عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان. اهـ.
وروى أبو نعيم في "مستخرجه على صحيح مسلم" ٢/ ٢٩٤ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ومخلد بن جفر قالا ثنا جعفر الفريابي ثنا إسحاق بن راهوية ثنا شبابة ثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل.
وقال في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥٢: وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل: وإسناده صحيح قاله النووي. وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الحاكم في "الأربعين" له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس. أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أَخَّر الظهر إلى وقت المحصر، ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب وهو في "الصحيحين" من هذا الوجه بهذا السياق، وليس فيها: والعصر، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد. وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في "المستدرك" اهـ.
стр. 1927
قلت: فالحافظ ابن حجر ﵀ جزم بصحة إسناد هذه الزيادة في "البلوغ" و"التلخيص" لكن مما يعل به هذه الزيادة إعراض البخاري ومسلم عن هذه الزيادة مع أنهما أخرجا أصل الحديث. لأنه واضح من منهجهما إعراضهما عن المعلول من الأحاديث والروايات.
ولهذا يعل شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا من الزيادات بهذا الأمر.
فقد قال شيخ الإسلام كما في كتاب "علم الحديث" لابن تيمية ص ١٠٥ لما تكلم عن شرط البخاري ومسلم: وقد يتركا من حديث التقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك. اهـ.
لهذا قال ابن رجب في رسالة "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" ص ٢٥ في أثناء كلامه على "الصحيحين": فقلَّ حديث تركاه إلا وله علة خفية لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما وينقده وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة، صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما .. اهـ.
وعليه سار ابن القيم وابن عبد الهادي. ويفعل هذا الأمر أحيانًا الحافظ ابن حجر.
وقد روى الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٢/ ١٨٩ من طريق يعقوب بن محمد الزهري نا محمد بن سعد ثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ -
стр. 1928
كان إذا كان في سفرٍ، فزاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر والعصر جميعًا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول وقت العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء.
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن عبد الله بن الفضل إلا ابن عجلان ولا عنه إلا محمد بن سعد. اهـ.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٦٠: رجاله موثقون. اهـ
قلت: يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري. قال أحمد: ليس بشيء، ليس يسوى شيئًا اهـ.
وقال ابن معين: ما حدثكم عن الثقات فاكتبوه وما لا يعرف من الشيوخ فدعوه. اهـ.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث اهـ.
وقال مرة. ليس عليه قياس، يعقوب بن محمد الزهري وابن زبالة والواقدي وعمر بن أبي بكر المليكي يتقاربون في الضعف. اهـ.
وكان ابن المديني يتكلم فيه.
وأما شيخه محمد بن سعدان فقال أبو حاتم: شيخ كما في "الجرح التعديل" ٧/ ٢٨٢ وسبق تحقيق مراد قول أبو حاتم في الرجل شيخ (١).
* * *
стр. 1929
٤٣٧ - وعن مُعاذٍ ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تَبوكَ، فكان يُصلِّي الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعِشاءَ جمعًا. رواه مسلم.
رواه مسلم ١/ ٢٩٠ ومالك في "الموطأ" ١/ ١٤٣ وأبو داود (١٢٠٦) والنسائي ١/ ٢٨٥ كلهم من طريق أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل قال: ... فذكره.
زاد مالك وكذا النسائي وأبي داود في روايتهما عن مالك بلفظ قال: فأخَّر الصلاة يوما، ثم خرج فصلّى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.
ورواه أبو داود (١٢٠٨) قال: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما.
وقد أعل هذا الحديث الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ٥٨٣ فقال: لما ذكر حديث معاذ في الجمع: وله طريق أخرى عن معاذ
стр. 1930
ابن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه. وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم. فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. اهـ.
ورواه الترمذي (٥٥٣) وأبو داود (١٢٢٠) وأحمد ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢ والبيهقي ٣/ ١٦٣ كلهم من طريق قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل -هو عامر بن واثلة- عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر ليصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثمّ سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب.
قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٩: أنا أرى أن الإسناد صحيح. اهـ.
قلت: قد أعله الأئمة النقاد بأن قتيبة تفرد به عن الليث كما قاله أبو داود ١/ ٣٩٠.
وقال الترمذي ٢/ ١٦٢: حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره. وحديث الليث بن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن
стр. 1931
أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. رواه قُرّة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد عن أبي الزِّبير المكي. اهـ.
وقال أبو حاتم في "العلل" ١/ ٩١: كتبت عن قتيبة حديثًا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ عن النبي ﷺ : أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين. لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث، حدثنا أبو صالح حدثنا الليث عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ بهذا الحديث. اهـ.
وذكر الدارقطني في "العلل" ٦/ ٤١ - ٤٢ حديث قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد به ثم قال: كذلك حدث به جماعة من الرفعاء عن قتيبة ورواه المفضل بن فضالة -عن الليث عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بهذه القصة بعينها وهو أشبه بالصواب. والله أعلم. وعند هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ الحديث الآخر في الجمع بين الصلاتين في السفر. اهـ.
ونقل الدارقطني في "السنن" ١/ ٣٩٣ عن أبي داود أنه قال: لم يروه إلا قتيبة. اهـ. وكذا قال البيهقي ٣/ ١٦٣.
وروى البيهقي ٣/ ١٦٣ بسنده عن محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث
стр. 1932
يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل فقال: كتبته مع خالد المدائني قال محمد بن إسماعيل وكان خالد المدائني هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. قال البيهقي: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل. فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحه. اهـ.
وقال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ١٢/ ٤٦٧: لم يرو حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن الليث غير قتيبة وهو منكر جدًّا من حديثه، ويرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه والله أعلم. اهـ.
