← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

حقيقة. ومنها: إطلاق المعرَّف باللام على الجنس، نحو: الرجل خير من المرأة. وجوابه كالذي قبله، إلا أن الجنس قد يقصد به واحد منه كالذي سبق. وقد يقصد به الحقيقة من غير نظر للأفراد كهذا. ومنها: إطلاق اسم المقيد على المطلق، كقول القاضي شريح: أصبحتُ ونصفُ الناس عَلَيَّ غضبان. المراد مطلق البعض، لا خصوص النصف. ونحوه قول الشاعر: إذا مت، كان الناس نصفان: شامت ... وآخَر مُثن بالذي كنت أفعل بدليل الرواية الأخرى: كان الناس صنفان. وحمل عليه بعضهم: "الطهور شطر الإيمان" (١) المراد: بعضٌ منه. وقيل فيه غير ذلك، وقد يقال: إنما قصد في ذلك حقيقة النصفية باعتبارٍ ما، لا باعتبار الأفراد. ومنها عكسه، نحو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ عند مَن يرى بأن المراد بها مؤمنة. وقد يقال: إن التقدير "رقبة مؤمنة" فحُذفت الصفة، فهو مِن مجاز الحذف. ومنها: تسمية البدل بِاسْم المبدل، كتسمية الدِّيَة دمًا، نحو قوله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" (٢). وقد يقال: إنه من مجاز الحذف، أي: بدل دمه. ومنها تسمية الأداء قضاء في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]. وجواب ذلك أن المراد بالقضاء المعنى اللغوي، ولا فرق بين أن يكون في الوقت أو

стр. 877

خارجه، فهو حقيقة، والتفرقة اصطلاحية شرعية حادثة. وذكر أبو إسحاق النهَاوَندي مِن النحاة في "شرح الجمل" أنواعًا لم يتعرض لها الأصوليون. قيل: لأنَّ المجاز فيها في التركيب، لا في الإفراد. وعندي أنه ولو سُلِّم التجوز فيها في الإفراد فدخولها فيما سبق ممكن، من ذلك: القلب، نحو: (خرق الثوبُ المسمارَ)، وعليه: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] على القول بأن المراد: تنوء العُصْبةُ. وجواب ذلك أن المختلف الإعراب لا المدلول، فأين المجاز؟ وإلا فنحو: (جحر ضب خرب) بالجر مع كونه صفة من ذلك، ولا قائل به. ومنه التشبيه، كقوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]. كذا قاله أبو حيان في "الارتشاف" تبعًا لبعض المغاربة. والحقُّ أن التشبيه حقيقة، لا مجاز. ومنه قلب التشبيه: نحو: (كأن لون أرضه سماؤه). ولا يخفَى أنه من المبالغة في التشبيه التي جعلت حقيقة ذلك ادَّعاء. ومنه: الكناية والتعريض على رأي، لكن الراجح أنهما حقيقة كما سيأتي بيانه. ومنه: المدح في صورة الذم، وعكسه، نحو: "ما أشعره قاتله الله"، ونحو: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. ويمكن دخولهما تحت مجاز المضادة؛ تمليحًا أو تَهكُّمًا. ومنه: المستثنى المنقطع من غير الجنس. وقد يقال: إنه بتأويله بدخوله تحت الجنس يكون من مجاز المشابهة أو نحو ذلك.

стр. 878

ومنه: ورود الأمر بصيغة الخبر، وعكسه، نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]. وقد يقال: إن ذلك من المضادة أو المبالغة بتنزيله منزلة الذي استعمل فيه حقيقةً بحسب اعتقاده. ومنه: ورود الواجب أو المُحَال في صورة الممكن، كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقد يقال: إنه لا يخرج عن إطلاق الملزوم على اللازم؛ لِتَعَذُّر الحقيقة. ومنه: التقدم والتأخر، نحو: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]، والغثاء: ما احتمله السيل مِن الحشيش، والأحوى: الشديد الخضرة، وذلك سابق في الوجود. ويمكن أن يُدَّعَى أنه مِن التجوز بما كان عليه. ومنه: إضافة الشيء إلى ما ليس له، نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وقد يُدَّعَى أن الإضافة بأدنى ملابسة، فلم تخرج عن كونها حقيقة. ومنه: إيراد المعلوم مساق المجهول. وربما عُبر عن ذلك بتجاهل العارف إذا كان في غير كلام الله، ومَثَّلوه بنحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد يقال: إن هذا من باب التشكيك على المخاطب، فلم يخرج عن كونه حقيقةً. وقولي: (لِهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مَدْعُوَّهْ) أي: وإن كانت في النظم غير ممثَّلة، أي: فينبغي أن يُبْحث عن أمثلتها ويُسْتَدْعَى حضورها. والله أعلم.

стр. 879

ص: ٤١٩ - وَقَدْ يُرَى الْمَجَازُ في الْإسْنَادِ ... كَـ "أَهْلَكَ الدَّهْرُ" بِلَا اعْتِقَادِ الشرح: لَمَّا بينتُ أن المجاز في المفرد وذكرتُ أنواعه، شرعتُ في مسائل جرى الخلاف فيها في بعض المفردات وفي غير المفرد بالكُلية، وجريتُ فيها على الراجح: الأولى: هل يجري المجاز في الإسناد؟ أو لا؟ الراجح: نعم، فيجري فيه وإن لم يكن في لفظَي المسند والمسند إليه تجوزٌ، وذلك بأنْ يُسنَد الشيء إلى غير مَن هو له بِضرب من التأويل بلا واسطة وضعٍ. فخرج بِقَيْد ضرب التأويل الكذبُ، وبقيد نَفْيِ الوضعِ مجازُ المفرد. ومثال مجاز الإسناد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. فكل مِن طَرَفَي الإسناد حقيقة، وإنما المجاز في إسناد الزيادة إلى الآيات والإضلال إلى الأصنام، وكذا نحو: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] والفاعل لذلك في الكل هو الله تعالى. ويُسمى ذلك المجاز العقلي والحكمي ومجاز التركيب؛ لأن النسبة في المركب أمر عقلي، بخلاف المجاز في المفرد، فإنه وضعي مِن اللغة. وهذا مذهب عبد القاهر الجرجاني. وأنكر السكاكي (١) المجاز العقلي، ورَدَّه إلى أنه استعارة بالكناية، فنحو قولهم: (أنبت

стр. 880

الربيع البقل) استعارة عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على قاعدة الاستعارة، ونسبةُ الإنبات إليه قرينةُ الاستعارة، وهكذا يُصنع في بقية الأمثلة. وتُعُقِّب عليه بما هو موضح في فن المعاني والبيان، فيؤول إلى أن ذلك إما حقيقة أو من مجاز المفرد. وجرى على ذلك ابن الحاجب في "أماليه" وفي "مختصره الكبير" في أصول الفقه، واستبعده في "الصغير" وحاول رده إلى الحقيقة. وعَلَى المنع: فقيل: المجاز في المُسْنَد، فنحو: (أنبت الربيع البقل) "أنبت" فيه بمعنى "تَسَبَّب"، والمراد التسبب العادي. وهذا رأي ابن الحاجب. وقيل: في المُسْنَد إليه، فهو في "الربيع" في المثال، فأطلق على الفاعل الحقيقي مجازًا ثم وقع الإسناد. وهو رأي السكاكي إذ جعله مِن الاستعارة بالكناية. واختار الإمام الرازي في "نهاية الإيجاز" مذهبًا رابعًا: أن هذا ونحوه من باب التمثيل، فلا مجاز فيه، لا في المفرد ولا في الإسناد، بل هو كلام أُورِد لِيُتَصَوَّر معناه، فينتقل الذهن منه إلى إنبات الله تعالى في المثال المذكور، ويُقاس عليه غيره. وقال القاضي عضد الدين: (والحقّ أنها تصرفات عقلية، ولا حجر فيها، فالكل ممكن، والنظر إلى قصد المتكلم) (١). وقولي: (كَـ "أَهْلَكَ الدَّهْرُ" بِلَا اعْتِقَادِ) أي: إنَّ هذا إذا صدر من المسلم السُّني، كان مجازًا؛ لأنه لا اعتقاد له في كون الدهر أو غيره من المخلوقات موجِدًا لشيء، بخلاف ما لو

стр. 881

صدر من غير المسلم؛ لاعتقاده أن الدهر فَعَّال، فإنه يكون حقيقة، كقولهم فيما حكى الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. ونحو ذلك لو قال المعتزلي: (خلق الله فِعل المعصية)، فإنه إنما يريد: خَلَق للعبد قُدرة الخلْق للفعل، وأن إسناده ذلك لله تعالى مجاز. وربما احتمل كون المتكلم بذلك معتقدًا أوْ لا، فيُعتمد على قرينة إنْ وُجدت، نحو قول أبي النجم: قد أَصبحتْ أُمُّ الخيار تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذئبًا كُلّه لم أَصْنَعِ مِنْ أنْ رأَتْ رأسي كرأسِ الأَصْلَعِ ... مَيَّزَ عنه قُنْزعًا عن قُنْزعِ جَذْبُ الليالي، أَبطئِي أو أسرعي فلما قال بعد ذلك: (أفناه قِيلُ اللهِ للشمس: اطلعي)، عرفنا أنه قصد المجاز في إسناد "مَيَّز" إلى "جذب الليالي". تنبيه: هل المسمى بالمجاز في العقلي نفس الإسناد؟ أو الكلام المشتمل عليه؟ قال صاحب "الكشاف" بالأول، ونقله ابن الحاجب عن عبد القاهر، لكن الموجود في "دلائل الإعجاز" له أن المسمى بالمجاز الكلام لا الإسناد، وعليه جرى السكاكي في "المفتاح". قيل: والخُلْفُ لفظي. وقد اختُلف فيه أيضًا: هل هو أمرٌ عقلي؟ أو لفظي؟ وبنوه على أن المركبات موضوعة؟ أَمْ لا؟ وليس هذا محل التطويل في ذلك؛ لِقِلَّة جدواه فيما نحن فيه، والله أعلم.

