وقال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٦ - ٧: وقد خالفهما عمر بن ذر المرهبي.
فقال: أخبرنا عطاء بن أبي رباح: أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعًا. أخرجه البيهقي ٣/ ١٤٢ وقال: عمر بن ذر كوفي ثقة. قلت: فروايته أولى، وهي تدل على أن الإتمام. إنما هو عن عائشة موقوفًا عليها، وهذا ثابت عنها من غير طريق في "الصحيحين" وغيرهما كما يأتي، وأما الرفع فلم يثبت عنها من وجه يصح. اهـ.
وقال الدارقطني ١/ ١٨٩: هذا إسناد صحيح. اهـ.
وقد أعله بعض الأئمة لأن هذا الحديث من طريق المغيرة بن زياد أشهر كما قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١١٦٢، وقال أيضًا. قال عبد الله بن الإمام أحمد في "مسائله": سألت أبي عن حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة قالت: قصر رسول الله ﷺ في السفر وأتم وصام وأفطر، فأنكره وقال: المغيرة: ضعيف وسألت يحيى عنه فقال: ليس به بأس. اهـ.
وقال أيضًا كما في كتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد ١/ ٤٠٥: وروى عن عطاء عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا سافر قصر وأتم، والناس يروونه عن عطاء مرسل. اهـ.
وأعله عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٢/ ٤٠ فقال: مغيرة بن زياد ضعفه البخاري ... اهـ.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ.
стр. 1892
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٥٧.
وبه أعله أيضًا ابن الجوزي في "التحقيق" (٨٢٧).
ورواه النسائي ٣/ ١٢٢، والدارقطني ٢/ ١٨٩ من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة بنحوه، وفيه خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان ....
قال الدارقطني: هذا إسناد حسن. اهـ.
وذكره ابن الجوزي في "التحقيق" (٨٢٨) وسكت عنه.
وتعقبه ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ٤٨ فقال: هذا حديث منكر، وقوله: "في عمرة في رمضان" باطل فإن نبي الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قط، والعلاء بن زهير قال فيه ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به. فيما لم يوافق الثقات. كذا قال في كتاب "الضعفاء" وذكره أيضًا في كتاب "الثقات" فتناقض، وقد وثقه يحيى بن معين في رواية إسحاق بن منصور ... اهـ.
تم ذكر ابن عبد الهادي الاختلاف في إسناده.
قلت: فالحديث في رفعه نظر كما سبق؛ لهذا قال ابن القيم في "زاد المعاد" ١/ ٤٦٤: أما حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتمّ، ويفطر ويصوم، لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ . اهـ.
стр. 1893
وقال ابن عبد الهادي في "المحرر" ص ٢٥٥. والصحيح. أن عائشة هي التي كانت تتم، كما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق عليَّ. اهـ
وقال النووي في "المجموع" ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥ لما ذكر الحديث من فعلها، وفيه قال الرسول الله ﷺ : "أحسنت يا عائشة". قال النووي: رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح.
ثم قال أيضًا: قال البيهقي في "السنن الكبير" قال الدارقطني: إسناد حسن. وقال في "معرفة السنن والآثار": هو إسناد صحيح، لكن لم يقع في رواية النسائي "عمرة رمضان" والمشهور أن النبي ﷺ لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان؛ بل كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته فكان إحرامها في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة هذا هو المعروف في "الصحيحين" وغيرهما والله أعلم. اهـ.
وفي الباب عن ابن عمر وأنس بن مالك وابن مسعود وحارثة بن وهب وابن عباس وعائشة.
أولًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (١٥٨٢) ومسلم ١/ ٤٨٢ كلاهما من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: صَلَّى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته ثم إن عثمان صَلَّى بعدُ أربعًا.
стр. 1894
ثانيًا: حديث أنس بن مالك رواه البخاري (١٥٨١) ومسلم ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ كلاهما من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة؛ فكان يصلّي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا.
ثالثًا: حديث ابن مسعود رواه البخاري (١٠٨٤) ومسلم ١/ ٤٨٣ كلاهما من طريق الأعمش حدثنا إبراهيم قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود؛ فاسترجع. ثم قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين؛ فليت حظي من أربع ركعات. ركعتان متقبلتان.
رابعًا: حديث حارثة بن وهب الخزاعي رواه البخاري (١٠٨٣) ومسلم ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤ كلاهما من طريق أبي إسحاق قال: سمعت حارثة بن وهب قال: صليت خلف النبي ﷺ بمنى والناس أكثر ما كانوا؛ فصلى ركعتين في حجّة الوداع.
خامسًا: حديث ابن عباس رواه البخاري (١٠٨٠) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن عاصم وحُصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا.
стр. 1895
سادسًا: حديث عائشة رواه أحمد ٦/ ٢٦٥ وابن حبان في "صحيحه" ٤/ ١٨١ والبيهقي ٣/ ١٤٥ كلهم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثًا، وكان رسول الله ﷺ إذا سافر صلى الصلاة الأولى وإذا أقام زاد كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر، والصبح تطول فيها القراءة.
قلت: إسناده قوي ظاهره الصحة.
* * *
стр. 1896
باب: ما جاء في استحباب الأخذ بالرُّخص
٤٣٠ - وعن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الله يُحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُهُ كما يَكرَهُ أن تُؤتَى مَعصِيتُه". رواه أحمد وصحَّحه ابنُ خزيمةَ وابنُ حِبّان. وفي رواية: "كما يُحبُّ أن تُؤتَى عزائِمُهُ".
رواه أحمد ٢/ ١٠٨ من طريق علي بن عبد الله ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع عن عبد الله بن عمر به مرفوعًا.
