← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فالتماس. هذا في الاصطلاح، وأما في اللغة فلا فرق، وستأتي المسألة في باب الأوامر والنواهي وأن الاستعلاء أيضًا لا يُعتبر. وإنْ كان الطلب للإعلام بشيء لا لتحصيل فِعل ولا ترك فهو استفهام (استفعال مِن "الفَهْم")، فَ "السين" للطلب. وما أحسن ما عبَّر عن ذلك البيانيون، فقالوا في "الأمر" و"النهي": إنهما طلب ما هو حاصل في الذهن أن يحصل في الخارج، وفي "الاستفهام" بالعكس، أي: طلب ما في الخارج أن يحصل في الذهن. وقولي: (وَشِبْهُ ذَا "التَّنْبِيهُ") إلى آخِره -إشارة إلى قسم آخَر غير الثلاثة المذكورة، وهو المسمى بِـ "التنبيه"، وتحته أقسام: العَرْض، نحو: ألا تنزل عندنا. والتحضيض، نحو: هلا تنزل. وهو أشد وأَبْلَغ من العرض. والتمني، نحو: ليت لي مالًا فأُنفِقه. والرجاء، نحو: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]. والفرق بينه وبين التمني أن الترجي في الممكن، وأما التمني فيكون في المستحيل، واستُغني بذكر الترجي عن الإشفاق وهو ما يكون في المكروه. وربما تُوُسِّع بإطلاق الترجي على الأعم، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وهذا القِسم ليس طلبًا صريحًا، بل إيماء إلى الطلب؛ فلذلك عبَّرتُ عنه بقولي: (وَشِبْهُ ذَا)، أي: شبه الطلب الصريح، فليست الإشارة إلى الاستفهام، بل لمطلق الطلب.

стр. 912

ولكونه ليس طلبًا بالوضع جعله قومٌ -كالبيضاوي- قَسِيمًا له، حيث قال: إن الكلام إما أن يفيد طلبًا بالوضع وهو الأمر والنهي والاستفهام، أوْ لا، فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيهٌ وإنشاء، ومحتملهما الخبر. وكذا عبَّر به في "جمع الجوامع"، ولكنه لا يُعرف منه ما يتميز به "التنبيه" من "الإنشاء"، ولا كَوْنه فيه طلبٌ ما، على أنَّ البيانيين يُطْلقون عليه اسم الطلب، فيجعلون الطلب أمرًا ونهيًا واستفهامًا وتنبيهًا. وقولي: (وَمَا بِلَفْظِهِ حَصَلْ وُجُودٌ "الْإنْشَاءَ") إشارة إلى ما سبق في تعريف الإنشاء بأنه الذي يحصل معناه بوجود لفظه، فـ "الْإنْشَاءَ" منصوب بالفعل الذي بعده وهو "سَمِّ". تنبيهات الأول: ادَّعى القرافي في "الفروق" الإجماع على أن "الأمر والنهي والقَسَم والترجي والنداء" مِن أقسام الإنشاء، وهو جارٍ على ما قرره مِن تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، وجرى عليه البيانيون في جعلهم الإنشاء أَعَم مِن الطلب. أما على الطريقة الراجحة في جعله ثلاثة أقسام فلا يتأتى ذلك؛ ولهذا جعل الإمام الرازي وأتباعه الطلب غير الإنشاء. نعم، جَعْلُه القَسَم والنداء من الإنشاء قطعًا ظاهر؛ لأن القَسَم جملة إنشائية يؤكَّد بها جملة خبرية ولو كانت صيغتها "أقْسم" ونحوه من المضارع، إذْ لو قلنا: (إنها خبرٌ)، لكان وَعْدًا بالقَسم، لا قَسَمًا. وأما النداء فدائر بين: - كَوْنه طلبًا؛ ولهذا يُقال في المنادَى: هو المطلوب إقباله بـ "يا" ونحوها.

стр. 913

- وكونه تنبيهًا؛ لأن "يا" فيه لتنبيه السامع؛ ولهذا يذكر غالبًا للإقبال بالقلب والخاطر لسماع كلام المتكلم وتَلَقِّي ما يريده. - وكونه إنشاءً؛ لأنَّ "يا" في نحو: "يا زيد" نائبةٌ منابَ "أدعو" ونحو ذلك، وهذه الصيغة المقصود بها إنشاءٌ لا إخبار. وقد يُدفع بذلك تعقُّب الإمام الرازي في تفسيره (١) -في سورة البقرة- وغيْره بأنَّ "يا" إنشاء و"أدعُو" خبر، فكيف يُقدر ذلك؟ وبأمور أخرى كلها ترجع إلى هذا التشكيك الذي قد علمتَ جوابه بادِّعاء أن "أدعو" أو "أنادي" إنشاء، لا خبر. وكذا ما أَوْرَدَه على [مذهب] (٢) سيبويه حيث قَدَّر في "يا زيد": (يا أنادي زيدًا) مِن أنَّ "أنادي" خبر عن النداء، والخبر عن الشيء غَيْرُه، أي: و"يا زيد" نداء قطعًا، فلا يكون تقديره "أنادي زيدًا". وجوابه ما سبق: أن "أنادي" إنشاء، فيكون "يا" للتنبيه، و"أنادي" بعدها لإنشاء النداء وهو تنبيه أيضًا، لكن الأول تنبيه عام والثاني تنبيه خاص. نعم، وقع خلاف في بعض المنادَى أنه خبر، لا إنشاء، فقال ابن بابشاذ في نحو: "يا زانية" أو "يا فاسقة": إنه خبر؛ لأنه مما يدخله الصدق والكذب. وغَلَّطوه؛ إذْ لا فرق بين نداء الاسم ونداء الصفة، واحتمال الكذب إنما هو مِن جهة الوصف، لا مِن جهة النداء بالوصف، وهما غَيْران. وفي "الغُرَّة" لابن الدَهَّان قريب مِن مقالته، فإنه قال: (إذا ناديتَ وصفًا فالجملة خبرية، أو اسمًا فالجملة غير خبرية؛ ولهذا لو قال: "يا زانية" وَجَبَ الحد). انتهى

стр. 914

وقد فرَّع أصحابنا على البحث الذي ذكرناه في المنادى فيما لو قال لها: (يا طالق إنْ شاء الله) أنه لا يصح عَوْدُ الاستثناء إلى المنادى؛ لأنه ليس بإنشاء، فقالوا: لو قال لها: (يا طالق، أنت طالق ثلاثًا إنْ شاء الله) إنَّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة؛ لكونه إنشاء يَقبل الاستثناء، فلا يقع الثلاث، ويقع عليه بقوله: (يا طالق) طلقة. فلو أَخَّر النداء فقال: (أنت طالق ثلاثًا إنْ شاء الله يا طالق)، لا يقع عليه شيء؛ لأن قوله: (يا طالق) مُرتَّبٌ على قوله أولًا: (أنت طالق ثلاثًا)، وذاك لم يقع به شيء، لتعقيبه بالاستثناء بالمشيئة. لكن كوْن المنادَى لا يكون إنشاء إنما هو مِن جهة إنشاء الطلاق وأما مِن حيث إنه إنشاء لدعائه وطلبه فلا يمتنع. الثاني: مِن الإنشاء صِيَغُ العقود والفسوخ كما تَقدم، وهي خبر في الأصل بلا شك، ولكن لَمَّا استُعملت في الشرع في معنى الإنشاء، اختُلف فيها: هل هي باقية على أصلها من الخبرية؟ أو نُقلت؟ الأكثرون على الثاني، والحنفية على الأول على معنى الإخبار عن ثبوت الأحكام. فمعنى قولك: "بِعتُ" الإخبار عمَّا في قلبك، فإنَّ أصل البيع هو التراضي، فصار "بِعتُ" لفظة دالة على الرضَا بما في ضميرك، فيُقدَّر وجودها قبيل اللفظ؛ للضرورة، وغاية ذلك أن يكون مجازًا، وهو أَوْلى مِن النقل. ودليل الأكثرين أنه لو كان خبرًا لَكان إما عن ماضٍ أو حالٍ أو مستقبلٍ، والأوَّلان باطلان؛ لِئلَّا يَلْزَم أنْ لا يَقْبَل الطلاق ونحوُه التعليق، لأنه يقتضي توقُّف شيء لم يوجد على ما لم يوجد، والماضي والحال قد وُجِدَا، لكن قبوله التعليق إجماع. والمستقبل يَلزم منه أن لا يقع به شيء؛ لأنه بمنزلة "سأُطَلِّق" والفَرْض خِلافُه. إلى غير

стр. 915

ذلك من أدلته التي لسنا بصددها في هذا المختصر، والله أعلم. ص: ٤٣٥ - وَمَا لَهُ مِنَ الْكَلَامِ خَارِجُ ... يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ، ذَاكَ الرَّايِجُ ٤٣٦ - فَخَبَرٌ، وَفِيهِمَا يَنْحَصِرُ ... بِطِبْقِهِ لَهُ وَنَفْيٍ يُقْصَرُ ٤٣٧ - لَا [الِاعْتِقَادُ مُفْرَدًا] (١) أَوْ مَعْهُ ... فَيَنْتَفِي تَوَسُّطٌ، فَدَعْهُ الشرح: اشتملت هذه الأبيات على أمرين: أحدهما: تعريف الخبر الذي هو أحد الأقسام الثلاثة للكلام كما بيناه. والثاني: بيان أقسامه. فأما الأول: فالخبر: ما له من الكلام خارج، أي: لنسبته وجود خارجي في زمن غير زمن الحكم بالنسبة، وربما فسر ذلك بما هو خارج عن كلام النفس المدلول عليه بذلك اللفظ. فيخرج عن ذلك "الطلب" أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا، فإنه كلام محكوم فيه بنسبة ولكن ليست خارجية، إذ ليس لنسبته الطلبية خارج عن زمن الطلب، ولا وجود لها خارج عن نفس المتكلم، فالخارج على كل حال قابِل لمطابقة ما في النفس من الحكم بالنسبة فيكون صدقًا، ولعدم المطابقة فيكون كذبًا، وهو معنى قولي: (يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ). ويخرج أيضًا بقيد كونه له خارج: الإنشاء، فإنَّ مدلوله موجود به، فلا خارج له.

стр. 916

وهذا التعريف يرجع [إلى] (١) قول مَن عَرَّفه بما يحتمل الصدق والكذب أو بما يحتمل التصديق والتكذيب، فإن ذلك متضمن لكونه له خارج، فهو [الفصل] (٢) المُخْرج للطلب والإنشاء، لا أن نفس كونه محتملًا هو المُخْرِج لهما خلافًا لمن تَوهَّم ذلك حتى توَجَّه -بمقتضى ذلك- على التعريف أسئلة تحتاج إلى جواب: منها: على مَن قال: (ما يحتمل التصديق والتكذيب) أنهما نوعان للخبر، والنوع إنما يعرف بعد معرفة الجنس، فإذا عُرِّف به الجنس، لَزِمَ الدَّور. وجوابه: ما قررناه أن القيد المخرج إنما هو تضمن التصديق والتكذيب كون الكلام له خارج، وأيضًا التصديق أو التكذيب اعتقاد كوْن الخبر صدقًا أو كذبًا، لا الإخبار بذلك، ولو سُلِّم أن المراد الإخبار به فتوقف الخبر عليهما توقُّف على وجود أحدهما لا على تَصوُّره، فاختلفت جهة التوقف، فلا دَوْر. وأجاب القرافي بأن السائل عن الخبر يعرف التصديق والتكذيب إجمالًا ولا يعرف نفس الخبر، فإذا ذكر له ذلك، انتظم له بالتفصيل معنى الخبر، وتَبيَّن له مدلوله بمدلول لفظ الصدق والكذب. ومنها: على مَن يقول: (ما يحتمل الصدق والكذب) أنه لا يحتمل إلا واحدًا منهما وإلا لزم اجتماع الضدين، فينبغي أن يُقال: (الصدق أو الكذب)؛ حتى يكون الواقع أحدهما فقط. كذا جنح إليه إمام الحرمين. وجوابه: أن القابلية لهما لا بُدَّ منها في حالة واحدة، وأما الوقوع فلا يكون إلا أحدهما فقط، وذلك أنه لا يَلزم مِن تنافى المقبولين تنافي القَبولين، ألا ترى أن الممكن قابل للوجود

стр. 917

والعدم، ولو وُجد أحد القَبولين دُون الآخر لَزِمَ استحالة ذلك [المقبول] (١)، فإنْ كان المستحيل هو الوجود، لَزِمَ كون الممكن مستحيلًا، وإنْ كان المستحيل هو العلم، لزم كون الممكن واجب الوجود، وهُما مُحالان، فلا يُتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين. ومنها: ما قاله القرافي في "الفروق" وغيرها: إن الخبر بالوضع اللغوي إنما هو للصدق ولا يحتمل الكذب؛ لأن معنى "قام زيد" حصول قيامه في زمن ماض (٢). فالاحتمال للكذب إنما جاء مِن حيث المخبر، لا مِن حيث الخبر. وجوابه: أن المركب غير موضوع، وعلى تسليم كونه موضوعًا فالواضع إنما وضع نحو "قام زيد" للحُكم بالنسبة، لا لوقوع النسبة، فمدلوله الحكم، لا الوقوع، والحكم محتمل للأمرين من حيث هو. وأما كونه قد يكون صدقًا قطعًا [فخبر] (٣) المعصوم والمعلوم بالضرورة، كقولنا: (الواحد نصف الاثنين) أو بالاستدلال كالحكم بحدث العالم، وقد يكون كذبًا قطعًا كالمعلوم خِلافه ضرورةً أو استدلالًا، فإنما ذلك لأمر الخارج كما قرر الإمام ذلك في "المحصول"، وأطال في الاستدلال عليه، ولا التفات إلى ما تُعُقِّب به عليه، فإنه ظاهر الفساد، وأيضًا فالاتفاق على انقسام الخبر إلى صدق وكذب. وبهذا التقرير يُعلم جواب مَن قال: (ينبغي التعبير بالتصديق والتكذيب، لا بالصدق والكذب؛ لأن مِن الأخبار ما يحتمل أحدهما دُون الآخَر)، فيُجاب بما سبق.

стр. 918

تنبيهات أحدها: قد عُلم أن الخبر مشتمل على محكوم عليه ومحكوم به، وربما عُبر عن ذلك بمُسنَد إليه ومُسْنَد، وهو عبارة البيانيين، ويعدونه إلى مطلق الكلام. وأما المنطقيون فيسمون الخبر "قضيةً"، لِمَا فيها مِن القضاء بشيء على شيء، ويسمون المقضي عليه "موضوعًا"، والمقضي به "محمولًا"؛ لأنك تضع الشيء وتحمل عليه حُكمًا، ويقسمون القضية إلى: طبيعية: وهي ما حُكم فيها بأحد أمرين مِن حيث هو على الآخَر مِن حيث هو، لا بالنظر إلى أفراده، نحو: "الرجل خير من المرأة"، ونحو: "الماء مُرْوٍ". وغير طبيعية: وهي التي قصد الحكم فيها على مشخص في الخارج، لا على الحقيقة مِن حيث هي، ثم يُنظر: فإن حُكم فيها على جُزئي مُعَين، سميت "شخصية" نحو: زيد قائم، أوْ لا على مُعَين، فإنْ ذكر فيها سورُ الكل أو البعض في نفي أو إثبات، سميت "محصورة"، نحو: "كل إنسان كاتب بالقوة، وبعض الإنسان كاتب بالفعل"، ونحو: "لا شيء أو لا واحد مِن الإنسان بجماد، وليس بعض الإنسان بكاتب بالفعل، أو بعض الإنسان ليس كذلك". وإنْ لم يكن للقضية سور والمراد الحكم فيها على الأفراد لا على الحقيقة مِن حيث هي، سُميت "مهملة"، نحو: "الإنسان في خسر"، والحكم فيها على بعضٍ ضروريٌّ، فهو المتحقق، ولا يصدق عليها كُلية. نعم، إذا كان فيها "أل" كما في "الإنسان كاتب"، يُطلِق عليها ابن الحاجب وغيره كثيرًا أنها "كُلية"؛ نظرًا إلى إفادة "أل" العموم، فهي مِثل "كُل" وإن لم يكن ذلك مِن اصطلاح

стр. 919

المنطقيين. الثاني: سأل بعضهم: إنَّ سُنة النبي ﷺ فيها الأمر والنهي والاستفهام وأنواع التنبيه وغير ذلك، فكيف تُسمَّى كلها أخبارًا فيقال: أخبار النبي ﷺ ؟ وأجاب عنه القاضي أبو بكر بجوابين: أحدهما: أن الكل أخبر به النبي ﷺ عن حُكم الله تعالى، فأمره ونهيه وما أشبههما هو في الحقيقة خبر عن حكم الله . الثاني: إنها سُميت أخبارًا لنقل المتوسطين، فَهُم يخبرون بها عَمَّن أخبرهم، إلى أن ينتهي إلى مَن أمره النبي ﷺ أو نهاه، فإن ذلك يقول: (أمرَنا ونهانا)، والذي بعده يقول: (أخبرنا فلان عن فلان بأنه ﷺ أمرَ ونهى). التنبيه الثالث: زعم قوم أن الخبر ضروري فلا يُحَد، منهم الإمام الرازي، قال: (لأن كل أحد يعلم أنه موجود ويُخبر به، والخبر بذلك جُزئي مِن مُطلِق الخبر) (١). ونظيره ما قيل في "العلم"، وجوابه كجوابه، وقد سبق. وقيل: لا يحد؛ لأنه عسر كما سبق أيضًا في "العلم"، ومثلهما الوجود والعدم ونحوهما. الرابع: ذكر القرافي (٢) فروقًا بين الخبر والإنشاء: أحدها: قبول الخبر الصدق والكذب كما سبق، بخلاف الإنشاء. الثاني: أن الخبر تابع لمخبَره في أي زمان كان ماضيًا أو حالًا أو مستقبلًا، والإنشاء متبوع

стр. 920

لمتعلَّقه، فيترتب عليه بعده. الثالث: أن الإنشاء سبب لوجود متعلقه، فَيَعقُب آخِر حَرْفٍ منه، أو يوجد مع آخر [حرف] (١) منه على الخلاف في ذلك إلا أن يمنع مانع، وليس الخبر سببًا ولا معلَّقًا عليه، بل مُظهِر فقط. قلتُ: وهذه الفروق راجعة إلى أن الخبر له خارج يصدق أو يكذب كما ذكرته في النظم. فرع: مما يبني على الفرق بينهما أن الظهار هل هو خبر؟ أو إنشاء؟ قال القرافي: (قد يتوهم أنه إنشاء، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى أشار إلى كذب المظاهِر ثلاث مرات بقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]). قال: (ولأنه حرام، ولا سبب لتحريمه إلا كونه كذبًا) (٢). وأجاب عمن قال: سبب التحريم أنه قائم مقام الطلاق الثلاث وذلك حرام على رأي. وأطال في ذلك. لكن الظاهر أنه إنشاء، خلافاً له؛ لأن مقصود الناطق به تحقيق معناه الخبري بإنشاء التحريم، فالتكذيب ورَدَ على معناه الخبري، لا على ما قصده من إنشاء التحريم. وهذا مثل قوله: (أنتِ عَلَيَّ حرام)، فإنَّ قصده إنشاء التحريم؛ فلذلك وجبت الكفارة حيث لم يقصد به طلاقًا ولا ظهارًا، لا مِن حيث الإخبار.

стр. 921

[لكن الإنشاء] (١) ضربان: ضرب أَذِن الشرع فيه كما أراده المنشئُ، كالطلاق. وضرب لم يأذن فيه الشرع ولكنه رتب فيه حُكمًا وهو الظهار رتب فيه تحريم المرأة إذا عاد حتى يُكفِّر. وقوله: (إنها حرام) لا بقصد طلاق أو ظهار رتب فيه التحريم حتى يُكفر. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وينبغي أن يسمى هذا الإنشاء الثاني باطلًا، وأما الأول فإن وقع بشروطه الشرعية فصحيح وإلا ففاسد أو باطل) (٢). قال: (والباطل هنا لا يترتب عليه أثرٌ أصلًا، بخلاف الباطل في القسم الثاني وهو الظهار والتحريم حيث يترتب عليهما حُكم شرعي؛ لأن البطلان فيهما لإلغاء الشارع لهما، لا لفوات شرط أو وجود مُفسدٍ، والبطلان في البيع والنكاح وغيرهما إما لفوات شرط أو لوجود مُفسد) (٣). الأمر الثاني مما اشتملت عليه الأبيات: أنه قد عُلم انقسام الحكم بحسب مطابقته للخارج الذي هو نفس الأمر وعدم مطابقته إلى: صدق، وكذب. ولا مخرج للخبر عنهما عند الجمهور، وخالف في كل مِن الأمرين مخالِف: فأما الأول، فقد قيل: إنَّ صِدق الخبر هو مطابقته لاعتقاد المخبر، سواء طابق الخارج أوْ لا. وكِذبه عدم مطابقته لاعتقاده، سواء طابق الخارج أوْ لا، ويدخل في عدم مطابقته

стр. 922

للاعتقاد "الشاكُّ"، وهو مَن لا اعتقاد له في شيء مِن الطرفين. كذا حكاه صاحب "التلخيص" البياني فيه وفي "إيضاحه". قيل: وهو قول غريب لم يَحْكِه سِوى القاضي جلال الدين في هذين الكتابين وإن كان ظاهر عبارة ابن الحاجب تقتضيه أيضًا، لكن شُراحه حملوه على خلاف ذلك. وجوَّز الخطيبيُّ في شرح "التلخيص" أن يكون [أراد] (١) بهذا القول أن بين الصدق والكذب واسطة باعتبار أنه إنْ طابق الاعتقاد فهو صدق، وإن خالفه فكذب، وإن لم يطابق ولا خالف يكون واسطة. وجرى على ذلك في "جمع الجوامع". قيل: ولا يُعرف هذا القول عن أحد، وإنما إثبات الواسطة على ما سيأتي في الأمر الثاني. وبالجملة فقد استُدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، فسماهم كاذبين مع مطابقة قولهم الواقع. وأجيب بأن المراد: لَكاذبون في شهادتهم، لا في خبرهم، أو في مطابقتها لِمَا في اعتقادهم، أو في تسميتها "شهادة"، والشهادة هي المطابق لِمَا في الاعتقاد. الأمر الثاني: وهو أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، خالف فيه الجاحظ، فشرط في "الصدق" أن يطابق ما في نفس الأمر والاعتقاد معًا ولو يكون الاعتقاد ظنيًّا كما نقله أبو الحسين في "المعتمد" عنه، و"الكذب" عدم مطابقته لهما. فإن لم يطابق أحدهما سواء طابق الآخَر أوْ لا، فليس بصدق ولا كذب، فيدخل في الواسطة بينهما أربعة أقسام. وقد استُدل له بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] والمراد الحصر في الافتراء والجنون ضرورةَ عدم اعترافهم بصدقه، فعَلَى تقدير أنه كلام مجنون لا يكون صِدقًا؛ لأنهم لا يعتقدون صِدقه، ولا كذبًا لأنه قسيم الكذب على ما زعموه؛ فثبتت

стр. 923

الواسطة بين الصدق والكذب. وأجيب: بأنَّ المعنى: افْترى كذبًا أم لم يفتر فيكون مجنونًا؛ لأن المجنون لا افتراء له؛ لعدم قَصْده. واستدلوا أيضًا بنحو قول عائشة عن ابن عمر في حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (١): ما كذب، ولكنه وَهِمَ. وأجيب: بأنَّ المراد: ما كذب عمدًا، بل وَهِمَ. وإلى التعريض بمخالفة هذين المذهبين أشرتُ بقولي في النظم: (لَا الِاعْتِقَادُ مُفْرَدًا) إلى آخِره، أي: ليس المدار على المطابقة لاعتقاد المتكلم وعدمه كما هو القول الأول، ولا له مع الخارج حتى تثبت الواسطة كما هو القول الثاني. وفي المسألة مذهب رابع قال به أبو القاسم الراغب في كتاب "الذريعة": (إن الصدق التام هو المطابقة للخارج والاعتقاد معًا، فإن انخرم شرط مِن ذلك لم يكن صدقًا تامًّا، بل إما أن لا يوصَف بصدق ولا كذب كقول المبرسم الذي لا قصد له: "زيد في الدار"، فلا يُقال له: إنه صدق، ولا: كذب، وإما أن يقال له: صِدق، و: كذب؛ باعتبارين، وذلك إذا كان مطابقًا للخارج غير مطابق للاعتقاد أو عكسه، كقول المنافقين: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فيصح أن يُقال لهذا: "صِدق"؛ اعتبارًا بالمطابقة لِما في الخارج، و: "كذب"؛ لمخالفة ضمير القائل؛ ولهذا أَكذبهم الله تعالى. وكذلك إذا قال مَن لم يَعلم أن زيدًا في الدار: "إنه في الدار" والفرض أنه في الدار، يصح أن يُقال: صدق، وأن يُقال: كذب، بنظرين مختلفين) (٢). انتهى

стр. 924

وتحرَّف هذا المذهب على صاحب "جمع الجوامع" فأورده على غير وَجْهه. ويمكن أن لا يكون ذلك مذهبًا آخَر، بل توفيقًا بين الأقوال؛ فلذلك لم أُومِ له في النَّظم كغيره مما أُومِئ إليه غالبًا مِن المذاهب الضعيفة. تنبيهات أحدهما: مما يتفرع على انقسام الخبر إلى صدق وكذب فقط مسألة محمد بن الحسن في "الجامع": "إنْ أخبرتني أن فلانًا قَدِمَ فأنت طالق"، أنه يحنث بإخبارها صادقةً أو كاذبةً، وهو مذهبنا أيضًا. ومثله "مَن أخبرني بقدوم زيد فهو حر" فأخبره كاذبًا، يُعتق، بخلاف "مَن بشرني" فإن البشارة الخبر الأول السارُّ الصادق. نعم، يُشكِل على هذا الأصل قول أصحابنا فيما إذا قال: (إن لم تخبريني بعدد حَب هذه الرمانة فأنت طالق)، أن طريق الخلاص أن تذكر عددًا لا تنقص عنه ثم تزيده واحدًا واحدًا إلى حدٍّ لا يمكن أن تجاوزه الرمانة. فإن مقتضَى كون الخبر يكون صدقًا وكذبًا أن تَبَر بأي شيء قالته ولو كان كذبًا، ونحوه: (إن لم تخبريني بعدد الصلوات في اليوم والليلة) ونحو ذلك. وقد يجاب بأن القرينة قامت في هذه الصورة على أنه قصد الإخبار الصدق، لا مطلق الخبر. الثاني: مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة الإسنادية، لا ما يقع في أحد الطرفين من النِّسَب التقييدية، فإذا قلتَ: (زيدُ بنُ عمرو قائم)، فمحلهما إسناد القيام لزيد، لا نسبة بُنُوَّتِه لعمرو. وكذا قرره السكاكي وغيره من البيانيين.

стр. 925

ونشأ عن ذلك فرع ذكره الهروي في "الإشراف" والماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، وهو ما لو شهد شاهدان أن فلان بن فلان وَكَّل فلانًا، فهو شهادة بالتوكيل قطعًا، وهل يكون شهادة بالبُنَوة مع ذلك؟ منعه مالك وبعض أصحابنا. والمذهب الصحيح عندنا أنه شهادة بالنسب ضِمنًا، ويشهد لذلك ما في "البخاري" مرفوعًا: "إنه يُقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم؛ ما اتخذ الله مِن صاحبة ولا ولد" (١). وأيضًا فقد استدل الشافعي وغيره مِن الأئمة على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]. فتقرر أن مثل ذلك يدل على نسبة المحمول للموضوع بالمطابقة وعلى ما تضمنه التركيب مِن النِّسَب [وغير] (٢) ذلك بالالتزام. نعم، ينبغي فيما قصد فيه النسبة [التقييدية] (٣) القطع فيها بالدلالة، نحو: "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، إذ المقصود الوصف بهذه الهيئة الحاصلة مِن النِّسَب التقييدية مع النسبة الإسنادية، فلو لم نَقُل بدلالتها فيه لَفَاتَ الغرض، ونحوه إذا قلتَ في التعريف للإنسان: (هو حيوان ناطق)، فإنَّ المراد الحكم بالمجموع، فلو جعل الإخبار بالموصوف فقط لَفَسد الحد، ونحوه: (الرمان حلو حامض)؛ فلذلك رُدَّ على مَن جعله مِن تَعدُّد الخبر، إنما المتعدد نحو: (زيد شاعر كاتب)، فإن كل واحد إسناده مقصود، والله أعلم.

стр. 926

ص: ٤٣٨ - وَمَا تَعَدَّى كِلْمَتَيْنِ "الْكَلِمُ" ... وَاحِدُهُ "كَلِمَةٌ" إذْ [تُفْهِمُ] (١) الشرح: لَمَّا بينتُ "الكلام" وأقسامه ذكرتُ الفرق بينه وبين "الكَلِم"، وهو أن "الكلم": ما زاد على كلمتين، كأنْ كان ثلاث كلمات فأكثر؛ لأنه اسم جنس جمعي يُفَرق بينه وبين مفرده بالتاء، كتمرٍ وتمرة ونبقٍ ونبقة. وهو معنى قولي: (وَاحِدُهُ "كَلِمَةٌ") فهو كالتعليل لاشتراط أكثر مِن كلمتين في "الكلم". وقولي: (إذْ تُفْهِمُ) معناه: أن يكون واحد "الكلم" ما يُسمى "كلمة"، وهو: ما وُضع لمعنى مفردٍ كما سبق، فتخرج اللفظة المفردة إذا لم يكن لها معنى، فإنها لا تُسمى "كلمة" ولا المجتمِع منها "كَلِمًا". و"الكلمة" فيها ثلاث لُغات: فتح الأول وكسر الثاني، وهي الفصيحة، وبها جاء القرآن؛ لأنها لغة الحجاز. وفتح الأول وسكون الثاني تخفيفًا، وكسر الأول وسكون الثاني على نقل حركته لِما قبله بعد سلب حركته، وهاتان لُغتَا تميم. واللغات الثلاث جارية في كل ما وزنه "فَعِل" بفتح أوله وكسر ثانيه، سواء أكان فيه تاء

стр. 927

التأنيث أوْ لا. فإن كان وسطه حرف حلق ففيه رابِعة (١) وهي كسر الأول اتِّباعًا لكسر الثاني. وقد عُلم مِن تفسير "الكلم" بذلك أن بينه وبين "الكلام" عمومًا وخصوصًا مِن وَجْه؛ لأن أقَل ما يتركب منه "الكلام" -كما تَقدم- كلمتان مع الإفادة، و"الكلم" ثلاث فصاعدًا، أفاد أو لَم يُفِد. واعْلَم أنَّ كثيرًا مِن الأصوليين يتعرض هنا لتقسيم "الكلمة" إلى اسم وفعلٍ وحرفٍ، والفعل إلى ماضٍ وأمرٍ ومضارع، وذِكر اسمَي الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة وشِبه ذلك، وللفرق بين هذه الحقائق، وقد أسقطتُ ذلك؛ لأن محله النحو، ولا حاجة إلى ذِكره هنا. وإنما نذكر أقسام "الكلام" لتوقُّف الاستدلال عليها؛ لغموضها والاختلاف فيها. ويتعرض بعضهم أيضًا إلى ما يُذكر في النحو مِن إطلاق "الكلمة" على "الكلام"، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قول القائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]، ونحو ذلك. وهو من المجاز الشائع، إما من إطلاق الجزء على الكل أو باعتبار وحدةٍ حصلت فيه؛ فأَشبه الكلمة المفردة، وأشباه ذلك، والله أعلم.

стр. 928

ص: ٤٣٩ - وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ مَعْنَى ... فَذَلِكَ "الْمُهْمَلُ" حَيْثُ عَنَّا (١) الشرح: لَمَّا سبق أن "القول" هو اللفظ الموضوع لمعنى وقسمناه إلى "مفرد" و"مركب" وذكرنا أقسامهما، بينتُ هنا أن اللفظ إذا لم يكن موضوعًا لمعنى، يُسمى "المهمل". ولم أُقيده بالمفرد؛ ليشمل ما كان مفردًا ومركَّبًا تبعًا للبيضاوي، ومثل "المركب" منه بالهذيان، مصدر "هَذَى" بالذال المعجمة، قال الجوهري: (هَذَى في منطقه يَهذِي ويَهذُو هَذْوًا وهَذَيانًا) (٢). وقال الإمام في "المحصول" في المركب المهمل: (الأشبه أنه غير موجود؛ لأن الغرض مِن التركيب هو الإفادة) (٣). وجزم بذلك في "المنتخب"، وتبعه عليه صاحبا "التحصيل" و"الحاصل". وهو ضعيف؛ فإن ما قالوه دليل على أن المهمل غير موضوع، وهذا مُسلَّم، وإنما الكلام في أن العرب وضعت له اسمًا، والاسم يوضع للمعدوم وللمستحيل، ولا يَلزم مِن ذلك وجوده. على أن الهندي قد قال: (إن ما قاله الإمام حق إنْ عَنَى بالمركب ما يكون جزؤه دالًّا على جزء المعنى حين هو جزؤه، فإن عَنى به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه كـ "عبد الله" عَلَمًا أو ما يكون مؤتلفًا مِن لفظين كيف كان وإن لم يكن لأجزائه دلالة كَـ

стр. 929

"الهذيان"، فهو باطل) (١). قلتُ: وأيضًا فليس المراد بالتركيب هنا إلا اجتماع لفظات، لا التركيب المعتبر للإفادة. وقولي: (مِنْ مَعْنَى) - "من" فيه زائدة في اسم ليس، ومعنى "عَنَّا": عَرَض. والله أعلم. تقسيم آخَر: ٤٤٠ - اللَّفْظُ جَامِدٌ، وَمُشْتَقًّا وَرَدْ ... وَ"الِاشْتِقَاقُ" الِاقْتِطَاعُ، فَيُرَدْ ٤٤١ - لِأَصْلِهِ اللَّفْظُ؛ لِوَفْقِ الْمَعْنَى ... وَفي حُرُوفِهِ أُصُولُ الْمَبْنَى ٤٤٢ - مَعَ تَغَيُّرٍ وَلَوْ مُقَدَّرَا ... وَلَوْ مَجَازًا، ثُمَّ طَرْدًا قَدْ يُرَى الشرح: هذا تقسيم للغة راجع للمفردات، يتوقف الاستدلال في كثير مِن المسائل عليه كما سيأتي بيانه، فاحتيج إلى ذكره في مباحث اللغة. وهو أن اللفظ العربي إما جامد وإما مشتق. وهو معنى قولي: (وَمُشْتَقًّا وَرَدْ)، فقدمتُ الحال مِن الضمير في "ورد" العائد على اللفظ. والمشتق أشرف؛ لأن فيه فائدتين: إفادة ذات الشيء، وإفادة وصفه. وزاد [الخُوَيِّي] (٢) فائدة ثالثة، وهي تسهيل السبيل على الواضع والمتعلم. قال الأئمة: علم الاشتقاق مِن أشرف علوم العربية وأدقها، وعليه مدار علم

стр. 930

التصريف. وانقسام اللفظ إلى جامد ومشتق هو الصحيح المشهور، وعليه الخليل وسيبويه والأصمعي وأبو عُبَيد وقطرب وغيرهم. وقيل: الألفاظ كلها جامدة، وليس شيء منها مشتقًّا مِن شيء، بل كلها موضوعات. وبه قال نفطويه؛ لأنه كان ظاهريًّا مِن أصحاب داود، فلذلك جنح إلى هذا. وقيل: الكل مشتق. وتكلفوا للجامدات اشتقاقًا، وإليه ذهب ابن درستويه والزجاج حتى إنه صنف كتابًا ذكر فيه اشتقاق جميع الأشياء، وحتى إن ابن جني قال: إن الاشتقاق يقع في الحروف، فإنَّ "نَعَم" حرف جواب، ونِعْمَ والنعيم والنعماء ونحوها مشتقة منه (١). إذا علِمتَ ذلك فَـ "الاشتقاق" لغةً هو الاقتطاع، افتعال مِن "الشق" وهو القطع، والمعنى الاصطلاحي كأَخْذِ "ضَرَبَ" من "الضَّرْب" موجود فيه ذلك، ولذلك قال الجوهري: الاشتقاق: أَخْذ شق الشيء. قال: (واشتقاق الحرف من الحرف: أخذُه منه) (٢). انتهى وأما معناه في الاصطلاح فهو على ثلاثة أقسام: أكبر، وأوسط، وأصغر. فالأكبر: اتفاق اللفظين في بعض الحروف الأصلية، كَـ "ثلم" و"ثلب"، ومن هذا قول الفقهاء مئلًا: الضمان مشتق من الضم؛ لأنه ضَمُّ ذمة إلى أخرى، فلا يعترض بأنهما مختلفان في بعض الأصول؛ لأن النون ليست في الضم، والضمان ليس متحد العين واللام، بخلاف الضم. قال أبو حيان: (ولم يَقُل به أحدٌ من النحاة إلا أبو الفتح، وكان ابن الباذش يأنس به،

стр. 931

والصحيح أنه غير مُعَوَّلٍ عليه؛ لعدم اطراده). انتهى قيل: وقال به أيضًا ابن فارس، وبنى عليه كتابه "المقاييس" في اللغة. وأما "الأوسط" وربما سمي الاشتقاق الصغير: فهو اتفاق اللفظين في المعنى وفي الحروف دون ترتيبها، كَـ "جبذ" و"جذب". وخرج باشتراط اتحاد المعنى نحو: حلم ولحم وملح، فليس بعضها مشتقًّا مِن بعض أصلًا. وأما "الأصغر" وهو المراد حيث أطلقوا الاشتقاق في الغالب، وإذا أرادوا غيره قيدوه بالأكبر أو بالأوسط. و"الصغير" فللعلماء فيه تعاريف، أشهرها تعريف الميداني، نقله عنه الإمام الرازي وأتباعه، فقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسُبًا في المعنى والتركيب، فيُرد أحدهما إلى الآخر (١). فخرج باعتبار التناسب في المعنى نحو: اللحم والملح والحلم؛ لاختلاف المعنى. وعُلم مِن قوله: "اللفظين" أنه لا بُدَّ مِن تغايُرٍ بتغيرٍ ما ولو تقديرًا كما سيأتي بيانه، وإلا فهُما لفظ واحد. وإطلاقه اللفظين من غير تعيين اسمٍ أو فعلٍ جارٍ على كل مذهب من مذاهب النحاة، فإن البصريين يقولون باشتقاق الفعل والوصف من المصدر، و [الكوفيون] (٢) يقولون باشتقاق المصدر والوصف من الفعل، وابن طلحة يقول: (إن كُلًّا من المصدر والفعل أصل بنفسه) كما نقله عنه في "الارتشاف". وقيل غير ذلك كما هو مبسوط في محله، فلو لم يُطْلِق "اللفظين" لَجَرَى على بعض

стр. 932

الأقوال دُون بعض أو خالف الكل. فإنْ قيل: إطلاقه اللفظ يدخل فيه الحرف وليس بمشتق ولا مشتق منه قطعًا. قيل: لم يُرد كل لفظ، بل مُطْلَق لفظين، فيحمل على الممكن، فهو مُطلق، لا عام. وفيه نظر؛ فإن مقام الشرح والتعريف ينافي الإبهام. والمراد بالتناسب في التركيب: الموافقة في الحروف الأصلية كما عبَّر بذلك البيضاوي؛ احترازًا مِن الزوائد، فإن التخالف فيها لا يضر، كَـ "ضَرب" و"ضارب". وخرج بهذا القيد اللفظان المترادفان، فإن أحدهما وإنْ وافق الآخَر في المعنى لكنه لم يوافقه في الحروف الأصلية، وسواء أكانت الأصول موجودة لفظًا أو تقديرًا؛ ليدخل نحو: "خَفْ" من الخوف، و"كُلْ" من الأكل. وعُلِم من هذا التعريف أن للاشتقاق أربعة أركان: مشتق، ومشتق منه، وموافقة في الحروف، وتناسب في المعنى. غير أنهم أوردوا عليه أمورًا: منها: أن المعدول والمصغر ليسَا مشتقين مِن المعدول عنه والمكبر مع صِدق التعريف عليهما؛ فلا يكون الحد مانعًا. وجوابه: أن التناسب في المعنى يقتضي أن معناهما ليس متحدًا مِن كل وجه، وهذان متحدان في المعنى من كل وجه. ومنها: أنه يقتضي أن الاشتقاق فِعل المتكلم؛ لأنه قال: (فَيُرَد أحدهما إلى الآخَر)، ولكن هذا إنما هو لواضع اللغة، ونحن إنما نستدل بأمارات استقرائية على وقوع ذلك منه. وجوابه يؤخَذ مما سيأتي في جواب الذي بَعْده. ومنها: قوله: (أن تجد) يقتضي أن الاشتقاق هو الوجدان، وليس كذلك، إنما الاشتقاق

стр. 933

الرد عند الوجدان، لا نفس الوجدان. وجوابه متوقف على معرفة المراد بالرد في قوله: (فَيُرَد). فإن أراد اقتطاع لفظٍ مِن لفظٍ، فالثاني هو المردود إليه، والمعنى أنه حُوِّل من الأول إلى الثاني حتى صار كذلك، فالرد حينئذٍ عملي، وحيمئذٍ فالإيراد متوجه. وإن أراد بالرد الاعتبار والعلم، فيكون الثاني مردودًا للأول بمعنى اعتبار أنه قد أخذ منه، فالرد حينئذٍ علمي لا عملي، فلا إيراد حينئذٍ عليه لا بهذا ولا بالذي قَبْله، فإنَّ وجْدان التناسب المذكور هو الاشتقاق، أي: معرفة أن الثاني مأخوذ مِن الأول؛ لمعرفة ما بينهما مِن التناسب المشروح. ولعلَّ هذا هو مراد الميداني وغيره؛ لأن المقصود بعد استقرار اللغة إنما هو معرفة المأخوذ والمأخوذ منه، لا الاقتطاع الأصلي؛ لأن ذاك أمر قد انْقَضَى، والمراد الآن إنما هو معرفة ما دَلَّ عليه الاستقراء حتى لا يحتاج في كل مشتق إلى نَقْل، فتأَمَّله؛ فإنه دقيق. وقد أوضحتُ في "شرح لاميّة الأفعال" لابن مالك هذا المعنى، وذكرتُ الفرقَ بين الاشتقاق والتصريف بما يتعين الوقوف عليه. إذا علمتَ ذلك، فاعلم أني أشرتُ في النَّظم إلى الاشتقاق بالاعتبارين؛ لأني فسرتُه بالاقتطاع، ومُرادي به اقتطاعٌ خاصٌّ، وهو ما ذكرت فيما بعد استغناءً به، فكأني قلتُ: اقتطاع لفظٍ من آخَر؛ لموافقته له في المعنى وفي الحروف الأصلية مع تغيُّرٍ ما. وهذا هو الذي باعتبار تصرف الواضع وصُنْعه. ثم ذكرتُ الاشتقاق بالاعتبار الثاني وهو العلمي الذي هو مُراد الميداني (فيما يظهر) مُرتبًا عليه بالفاء المشعِرة بالسببية؛ لأنَّ الثاني مُسببٌ عن الأول، فقلتُ: (فَيُرَدْ لِأَصْلِهِ)، أي: فبسبب الاقتطاع يُرد المقتطَع -الذي هو فرعٌ- لأصله الذي هو مقتطع منه؛ لأجل العِلم

стр. 934

بموافقته له في المعنى وفي الحروف الأصلية التي هي حروف بنائه على هذه الصورة. وصرحتُ باعتبار التغيير؛ لأجل قولي أولًا: (وَفْقِ الْمَعْنَى) بخلاف مَن يُعَبر بالتناسب، فإنه قد يُستغنَى به عن التصريح بالتغيير كما قدمناه. ولذلك لَمَّا قال ابن الحاجب: (إنَّ المشتق ما وافق أصلًا بحروفه الأصول ومعناه) (١)، قال: (وقد يُزاد: "بتغييرٍ ما") (٢). أي: للإيضاح، خِلافًا لمن رد عليه بأنه يقتضي أنه مِن تمام الحد وإنما هو مِن شروط المغايرة، وليس كذلك؛ لِمَا علِمتَه. وقولي: (وَلَوْ مُقَدَّرَا) تنبيه على أن التغيير قد يكون ظاهرًا كَـ "عالِم" من العِلم، وقد يكون مقدَّرًا كَـ"طَلَبَ" من الطَّلَب و"هَرَب" من الهرب و"جَلَبَ" من الجلَب، فيقدر زوال الفتحة التي في العين ومجيءُ فتحة أخرى بها بناء الفعل كما فعل سيبويه في "جُنُب" للمفرد والجمع، وأنَّ ضمةَ النون في الجمع غير ضمة النون في المفرد تقديرًا، وأيضًا فحركة لام الفعل في نحو "طَلَبَ" بِناءٌ، وآخِر المصدر إذا حُرِّك إنما هو إعرابٌ للعامل، فتغايَرَا. وقولي: (وَلَوْ مَجَازًا) إشارة إلى مسألة خلافية، وهي أن المجاز هل يشتق منه؟ أوْ لا يكون الاشتقاق إلا من حقيقة؟ فنحو "الصلاة" إذا قُلنا: حقيقتها الدعاء ومجازها ذات الركوع والسجود، فهل يُقال مِن الثاني: "صلى، ويصلي، ومُصَلٍّ" من حيث كوْنه مجازًا قبل أن يصير حقيقة شرعية؟ أو يُقَدر أن هذا أُخِذَ من "الصلاة" بمعنى الدعاء ثم تُجُوِّز به كما تُجوز بأصله؟ الجمهور على الأول. وخالف القاضي أبو بكر والغزالي وإلْكِيَا، فمنعوا الاشتقاق مِن المجازات وأنه لا

стр. 935

اشتقاق إلا مِن الحقائق. ويدل للجمهور إجماع البيانيين على صحة الاستعارة بالتبعيَّة وهي مشتقة مِن المجاز؛ لأن الاستعارة تكون في المصدر ثم يشتق منه. وقولي: (ثُمَّ طَرْدًا قَدْ يُرَى) بيان لكون الاشتقاق قد يكون مطردًا وقد [يُقْصَر] (١) على محله. فمن الأول: غالب المشتقات، كاسْمَي الفاعل والمفعول ونحوهما. ومن الثاني: نحو لفظ "القارورة" كما ذكرته أول البيت الذي بعد هذا ومثلتُه بذلك، فإن "القارورة" مختصة بالزجاج وإنْ كانت مأخوذة مِن "القَرِّ في الشيء"، فلم يعدوها إلى كُل ما يَقِرُّ فيه الشيء من خشب أو خزفٍ أو نحو ذلك. وكَـ"الدبران" لمنزلة القمر وإنْ كان مِن الدبور، وكأن عدم الاطراد لكون التسمية لا لهذا المعنى فقط بل لمصاحبته له، وفرقٌ بين تسمية العين لوجود المشتق منه فيه (وهو الاطِّرادي) أو بوجوده فيه (وهو ما لا يطَّرِد). تنبيه: تَعَرَّض البيضاوي لأنواع التغيير، وبلغ بها خمسة عشر قِسمًا، وبيَّن أمثلتها وإنْ كان في بعضها نظر، ولم يذكر إمامُه إلا تسعة، فلنذكر الأقسام كلها وأمثلتها مستقيمة؛ لتكميل الفائدة، فنقول: التغيير: [١] إما بزيادة حرف. [٢] أو حركة. [٣] أو هُما.

стр. 936

[٤] أو بنقص حرف. [٥] أو حركة. [٦] أو هُما. [٧] وإما بزيادة حرف ونقصانه. [٨] أو زيادة حركة ونقصانها. [٩] وإما بزيادة حرف ونقصان حركة. [١٠] أو بزيادة حركة ونقصان حرف. [١١] وإما بزيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها. [١٢] وإما بزيادة حركة مع زيادة حرف ونقصانه. [١٣] أو بنقص حرف مع زيادة حركة ونقصانها. [١٤] أو نقص حركة مع زيادة حرف ونقصانه. [١٥] وإما بزيادة حرف وحركة معا مع نقصان حرف وحركة معًا. أمثلتها: أما الستة الأولى فنحو: [١] "كاذب" مِن: كَذِب. [٢] "نَصَر" مِن: نَصْر. [٣] "ضارِب" مِن: ضَرْب. [٤] "ذَهَبَ" مِن: ذَهَاب. [٥] "سَفْر" جمع سافر اسم فاعل مِن: سَفَر. [٦] "سِرْ" مِن: سَيْر، لكن مع اعتبار حركة الإعراب، وقد يُمثل بِـ "صَبٍّ" اسم فاعل "الصبابة". وأما الأربعة التي بعدها فنحو: [٧] "مُدَحْرَج" [اسم مفعول] (١) مِن: دَحْرَجَة.

стр. 937

[٨] "حَذِر" وَصْفٌ مِن: حَذَر. [٩] "عادٍّ" اسم فاعل من: عَدَدٍ. [١٠] "رَجَعَ" من: رجْعَى. وأما الأربعة التي بعدها فنحو: [١١] "اضْرِب" من: ضَرْب. [١٢] "خَافَ" من: خَوْف. [١٣] "عِدْ" فِعل أمر مِن: وَعْدٍ. [١٤] "كالٍّ" اسم فاعل من: كَلَالٍ. ومثال الخامس عشر: "إرْمِ" من: رَمْيٍ. وتقريرها واضح، فلا نُطَول به بعد أن تَعرف أن المراد بالحركة جنسها، لا خُصوص حركة، وأن حركات الإعراب لا أثر لها، ولا حركات البناء على ما قاله بعض المحققين؛ لأن الأصل في البناء السكون، وما في بعض ما سبق مِن الأمثلة من بنائه على اعتبار حركات الإعراب والبناء فقد ارتكبناه للضرورة في التمثيل مع ما سبق من التنبيه على شيء منه، ويُقاس الباقي، ويُعرَف أن التمثيل بناء على أن المصدر هو الأصل، وهو قول البصريين، وجردتها من الألِف واللام؛ إشارة إلى أنها لا مدخل لها في ذلك، والله أعلم. ص: ٤٤٣ - أَوْ لَا، كَفِي "قَارُورَةٍ"، وَمَنْ بِهِ ... وَصْفٌ فَيُشْتَقُّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ ٤٤٤ - إنْ يَكُ، وَالَّذِي خَلَا يَمْتَنِعُ ... مَا لَمْ يَزُلْ، فَلِلْمَجَازِ يَرْجِع الشرح: قولي: (أَوْ لَا، كَفِي "قَارُورَةٍ") متعلق بما قبله مِن تمام التقسيم وتمثيله، وقد تَقدم

стр. 938

بيانه. وقولي: (وَمَنْ بِهِ وصْفٌ) إلى آخِره - بيان لثلاث مسائل من الاشتقاق مهمة، وهي: - أنَّ مَن قام به معنى هل يجب أن يُشتق له من اسم ذلك المعنى اسم؟ - ومَن لم يَقُم به، هل يجوز أن يُشتق منه له مع فَقْدِه فيه؟ - ومَن ثبت له وصفٌ وزال، هل يبقى ذلك الاسم -الذي سُمي به حين الوصف- حقيقةً؟ أو يكون مجازًا؟ والقصد بهذه المسائل تمهيد قواعد مِن أصول الدِّين والفقه كما سنذكره بعد ذلك. فَمِنْ ما يتعلق بالأُولَتين أن أهل السُّنة يُسمون الله متكلمًا باعتبار الكلام النفساني القديم القائم به تعالى، وعند المعتزلة أنه متكلم لا بكلام قائم به؛ لأنهم يمنعون الكلام النفساني كما سبق، ويقولون: إنه تعالى يُسمى متكلمًا بِخَلْقِهِ كلامًا في اللوح المحفوظ أو في الشجرة في قضية تكليم موسى ﵇ أو نحو ذلك. فأثبتوا متكلمًا من غير قيام كلام به، ونفوا أن يُسمى اللوح أو الشجرة متكلمًا مع قيام الكلام بهما. فالمسألة الأولى: يجب أن يُشتق [لمن قام به وصفٌ وله اسم مِن ذلك الوصف اسم] (١)، خلافًا لهم، كَـ "متكلِّم" لمن قام به الكلام، و"مريد" لمن قام به الإرادة، و"ضارِب" لمن قام به الضرب، وهكذا. وهو معنى قولي: (إنْ يَكُ). أي: إن يكن له اسم. فإنْ لم يكن له اسم كأنواع الروائح والآلام، لم يجب ذلك. وهذا التفصيل هو الحقُّ كما قرره في "المحصول"، إلا أن في كلامه ما

стр. 939

يَميل إلى قول المعتزلة، فإنه قال: (ليس مِن شرط المشتق منه قيامه بمن له الاشتقاق، إذِ المكي والحداد ونحوهما مشتقة من أمور يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق) (١). ورُدَّ ما قاله -بعد تسليم أن هذا من الاشتقاق- بأنَّ أهل السُّنة إنما ادَّعوا ذلك في المشتقات مِن المصادر التي هي [أسماء] (٢) المعاني، لا من الذوات وأسماء الأعيان. قرر ذلك القرافي وغيره. نعم، قال الجَزَري: إن النقض منه على الأصحاب بذلك في غير محله، إنما يرد على قولهم: إنَّ المعنى إذا لم يَقُم بالمحل، لم يُشتق له منه اسم. فيقال لهم: هذه أشياء لم تَقُم بمحالِّها وقد اشتُق منها أسماء. ولكن جوابه أنه لَمَّا كانت الأجسام لا لبْس في عدم قيامها بمحالِّها إنما اللبس في المعاني؛ لأنها يصح قيامها بالمَحالّ، فلو أُطلقت على غير محالها، التبس الأمر. قال: ولو قيل: إن المراد إنما هي النِّسَب وهي موجودة بالمَحالّ وإن لم يوجد المنتسَبُ إليه، لَكَان له وَجْه. أي: فيكون كلام الناس على إطلاقه، ولا حاجة للتقييد بالمعاني. المسألة الثانية: وإليها أشرتُ بقولي: (وَالَّذِي خَلَا) إلى آخِره، أي: الذي خلا من الوصف يمتنع أنْ يشتق له منه اسم، والفَرْضُ أنه لم يَقُم به. والمعتزلة ورأسُهم فيها أبو على الجبائي وابنه أبو هاشم خالفوا في ذلك، فقالوا: إن الله عالم لا بِعلم قائم به، بل بالذات. وكذا قالوا في جميع الصفات الذاتية المجموعة في قول القائل:

стр. 940

حياةٌ وعِلمٌ قُدرةٌ وإرادة ... وسمعٌ وإبصارٌ كلامٌ مع البقا فهو -تعالى- عندهم حي بلا حياة، قادر بلا قُدرة، مريد بلا إرادة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، متكلم بلا كلام، باقٍ بلا بقاء. فَيُثبتون العالِميَّة والمُريدية ونحوهما بدون العِلم والإرادة. نعم، تحرير النقل عن أبي علي وابنه كما صرَّحَا به في كُتبهما الأصولية أنهما يقولان: إن العالِمية بِعِلم لكن عِلم الله عَينُ ذاتِه، لا أنه عالم بدون عِلم كما اشتهر في النقل عنهما في كلام الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي. وكذا القول في بقية الصفات. وأما أهل السُّنة فيُعلِّلون العالِم بوجود عِلم قديم قائم بذاته تعالى، وكذا في الباقي، لكن اختلفوا في مَحَلين: أحدهما: أن العِلم هو العالِمية والقدرة هو القادرية؟ أو وَصْفٌ زائد عليها؟ وكذا في الباقي. قال الأشعري بالثاني، والقاضي أبو بكر بالأول. ثانيهما: أن ذلك كله في الصفات الثمانية غير البقاء، وأما البقاء فقال الأشعري وأتباعه: إنه صفة زائدة على الذات قائمة بها، فهو تعالى باقٍ بِبَقاءٍ قديم قائم بذاته. وقال القاضي وإمام الحرمين والإمام الرازي ووالدُه والبيضاوي كما يقوله جمهور المعتزلة: إنه باقٍ؛ لِذاته، لا بِبَقاء، وإلا لزم أن يكون للبقاء بقاء، ويتسلسل. ولكن جوابه: أن البقاء لا يحتاج إلى بقاء آخَر؛ فلا تَسلسُل، وكذا كَوْنه قديمًا هو بِقِدَم لكن لِذاته، لا بِقِدَم آخَر؛ لأن قيام الصفة بالصفة مُحَال. احتجَّ أهل السُّنة بأنَّ موضوع اللغة في "عالِم" مثلَّا ذَاتٌ لها عِلم، فلو انتفى العِلم لَا نتفَى العالِم. وأما شُبهة المعتزلة فَأنَّ هذه الصفات إنْ كانت حادثة، لَزِمَ قيام الحادث بالقديم، أو

стр. 941

قديمة، لَزِمَ تَعَدُّدُ القديم. والنصارى كفروا بالتثليث، فكيف بادِّعاء تسعةٍ: الذات وثمانية صفات؟ ! وأجاب الإمام عنها في "الأربعين" وغيرُه أنهم عدَّدُوا ذوات قديمة لِذَاتها، ونحن نقول: القديم واحدٌ، وهذه صفاته هي ممكِنة في نفسها ولكن وجبَتْ لِلذات، لا بالذات؛ فلا تَعَدُّد في قديم لِذاته، فلا قديم لِذاته إلا الذات الشريفة. على أن المعتزلة لم يُصرحوا في قاعدة الاشتقاق بما نقل عنهم، وإنما أُخذ مِن إنكارهم الكلام النفساني، فلزم مِن مذهبهم صِدق المشتق على مَن لم يَقُم به المعنى المشتق منه، لكن لازِم المذهب ليس بمذهب؛ ولذلك لا يُنسَب للشافعي الأقوال المُخَرَّجة على أصوله. فقد [يقول] (١) المعتزلة هنا: إنَّ مقتضي اللغة ما ذكرتم، ولكن الدليل العقلي منع منه هنا، فاستثنى ذلك من المشتقات؛ لوجود المانع الخاص. ولهذا لا يقولون بذلك إلا في صفات الله تعالى فقط كما سيأتي. وقال إمام الحرمين في "الرسالة النظامية": ظَنَّ مَن لم يُحصِّل عِلم هذا الباب أن المعتزلة وصفوا الربَّ تعالى بكونه متكلِّمًا، وزعموا أن كلامه مخلوق، وليس ذلك مذهب القوم، إنما الكلام عندهم فِعْل الخَلْق؛ فينحل كلامهم إلى أنه تعالى ليس متكلِّمًا ولا آمرًا ولا ناهيًا إلا بِخَلْق أصوات في جِسم مِن الأجسام تدل على إرادته. نعم، [يؤول] (٢) تقريرهم ذلك إلى عَوْده إلى صفات الأفعال، [و] (٣) من قاعدتهم أن

стр. 942

صفات الذات وصفات الأفعال حادثة. [لكن] (١) مذهب الأشعري و [غالب] (٢) أهل السُّنة أن صفات الذات قديمة وصفات الأفعال حادثة. فإذا قُلنا بذلك [و] (٣) أنَّ صفات الأفعال (كَـ"الخالق" و"الرازق") حادثة -على قول الأشعري وقولهم خِلافًا للحنفية- فكيف يُشترط في الاسم [المشتق] (٤) قيام المشتق منه به مع أن الخلق والرزق لم يَقُم به وإلا لزم قيامُ الحوادث به؟ تعالى الله عن ذلك، فما ذلك إلا لخروج صفاته عن قاعدة الاشتقاق؛ للدلائل العقلية، فاستُثني هذا، وحينئذٍ فيُحتاج إلى الفرق بينه وبين صفات الذات. تنبيه: لا فرق في هذه القاعدة بين اشتقاق وصف الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة ونحو ذلك، فتنشأ من ذلك مسائل: منها: ما [قاله] (٥) المعتزلة في مسألة النسخ قبل الفعل: إنه لا يجوز. فاستدل أهل السُّنة عليهم بأن إبراهيم ﵇ أُمر بذبح ولده ثم نُسخ قبل التمكن. فأجابوا بأنه ذَبح ولكنه كان يلتحم. فأبطلوا عليهم ذلك باتفاقهم على أن إسماعيل ﵇ (على القول بأنه المأمور

стр. 943

بذبحه) ليس بمذبوح، [فكيف يختلفون في تسمية إبراهيم ذابحًا] (١)؟ فقيل: يُسمى بذلك؛ لأنه كان يقطع وإنْ كان الولد غير مذبوح؛ للالتئام. وقيل: لا؛ لأنَّ "ذابحًا ولا مذبوح" مُحَالٌ. فيُقال لهؤلاء: كيف تُحِيلون "ذابحًا ولا مذبوح" مع قولكم بجواز اشتقاق اسم الفاعل لمن أيَقُم به الفعل؟ ! ولهم أنْ يجيبوا بأنَّ اعتبار الفعل اتفاق و [إنْ] (٢) لم يكن مذبوح؛ لأن المذبوح مَن زهقت روحُه، فلا ذبح، وإذا انتفى الفعل فكيف يثبت وصف الفاعل؟ وقرره في "جمع الجوامع" على العكس من ذلك، فقال: (ومن بنائهم اتفاقُهم على أن إبراهيم ﵇ ذابح، واختلافهم هل إسماعيل مذبوح؟ ) (٣). ولا يخلو مِن نَظَر (٤). ومنها فى الفقه: قال الروياني في "البحر" فيما لو حلف لا يأكل مُسْتلَذًّا: (إنه يحنث بما يستلذه هو أو غيره، بخلاف ما لو حلف لا يأكل شيئًا لذيذًا، فإنَّ العبرة فيه بالحالف فقط؛ لأن المستلَذ من صفات المأكول واللذيذ من صفات الأكل، فيقال: أَكْلٌ لذيذ) (٥). انتهى قيل: وفيه نظر. قلتُ: وجهه أن "لذيذًا" فعيل بمعنى مفعول، فلا فرق بينه وبين مستلذ إلا أن تجعل

стр. 944

"لذيذًا" صفة للمصدر لا مفعولًا كما هو ظاهر فرق الروياني، لكن هذا إنما هو بقصد الحالف ذلك. ومنها: لو حلف لا يفعل كذا فَوَكَّل مَن يفعله، لا يحنث؛ لأن الفعل لم يقع منه، فلا يُسمى فاعلًا. وكذا لو وكَّل في البيع أو الطلاق ثم قال: (والله لستُ ببائع ولا مُطَلِّق)، [لا] (١) يحنث. المسألة الثالثة: إطلاق المشتق باعتبار المستقبل مجاز اتفاقًا. قيل: وفي حكاية الاتفاق نظر؛ فإن أبا حنيفة قال في حديث: "المتبايعين بالخيار" (٢): إنهما المتساومان، سُمِّيَا متبايعين لأخذهما في مبادئ البيع وسيصيران متبايعين. فَردَّه الشافعي بأنه يصح نفيه، وهو دليل المجاز، فلا يحمل الحديث عليه. قال الشافعي: (فيقال في المتساومين: إنهما غير متبايعين، حتى لو قال امرأته طالق "إنْ كنا تبايعنا" وقد كانا متساومين، لا حنث) (٣). انتهى وقد يقال: يحتمل أن أبا حنيفة عمل به مع كونه مجازًا لانضمام قرينة إليه، فَرَدَّه الشافعي بأنه مجاز ولا قرينة؛ لأن الأصل عدمها. وإطلاقه باعتبار الحال حقيقة اتفاقًا. وباعتبار الماضي فيه ثلاثة مذاهب:

стр. 945

أحدها (وعليه الجمهور، وفي "المحصول" (١): إنه الأقرب): أنه مجاز باعتبار ما كان، كما سبق أن ذلك من أنواع العلاقة، كالضارب بعد انقضاء الضرب. وُيعبر عنه باشتراط بقاء المشتق منه في صِدق المشتق حقيقة، سواء أكان المشتق مما يمكن حصوله بتمامه وقت الإطلاق (كالقيام والقعود) أو لا يمكن كما لو كان من الأعراض السيَّالة (كالكلام). وإنما طريق الإطلاق الحقيقي في هذا ونحوه أن يكون عند آخِر جزء، فلا يُطلق على مَن قال: (زيد قائم) أنه متكلِّم أو مخبر أو محدِّث إلا عند نُطقه بالميم ونحوها؛ لأن الكلام اسم لمجموع الحروف، ويستحيل اجتماع تلك الحروف في وقت واحد؛ لأنها أعراض سيَّالة لا يوجد منها حرف إلا بعد انفصال الآخَر. هذا ما بحثه في "المحصول"، وهو حَسنٌ يتنزل عليه إطلاق الجمهور وإنْ كان ظاهر كلام الهند -ووافقه ابن السبكي في "جمع الجوامع"- أن الجمهور صرحوا بذلك، وليس كذلك. الثاني: أنه حقيقة مطلقًا، ونقل عن ابن سينا وأبي هاشم. قيل: وإن كانا لا يشترطان صِدق الأصل، لكن ذاك في صفات الله تعالى، بخلاف صفات غيره، فإن المعتزلة كلهم موافقون عليها. وسبق مُدْركهم فيه. نعم، قال الأصفهاني في "شرح المحصول": (إنَّ نَقْل هذا عن ابن سينا وأبي هاشم فيه نظر، أما ابن سينا فليس له موضوع في أصول الفقه ولا العربية حتى يؤخَذ خِلافُه منه. نعم، قال: إن الاصطلاح في عِلم المنطق أن قولنا: "كُل ج ب" لا نعني به ما هو

стр. 946

[حينئذٍ] (١) دائمًا أو في الحال أو في وقت مُعَين، بل هو أَعَم من ذلك، فإذا قيل: "الضارب متحرك"، لا يلزم أن يكون ذلك حُكمًا على الضارب في الحال، بل على ما يَصْدُق عليه "الضارب" سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل. وهذا اصطلاح، ومن المعلوم أن الاصطلاحات لا مناقشة فيها، ولا يلزم مِن الاصطلاح المنطقي أن يكون موافقًا للأوضاع اللغوية العربية إلا إنِ ادَّعى صاحب الاصطلاح الموافقة) (٢). والمناطقة كلهم مصطلحون على ذلك، حتى الإمام الرازي، فتعيين ابن سينا لا معنى له. وأما أبو هاشم فهو لا يشترط في صدق المشتق ثبوت أصله، إلا أن ذاك في صفات الله تعالى كما تقدم إيضاحه، وأن ذلك لا ينبغي أن يدخل في بحث اللغة. المذهب الثالث: التفصيل بين الممكن وجوده (كالقاعد) فيكون بعد انقضائه مجازًا، وبين غير الممكن وجوده (كالمتكلم) فيكون بعد انقضائه حقيقة؛ للتعذر. وجوابه: الإناطة بآخِر جُزء كما سبق. وهذا المذهب نقله الآمدي، ولكن في موضع من "المحصول" أن هذا الفرق لم يَقُل به أحدٌ من الأُمة، وفي موضع صرح باختياره ومنع دعوى الإجماع فيه. الرابع: الوقف. حكاه بعض المتأخرين، كالسبكي. قيل: ولا يوجد منقولًا، وإنما جَوَّزه بعض شُراح "المختصر" فيه كالقاضي عضد الدين، إذْ قال: كأنَّ ميل ابن الحاجب إلى التوقف. وأما الشريف وغيره فصرحوا بأنَّ ابن الحاجب

стр. 947

اختار القول الثالث المفصِّل. نعم، الآمدي لَمَّا حكى المذاهب الثلاثة ولم يرجح منها شيئًا ربما يدل على أنَّه يقول بالوقف. ويخرج مما سيأتي في التنبيهات في تقرير محل الخلاف مذاهب أخرى بتفاصيل، لكن الحق أنَّه تحرير لمحل الخلاف، لا تفصيل. نعم، يخرج مِن كلام القاضي أبي الطيب في مسألة "خيار المجلس" قول آخَر بالتفصيل بين إطلاقه عقب المعنى المشتق منه فيكون حقيقة، وبين أن يتطاول الزمان فلا. وفي كلام أبي الخطاب الحنبلي نحوه. تنبيهات أحدها: محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل ما يُضاد الوصف الذي زال، كالقاتل والسارق، أما لو طرأ ذلك كتسمية اليقظان "نائمًا" باعتبار النوم السابق فمجاز قطعًا. وهو متجه؛ لأنه مِن إطلاق أحد الضدين على الآخَر. هذا مقتضَى كلام الإمام في "المحصول" و"المنتخب"، وتبعه صاحبا "الحاصل" و"التحصيل". وصرح به الآمدي في "الإحكام"، إذْ قال في آخِر المسألة: (لا يجوز تسمية القائم "قاعدًا" والقاعد "قائمًا" للقيام والقعود السابق بإجماع المسلمين وأهل اللسان) (١). أي: حقيقةً، بل مجازًا. ومحل الخلاف أيضًا إذا لم يمنع مانع مِن الخارج مِن إطلاقه، أما إذا منع فلا يطلق حقيقةً

стр. 948

ولا مجازًا، كإطلاق "الكافر" على مَن أَسلم؛ لتضاد الوصفين، فلا يكون حقيقة، ولمَا فيه مِن إهانة المسلم والإخلال بتعظيمه، ولذلك يُسمى "مؤمنًا" في حالة نومه -ونحوه- إطلاقًا متعينًا شائعًا ولو كان مجازًا. بل لو قيل: إنه حقيقة شرعية أو مستثنى مِن القواعد اللغوية لذلك، لم يكن بعيدًا كما سبق نحوه، وحينئذٍ فإسناد منع ذلك إلى المانع أَوْلى مِن القول بإسناده إلى عدم المقتضِي؛ لكون الأصل عدم المقتضِي وعدم المانع؛ لأنَّا نقول: إنما ذلك عند الاحتمال، وهُنا قد تحقق وجود مانع. نعم، سيأتي في القياس لنا خِلاف في أن المانع يستدعي وجود المقتضِي أوْ لا. ومحل الخلاف أيضًا كما قاله القرافي: إذا كان المشتق محكومًا به، كَـ "زيد مشرك" أو "زانٍ " أو "سارق". أما إذا كان متعَلَّق الحكم نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، الآيات، فيكون حقيقة؛ إذ لو كان مجازًا لَكان مَن أشرك أو زنى أو سرق بعد زمان نزول الآية والخطاب بها يكون مجازًا، فلا يدخل فيها؛ لأن الأصل عدم المجاز، ولا قائل بذلك. أي: وإذا قُلنا باعتبار الانقضاء في الماضي فيقيد بذلك أيضًا. قال: (ولا مخلص مِن الإشكال إلَّا بما قررناه؛ لأنَّ الله تعالى لم يحكم في تلك الآيات بشرك أحد ولا بزناه ولا بسرقته، وإنَّما حكم بالقتل والجلد والقطع على الموصوف بهذه الصفات. نعم، هو متعلَّق هذه الأحكام) (١). انتهى وقد خُولِفَ في زمانه واختبطوا في جوابه وإنْ كان الأصفهاني في "شرح المحصول" قد ذكر نحوه.

стр. 949

فأجاب بعضهم عن ذلك بأنَّ المجاز وإنْ كان الأصل عدمه إلَّا أن الإجماع انعقد على أن المتصفين بهذه الصفات بعد ورود النصوص تتناولهم وتثبت تلك الأحكام فيهم. ولكن الجواب الحقّ أن هنا شيئين: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى من غير تَعرُّض لزمان، كقولنا: (الخمر حرام)، فإنه صادق سواء أكانت الخمرية موجودة أوْ لا، فإطلاق "الخمر" في هذه الحالة حقيقة؛ لأن المراد بالحال حال التلبس، لا التلفظ، وكذلك نحو آيات: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ لم يقصد إلَّا مَن اتصف بالشرك وبالزنا وبالسرقة وقت تَلبُّسه، وذلك حقيقة. ومثلُه إطلاق ذلك بعد الانقضاء، فإنه لم يخرج عن ذلك الذي قد أُطلِق حقيقة واستمر، وإنَّما يقع التجوُّز عند إرادة المتكلم إطلاق الوصف باعتبار ما كان عليه أو ما يؤول إليه. قال الشيخ تقي الدين السبكي: وإنَّما سرى الوهم للقرافي مِن اعتقاده أن الماضي والحال والمستقبل بحسب زمان إطلاق اللفظ، والقاعدة صحيحة في نفسها، ولكن لم [يفهمها] (١) حَق فهمها، فالمدار على حال التلبُّس، لا حال النُّطق. على أنَّه قد نوقش القرافي في مواضع: منها قوله: (إن متعلَّق الحكم ليس مرادًا)، يرد عليه قولك: (القاتل يقتل أو الكافر يقتل) تريد به معهودًا حاضرًا، فإنه لا يكون حقيقة حتَّى يكون القتل قائمًا به من حيث الخطاب. وأيضًا فإنَّ قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ينحل إلى الذين هم يشركون، فَهُم محكم عليهم.

стр. 950

وبالجملة فلا فرق بين أن يكون المشتق محكومًا عليه أو متعلق الحكم أو غير ذلك، فالمدار على ما قررناه. الثاني: تكميل ما تحرر في جواب شبهة القرافي أنَّ اللفظ على أربعة أقسام: قِسم وُضع للزمان المعيَّن: كأمس وغدًا والآن. وقِسم وُضع مجردًا عن الدلالة على الزمان تَضَمُّنًا والتزامًا: كأسد، فهذا لا يتصف من حيث الأزمنة لا بحقيقة ولا بمجاز. وقِسم وُضع للحدث والزمان المعيَّن: كالأفعال، فالزمان فيها جزء مِن مدلولها، فهذه حقيقة فيما وُضعت له، مجاز إنِ استُعملت في غيره. فالفعل الماضي وضْعُه للحدث والزمن الماضي، كَـ "قام"، فإذا أُريدَ به الاستقبال نحو: (غفر الله لك) ونحو: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، أو الحال كَـ "قام الآن" ونحو ذلك، كان مجازًا قطعًا. والمضارع فيه خمسة مذاهب: - كَوْنه للحال لا للاستقبال، عكسُه. - كونه حقيقة في الحال ومجازًا في الاستقبال، عكسُه. - حقيقة فيهما، فيكون مشتركًا. وظاهر "التسهيل" اختياره، فمتى استُعمل في الماضي كان مجازًا قطعًا، وكذا لو استُعمل في غير ما هو موضوع له عند القائل به. وقِسم رابع وهو نحو: أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة ونحو ذلك، فما أُريد فيه الثبوت مِن اسمَي الفاعل والمفعول وكالصفات المشبهة مطلقًا لا دلالة له على زمان أصلًا، بل يصير كلفظ "أسد" و"إنسان"، وعليه حُمل نحو: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ونحو:
следующие страницы →