← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[حينئذٍ] (١) دائمًا أو في الحال أو في وقت مُعَين، بل هو أَعَم من ذلك، فإذا قيل: "الضارب متحرك"، لا يلزم أن يكون ذلك حُكمًا على الضارب في الحال، بل على ما يَصْدُق عليه "الضارب" سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل. وهذا اصطلاح، ومن المعلوم أن الاصطلاحات لا مناقشة فيها، ولا يلزم مِن الاصطلاح المنطقي أن يكون موافقًا للأوضاع اللغوية العربية إلا إنِ ادَّعى صاحب الاصطلاح الموافقة) (٢). والمناطقة كلهم مصطلحون على ذلك، حتى الإمام الرازي، فتعيين ابن سينا لا معنى له. وأما أبو هاشم فهو لا يشترط في صدق المشتق ثبوت أصله، إلا أن ذاك في صفات الله تعالى كما تقدم إيضاحه، وأن ذلك لا ينبغي أن يدخل في بحث اللغة. المذهب الثالث: التفصيل بين الممكن وجوده (كالقاعد) فيكون بعد انقضائه مجازًا، وبين غير الممكن وجوده (كالمتكلم) فيكون بعد انقضائه حقيقة؛ للتعذر. وجوابه: الإناطة بآخِر جُزء كما سبق. وهذا المذهب نقله الآمدي، ولكن في موضع من "المحصول" أن هذا الفرق لم يَقُل به أحدٌ من الأُمة، وفي موضع صرح باختياره ومنع دعوى الإجماع فيه. الرابع: الوقف. حكاه بعض المتأخرين، كالسبكي. قيل: ولا يوجد منقولًا، وإنما جَوَّزه بعض شُراح "المختصر" فيه كالقاضي عضد الدين، إذْ قال: كأنَّ ميل ابن الحاجب إلى التوقف. وأما الشريف وغيره فصرحوا بأنَّ ابن الحاجب

стр. 947

اختار القول الثالث المفصِّل. نعم، الآمدي لَمَّا حكى المذاهب الثلاثة ولم يرجح منها شيئًا ربما يدل على أنَّه يقول بالوقف. ويخرج مما سيأتي في التنبيهات في تقرير محل الخلاف مذاهب أخرى بتفاصيل، لكن الحق أنَّه تحرير لمحل الخلاف، لا تفصيل. نعم، يخرج مِن كلام القاضي أبي الطيب في مسألة "خيار المجلس" قول آخَر بالتفصيل بين إطلاقه عقب المعنى المشتق منه فيكون حقيقة، وبين أن يتطاول الزمان فلا. وفي كلام أبي الخطاب الحنبلي نحوه. تنبيهات أحدها: محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل ما يُضاد الوصف الذي زال، كالقاتل والسارق، أما لو طرأ ذلك كتسمية اليقظان "نائمًا" باعتبار النوم السابق فمجاز قطعًا. وهو متجه؛ لأنه مِن إطلاق أحد الضدين على الآخَر. هذا مقتضَى كلام الإمام في "المحصول" و"المنتخب"، وتبعه صاحبا "الحاصل" و"التحصيل". وصرح به الآمدي في "الإحكام"، إذْ قال في آخِر المسألة: (لا يجوز تسمية القائم "قاعدًا" والقاعد "قائمًا" للقيام والقعود السابق بإجماع المسلمين وأهل اللسان) (١). أي: حقيقةً، بل مجازًا. ومحل الخلاف أيضًا إذا لم يمنع مانع مِن الخارج مِن إطلاقه، أما إذا منع فلا يطلق حقيقةً

стр. 948

ولا مجازًا، كإطلاق "الكافر" على مَن أَسلم؛ لتضاد الوصفين، فلا يكون حقيقة، ولمَا فيه مِن إهانة المسلم والإخلال بتعظيمه، ولذلك يُسمى "مؤمنًا" في حالة نومه -ونحوه- إطلاقًا متعينًا شائعًا ولو كان مجازًا. بل لو قيل: إنه حقيقة شرعية أو مستثنى مِن القواعد اللغوية لذلك، لم يكن بعيدًا كما سبق نحوه، وحينئذٍ فإسناد منع ذلك إلى المانع أَوْلى مِن القول بإسناده إلى عدم المقتضِي؛ لكون الأصل عدم المقتضِي وعدم المانع؛ لأنَّا نقول: إنما ذلك عند الاحتمال، وهُنا قد تحقق وجود مانع. نعم، سيأتي في القياس لنا خِلاف في أن المانع يستدعي وجود المقتضِي أوْ لا. ومحل الخلاف أيضًا كما قاله القرافي: إذا كان المشتق محكومًا به، كَـ "زيد مشرك" أو "زانٍ " أو "سارق". أما إذا كان متعَلَّق الحكم نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، الآيات، فيكون حقيقة؛ إذ لو كان مجازًا لَكان مَن أشرك أو زنى أو سرق بعد زمان نزول الآية والخطاب بها يكون مجازًا، فلا يدخل فيها؛ لأن الأصل عدم المجاز، ولا قائل بذلك. أي: وإذا قُلنا باعتبار الانقضاء في الماضي فيقيد بذلك أيضًا. قال: (ولا مخلص مِن الإشكال إلَّا بما قررناه؛ لأنَّ الله تعالى لم يحكم في تلك الآيات بشرك أحد ولا بزناه ولا بسرقته، وإنَّما حكم بالقتل والجلد والقطع على الموصوف بهذه الصفات. نعم، هو متعلَّق هذه الأحكام) (١). انتهى وقد خُولِفَ في زمانه واختبطوا في جوابه وإنْ كان الأصفهاني في "شرح المحصول" قد ذكر نحوه.

стр. 949

فأجاب بعضهم عن ذلك بأنَّ المجاز وإنْ كان الأصل عدمه إلَّا أن الإجماع انعقد على أن المتصفين بهذه الصفات بعد ورود النصوص تتناولهم وتثبت تلك الأحكام فيهم. ولكن الجواب الحقّ أن هنا شيئين: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى من غير تَعرُّض لزمان، كقولنا: (الخمر حرام)، فإنه صادق سواء أكانت الخمرية موجودة أوْ لا، فإطلاق "الخمر" في هذه الحالة حقيقة؛ لأن المراد بالحال حال التلبس، لا التلفظ، وكذلك نحو آيات: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ لم يقصد إلَّا مَن اتصف بالشرك وبالزنا وبالسرقة وقت تَلبُّسه، وذلك حقيقة. ومثلُه إطلاق ذلك بعد الانقضاء، فإنه لم يخرج عن ذلك الذي قد أُطلِق حقيقة واستمر، وإنَّما يقع التجوُّز عند إرادة المتكلم إطلاق الوصف باعتبار ما كان عليه أو ما يؤول إليه. قال الشيخ تقي الدين السبكي: وإنَّما سرى الوهم للقرافي مِن اعتقاده أن الماضي والحال والمستقبل بحسب زمان إطلاق اللفظ، والقاعدة صحيحة في نفسها، ولكن لم [يفهمها] (١) حَق فهمها، فالمدار على حال التلبُّس، لا حال النُّطق. على أنَّه قد نوقش القرافي في مواضع: منها قوله: (إن متعلَّق الحكم ليس مرادًا)، يرد عليه قولك: (القاتل يقتل أو الكافر يقتل) تريد به معهودًا حاضرًا، فإنه لا يكون حقيقة حتَّى يكون القتل قائمًا به من حيث الخطاب. وأيضًا فإنَّ قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ينحل إلى الذين هم يشركون، فَهُم محكم عليهم.

стр. 950

وبالجملة فلا فرق بين أن يكون المشتق محكومًا عليه أو متعلق الحكم أو غير ذلك، فالمدار على ما قررناه. الثاني: تكميل ما تحرر في جواب شبهة القرافي أنَّ اللفظ على أربعة أقسام: قِسم وُضع للزمان المعيَّن: كأمس وغدًا والآن. وقِسم وُضع مجردًا عن الدلالة على الزمان تَضَمُّنًا والتزامًا: كأسد، فهذا لا يتصف من حيث الأزمنة لا بحقيقة ولا بمجاز. وقِسم وُضع للحدث والزمان المعيَّن: كالأفعال، فالزمان فيها جزء مِن مدلولها، فهذه حقيقة فيما وُضعت له، مجاز إنِ استُعملت في غيره. فالفعل الماضي وضْعُه للحدث والزمن الماضي، كَـ "قام"، فإذا أُريدَ به الاستقبال نحو: (غفر الله لك) ونحو: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، أو الحال كَـ "قام الآن" ونحو ذلك، كان مجازًا قطعًا. والمضارع فيه خمسة مذاهب: - كَوْنه للحال لا للاستقبال، عكسُه. - كونه حقيقة في الحال ومجازًا في الاستقبال، عكسُه. - حقيقة فيهما، فيكون مشتركًا. وظاهر "التسهيل" اختياره، فمتى استُعمل في الماضي كان مجازًا قطعًا، وكذا لو استُعمل في غير ما هو موضوع له عند القائل به. وقِسم رابع وهو نحو: أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة ونحو ذلك، فما أُريد فيه الثبوت مِن اسمَي الفاعل والمفعول وكالصفات المشبهة مطلقًا لا دلالة له على زمان أصلًا، بل يصير كلفظ "أسد" و"إنسان"، وعليه حُمل نحو: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ونحو:

стр. 951

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾. فإنْ قصد به الحدوث كما يقصد بالأفعال ولهذا أُعْمِل عَمَل الفعل، فدلالته على الزمان بالالتزام لا بالتضمن كما هو شأن الفعل، فيطرقه الانقسام للحقيقة والمجاز، ويأتي فيه ما سبق في أصل المسألة. الثالث: نشأ مما قررناه الاختلاف في مسائل: منها: رجوع البائع في سلعته بفلس المشتري؛ لقوله ﷺ : "أيما رجُل مات أو أفلسَ فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (١). إنْ قُلنا: إنه صاحبه باعتبار ما مضى حقيقة، رجع وإلَّا فلا، فيتعين الحمل على المستعير. وجوابه: أنَّه وإنْ كان مجازًا فقد قام الدليل على إرادته كما ذُكر ذلك في محله. ومنها: قال الكافر: (أنا مسلم)، هل يحكم بإسلامه؛ فيه اضطراب في "الشرح" و"الروضة". وبالجملة فمنشأ الخلاف فيه أنَّه قد يريد "أنا أُسْلم بعد ذلك" فيكون وعدًا، وقد يريد الماضي وهو دِينه الذي هو عليه في الماضي ولكنه سماه إسلامًا. ومنها: لو قال: (أنا مقرٌ بما يدَّعيه)، كان إقرارًا؛ لأنه حقيقة في الحال. ومنها: قال لزوجته: (يا طالق)، طلقت لذلك، فإنِ ادَّعى أنَّه أراد الماضي وقد وقع عليه طلاق قبل ذلك، صُدِّق. ومنها: هل تزول كراهة السواك للصائم بالغروب قبل فطره؟ أوْ لا بُدَّ من إفطاره؛ لأنه

стр. 952

ليس حينئذٍ صائمًا وقد قال ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (١)؟ فالأكثر على أنَّه يزول بالغروب؛ لأنه قد أفطر شرعًا. ومنها: لو أوصى أو وقف على حُفاظ القرآن، لا يدخل مَن نسيه (٢)؛ لأنَّ ذلك مجاز. ومنها: وقف أو أوصى لورثة زيد وَزيد حي، لا يصح؛ لأنه ليس وارثا إلَّا باعتبار المستقبل وهو مجاز. ومنها: في مسألة "كُلما وَلَدت واحدةٌ فصواحبها طوالق" هل يخرج عن الصحبة مَن وقع عليها الطلاق؟ أوْ لا؛ لأنها صاحبة باعتبار ما كان؟ تذنيب: من مسائل الاشتقاق أن المشتق لا إشعار له بخصوصية الذات، فالأسود مثلًا ذاتٌ لها سواد، ولا يدل على حيوان ولا غيره، والحيوان ذات لها حياة، لا خصوص إنسان ولا غيره. قال الهندي: (لا بالمطابقة ولا بالتضمن) (٣). ومفهومه أنَّه يدل بالالتزام، فإنْ أراد مُطلق الجسم فمُسَلَّم، أو نوعًا معيَّنًا فلا. والله أعلم. * * * (تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الثاني، وَيلِيه الجزء الثالث، وأوله: المنطوق والمفهوم)

стр. 953

تقسيم آخَر وهو راجع للمفرد تارة وللمركب أخرى كما ستراه، وهو انقسامه باعتبار محل الدلالة إلى منطوق ومفهوم، إذ لا تخلو الدلالة عن القسمين، لكن لكل منهما أقسام وشروط لا بُد من معرفتها، يأتي إن شاء الله تعالى بيانها واضحة. ص: ٤٤٥ - اللَّفْظُ إنْ كَانَ بِنُطْقٍ دَلَّا ... فَسَمِّ بِ "الْمَنْطُوقِ" ذَا، وَإِلَّا ٤٤٦ - فَسَمِّهِ "الْمَفْهُومَ"، فَالْمَنْطُوقُ ... "نَصٌّ" إذَا مَعْنًى لَهُ يَفُوقُ ٤٤٧ - بِلَا احْتِمَالٍ، وَالَّذِي قَدْ ضَعُفَا ... فِيهِ احْتِمَالٌ "ظَاهِرٌ" قَدْ عُرِفَا الشرح: أي: إن المعنى المستفاد مِن اللفظ إنِ استُفيد مِن حيث النُّطق به، سُمي"منطوقًا"، أو من حيث السكوت اللازم للفظ، سُمي"مفهومًا". و"المفهوم" وإن كان في الأصل عامَّا لكل ما فُهم من نُطق أو غيره؛ لأنه اسم مفعول "فَهمَ يَفهَمُ" لكن اصطلحوا على اختصاصه بهذا النوع وهو المفهوم المجرد الذي لا يستند إلى نُطق؛ لكونه فُهم مِن غير تصريح بالتعبير عنه، بل له استناد إلى طريق عقلي. فالقسم الأول وهو "المنطوق" ينقسم إلى: نَص، وظاهر. فَـ "النص": مما أفاد معني لا يحتمل غيره، كَـ "زيد". وهو معنى قولي: (يَفُوقُ بِلَا احْتِمَالٍ)، أي: ذلك المعنى فائق بسبب عدم الاحتمال فيه، فسُمِّي اللفظ الدال عليه "نَصًّا"؛ لارتفاعه على غيره مِن الألفاظ في الدلالة، مأخوذ من قولهم: (نصت الظبية جيدها) إذا

стр. 954

رفعته، ومنه: مَنصة العروس (بفتح الميم). قاله المطرزي. فقولي: (مَعْنًى) مرفوع بفعل محذوف على حد قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]. والظاهر: ما أفاد معنى مع احتمال معنى غيره لكنه ضعيف، فهو بسبب ضعفه خفي؛ فلذلك سُمي اللفظ لدلالته على مقابِله وهو القوي "ظاهرًا"، كالأسد فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، ويحتمل أن يُراد به الرجل الشجاع مجازًا، لكنه احتمال ضعيف. والكلام في دلالة اللفظ الواحد؛ ليخرج "المُجْمَل مع المُبَيِّن"؛ لأنه وإنْ أفاد معنى لا يحتمل غيره فإنه لا يُسمى مِثله "نَصًّا". واعْلَم أن "النَّص" كما يُطلق في مقابَلة "الظاهر" يُطلق أيضًا في مقابلة الاستنباط والقياس، فيقال مثلًا: دَلَّ عليه النَّص والقياس. فهو أَعَم مِن أن يكون معه احتمال آخَر أو ليس معه، وهذا كما سيأتي في أن العلة إما منصوصة وإما مستنبطة، وفي أن شرط الفرع أنْ لا يكون منصوصًا، ونحو ذلك. ومن هذا قولهم: (نَصُّ الشَّافعي كذا) في مقابلة قول مُخَرَّج أو نحوه، يعنون به أَعَم مِن النَّص والظاهر، والله أعلم. ص: ٤٤٨ - كِلَاهُمَا "الْمُحْكَمُ"، وَالْمُقَابِلُ ... فَ "مُتَشَابِهٌ" إذَا [تُقَابِلُ] (١) ٤٤٩ - يَسْتَأْثِرُ اللهُ بِعِلْمِهِ، وَقَد ... يُطْلِعُ بَعْضَ أَصْفِيَاهُ [الْمُعْتَمَدْ] (٢)

стр. 955

الشرح: أيْ: إنَّ كُلًّا مِن النص والظاهر يُسمى "مُحْكَمًا"، مِن الإحكام وهو الإتقان؛ لأنه أُحْكِمَ بظهور المراد منه، إما بلا احتمال أصلًا أو برجحان احتمال يظهر المراد فيُحْمل عليه، فهو بإزاء القدر المشترك بين القسمين وهو عدم المرجوحية. وهذا أحسن مِن تعبير بعضهم بالراجحية؛ لأن ما لا احتمال فيه لا يُقال له: دراجح. فَـ "المُحْكَم" هو: المتضح المعنى. ومقابِلُه يسمى "المتشابه": وهو ما لم يتضح فيه المعنى. سُمي بذلك لِتَشابه المعاني فيه وعدم ظهور المراد منها، فيدخل تحته: - ما احتمل معنيين على السواء: وهو "المُجْمَل"، وسيأتي بيان جهات الاستواء. - وما كان ظاهرًا في أحدهما أو أحدها ولكن قام دليل على إرادة المرجوح، فَيُؤَوَّل اللفظ بالحمل عليه. فمدلول "المتشابه" أمران: المجمل، والمؤَوَّل؛ باعتبار القَدْر المشترك بينهما وهو عدم الرجحان. وفي "تفسير الماوردي" عن الشَّافعي ﵀ أن: ("المحكم" ما لا يحتمل من التَّأويلِ إلَّا وجهًا واحدًا، و"المتشابه" ما احتمل أَوْجُهًا) (١). والمراد بِ "الوجه الواحد": الذي يتعين العمل به سواء أكان لا احتمال معه أو معه احتمال مرجوح. وبِـ "الأوْجُه": ما ليس فيه مُتَعَيّن للعمل كما بيناه. بل قال الماوردي: (ويحتمل أن "المحكَم" ما كانت معاني أحكامه معقولة، بخلاف