قلت: علي بن عبد الله هو ابن المديني كما جزم به ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١١٦٩.
ورواه ابن خزيمة ٢/ ٧٣ من طريق ابن أبي مريم أخبرني يحيى بن زياد (١) حدثني عمارة بن غزية به.
ورواه ابن حبان "الموارد" (٥٤٥) من طريق قتيبة بن سعيد به.
قال الألباني في "الإرواء" ٢/ ٩: هذا سند صحيح على شرط مسلم. اهـ.
стр. 1897
قلت: عمارة بن غزية، قال أحمد وأبو زرعة: ثقة. اهـ.
وقال يحيى بن معين: صالح. اهـ.
وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس كان صدوقا. اهـ.
وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ.
وأما حرب بن قيس فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٢٤٩ ولم يورد فيه جرحا ولا تعديلًا.
وترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ٦١ وقال: قال: زعم عمارة بن غزية أن حربا كان رضا. اهـ.
ووثقه ابن حبان.
لكن رواه الإمام أحمد ٢/ ١٠٨ قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن نافع به، ولم يذكر حرب بن قيس.
ورواه الطبراني في "الأوسط" ٥/ ٢٧٥ من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن عقبة عن حرب بن قيس عن نافع به.
قال الطبراني عقبه: لم يدخل في هذا الحديث بين موسى بن عقبة وبين نافع حرب بن قيس: إلا الدراوردي. اهـ.
قلت: كأنه ﵀ يشير إلى أن الدراوردي كان يضطرب في إسناده. وهو وإن كان ثقة ومن رجال مسلم إلا أنه أحيانا يخطيء.
لهذا قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٢/ ١١٧٠: سئل عنه الدارقطني. فقال: رواه ابن لهيعة وإبراهيم بن أبي يحيى عن عمارة
стр. 1898
ابن غزية عن نافع، وكذلك قال: قتيبة بن سعيد عن الدراوردي، وخالفه سعيد بن منصور وعلي بن المديني وإسحاق بن أبي إسرائيل رووه عن الدراوردي عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع عن ابن عمر، وكذلك رواه يحيى بن عبد الله سالم ويحيى بن أيوب المصري وعبد الله بن جعفر المديني عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس وهو الصواب. اهـ.
قلت: ومع هذا الاختلاف فالحديث إسناده قوي فقد تلقاه الأئمة بالاستدلال والقبول وقد احتج به شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٧/ ٣٨ و ٢١/ ٦٢ و ٢٢/ ٢٨٨.
وفي الباب عن عائشة وابن عباس وابن مسعود وعن عائشة أيضًا:
أولًا: حديث عائشة رواه ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٢٣٠ قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا الحكم بن موسى ثنا يحيى بن حمزة عن الحكم بن عبد الله الأيلي أنه سمع القاسم عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يحب أن تعمل برخصه كما يحب أن تعمل بفرائضه".
قلت: إسناده واهٍ؛ فإن الحكم بن عبد الله بن سعد بن عبد الله الأيلي متروك.
قال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون اهـ.
وكان عبد الله بن المبارك شديد الحمل عليه.
وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة. اهـ.
стр. 1899
وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب. اهـ.
وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. اهـ.
ثانيًا: حديث ابن عباس رواه الطبراني في "المعجم الكبير" ٦٢/ ٢٥١ رقم (١١٨٨١) قال: حدثنا عبدان بن أحمد ثنا يعقوب بن إسحاق القلوس ثنا عباد بن زكريا الصريمي ثنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحبُّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
قلت: في إسناده عباد بن زكريا الصريمي.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ١٤٣: فيه عباد بن زكريا ولم أعرفه. وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.
ورواه الطبراني في "الكبير" ١١/ ٢٥٥ رقم (١١٨٨٠) قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا الحسين بن محمد الذارع ثنا حصين بن نمير ثنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس به مرفوعًا.
قلت: حصين بن نمير الواسطي. قال ابن معين: صالح. اهـ.
وقال أبو حاتم: ليس به بأس. اهـ.
وقال ابن أبي خيثمة: قلت لأبي: لم لا تكتب عن أبي محصن.
قال: أتيته فإذا هو يحمل على علي. فلم أعد إليه. اهـ.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. اهـ.
قلت: وشيخ الطبراني لم أجد له ترجمة.
وقد أعله شيخ الإسلام من جهة المتن فقال في "الفتاوى" ٧/ ٤٨ فقال: فأخبر أن الله يحب إتيان رخصه كما يكره فعل معصيته
стр. 1900
وبعض الفقهاء يرويه: "كما يحب أن تؤتى عزائمه". وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن الرخص إنما أباحها الله لحاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛ فهو يحب الأخذ بها، لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله كما قال في حديث القصر "صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته" ولأنه بها تتم عبادته وطاعته. اهـ.
ثالثًا: حديث ابن مسعود رواه الطبراني في "الأوسط" ٣/ ٨٩ قال: حدثنا أبو مسلم قال: نا معمر بن عبد الله الأنصاري قال: نا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال. قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب أن تعمل رخصه كما يحبّ أن تعمل عزائمه".
قال الطبراني في "الأوسط" ٣/ ٨٩: لم يرو هذا الحديث مرفوعًا عن شعبة إلا معمر ومسكين بن بكير الحراني. اهـ.
قلت: معمر بن عبد الله الأنصاري. قال العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٢٠٧: لا يتابع على رفع حديثه. اهـ.
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٢.
وأما متابعة مسكين بن بكير فقد رواه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٣٦٥ من طريق مصعب بن سعيد ثنا مسكين به.
