باب: أعضاء السجود
٢٩٨ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أَسجُدَ على سبعةِ أَعظُمٍ: على الجبهةِ -وأشارَ بيده إلى أنِفه- واليدَينِ والركبتَينِ وأطرافِ القدمَينِ" متفق عليه.
رواه البخاري (٨١٢) ومسلم ١/ ٣٥٤ وابن ماجه (٨٨٤) والنسائي ٢/ ٢٠٩ وابن خزيمة ١/ ٣٢١ والدارمي ١/ ٣٠٢ وأبو عوانة ٢/ ١٨٢ - ١٨٣ والبغوي في "شرح السنة" ٣/ ١٣٦ كلهم من طريق عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس به مرفوعًا.
ورواه البخاري (٨٠٩ - ٨١٠) ومسلم ١/ ٣٥٤ وأبو داود (٨٨٩ - ٨٩٠) والترمذي (٢٧٣) والنسائي ٢/ ٢٠٨ وابن ماجه (٨٨٣) وأحمد ١/ ٢٥٥، ٢٧٩ والبيهقي ٢/ ١٠٨ وابن خزيمة ١/ ٣٢١ والدارمي ١/ ٣٠٢ وأبو عوانة ٢/ ١٨٢ كلهم من طريق عمرو بن دينار عن طاووس به.
وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب وأبي سعيد الخدري والبراء بن عازب وأبي حميد الساعدي وابن عباس وعائشة وسعد بن أبي وقاص.
أولًا: حديث العباس بن عبد المطلب رواه مسلم ١/ ٣٥٥ والترمذي (٢٧٢) وابن ماجه (٨٨٥) والنسائي ٢/ ٢٠٨ والبيهقي ٢/ ١٠١
стр. 1472
كلهم من طريق ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".
وقد صححه أبو حاتم كما في "العلل" (٢٠١).
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري رواه البخاري (٨١٣) وغيره من طريق يحيى عن أبي سلمة قال: انطلقت إلى أبي سعيد الخدري، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل نتحدث؟ فخرج، فقال: قلت حدِّثني ما سمعت من النبي ﷺ في ليلة القدر؟ قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه ... فذكر الحديث بطوله وفيه قال: "وإني رأيتُ كأني أسجد في طين وماءٍ" وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قزعة فأمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهةِ رسول الله ﷺ وأرنبته تصديق رؤياه.
وسيأتي تخريج هذا الحديث موسعًا في كتاب الاعتكاف.
ثالثًا: حديث البراء بن عازب سيأتي تخريجه في الباب القادم.
رابعًا: حديث أبي حميد الساعدي رواه الترمذي (٢٧٠) وأبو في داود (٧٣٤) وابن خزيمة ١/ ٣٢٢ والبيهقي ٢/ ٨٥، ١١٢، ١٢١ كلهم من طريق فليح بن سليمان حدثني عباس بن سهل عن أبي حميد السَّاعدي: أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه.
стр. 1473
قال الترمذي ١/ ٣٦٥: حديث حسن صحيح. اهـ.
قلت: رجاله ثقات غير أن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة فيه كلام مع أنه قد أخرج له الجماعة. قال ابن معين: ضعيف ما أقربه من أبي أويس. اهـ. وفي رواية الدوري عن ابن معين قال: ليس بالقوي، ولا يحتج بحديثه. اهـ. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. اهـ. وقال النسائي: ضعيف. اهـ. وقال مرة: ليس بالقوي. اهـ. وقال ابن عدي: لفليح أحاديث صالحة يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب، وقد اعتمده البخاري في "صحيحه"، وروى عنه الكثير وهو عندي لا بأس به. اهـ.
قلت: لعل البخاري انتقى أحاديثه كما هي عادته فيمن تكلم فيه، وإلا فإن الناظر في كلام الأئمة يحكم بضعفه، والله أعلم.
وقد تابعه ابن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء كما عند البيهقي ٢/ ١٠٢.
وصحح الحديث الإِمام أحمد كما في "فتح الباري" لابن رجب ٦/ ٣٣٧.
قال الألباني في "الإرواء" ٢/ ١٦ ولما ذكر الإسناد الأول: هو على شرط الشيخين، لكن فليح بن سليمان، فيه ضعف من قبل حفظه لكنه لم ينفرد به ... اهـ. ثم ذكر متابعه ابن حلحلة.
خامسًا: حديث ابن عباس رواه الدارقطني ١/ ٣٤٨ قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا الجراح بن مخلد أبو قتيبة ثنا
стр. 1474
شعبة عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض".
ورواه أيضًا الدارقطني ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ قال: ثنا عبد الله بن سليمان ثنا الجراح بن مخلد ثنا أبو قتيبة ثنا سفيان الثوري ثنا عاصم الأحول به بلفظ "لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين".
قال الدارقطني ١/ ٣٤٨ عن طريق أبي قتيبة عن شعبة: رواه غيره عن شعبة عن عاصم مرسلًا، ثم قال عن الطريق الآخر: قال أبو بكر بن أبي في داود: لم يسنده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة عن عاصم عن عكرمة مرسلًا. اهـ.
وتعقبه ابن الجوزي في "التحقيق" ١/ ٣٩٢ فقال: هو ثقة، أخرج له البخاري، والرفع زيادة، وهي من الثقة مقبولة. اهـ. وتعقب ابن عبد الهادي ابن الجوزي في "التنقيح" ٢/ ٨٨٩، بقول الدارقطني، فقال: قال الدارقطني في هذا الحديث: الصواب عن عاصم عن عكرمة مرسلًا، ورواه الحاكم في "المستدرك". اهـ.
وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريقين، فقد رواه ١/ ٤٠٤ من طريق أبي قتيبة ثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.
وأيضًا رواه ١/ ٤٠٤ من طريق الجراح بن مخلد ثنا أبو قتيبة موقوفًا.
стр. 1475
وروى أبو نعيم في "أخبار أصبهان" ١/ ١٩٢ - ١٩٣ عن حميدة بن مسعدة ثنا حرب بن ميمون عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتى على رجل يسجد على وجهه، ولا يضع أنفه فقال: "ضع أنفك يسجد معك".
قلت: في إسناده حرب بن ميمون وهو متروك.