стр. 956

"المتشابه" كأعداد الصلوات واختصاص رمضان بالصيام دون شعبان) (١). وفي تفسير المحكم والمتشابه سوى ما سبق أقوال كثيرة: منها: أن "المحكم" ما خَلُص لفظُه مِن الاشتراك ولم يُشَبْ بغيره، و"المتشابه" بخلافه. أو أن "المحكم" ما اتصلت حروفه، و"المتشابه" ما تقطعت، كالحروف المقطعة أوائل السور. أو أن "المحكم" ما تُوُعِّد به الفساق، و"المتشابه" ما أُخْفي عقابه. أو أن "المحكم" ما احتج الله تعالى به على الكفار، و"المتشابه" خلافه. أو أنَّه الوعد والوعيد في الأحكام، و"المتشابه" القصص وسِيَر الأولين. أو أن "المحكم" نعت رسول الله ﷺ في التوراة والكتب المتقدمة، و"المتشابه" نعته في القرآن. أو أن "المحكم" الناسخ، و"المتشابه" هو المنسوخ. أو أن "المتشابه" آيات القيامة، و"المحكم" ما سواها. أو نحو ذلك مِن الأقوال المنتشرة. قال ابن السمعاني: أحسنها أن "المحكم" ما أبان معرفة المراد بظاهره أو بدلالة تكشف عنه، و"المتشابه" بخلافه، فيدخل في كلامه في "المحكم" المُؤَوَّل، ويجمع بينه وبين ما سبق من القول الراجح أنَّه -مِن حيث هو- كان "متشابهًا"؛ لِعدم إرادة الظاهر فيه، وبَعد قيام الدليل على إرادة المرجوح صار "مُحْكَمًا". وإليه أشرتُ بقولي: (إذَا تُقَابِلُ)، أي: إذا أردت أن تقابله بالمحكم وإنْ أُطلق عليه في

стр. 957

بعض أحواله "محكمًا" باعتبارٍ آخَر. وقولي: (يَسْتَأْثِرُ اللهُ بِعِلْمِهِ) بيان لحكم"المتشابه" وإنْ أوهمت عبارة "جمع الجوامع" أنَّه تفسير له. قال الأستاذ أَبو منصور: إن هذا قول كثير من أصحابنا المتكلمين والفقهاء، كالحارث والقلانسي، ووقفوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] على ذلك. قال: وهو الأصح عندنا؛ لأنه قول الصحابة، كابن عبَّاس، وابن مسعود وأُبي بن كعب، وهو اختيار أبي عُبيد والأصمعي وأحمد بن يحيى النحوي. وقال ابن السمعاني: إنه المختار على طريق أهل السُّنة. وحكاه البغوي في "تفسيره" عن الأكثرين من الصحابة والتابعين والنحويين، وقطع به الزبيري - من أصحابنا - في كتاب "المسكت". ومقابِلُه قول الأشعري والمعتزلة؛ إنه لا بُدَّ أنْ يَكون مِن الراسخين في العلم مَن يَعلمه. والوقف عندهم في الآية على ﴿فِي الْعِلْمِ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ نَصب على الحال مِن ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ فقط دُون المعطوف عليه؛ لِتَعَذُّره، فهو قرينة مُخَصِّصة لتقييد الحال بالمعطوف كما في ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، فإنَّ "نَافِلَة" حال من المعطوف فقط وهو "يعقوب"؛ لأنه ولد الولد، دُون إسحاق؛ لأنه ولد. وقال ابن الحاجب: (إنه الظاهر؛ لأن الخطاب بما لا يُفهم بعيد) (١). وقال النووي ﵀ في "شرح مسلم" في "كتاب [الأدب] (٢) ": (إنه الأصح؛ لأنه يَبْعُد أن

стр. 958

يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد مِن الخلْق إلى معرفته) (١). قال: (وقد اتفق أصحابنا وغيرهم مِن المحققين على أنَّه يستحيل أن يتكلم الله تعالى بما لا يفيد) (٢). ورجح هذا الشيخ أَبو إسحاق؛ لأن الله تعالى أَوْرَدَ هذا مدحًا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لَشاركوا العامة وبَطل مدحهم. وصححه أيضًا سليم في "التقريب"، وحكاه القاضي أَبو بكر وإمام الحرمين في "البرهان" عن أكثر القراء والنحاة، قال: وهو مذهب ابن مسعود وأُبي بن كعب، أي: عكس حكاية الأستاذ والبغوي عنه. وإلى هذا أشرتُ بقولي: (وَقَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ أَصْفِيَاهُ). والأصل: أصفيائه، ولكن قصرتُه؛ للضرورة. واعلم أنَّه قد سبق في باب الأدلة - عقب ذِكر الكتاب والسُّنة - الخلافُ في أنَّه هل يجوز أن يكون فيهما لفظ له معنى لكن لا نفهمه؛ وبيان أن خلاف الحشوية ليس في هذا القِسم كما زعم بعضهم، ولا في ورود لفظ بلا معنى أصلًا؛ فإنه لا يُظن بعاقل أن يقوله، وأن الإمام في "المحصول" إنما حكى خلاف الحشوية في كون اللفظ له معنى ولكن أُريدَ غيره، وإنْ كان قد أقام دليلا يقتضي أن خلاف الحشوية في التكلم بما لا يفيد، فراجعه؛ فإنه مهم.

стр. 959

تنبيهات الأول: قد يطلق "المحكم" على ما أُحكم على وجهٍ لا تفاوُت فيه، فالقرآن كله بهذا المعنى "محكم"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. ويطلق "المتشابه" بمعنى أنَّه متماثل في الدلالة والإعجاز، فالقرآن كله "متشابه" بهذا المعنى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. الثاني: فائدة ذِكر "المحكم" و"المتشابه" في هذا التقسيم بيان القِسم الذي يجب الإيمان به ولا يتعرض للكشف عنه - على طريقة القائلين بأنَّ الله تعالى يستأثر بعلمه، وأما على الطريقة الأخرى فالسعي في تحقيق معناه بأن يتهيأ العالِم باستعداده حتَّى يكون من الراسخين ويبحث عن المعنى بالدليل. وقيل: بل الخُلْف في المسألة لفظي، فإنَّ مَن قال: (إن الراسخ في العِلم يَعلم تأويله) أراد به أنَّه يَعلم ظاهره، لا حقيقته. ومَن قال: (لا يَعلم) أراد أنَّه لا يَعلم حقيقته وإنما ذلك إلى الله، والحكمة في إنزال "المتشابه" ابتلاء العقلاء. وقال [ابن] (١) إسحاق: إن الكلام تَمَّ عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللهُ﴾، ومعنى ما بعده أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويستدلون على الخفي بالجلي، لا أنهم لا يعلمونه أصلًا. وأما عِلم الله تعالى فهو بالعلم القديم الذي لا يتوقف على شيء، وعِلم غيره متوقِّف على التذكر والتدبر. وهذا في الحقيقة قول متوسط بين القولين السابقين، واختاره السهيلي.

стр. 960

وللقفال الشاشي قول بالوقف، إذ قال: القولان محتملان، ولا يُنكَر أن يكون في "المتشابه" ما لا يُعلم. ومنهم مَن جمع بين القولين بأن الله تعالى يَعلم ذلك على التفصيل، والراسخون في العلم يعلمونه على الإجمال. وبالجملة فالمختار: الوقف على ﴿إِلَّا اللهُ﴾، فإذا جمع بما ذكرناه، زال الإشكال واجتمع القولان. الثالث: الخلاف في "المتشابه" لا يجري في آيات أحكام الشريعة كما قال الأستاذ أَبو إسحاق؛ إذ ليس شيء منها إلَّا وعُرف بيانه، وليس في السُّنَّة ما يشاكله. وفي "المنخول" للغزالي أن: ("المتشابه" في الآيات المتضمنة للتكليف مُحال، ويبين المقصود منه رسم المسألة في آية الاستواء، قال مالك لَمَّا سُئل عنه: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وقال سفيان بن عيينة: يُفْهَم منه ما يُفهم مِن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقد تحزَّب الناس فيه، فَضلَّ قوم فأجروه على الظاهر، وفاز مَن قَطع بنفي الاستقرار، وإنْ تردد في مُجْمَله فلا يُعاب عليه، فإنَّ تعليم الأدلة على نفي الاستقرار لا نراه واجبًا على الآحاد، بل يجب على كل شخص في كل إقليم أن يقوم ليدفع البدع إذا [ثارت]) (١) (٢). انتهى الرابع: مِن هذا الخلاف تشعَّب العلماء في آيات الصفات وأحاديثها المشكلة: هل يجب تأويلها بِناء على أن بعض الراسخين في العِلم قد يَطَّلِعون على المعنى؟ أوْ لا؛ لكونه مما استأثر الله تعالى به، ويحتمل أن المراد غير ما أُوِّل به، فيرون الإمساك عنه لذلك؟