وهذا المتابعة ليست بذاك؛ لأن مصعب بن سعيد أبا خيثمة المصيصي ضعفه ابن عدي فقال في "الكامل" ٦/ ٣٦٥: الضعف على حديثه بيّن. اهـ.
стр. 1901
ونقل الذهبي في "لسان الميزان" ٦/ ٥٢ عن صالح جزرة، أنه قال: شيخ ضرير، لا يدري ما يقول. اهـ.
ولهذا ضعف الألباني الحديث في "الإرواء" ٣/ ١١ - ١٢.
رابعًا: حديث عائشة رواه الطبراني في "الأوسط" ٨/ ٨٢ قال: حدثنا موسى بن هارون نا حفص بن عبد الله أبو عمر الضرير الحلواني نا عمر بن عبيد بياع الخُمُر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه".
قال الطبراني عقبه: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا عمر بن عبيد تفرد به أبو عمر الضرير اهـ
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه عمر بن عبيد وهو الخزاز ضعفه أبو حاتم.
وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. اهـ.
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٣ فقال: فيه عمر بن عبيد -صاحب الخمر- وهو ضعيف. اهـ.
ووافقه الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٢.
وقد ورد عن أبي هريرة وأنس وواثلة بأسانيد واهية لأن فيها متهم.
* * *
стр. 1902
باب: ما جاء في مسافة القصر
٤٣١ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا خَرَجَ مَسِيرةَ ثلاثةِ أميالٍ أو فراسِخَ صَلَّى ركعتَينِ. رواه مسلم.
رواه مسلم ١/ ٤٨١ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار كلاهما عن غندر. قال أبو بكر: حدثنا محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهُنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشَّاكُّ- صلى ركعتين.
وقد نقل ابن عبد الهادي في "المحرر" ١/ ٢٥٥ عن ابن عبد البر أنه قال في يحيى: ليس هو ممن يوثق به ضبط مثل هذا الأصل. اهـ.
وقال عنه أبو حاتم: شيخ. اهـ.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
ورواه أبو داود (١٢٠١) وأبو عوانة ٢/ ٣٧٦ وأحمد ٣/ ١٢٩ والبيهقي ٣/ ١٤٦ كلهم من طريق شعبة به.
* * *
стр. 1903
٤٣٢ - وعنه ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينةِ إلى مكَّةَ؛ فكان يُصلِّي رَكعَتَينِ رَكعَتَينِ حتى رَجَعنا إلى المدينة. متفق عليه، واللفظ للبخاري.
رواه البخاري (١٠٨١) ومسلم ١/ ٤٨١ وأبو داود (١٢٣٣) والترمذي (٥٤٨) والنسائي ٢/ ١٢١ وابن ماجه (١٠٧٧) كلهم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: ... فذكره.
وفي آخره قال: قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وفي الباب عن أنس بن مالك وجبير بن نفير وأبي سعيد الخدري وأثر عن ابن عمر وعن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا.
أولًا: حديث أنس بن مالك رواه مسلم ١/ ٤٨٠ قال: حدثنا خلف بن هشام وأبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد قالوا: حدثنا حماد وهو ابن زيد (ح) وحدثني زهير بن حرب ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل كلاهما عن أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
ورواه البخاري (١٠٨٩) ومسلم ١/ ٤٨٠ كلاهما من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن مسيرة عن أنس به.
ثانيًا: حديث جبير بن نفير رواه مسلم ١/ ٤٨١ والنسائي ٣/ ١١٨ والبيهقي ٣/ ١٤٦ كلهم من طريق شعبة عن يزيد بن خمير عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن
стр. 1904
السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا فصلى ركعتين.
فقلت له: فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
ثالثًا: حديث جابر رواه أحمد ٣/ ٣٠٥ وابن أبي شيبة كما في "المطالب" (٢٦١) كلاهما من طريق محمد بن فضيل عن الأجلح عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ من مكة عند غروب الشمس؛ فلم يصل حتى أتى سَرِف وهي تسعة أميال من مكة.
قلت: رجاله لا بأس بهم، وسبق الكلام على رواية أبي الزبير (١).
ورواه أبو داود (١٢١٥) والنسائي ١/ ٢٨٧ من طريق يحيى بن محمد بن الجاري حدثنا عبد العزيز بن محمد عن مالك عن أبي الزبير به بلفظ: غابت الشمس ورسول الله ﷺ بمكة فجمع بين الصلاتين بسَرِف.
رابعًا: حديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد بن منيع ومسدد كما في "المطالب" (٧٣٥) وابن أبي شيبة ٢/ ٢٤٤ كلهم من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا خرج من المدينة فسافر فرسخا، قصر الصلاة.
стр. 1905
قلت: إسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه أبا هارون العبدي وهو متروك وسبق الكلام عليه (١).
وبه أعله الحافظ ابن حجر في تعليقه على "المطالب".
وبه أعله أيضًا الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٥ فقال: هو متروك ومنهم من كذبه. اهـ.
خامسًا: أثر ابن عمر رواه مالك في "الموطأ" ١/ ١٤٧ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا، قصر الصلاة بذي الحليفة.
قلت: إسناده صحيح. وروى مالك عن ابن عمر خمسة آثار أسانيدها صحيحة هذا أحدها.
والآخر من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى ريم، فقصر الصلاة في مسيره ذلك.
قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد.
والثالث من طريق سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب، فقصر الصلاة في مسيره ذلك قال مالك وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد.
قال النووي في "المجموع" ٤/ ٣٢٨. رواه مالك بإسناده الصحيح في "الموطأ". اهـ.
стр. 1906
الرابع من طريق نافع عن ابن عمر: أنه كان يسافر إلى خيبر فيقصر الصلاة.