стр. 882

ص: ٤٢٠ - وَهَكَذَا في الْفِعْلِ وَالْحُرُوفِ ... وَمَنَعُوا في الْعَلَمِ الْمَعْرُوفِ الشرح: المسألة الثانية: هل يجري المجاز في الأفعال؟ أي: وما كان في معناها من اسمَي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة ونحو ذلك مما اشتق من المصدر؟ أوْ لا؟ الراجح: الجريان في ذلك كله كما يجري في الجوامد، كَـ "الأسد" للشجاع. وسواء أكان المجاز في الأفعال وغيرها مِن المشتقات: - بطريق التبعية للمصدر، كما يقال: "صلَّى" بمعنى دَعَا فهو "مُصَلٍّ" بمعنى دَاعٍ تبعًا لإطلاق الصلاة، وقِسْ على ذلك. - أوْ لا بطريق التبع، كإطلاق الفعل الماضي بمعنى الاستقبال، نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠]، أي: يُنفخ، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: ينادون. وإطلاق المضارع بمعنى الماضي، نحو: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: تلته. والتعبير بالخبر عن الأمر، نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وعكسه، نحو: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، "فليتبوأ مقعده من النار" (١)، "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (٢) على أحد الأقوال كما سيأتي في باب الأمر.

стр. 883

وكإطلاق اسم الفاعل بمعنى الاستقبال أو الماضي على الراجح كما سيأتي في مسائل الاشتقاق. ومنع الإمام في "المحصول" دخول المجاز في الأفعال والمشتقات إلا بالتبع للمصدر الذي هي مُشتقة منه، قال: (لأن المصدر في ضمن الفعل وكل مشتق، فيمتنع دخول المجاز في ذلك إلا بعد دخوله فيما هو في ضمنه) (١). وضَعَّف شُراح "المحصول" وغيرهم مقالة الإمام بما سبق مِن التجوز في [الفعل] (٢) بالاستقبال والمضي، وكذا في الأوصاف؛ إذ لا مدخل للمصدر في التجوز بذلك. واكتفيتُ في النَّظم بذكر الفعل عن بقية المشتقات؛ لأن المعنى في الجميع واحد والخلاف واحد. المسألة الثالثة: هل يجري المجاز في الحروف كما في الأسماء والأفعال؟ الراجح: نعم، كما في "هل" تجوَّزوا بها عن: الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] أي: فأسلِموا. والنفي، نحو ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أي: ما ترى. والتقرير، نحو: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وشبه ذلك، لاسيما على القول بأن كل حرف ليس له إلا معنى واحد، وإذا استعمل في غيره، كان مجازًا، خلاف مَن يرى بالاشتراك اللفظي أو بوضعه للقَدْر المشترك

стр. 884

من باب التواطؤ، ولبسط ذلك موضع أَليق به. وخالف الإمام في "المحصول" في المسألة، وقال: لا يجري المجاز في الحروف إلا بالتبع؛ لوقوع المجاز في متعلقه. قال: (لأن مفهوم الحرف غير مستقل، فإن ضُم إلى ما ينبغي ضمه إليه، كان حقيقة وإلا كان مجازًا، لكن مِن مجاز التركيب، لا من مجاز الإفراد) (١). وتُشبه مخالفة الإمام في المشتقات والحروف منعَ البيانيين الاستعارة في ذلك إلا بالتبع للمصدر ولمتعلِّق الحرف، فيقع التجوز في ذلك أولًا ثم يَسري إلى هذه، فلا يقال: (نَطقَت الحال بكذا) ويراد به "دَلَّت عليه" حتى يُستعار نُطق الحال لمعنى دلالتها ثم يُعَدَّى ذلك [مِن الفعل للحرف] (٢). وكذا "لَعلَّ" مثلًا تُقدر الاستعارة في معنى الترجي ثم تستعمل "لعل" في ذلك المعنى. وممن خالف الإمام في ذلك كله ابن عبد السلام، وأطال في ذلك في كتاب "مجاز القرآن"، وكذا النقشواني ورَدَّ مقالة الإمام بأن الحرف مثلًا إذا نُقل مِن موضوعه الأول لعلاقة واستُعمل في الثاني، كان مجازًا، نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فنقلت "في" عن الظرفية واستعملت في غيرها. المسألة الرابعة: هل يجري المجاز في الاسم العَلَم المعرَّف عند أهل العربية بِـ: "ما وُضع لمعَيَّن لا يتناول غيره" كما سبق بيانه وانقسامه إلى "عَلَم شخص" و"عَلَم جنس"؛ أوْ لا يجري فيه؟

стр. 885

الأصح من المذاهب: المنع مطلقًا، لا بالذات ولا بالواسطة؛ لأن الأعلام وُضعت للفرق بين ذاتٍ وذاتٍ، فلو تُجُوِّز فيها، لَبَطل هذا الغرض، وأيضًا فنقْلها إلى مسمى آخَر إنما هو بوضع مستقل، لا لعلاقة، وشرط المجاز العلاقة. وهذا مذهب الإمام الرازي، وتبعه البيضاوي وغيره. وثانيها: يجري فيها مطلقًا. حكاه الأبياري، كما تقول: "قرأتُ سيبويه"، تريد كتاب سيبويه، نقلتَ عَلَم صاحبه إليه مجازًا. ورَدَّه بأنه على حذف مضاف، فهو مِن مجاز الإضمار. وقد قال ابن يعيش في "شرح المفصل": (قال النحويون: العَلَم ما يجوز تبديله وتغييره، ولا تتغير اللغة بذلك. فإنه يجوز أن تسمي ولدَك خالدًا ثم تُغيره إلى جعفر أو محمد، بخلاف اسم الجنس مثلًا، بل لو أردت تسمية الرجُل فرسًا والفرس رجُلًا، غيَّرتَ اللغة). وممن حكى القولين فيه القاضي عبد الوهاب في "الملخص" وصاحب "الميزان" من الحنفية، وقال: (إن الأكثرين على دخول المجاز فيه) (١). نعم، قال الهندي: (إن الخلاف في الأعلام المنقولة) (٢). وقال غيره: الصواب جريانه في الأَعَم مِن المنقول والمرتجل. وثالثها: التفصيل بين ما يُلمح فيه صفة فيجوز (كأَسْود وحارث) دُون العَلَم الذي وُضع للفرق المحض بين الذوات (كزيد وعمرو). وبه قال الغزالي، واستحسنه بعضهم. لكن في بعض شروح "المحصول" أن الغزالي إنما فصَّل ذلك بناء على رأيه في عدم اعتبار العلاقة.

стр. 886

وفيه نظر؛ لأنَّ مقتضاه حينئذٍ أنه يجوز مطلقًا مِن غير تفصيل؛ لأنه يَصْدُق على كُلٍّ أنه [استُعمل] (١) في غير موضوعه. قيل: ويجب أيضًا أن يختص الخلاف بالأعلام المتجددة، أما الأعلام التي بوضع اللغة فيجب أن يقال: إنها حقائق. فقولهم: (العَلَم لا يوصف بكونه [حقيقة] (٢) ولا مجازًا) مَحَلُّه في غير ذلك، والله أعلم. ص: ٤٢١ - وَيُعْرَفُ الْمَجَازُ مِنْ تَبَادُرِ ... غَيْرٍ بِلَا قَرِينَةٍ في الْحَاضِرِ ٤٢٢ - وَصِحَّةِ النَّفْيِ، وَأَنْ لَا يُطْرَدَا ... حَتْمًا، وَبِالْتِزِامِ أَنْ يُقَيَّدَا ٤٢٣ - وَنَحْوِهِ، وَالسَّمْعُ فِيهِ مُشْتَرَطْ ... لَا في مُشَخَّصٍ، بَلِ النَّوْعِ فَقَطْ الشرح: قد اشتملت هذه الأبيات على مسألتين: إحداهما: بماذا يُعرَف المجاز مِن الحقيقة؟ وقد ذكرتُ عدةً من العلامات، وأشرتُ إلى عدم الانحصار في ذلك بقولي: (وَنَحْوِهِ). أحدها: بِتَبادُر غيره إلى الفَهْم عند الإطلاق حيث لا قرينة هناك حاضرة، بخلاف

стр. 887

الحقيقة، فإنها هي المتبادرة إذا كانت واحدة، أو لا تتبادر لا هي ولا غيرها إذا تَعددت الحقائق. فإنْ قِيل: المجاز الراجح يتبادر أيضًا. قيل: إنْ رجح بقرينة فالكلام حيث لا قرينة، أو رجح باشتهاره فَقَدْ صار حقيقة بحسب ما اشتهر فيه مِن عُرف أو شرع، فما تبادر إلا لكونه حقيقة وإنْ كان مجازًا باعتبار وضع آخَر، ولم يتبادر مِن حيث كونه مجازًا. ثانيها: بصحة النفي، كقولك للبليد: ليس بحمار، وللجد: ليس بِأَبٍ، بخلاف الحقيقة، فإنها لا تُنفَى. وزاد بعضهم: (في نَفْس الأمر)؛ احترازًا عمَّا إذا كان ذلك لظنِّ ظانٍّ، فإنه لا يدل عليه. وقال صاحب "البديع": هذا حُكم المجاز بعد ثبوت كونه مجازًا، فلو تَوقف عليه عِلمه، لَزِمَ الدَّور (١). وقد يجاب بأن نفيه إنما صحته باعتبار التعقُّل، لا باعتبار أنْ يُعلم كونه مجازًا فتنفيه. ثالثها: بعدم وجوب اطراده، بل قد يطَّرد تارةً، كالأسد للشجاع، ولا يطَّرد أخرى، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، فلا يقال: (واسأل البساط)، أي: أهله، بخلاف الحقيقة، فإنها واجبة الاطراد. وأما قول ابن الحاجب: (إن الاطراد ليس دليل الحقيقة؛ لأن المجاز قد يطرد) (٢).