стр. 961

والطريقتان مشهورتان، إلَّا أنَّه ينبغي في مِثل هذا الوقت رجحان طريقة التَّأويلِ وإظهاره؛ لِمَا حدث من البدع وتلبيس بعض المبتدعة على ضعيفي العقول وحملهم على أن يعتقدوا ظاهرها الذي قامت الأدلة القاطعة على استحالته، وقام الإجماع من الفريقين على عدم إرادة ظاهره، فهو من باب النصح الواجب، والله تعالى أعلم. ص: ٤٥٠ - وَسمِّ بِـ "الْمُجْمَلِ" مَا لَمْ يَتَّضِحْ ... دِلَالَةً؛ لِلاشْتِرَاكِ لم [يَضِحْ] (١) ٤٥١ - أَوْ رَجَحَ الْمَجَازُ حَتَّى سَاوَى ... حَقِيقَةً، وَكُلُّ مَا تَسَاوَى الشرح: لَمَّا ذكرتُ أن المتشابه ما لم يتضح المقصود منه وأن تحته نوعين: أحدهما: ما لم يُرَد ظاهرُه. وثانيهما: ما تساوى محتملاه أو محتملاته وهو "المجمل". وسبق الكلام في القسم الأول، بينتُ هنا القسم الثاني الذي هو "المجمل"، وأصله من الجمل وهو الجمع. قال ابن طريف: أجملتُ الشيء: جمعته عن تفرقة، وأجملت الحساب: جمعته. وقال ابن دُرَيد: ("أجملت الحساب" لا أحسبه عربيًّا صحيحًا) (٢). فَـ "المُجْمَل": ما لم تتضح دلالته من حيث الاستواء فيها: - إما للاشتراك ولا قرينة ترجح شيئًا من المحتمل، إما بأنْ لا قرينة أصلًا، أو لكُلٍّ

стр. 962

قرينة. - وإما لرجحان المجاز حتَّى ساوى الحقيقة. - وإما لِتَعذُّر الحقيقة مع تَعدُّد المجاز والتساوي فيه، أو نحو ذلك. وهو معنى قولي بعده: (وَكُلُّ مَا تَسَاوَى) إلى آخِر الأبيات الآتية، فعممتُ الحكم بذلك لكل متساو، وبينتُ به أن الصورتين المتقدمتين مثال، لا للحصر. واحترزت هنا - بقولي: (لِلاشْتِرَاكِ) إلى آخِره - عن القسم الأول الذي من "المجمل" وهو الذي لم تتضح دلالته لِكَونه لم يُرَد به المعنى الظاهر وأُريد الخفي، ولكن لَمَّا لم تتعين جهة من الخفي، نَشأ من ذلك مسألة: هل يُؤَوَّل المشْكل من الآيات والأحاديث؛ أو يُسْكت عنه؟ وقد سبق التنبيه عليه. واعلَم أنَّه لا يخفى أن ذلك حيث لم يحمل المشترك والحقيقة والمجاز والمجازين على الكل، فإنْ وجب الحمل حيث أَمكن فلا إجمال، وقد سبق بيان ذلك في محله، والله أعلم. ص: ٤٥٢ - فَإنْ يُبَيِّنِ الدَّلِيلُ الْمَقْصَدَا ... مِنْهُ، فَذَا "مُبَيَّن"، أَوْ فُقِدَا ٤٥٣ - في الْأَصْلِ إجْمَالٌ لَهُ فَيُسْمَى ... "مُبَيَّنًا"، لِقَصْدِ ذَاكَ [رَسْمَا] (١) الشرح: هذا خبر عن المبتدأ المذكور في آخر البيت الذي قبله، وهو قولي: (وَكُلُّ مَا تَسَاوَى). أي: ما تساوى فيه المحتمل فالحكم فيه ذلك.

стр. 963

ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، لتضمُّنه معنى الشرط، أي: إذا عرف معنى "المجمل" وأنه ما لم تتضح دلالته؛ لِتَسَاوي ما يحتمله، فإنْ دَل دليل على المقصود منه، سُمي "مُبَيَّنًا" بالفتح، اسم مفعول مِن: بَيَّنه تبيينًا. وربما سُمي بِ "المُبَيِّن" ما لم يكن مُجْمَلًا قط وإنَّما هو واضح من الابتداء؛ لكونه بُيِّن، أي: قُصِد فيه البيان وإن لم يطرأ عليه، فالمبيَّن نوعان. وهو معنى قولي: (لِقَصْدِ ذَاكَ رَسْمًا)، أي: لأجل ذلك رُسم بهذا الاسم، وإنَّما عللتُ تسمية الثاني "مُبينًا" بالقصد؛ لأن الأول لا يحتاج [في] (١) تسميته بذلك لتعليل. و"المقصَد" بفتح الصاد بمعنى القصد، لأن "المَفْعَل" منه بالفتح: المصدر، وبالكسر: المكان والزمان. ثم يحتمل أنْ يُراد به المفعول، أي: المقصود، ويحتمل بقاؤه على المصدرية، فالمعنى صحيح على التقديرين، والله أعلم. ص: ٤٥٤ - وَإنْ عَلَى الْمَرْجُوحِ جَا دَلِيلُ ... فَتَرْكُ ظَاهِرٍ لَهُ تَأْوِيل ٤٥٥ - صَحِيح، أوْ مَا أَشْيَهَ الدَّلِيلَا ... فَفَاسِدٌ، وَلَيْسَ ذَا مَقْبُولَا ٤٥٦ - أَوْ لَا لِشَيْءٍ أَبَدًا فَلَعِبُ ... وَلَيْسَ في التَّأْوِيلِ هَذَا يُحْسَبُ الشرح: لَمَّا سبق أن المتشابه نوعان: مجمل، و [مؤَوَّل] (٢)، وبينتُ آنفًا أن المجمل يزول إجماله

стр. 964

بدليل يجيء مبيِّنًا للمقصود منه، بينتُ هنا أن القِسم الآخَر يتضح إذا قام على بيان المراد منه دليل، فيخرج بذلك عن "المتشابه". وحقيقة هذا النوع أن يكون حملُ اللفظ على حقيقته الظاهرة منه متعذِّرًا؛ لاستحالتها عقلًا أو نقلًا، فيجب حيلَهُم ذٍ طرح ذلك الظاهر قطعًا، ثم يُنظر: فإنْ جاء دليل يدل على إرادة المرجوح عقليًّا أو نقليًّا، وَجَبَ الحمل عليه، وسُمي حينئذٍ "تأويلًا"، وهو مصدر "أَوَّلتُ الشيء": فسرتُه، مِن "آلَ": إذا رجع؛ لأنه رجوع من الظاهر إلى ذلك الذي آلَ إليه مِن دلالة اللفظ، وهو معنى قول صاحب "المقاييس": (تأويل الكلام: عاقبته، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي: ما يؤول إليه في بعثهم ونشورهم) (١). ويجوز أن يكون مِن"الإيالة" وهي السياسة، فكأنه يسوس اللفظ إلى أن يستخرج معناه القصود منه. وللناس كلام في الفرق بين التفسير والتأويل، قال الراغب: (أكثر ما يستعمل "التأويلُ" في المعاني و"التفسيرُ" في الألفاظ، وأكثره في مفردات الألفاظ، و"التَّأويلِ أكثره في الجُمل" (٢). ويُسمَّى هذا "التَّأويلِ" الذي لدليل: "تأويلًا صحيحًا". فإنْ تُرك الظاهر لا لدليل محقق بل لشبهة تُخَيَّل للسامع أنَّها دليل وعند التحقيق تضمحل، يُسمى "تأويلًا فاسدًا"، أو ربما قيل له: "تأويل بعيد"، كما سيأتي في موضعه ذِكر أمثلة من النوعين. فإنْ عدل عن الظاهر لا لدليل ولا شُبهة دليل فهو ضربٌ من اللعب، ولا يُعد من التَّأويلِ، ولا يحسب بالكُلية.

стр. 965

وقد عُلم مما قررناه أن حَمْل اللفظ على ظاهره ليس مِن التَّأويلِ، وأن حمل المشترك ونحوه مِن [المتساوي] (١) على أحد محمليه أو محامله لدليل لا يُسمى تأويلًا، وأن حمله على المجموع لا يُسمى تأويلًا أيضًا، والله أعلم. ص: ٤٥٧ - فَإنْ تَوَقَّفَتْ عَلَى إضْمَارِ ... دِلَالَةُ النُّطْقِ لِصِدْقٍ جَارِ ٤٥٨ - أَوْ صِحَّةٍ عَقْلًا يُرَى أَوْ شَرْعَا ... فَهْوَ اقْتِضَاءٌ كلُّهُ، فَيُرْعَى ٤٥٩ - كَـ "رُفِعَ الْخَطَا" وَمثْلُ "وَاسْأَلِ" ... وَ"أَعْتِقِ الْعَبْدَ عَلَيَّ"، فَاقْبَل الشرح: أي: من دلالة المنطوق على المراد منه: صريح: وهو ما وُضع اللفظ له، فيدل عليه بالمطابقة أو التضمُّن، حقيقةً أو مجازًا. وغير صريح: وهو ما دل [على] (٢) غير ما وُضِع له، وإنَّما يدل من حيث إنه لازم له، فهو دالٌّ عليه بالالتزام. وقَسَّمه ابن الحاجب إلى ثلاثة أقسام: اقتضاء، وإشارة، وإيماء؛ لأنه إما أن يكون مقصودًا للمتكلِّم ولكن توقف على ما يصححه، أو لم يتوقف، أو يكون غير مقصود للمتكلم. فالأول - وهو ما توقفت دلالته على مُقَدَّر آخَر - يُسمى "دلالة الاقتضاء"، وإليها

стр. 966

أشرتُ بقولي: (فَإِنْ تَوَقَّفَتْ) إلى آخِره. وَجِهات التوقف ثلاثة: ما يتوقف فيه صِدق اللفظ، وما يتوقف فيه صحة الحكم عقلًا، وما يتوقف فيه صحة الحكم شرعًا. فالأول: مثل قوله ﷺ : "رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان" (١)، فإنَّ ذات الخطأ والنسيان لم [ترتفع] (٢)؛ فيُضمَر ما يتوقف عليه الصِّدق مِن لفظ "الإثم" أو "المؤاخذة" أو نحو ذلك. والثاني: مثل قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾، أي: أهل القرية؛ إذْ لو لم يُقَدَّر ذلك أو نحوه، لم يصح عقلًا، إذْ هي لا تُسأل، ولا يخفَى ما في نسبة ذلك للعقل مِن المسامحة؛ ولذلك قالوا: إن هذا بِناءٌ على أنَّها لم تكن مسئولة حقيقةً من باب المعجزة له، وهو مبني أيضًا على أنَّه لم يُعَبَّر بالقرية عن أهلها؛ إذِ المجاز حينئذٍ مجاز استعارة، لا مجاز إضمار. ومثله قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي: فَضرَب؛ فانفلق. والثالث: كقول القائل: أَعْتِق [عبدك] (٣) عني على كذا)، أو قال: (مجانًا)، فإنه في الأول بيع ضمني، وفي الثاني هبة ضمنية لا يستحق صاحب العبد عليه شيئا جزمًا. نعم، قال المزني: إنه لا يقع عن المستدعي. ولكن المذهب خِلافه، وكذا لو سكت على "أَعْتِق" ولم يذكر شيئًا فإنه هبة ضمنية ولا يستحق شيئًا على أصح الوجهين، وقيل: يستحق. وإنَّما توقفت الصحة الشرعية في [ذلك] (٤)؛ لأنَّ العتق شرعًا لا يكون إلَّا لمملوك. وهو

стр. 967

معنى قولي في النظم: (وَ"أَعْتِق الْعَبْدَ عَلَيَّ"، فَاقْبَلِ) أي: فَقُل: (أعتقته)، فيشمل الثلاثة. تنبيه: جَعْلُ الأقسام [الثلاثة] (١) اقتضاء هو قول أصحابنا، وذهب جَمعٌ من الحنفية - كالبزدوي - إلى أن "المقتضِي" ما تَوقَّف فيه الصحة شرعًا، وسَموا الأول والثاني "محذوفًا" أو "مضمرًا"، وفرقوا بين المحذوف والمقتضَى بأنَّ "المقتضَى" لا يتغير فيه ظاهر الكلام عن حاله ولا إعرابه عند التصريح به، بل يبقى كما كان قبله، بخلاف المحذوف كَـ ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةِ﴾ و"رُفع عن أمتي الخطأ" ونحوه، والله أعلم. ص: ٤٦٠ - وَمَا يَدُلُّ وَبِلَفْظٍ مَا قُصِدْ ... "إشَارَةٌ" في "الْآنَ بَاشِرُوا" تَجِدْ الشرح: هذا هو القسم الثالث مما ذكره ابن الحاجب مِن أقسام غير الصريح. وأما القسم الثاني وهو "الإيماء": وهو ما فيه قصد المتكلم ولا يتوقف على إضمار شيء ولكنه اقترن بحكم لو لم يكن اقترانه به عِلةً له لكان بعيدًا مِن الشارع أن يقرنه به وهو أجنبي، ويُسمى "تنبيهًا" و"إيماء"، وسيأتي بمثاله في "باب القياس" من جملة الطُّرق الدالة على العِلية؛ ولهذا أسقطته من النَّظم هنا، ولأن الحكم ليس منسوبًا لدلالة اللفظ عليه البتَّة. وأما هذا الثالث الذي ذكرته هنا في النظم (وهو: ما له عليه دلالة ولكن لم تقصد دلالته) فيُسمى "إشارة"، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾

стр. 968

[البقرة: ١٨٧]، فإنه يدل بالصريح على جواز المباشرة إلى الصبح ولكن يلزم منه صحة الصوم جُنبًا، فلو لم يكن ما بين الفجر إلى تمام الغسل صيامًا لَكان مستثنًى مقداره قبل الفجر مِن المباشرة في الليل، وهو معنى قولي: (في "الْآنَ بَاشِرُوا" تَجِدْ)، أي: في قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [[البقرة: ١٨٧]]، الآية - تجد المثال للمسألة. وكذلك تقدير مدة الحمل بستة أشهر مِن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: " ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. وجمن أمثلة ابن الحاجب قوله ﷺ في النساء: "إنهن ناقصات عقل ودين" (١)، ثم قال في نقصان دينهن: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" (٢).

стр. 969

[ففيه] (١) أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا مع أنَّه غير مقصود من الحديث، بل من حيث إن لفظ "الشطر" يُشْعِر به؛ لأن المبالغة تقتضي أن أكثر ما يتعلق به الغرض ذلك، ولو كان زمان الحيض الذي تترك فيه الصلاة أكثر من ذلك لَذَكره. نعم، [ذكر] (٢) ابن دقيق العيد في كتاب "الإمام" عن البيهقي أنَّه قال: تتبعتُ هذا اللفظ - أي: لفظ "الشطر" - فلم أجده في شيء من كتب الحديث. وحينئد فيتعجب من القاضي أبي الطيب في اعتماده عليه في كتاب "المنهاج" في الاستدلال على أقَل الطهر مع معرفته بالحديث. وقد أجاد تلميذه الشيخ أَبو إسحاق حيث لم يذكره في كتاب "النكت"، وقال في كتاب "المهذب": (لم أره إلَّا في كتب الفقه) (٣). ولعله رأَى في كلام البيهقي ذلك. نعم، في بعض كتب الحنابلة أن القاضي أبا يعلى عزاه إلى "السنن" لابن أبي حاتم، أما لفظ رواية البخاري في ذلك: "أليس إذا حاضت لم تُصل ولم تَصُم؟ [قال] (٤): بلى. قال: فذلك من نقصان دينها" (٥). ولمسلم نحوه، وفيه: "وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان" (٦). في جمع "ليلة"؛ حتَّى لا يُقْصَر على يوم وليلة.

стр. 970

تنبيهات الأول: جَعْلُ الاقتضاء والإشارة مِن أقسام المنطوق وكذا التنبيه والإيماء اللذان سبق ذِكرهما - هو طريقة ابن الحاجب، على خلاف ما صرح به الغزالي في "المستصفى" وجَرى عليه البيضاوي وغيره مِن كونها أقسامًا للمفهوم، وقَوَّى هذا بعضهم. وتُعُقِّب على ابن الحاجب ما صَنَع مع قوله: (إن "المنطوق" ما دل في محل النطق، و"المفهوم" في غير محل النطق) (١)، فأين دلالة محل النطق في هذه؟ وأما الآمدي فمقتضى ما ذكره في "إحكامه" أن ذلك ليس مِن المنطوق ولا من المفهوم. وقد وقع بين الشيخين علاء الدين القونوي وشمس الدين الأصفهاني بحث في ذلك، وكتبَا فيه رسالتين، وانتصر الأصفهاني لابن الحاجب، وهو الظاهر؛ لأنَّ لِلَّفظ دلالة عليها من حيث هو منطوق كما قررناه، بخلاف المفهوم كما سيأتي، فإنه إنما يدل من حيث [هو] (٢) قضية عقلية خارجة عن اللفظ. قال بعض شيوخنا: ويمكن أن يجعل ذلك واسطة بين المنطوق والمفهوم؛ ولهذا اعترف بها مَن يُنكر "المفهوم". الثاني - مِن مُثُل (٣) الحنفية [لدلالة] (٤) الإشارة قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، الآية، قالوا: تدل على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء مع أنَّها إنما

стр. 971

سيقت لبيان استحقاقهم مِن الغنيمة، ووجه الإشارة إلى أنهم يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء أن الله سماهم"فقراء" مع إضافة الأموال إليهم، والفقير مَن لا مال له، لا مَن لا تصل يده إلى المال وإنْ كان مِلْكًا له، فلو كانت باقية على ملكهم، لزم المجاز وهو خِلَاف الأصل. وضُعِّف بأن التسمية وإن دَلَّت على ما ذكروه لكن إضافة الأموال إليهم تدل على بقاء ملكهم؛ إذِ الأصل في الإضافة الملك، فليس حملهم الإضافة على المجاز وإجراء التسمية المذكورة على الحقيقة بأوْلى مِن العكس، والله أعلم. ص: ٤٦١ - وَإنْ يَكُنْ لَا في مَحَلِّ النُّطْقِ ... دَلَّ، فَـ "مَفْهُومٌ "يُرَى بِصِدْقِ الشرح: هذا مقابل ما سبق مِن دلالة اللفظ بمنطوقه. فَـ "المفهوم": ما دَلَّ لا في محل النطق. وسبق وجه تسميته "مفهومًا". واختلفوا في وجه استفادة الحكم منه: هل هو بدلالة العقل مِن جهة التخصيص بالذِّكْر؟ أو مستفاد مِن اللفظ؟ على قولين: قطع إمام الحرمين في "البرهان" بالثاني. و [رَدَّه] (١) أَبو الفرج في "نكته"؛ فإنَّ اللفظ لا يُشعر بذاته، وإنَّما دلالته بالوضع، ولا شك أن العرب لم تضع اللفظ ليدل على شيء مسكوت عنه؛ لأنه إما أن يُشعر به بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز، وليس "المفهوم" واحدًا منهما.

стр. 972

وبنى على هذا أنَّه لا يصح الاستدلال بِكَون أهل العربية صاروا إلى المفهوم، فإنهم إنما أخذوه بطريق الاستدلال بالعقل، وقد يخطئون فيكونون كغيرهم. نعم، لا خلاف أن دلالته ليست وضعية، إنما هي انتقالات ذهنية من باب التنبيه بشيء على شيء، وبالجملة فالمفاهيم التركيبية مِن عوارضه. قولي: (فَـ "مَفْهُومٌ " يُرَى بِصِدْقِ) هو جواب الشرط، فيُقرأ "مفهوم" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو مفهوم. ويجوز أن يقرأ بالنصب مفعولا ثانيًا لـ "يُرى"؛ لأن "رأَى" بمعنى "عَلِم" يتعدى لمفعولين، و"بصدق" في محل نصب على الحال. والله أعلم. ص: ٤٦٢ - فَإنْ يَكُنْ مَسْكُوتُه قَدْ وَافَقَا ... مَذْكُورَهُ حُكْمًا، يَكُنْ "مُوَافِقَا" ٤٦٣ - "فَحْوَى الْخِطَابِ" إنْ يَكُنْ بِالْأَوْلَى ... وَ"لَحْنه" عِنْدَ اسْتِوَاءٍ يُجْلَى ٤٦٤ - وَالشَّافِعِيُّ قَدْ رَأَى "الْمُوَافَقَهْ" ... مِنَ الْقِيَاسِ، لَا بِلَفْظٍ وَافَقَه ٤٦٥ - فَهْمًا، وَلَا بِنَقْلِ لَفْظٍ لِلْأَعَمْ ... عُرْفًا، وَلَا قَرَائِنٍ بِتِلْكَ عَمْ الشرح: إذا عُلم معنى المفهوم، فهو على ضربين: مفهوم موافقة، ومفهوم مُخَالَفَةُ. فالأول: ما وافق فيه حُكمُ المسكوت حكمَ المذكور. وهو معنى قولي: (يَكُنْ "مُوَافِقَا")، أي: يُسمى ذلك المسكوت في الاصطلاح "مواففا"، ويُسمى المفهوم فيه "موافقة"؛ لوفق التنبيه المراد المعنى اللغوي. فَقَولي: (قَدْ وَافَقَا) المراد به المعنى اللغوي، وقولي: ("مُوَافِقَا") آخِر البيت - المراد به المعنى الاصطلاحي حتَّى لا يتحد الشرط والجزاء، والضمير المخفوض في "مسكوته" عائد

стр. 973

على اللفظ المذكور في صَدر التقسيم موردًا له. وقولي: ("فَحْوَى الْخِطَابِ") إلى آخِره - إشارة إلى أن مفهوم الموافقة نوعان: ما هو موافق بطريق الأَوْلى، وما هو موافق بطريق المساواة. والأول يُسمى "فحوى الخطاب"، أي: معناه المفهوم على سبيل القطع، قال الجوهري: إنه بالقصر والمد (١). قال الزمخشري في "الأساس": "فحوى الكلام" ما تُنُسِّم فيه (٢). مِن "الفَحَا" وهو أبزار (٣) القِدْر. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣ [مفهومه النهي عن الضرب ونحوه مِن باب أَوْلى. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، الآية، مفهومه أن ما فوق الذرَّة مِن باب أَوْلى. وقوله تعالى: ﴿[وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] (٤) مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فإنَّ مفهوم الأول أن ما دُون القنطار من باب أَوْلى، ومفهوم الثاني أن ما فوق الدينار من باب أولى. وقوله تعالى: ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فإن مفهومهما تحريم قتله بدون الإملاق وخشيته من باب أَوْلى.

стр. 974

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، مفهومه وجوب الكفارة في العمد من باب أوْلى، إلَّا أنْ يُقال: ذنب المتعمِّد أعظم مِن أن يُتلافَى بالكفارة. وكذا قوله ﷺ : "مَن أسلف في شيء فليُسْلِف في شيءٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أَجلٍ معلوم" (١)، فإن أصحابنا قالوا: إذا جاز في المؤجَّل، ففي الحال مِن باب أَوْلى؛ لأنه أقَل [غرورًا] (٢) وأَبْعَد خطرًا. وأما تضعيف تمثيل الكفارة بأنَّ العمد أشد فلا يُجبر بكفارة بخلاف الخطأ، وتضعيف تمثيل السلم بأنه ليس مِن الغَرر حتَّى يكون الحالُّ فيه كالمؤجَّل، فجوابهما: أن الكفارة شُرعت للزجر، لا للجبر، وزجر المتعمِّد أَحَق مِن المخطئ. وأن البيع لِما في الذمة له فوائد جُوِّز السلم لأجلها، وتلك موجودة في الحالّ كما في المؤجَّل مع كونه أَقَل خطرًا. وذلك كُله مبسوط في محله مِن الفقه. والثاني: وهو المساوي، يُسمى "لحن الخطاب"، أي: معناه، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ولا شك أن سائر الإتلافات كذلك في الوعيد. وظاهر كلام ابن الحاجب أن هذا القِسم غير معتبر، وأن الأولوية شرط في الاحتجاج، حيث اقتصر في الموافقة على "فحوى الخطاب" وذكر أمثلته، ثم قال: (وهو تنبيه بالأدنى). أي: على الأعلى.

стр. 975

قال: (ويُعرف ذلك بمعرفة المعنى وأنه أَشد مناسبة [في] (١) المسكوت) (٢). نعم، قوله في صَدْر المسألة: (أنْ يكون المسكوت موافقًا في الحكم) دليل على عدم الفرق بين الأَوْلى والمساوي. وكذا قوله في مفهوم المخالفة: (وشرطه أنْ لا يظهر أَوْلَوية ولا مساواة) (٣). على أنَّ اشتراط الأولوية هو ظاهر كلام الشَّافعي في "الرسالة" كما نقله إمام الحرمين في "البرهان"، وبه قال الشيخ أَبو إسحاق وغيره من أئمتنا، ونقله الهندي عن الأكثرين. والقول بأنه لا يشترط هو طريقة الغزالي والإمام الرازي وأتباعه، وهو ظاهر استدلالات الأئمة بالمساوي كالأَوْلى وإنْ خَصَّصوا بالتسمية الأَوْلَوي. أمَّا تسمية الأَوْلَوي بِـ "فحوى الخطاب" والمساوي بِ "لحن الخطاب" فَعَلَيْه قوم من أصحابنا، وبعضهم يُسمي الأَوْلوي بالاثنين معًا. وحكى الماوردي (٤) في الفرق بينهما وجهين: أحدهما: ما سبق. والثاني: أن "الفحوى" ما نَبَّه عليه اللفظ، و"اللحن" ما لاح في أثناء اللفظ. وقال القفال في "فتاويه": "الفَحْوَى" ما دَلَّ المُظْهَر على المُسْقَط، و"اللحن" ما يكون محالًا على غير المراد في الأصل والوضع، و"المفهوم" ما يكون المراد به المُظهَر والمُسْقَط. وقيل غير ذلك، والخلاف في الاصطلال، ولا مشاححة فيه.