والخامس من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره اليوم التام.
وروى أيضًا مالك خلاف هذا عن ابن عمر فقد روى في "الموطأ" ١/ ١٤٨ عن نافع: أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد، فلا يقصر الصلاة.
وروى مسدد كما في "المطالب" (٧٣٨) قال: حدثنا معتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يقصر.
قلت: إسناده صحيح.
والغابة: قرب المدينة من ناحية الشام وهي على نحو بريد من المدينة على طريق الشام- انظر "معجم البلدان" ٤/ ١٨٢.
سادسًا: حديث وأثر ابن عباس رواه الدارقطني ١/ ٣٨٧ قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ثنا إسماعيل الترمذي ثنا إبراهيم بن العلاء ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ : يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان.
قلت: إسناده ضعيف جدًّا فقد رواه البيهقي ٣/ ١٣٧ - ١٣٨ من طريق الدارقطني به. وقال البيهقي ٣/ ١٣٨: وهذا حديث ضعيف إسماعيل بن عياش لا يحتج به وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة. والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس. اهـ.
стр. 1907
وكذا أعله ابن الجوزي في "التحقيق" ١/ ٤٩٣.
قلت: عبد الوهاب بن مجاهد المكي كذبة سفيان افوري.
وقال أحمد: ليس بشيء ضعيف الحديث. اهـ.
وقال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف اهـ.
وقال النسائي: ليس بثقة. اهـ.
وقال علي بن المديني ويحيى بن معين: لا يكتب حديثه وليس بشيء اهـ.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ٤٦٧: هذا إسناد ضعيف عن أجل عبد الوهاب. اهـ.
وقال أيضًا في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٩: إسناده ضعيف، فيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك. ورواه عنه إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، والصحيح عن ابن عباس من قوله. اهـ
وقال النووي في "المجموع" ٤/ ٣٢٨: رواه الدارقطني والبيهقي وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن عبد الوهاب مجمع على شدة ضعفه وإسماعيل أيضًا لا سيما في روايته عن غير الشاميين. اهـ.
وقال في "الخلاصة" ٢/ ٧٣١: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف جدًّا، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس. اهـ.
وضعف المرفوع أيضًا الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٣.
وقال في "الضعيفة" ١/ ٤٣٩: هذا موضوع، سببه عبد الوهاب بن مجاهد، كذبه سفيان الثوري. اهـ.
стр. 1908
قلت: الموقوف رواه الشافعي في "الأم" ١/ ١٨٣ وعنه رواه البيهقي ٣/ ١٣٧ قال: أخبرنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس: أنه سئل أتقصر إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف.
قلت: إسناده صحيح.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٩: إسناده صحيح. اهـ.
وقال الألباني في "الإرواء" ٢/ ١٤: إسناده صحيح. اهـ.
سابعًا: أثر بن عباس وابن عمر رواه البيهقي ٣/ ١٣٧ قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي بن أحمد الرازي الحافظ أنبأ زاهر بن أحمد ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم ثنا حجاج ثنا ليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عمهم كان يصليان ركعتين في أربعه برد فما فوق ذلك.
قلت: إسناده قوي.
وقال الألباني في "الإرواء" ٣/ ١٧: إسناده صحيح. اهـ
وقد علقه البخاري في باب: كم يقصر الصلاة؟ قال: كان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة بردٍ وهي ستة عشر فرسخًا. اهـ.
وروى الشافعي في "الأم" ١/ ١٨٣ ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٣٧ قال الشافعي: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه
стр. 1909
سئل: أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ -يعني من مكة- قال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف.
قلت: إسناده صحيح.
وقد صححه الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٦ والألباني في "الإرواء" ٣/ ١٨.
وقال النووي في "المجموع" ٤/ ٣٢٨ و"الخلاصة" ٢/ ٧٣٠.
رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح. اهـ.
وروى مسدد كما في "المطالب" (٧٣٩) قال. حدثنا يحيى عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء: أن رجلًا سأل ابن عباس ﵄ أقصر إلى عرفة؟ قال: لا تقصر إلا مسيرة اليوم التام.
قلت: رجاله رجال الشيخين وإسناده ظاهره الصحة.
وروى ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٥ قال حدثنا وكيع عن الأوزاعي عن عطاء قال: قلت لابن عباس. أقصر بعرفة؟ قال: لا.
قلت: وهذا إسناد أيضًا ظاهره الصحة.
وروى أيضًا ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٦ قال: حدثنا معاذ أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: قال ابن عباس: تقصر الصلاة في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون ذلك.
قلت: وهذا إسناد قوي ظاهره الصحة.
وروى البيهقي ٣/ ١٣٧ من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى الليل فاقصر الصلاة.
стр. 1910
باب: مدة القصر
٤٣٣ - وعن ابن عباس ﵄، قال: أقامَ النبيُّ ﷺ تِسعَةَ عَشَرَ يَقصُرُ. وفي لفظ: بمكَّة تِسعَةَ عَشَرَ يومًا. رواه البخاري، وفي رواية لأبي داود: سَبع عَشَرَةَ: وفي أخرى: خَمْسَ عَشَرَةَ.
رواه البخاري (١٥٨٠) والترمذي (٥٤٩) وابن ماجه (١٠٧٥) والبيهقي ٣/ ١٤٩ كلهم من طريق عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا. واللفظ للبخاري.
ورواه عن عاصم أبو عوانة عنه به تابع عاصم حصينًا كما وقع في إسناد البخاري. بلفظ: "تسعة عشر يوما" كما سبق.
واختلف على أبي عوانة في لفظه.