لهذا قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ١٩٨ - ١٩٩ هذا إسناد ضعيف جدًّا، حرب بن ميمون وهو الأصغر متروك كما قال الحافظ، وقد رواه البيهقي ٢/ ١٠٤ من طريقه معلقًا وقال: قال أبو عيسى الترمذي: حديث عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا أصح. قلت: وهو مرسل صحيح الإسناد، وقد وصله الدارقطني والبيهقي من طريق أبي قتيبة ثنا شعبة والثوري عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس به بنحوه، وقال البيهقي: قال أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث: لم يسنده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة، والصواب عن عاصم عن عكرمة مرسلًا، ثم، قلت: سلم صدوق من رجال البخاري في "صحيحه" ولم ينفرد بوصله، فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" رقم: (١١٩١٧) من طريق الضحاك بن حمزة عن منصور عن عاصم البجلي عن عكرمة به ولفظه: "من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته" والضحاك هذا مختلف فيه وقد حسن له الترمذي، وفيه ضعف لا يمنع من الاستشهاد به، وبالجملة، فالحديث صحيح عندي، لأن مع مرسله الصحيح هذه
стр. 1476
الأسانيد المتصلة، وأصله في "الصحيحين" من طريق أخرى عن ابن عباس ... انتهى ما نقله وقاله الألباني حفظه الله.
ورواه الترمذي في "العلل الكبير" ١/ ٢٢٢ من طريق عبدة عن عاصم الأحول عن عكرمة عن النبي ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة إلا بمس الأنفس من الأرض ما يمس الجبين".
ورواه أيضًا من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه مرفوعًا.
ثم قال الترمذي: وحديث عكرمة عن النبي ﷺ أصح. اهـ.
سادسًا: حديث عائشة رواه الدارقطني ١/ ٣٤٨ قال: حدثنا أبو عبد الله النهدي ثنا الحسن بن علي بن خلف الله الدمشقي (ح) وحدثنا محمد بن الحسين بن سعد الهمداني ثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي بدمشق قالا: نا سليمان بن عبد الرحمن نا ناشب ابن عمرو الشيباني ثنا مقاتل بن حيان عن عروة عن عائشة قالت: أبصر رسول الله ﷺ امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض، فقال: "ما هذه؟ ضعي أنفكِ بالأرض، فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة".
قلت: إسناده ضعيف.
قال الدارقطني ١/ ٣٤٨: ناشب ضعيف، ولا يصح مقاتل عن عروة. اهـ.
وتعقبه ابن الجوزي في "التحقيق" ١/ ٣٩٢ فقال: ما قدح فيه غيره، ولا يقبل التضعيف حتى يتبين. اهـ.
стр. 1477
قلت: وفيما قاله نظر.
ولهذا تعقب ابن عبد الهادي ابن الجوزي في "التنقيح" ٢/ ٨٨٨ فقال: هذا الكلام يدل على قلة علم المؤلف بالدارقطني، فإن الدارقطني قلّ أن يضعف رجلًا ويكون فيه طب، ولا يطلب بيان السبب في التضعيف إلا إذا عارضه تعديل، وقد تكلم البخاري في ناشب أيضًا وقال: هو منكر الحديث. اهـ.
سابعًا: حديث سعد بن أبي وقاص رواه ابن أبي شيبة كما في "المطالب" (٥١١) ومن طريقه عبد بن حميد كما في "المنتخب" ١/ ١٩٤ (١٥٦) قال: ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن عمر ثنا عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد العبد سجد على سبعة آراب: وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه، فما لم يصنع فقد انتقص".
قلت: إسناده ضعيف جدًّا، لأن فيه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف كما سبق (١).
لكنه توبع قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على "المطالب": محمد بن عمر هو الواقدي ضعيف جدًّا، إلا أنه لم ينفرد به ... اهـ.
ثم ذكر ما رواه أبو يعلى قال: حدثنا موسى بن محمد بن حيان ثنا محمد بن أبي الوزير أبو المطرف عن عبد الله بن جعفر بنحوه.
стр. 1478
ثم أعله الحافظ ابن حجر، فقال: وتفرد به عبد الله بن جعفر وهو والد علي بن المديني، وهو ضعيف، وقد أخطأ في إسناده وإنما رواه عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب ﵁ هكذا أخرجه مسلم، وأصحاب السنن. اهـ.
قلت: سبق الكلام على عبد الله بن جعفر وبيان ضعفه (١).
وفي إسناده أيضًا موسى بن محمد بن حيان ضعفه أبو زرعة وغيره.
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٢٤.
وأيضًا اختلف في رفعه فقد رواه أبو يعلى كما في "مسنده" ٢/ ٦١ (٧٠٢) قال: حدثنا موسى بن محمد بن حيان حدثنا محمد بن أبي الوزير أبو المطرف عن عبد الله بن جعفر به موقوفًا بلفظ: "أمر العبد أن يسجد .. ".
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٥٥ قال: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال: ثنا عبد الله بن جعفر به بمثله.
* * *
стр. 1479
باب: هيئة السجود
٢٩٩ - وعن ابن بُحَينَةَ: أن رسول الله ﷺ : كان إذا صَلَّى وسجدَ فرَّج بين يديه، حتى يبدُوَ بياضُ إِبطَيه. متفق عليه.
رواه البخاري (٨٠٧) ومسلم ١/ ٣٥٦ والنسائي ٢/ ٢١٢ وأحمد ٥/ ٣٤٥ وابن خزيمة ١/ ٣٢٦ والبيهقي ٢/ ١١٤ وأبو عوانة ٢/ ١٨٥ والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٣١ كلهم من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الله ﷺ : ... فذكره.
* * *
٣٠٠ - وعن البراءِ بن عازبٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا سجدتَ فَضَعْ كَفَّيكَ وارفعْ مِرْفَقَيك" رواه مسلم.
رواه مسلم ١/ ٣٥٦ وابن خزيمة ١/ ٣٢٩ والبيهقي ٢/ ١١٣ كلهم من طريق عبيد الله بن إياد عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. الحديث.