стр. 976

وقولي: (وَالشَّافِعِيُّ قَدْ رَأَى "الْمُوَافَقَهْ") إلى آخِره - بيان لمدْرَك الاستدلال في مثل صورة الفحوى المذكورة على المسكوت بحكم المذكور هل هو بطريق المفهوم السابق بيانه؛ أو بطريق آخَر؟ وإذا قلنا بطريق آخَر، فما هي؟ وحاصل ما فيه ثلاثة أقوال، مع الأول تصير أربعة: الأول منها: بالمفهوم، وهو المشهور، وجرى عليه ابن الحاجب والبيضاوي تَبعًا لأصلهما؛ فلذلك ذكرناه في أصل التقسيم، ونقله سليم في "التقريب" عن المتكلمين بأَسْرهم الأشعرية والمعتزلة، وسمَّاه الحنفية "دلالة النَّص". الأول: أنَّه من باب القياس، قِيسَ المسكوت على المذكور قياسًا جَلِيًّا كما سماه الشَّافعي بذلك، فإنه يشترط في القياس الجِلي كَوْن الحكم في المقِيس أَوْلَى مِن المقيس عليه. وقد حكى الشَّافعي القولين في "الأُم" هل دلالة النص في ذلك لفظية؟ أو قياسية؟ وبالثاني صَدَّر كلامه في "الرسالة" وأوضحَه بالأمثلة، ثم قال: ومنع بعض أهل العلم أن يُسمى قياسًا؛ لأنه معلوم مِن النَّص. وهو ما نقله الرافعي أيضًا في "باب القضاء" عن الأكثرين، وكذا الهندي في "النهاية". وعبارة الصيرفي: ذهب طائفة جِلَّة إليه، سيدهم الشَّافعي. وقال الشيخ في "اللمع" (١): إنه الصحيح. وجَرَى عليه القفال الشاشي. الثالث: أن اللفظ الدال على الأَخَص نُقل عُرْفًا إلى الأَعَم، فنُقِل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى معنى "ولا تؤذهما". الرِّابِع: أنَّه أُطْلِق على الأَعَم إطلاقًا مجازيًّا، مِن باب إطلاق الأخص على الأعم، ولم

стр. 977

يَبْلُغ في الاشتهار أن يصير حقيقة عُرفية، وإنَّما دل على إرادة الجاز فيه السِّيَاق والقرائن. وقال به كثير من المحققين، كالغزالي في موضع وإنْ كان في موضع آخَر أطلق أن النَّص دل عليه بالفحوى، كأنه جرى هنا على المشهور وحقق هناك. وكذا ابن القشيري، وهو ظاهر اختيار ابن الحاجب [حيث] (١) ضَعَّف طريقة القول بأنه قياس بأمور قد سبقه بها الآمدي وغيره ووَهَّاها المحققون، ليس ذلك موضع ذِكرها. نعم، زعم قوم - كابن السمعاني - أن الشَّافعي لم يُرد حقيقة القياس، بل شبهه. والحقُّ أن له جهتين: جهة هو بها قياسٌ حقيقةً، وجِهة هو بها مُستنِد إلى اللفظ، ولا امتناع أن يكون للشيء اعتباران، فلذلك أَجمع على القول به مُثْبِتُو القياس ومُنكروه، كُلٌّ نَظَر إلى جهة. وقد قال ابن سريج لأبي بكر بن داود: ما تقول فيمَن يعمل مثقال ذَرَّتين؟ فقال: الذرتان ذَرة وذَرة. فقال ابن سريج: فلو عمل مثقال ذَرة ويصف؟ قال إمام الحرمين: (فتبلَّد وظهر حزنه) (٢). أي: لأن بإنكاره القياس لا يجري القياس في نِصف [ذَرة] (٣)، لعدم شمول اللفظ لها. ومن هنا يُعْلَم وَجْه آخَر في اجتماع النَّقْلَين عن الغزالي. قولي: (لَا بِلَفْظٍ وَافَقَهْ) إلى آخِره - تعريض بالمذاهب الثلاثة المذكورة في المسألة على خِلاف المرجَّح الذي هو نَص الشَّافعي وإنْ كنتُ قد جزمتُ بالأول منها، لضرورة التقسيم

стр. 978

كما بينتُ ذلك؛ ولهذا [لم أتركه] (١)، بل عقبته بالتحقيق الذي هو النَّص، فاعْلَمه. تنبيهان الأول: قال صاحب "كشف الأسرار" من الحنفية ما نَصه: (ظن بعض الشَّافعية أن هذا قياس جَلِي، وأصْله التأفيف وفَرْعه الضرب وعِلَّته دَفْع الأذى، وليس كما ظن؛ لأنَّ الأصل في القياس لا يجوز أن يكون جُزءًا مِن الفرع بالإجماع) (٢). قلتُ: هذا عجيب؛ فإنه إنما قِيس المسكوت على المنطوق، لا الأَعَم على بعضه، والعجب أنَّه إنما تَعرَّض للضرب فقط، لا لِمُطْلَق الإيذاء حتَّى يكون أَعَم من التأفيف. الثاني: أشار إمام الحرمين في "البرهان" في "كتاب القياس" إلى أن الخلاف لفظي، وليس كذلك، بل من فوائده ما سيأتي في باب النسخ أَنَّا إذا قُلنا: (دلالته لفظية)، جاز النَّسخ به، وإلا فلا. ومنها: أنَّه يُقَدَّم عليه الخبر إنْ كان قياسًا، وإلا فلا. قاله الغزالي في "المنخول". نعم، قال الأستاذ أَبو إسحاق: هو قياس ولكن لا يُقَدَّم عليه الخبر. قلتُ: ومَنْشَأُ ذلك كله ما سبق مِن أن له اعتبارًا آخَر في استناد النَّص. قيل: ولا شك في تقديمه على القياس؛ لأنه أقوى منه، لكن لو كان القياس عِلته منصوصة فالظاهر تقديم القياس عليه؛ لأنه بمنزلة النَّص.

стр. 979

ومنها: ما قاله صاحب "الكشف" (١) أيضًا: إنه هل يعمل عمل النَّص؟ أوْ لا حتَّى لا يجري فيما يمتنع فيه القياس من الحدود والكفارات؟ أي: بناءً على مذهبهم، وقد سبقت المسألة في "باب الأدلة" في الكلام على القياس. ومنها: ما سيأتي أيضًا في تخصيص العام بالفحوى، كقوله ﷺ : "لَيُّ الواجِد يُحِل عرضَه وعقوبته" (٢). أي: وعقوبته هي الحبس، هل يختص ذلك بغير الولد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؟ فلا يُحْبَس الوالِدُ للولدِ كما نسبه إمام الحرمين لمعظم الأصحاب ونسبه الرافعي في "باب [التفليس] (٣) " لتصحيح البغوي، وزاد النووي ﵀: إنه الأصح في "المهذب" وغيره، ومقابِلُه وَجْه صححه الغزالي، وجَرَى عليه صاحب "الحاوي الصغير". ومَنْشَأُ الخلاف صلاحية تخصيص الفحوى - أو القياس - للعموم. وسيأتي فيه مزيد بيان في باب التخصيص، والله أعلم. ص: ٤٦٦ - وَإنْ يَكُنْ خَالَفَ، فَـ "الْمُخَالَفَهْ" ... فَخُذْ بِهَا بِمَا تَرَاني وَاصِفَهْ ٤٦٧ - وَبِـ "دَلِيلٍ لِلْخِطَابِ" إنْ [تُضِفْ] (٤) ... سَمِّ بِهِ ذَا النَّوْعَ فِيمَا قَدْ وُصِفْ الشرح: هذا هو الضرب الثاني من المفهوم وهو "مفهوم المخالفة"، وهو أن يكون المسكوت

стр. 980

مخالفًا في الحكم للمذكور، ويجب الأخذ به والاحتجاج في أنواع يأتي ذِكرها ووصفها وما يُشترط في العمل بها، ويُسمى هذا النوع "دليل الخطاب"، وهو معنى قولي: (إنْ تُضِفْ)، أي: عند إضافة لفظ دليل إلى الخطاب، فلمَّا لم يَتأتَّ لي نَظْمه بصورته، عَبَّرت عنه بذلك. وإنَّما سُمي بذلك لأن دلالته من جنس دلالات الخطاب، أو لأن الخطاب دالٌّ عليه، أو لمخالفته منظوم اللفظ كما في "منخول" الغزالي عن ابن فورك، على أن بعضهم حاول فرقًا بينهما، والحقُّ خِلافه. ومنهم مَن يُسميه "لحن الخطاب"، وقد سبق أن "لحن الخطاب" عند الجمهور إنما هو اسم لأحد نَوْعَي الموافقة. واعْلَم أنَّ التخالف بين المذكور والمسكوت هل هو لكون حُكمه ضد حُكمه؟ أو نقيضه؟ زعم القرافي في قواعده [الثاني] (١)، قال: (ولهذا استدل بعض أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] على وجوب الصلاة على المؤمنين) (٢). أي: فَضِد النهي عن الصلاة إيجابها. وضُعِّف بأنَّ المخالفة تَصْدُق بالأعَم وهو النقيض، فالاقتصار على الضد يستدعي دليلًا، وحينئذٍ فمفهومُ النهي عن الصلاة على المنافقين عدمُ النهي عن الصلاة على غيرهم، وهو أَعَم مِن الإيجاب والندب والإباحة، فلا دلالة فيه على خصوص الوجوب؛ إذْ لا يَلزم مِن وجودِ الأَعَم وجودُ الأَخَص، والله أعلم.

стр. 981

ص: ٤٦٨ - وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ سُكِتَا ... عَنْهُ لِخَوْفٍ أَوْ لِجَهْلٍ ثَبَتَا ٤٦٩ - وَلَا جَرَى لِلْغَالِبِ الْمَذْكُورُ ... أَوْ لِسُؤَالٍ طَابَقَ الْمَحْصُورُ ٤٧٠ - أَوْ حَادِثٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مُقْتَضِي ... تَخْصِيصِ ذِكْرٍ، غَيْرَهُ لَا يَقْتَضِي (١) الشرح: أي: يُشترط في العمل بمفهوم المخالفة (وهو إثبات خلاف المذكور للمسكوت) شروط، بعضها راجع للمسكوت وبعضها للمذكور. فمِن الأول ما بدأ به ابن الحاجب: أنْ لا تظهر فيه أولوية بالحكم مِن المذكور ولا مساواة. أي: فإنه حينئذٍ "مفهوم الموافقة" كما سبق، لا "مفهوم المخالفة". وإنَّما لم أذكر هذا شرطًا في النَّظم لأنه معلوم مِن لفظ المخالفة المشار إليها بقولي أولًا: (وَإنْ يَكُنْ خَالَفَ، كَـ "الْمُخَالَفَهْ")، فإن الأولوية والمساواة منتفيان [بذلك] (٢). ومنه: أنْ لا يكون المسكوت تُرك ذِكر حُكمه لخوف على المخاطب أمرًا ما، فإنَّ الظاهر أن هذا فائدة التخصيص للمذكور بالذِّكر، أو لكون المتكلِّم يخاف من التصريح بحكم المسكوت أمرًا من ذلك، وهذا في المتكلِّم إذا كان غير الشارع. والأمران داخلان في قولي: (لِخَوْفٍ).

стр. 982

نعم، كلام ابن الحاجب يقتضي أن هذا مِن شروط المذكور، لكن على معنى أن المذكور صُرح به لرفع الخوف، كقولك لمن يخاف من ترك الصلاة الموَسَّعة في أول الوقت: (تركُها أول الوقت جائز)، ليس مفهومه عدم الجواز في باقي الوقت، وهكذا إلى أن يتضيق كما سبق في المُوَسَّع. ومنه: أن لا يكون سُكت عنه لكون المخاطَب غير جاهل به، ويمكن جعْل هذا من شروط المذكور، على معنى أن يكون ذِكره لأجل جهالة المخاطَب إياه، بخلاف المسكوت فإنه يَعلمه. كما لو قيل: (صلاة السُّنة فروضها كذا وكذا)، فلا يُقال: مفهومه أن الفرض ليس كذلك؛ لأنَّ ذلك معلوم. وربما قُدِّر أن المتكلِّم جاهل بحكم المسكوت، وذلك في غير الشارع كما سبق نظيره في الخوف، فيكون التكلِّم - غير الشارع - إنما تَرك حُكم المسكوت جَهْلًا، فظهر للتخصيص بالذِّكر سبب آخَر. وربما يُدَّعى أن ذلك من شروط المذكور، على معنى أنَّه خُص بالذكر؛ [لِجَهْل] (١) حُكم غيرِه. ومن القسم الثاني: أنْ لا يكون ذُكر لكونه الغالب عادةً، فأما إنْ جَرَى على الغالب فإنه لا يُعتبر مفهومه، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، فتقييد تحريم الربيبة بكونها في حجره لكونه الغالب، فلا يدل على حِل الربيبة التي ليست في حجره. قال الماوردي: (﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم. واختلف الفقهاء في اعتباره، فقال داود: إنه شرط في تحريم الربيبة. ومذهب الشَّافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنَّها

стр. 983

حرام) (١) . انتهى قلت: وممن قال بقول داود: علي بن أبي طالب فيها نقله عنه إلْكِيا الطبري في «أحكامه»، قال فيما رواه عنه مالك بن أوس: (إذا لم تكن الربيبة في حجر الزوج وكانت في بلد آخر وفارق الأم [بعد] (٢) الدخول، فله أن يتزوج بها) (٣) . ومثله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن الخلع جائز في حالة الشقاق وغيرها، خلافا لابن المنذر من أصحابنا حيث اشترط الشقاق، وتخصيص الخوف بالذكر إنما هو لأجل الغلبة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فذكر السفر لأنه الغالب في فَقْد الكاتب. ومثله أيضا قوله: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إِذْن وليها فنکاحها باطل» (٤) ، فإن الغالب أن المرأة إنها تتحمل مشقة العقد على نفسها مع استحيائها من المماكسة على فَرْجها عند إرهاق الولي إياها بمنعه، فلا يُفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن الولي يكون صحيحا کما هو قول أبي ثور [و محمد بن الحسن] (٥) .

стр. 984

واعلم أن إمام الحرمين نقل هذا الشرط عن الشافعي ثم قال: (والذي أراه أن خروج الكلام على العُرف لا يسقط التعلق بالمفهوم، لكن ظهوره أضعف من ظهور غيره) (١). انتهى لكن الشافعي إنما صار إلى ذلك بناء على أصله أن القيد لا بد له من فائدة، والفائدة منحصرة في نفي الحكم عما عدا المنطوق، فإذا لاح للتخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم، تطرق الاحتمال إلى المفهوم، فيصير الكلام مجملا حتى لا يُقْضَى في المسكوت بموافقة ولا مخالفة. أشار إلى ذلك في «الرسالة» حيث قال: تعارض [الفوائد] (٢) في المفهوم کتعارُض الاحتمالات في المنطوق، فيُكسبه نعت الإجمال. والإمام وإن لم يُسقط التعلق به لكنه قال: دلالته ضعيفة حتى لو عارضه دليل أقوى منه قُدِّم عليه. وذكر الغزالي في «المنخول» نحوه، ووافقهما الشيخ عز الدين ابن عبد السلام على ذلك، وزاد أنه ينبغي العكس وهو أنه لا يعمل بالمفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب؛ محتجا بأن القيد إذا كان الغالب يدل عليه فذكره حينئذ يُعَيِّن فائدة أخرى وهي المفهومية، بخلاف ما إذا لم يخرج مخرج الغالب.

стр. 985

لكنه أجاب في "أماليه" بأنَّ المفهوم إنما قُلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه: فإذا نُطق باللفظ أوَّلًا، فُهم القيد لأجل غَلَبته، فذِكره بعد يكون تأكيدًا للحُكم المتصف بذلك القيد. فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها، فلا حاجة إلى المفهوم، بخلاف غير الغالب. واعْلَم أن ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" بعد أنْ نصر مقالة الجمهور قال: (يشكل على الشَّافعي في قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" (١)، فإنه قال فيه بالمفهوم وأسقط الزكاة في المعلوفة مع أن الغالب والعادة السوم، فمقتضَى هذه القاعدة أن لا يكون لهذا التخصيص مفهوم). انتهى وهذا السؤال ذكره القفال الشاشي وأجاب عنه بما حاصله أن اشتراط السوم لم يَقُل به الشَّافعي مِن جهة المفهوم، بل مِن جهة أن قاعدة الشرع أن لا زكاة فيما أُعِد للبذلة، وإنَّما تجب في الأموال النامية، فعُلم مِن ذلك اعتبار السوم. نعم، قصد القفال بذلك إبطال المفهوم بالكُلية، ولكنه مردود، وسيأتي مِن نَص الشَّافعي ما يدل على أنَّه إنما أوجب في السائمة دُون المعلوفة تَعلُّقًا بما في الحديث مِن القيد. ومنه: أن لا يكون المذكور خارجًا لجواب سؤال عنه، مِثل أن يُسأل النبي ﷺ : "هل في الغنم السائمة زكاة؟ "، فلا يَلزم مِن جواب السؤال عن إحدى الصفتين أن يكون الحكم على الضد في الأخرى؛ لظهور فائدة في الذِّكر غير الحكم بالضد. ومنه أيضًا: أن لا يكون خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور، كما لو قيل بحضرة النبي ﷺ : "لزيد غنم سائمة"، فقال: "في السائمة الزكاة"، إذِ القصد الحكم على تلك الحادثة، لا النفي عمَّا عداه.
следующие страницы →