فقد رواه البيهقي ٣/ ١٥٠ والدارقطني (١/ ٣٨٧) من طرق عن أبي عوانة به ولم يذكروا حصينا وهو عندهم بلفظ: "سبعة عشر يومًا".
ورواه أيضًا أبو معاوية عن عاصم به باللفظ الأول كما عند أحمد ١/ ٢٢٣ والترمذي ٢/ ٤٣٤ ورواه ابن المبارك قال: أخبرنا عاصم به بلفظ "تسعة عشر يوما". اهـ.
стр. 1911
ورواه أبو داود (١٢٣٠) قال: حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة -المعنى واحد- قالًا: ثنا حفص عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: ومن أقام سبع عشرة قصر، ومن أقام أكثر أتم.
قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٥: هذا اضطراب شديد على عاصم وعلى الرواة عنه. لكن اللفظ الأول هو الأرجح فقد رواه عبد الوحد بن زياد عن عاصم به. أخرجه ابن ماجه (١٠٧٥) بإسناد صحيح ولا أعلمه اختلف فيه على ابن زياد. اهـ.
وقال أبو داود ١/ ٣٩٢: قال عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام تسع عشرة. اهـ. هكذا علقه أبو داود ولم يذكر إسناده ووصله البيهقي ٣/ ١٥٠ - ١٥١.
ورواه أبو داود (١٢٣٢) من طريق شريك عن ابن الأصبهاني عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله عليه وسلم أقام بمكة سبع عشرة يصلي ركعتين.
قلت: في إسناده شريك وهو سيئ الحفظ وسبق الكلام عليه (١).
قال الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٦: رجاله ثقات غير أن شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي سييء الحفظ فلا يحتج به. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الدارية" ٢/ ٢١٢ في رواية: سبع عشرة. إسنادها صحيح. اهـ.
стр. 1912
وقال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٣٢: وفي رواية لأبي داود والبيهقي: إسنادهما على شرط البخاري: "سبعة عشر" اهـ. وكذا قال في "المجموع" ٤/ ٣٦٠.
ورواه أبو داود (١٢٣١) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.
ورواه البيهقي ٣/ ١٥١ وفي "الدلائل" ٥/ ١٠٥ من طريق علي بن زياد به.
قلت: في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن وسبق الكلام عليه (١).
قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٧: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن فلا يحتج به أيضًا لكنه لم ينفرد به فرواه عراك بن مالك. اهـ. كما سيأتي.
وقال أبو داود ١/ ٣٩٢: روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق لم يذكروا فيه ابن عباس. اهـ.
ورواه النسائي ٣/ ١٢١ من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن عبيد الله ابن عبد الله بنحوه.
قال البيهقي: لا أراه محفوظًا. اهـ.
стр. 1913
وقال الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٧: إسناده صحيح. اهـ.
قلت: لكن قد اختلف في إسناده فقد قال البيهقي ٣/ ١٥١ رواه عراك بن مالك عن النبي ﷺ مرسلًا ورواية عكرمة عن ابن عباس أصح من ذلك كله والله أعلم اهـ.
وقال المنذري في "مختصر السنن" ٢/ ٦٢: في إسناده محمد بن إسحاق. وقد تقدم الكلام فيه، واختلف على ابن إسحاق فيه، فروي عنه مسندًا ومرسلًا، كما ذكرناه، وروي عنه عن الزهري من قوله. اهـ.
وقال البيهقي في "الدلائل": الأصح رواية ابن المبارك عن عاصم التي اعتمدها البخاري. اهـ.
ولما ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاختلاف في "الفتح" ٢/ ٥٦٢ قال: وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: "تسع عشرة" عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: "سبع عشرة" حذفهما ومن قال: "ثماني عشرة" عد أحدهما، وأما رواية: "خمسة عشر" فضعفها النووي في "الخلاصة"، وليس بجيد لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق؛ فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحه فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية "سبعة عشر" فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات. وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. اهـ.
стр. 1914
قلت: ورواية تسعة عشر، هي التي اختارها البخاري في "صحيحه" (١٠٨٠)، (٤٢٩٨)، (٤٢٩٩) خصوصا أنه رواها (٤٢٩٨) من طريق ابن المبارك عن عاصم به.
ولهذا قال البيهقي ٣/ ١٥١: اختلفت هذه الروايات في تسع عشرة وسبع عشرة كما ترى، وأصحها عندي -والله أعلم- رواية من روى "تسع عشرة" وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في "الجامع الصحيح". فأخذ من رواها ولم يختلف عليه على عبد الله بن المبارك وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول والله أعلم. اهـ.
قلت: وقد أشكل على هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٨ لما ذكر رواية: عشرين، قال: رواها عبد بن حميد في "مسنده" ثنا عبد الرزاق أنبأ ابن المبارك عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة أقام عشرين يومًا يقصر الصلاة. اهـ.
وقال أيضًا الحافظ ابن حجر ٢/ ٤٨: وقد ادعى البيهقي أن ابن المبارك لم يختلف عليه في رواية تسعة عشر، وفيه نظر لما أسلفنا من رواية عبد بن حميد، فإنها من طريقه هي "أقام عشرين" اهـ.
قلت: إذا سلمت هذه الرواية من التصحيف والخطأ فإن عبد بن حميد لم يشترط الصحة في "مسنده" لهذا جمع بعضًا من الشواذ فلا ينبغي أن تعارض روايته بما اختارها البخاري في "صحيحه".