* * *
стр. 1480
٣٠١ - وعن وائل بن حُجْر ﵁: أن النبيَّ ﷺ كان إذا ركعَ فَرَّجَ أصابعَه، وإذا سجدَ ضمَّ أصابعَه. رواه الحاكم.
رواه الحاكم ١/ ٣٤٦ قال: حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن صفوان الجمحي بمكة ثنا علي بن عبد العزيز ثنا عمرو بن عون ثنا هشيم عن عاصم بن كليب عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه.
ورواه الحاكم ١/ ٣٥٠ قال: حدثنا علي بن حمشاد العدل ثنا أحمد بن علي الأبار ثنا الحارث بن عبد الله الخازن ثنا هشيم به بلفظ: أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه.
قال الحاكم عن كلا الإسنادين: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.
ووافقه الذهبي.
قلت: في الإسناد الثاني أحمد بن علي الأبار قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" ١/ ٢٢٥: أحمد بن علي الخيوطي: هذا رجل من كبار الحفاظ، وهو المعروف بالأبار. وقال الخطيب: كان ثقة حافظًا متقنًا حسن المذهب. وقال ابن ماكولا: الخيوطي: أحمد بن علي بن مسلم الأبار، يعرف بالخيوطي. اهـ.
وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٤٤٣: الحافظ المتقن الإِمام الرباني أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبار من علماء بغداد في الأثر، ... وقد وثقه الدارقطني. اهـ.
стр. 1481
وفي الباب عن ميمونة وأنس بن مالك وجابر وأبي حميد الساعدي وعبد الله بن أقرم والبراء بن عازب وأحمر بن جزء وأبي هريرة.
أولًا: حديث ميمونة رواه مسلم ١/ ٣٥٧ والنسائي ٢/ ٢١٣ وابن خزيمة ١/ ٣٢٩ والبيهقي ٢/ ١١٤ وأبو عوانة ٢/ ١٨٤ كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمِّه يزيد بن الأصم عن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد، لو شاءت بهيمة أن تَمُرَّ بين يديه لمرت.
ورواه مسلم ١/ ٣٥٧ من طريق مروان بن معاوية الفزاري قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم به بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا سجد خوَّى بيديه -يعني جَنَّحَ- حتى يرى وضح إبطيه من ورائه وإذا قعد اطمأن على فخذه.
ورواه أيضًا مسلم ١/ ٣٥٧ من طريق جعفر بن برقان عن يزيد الأصم به بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح أبطيه.
قال وكيع: يعني بياضهما.
ثانيًا: حديث أنس رواه البخاري (٨٢٢) ومسلم ١/ ٣٥٥ وأبو داود (٨٩٧) والترمذي (٢٧٦) كلهم من طريق شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذارعيه انبساط الكلب".
وقال ابن أبي عمر كما في "المطالب" (٥٠٤) قال: حدثنا وكيع ثنا إسماعيل بن رافع عن رجل عن أنس بن مالك ﵁ -
стр. 1482
قال: إن النبي ﷺ قال لرجل: "إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفرِّج بين أصابعك".
قلت: إسناده ضعيف، لأن فيه رجل لم يسم وأيضًا فيه إسماعيل بن رافع.
ثالثًا: حديث جابر رواه عبد الرزاق ٢/ ١٦٨ وعنه رواه أحمد ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥ قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه.
قلت: إسناده صحيح.
وروى الترمذي (٢٧٥) وابن خزيمة ١/ ٣٢٥ والبغوي في "شرح السنة" ٣/ ١٤٣ كلهم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذارعيه افتراش الكلب".
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" ٢/ ٧٢١: معمر عن منصور كأنه ليس بالقوي فإن معمرًا روى عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى. ورواه سفيان عن منصور عن إبراهيم مرسلًا، والصحيح عند أحمد وابن معين قول سفيان في هذا، وحديث معمر عندهما خطأ، وقال الدارقطني. أثبت أصحاب منصور الثوري وشعبة وجرير الضبي. اهـ.
стр. 1483
رابعًا: حديث أبي حميد الساعدي، سبق تخريجه في الباب السابق.
خامسًا: حديث عبد الله بن أقرم رواه الترمذي (٢٧٤) وابن ماجه (٨٨١) وأحمد ٤/ ٣٥ كلهم من طريق داود بن قيس عن عبيد الله بن عبد الله بن الأقرم الخُزاعي عن أبيه قال: كنت مع أبي بالقاع من نمرة، فمرَّت رَكَبَةٌ، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، قال: فكنت أنظر إلى عُفرتي إبطيه إذا سجد، أي بياضه.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
وعبد الله بن الأقرم صحابي مقل.
وقد رواه عن داود بن قيس جمع من الثقات منهم وكيع وجرير عند ابن خزيمة.
وأبو خالد الأحمر عند الترمذي، وعبد الرحمن بن مهدي عند أحمد.
قال الترمذي ١/ ٣٦٩: حديث عبد الله بن أقرم حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس. اهـ.
سادسًا: حديث البراء بن عازب رواه النسائي ٢/ ٢١٢ وابن خزيمة ١/ ٣٢٥ والبيهقي ٢/ ١١٥ كلهم من طريق علي بن حجر المروزي قال: أنبأنا شريك عن أبي إسحاق قال: وصف لنا البراء السجود، فوضع يديه بالأرض ورفع عجيزته، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
стр. 1484
قلت: إسناده ضعيف، لأن فيه شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي وهو سيئ الحفظ، كما سبق بيانه (١).
وروى النسائي والبيهقي من وجه آخر عن البراء بن عازب مرفوعًا بلفظ: كان إذا سجد جَخَّ. وفي رواية للنسائي "جَخَّى" وقد صححه النووي في "الخلاصة" ١/ ٤١٠ - ٤١١ وفي "المجموع" ٣/ ٤٢٩.
سابعًا: حديث أحمر بن جزء رواه ابن ماجه (٨٨٦) والبيهقي ٢/ ١١٥ كلاهما من طريق وكيع ثنا عباد بن راشد عن الحسن ثنا أحمر صاحب رسول الله ﷺ ، قال: إن كُنَّا لنأوي لرسول الله ﷺ مما يجافي بيديه عن جنبيه، إذا سجد.
قلت: رجاله ثقات غير عباد بن راشد اختلف فيه فقد وثقه أحمد.