стр. 888

فَمُسَلَّم، لكن الذي هو علامة الحقيقة إنما هو وجوب الاطراد، لا وقوع الاطراد، عَكْس المجاز، فإنه لا يجب، وقد يطرد. فإنْ قِيل: فالحقيقة قد لا تطرد، كَـ "القارورة" للزجاجة مع كونها من "القر"، و"الدبران" لمنزلة القمر مع كونه من الدبور، فلا يُسمى كل ما فيه قرار أو دبور بذلك. قيل: عدم اطراده لكون المحل المعيَّن قد اعتُبر في وضع الاسم، فلا يُسمى ما وُجد أصل المعنى فيه غير هذا بذلك الاسم؛ لفقدان تمام مُوجِب التسمية. والحاصل الفرق بين تسمية غير ذلك لوجود المعنى فيه أو بوجود المعنى فيه، والمراد الثاني، فلا يتعدى. ونظيره لو عُلل في باب القياس بالمحل أو جزئه أو لازمه، لم يُقَس غيرُه عليه، كجوهرية النقدية الغالبة في الربا في الذهب والفضة إنما لم تطَّرد ولم تُعَد لشيء آخَر؛ لِتَعذُّر وجود العِلة فيه، وسيأتي بيانه في القياس. رابعها: بالتزام تقييده، فلا يُستعمل في ذلك المعنى بالإطلاق، كَـ "جناح الذل" و"نار الحرب"؛ إذ لو استعملت الجناح والنار في معناهما الأصلي لجاز بلا تقييد، لكن لو قيَّدتَ، لم يمتنع، كالمشترك قد يُقيَّد في أحد المعنيين لكن لا لزومًا. وهو معنى قولي: (وَبِالْتِزِامِ أَنْ يُقَيَّدَا). ومما يدخل تحت قولي: (ونحوه) اعتبار المجاز بأن يكون صيغة جَمْعه على خلاف صيغة جمع الحقيقة، كالأمر [للصيغة] (١) الآتي ذِكرها في باب "الأمر" يُجمع على "أوامر"، وأما بمعنى الفعل أو نحوه مما سيأتي بيانه فيُجمع على "أمور"، لكن سيأتي أن هذا على رأي الجوهري وأنه لا يُوافَق عليه في اللغة.

стр. 889

وكذا أن يتوقف جواز استعماله على وجود مُسمَّى آخَر له يكون حقيقة فيه، سواء أكان ملفوظًا به نحو: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، فلا يُقال ابتداءً: (مكر الله)، أو مقدَّرًا نحو: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: ٢١]؛ لأنه مذكور فيما سبق بالمعنى. وزعم بعضهم أنه لا بُد مِن سَبْق المعنى الحقيقي كما مَثَّلنا. وهو مردود بنحو ما جاء في حديث: "فإن الله لا يمل حتى تملوا" (١)، فإن المجازي فيه متقدِّم [لمقابَلة] (٢) الحقيقي المتأخِّر. وكذا أن يكون معناه الحقيقي مستحيلًا، فيدل إطلاقه في المحل الذي هو مستحيل فيه على أن المراد المجاز، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ومِن هذه الآياتُ والأحاديثُ الواردة في الصفات التي معناها الحقيقي مستحيل في حقه تعالى، كاليد والعين والنزول والاستواء ونحو ذلك. فيجب أن يعتقد أن الحقيقة ليست مُرادة بلا خلاف. وأما غيرها فللناس طريقان فيها: أحدهما: تعيين ما يحمل عليه مِن المجاز، وهُم الذين يرون التأويل. والثانية: طريقة السلف، عدم التعرض للتأويل، والإيمان بها على ما أراد الله منها من غير الحقيقة المستحيلة، وهو معنى قولهم: "مع التنزيه"، فالإحالة على تعيين مجاز، لا على الترديد بين حقيقة ومجاز كما يزعمه المبتدعون تلبيسًا على مَن لا ملكة عنده، فإياك وتلبيساتهم، وقد سبق - في مسألة كون المجاز معتمَدًا حيث تستحيل الحقيقة أوْ لا -ما يُعرف منه الفَرق بين جعل استحالة الحقيقة مِن علامات المجاز وكون المرجح أن المجاز

стр. 890

ليس يُعتمَد [حيث] (١) تستحيل الحقيقة، وسبق التحذير مِن تدليسهم، فراجعه. المسألة الثانية: لا بُدَّ في المجاز من سمع، والمراد (كما سبق) أن يُسْمع اعتبار العرب نوع العلاقة - على المختار وقول الجمهور، وأنه لا يشترط سماع كل فرد فرد من محالّ كل علاقة حتى يتوقف إطلاق الأسد مثلًا على الشجاع على نقلٍ عن العرب، بل المراد إطلاق التجوُّز بالمشابهة المعنوية، وسبق بيان ذلك كله وما فيه. وسبق أيضًا الإشارة إليه في النَّظم لكن من حيث تفسير اعتبار العلاقة، ثم زدناه هنا إيضاحًا، والله أعلم. ص: ٤٢٤ - ثُمَّ "الْكِنَايَةُ": [الَّذِي يُسْتَعْمَلُ] (٢) ... في أَصْلِ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ يُعْمَلُ ٤٢٥ - في لَازِمٍ قَصْدًا كَمِثْلِ الْكَرَمِ ... بِكَثْرَةِ الرَّمَادِ يُعْنَى إذْ نُمِي ٤٢٦ - فَهْيَ حَقِيقَةٌ، وَ"تَعْرِيضٌ" كَذَا ... لَكِنْ بِتَلْوِيحٍ بِغَيْرٍ نُبِذَا الشرح: لَمَّا فرغتُ مِن المجاز وأنواعه، ذكرتُ ما قد يلتبس به وليس منه، وهو "الكناية" و"التعريض" وهُما المقابلان للتصريح. فأما "الكناية" فهي: القول المستعمل في معناه الموضوع له حقيقة ولكن أُريدَ بإطلاقه لازِم المعنى، كقولهم: "كثير الرماد" يكنون به عن كرمه، فكثرة الرماد مستعمل في معناه

стр. 891

الحقيقي ولكن أريد به لازِمُه وهو الكَرَم وإنْ كان بواسطة لازم آخَر؛ لأن لازم كثرة الرماد إنما هو كثرة الطبخ، ولازِم كثرة الطبخ كثرةُ الضيفان، ولازم كثرة الضيفان الكرم، وكل ذلك عادة. فالدلالة على المعنى الأصلي بالوضع، وعلى اللازم بانتقال الذهن مِن الملزوم إليه. ومِثله قولهم: "طويل النجاد" كناية عن طول القامة؛ لأن نجاد الطويل يكون طويلًا بحسب العادة، وعلى هذا فهو حقيقة؛ لأنه استُعمل في معناه وإنْ أريدَ به اللازم، فلا تنافي بينهما. فإنْ لم يُرَد المعنى الحقيقي وإنما عُبر بالملزوم عن اللازم بأنْ يُطلق المتكلم "كثرة الرماد" على اللازم وهو الكَرَم و"طول النجاد" على اللازم وهو طول القامة - مِن غير ملاحظة الحقيقة أصلًا، فهو مجاز؛ لأنه استُعمل في غير معناه، والعلاقة فيه إطلاق الملزوم على اللازم. وقد عُلِم من ذلك أن الكناية تكون حقيقة وتكون مجازًا، ولا مخرج لها عنهما، وهذا على طريقة بعض المتأخرين، وإليه ذهب الشيخ تقي الدين السبكي وغيره، وهو الراجح. ووراء ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: [أنها] (١) مجاز مطلقًا؛ نظرًا إلى المراد منه، وهو مقتضَى قول صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] حيث فَسَّر "الكناية" بأن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له. نعم، شَرَط في الكناية إمكان المعنى الحقيقي، ذَكَره في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فقال: إنه مجازٌ عن الاستهانة والسخط، فإطلاق النظر إلى فلان