стр. 1915
قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٧: وجملة القول: أن أصح هذه الروايات الرواية الأولى والثانية، وأصحهما الأولى، وقد جمع بينهما البيهقي وغيره بأن من روى الأولى عدد يوم الدخول ويوم الخروج ومن روى الأخرى لم يعدهما. وقال الحافظ: هو جمع متين. اهـ.
* * *
٤٣٤ - وله عن عمران بن حصين "ثمانِيَ عَشَرَةَ".
رواه أبو داود (١٢٢٩) والترمذي (٥٤٥) والبيهقي ٣/ ١٥١ وابن أبي شيبة ٢/ ٣٤٠ كلهم من طريق علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: "يا أهل البلد، صلوا أربعا فإنا قوم سَفْرٌ".
قلت: إسناده ضعيف. لأن فيه علي بن زيد بن جدعان. وهو ضعيف كما سبق (١).
قال الترمذي ٢/ ١٥٧: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وبين الحافظ ابن حجر مراد الترمذي.
فقال في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٨: حسنه الترمذي، وعلي ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده ولم يعتبر الاختلاف
стр. 1916
في المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق. اهـ.
قلت: وتحسين الترمذي لهذا الحديث راجع إلى مراده بالحديث الحسن. والمسألة تحتاج إلى تأمل وبحث.
والحديث ضعفه المنذري فقال في "مختصر السنن" ٢/ ٦١: في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال بعضهم: هو حديث لا تقوم به حجة لكثرة اضطرابه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٨: رواية: ثمانية عشر ليست بصحيحة اهـ.
وقال أيضًا الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٨٤: رواية ثمانية عشر ضعيفة. اهـ.
وجزم النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٣٢ بأنها ضعيفة، وقال في "المجموع" ٤/ ٣٦٠: رواه أبو داود والبيهقي إلا أن في إسناده من لا يحتج به. اهـ.
* * *
٤٣٥ - وله عن جابر: أقامَ بِتَبوكَ عشرينَ يومًا يَقصُرُ الصلاةَ.
ورواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله.
رواه أحمد ٣/ ٢٩٥ وعنه أبو داود (١٢٣٥) وابن حبان "الموارد" (٥٤٦) والترمذي في "العلل الكبير" ١/ ٢٩٢ عن عبد الرزاق قال:
стр. 1917
أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
قال أبو داود ١/ ٣٩٣: غير معمر يرسله ولا يسنده. اهـ.
ورواه البيهقي ٣/ ١٥٢ من طريق أحمد بن منصور الرمادي ثنا عبد الرزاق به.
ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٤٢ قال: حدثنا وكيع قال: ثنا ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أقام النبي ﷺ ، مرسلًا.
قال الترمذي في "العلل الكبير" ١/ ٢٩٢: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: يروى عن ابن ثوبان النبي ﷺ مرسلًا اهـ
وقال البيهقي ٣/ ١٥٢: تفرد معمر بروايته مسندًا ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي ﷺ مرسلًا. وروي عن الأوزاعي عن يحيى عن أنس وقال: بضع عشرة، ولا أراه محفوظًا. وقد روي من وجه آخر عن جابر: بضع عشرة. اهـ.
وصححه النووي فقال في "المجموع" ٤/ ٣٦١: ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد، حكم بالمسند. اهـ.
стр. 1918
وقال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٣٣ - ٧٣٤: الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، لا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة. اهـ.
ونقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٨٦.
قلت: فيما قاله نظر فإنه إذا تعارض إرسال وإسناد رجع إلى القرائن، وإطلاق أنه يقدم المسند لا يتمشى مع عمل الأئمة.
والذي يظهر أن رواية ابن المبارك له مرسلًا أقوى. لأن علي بن المبارك الهنائي البصري يقدم على غيره في يحيى بن أبي كثير إلا رواية هشام الدستوائي والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير تقدم عليه.
لهذا قال صالح بن أحمد عن أبيه في علي بن المبارك: ثقة كانت عنده كتب يحيى بن أبي كثير بعضها سمعها وبعضها عرض. اهـ.
وقال الدوري عن ابن معين: قال بعض البصريين: عرض علي ابن المبارك على يحيى بن أبي كثير عرضًا وهو ثقة وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي والأوزاعي وهو بعدهما. اهـ.
وقال ابن عدي: ولعلي أحاديث وهو ثبت في يحيى متقدم فيه. اهـ.
ومعمر ثقة ثبت لا يتكلم فيه لكن عُدَّ في أحاديثه بعض الأغاليط.
لهذا قال أبو حاتم: ما حدث بالبصرة فيه أغاليط وهو صالح الحديث. اهـ.
стр. 1919
ونحوه ذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، ومعمر هنا يروي عن يحيى بن أبي كثير وهو بصري.
قال ابن حبان في "الثقات" ٧/ ٥٩١: عن أهل البصرة. اهـ. فلا يبعد أن يكون غلط في هذا والله أعلم.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٤٧ عن هذا الحديث: صححه ابن حزم والنووي، وأعله الدارقطني في "العلل" بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ وووه عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا. اهـ.
وقد صحح المرفوع أيضًا الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٣.
وفي الباب عن أنس بن مالك وابن عباس وأثر عن ابن عمر وأنس بن مالك وابن عباس.
أولًا: حديث أنس بن مالك رواه البخاري (١٠٨١) ومسلم ١/ ٤٨١ وأبو داود (١٢٣٣) والترمذي (٥٤٨) والنسائي ٢/ ١٢١ وابن ماجه (١٠٧٧) كلهم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة. فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
ثانيًا: حديث ابن عباس رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣٣ عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ بخيبر أربعين ليلة يقصر الصلاة، قلت: إسناده واهٍ لأن الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم الكوفي متروك.