وقال الدوري عن ابن معين: حديثه ليس بالقوي، ولكن يكتب. اهـ.
وفي رواية الدورقي عنه قال: ضعيف. اهـ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. اهـ. وقال البخاري: روى عنه عبد الرحمن وتركه يحيى القطان. اهـ. وكذا قال عمرو بن علي نحوه. وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأنكر على البخاري ذكره في "الضعفاء" وقال: يحول. اهـ. وقال أبو داود: ضعيف. اهـ. وقال ابن المديني: لا أعرف حاله. اهـ. وقال ابن عدي: ليس حديثه بالكثير، وهو على الاستقامة. اهـ.
стр. 1485
ثامنًا: حديث أبي هريرة رواه النسائي ٢/ ٢١٢ قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن عمران عن أبي مجلز عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: لو كنت بين يدي رسول الله ﷺ لأبصرت إبطيه، قال أبو مجلز: كأنه قال ذلك لأنه في صلاة.
قلت: إسناده قوي ظاهره الصحة.
وقد أخرجه النسائي في باب: صفة السجود.
ورواه مسدد كما في "المطالب" (٥٠٦) قال حدثنا عبد الواحد ثنا عبد الله بن عبد الله الأصم عن عمه يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا سجد، يرى وضح إبطيه.
ومن طريقه رواه الحاكم ١/ ٢٢٢.
وصححه الحاكم وجزم أنه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
قلت: وهذا الإسناد أيضًا قوي ظاهره الصحة.
* * *
стр. 1486
باب: ما جاء في صلاة القاعد، وبيان صفة قعوده
٣٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رواه النسائي وصححه ابن خزيمة.
رواه النسائي ٣/ ٢٢٤ وابن خزيمة ٢/ ٢٣٦ والدارقطني ١/ ٣٩٧ والبيهقي ٢/ ٣٠٥ كلهم من طريق أبي داود الحفريِّ عن حفص عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: ... فذكرته.
قلت: إسناده ظاهره الصحة.
لكن قال النسائي ٣/ ٢٢٤: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود وهو ثقة ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ والله أعلم اهـ.
قلت: قد تابع الحفريَّ محمدُ بن سعيد الأصبهاني عند البيهقي ٢/ ٢٠٥.
ولهذا قال ابن عبد الهادي في "المحرر" ١/ ٢٥٤ فقال لما نقل كلام النسائي. قد تابع الحفري محمد بن سعيد الأصبهاني وهو ثقة. اهـ.
ولما نقل الحافظ ابن حجر كلام النسائي في "تلخيص الحبير" ١/ ٢٤١ قال: قد رواه ابن خزيمة، والبيهقي من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني بمتابعة أبي داود، فظهر أنه لا خطأ فيه. اهـ.
وفي الباب عن عمران بن حصين عائشة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وحفصة وأم سلمة وأثر عن أنس بن مالك.
стр. 1487
أولًا: حديث عمران بن حصين رواه البخاري (١١١٧) والترمذي (٣٧١) والنسائي ٣/ ٢٢٣ كلهم من طريق الحسين المعلم، المُكْتِبُ عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
ثانيًا: حديث عائشة رواه البخاري (١١١٩) ومسلم ١/ ٥٠٥ كلاهما من طريق مالك عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاتين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع ثم سجد ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.
وروى البخاري (١١١٨) ومسلم ١/ ٥٠٥ كلاهما من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أم المؤمنين: أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع.
وللحديث طرق أخرى عن عائشة وبألفاظ أخرى أتركها اختصارًا.
ثالثًا: حديث عبد الله بن عمرو رواه مسلم ١/ ٥٠٧ حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو، قال: حُدِّثت أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة" قال: فأتيته فوجدته يصلي جالسًا،
стр. 1488
فوضعت يدي على رأسه، فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حُدثت، يا رسول الله! أنك قلت: "صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعدًا! قال: "ولكني لستُ كأحدٍ منكم".
رابعًا: حديث أنس رواه البخاري (١١٤) من طريق الزهري عن أنس قال: سقط رسول الله ﷺ من فرسٍ فخُدِش -أو فجحش- شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا فصلينا قعودًا وقال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا ... ".
ورواه أيضًا مسلم كما سبق تخريجه قبل عدة أبواب.
خامسًا: حديث حفصة رواه مسلم ١/ ٥٠٧ قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعدًا، حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
سادسًا: حديث أم سلمة رواه الحارث كما في "المطالب" (٦٤٨) قال: حدثنا علي بن الجعد أنا شعبة عن الحكم عن رجل حدثه عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تصلي الضحى ثماني ركعات قاعدة، فقيل لها: إن عائشة ﵂ تصليها أربعًا، فقالت: إن عائشة ﵂ امرأة شابة، وإن رسول الله ﷺ قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
стр. 1489
قلت: في إسناده من لم يسم.
سابعًا: أثر أنس بن مالك رواه البيهقي ٢/ ٣٠٥ قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبأ أبو عمرو بن السماك ثنا حنبل بن إسحاق ثنا أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ثنا عمر بن علي المقدسي قال: سمعت حميدًا الطويل قال: رأيت أنس بن مالك يصلي متربعًا على فراشه.
قلت: أشار إلى إعلاله الإِمام أحمد فقال البيهقي ٢/ ٣٠٥: قال أبو عبد الله: لا أعلم أني سمعته إلا منه، قال: وكان عباد يرويه لا يقول فيه متربعًا. اهـ.
* * *
стр. 1490
باب: الدعاء بين السجدتين
٣٠٣ - وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول بين السجدَتَينِ: "اللهمَّ اغفِرْ لي، وارحَمْنِي، واهدِنِي وعافِنِي، وارزُقْنِي" رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكبم.
رواه أبو داود (٨٥٠) والترمذي (٢٨٤) وابن ماجه (٨٩٨) والحاكم ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ والبيهقي ٢/ ١٢٢ والبغوي في "شرح السنة" ٣/ ١٦٣ كلهم من طريق كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به مرفوعًا.
وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي والبغوي زيادة "واجبرني".
قلت: كامل بن العلاء التميمي السعدي أبو العلاء اختلف فيه كما ذكر الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٢٧٦.