ولما نقل ابن القيم في "الهدي" ١/ ٤٧٨ سؤال البخاري؛ قال: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم. فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي حدثنا المفضل .. فهذا المفصل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل وأحفظ. لكن زال تفرد قتيبة به. ثم إن قتيبة صرح بالسماع. فقال: حدثنا. ولم يعنعن فكيف يقدح في سماعة .. اهـ.
قلت: قدح البخاري في سماعه ليس من باب التدليس بل هو من باب الغلط. وإدخال الأحاديث على الشيوخ.
ونقل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٣ عن أبي سعيد بن يونس أنه قال: لم يحدث به إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط وإن موضع "يزيد بن أبي حبيب" أبو الزبير. اهـ.
стр. 1933
وقال أيضًا الذهبي في "السير" ١١/ ٢٠ - ٢٣: ما رواه أحد عن الليث سوى قتيبة، وقد أخرج عنه أبو داود والترمذي وأما النسائي؛ فامتنع من إخراجه لنكارته. وقال أيضًا: وما علمتهم نقموا على قتيبة سوى ذلك الحديث المعروف في الجمع في السفر ثم علّق على قول أبي سعد بن يونس فقال: فيكون -يعني قتيبة- قد غلط في الإسناد وأتى بلفظ منكر جدًّا، يرود أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم.
ثم قال الذهبي أيضًا: هذا التقرير يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين، ويروي ما لم يسمع، وما كان كذلك بل كان حجه متثبتا، وإنما الغفلة، وقعت فيه من قتيبة وكان شيخ صدق، قد روى نحوًا من مائة ألف فيغتفر له الخطأ في حديث واحد. اهـ.
وقال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" عن ١٢٠: هذا حديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به؛ فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا؛ ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل فقلنا: الحديث شاذ، وقد حدَّثونا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عدّ قتيبة أسامي سبعة من
стр. 1934
أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث؛ وقد أخبرناه أحمد بن جعفر القطيعي قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: ثنا قتيبة فذكره. قال أَبو عبد الله الحاكم: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أَبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي وهو إمام عصره عن قتيبة بن سعيد ولم يذكر أَبو عبد الرحمن ولا أَبو على للحديث علة؛ فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون اهـ.
وقال ابن القيم في "الهدي" ١/ ٤٧٧ - ٤٧٩: اختلف في هذا الحديث فمن مصحح له ومن محسن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعًا كالحاكم. وإسناده على شرط الصحيح رُميَ بعلة عجيبة قال الحاكم. حدثنا قتيبة بن سعيد ... اهـ. فذكر قصة سؤال البخاري.
وفي الباب عن جابر وابن عباس وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك ومرسل هزيل بن شرحبيل:
أولًا: حديث جابر رواه مسلم ١/ ٨٨٦ - ٨٩٠ قال: حدثنا أَبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم قال أَبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في حديته الطويل في صفة حج النبي ﷺ وفيه قال: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ... وكان ذلك بعد الزوال؛ لأنه ﷺ خطب عندما زالت الشمس ثم لما فرغ منها أذن المؤذن فصلى بهم النبي ﷺ .
стр. 1935
ثانيًا: حديث ابن عباس رواه أحمد ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨ والبيهقي ٣/ ١٦٣ والدارقطني ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩ كلهم من طريق حسين بن عبد الله عن عكرمة وعن كريب كلاهما عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل حين تزيغ الشمس يجمع بين الظهر والعصر، وإذا ارتحل قبل ذلك أخر ذلك إلى وقت العصر قلت: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ضعيف، قال الأثرم عن أحمد: له أشياء منكرة. اهـ.
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف اهـ.
وقال البخاري: قال علي. تركت حديثه، وتركه أحمد أيضًا اهـ
وقال أَبو زرعة: ليس بقوي. اهـ.
وقال أَبو حاتم: ضعيف، وهو أحب إلي من حسين بن قيس يكتب حديثه ولا يحتج به اهـ.
وقال النسائي: متروك. اهـ.
وقال الجوزجاني: لا يشتغل بحديثه. اهـ. فهو ضعيف يكاد يطبق العلماء على ضعفه.
لهذا قال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٥٨: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس المدني تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال أَبو بكر الأثرم عن أحمد: له أشياء منكرة وقال أَبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: ضعيف .... اهـ.
стр. 1936
وقد اختلف عليه فيه. وحاول الدارقطني الجمع بين الاختلاف فقد رواه الدارقطني ١/ ٣٨٨: من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وعن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس.
قال الدارقطني: روى هذا الحديث حجاج عن ابن جريج، قال أخبرني حسين عن كريب وحده عن ابن عباس، ورواه عثمان بن عمر عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس - ورواه عبد المجيد عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن حسين عن كريب عن ابن عباس. وكلهم ثقات، فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولًا من هشام بن عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه، ثم لقي ابن جريج حسينًا فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج حدثني حسين، واحتمل أن يكون حسين سمعه من عكرمة من كريب جميعًا عن ابن عباس، وكان يحدث به مرة عنهما جميعًا كرواية عبد الرزاق به. ومرة كريب وحده كقول حجاج وابن أبي رواد ومرة عن عكرمة وحده عن ابن عباس كقول عثمان بن عمر تصح الأقاويل كلها، والله أعلم. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥١: حسين ضعيف، واختلف عليه فيه، وجمع الدارقطني في "سننه" بين وجوه الاختلاف فيه، إلا أن علته ضعف حسين ويقال: إن الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة وغفل ابن العربي فصحح إسناده. اهـ.
وقال الحافظ أيضًا: لكن له طريق أخرى أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده" عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج
стр. 1937
عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وروى إسماعيل القاضي في "الأحكام" عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس نحوه. اهـ.
قلت: يحيى بن عبد الحميد الحماني وثقه ابن معين وغيره.
وقال أحمد: كان يكذب جهارًا. اهـ.
وقال البخاري: كان أحمد وعلي يتكلمان في يحيى الحماني. اهـ.
وقال في موضع آخر: رماه أحمد وابن نمير. اهـ.
وقال السلمي: قال ابن المديني أدركت ثلاثة يحدثون مما لا يحفظون فذكره فيهم. اهـ.
ثم أيضًا الحكم هو ابن عتيبة لم يسمع من مقسم إلا خمسة أحاديث كما سبق وليس هذا منها (١).
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٢٦): سئل أَبو زرعة عن حديث روي عن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ... فقال أَبو زرعة: هو خطأ إنما هو أَبو خالد عن ابن عجلان عن الحسين بن عبيد الله عن عكرمة عن ابن عباس. اهـ.
وله شاهد من حديث ابن عباس رواه البيهقي ٣/ ١٦٤ من طريق إسماعيل بن إسحاق ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس ولا أعلمه إلا مرفوعًا وإلا فهو
стр. 1938
عن ابن عباس أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر.
قال: وثنا إسماعيل عن عارم ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس لا أعلمه إلا مرفوعًا. قال عارم: هكذا حدث به حماد قال: كان إذا سافر فنزل منزلًا فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر.
قلت: إسناده قوي والذي يظهر وقفه لأنه رواه البيهقي ٣/ ١٦٤ من طريق إسماعيل بن إسحاق ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمه عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال: إذا كنتم سائرين. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ٥٨٣: رجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس. فذكره. اهـ.
ثالثًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (١١٠٩) ومسلم ١/ ٤٨٨ - ٤٨٩ والنسائي ١/ ٢٨٧ كلهم من طريق الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء.
قال سالم: وكان عبد الله يفعله إذا أعجله السير ويقيم المغرب فيصلّيها ثم يسلم، ثمّ قلَّما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين ثمّ يُسلم.
стр. 1939
قال البخاري (١٦٦٢): وقال الليث: حدثني عقيل بن شهاب قال: أخبرني سالم: أن الحجاج بن يوسف -عام نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله ﵁: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفه فقال عبد الله بن عمر: صدق، إنهم يجمعون بين الظهر والعصر في الستة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل يتبعون بذلك إلا سنته؟ .
قال الحافظ في "الفتح": وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح جميعا عن الليث. اهـ
رابعًا: حديث أسامة بن زيد رواه البخاري (١٦٧٢) ومسلم ٢/ ٩٣٤ كلاهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد ﵄ أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفه، فنزل الشَّعب فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة. فقال: الصلاة أمامك فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلّى، ولم يصل بينهما.
خامسًا: حديث أَنس رواه مسلم ١/ ٤٨٩ وابن حبان ٤/ ٣٠٩ (١٤٥٦) وأَبو عوانة ٢/ ٣٥١ والدارقطني ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ والبيهقي ٣/ ١٦١ كلهم من طريق شبابة بن سوار المدايني قال حدثنا الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري عن أَنس قال: كان النبي ﷺ -
стр. 1940
إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما.
ورواه مسلم ١/ ٤٨٩ وأَبو داود (١٢١٩) والنسائي ١/ ٢٨٧ والحاوي في "شرح المعاني" ١/ ١٦٤ والبيهقي ٣/ ١٦١ كلهم من طريق ابن وهب حدثني جابر بن إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس عن النبي ﷺ : إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق.
ورواه البخاري (١١١١) من طريق المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أَنس بنحوه.
سادسًا: مرسل هزيل بن شرحبيل رواه أَبو داود الطيالسي كما في "المطالب" (٧٣٠) قال: حدثنا شعبة عن أبي قيس قال: سمعت الهزيل -هو ابن شرحبيل- قال: كان النبي ﷺ في سفر فأخر الظهر وعجل العصر وجمع بينهما وأخر المغرب وعجل العشاء وجمع بينهما.
قلت: إسناده ظاهره الصحة. قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على "المطالب": لم يقل شعبة عن عبد الله. وروي أن ابن أبي ليلى وصله عن عبد الله. اهـ.
* * *
стр. 1941
٤٣٨ - وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقصُرُوا الصلاةَ في أقلَّ من أربعةِ بُرُدٍ مِن مكَّةَ إلى عُسْفانَ" رواه الدارقطني بإسنادٍ ضعيف والصحيح أنه موقوف. كذا أخرجه ابن خُزَيمة.
قلت: سبق تخريجه في باب: مسافة القصر، فليراجع.
* * *
٤٣٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ أُمَّتِي الذين إذا أساؤُوا استغفروا، وإذا سافروا قَصَروا وأفطَروا" أخرجه الطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف وهو في مرسل سعيد بن المسب عند البيهقي مختصر.
رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٢/ ١٨٢ قال: حدثنا محمد بن أبي غسان، ثثا عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي ثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال. قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي الذين إذا اساؤوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا، وأفطروا".
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، تفرد به المرادي. اهـ.
стр. 1942
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف مطلقًا ومدلس وقد عنعن هنا وسبق بيان ضعفه (١).
ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٥٧: فيه ابن لهيعة وفيه كلام. اهـ.
وتلميذه عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي لم أجد له ترجمة فاسمه ونسبه معروف وحاله مجهولة.
كذلك في إسناده أَبو الزبير وقد رمي بالتدليس. ورواه الشافعي مرسلًا عن ابن المسيب كما في "مسنده" (٥١٢) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ابن حرملة عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ "خياركم الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا". أو قال: "لم يصوموا".
قلت: إسناده ضعيف جدًّا لأن إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي متروك كما سبق (٢).
وقد عزا الحافظ ابن حجر المرسل إلى البيهقي كما في "البلوغ" ولم أجده في "السنن الكبرى". لكن رواه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" ٢/ ٤٢٥ من طريق الربيع أخبرنا الشافعي به.
وسبق ذكر أحاديث مشروعية القصر وما ورد فيه في أول باب: صلاة المسافر.
стр. 1943
باب: ما جاء في صلاة المريض
٤٤٠ - وعن عمران بن حُصين ﵄ قال: وإنت بي بواسِيرُ، فسألت النّبيَّ ﷺ عن الصلاة؟ فقال: "صلِّ قائمًا، فإنْ لم تَستَطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تَستَطعْ فعلى جَنْبٍ" رواه البخاري.
رواه البخاري (١١١٥) وأَبو داود (٩٥٢) والترمذي (٣٧١) وابن ماجة (١٢٢٣) وابن الجارود (١٢٠) والبيهقي ٢/ ٣٠٤ وأحمد ٤/ ٤٢٦ كلهم من طريق حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين ﵁ أنه سأل نبي الله ﷺ .
وقال البخاري: وأخبرنا إسحاق قال: أخبرنا عبد الصمد قال: سمعت أبي قال: حدثنا ابن بريدة قال: حدثني عمران بن حصين -وكان مبسورًا- قال: سألت رسول الله ﷺ .
* * *
٤٤١ - وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: عاد النبيُّ ﷺ مريضًا فرآه يُصلِّي على وِسادَةٍ فرمى بها، وقال: "صلِّ على الأرضِ، إنِ استَطَعتَ وإلا فَأَوْمِ إيماءً واجعلْ سجودَكَ أخفضَ مِن رُكوعِكَ". رواه البيهقي وصحح أَبو حاتم وقفه.
стр. 1944
رواه البيهقي ٢/ ٣٠٦ قال: أخبرنا أَبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أنبأ أَبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ثنا يحيى بن جعفر (ح) وأخبرنا أَبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي - ببغداد - أنبأ أَبو عمرو بن السماك ثنا أَبو بكر يحيى بن أبي طالب ثنا أَبو بكر الحنفي ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا ... فذكره.
قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" ص ١/ ٢٠٩: رواته ثقات. اهـ.
ورواه البزار كما في "كشف الأستار" (٥٦٨) قال: حدثنا محمد بن معمر ومحمد بن مرداس قال: ثنا أَبو بكر الحنفي به.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٤٨: رجال البزار رجال الصحيح. اهـ.
وقال البيهقي ٢/ ٣٠٦: وكذلك رواه محمد بن معمر البحراني عن أبي بكر الحنفي. وهذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري. اهـ.
وقد تابع أبا بكر الحنفي على رفعه عبد الوهاب بن عطاء.
فقد رواه عن سفيان الثوري به مرفوعًا كما عند البيهقي ٢/ ٣٠٦.
ولهذا قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" ٢/ ١٤١: وهذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري. اهـ.
стр. 1945
قلت: وعبد الوهاب صدوق ربما أخطأ وأنكر عليه بعض الأحاديث وقد أعل هذا الحديث بالوقف ورجح أَبو حاتم وقفه.
فقد قال ابن أبي حاتم كما في "علل الحديث" (٣٠٧) أنه سأل أباه عن حديث رواه أَبو بكر الحنفي عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ دخل على مريض وهو يصلي على وسادة قال: هذا خطأ إنما هو عن جابر قوله أنه دخل على مريض فقيل له. فقيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا فقال: ليس بشيء هو موقوف. اهـ.
ونقل الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ١٧٥ عن عبد الحق أنه قال في "أحكامه" رواه أَبو بكر الحنفي وكان ثقة - عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر، ولا يصح من حديثه إلا ما ذكر فيه السماع أوكان من رواية الليث عن أبي الزبير. اهـ.
قلت: فيما قاله نظر وقد سبق بحث رواية أبي الزبير عن جابر في غير هذا الحديث (١).
وللحديث طريق آخر عند أبي يعلى كما في "مسنده" (١٨٠٥) قال: حدثنا أَبو الربيع حدثنا حفص بن أبي داود عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: عاد ورسول الله ﷺ مريضًا وأنا معه، فرآه يصلي ويسجد على وسادة، فنهاه وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومى إيماءً، واجعل سجودك أخفض من الركوع.
стр. 1946
قلت: إسناده ضعيف جدًّا فإن حفص بن أبي داود هو حفص بن سليمان أَبو عمر الأسدي ويسميه أَبو الربيع حفص بن أبي داود لضعفه.
قال ابن عدي ٢/ ٣٨١: حفص بن أبي داود الأسدي كذا يسميه أَبو الربيع الزهراني لضعفه وهو حفص بن سليمان. اهـ وكذا نقل الحافظ ابن حجر عن ابن عدي كما في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٤٤.
وحفص بن سليمان الأسدي هو صاحب عاصم حجه في القراءة لكن متروك الحديث. كذا قال أحمد.
وقال ابن المديني: ضعيف الحديث وتركته على عمد. اهـ.
وقال البخاري: تركوه. اهـ.
وقال مسلم: متروك. اهـ.
وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. اهـ.
وقال في موضع آخر: متروك الحديث. اهـ.
وقال ابن معين: ليس بثقة. اهـ.
* * *
٤٤٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ النبيَّ ﷺ يُصلِّي مُتَرَبِعًا. رواه النسائي، وصحَّحه الحاكم.
رواه النسائي ٣/ ٢٢٤ قال: أخبرنا هارون بن عبد الله قال حدثنا أَبو داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة به مرفوعًا.
стр. 1947
ورواه ابن خزيمة ٢/ ٢٣٦ من طريق أبي داود الحفري به.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده ظاهره الصحة.
لكن أعل الحديث النسائي فقال في "السنن" ٣/ ٢٢٤: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود وهو ثقة ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ والله أعلم. اهـ.
وقد رواه البيهقي ٢/ ٣٠٥ من طريق محمد بن سعيد بن الأصبهاني ثنا حفص بن غياث به.
فتابع الأصبهاني أبا داود الحفري.
والأصبهاني ثقة متقن وثقه النسائي وأَبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن عدي ولعل النسائي أعرض عنها عمدًا.
وقد جعل الحافظ ابن حجر هذا ذهول من النسائي فقال في "النكت الظراف على تحفة الأشراف" ١١/ ٤٤٣: أخرجه البيهقي من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني ثنا حفص بن غياث عن "حميد بن قيس" وفي هذا تعقيب على النسائي في دعواه تفرد أبي داود الحفري. اهـ.
قلت: حفص بن غياث من رجال الجماعة وهو ثقه ثبت غير أنه ساء حفظه بعدما ولي القضاء.
قال أَبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح وإلا فهو كذا. اهـ.
وقال الآجري عن أبي داود: كان حفص بأَخَرَةٍ دخلَه نِسيان، وكان يحفظ ... وذكر حديثًا أنكره عليه ابنُ مَعِين وأحمد.
стр. 1948
ونقل الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ٧٦٢: عن يعقوب بن شيبة وداود بن رشيد ومحمد بن عمار أنهم تكلموا في حفظه. ونقل أيضًا عن ابن معين أنه قال: إن حفصًا لم يكن يحدث إلا من حفظه ببغداد والكوفة لم يخرج كتابًا، كتبوا عنه ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف حديث من حفظه. اهـ.
قلت: وأَبو داود الحفري كوفي واسمه: عمر بن سعد بن عبيد أَبو داود الحفري الكوفي، وحفر موضع بالكوفة، واسم جده عبيد فأخشى أن يكون هذا الحديث من الأحاديث التي أخطأ فيها حفص بن غياث والله أعلم بالصواب.
قلت: وفي متن الحديث معارضة لما رواه البخاري (٨٢٧) قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره: أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄؛ يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إنما سنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن رجليَّ لا تحملاني.
ورواه مالك في "الموطأ" ١/ ٨٩ عن عبد الرحمن بن القاسم به.
وقد وقع في إسناد البيهقي "حميد بن قيس".
وصرح المزي في "تحفة الأشراف" ١١/ ٤٤٣ بأنه ابن طرخان، ويقال لحميد الطويل بن طرخان وعلى هذا مشى الحافظ ابن حجر
стр. 1949
فقال في "النكت على تحفة الأشراف" ١١/ ٤٤٣: وقوله في نسبته "ابن طرخان" أولى لتصريح يوسف القطان بأنه "الطويل" فإن طرخان أحدُ ما قيل في اسم أبيه. اهـ.
روى إسناد يوسف القطان البيهقي ٢/ ٣٠٥.
وصرح النسائي في "السنن الكبرى" ١/ ٤٢٩ أنه هو الطويل.
ومال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٩ إلى أنه لا فرق بينهما بل هما واحد فقال لما ذكر حديث عائشة في الصلاة متربعًا في ترجمه حميد بن طرخان قال: فرق ابن حبان بينه وبين حميد الطويل في "الثقات". وتقدم أنس والد حميد الطويل يقال له طرخان، وأن الطويل يروي عن عبد الله بن شقيق، فالظاهر أنه هذا، إذ ليس في الرواية ما يدل على أنه غيره، لا سيما وفي "السنن الكبرى" في رواية ابن الأحمر عن النسائي عن هارون عن أبي داود عن حفص عن حميد وهو الطويل. فقوله: وهو الطويل يُحتمل أن يكون من قول النسائي، أو من قول مَن فوقه أو دونه وهو الأشبه. ثم وجدت الحديث في "سنن البيهقي" من طريق يوسف بن موسى عن أبي داود الحفري عن حفص عن حميد الطويل فتبين أنه هو، نعم. اهـ.
وفي الباب عن عائشة وأنس وجابر وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأثر عن ابن عمر أيضًا:
أولًا: حديث عائشة رواه البخاري (٦٨٨) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
стр. 1950
أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شَاكٍ فصلى جالسا وصلّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا؛ فلما انصرف. قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلّوا جلوسًا".
رواه البخاري (١١١٨) ومسلم ١/ ٥٥٥ من طريق هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا. حتى إذا كبر قرأ جالسًا. حتى إذا بقى عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع.
وروى أيضًا مسلم ١/ ٥٠٦ قال: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق؛ قال: قلت لعائشة: هل كان النبي ﷺ يصلي قاعدًا؟ قالت: نعم، بعد ما حطمه الناس. قال النووي: قال الراوي في تفسيره: حطم فلانًا أهله إذا كبر فيهم كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم، صيَّروه شيخًا محطومًا، والحطم كسر الشيء اليابس. اهـ.
وسبق في أَبواب الإمامة حديث عائشة في قصه إمامة أبي بكر للناس في مرض موت النبي ﷺ وصلاته بهم وهو جالس. فليراجع.
ثانيًا: حديث أَنس بن مالك رواه البخاري (١١٤) ومسلم ١/ ٣٠٨ كلاهما من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أَنس ﵁ قال: سقط رسول الله ﷺ من فرس -أو فجحش- شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلّى قاعدًا فصلينا
стр. 1951
قعودًا وقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربَّنا ولك الحمد".
ثالثًا: حديث جابر رواه مسلم ١/ ٣٠٩ قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث (ح) وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر؛ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأَبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا. فصلينا بصلاته قعودًا. فلما سلّم قال: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم. إن صلى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلّوا قعودًا".
وروى البزار كما في "كشف الأستار" ١/ ٢٧٤ (٥٦٨) والبيهقي ٢/ ٣٠٦ كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها، فأخذ عودًا يصلي عليه فرمى به وقال: "إن أطقت الأرضَ وإلا فأومى إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك".
قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن الثوري إلا الحنفي. اهـ.
وقال البيهقي: هذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري. اهـ.
стр. 1952
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" ١/ ١١٣ (٣٠٧): سئل أبي عن حديث رواه أَبو بكر الحنفي عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ دخل على مريض وهو يصلي على وسادة قال: هذا خطأ. إنما هو عن جابر قوله أنه دخل على مريض، فقيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا فقال: ليس بشيء هو موقوف. اهـ.
وأعله عبد الحق بأبي الزبير فقال في "الأحكام الوسطى" ص ١٢٤: رواه أَبو بكر الحنفي وكان ثقة عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر وأنه لا يصح من حديثه إلا ما ذكر فيه السماع أو كان من رواية الليث عن أبي الزبير. اهـ. وفيه تأمل كما سبق (١).
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٤٨: رجال البزار رجال الصحيح اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية" ١/ ٢٠٩: رواته ثقات. اهـ.
ورواه أَبو يعلى ٣/ ٣٤٥ (١٨١١) وفي "المطالب" (٥٥٦) قال: حدثنا أَبو الربيع ثنا حفص بن أبي داود عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن جابر بنحوه مرفوعًا.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه حفص بن أبي داود.
وبه أعله الحافظ ابن حجر في تعليقه على "المطالب".
стр. 1953
رابعًا: حديث علي رواه الدارقطني ٢/ ٤٢ قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن علي بن بطحاء ثنا الحسين بن زيد بن الحكم الحبري ثنا حسن بن حسين العرني حدثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة.
ورواه البيهقي ٢/ ٣٠٧ من طريق حسن بن حسين العرني.
قلت: إسناده ضعيف جدًّا لأن حسين بن زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ضعفه ابن المديني فقال: فيه ضعف. اهـ.
وقال ابن معين: لقيته ولم أسمع منه وليس بشيء اهـ
وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك بيده وقلبها يعني يعرف وينكر. اهـ.
وكذلك في إسناده حسن بن حسين العرني وهو ضعيف.
قال أَبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم؛ كان من رؤساء الشيعة. اهـ.
وقال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالملزقات، ويروي المقلوبات. اهـ.
стр. 1954
وقال ابن عدي: لا يشبه حديثه حديث الثقات. اهـ.
وضعف الذهبي حديثه هذا فقال في "الميزان" ١/ ٤٨٥ لما ذكره: هو حديث منكر، وحسين بن زيد لين أيضًا. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الدارية" ٢/ ٢٠٩: إسناده واه جدًّا. اهـ
وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٢/ ١٩: في إسناده الحسن بن الحسين العرني ولم يكن عندهم بصدوق، وكان من رؤساء الشيعة. اهـ.
وتعقبه ابن القطان فقال في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ١٥٧: لم يذكر من إسناده غيره، ودونه وفوقه من لا يعرف، وذلك أنه يرويه الحسين بن الحكم وهو لا يعرف له حال عن جعفر عن أبيه عن علي بن حسين عن الحسين بن علي عن علي فاعلم ذلك. اهـ.
وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ١/ ٣٢٠ لما ذكر هذا الحديث: الحسن بن الحسين العرني. قال أَبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم كان من رؤساء الشيعة ... اهـ.
وقال النووي في "المجموع" ٤/ ٣١٥ - ٣١٦: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف. اهـ. وقال في "الخلاصة" ١/ ٣٤١: حديث ضعيف. اهـ.
وقال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٢/ ٣٤٥: هذا سند ضعيف جدًّا، آفته العرني. اهـ.
стр. 1955
وساق له الذهبي في "الميزان" بعض الأحاديث هذا منها ثم قال: هو حديث منكر. وحسين بن زيد لين أيضًا. اهـ.
خامسًا: حديث ابن عباس رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٢/ ١٥٩ قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي ثنا محمد بن يحيى الفياض الزماني ثنا حلبس بن محمد الضبعي ثنا ابن جريج عن عطاء ونافع عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "يصلي المريض قائما، فإن نالته مشقة صلى جالسًا، فإن نالته مشقة صلى نائما يوميء برأسه، فإن نالته مشقة سبّح".
قال الطبراني عقبة لم يروه عن ابن جريج إلا حلبس، تفرد به محمد بن يحيى. اهـ.
قلت: رجاله لا بأس بهم غير حلبس بن محمد الضبعي.
قال: الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٤٩: حلبس بن محمد الضبعي لم أجد من ترجمه. وبقية رجاله ثقات. اهـ.
وقد ذكر ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٤٥٧ حلبس بن محمد الكلابي قال: وأظن أنه حلبس بن غالب يكنى أبا غالب بصري منكر الحديث عن الثقات. اهـ.
وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" وقال ٢/ ٤١٩: متروك الحديث. اهـ. وأخشى أن يكون هو حلبس بن محمد الضبعي لأنه ذكر له ابن عدي أثرًا عن عطاء رواه حلبس عن ابن جريج فهو يروي عن ابن جريج فإن كان هو فهو متروك الحديث وإلا فلا أدري من هو.
стр. 1956
قلت: أما علي بن سعيد بن بشير بن مهران فقد قال الذهبي عنه في "تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧٥٠: الحافظ البارع أَبو الحسن الرازي نزيل مصر ومحدثها .. قال حمزة السهمي: سألت الدارقطني عنه فقال: لم يكن في دينه بذاك سمعت بمصر أنه كان والي قرية فإذا مطلوه الخراج جمع خنازيرهم في المسجد. قلت: فكيف هو في الحديث؟ قال: حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وقال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ. اهـ.
سادسًا: حديث ابن عمر رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٢/ ١٦٠ قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر حدثنا سريج بن يونس ثنا قُرّان بن تمام عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع منكم أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئًا يسجد عليه، ولكن ركوعه وسجوده يؤمى برأسه".
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن عبيد الله إلا قُرَّان، تفرد به سريج. اهـ.
قلت: رجاله لا بأس بهم.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٤٩: رجاله موثقون ليس فيهم كلام يضر. اهـ.
لكن عبيد الله بن عمر يحتاج إلى ضبط اسمه.
فقد رواه أحمد بن منيع كما في "المطالب" (٥٥٥) قال: حدثنا قرَّان بن تمام عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع عن ابن عمر به.
стр. 1957
ويظهر أن الصواب: عبيد الله بن عمر وهو الموافق لطبعة "الأوسط" للطبراني تحقيق طارق عوض. والله أعلم.
سابعًا: أثر ابن عمر رواه البيهقي ٢/ ٣٠٦ من طريق مالك عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماء ولم يرفع إلى جبهته شيئًا.
ورواه عبد الرزاق في "المصنِّف" ٢/ ٤٧٥ (٤١٣٧) عن ابن جريج عن عطاء قال: دخل ابن عمر على صفوان الطويل وهو يصلي على وسادة فنهاه أن يصلي على حصى أو على وسادة وأمره بالإيماء. وقال سليمان بن موسى حدثنا نافع: أن ابن عمر كان يقول إذا كان أحدكم مريضًا فلم يستطع سجودًا على الأرض فلا يرفع إلى وجهه شيئًا وليجعل سجوده ركوعًا وليومئ برأسه. وقد رأى نافع أن ابن عمر في مرضه الذي مات فيه صلى فوضع جبهته مرة والدة ثم لم يستطع بعد فجعل سجوده ركوعًا.
قلت: الأثر عن ابن عمر ثابت وله طرق عدة.
وسبق أن ذكرنا بعض الأحاديث في صلاة المريض عند حديث (٣٢٩ - ٣٣٠) وهناك ذكرنا سبب وقوع هذا التكرار في التبويب. والله أعلم.
* * *
стр. 1958
باب صلاة الجمعة
стр. 1959
باب: ما جاء في التغليظ في ترك صلاة الجمعة
٤٤٣ - عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول -على أعواد منبره-: "لَيَنتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أو لَيَختِمَنّ اللهُ على قلوبِهم، ثم لَيَكُونُنَّ مِن الغافِلينَ". رواه مسلم.
رواه مسلم ٢/ ٥٩١ والنسائي ٣/ ٨٨ كلاهما من طريق زيد بن سلام عن الحكم بن مينا أنه سمع ابن عمر وأبي هريرة به مرفوعًا.
ووقع عند النسائي ابن عباس بدل أبي هريرة في "السنن الصغرى" ٣/ ٨٨ وفي "الكبرى" ١/ ٥١٦.
قلت: والذي يظهر أن ذكر ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة جميعه محفوظًا.
يؤيد هذا ما رواه النسائي كما في "جزء الجمعة" ص ٣٩ رقم (٨) قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب قال نا سعيد بن الربيع قال علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحكم بن مينا عن ابن عمر وابن عباس قال علي: ثم كتب به إلى ابن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين ... ".
وأشار إلى هذا الخلاف المزي في "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٣٥.
стр. 1960
ورواه البيهقي ٣/ ١٧١ - ١٧٢ على الوجهين ورجح رواية معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع به .. وفيه ذكر ابن عمر وأبا هريرة كما عند مسلم.
ورواه ابن خزيمة ٣/ ١٧٥ من طريق معاوية بن سلام عن أخيه زيد أنه سمع أبا سلام الحبشي يقول: حدثني الحكم بن ميناء عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ .
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٩٦): سألت أبي عن حديث رواه أبان العطار عن يحيى عن زيد عن أبي سلام عن الحضرمي عن الحكم بن مينا أنه سمع ابن عمر وابن عباس سمعا رسول الله ﷺ على المنبر قال: "لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات ... " الحديث قال أبي: ورواه معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن أبي سلام ولم يذكر فيه الحضرمي عن الحكم بن مينا عن ابن عمر وابن عباس قال أبي: والحضرمي من لاحق رجل من أهل المدينة وليس لرواية أبي سلام عنه معنى وإنما يشبه أن يكون يحيى لم يسمعه من زيد فرواه عن الحضرمي عن زيد فوهم الذي حدث به. والله أعلم. اهـ.
وفي الباب عن أبي الجعد الضمري وجابر وسمرة وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر وأسامة بن زيد وأبي قتادة:
أولًا: حديث أبي الجعد الضمري رواه أَبو داود (١٠٥٢) والنسائي ٣/ ٨٨ والترمذي (٥٠٠) وابن ماجة (١١٢٥) وأحمد ٤/ ٤٢٤ والحاكم ١/ ٤١٥ وابن خزيمة ٣/ ١٧٦ وابن حبان ٤/ ١٩٨ (٧٧٥)
стр. 1961
والبغوي في "شرح السنة" ٤/ ٢١٣ كلهم من طريق محمد بن عمرو قال: حدثني عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه".
قلت: رجاله لا بأس بهم، ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام.