стр. 1920
قال الطيالسي: قال شعبة: ائت جرير بن حازم فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنه يكذب. وقال أبو داود: فقلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: روى عن الحكم أشياء، فلم نجد لها أصلًا ... قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن يحيى بن الجزار عن عليٍّ سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها. فقال: ما سمعت منها شيئًا. اهـ.
وقال ابن المبارك: جَرَّحه عندي شعبة وسفيان فبقولهما تركت حديثه. اهـ.
وقال المَرُّوذي: قال أحمد: متروك الحديث. اهـ.
ونقله أبو طالب عنه وزاد. قلت له: كان له هوى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يكتب حديثه. اهـ.
وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. اهـ.
وقال مرة: ضعيف. اهـ.
وقال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٣٥ - ٧٣٦: حديث ضعيف. اهـ.
وفي الحديث علة أخرى وهي أن الحكم بن عتيبة سمع من مقسم خمسة أحاديث كما قال الإمام أحمد ليس هذا منها (١). فالحديث أيضًا إسناده منقطع.
والعلة الأولى تكفي في إعلاله؛ لهذا قال البيهقي ٣/ ١٥٢: تفرد به الحسن بن عمارة وهو غير محتج به. اهـ.
стр. 1921
ثالثًا: أثر ابن عمر رواه أحمد ٨٣/ ٢، ١٥٤ قال: حدثنا محمد بن بكر أنا يحيى بن قيس المازني ثنا ثمامة بن شرحبيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلنا: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكانًا نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين ورأيت نبي الله ﷺ نصب عيني يصليهما ركعتين ركعتين، ثم نزع هذه الآية ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] حتى فرغ من الآية.
قلت: إسناده فيه قوي، وثمامة بن شرحبيل من التابعين ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الدارقطني: لا بأس به شيخ مقل. اهـ.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٥٨: رواه أحمد ورجاله ثقات. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية" ١/ ٢١٢: إسناده صحيح. اهـ.
وقال الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٨: أخرجه أحمد ٢/ ٨٣، ١٥٤ بإسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ثمامة هذا فقال الدارقطني: لا بأس به شيخ مقل. وذكره ابن حبان في "الثقات" ١/ ٧. اهـ.
وله طرق أخرى عن ابن عمر منها ما رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣٣ عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بنحوه.
стр. 1922
ورواه البيهقي ٣/ ١٥٢ من طريق معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بنحوه.
قال الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٨ عن إسناد نافع به: إسناد صحيح كما قال الحافظ في "الدراية". وهو على شرط الشيخين كما نقله الزيلعي ٢/ ١٨٥ عن النووي وأقره. اهـ.
وقال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٣٤: رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط "الصحيحين" اهـ.
وروى مالك في "الموطأ" ١/ ١٤٨ عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلِّي صلاة المسافر، ما لم أجمع مُكثًا وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.
رابعًا: أثر أنس بن مالك رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣٦ عن يحيى بن أبي كثير عن جعفر بن عبد الله: أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلى ركعتين ركعتين.
قلت: رجاله ثقات. وجعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري ذكر البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ١٩٥ أنه رأى أنسًا. اهـ.
وروى البيهقي ٣/ ١٥٢ من طريق عاصم بن علي ثنا عكرمة بن عمار ثنا يحيى بن أبي كثير عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة.
قلت: رجاله ثقات لكنه منقطع.
стр. 1923
وصححه الحافظ ابن حجر في "الدراية" ٢/ ٢١٢ والزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٨٦ ونقل تصحيحه عن النووي.
وقال النووي في "المجموع" ٤/ ٣٦٠ وفي "الخلاصة" ٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥: رواه البيهقي بإسناد صحيح؛ إلا أن فيه عكرمة بن عمار، وهو مختلف في الاحتجاج به، وقد روى له مسلم في "صحيحه". اهـ.
لكن إسناده ظاهر الانقطاع فإن يحيى بن أبي كثير لم يسمع من أنس.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" ١١/ ٢٣٦: قال أبو حاتم: يحيى إمام لا يحدث إلا عن ثقة، وروى عن أنس مرسلًا، وقد رأى أنسًا يصلي في المسجد الحرام رؤية ولم يسمع منه.
وذكره ابن حبان في "الثقات" ٧/ ٥٩٢ وقال: وكان يدلس، فكلما روى عن أنس فقد دلس عنه لم يسمع من أنس ولا من صحابي شيئًا. اهـ.
وقال الألباني في "الإرواء" ٢/ ٢٧: هذا إسناد رجاله ثقات كلهم إلا أنه منقطع فإن يحيى لم يسمعه من أنس. اهـ.
خامسًا: أثر ابن عباس رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣٧ عن ياسين عن أبي إسحاق عن زائدة بن عمير قال: قلت لابن عباس: إني أخرج مسافرًا فأقيم سنين مكعبًا عدومًا فأقصر؟ قال: ليس بقصر، ولكن تمام فصلِّ ركعتين ركعتين.
стр. 1924
قلت: إسناده ضعيف. لأن فيه ياسين وهو ابن معاذ الزيات.
قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٣١٢: قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ياسين بن معاذ الزيات ضعيف ليس حديثه بشيء.
وقال أيضًا أبو حاتم: سألت أبي عن ياسين الزيات فقال: كان رجلًا صالحًا لا يعقل ما يحدث به، ليس بقوي، منكر الحديث.
وقال أيضًا ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن ياسين الزيات فقال: ضعيف الحديث. اهـ.
وباقي رجاله ثقات. زائدة بن عمير هو الطائي. وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: محله الصدق كما ذكره عنهما ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٦١٢.