стр. 892

بمعنى الاعتداد به والإحسان إليه كناية إذا أُسند إلى مَن يجوز عليه النظر، ومجاز إذا أُسند إلى مَن لا يجوز عليه النظر. وعلل ذلك بأنَّ مَن يجوز عليه النظر إذا اعتد بإنسان، التفت إليه وأعاره نظره، فكثر حتى صار عبارة عن الإحسان. وحاصل ما ادَّعاه أن المجاز أعَم مِن الكناية، فَمِمَّن يجوز عليه النظر كناية ومجاز، وممن لا يجوز عليه النظر مجاز فقط. ثانيها: إنها حقيقة مطلقًا. وإليه جنح كثير من البيانيين، وتبعهم ابن عبد السلام في كتاب "المجاز"، فقال: الظاهر أن "الكناية" ليست من المجاز؛ لأنها وإن استُعملت فيما وُضع له لكن أُرِيدَ بها الدلالة على غيره، كدليل الخطاب في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكذلك نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء والعرجاء. قلتُ: ونحوه النهي عن الدباء والحنتم و [المقَيَّر] (١)، فإنه يَنْصَبُّ إلى ما يَلزم منه وهو النبيذ. ثالثها: أنها لا حقيقة ولا مجاز. وهو قول السكاكي، وتبعه في "التلخيص"، ووافق السكاكي في موضع آخَر البيانيين في كونها حقيقة. وجمع بعض الشُّراح بين كلاميه بتأويل. وقال الإمام في "نهاية الإيجاز": (إن اللفظ إذا أُطلق وأريد به معناه الأصلي ولازِمه، يكون كناية، وإنْ أريد اللازم فقط يكون مجازًا). ثم قال: (وليست الكناية من المجاز؛ بدليل أنها ضد المقصود بمعنى اللفظ) (٢) إلى آخِره. ولكن هذا يقتضي أنه لا يكون كناية حتى يُراد المعنى الحقيقي والمجازي معًا، فلا يُقال:

стр. 893

"كثير الرماد" إلا عند وجود رماد حقيقةً وإلا لكان كذبًا؛ لأنه بلا تأويل. فإنْ كان المراد الكَرَم ليس إلَّا، فهو مجازٌ، إلا أنْ يُقال: إنما يكون كذبًا أنْ لو أريد باللفظ المعنى الحقيقي بالذات فقط، فأما إنْ أريد به التوصل إلى المعنى اللازم، فلا يكون كذبًا. فإنْ قِيل: هل يُطابق تفسيرُ "الكناية" بما ذُكِر تفسيرَ الأصوليين والفقهاء بأنها اسمٌ استتَر فيه مرادُ المتكلم؛ لِتردده بين محتملين؟ كقوله في البيع: "جعلته لك بكذا"، وفي الطلاق: "أنت خَلِيَّة"، فيدخل في ذلك المجمَل ونحوه مما لم تتضح دلالته، مأخوذًا مِن "كَننتُ" و"كَنيتُ" إذا لم تُفْصح بالشيء. ويقابلها "الصريح"؛ لأنه اسمٌ لِمَا هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فَهْمه المراد، ولا يَسبق غيرُه عند الإطلاق. كقوله: (أنت طالق)، و: (أنت حر)، و: (بعتُ واشتريت)، ومنه سُمي القصرُ صَرْحًا؛ لظهوره وارتفاعه على سائر الأبنية. والغرض من العدول إلى "الكناية" وغيرها إما التحرز عن قبح [الصريح] (١)، نحو: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وإما إخفاء المكني عنه عن السامع، أو نحو ذلك. قلتُ: نعم؛ لأن قوله مثلًا: "حبلك على غاربك" حقيقته إلقاء الحبل على رقبتها، وليس المراد إلا لازِمه فيما يفعل بالبعير عند إرادة تسييبه إلى حيث شاء، وكذا الباقي، فأحَدُ المعنيين لازِمٌ للآخَر، والمقصود اللازم، لا الملزوم؛ فلذلك افتقر إلى نيةٍ تُميزه عن إرادة المعنى الأصلي. ومِن هنا يخرج جوابُ سؤال، وهو أن من قاعدة الشافعي حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، فلِمَ لا يُحمل لفظ الكاني عليهما حتى يقع على كل حال وإنْ لم يَنْوِ؟

стр. 894

لأنَّا نقول: ذاك في لفظٍ وُضِع لمعنى حقيقةً ثم لمعنى آخَر مجازًا، فيُحمل عليهما؛ احتياطًا؛ للظفر بمراد التكلم، وذلك في ألفاظ الشرع التي اضطُررنا إلى العمل بها. أمَّا في غير كلام الشارع فليس لنا أن نحتاط ونوقع بالاحتمال، لاسيما و"الكناية" إنما تدل على الشيء بالإرادة، لا بالوضع كما سبق تقريره. وأما "التعريض" فهو: القولُ المستعمل في معناه مرادًا منه ذلك لكن مع التلويح بغيره، كقول إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، غَضِبَ أن عُبدت هذه الأصنام الصغار، فكسرها، فإنما القصد التلويح بأنَّ الله تعالى يغضب لعبادة غيره ممن ليس بإله مِن طريق الأَوْلى مما ذُكِر. وبذلك يُعْلم أن اللفظ إذا لم يطابق في الخارج معناه الحقيقي، لا يكون كذبًا إذا كان المراد به التوصل إلى غيره بكناية (كما سبق) أو تعريض (كما هنا). وإنْ سُمي هذا كذبًا فمجاز باعتبار الصورة، كما جاء: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" (١) المراد صورة ذلك، وهو في نفسه حق وصدق؛ لأنه هو وسائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- معصومون. وقد عُلم مِن تفسير "التعريض" بذلك أنه حقيقة، لا مجاز؛ لأنه مستعمَل فيما وُضع له أوَّلًا. والفرق بين "التعريض" وأحد قِسمَي "الكناية" أن الملازمة هناك واضحة بانتقال الذهن إليها سريعًا. تنبيه: "الكناية" تنقسم إلى أقسام، ذكر شيخنا الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب "علوم

стр. 895

القرآن" منها عشرة أقسام، أغربها أنْ تعمدَ إلى جملة وَرَدَ معناها على خلاف الظاهر فتأخذ الخلاصة منها مِن غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة أو المجاز، فتعبر بها عن مقصودك (١). وهذه "الكناية" استنبطها الزمخشري، وخرَّج عليها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فإنه كناية عن الملك؛ لأن الاستقرار على السرير لا يحصل إلا مع الملك، فجعلوه كناية عنه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية، فإنه كناية عن عظمته وجلاله [مِن غير] (٣) ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهتين: حقيقة، ومجار. وقد اعترض الإمام فخر الدين ذلك بأنَّ فيه فتح باب تأويلات الباطنية، فلهُم أنْ يقولوا: المراد مِن قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] الاستغراق في الخدمة مِن غير ذهاب إلى نعل وخلعه، ونظائر ذلك (٤). وجوابه: أن "الكناية" إنما يصار إليها عند قيام دليل على عدم إجراء اللفظ على ظاهره مع قرائن تحتف به دالَّة على المراد كما سبق من الأمثلة، بخلاف خلع النعلين ونحوه. وقولي: (لَكِنْ بِتَلْوِيحٍ بِغَيْرٍ نُبِذَا) أي: لم يقصد باللفظ الدلالة عليه مع عدم قصد الأصلي، بل المقصود هو الأصلي، والآخَر إنما لُوِّح به من غير أن يكون مقصودًا بدلالة اللفظ، بل مُطَّرحًا، والله أعلم.

стр. 896

ص: ٤٢٧ - أَمَّا "الْمُرَكَّبُ" الَّذِي تَقَدَّمَا ... فَإنْ يُفِدْ فَبِـ "الْكَلَامِ" وُسِمَا الشرح: لَمَّا فرغتُ من بيان المفرد من القول وأقسامه، شرعتُ في ذِكر المركَّب منه وأقسامه. فالمركب إنْ أفاد فهو الموسوم بِـ "الكلام"، وإلا فلا. فَـ "الكلام": قول مفيد، ويُسمى أيضًا "جُملة"، نحو: "زيد قائم" و"خرج عمرو". وظاهر كلام الزمخشري وابن الحاجب -واختاره أبو حيان- أن الجملة والكلام مترادفان. والصواب أنَّ "الجملة" أعم؛ لصدقها على ما لا يفيد أو لا يفيد فائدة يحسُن السكوت عليها، كجملة الصِّلَة وجملة الشرط وجملة الجزاء، ونحو ذلك. فدخل في قولنا في تعريف الكلام: (قول) كلُّ لفظ له معنى، سواء المفرد والمركب التامُّ وغيرُ التام، وسواء الكَلِمُ (وهو ما فيه ثلاث كلمات) وما ليس بكلم (وهو ما دُون ذلك)، وخرج بقيد "الإفادة" كل ما سِوى الكلام. وقد عُلم من تعريف "الكلام" بذلك أمور: الأول: اعتبار التركيب فيه؛ لأنَّ الفائدة إنما هي من الحكم بشيء على شيء. وخالف ابن طلحة - مِن المغاربة- في ذلك؛ تَعلُّقًا بأن حرف الجواب كَـ "نعم" و"بلى" و"لا" في جواب نحو: (أقام زيد؟ ) أو (ألم يَقُم زيد؟ ) مفيدٌ؛ فيكون كلامًا مع كونه مفردًا. ورُدَّ بأن الفائدة مِن المقَدَّر بعده، فهو الكلام، إذِ التقدير: (نعم، قام زيد)، أو: (بلى، قام)، أو: (لا، ما قام).