وأما أَبو الجعد الضمري فهو صحابي له حديث واحد، وقد اختلف في اسمه، فقيل أدرع وقيل عمرو وقيل جنادة.
قال الترمذي ٢/ ١٣٢: حديث أبي الجعد حديث حسن. وسألت محمدًا عن اسم أبي الجعد الضمري؛ فلم يعرف اسمه. وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث. وقال أَبو عيسى. ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو. اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥٦ عن البزار أنه ذكر له حديثًا آخر وقال: لا نعلم له إلا هذين الحديتين اهـ
وقال الحاكم ١/ ٤١٥: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. اهـ. ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥٦: وصححه ابن السكن. اهـ.
وقال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٧٥٨: رواه الثلاثة بإسناد حسن، ولم يضعفه أَبو داود. اهـ.
стр. 1962
ثاثيًا: حديث ابن مسعود رواه مسلم ١/ ٤٥٢ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا أَبو إسحاق عن أبي الأحوص سمعه منه عن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن المجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالنّاس. تمّ أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
ثالثًا: حديث جابر رواه ابن ماجة (١١٢٦) قال: حدثنا محمد بن المثني ثنا أَبو عامر ثنا زهير عن أسيد بن أبي أسيد (ح) وحدثنا أحمد بن عيسى المصري ثنا عبد الله بن وهب عن ابن أبي ذئب عن أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة، طبع الله على قلبه".
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
قال البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجة" ١/ ١٣٥: هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات. اهـ.
ورواه أحمد ٣/ ٣٣٢ قال: حدثنا أَبو عامر ثنا زهير عن أسيد به.
ورواه الحاكم ١/ ٤٣٠ وابن خزيمة ٣/ ١٧٥ - ١٧٦ كلاهما من طريق ابن أبي فديك به.
قال الحاكم: هذا حديث خرجت فيما تقدم من هذا الكتاب من حديث الثوري وغيره عن محمد بن عمرو بن علقمة عن عبيده بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري، وصححته على شرط مسلم، وهذا الشاهد العالي وجدته بعد. اهـ. ووافقه الذهبي على تصحيح.
стр. 1963
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٥٦ عن حديث جابر: قال الدارقطني: إنه أصح من حديث أبي الجعد، واختلف في حديث أبي الجعد على أبي سلمة. اهـ.
لكن قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٨٢): سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة فقد طبع على قلبه" قال أبي: ورواه الدراوردي عن أسيد عن ابن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ .
قلت: فأيهما أشبه؟ قال: ابن أبي ذئب أحفظ من الدراوردي، وكأنه أشبه، وكأن الدراوردي لزم الطريق. اهـ.
وروى أَبو يعلى كما في "المطالب" (٧١٩) قال: حدثنا سفيان هو ابن وكيع حدثنا أبي عن سعيد بن عبيد حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: "عسَى رجل تحضره الجمعة وهو على قدر ميل من المدينة فلا يحضرها، ثم قال في الثانية: وهو على قدر ميلين، ثم قال في الثالثة: وهو على قدر ثلاثة أميال من المدينة فلا يحضر الجمعة، ويطبع الله على قلبه".
قلت: إسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه الفضل الرقاشي.
رابعًا: حديث سمرة رواه أحمد ٥/ ١٠ قال: حدثنا سريج بن النعمان ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن سمرة
стр. 1964
قال: قال رسول الله ﷺ : احضروا الجمعة وادنوا من الإمام فإن الرجل يتخلف عن الجنة وإنه لمن أهلها.
ورواه البيهقي ٣/ ٢٣٨ من طريق سريج به.
قلت: الحكم بن عبد الملك ضعيف الحديث، قال ابن معين: ضعيف ليس بثقة وليس بشيء. اهـ.
وقال أَبو حاتم: مضطرب الحديث، وليس بقوي. اهـ.
وقال أَبو داود: منكر الحديث. اهـ.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ.
وقال العقيلي: روى أحاديث لا يتابع عليها. اهـ.
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٧٧.
وقتادة مكثر من التدليس وهو من أعلم أصحاب الحسن كما قال أَبو زرعة.
ورواه أَبو داود (١١٠٨) والحاكم ١/ ٤٢٧ كلاهما من طريق علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه، قال قتادة عن يحيى بن مالك عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها".
قلت: رجاله ثقات غير معاذ بن هشام الدستوائي اختلف فيه قال الحميدي: لا تسمعوا من هذا القدري شيئًا. اهـ.
стр. 1965
وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله وسمع من يُكثره في الحديث والفقه فقال: وأي شيء عنده من الحديث؟ ما كتبتُ عنه سوى مجلس واحد. اهـ.
وقال ابن معين: صدوق ليس بحجة. اهـ.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: معاذ بن هشام عندك حجه؟ قال أكره أن أقول شيئًا كان يحيى لا يرضاه. اهـ.
وقال ابن عدي. ولمعاذ عن أبيه عن قتادة حديث كثير، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو وبما يغلط في الشيء بعد الشيء وأرجو أنه صدوق. اهـ.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٦١٤٢): صدوق ربما وهم اهـ.
وقد ذكر الاختلاف في إسناد هذا الحديث أَبو حاتم.
فقد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٨٧): سمعت أبي وذكر حديث الحكم بن عبد الملك عن عبادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "احضروا الجمعة وادنوا منها ... " قال أبي: رواه بعض حفاظ أصحاب قتادة عن قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن سمرة عن النبي ﷺ ، قيل لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عن أبي أيوب عن سمرة أشبه. قلت لأبي: فإن سعيد بن بشير روى هذا الحديث عن قتادة عن أبي أيوب يحيى بن المنكدر عن سمرة قال. أخطأ في ذلك إنما هو أَبو أيوب العتكي يحيى بن مالك. اهـ.