وروى ابن أبي شيبة ٢/ ٣٤١ قال: حدثنا وكيع قال: ثنا المثنى بن سعيد عن أبي جمرة نصر بن عمران قال لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان. فكيف ترى؟ فقال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين.
قلت: وهذا إسناد قوي، ورجاله كلهم ثقات.
* * *
стр. 1925
باب: ما جاء في جمع التقديم والتأخير
٤٣٦ - وعن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا ارتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى وَقتِ العَصرِ، ثم نَزَلَ فَجَمَعَ بينَهُما. فإن زاغَتِ الشمسُ قبلَ أن يَرتَحِلَ صَلَّى الظهرَ ثمَّ رَكِبَ. متفق عليه. وفي رواية الحاكم في "الأربعين" بإسناد صحيح: صَلَّى الظهرَ والعصرَ ثم رَكبَ. ولأبي نُعَيمِ في "مستخرج مسلم": كان إذا كان في سَفَرٍ، فزالَت الشمسُ صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا ثم ارتَحَلَ.
رواه البخاري (١١١١ - ١١١٢) ومسلم ١/ ٤٨٩ وأبو داود (١٢١٨) والنسائي ١/ ٢٨٤ كلهم من طريق المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك باللفظ الأول.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ٥٨٣: كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبي جمع التقديم، ولكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل، أخرجه الإسماعيلي، وأعلِّ بتفرد إسحاق بذلك
стр. 1926
عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان. اهـ.
وروى أبو نعيم في "مستخرجه على صحيح مسلم" ٢/ ٢٩٤ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ومخلد بن جفر قالا ثنا جعفر الفريابي ثنا إسحاق بن راهوية ثنا شبابة ثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل.
وقال في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥٢: وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل: وإسناده صحيح قاله النووي. وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الحاكم في "الأربعين" له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس. أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أَخَّر الظهر إلى وقت المحصر، ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب وهو في "الصحيحين" من هذا الوجه بهذا السياق، وليس فيها: والعصر، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد. وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في "المستدرك" اهـ.
стр. 1927
قلت: فالحافظ ابن حجر ﵀ جزم بصحة إسناد هذه الزيادة في "البلوغ" و"التلخيص" لكن مما يعل به هذه الزيادة إعراض البخاري ومسلم عن هذه الزيادة مع أنهما أخرجا أصل الحديث. لأنه واضح من منهجهما إعراضهما عن المعلول من الأحاديث والروايات.
ولهذا يعل شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا من الزيادات بهذا الأمر.
فقد قال شيخ الإسلام كما في كتاب "علم الحديث" لابن تيمية ص ١٠٥ لما تكلم عن شرط البخاري ومسلم: وقد يتركا من حديث التقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك. اهـ.
لهذا قال ابن رجب في رسالة "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" ص ٢٥ في أثناء كلامه على "الصحيحين": فقلَّ حديث تركاه إلا وله علة خفية لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما وينقده وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة، صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما .. اهـ.
وعليه سار ابن القيم وابن عبد الهادي. ويفعل هذا الأمر أحيانًا الحافظ ابن حجر.
وقد روى الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٢/ ١٨٩ من طريق يعقوب بن محمد الزهري نا محمد بن سعد ثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ -
стр. 1928
كان إذا كان في سفرٍ، فزاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر والعصر جميعًا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول وقت العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء.
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن عبد الله بن الفضل إلا ابن عجلان ولا عنه إلا محمد بن سعد. اهـ.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٦٠: رجاله موثقون. اهـ
قلت: يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري. قال أحمد: ليس بشيء، ليس يسوى شيئًا اهـ.
وقال ابن معين: ما حدثكم عن الثقات فاكتبوه وما لا يعرف من الشيوخ فدعوه. اهـ.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث اهـ.
وقال مرة. ليس عليه قياس، يعقوب بن محمد الزهري وابن زبالة والواقدي وعمر بن أبي بكر المليكي يتقاربون في الضعف. اهـ.
وكان ابن المديني يتكلم فيه.
وأما شيخه محمد بن سعدان فقال أبو حاتم: شيخ كما في "الجرح التعديل" ٧/ ٢٨٢ وسبق تحقيق مراد قول أبو حاتم في الرجل شيخ (١).
* * *
стр. 1929
٤٣٧ - وعن مُعاذٍ ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تَبوكَ، فكان يُصلِّي الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعِشاءَ جمعًا. رواه مسلم.
رواه مسلم ١/ ٢٩٠ ومالك في "الموطأ" ١/ ١٤٣ وأبو داود (١٢٠٦) والنسائي ١/ ٢٨٥ كلهم من طريق أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل قال: ... فذكره.
زاد مالك وكذا النسائي وأبي داود في روايتهما عن مالك بلفظ قال: فأخَّر الصلاة يوما، ثم خرج فصلّى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.
ورواه أبو داود (١٢٠٨) قال: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما.
وقد أعل هذا الحديث الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ٥٨٣ فقال: لما ذكر حديث معاذ في الجمع: وله طريق أخرى عن معاذ
стр. 1930
ابن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه. وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم. فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. اهـ.
ورواه الترمذي (٥٥٣) وأبو داود (١٢٢٠) وأحمد ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢ والبيهقي ٣/ ١٦٣ كلهم من طريق قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل -هو عامر بن واثلة- عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر ليصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثمّ سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب.
قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٩: أنا أرى أن الإسناد صحيح. اهـ.
قلت: قد أعله الأئمة النقاد بأن قتيبة تفرد به عن الليث كما قاله أبو داود ١/ ٣٩٠.
وقال الترمذي ٢/ ١٦٢: حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره. وحديث الليث بن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن