِ الشرح: لَمَّا بينتُ أن المجاز في المفرد وذكرتُ أنواعه، شرعتُ في مسائل جرى الخلاف فيها في بعض المفردات وفي غير المفرد بالكُلية، وجريتُ فيها على الراجح: الأولى: هل يجري المجاز في الإسناد؟ أو لا؟ الراجح: نعم، فيجري فيه وإن لم يكن في لفظَي المسند والمسند إليه تجوزٌ، وذلك بأنْ يُسنَد الشيء إلى غير مَن هو له بِضرب من التأويل بلا واسطة وضعٍ. فخرج بِقَيْد ضرب التأويل الكذبُ، وبقيد نَفْيِ الوضعِ مجازُ المفرد. ومثال مجاز الإسناد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. فكل مِن طَرَفَي الإسناد حقيقة، وإنما المجاز في إسناد الزيادة إلى الآيات والإضلال إلى الأصنام، وكذا نحو: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] والفاعل لذلك في الكل هو الله تعالى. ويُسمى ذلك المجاز العقلي والحكمي ومجاز التركيب؛ لأن النسبة في المركب أمر عقلي، بخلاف المجاز في المفرد، فإنه وضعي مِن اللغة. وهذا مذهب عبد القاهر الجرجاني. وأنكر السكاكي (١) المجاز العقلي، ورَدَّه إلى أنه استعارة بالكناية، فنحو قولهم: (أنبت

стр. 880

الربيع البقل) استعارة عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على قاعدة الاستعارة، ونسبةُ الإنبات إليه قرينةُ الاستعارة، وهكذا يُصنع في بقية الأمثلة. وتُعُقِّب عليه بما هو موضح في فن المعاني والبيان، فيؤول إلى أن ذلك إما حقيقة أو من مجاز المفرد. وجرى على ذلك ابن الحاجب في "أماليه" وفي "مختصره الكبير" في أصول الفقه، واستبعده في "الصغير" وحاول رده إلى الحقيقة. وعَلَى المنع: فقيل: المجاز في المُسْنَد، فنحو: (أنبت الربيع البقل) "أنبت" فيه بمعنى "تَسَبَّب"، والمراد التسبب العادي. وهذا رأي ابن الحاجب. وقيل: في المُسْنَد إليه، فهو في "الربيع" في المثال، فأطلق على الفاعل الحقيقي مجازًا ثم وقع الإسناد. وهو رأي السكاكي إذ جعله مِن الاستعارة بالكناية. واختار الإمام الرازي في "نهاية الإيجاز" مذهبًا رابعًا: أن هذا ونحوه من باب التمثيل، فلا مجاز فيه، لا في المفرد ولا في الإسناد، بل هو كلام أُورِد لِيُتَصَوَّر معناه، فينتقل الذهن منه إلى إنبات الله تعالى في المثال المذكور، ويُقاس عليه غيره. وقال القاضي عضد الدين: (والحقّ أنها تصرفات عقلية، ولا حجر فيها، فالكل ممكن، والنظر إلى قصد المتكلم) (١). وقولي: (كَـ "أَهْلَكَ الدَّهْرُ" بِلَا اعْتِقَادِ) أي: إنَّ هذا إذا صدر من المسلم السُّني، كان مجازًا؛ لأنه لا اعتقاد له في كون الدهر أو غيره من المخلوقات موجِدًا لشيء، بخلاف ما لو
следующие страницы →