فقد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. اهـ.
وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من حيث لا يدري فبطل الاحتجاج بأخباره. اهـ.
стр. 1491
وقال الحاكم ١/ ٣٩٤: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكامل بن العلاء التميمي ممن يجمع حديثه. اهـ. ووافقه الذهبي.
وأشار الترمذي إلى إعلاله فقال ١/ ٣٧٩: هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلًا. اهـ.
والحديث رواه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٨٢ وقال: لكامل غير ما ذكرت من الحديث وليس بالكثير ولم أر من المتقدمين فيه كلامًا، فأذكره، إلا أني رأيت في بعض رواياته أشياء أنكرتها، فذكرته من أجل ذلك، ومع هذا أرجو أن لا بأس به. اهـ.
وفي الباب عن حذيفة وأنس وأثر عن علي بن أبي طالب.
أولًا: حديث حذيفة رواه أحمد ٥/ ٣٩٨ وأبو داود (٨٧٤) والنسائي ٢/ ٢٣١ كلهم من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصاري عن رجل من بني عبس عن حذيفة، أنه انتهى إلى النبي ﷺ فقام إلى جنبه ... ثم ذكر صفة صلاة النبي ﷺ وفيه قال: وكان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى"، وكان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي".
قلت: إسناده صحيح.
وقد ورد عند البيهقي ٢/ ١٢١ - ٢٢٢ تسمية الراوي عن حذيفة هو أنه صله بن زفر.
ورواه أبو داود الطيالسي (٤١٦) قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة سمع أبا حمزة يحدث عن رجل من عبس -شعبة يرى
стр. 1492
أنه صله بن زفر- عن حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ بنحوه، ومما يؤيد هذا أن صله بن زفر عبسي.
وبهذا التحقيق يكون الحديث إسناده صحيح.
لهذا قال الألباني في "الإرواء" ٢/ ٤٣: إذا ثبت أنه صله فالإسناد صحيح متصل كلهم ثقات ... اهـ.
ورواه أحمد ٥/ ٤٠٠ وابن ماجه (٨٩٧) والطبراني في "الأوسط" ٢/ ١١١ - ١١٢ كلهم من طريق العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد الأنصاري عن حذيفة بنحوه.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٠٧: رجاله موثقون. اهـ.
ورواه ابن ماجه (٨٩٧) من طريق الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة، أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي".
قلت: رجاله ثقات.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك رواه عبد الرزاق ٢/ ١٨٧ قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ ربما رفع رأسه من السجدة والركعة، فيمكث بينهما حتى يقول الشيء.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
ثالثًا: أثر علي بن أبي طالب رواه البيهقي ٢/ ١٢٢ قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل أنبأ إسماعيل بن محمد الصفّار ثنا
стр. 1493
يحيى بن أبي طالب أنبأ عبد الوهاب أنبأ سليمان التيمي قال: بلغني أن عليًّا ﵁ كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي وارحمني وارفعني واجبرني.
قلت: في إسناده انقطاع، فإن سليمان التيمي لم يسمعه من علي بن أبي طالب، ولهذا رواه عنه بلاغًا.
ورواه عبد الرزاق ٢/ ١٨٧ عن الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنه كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني.
قلت: في إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف كما سبق (١).
* * *
стр. 1494
باب: جلسة الاستراحة
٣٠٤ - وعن مالك بن الحُوَيرِثِ ﵁: أنَّه رأَى النبيَّ ﷺ يُصَلِّي، فإذا كانَ في وتْرٍ في صلاتِهِ لم يَنهَضْ حتى يَستَويَ قاعِدًا. رواه البخاري.
رواه البخاري (٨٢٣) والترمذي (٢٨٧) والنسائي ٢/ ٢٣٤ وغيرهم كلهم من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث به، وهو حديث طويل، فيه قصة قدومهم على النبي ﷺ ، وسبق التوسع في تخريجه في كتاب الأذان، وفي بعض أبواب صفة الصلاة.
ورواه البخاري (٨٢٤) من طريق أيوب عن أبي قلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ يُصلي، قال أيوب: فقلت لأبي قلابة. وكيف كانت صلاته؟ قال: مثيل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.
وفي الباب عن أبي هريرة كما في حديث المسيء، وقد سبق تخريجه في أول كتاب الصلاة، والشاهد منه ما رواه البخاري (٦٢٥١) قال: حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: ...
стр. 1495
ذكر الحديث بطوله وفيه قال: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وموضع الشاهد منه "حتى تطمئن جالسًا".
وخالف عبد الله بن نمير أبو أسامة، ولهذا قال البخاري عقبه ١١/ ٣٦: وقال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا" وهكذا رواه أيضًا البخاري (٦٦٦٧) مسندًا من طريق أبي أسامة حدثنا عبيد الله به.
قال الحافظ في "الفتح" ١١/ ٣٧: أراد البخاري أن يبين أن راويها خولف فذكر رواية أبي أسامة مشيرًا إلى ترجيحها. اهـ.
واختلف على أبي أسامة، فرواه البيهقي ٢/ ١٢٦ من طريق إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم عبيد الله به، وفيه ذكر جلسة الاستراحة.
وأشار البيهقي إلى تضعيفها فقال ٢/ ١٢٦. والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع رأسك حتى تستوي وتطمئن جالسًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع رأسك حتى تستوي قائمًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ... " اهـ.
قلت: لكن على فرض عدم ثبوتها عن أبي أسامة فإنه لم يتفرد أبو أسامة بذكرها، بل وافقه ابن نمير كما سبق، ولهذا إثبات جلسة الاستراحة في حديث المسيء فيه قوة. والله أعلم.
стр. 1496
باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة
٣٠٥ - وعن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بعدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو على أحياءٍ مِن العربِ ثم تَرَكَه. متفق عليه.
رواه البخاري (٤٠٨٩) ومسلم ١/ ٤٦٩ والنسائي ٢/ ٢٠٣ وابن ماجه (١٢٤٣) وأحمد ٣/ ٢١٧ كلهم من طريق هشام عن قتادة عن أنس به مرفوعًا.