стр. 897

الثاني: اشتراط الإفادة فيه، وهو المشهور، وزعم بعضهم أن المهمل يُسمى "كلامًا". حكاه ابن فارس، ونحوه ما حكى بعض شُراح "اللمع" في الأصول أن أبا إسحاق حكى في كتابه "الإرشاد" وجهين لأصحابنا في أن المهمل كلام؛ أَمْ لا؟ قال: والأشبه أنه يسمى "كلامًا" مجازًا. الثالث: أنَّ التركيب المفيد هو الذي يتألف مِن مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، وذلك المسنَد أَعم أنْ يكون اسمًا أو فِعلًا، فلا يتألف الكلام إلا مِن اسمين أو اسم وفِعل، لا مِن حرفين؛ لعدم ما يَصلح أن يكون مُسنَدًا أو مُسنَدًا إليه، ولا مِن حرف واسم؛ لعدم صلاحية الحرف أن يكون مسنَدًا أو مسنَدًا إليه. وخالف في ذلك الجرجاني وطائفة؛ تمسُّكًا بنحو: (يا زيد)، فتألَّف مِن حرف النداء والمنادَى. ورُدَّ بأنه مفعول بفعل محذوف دَلَّ عليه حرف النداء، والتقدير: (أدعو -أو أنادي- زيدًا). ومعناه حينئذٍ الإنشاء، لا الخبر كما سيأتي. على أنه قيل: العامل فيه هو الحرف؛ لأنه صار بدلًا مِن الفعل، ولا ينافي ذلك كونه تَرَكَّب مِن المحذوف الذي هذا بدل منه. ألا ترى إلى قول سيبويه في "أمَّا": (إن معناها مهما يكن من شيء [فكذا] (١) (٢)؟ فجعل الحرف قائمًا مقام أداة شرط وجملة شرط، فالكلام في الحقيقة هو ذلك المحذوف مع ما بَعده.

стр. 898

ولا يتركب الكلام أيضًا مِن حرف وفعل؛ لعدم المسنَد إليه. وخالف القاضي وإمام الحرمين، تَعَلُّقًا بإفادة نحو: (قد قام). ورُدَّ بأن فيه ضميرًا مستترًا. ولا مِن فعلين؛ لعدم المسنَد إليه أيضًا. فالأقسام ستة: اثنان صحيحان، وأربعة لغو. الرابع: لا فرق في المركَّب بين ما فيه مستتر (نحو: "قُم". أي: أنت) أو محذوف إما بعضه (نحو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] أي: خلقهن الله) أو كُله (كما في حروف الجواب كما سبق). الخامس: المراد بـ "المفيد" هو ما يحسُن السكوت عليه، فلا يحتاج لتقييد الإفادة بذلك؛ لأن الإفادة هي ذلك، خلافاً لمن زعم أن المفيد ضربان: تام وناقص. فالتام ما يحسُن السكوت عليه، فيقيَّد؛ ليخرج الناقص، كجملة الصلة ونحوها. زعم ذلك ابن طلحة في "شرح الجزولية" وغيره، وتبعهم بدر الدين ابن مالك في "شرح الخلاصة"، والجمهور على خِلافِه، فقد قرر والده في "شرح الكافية" أن في الاقتصار على "مُفِيد" كفاية، وهذا ظاهر؛ لأن الفائدة هي حصول حُكم زائد، والناقصة ليس فيها حُكم مُحَصَّل. نعم، كثير مِن النحاة -كالزمخشري وابن الحاجب كما سبق- يُسمِّي جملة الشرط وجملة الصلة ونحوهما "كلامًا"؛ لوجود أصل الفائدة وإنْ لم يَحسُن السكوت عليها، [و] (١) اختاره أبو حيان. فهو أَبلغ مِن جعلها مفيدة لا كلامًا كما سبق عن ابن طلحة ومَن تبعه. والذي نَص عليه سيبويه في مواضع وتبعه المحققون أنه لا يُسمَّى "كلامًا" [و] (٢) "مفيدًا" إلا ما

стр. 899

يحسُن السكوت عليه، وجرى عليه الجزولي وابن معطي والحريري وغيرهم. السادس: يؤخذ من الاقتصار على قول الإفادة أيضًا أنه لا يشترط أن يكون مقصودًا، وعبارة "التسهيل" تُوهم اشتراطه، إذ قال: (والكلام ما تضمَّن مِن الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاته) (١). وقال المصنف في شرحه: (إنه احترز بِ "القصد" عن نحو كلام النائم والساهي وبعض الطيور، وإنه احترز بِ "ذاته" عن الجمل الموصول بها، فإن جملة الصلة مقصودة للتتميم لا لذاتها) (٢). ولكن يُقرَّر كلامه بأنه إنما شرط ذلك في الإسناد، لا في اللفظ المتضمن له؛ لأن الإسناد وإن كان مفيدًا فقد يقع لا بالقصد أو بالقصد لكن لا لذاته، وأما اللفظ فإنما يكون مفيدًا إذا تضمن الإسناد المقيَّد بهذه القيود، وإلا فتنتفي عنه الإفادة أصلًا. والحاصل أن مَن قيَّد اللفظ بالإفادة لم يحتج إلى قصده لذاته، ومَن قيد [به الإسناد] (٣) الذي تضمنه اللفظ فهو محتاج للتقييد المذكور. نعم، قد يُدَّعَى أن التصريح بالإسناد يُغْني عن التقييد المذكور؛ لأن غير القاصد لا يقال: إنه أَسْنَد. ومما يوضح ذلك أن المفيد في الحقيقة إنما هو المتكلِّم، وإسناد الإفادة لغيره إنما هو مجاز؛ لكونه مِن إسناد الشيء إلى متعلَّقه، وهو آلتُه هنا. وما قررتُ به كلام "التسهيل" أَجْوَد مِن تأويله بالحمل على مطلق الفائدة لا الفائدة المصطلح عليها وحمل كلامه في "الكافية" و"الخلاصة" على الفائدة المصطلح عليها. أو أنه في "التسهيل" أراد أن ينص بالصريح على ما يُفْهَم مِن "مفيد" بطريق الالتزام.

стр. 900

فإنَّ في ذلك تعسُّفًا ونظرًا. وبنى بعضهم على اشتراط القصد في الكلام مسائل في الفقه، كسجود التلاوة لقراءة النائم والساهي وبعض الطيور وغير ذلك. فكلام أصحابنا مجزوم فيه بعدم الاستحباب في الجميع، ولو حلف لا يكلمه فكلمه وهو نائم أو مغمى عليه، لم يحنث. السابع: يؤخذ مِن الاقتصار على "مفيد" أيضًا أنه لا يشترط في الإفادة تحصيل عِلم للسامع بما ليس عنده، وقد حكى ابن دقيق العيد أن بعضهم شرط ذلك. وضُعِف بأنه يَلزم منه أن القضايا البديهية لا يُسمى شيء منها "كلامًا" نحو: (الواحد نِصف الاثنين) وليس كذلك، بل يُسمى "كلامًا"؛ لأنها [فائدة] (١) يصح السكوت عليها، والمدار إنما هو على ذلك سواء استفاد المخاطَب [أوْ] (٢) لا؛ بدليل أن المخاطَب إذا كان يَعلم حُكمًا وأُخبر به، لا يخرج الكلام بذلك عن كونه كلامًا. الثامن: يؤخذ مِن إطلاق كونه مفيدًا أنه لا فرق بين أن يصدر مِن متكلم أو أكثر، وذلك بأن يصطلح اثنان على أن يذكر هذا الفعلَ والآخَرُ الفاعلَ، أو أحدهما المبتدأَ والآخَرُ الخبرَ. وخالف في ذلك القاضي والغزالي في "المستصفى" في الكلام على تخصيص العموم، فشرَطَا اتحاد المتكلم، ونقله ابن مالك في "شرح التسهيل" عن بعض العلماء، ولعله قصد هذين؛ لأن ظاهره أن مَن قال به ليس من النحاة وأن النحاة إنما يطلقون ذلك. وردَّه بأن الخط لا يخرج بتعدد الكاتب عن كونه كتابة، فكذلك هذا، وممن صحح العموم أيضًا أبو حيان في "الارتشاف".