ورواه البخاري (١٠٠٢) ومسلم ١/ ٤٦٩ كلاهما من طريق عاصم عن أنس، قال: سألته عن القنوت، قبل الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال: قلت: فإن، ناسًا يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على أُناسٍ قتلوا أُناسًا من أصحابه، يقال لهم القُرّاء.
* * *
٣٠٦ - ولأحمدَ والدارقطنيِّ نَحوُه مِن وجه آخر، وزاد: وأمَّا في الصبُّح فلم يَزلْ يَقنُتُ حتى فارقَ الدنيا.
رواه أحمد ٣/ ١٦٢ والدارقطني ٢/ ٣٩ والبيهقي ٢/ ٢٠١ كلهم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك به.
стр. 1497
ولفظ أحمد: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.
وعند الدارقطني بلفظ: قال الربيع بن أنس: كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا، فقال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا.
قلت: الحديث صححه الحاكم، كما نقله عنه البيهقي ٢/ ٢٠١ وابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١٠٨٠ وفي "المحرر" (٢٥٥) أنه قال: هذا إسناد صحيح سنده، ثقة رواته، والربيع بن أنس تابعي معروف من أهل البصرة سمع من أنس بن مالك، روى عنه سليمان التيمي وعبد الله بن المبارك. اهـ. ولم أجد كلام الحاكم بعد البحث عنه وهكذا نص غير واحدٍ من الباحثين.
ولما نقل الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٣٢: عن النووي أن الحاكم صححه، قال: فليراجع. اهـ.
قلت: الربيع بن أنس، قال عنه أبو حاتم: صدوق وهو أحب إليَّ في أبي العالية من خالد. اهـ. وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ. وقال ابن معين: كان يتشيع فيفرط. اهـ.
وقال العجلي: بصري صدوق. اهـ.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في حديثه عنه اضطرابًا كثيرًا. اهـ.
стр. 1498
قلت: وأما أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم، فقد قال عنه حنبل عن أحمد: صالح الحديث. اهـ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بقوي في الحديث. اهـ.
وقال ابن معين: ثقة. اهـ. وفي رواية قال: يكتب حديثه ولكنه يخطى. اهـ.
وفي رواية ثالثة قال: ثقة وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة. اهـ.
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني: كان عندنا ثقة. اهـ.
وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: هو نحو موسى بن عبيدة وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه. اهـ. وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرًا. اهـ.
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث. اهـ. ووثقه ابن عمار الموصلي.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. وقال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير. اهـ.
وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. اهـ. وقد ضعف الحديث ابن الجوزي في "العلل المتناهية".
وتوقف فيه ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١٠٧٩ - ١٠٨٢ فقال: أجود هذه الأحاديث حديث أبي جعفر الرازي، ثم قال: إن
стр. 1499
صح الحديث فهو محمول على أنه ما زال يطول في صلاة الفجر، فإن لفظ القنوت مشترك بين الطاعة والقيام والسكوت والخشوع وغير ذلك ... اهـ.
* * *
٣٠٧ - وعنه ﵁: أن النبيَّ ﷺ : كان لا يَقنُتُ إلا إذا دَعا لقومٍ أو دعا على قومٍ. صححه ابن خزيمة.
رواه ابن خزيمة ١/ ٣١٤ قال: أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس به.
قلت: رجاله لا بأس بهم، وإسناده قوي.
قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١٠٦٧: هذا إسناد صحيح، والحديث نص في أن القنوت مختص بالنوازل. اهـ
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن خزيمة ٢/ ٣١٣ من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحدٍ، وكان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "ربنا ولك الحمد: اللهم أنج ... ".
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١٠٦٨: رجاله ثقات. اهـ.
стр. 1500
ولما ذكر الحافظ ابن حجر حديث أنس وحديث أبي هريرة في "الدراية" ١/ ١٩٥ قال: وإسناد كل منهما صحح. اهـ
وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وأنس والبراء بن عازب وخفاف بن إيماء الغفاري وابن مسعود وسعيد بن زيد.
أولًا: حديث أبي هريرة رواه البخاري (١٠٠٦) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ... "، قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصُّبْح.
ورواه البخاري (٤٥٦٠) ومسلم ١/ ٤٦٦ كلاهما من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنهما سمعا أبا هريرة، فذكر نحوه. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة عند البخاري ومسلم.
ثانيًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (٤٥٥٩) من طريق معمر عن الزهري قال: حدثني سالم عن أبيه؛ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ....
ثالثًا: حديث أنس بن مالك رواه البخاري (١٠٠٣) ومسلم ١/ ٤٦٨ والنسائي ٢/ ٢٠٠ وأحمد ٣/ ١١٦ كلهم من طريق التيمي
стр. 1501
عن أبي مجلز عن أنس بن مالك قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعلٍ وذكوان.
رابعًا: حديث البراء بن عازب، رواه مسلم ١/ ٤٧٠ والترمذي (٤٠١) كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: حدثنا البراء بن عازب: أو رسول الله ﷺ كان يقنت في الصُّبح والمغرب.
خامسًا: خُفَاف بن إيماء الغفاري رواه مسلم ١/ ٤٧٠ قال: حدثني أبو طاهر أحمد بن عمرو بن سرح المصري، قال: حدثنا ابن وهب عن الليث عن عمران بن أبي أنس عن حنظلة بن علي عن خُفاف بن إيماء الغفاري، قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة: "اللهم العن بني لِحيان ورِعلًا وذكوان وعُصيةَ عصوا الله ورسوله، غفارُ غفر الله لهما، وأسلم سالمها الله".
وذكر مسلم ﵀ طريقين آخرين عن خفاف بن إيماء.
سادسًا: حديث ابن مسعود رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٤٥ قال: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا المقدمي قال: ثنا أبو معشر قال: ثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على عُصية وذكوان.
ورواه الخطيب من طريق أبي غسان ثنا شريك عن أبي حمزة به، كما ذكره ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١٠٧٠ ولفظه: أنه لم يكن النبي ﷺ يقنت في شيء من الصلوات إلا الوتر، وكان إذا حارب يقنت في الصلوات كلها يدعو على المشركين.
стр. 1502
ورواه البيهقي ٢/ ٢١٣ وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٠ وابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢٤٠٧ كلهم من طريق أبي حمزة به.
قلت: الحديث مدار إسناده على أبي حمزة واسمه ميمون.
قال ابن معين: لا يكتب حديثه ليس بشيء. اهـ. وقال أحمد بن حنبل: هو متروك الحديث. اهـ. وقال النسائي: ليس بثقة. اهـ.
وبه أعله ابن عبد الهادي في "التنقييح" ٢/ ١٠٧٠، والهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٣٧.
وقال الزيلعي في "نصب الراية" ١/ ١٢٧: هو معلول بأبي حمزة القصاب. اهـ.
وقال الحافظ في "الدراية" ١/ ١٩٤: إسناده ضعيف. اهـ.
سابعًا: حديث سعيد بن زيد رواه أحمد بن منيع كما في "المطالب العالية"، في باب القنوت، قال. حدثنا يعقوب أبو يوسف عن يزيد بن أبي زياد عن أبي الحسن عن سعيد ابن زيد قال: قنت النبي ﷺ فقال: "اللهم اكفني رعلًا وذكوان وعضلًا وعصية، عصت الله ورسوله".
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه يزيد بن أبي زياد وسبق الكلام عليه (١).
وأيضًا يعقوب أبو يوسف ضعيف.
стр. 1503
باب: ما جاء في ترك القنوت
٣٠٨ - وعن سعد بن طارقٍ الأشجعيِّ ﵁ قال: قلت لأبي: يا أبتِ، إنَّكَ قد صَلَّيتَ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَلِيٍّ، أفكانُوا يَقنُتُونَ في الفَجْرِ؟ قال: أي بُنَيَّ، مُحْدَثٌ. رواه الخمسة إلا أبا داودَ.
رواه أحمد ٦/ ٣٩٤ والترمذي (٤٠٢) وابن ماجه (١٢٤١) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٢٤٩ كلهم من طريق يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي، سعد بن طارق قال: قلت لأبي: ... فذكر الحديث.
ورواه أحمد ٦/ ٣٩٤ والنسائي ٢/ ٢٠٤ وابن حبان في "صحيحه" (١٩٨٦) كلهم من طريق خلف وهو ابن خليفة عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق به.
وتابعهما عبد الله بن إدريس وحفص بن غياث، كما عند ابن ماجه (١٢٤١) وأبي عوانة عند البيهقي ٢/ ٢١٣.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده ظاهره الصحة، فإن أبا مالك الأشجعي ثقة، وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم.
وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه عن أبيه في القنوت. اهـ.
стр. 1504
وأما والده فهو صحابي روى له مسلم في "صحيح" حديثين من رواية يزيد بن هارون عن أبي مالك عن أبيه، ونص على صحبته البخاري وابن سعد وابن حجر.
وخالف في هذا الخطيب وتعقبه ابن الجوزي في "التحقيق" ١/ ٤٥٩ فقال: قال البخاري: طارق بن الأشيم له صحبة، وهذا الإسناد صحيح، وقد تعصب أبو بكر الخطيب، فقال: في صحبة طارق نظر، قال: وإن صح الحديث حملناه على دعاء أحدثه أهل ذلك العصر، وهذا منه تعصب بارد لا وجه للنظر بعد ثبوت صحبته عند البخاري، ومحمد بن سعد وغيرهما ممن ذكر في الصحابة، وأما حمله فحمل من لا يفهم لأن الإنكار كان للدعاء في ذلك الوقت لا لنفس الدعاء. اهـ. ولم يتعقب ابن عبد الهادي، ابن الجوزي بشيء مما قال كما في "التنقيح" ٢/ ١٠٦٦ بل أيده فيما قال فقد قال في "المحرر" (٢٥٦): طارق: صحابي معروف، ولا وجه لقول الخطيب: في صحبة طارق نظر. اهـ. وقال البيهقي ٢/ ٢١٣: طارق بن أشيم الأشجعي لم يحفظه عمن صلى خلفه فرآه محدثًا وقد حفظه غيره فالحكم له دونه. اهـ.
قلت: وهذا قول جيد، وهو أولى من التكلف في إيجاد علة للحديث، فإن طارقًا صلى خلف كل منهم ولا إشكال في هذا وحدث بما رأى، والقنوت في النوازل ثابت من غير طريقه كما سبق.
وفي الباب عن أم سلمة وصفية بنت أبي عبيد وابن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس.
стр. 1505
أولًا: حديث أم سلمة رواه ابن ماجه (١٢٤٢) والدارقطني ٢/ ٣٨ والبيهقي ٢/ ٢١٤ كلهم من طريق محمد بن يعلى، زنبور ثنا عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن القنوت في الفجر.
قلت: محمد بن يعلى، قال عنه أبو حاتم: هو متروك. اهـ.
وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف الثقات. اهـ.
وقال الدارقطني ٢/ ٣٨: محمد بن يعلى وعنبسة وعبد الله بن نافع كلهم ضعفاء ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة. اهـ.
ونقل الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٣٤ فقال: قال ابن أبي حاتم: قال أبي، ويحيى بن معين: كان عنبسة بن عبد الرحمن يضع الحديث، وعبد الله بن نافع ضعيف جدًّا، وضعفه ابن المديني ويحيى وأبو حاتم والساجي، وغيرهم. اهـ.
وأيضًا قد اختلف في إسناده، فروي من مسند صفية بنت عبيد كما سيأتي.
ثانيًا: حديث صفية بنت أبي عبيد رواه الدراقطني ٢/ ٣٨ قال: حدثنا النقاش محمد بن الحسن ثنا الحسين بن إدريس ثنا خالد بن الهياج عن أبيه عن عنبسة عن ابن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد بمثل حديث أم سلمة.
قلت: سبق الكلام على عنبسة وشيخه في الحديث السابق.
стр. 1506
وأيضًا فيه علة أخرى، قال الدارقطني ٢/ ٣٨: صفية لم تدرك النبي ﷺ . اهـ.
وروى أيضًا من مسند أم سلمة.
ثالثًا: حديث ابن عمر رواه البيهقي ٢/ ٢١٣ قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا أبو الربيع ثنا حماد بن زيد ثنا بشر بن حرب قال: سمعت ابن عمر يقول: أرأيت قيامهم عند فراغ القارئ من السورة هذا القنوت إنها لبدعة ما فعله النبي رسول الله ﷺ إلا شهرًا ثم تركه.
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه بشر بن حرب الأزدي أبو عمر الندبي البصري، قال أحمد: ليس بقوي. اهـ.
وقال البخاري: رأيت ابن المديني يضعفه، وكان يحيى القطان لا يروي عنه. اهـ.
وقال النسائي: ضعيف. اهـ. وكذا قال ابن أبي حاتم، وقال إسحاق: متروك، ليس بشيء. اهـ. وبه أعله الزيلحي فقال في "نصب الراية" ٢/ ١٣٤: وعلى تقدير صحة هذا الحديث، فيكون المراد بالبدعة ها هنا القنوت قبل الركوع، لأنه روي عنه في "الصحيح" من طرق إلى النبي ﷺ ، أنه قنت بعد الركوع، فدل على أنه إنما أنكر القنوت قبل الرُّكوع أو يكون ابن عمر نسي، بدليل ما أخبرنا، وأسند عن ابن سيرين أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر في "القنوت"
стр. 1507
فقال: أما إنه قد قنت مع أبيه ولكنه نسي، قال: وروي أنه كان يقول: كبرنا ونسينا، وائتوا سعيد بن المسيب فاسألوه. اهـ. وقال البيهقي ٢/ ٢١٣: بشر بن حرب الندبي ضعيف، وإن صحت روايته عن ابن عمر، ففيها دلالة على أنه إنما أنكر القنوت قبل الركوع دوامًا. اهـ.
وروى البيهقي ٢/ ٢١٣ من طريق همام عن قتادة عن أبي مجلز قال: صليت مع ابن عمر صلاة فلم يقنت، فقلت لابن عمر: لا أراك تقنت قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا. اهـ. قال البيهقي ٢/ ٢١٣: نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدح في رواية من حفظه وأثبته. اهـ.
رابعًا: حديث عبد الله بن مسعود رواه البيهقي ٢/ ٢١٣ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا عبد الله بن محمد بن موسى ثنا محمد بن غالب ثنا معلى بن منصور ثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من صلواته.
قلت: إسناده ضعيف، لأن فيه محمد بن جابر السحيمي وبه أعله البيهقي ٢/ ٢١٣ فقال عنه: متروك. اهـ. وأيضًا قد خولف في متنه.
قال البيهقي ٢/ ٢١٣: وقد روى أبو حمزة الأعور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على عصية وذكوان فلما ظهر عليهم ترك القنوت. اهـ. وقد سبق تخريجه في الباب السابق.
стр. 1508
خامسًا: حديث ابن عباس رواه البيهقي ٢/ ٢١٣ قال: أخبرني أبو عبد الرحمن السلمي أنبأ علي بن عمر ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا محمد بن منصور الطوسي ثنا شبابة ثنا عبد الله بن ميسرة أبو ليلى عن إبراهيم بن أبي حرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن القنوت في صلاة الصبح بدعة.
قال البيهقي ٢/ ٢١٤: لا يصح، وأبو ليلى الكوفي: متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الصبح. اهـ.
* * *
стр. 1509
باب: ما جاء في صفة دعاء القنوت
٣٠٩ - وعن الحَسَنِ بن عليٍّ ﵄ أنه قال: علَّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في قُنُوتِ الوتْرِ: "اللهمَّ اهدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، وعافِنِي فِيمَنْ عافَيتَ، وتَوَلَّنِي فيمَنْ تولَّيتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وَقِنِي شرَّ ما قضيتَ، فإنك تَقضِي ولا يُقضَى عليكَ، وإنه لا يَذِلُّ مَن واليتَ، تبارَكْتَ رَبَّنا وتعاليتَ" رواه الخمسة. وزاد الطبراني والبيهقي "ولا يَعِزُّ مَن عاديتَ" زاد النسائي من وجه آخر في آخره "وصلَّى اللهُ تعالى على النبيِّ".
رواه أبو داود (١٤٢٥) والترمذي (٤٦٤) والنسائي ٣/ ٢٤٨ وابن ماجه (١١٧٨) وأحمد ١/ ١٩٩ والبيهقي ٩/ ٢٠٢ وابن خزيمة ٢/ ١٥١ كلهم من طريق أبي إسحاق عن بُريدة بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي، قال: قال الحسن بن علي: ... فذكره. الحديث.
قلت: الحديث إسناده قوي.
قال الترمذي ٢/ ١٠٩: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي. اهـ. وقال ابن عبد الهادي في "المحرر" (٢٥٩): وهو مما ألزم الشيخان تخريجه. اهـ. وصححه
стр. 1510
ابن خزيمة وابن حبان والنووي في "الأذكار" ص ٤٨ - ٤٩ والألباني في "الإرواء" ٢/ ١٧٢.
ورواه البيهقي ٢/ ٢٠٩ من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وزاد في آخره "ولا يعز من عاديت" وقد وقع في إسناد البيهقي التردد في جعله من مسند الحسن أو الحسين.
وتابعه شريك وزهير وأبو الأحوص كلهم عن أبي إسحاق به، بذكر الزيادة، كما عند الطبراني في "الكبير" ٣ / (٢٧٠٣) و (٢٧٠٤) و (٢٧٠٥).
ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" ٣/ ٢٧٠٧ من طريق شعبة عن بُريد بن أبي مريم به، وفيه ذكر الزيادة وصحح هذا الإسناد الألباني في "الإرواء" ٤/ ١٧٣.
وهذه الزيادة موجودة في بعض نسخ أبي داود من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.
قال النووي في "الخلاصة" ١/ ٤٥٥، ٤٥٧: رواه الثلاثة بإسناد صحيح، وقال: وجاء في رواية ضعيفة للبيهقي زيادة "ولا يعز من عاديت"، وفي رواية للنسائي بإسناد صحيح أو حسن قال: "تباركت ربنا وتعاليت، وصلى الله على النبي". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٢٦٥ عن زيادة: "ولا يعز من عاديت": هذه الزيادة ثابتة في الحديث، إلا أن النووي قال في "الخلاصة": إن البيهقي رواها بسند ضعيف، وتبعه ابن