стр. 901

وذكر ابن مالك في الشرح أيضًا جوابًا آخَر وهو التحقيق: أن الكلام لا بُدَّ له من إسناد، وهو لا يكون إلا مِن واحد، فإنْ وُجِد مِن كل منهما إسناد بالإرادة، فكل منهما متكلم بكلام مركب ولكن حذف بعضه لدلالة الآخَر عليه، فلم يوجد كلام مِن متكلمَين، بل كلامان مِن اثنين. ومما يتفرع على ذلك: لو قال: (لي عليك ألف)، فقال المخاطَب: (إلا عشرة) أو: (غير عشرة) أو نحو ذلك، هل يكون مُقِرًّا بباقي الألف؟ فيه خلاف، قال في "التتمة": المذهب أنه لا يكون مُقِرًّا. التاسع: هذا التعريف للكلام إنما هو في الاصطلاح النحوي، ومَن يذكره مِن الأصوليين فإنما أخذه منهم. وأما الكلام في اللغة فله خمس إطلاقات: أحدها: مطلق التلفظ، ومنه حديث البراء بن عازب: "فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" (١)، وحديث ابن مسعود: "وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" (٢)، وتقول: (يَكَلم الصبي) تُريد أصل التلفظ وإنْ لم يُفِد. ولو حلف لا يتكلم، حنث بمطْلَق اللفظ. ثانيها: المعنى القائم بالنفس، وسيأتي بيان الخلاف في إثباته. ثالثها: الخط، ومنه قولهم: ما بين دَفتَي المصحف كلام الله. رابعها: الرَّمز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].

стр. 902

خامسها: ما يفهم من حال الشيء، ويُذكر مِن شواهده قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] على أحد التفسيرين، والآخَر أنه نُطْقٌ حقيقةً، ونحو قول الشاعر: امتلأ الحوضُ وقال قطني ... مهلًا رويدًا قد ملأتُ بطني كما استدل على الرمز بقوله: أشارت بطرف العين خِيفةَ أهلها ... إشارةَ مذعورٍ ولم تتكلم فأَيقنتُ أن الطرفَ قد قال مرحبا ... وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيَّم ولكن ليس في هذا كله لفظ الكلام، بل القول، وإنما ينبغي أن يستشهد في الرمز بقوله: أرادت كلامًا فاتَّقَتْ من رَقِيبها فلم [يك] (١) إلا [رمزها] (٢) بالحواجب أقامه مقام الكلام اللفظي، على ما فيه من نظر. وفي حديث النفس بقوله: لو كنتَ قد أوتيتَ عِلم الحُكْل ... عِلمَ سليمان كلام النمل قال الجوهري: (الحُكْل -بضم الحاء وسكون الكاف- ما لا يُسمع له صوت) (٣). فَعَلَى هذا يكون المراد ما يُفهم مِن أحوال النمل وما في نفسها. نعم، إنْ جُعل كلامها نطقًا حقيقيًّا لا يسمعه إلا سليمان معجزةً له، فلا شاهد فيه حينئذٍ.

стр. 903

العاشر: حقيقة لفظ "الكلام" أنه اسم مصدر لِـ "تكلم تكلُّمًا". وأما مصدر "كلم" فَ "تكليم"، ومصدر "كالَمَ": مُكالمة وكِلام (بكسر الكاف والتخفيف) كـ "جادل مجُادلة وجِدالًا". وجعل الجوهري "كِلَّامًا" (بكسر الكاف والتشديد) مصدرًا آخر لـ "كلم"، قال: نحو: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٨] (١). وظاهره أنه قياس، لكنه سماع. ومصدر "تكالم": التكالُم (بضم اللام). على أنه قد اختُلف في مدلول اسم المصدر هل هو مدلول المصدر حتى يكونا مترادفين؟ أو مدلوله لفظ المصدر، فدلالته على مدلول المصدر بواسطة، لا أنه مرادف له؟ فيه خلاف للنحاة لا طائل تحته. الحادي عشر: عُلِم مِن تعريف "الكلام" أنه مما يحتاج للتعريف، ونُقل عن القاضي أبي بكر قولان في كونه يُحَد أو لا يُحَد. والمانِعُ قال: إنه مركب مِن الأمر والنهي والخبر والاستخبار وغير ذلك، ولا عبارة تحيط به، وإنما يتبين بالتفصيل. كأنه يشير إلى أنه ليس له حقيقة مشتركة بين أقسامه، وهذه الشبهة هي المذكورة في أن "العلم" لا يُحَد، والحقُّ خلافه كما سبق. والله أعلم.

стр. 904

ص: ٤٢٨ - وَالْخُلْفُ فِيهِ قِيلَ: في النَّفْسَانِي ... حَقِيقَةٌ، وَقِيلَ: وَاللِّسَانِي ٤٢٩ - مُشْتَرَكًا، وَحُكِيَ الْقَوْلَانِ ... عَنِ الْإمَامِ الْأَشْعَرِيْ، وَالثَّانِي ٤٣٠ - مَحَلُّ بَحْثِ الْفَنِّ أَوْ كَنَحْوِ: ... تَفْسِيرٍ، اوْ بَيَانٍ، اوْ كَالنَّحْو الشرح: قد سبق أن "الكلام" قِسم مِن المركَّب القولي، لكن قد يقوم معناه بنفس المتكلم مِن غير تَلفُّظ، ويسمى هذا "الكلام النفساني"، وهو في المخلوق: الفِكر الذي يُزَوِّرُه الإنسان في نفْسه قبل أن يُعَبر عنه باللسان، كما قال الأخطل: إن الكلام لَفِي الفؤاد، وإنما ... جُعلَ اللسانُ على الفؤاد دليلا وعبَّر عنه ابن مالك بِ "المعنوي"، قال: وهو الذي أشار إليه عمر ﵁ بقوله: "وكنت زَوَّرْتُ مقالةً أعجبتني أردتُ أن أقدمها بين يدي أبي بكر" (١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومن المعلوم أن قولهم: (إنه رسول الله) حقٌّ وأن التكذيب إنما هو لعدم مواطأة لسانهم ما أَسَرُّوه في أنفسهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، إلى غير ذلك مما لا سبيل إلى إنكاره. وأما في الخالق فالمراد به صفة قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت ولا

стр. 905

غير ذلك مما يكون حادثًا. وقد اختُلف في إطلاق "الكلام" على كل مِن الأمرين اللفظي المفسِّر لمَا في النفس وحديثِ النفس في الموضعين على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حقيقة في النفساني، مجاز في اللساني، مِن باب إطلاق اسم المدلول على الدالّ، كما تقول: (سمعتُ عِلمًا) تريد: سمعتُ عبارة تدل على عِلم. واختاره إمام الحرمين في "باب الأوامر" من "البرهان"، وهو أحد قولَي الأشعري وطوائف، ولكن قصدهم النفساني القديم، لا مطلق النفساني، فإنهم يوافقون على أنه في الحادثِ حقيقةٌ في اللفظ، فَعَلَى هذا لا يكون ما سبق مِن إطلاق "الكلام" على النفسي فيه دلالة في محل النزاع وإنْ كانوا يذكرونه في الاستدلال، إنما يستشهد به على إثبات النفساني في الجملة، ولو كان يُطلق عليه "كلام" مجازًا. وأما إثباته في القديم فإنما ثَبتَ بالبراهين القاطعة المذكورة المشهورة في فن أصول الدين، فإنها أصعب مسائله. وإنما صاروا إلى إثباته بالدلائل ردًّا على المعتزلة دعواهم المؤدِّية إلى خَلْق القرآن وعلى الحشوية دعواهم المؤدية إلى أن ذاته تعالى تكون مَحلًّا للحوادث. القول الثاني: أنه مشترك بين النفساني واللساني، وهذا هو القول الثاني مِن قولَي الأشعري، ونقله الهندي عن الأكثرين، وحكاه في "المحصول" عن المحققين، وقال إمام الحرمين: إنه الطريقة المرْضية عندنا. وكذا قال ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق، وعبارته في ذلك في كتاب "الحدود": ("الكلام" نوعان: قديم ومحدَث. فالمحدَث: كلام المخلوقين، وينقسم إلى معنى في النفس يجده كل عاقل بالضرورة قبل أن ينطق به، وإلى ما يكون أصواتًا تترتب، وكلاهما على الحقيقة "كلام". والقديم: هو كلام الله ، قائم بذاته المقدسة، لا يشبه كلام

стр. 906

المخلوقين، فليس بحرف ولا صوت؛ لأنَّ الكلام صفة، ومن شأن الصفة أن تتبع الموصوف، فإذا كان الموصوف لا يشبهه شيء، فكذلك صفاته، وإنما غلط الخصوم في إلحاقهم الغائب بالشاهد). قال: (فحصل أن كلام الخلق ينقسم إلى نفسي ولفظي، بخلاف القديم، كما تقول: عِلم المخلوق ينقسم إلى ضروري وكَسْبي، بخلاف القديم. فكما أن عِلمنا لا يُشبه عِلمه كذلك كلامنا لا يُشبه كلامه وإنْ كان للكلام في الجملة حد جامع وهو الصفة التي يستحق مَن قامت به أن يشتق منها اسم "المتكلِّم"، لكن يختلفان في التفصيل). قال: (ومن أصحابنا مَن قال: كلام الخلق في الحقيقة هو ما في النفس، وما يوجد بالنطق يسمَّى "كلامًا" مجازًا). قال: (والأول أصح؛ لِمَا قُلناه، ولأنه أحسم [للتشعث]) (١). انتهى وعلى هذين القولين اقتصرتُ في النَّظم؛ لأنهما الراجحان والمنقولان عن الأشعري، ولا يكاد يرجح أحدهما على الآخر. وأما القول الثالث وهو قول المعتزلة: (إنه حقيقة في اللساني) فقول ضعيف لم يشتهر عن أحدٍ مِن أئمة أهل السُّنة موافقةٌ عليه. نعم، نُقل عن الأشعري أيضًا، لكنه بعيد عن قواعده؛ فلذلك لم أَتعَرَّض في النَّظم له. وهذه المسألة أصل عظيم مِن أصول الدين حتى قيل: إنه إنما سُمي عِلم الكلام لأجلها؛ لأنها أعظم مسألة فيه. وقيل: لغير ذلك. وقولي: (مُشْتَرَكًا) نصب على الحال.

стр. 907

وقولي: (عَنِ الْإمَامِ الْأَشْعَرِيْ) إشارة إلى أنه إمامنا وقدوتنا، نلقَى الله باتِّباعه في معتقداته، وهو الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، إمام المتكلمين وناصر السُّنة، مولده سَنة ستين ومائتين، ووفاته سَنة أربع وعشرين وثلاثمائة ببغداد. تنبيه: مِن فوائد الخلاف في هذه المسألة المذكورة في الفقه أن المصلِّي إذا نظر في مكتوب وهو في الصلاة وقرأه في قلبه مِن غير تلفُّظ، لم تبطل، وقيل: تبطل إنْ طال. حكاه ابن كج. ومنها: لو قرأ الجنُب أو الحائض القرآن في نفسه ولم يتلفظ، لا يكون حرامًا؛ لأنَّ المدار في الأمرين على اللفظ باللسان ولم يوجد، بخلاف ما إذا دار الحكم على الأعم كالغيبة بالقلب من غير تلفُّظ فإنه حرام كما صرح به الغزالي في "الإحياء" وتبعه النووي في "الأذكار"؛ لأن "الغيبة" ذِكر الشخص بما يكرهه، فلا فرق بين اللسان والجنَان. ومنها: في قوله ﷺ في الصائم: "فإنِ امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" (١) هل يقول بقلبه أو بلسانه؟ وجهان: نقل الرافعي عن الأئمة الأول، ورجح النووي في "الأذكار" و"لغات التنبيه" الثاني، وفي "شرح المهذب": (إنه الأقوى، فإنْ جَمع بينهما فَحَسَن) (٢). واستحسن الروياني وَجْه التفصيل بين النفل (فيقوله بقلبه) والفرض (فبلسانه).

стр. 908

ومنها: حلف لا يتكلم، فتكلم في نفسه. قال الخوارزمي في "الكافي": يحتمل وجهين، أحدهما: لا يحنث، ويحمل على الكلام المتعارف بين الناس. قال: والأصح أنه يحنث؛ لأنه كلامٌ حقيقة. ومنها: لو تكلم بطلاقها في قلْبه من غير تلفُّظ، لا يقع عليه طلاق. وكذا العتق ونحوه، وكذا العقود والفسوخ والاستثناء في الطلاق ونحوه بالقلب، وكأنَ ذلك كله لحديث: "إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفُسها ما لم تتكلم أو تعمل" (١). نعم، لو حرَّك لسانه بالطلاق ولم يرفع صوته بحيث يسمع السميع لكن يُدرك من التحريك أنه نطق به، يقع الطلاق على أحد الوجهين، والثاني: لا؛ لأن المدار فيه على التصويت، فكما لم يجعل مِثله قراءة لم يجعل كلامًا. وفي النذر بالقلب وجهان، أصحهما عدم الصحة. وقولي: (وَالثَّانِي مَحَلُّ بَحْثِ الْفَنِّ) أي: إن "الكلام" وإن كان يُطلق على النفساني -على الخلاف السابق- فإنما محل كلام أهل فن أصول الفقه في اللساني؛ لأنه الذي يُستدل به في الأحكام ويُتكلم على الأقسام الموصلة إلى فَهْمه، وكذلك هو أيضًا محل كلام المفسرين وأهل عِلم المعاني والبيان والنحو ونحو ذلك من تصريف وعَروض وغيرهما كما سبق بيانه في تعريف القرآن أول الباب الأول، والله تعالى أعلم.

стр. 909

ص: ٤٣١ - فَمَا بِذَاتِهِ يُفِيدُ الطَّلَبَا ... فَـ "أَمْرٌ" اوْ "نَهْيٌ" إذَا مَا طُلِبَا ٤٣٢ - فِعْلٌ وَتَرْكٌ، وَكذَا "اسْتِفْهَامُ" ... إنْ كَانَ فِيهِ يُطْلَبُ الْإعْلَامُ ٤٣٣ - وَشِبْهُ ذَا "التَّنْبِيهُ" فِيمَا يَعْنِي ... كالْعَرْضِ وَالتَّحْضِيضِ وَالتَّمَنِّي ٤٣٤ - وَكَالرَّجَا، وَمَا بِلَفْظِهِ حَصَلْ ... وُجُودٌ "الْإنْشَاءَ" سَمِّ حَيْثُ حَلْ الشرح: أي: إذا كان الكلام اللساني هو محل بحث أصول الفقه، فلا بد مِن بيان أنواعه والفرق بينها؛ ليحصل الاستدلال بها على المراد، وإنْ كانت تلك الأقسام في النفساني -على المرجَّح أيضًا- لكن الحاجة لِمَا في اللساني كما بيناه. وللناس في التقسيم طُرُق: فمنهم مَن يقسمه إلى خبر وإنشاء؛ لأنه إن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر، وإلا فهو الإنشاء. وذلك الإنشاء إما طلب أو غيره، وهو المشهور باسم الإنشاء. والطلب إما أمر أو نهي أو استفهام، نحو: (قُم ولا تقعد)، و: (هل عندك أحد؟ ). و[مثال] (١) الإنشاء (وهو الذي [يُقْتَرف] (٢) معناه بوجود لفظه): بعتُ واشتريتُ وأعتقتُ وطلقتُ، وما أَشْبَه ذلك. ومنهم من يقسمه ثلاثة أقسام: خبر، وطلب، وإنشاء، ويرى بأن الإنشاء ليس منه

стр. 910

الطلب، بل قسيمه؛ لأن المطلوب مستدعَى الحصول في المستقبل، والإنشاء مدلوله يحصل في الحال، ولفظ الإنشاء سبب لوجود معناه، ولفظ الطلب ليس سببًا لوجود معناه. وإنْ أُريدَ بالإنشاء إحداث شيء لم يكن فالكل إنشاء؛ لأن الخبر إحداث الإخبار به، ولا قائل بذلك. ومنه مَن يقسمه إلى: خبر، وطلب كما قال ابن مالك في "كافيته": قولٌ مفيدٌ طلبًا أو خبرا ... هو الكلام، كاستمع وسترى وكأنه رأَى أن الإنشاء فرع عن الخبر كما سيأتي بيانه، فيكتفي بذكر الخبر أو غير ذلك، وقد بسطتُ المسألة بسطًا شافيًا في "شرح الصدور بشرح زوائد الشذور" لابن هشام في النحو، فليطلَب منه؛ فإنه مهم. وقد جريتُ في هذا النَّظم على تقسيمه إلى ثلاثة أقسام؛ لأنه أرجح الطرق وأوضحها. فبدأتُ بذكر الطلب بقولي: (فَمَا بِذَاتِهِ يُفِيدُ الطَّلَبَا)، والتقييد بلفظ "بذاته" للاحتراز عما يفيده باللازم أو بالقرينة. نحو: (أنا أطلب منك أن تخبرني بكذا)، أو: (أن تسقيني ماء)، أو: (أن تترك الأذى) أو نحو ذلك، فإنَّ هذا وإنْ كان دالّا على الطلب لكن لا بذاته، بل هذه إخبارات لازِمُها الطلب، ولا يُسمَّى الأول استفهامًا ولا الثاني أمرًا ولا الثالث نهيًا لذلك. وكذا نحو قوله: (أنا عطشان)، كأنه قال: (فاسْقني)، فإن هذا طلبٌ بالقرينة، لا بذاته. وربما عُبِّر عن هذا القيد بكونه بالوضع، وربما عُبِّر بما يُفيده إفادةً أوليَّة، والكل صحيح. وقولي: (فَـ "أَمْرٌ" اوْ "نَهْيٌ") إلى آخِره -إشارة لانقسام الطلب لأمر ونهي واستفهام؛ لأنه إنْ طلب به تحصيل فِعل فأمر، أو ترك فنهيٌ. وربما قُيدا بكونهما مِن الأعلى لِمَن دُونه، فإنْ كان بالعكس فدعاء، وإنْ كان مِن مساوٍ

стр. 911

فالتماس. هذا في الاصطلاح، وأما في اللغة فلا فرق، وستأتي المسألة في باب الأوامر والنواهي وأن الاستعلاء أيضًا لا يُعتبر. وإنْ كان الطلب للإعلام بشيء لا لتحصيل فِعل ولا ترك فهو استفهام (استفعال مِن "الفَهْم")، فَ "السين" للطلب. وما أحسن ما عبَّر عن ذلك البيانيون، فقالوا في "الأمر" و"النهي": إنهما طلب ما هو حاصل في الذهن أن يحصل في الخارج، وفي "الاستفهام" بالعكس، أي: طلب ما في الخارج أن يحصل في الذهن. وقولي: (وَشِبْهُ ذَا "التَّنْبِيهُ") إلى آخِره -إشارة إلى قسم آخَر غير الثلاثة المذكورة، وهو المسمى بِـ "التنبيه"، وتحته أقسام: العَرْض، نحو: ألا تنزل عندنا. والتحضيض، نحو: هلا تنزل. وهو أشد وأَبْلَغ من العرض. والتمني، نحو: ليت لي مالًا فأُنفِقه. والرجاء، نحو: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]. والفرق بينه وبين التمني أن الترجي في الممكن، وأما التمني فيكون في المستحيل، واستُغني بذكر الترجي عن الإشفاق وهو ما يكون في المكروه. وربما تُوُسِّع بإطلاق الترجي على الأعم، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وهذا القِسم ليس طلبًا صريحًا، بل إيماء إلى الطلب؛ فلذلك عبَّرتُ عنه بقولي: (وَشِبْهُ ذَا)، أي: شبه الطلب الصريح، فليست الإشارة إلى الاستفهام، بل لمطلق الطلب.

стр. 912

ولكونه ليس طلبًا بالوضع جعله قومٌ -كالبيضاوي- قَسِيمًا له، حيث قال: إن الكلام إما أن يفيد طلبًا بالوضع وهو الأمر والنهي والاستفهام، أوْ لا، فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيهٌ وإنشاء، ومحتملهما الخبر. وكذا عبَّر به في "جمع الجوامع"، ولكنه لا يُعرف منه ما يتميز به "التنبيه" من "الإنشاء"، ولا كَوْنه فيه طلبٌ ما، على أنَّ البيانيين يُطْلقون عليه اسم الطلب، فيجعلون الطلب أمرًا ونهيًا واستفهامًا وتنبيهًا. وقولي: (وَمَا بِلَفْظِهِ حَصَلْ وُجُودٌ "الْإنْشَاءَ") إشارة إلى ما سبق في تعريف الإنشاء بأنه الذي يحصل معناه بوجود لفظه، فـ "الْإنْشَاءَ" منصوب بالفعل الذي بعده وهو "سَمِّ". تنبيهات الأول: ادَّعى القرافي في "الفروق" الإجماع على أن "الأمر والنهي والقَسَم والترجي والنداء" مِن أقسام الإنشاء، وهو جارٍ على ما قرره مِن تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، وجرى عليه البيانيون في جعلهم الإنشاء أَعَم مِن الطلب. أما على الطريقة الراجحة في جعله ثلاثة أقسام فلا يتأتى ذلك؛ ولهذا جعل الإمام الرازي وأتباعه الطلب غير الإنشاء. نعم، جَعْلُه القَسَم والنداء من الإنشاء قطعًا ظاهر؛ لأن القَسَم جملة إنشائية يؤكَّد بها جملة خبرية ولو كانت صيغتها "أقْسم" ونحوه من المضارع، إذْ لو قلنا: (إنها خبرٌ)، لكان وَعْدًا بالقَسم، لا قَسَمًا. وأما النداء فدائر بين: - كَوْنه طلبًا؛ ولهذا يُقال في المنادَى: هو المطلوب إقباله بـ "يا" ونحوها.

стр. 913

- وكونه تنبيهًا؛ لأن "يا" فيه لتنبيه السامع؛ ولهذا يذكر غالبًا للإقبال بالقلب والخاطر لسماع كلام المتكلم وتَلَقِّي ما يريده. - وكونه إنشاءً؛ لأنَّ "يا" في نحو: "يا زيد" نائبةٌ منابَ "أدعو" ونحو ذلك، وهذه الصيغة المقصود بها إنشاءٌ لا إخبار. وقد يُدفع بذلك تعقُّب الإمام الرازي في تفسيره (١) -في سورة البقرة- وغيْره بأنَّ "يا" إنشاء و"أدعُو" خبر، فكيف يُقدر ذلك؟ وبأمور أخرى كلها ترجع إلى هذا التشكيك الذي قد علمتَ جوابه بادِّعاء أن "أدعو" أو "أنادي" إنشاء، لا خبر. وكذا ما أَوْرَدَه على [مذهب] (٢) سيبويه حيث قَدَّر في "يا زيد": (يا أنادي زيدًا) مِن أنَّ "أنادي" خبر عن النداء، والخبر عن الشيء غَيْرُه، أي: و"يا زيد" نداء قطعًا، فلا يكون تقديره "أنادي زيدًا". وجوابه ما سبق: أن "أنادي" إنشاء، فيكون "يا" للتنبيه، و"أنادي" بعدها لإنشاء النداء وهو تنبيه أيضًا، لكن الأول تنبيه عام والثاني تنبيه خاص. نعم، وقع خلاف في بعض المنادَى أنه خبر، لا إنشاء، فقال ابن بابشاذ في نحو: "يا زانية" أو "يا فاسقة": إنه خبر؛ لأنه مما يدخله الصدق والكذب. وغَلَّطوه؛ إذْ لا فرق بين نداء الاسم ونداء الصفة، واحتمال الكذب إنما هو مِن جهة الوصف، لا مِن جهة النداء بالوصف، وهما غَيْران. وفي "الغُرَّة" لابن الدَهَّان قريب مِن مقالته، فإنه قال: (إذا ناديتَ وصفًا فالجملة خبرية، أو اسمًا فالجملة غير خبرية؛ ولهذا لو قال: "يا زانية" وَجَبَ الحد). انتهى

стр. 914

وقد فرَّع أصحابنا على البحث الذي ذكرناه في المنادى فيما لو قال لها: (يا طالق إنْ شاء الله) أنه لا يصح عَوْدُ الاستثناء إلى المنادى؛ لأنه ليس بإنشاء، فقالوا: لو قال لها: (يا طالق، أنت طالق ثلاثًا إنْ شاء الله) إنَّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة؛ لكونه إنشاء يَقبل الاستثناء، فلا يقع الثلاث، ويقع عليه بقوله: (يا طالق) طلقة. فلو أَخَّر النداء فقال: (أنت طالق ثلاثًا إنْ شاء الله يا طالق)، لا يقع عليه شيء؛ لأن قوله: (يا طالق) مُرتَّبٌ على قوله أولًا: (أنت طالق ثلاثًا)، وذاك لم يقع به شيء، لتعقيبه بالاستثناء بالمشيئة. لكن كوْن المنادَى لا يكون إنشاء إنما هو مِن جهة إنشاء الطلاق وأما مِن حيث إنه إنشاء لدعائه وطلبه فلا يمتنع. الثاني: مِن الإنشاء صِيَغُ العقود والفسوخ كما تَقدم، وهي خبر في الأصل بلا شك، ولكن لَمَّا استُعملت في الشرع في معنى الإنشاء، اختُلف فيها: هل هي باقية على أصلها من الخبرية؟ أو نُقلت؟ الأكثرون على الثاني، والحنفية على الأول على معنى الإخبار عن ثبوت الأحكام. فمعنى قولك: "بِعتُ" الإخبار عمَّا في قلبك، فإنَّ أصل البيع هو التراضي، فصار "بِعتُ" لفظة دالة على الرضَا بما في ضميرك، فيُقدَّر وجودها قبيل اللفظ؛ للضرورة، وغاية ذلك أن يكون مجازًا، وهو أَوْلى مِن النقل. ودليل الأكثرين أنه لو كان خبرًا لَكان إما عن ماضٍ أو حالٍ أو مستقبلٍ، والأوَّلان باطلان؛ لِئلَّا يَلْزَم أنْ لا يَقْبَل الطلاق ونحوُه التعليق، لأنه يقتضي توقُّف شيء لم يوجد على ما لم يوجد، والماضي والحال قد وُجِدَا، لكن قبوله التعليق إجماع. والمستقبل يَلزم منه أن لا يقع به شيء؛ لأنه بمنزلة "سأُطَلِّق" والفَرْض خِلافُه. إلى غير

стр. 915

ذلك من أدلته التي لسنا بصددها في هذا المختصر، والله أعلم. ص: ٤٣٥ - وَمَا لَهُ مِنَ الْكَلَامِ خَارِجُ ... يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ، ذَاكَ الرَّايِجُ ٤٣٦ - فَخَبَرٌ، وَفِيهِمَا يَنْحَصِرُ ... بِطِبْقِهِ لَهُ وَنَفْيٍ يُقْصَرُ ٤٣٧ - لَا [الِاعْتِقَادُ مُفْرَدًا] (١) أَوْ مَعْهُ ... فَيَنْتَفِي تَوَسُّطٌ، فَدَعْهُ الشرح: اشتملت هذه الأبيات على أمرين: أحدهما: تعريف الخبر الذي هو أحد الأقسام الثلاثة للكلام كما بيناه. والثاني: بيان أقسامه. فأما الأول: فالخبر: ما له من الكلام خارج، أي: لنسبته وجود خارجي في زمن غير زمن الحكم بالنسبة، وربما فسر ذلك بما هو خارج عن كلام النفس المدلول عليه بذلك اللفظ. فيخرج عن ذلك "الطلب" أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا، فإنه كلام محكوم فيه بنسبة ولكن ليست خارجية، إذ ليس لنسبته الطلبية خارج عن زمن الطلب، ولا وجود لها خارج عن نفس المتكلم، فالخارج على كل حال قابِل لمطابقة ما في النفس من الحكم بالنسبة فيكون صدقًا، ولعدم المطابقة فيكون كذبًا، وهو معنى قولي: (يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ). ويخرج أيضًا بقيد كونه له خارج: الإنشاء، فإنَّ مدلوله موجود به، فلا خارج له.
следующие страницы →