وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٣/ ٢٠١ في ترجمة: عمر بن أبي سلمة: وقد صحح له الترمذي حديث: "لعن زوّارات القبور" فناقشة عبد الحق: وقال: عمر ضعيف عندهم. اه.
وقال الذهبي: وأسرف عبد الحق. اه.
قلت: عمرو بن أبي سلمة. قال ابن معين: ضعيف. اه.
وقال أَبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. اه.
وقال أحمد: ليس به بأس. اه. كما في رواية ابن أبي خيثمة.
وقال مرة أخرى: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله فغلط فقلبها عن زهير. اه.
وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. اه.
قال أَبو حاتم: وهو عندي صالح الحديث. اه.
ونقل ابن عبد الهادي في "المحرر" ١/ ٣٢٩ عن ابن القطان أنه حسنه. اه. وهو الأظهر لأنه إذا لم يكن حديث عمر بن أبي سلمة يصل إلى درجة الحسن، فالحديث يحسن لشواهده عن ابن عباس وحسان بن ثابت كما سيأتي.
وقد أجاب شيخ الإسلام عن تضعيف هذا الحديث كما في "الفتاوى" ٢٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠ فقال: عن عمر بن أبي سلمة عدَّله طائفة من العلماء كما جرحه آخرون؛ فقد قال فيه أحمد بن عبد الله العجلي: ليس به بأس، وكذلك قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وابن معين وأَبو حاتم من أصعب الناس تزكية؛ أما قول من قال: تركه شعبة، فمعناه أنه لم يرو عنه كما قال أحمد بن حنبل: لم
стр. 2557
يسمع شعبة من عمر بن أبي سلمة شيئًا، وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومالك، ونحوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا توجب رد أخبارهم فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلًا له، وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح، وهذا معروف في غير واحد قد خرج له في الصحيح وكذلك قول من قال: ليس بقوي في الحديث، عبارة لينة تقتضي أنه ربما كان في حفظه بعضن التغير، ومثل هذه العبارة لا تقتضي عندهم تعمد الكذب، ولا مبالغة في الغلط. اه.
وقال أيضًا ﵀: إن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يحتج به جمهور العلماء فإذا صححه من صححه كالترمذي وغيره، ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر، كان أقل أحواله أن يكون من الحسن.
وقال أيضًا: الوجه الثالث: أن يقال قد روي من وجهين مختلفين أحدهما عن ابن عباس والآخر عن أبي هريرة، ورجال هذا ليس رجال هذا فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ، ومثل هذا حجة بلا ريب، وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي. اه.
وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وحسان بن ثابت وعائشة وأم عطية وعبد الله بن عمرو وأبي ذر:
أولًا: حديث أبي هريرة رواه مسلم ٢/ ٢٧١ قال: حدثنا يحيى ابن أيوب ومحمد بن عباد -واللفظ ليحيى- قالا: حدثنا مروان بن
стр. 2558
معاوية عن يزيد -يعني ابن كيسان- عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
ورواه مسلم ٢/ ٦٧١ والنسائي ٤/ ٩٠ وابن ماجَهْ (٥٩٦) وأَبو داود (٣٢٣٤) كلهم من طريق محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان به بلفظ: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله؛ فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
ثانيًا: حديث ابن عباس رواه أَبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) وابن ماجَهْ (١٥٧٥) والنسائي ٤/ ٩٥ وأحمد ١/ ٢٢٩ وابن حبان في "الموارد" (٧٨٨) والحاكم ١/ ٥٣٠ والبيهقي ٤/ ٧٨ كلهم من طريق محمد بن جُحادة قال: سمعت أبا صالح يحدث عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج.
قال الحاكم ١/ ٥٣٠: أَبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به إنما هو باذان ولم يحتج به الشيخان لكن حديثه متداول فيما بين الأئمة، ووجدت له متابعًا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته. اه.
وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٢/ ١٥١: هذا يرويه أَبو صالح الكلبي هو عندهم ضعيف جدًا ... اه.
стр. 2559
وقال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" ١٠/ ٣٤٤ فجزم ابن حبان في "الصحيح" أن اسم أبي صالح هذا ميزان. وقال الحافظ أيضًا: ولم يذكر المزي ميزان هذا؛ لأنه مبني على أن أبا صالح المذكور في الحديث هو مولى أم هانئ كما صرح بذلك في "الأطراف" ويؤيده أن علي بن مسلم الطوسي روى هذا الحديث عن شعيب عن محمد بن حجادة سمعت أبا صالح مولى أم هانئ فذكر الحديث "لعن رسول الله ﷺ " وجزم بكونه مولى أم هانئ الحاكم وعبد الحق في "الأحكام" وابن القطان وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم والله تعالى أعلم. اه.
وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٤٥: رواه أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم من رواية أبي صالح عنه. الجمهور على أن أبا صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف، وأغرب ابن حبان فقال: أَبو صالح راوي هذا الحديث اسمه ميزان، وليس هو مولى أم هانئ. اه.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في "العلل" (٥٤٣٥): سألت أبي عن حديث محمد بن حجادة قال: حدثني أَبو صالح عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور. قلت لأبي: من أَبو صالح هذا؟ قال: أَبو صالح باذام. اه. وباذام أَبو صالح مولى أم هانئ قال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح. اه.
وقال أَبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن معين: ليس به بأس. اه.
стр. 2560
وضعفه عبد الحق، وقال النسائي: ليس بثقة. اه.
وقال الجوزقاني: متروك. اه.
وقد حسن الحديث الترمذي ٢/ ٤.
وقال الألباني في "الضعيفة" ١/ ٣٩٤: هو ضعيف عند جمهور النقاد، ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في "التهذيب" بل كذبه إسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ثم قال: فمن هذا حاله لا يحسن تحسين حديثه كما فعل الترمذي فكيف تصحيحه. اه.
والحديث قوَّاه شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٢٤/ ٣٥٠ فقال: أما أَبو صالح فقد قال يحيى بن سعيد القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولم يتركه شعبة ولا زائدة، فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عرف من عادة شعبة، وترك ابن مهدي له لا يعارض ذلك؛ فإن يحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدي وأمثاله، وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به؛ فأَبو حاتم يقول: مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم. اه. وسبق نقل كلامه بتمامه في الحديث السابق.
والحديث ضعفه الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢١٢ وأعله بأبي صالح مولى أم هانئ فقال: قد ضعفه جمهور العلماء ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في "التهذيب" بل كذبه إسماعيل بن أبي خالد والأزدي ووصمه بعضهم بالتدليس. اه.
стр. 2561
وقال في "تمام المنة" ص ٢٩٧: هذا الحديث على شهرته ضعيف الإسناد فإنه من رواية أبي صالح باذام عن ابن عباس وباذام ضعفه الجمهور بل اتهمه بعضهم بالكذب. اه.
وقد اختلف في إسناده فروي من مسند أبي هريرة. قال الدارقطني في "العلل" ٨/ رقم (١٥١٠) يرويه محمد بن جحادة عن أبي صالح عن أبي هريرة وغيره يرويه عن ابن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس منهم شعبة وعبد الوارث وهو الصواب. اه.
ثالثًا: حديث حسان بن ثابت رواه ابن ماجه (١٥٧٤) والحاكم ١/ ٥٣٠ والبيهقي ٤/ ٧٨ كلهم من طريق سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن بَهمانَ عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه قال: لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور.
قال البوصيري في "الزوائد" ١/ ٢٨٥: إسناد صحيح ورجاله ثقات. اه.
قلت: عبد الله بن عثمان بن خيثم القاري المكي اختلف فيه والذي يظهر أنه لا بأس به؛ لكن شيخه عبد الرحمن بن بهمان حجازي.
قال ابن المديثي: لا نعرفه. اه.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
ووثقه العجلي.
وقال الحافظ في "التقريب" (٣٨١٧): مقبول. اه.
وومز له الذهبي في "الكاشف" (٣١٥٥) بقوله: وثق. اه. وكأنه يشير إلى توثيق ابن حبان والعجلي كما هي طريقته في "الكاشف".
стр. 2562
وأما عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: كان شاعرًا قليل الحديث. اه.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
وذكره ابن منده في "الصحابة" فقال: أدرك النبي ﷺ .
وكذا ذكره العسكري في "الصحابة" في باب من ولد في أيامه ولم يرو عنه شيئًا.
وكذا ذكره الجعابي في "الصحابة" وابن فتحون في "ذيل الاستيعاب". قاله الحافظ في "التهذيب" ٦/ ١٤٨.
قلت: الذي يظهر أنه لقي أبيه وسمع منه.
لهذا قال الحافظ في "التهذيب" ٦/ ١٤٧: كان في زمن أبيه رجلًا وأَبوه القائل:
فمن للقوافي بعد حَسَّان وابنه ... ومَن للمثاني بعد زيد بن ثابت
رابعًا: حديث عائشة رواه ابن ماجه (١٥٧٠) قال: حدثنا إبراهيم ابن سعد الجوهري ثنا روح ثنا بسطام بن مسلم قال: سمعت أبا التَّيَّاح قال: سمعت ابن أبي مليكة عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص في زيارة القبور.
قلت: رجاله ثقات.
لهذا قال البوصيري فى تعليقه على "زوائد ابن ماجه" رجال إسناده ثقات؛ لأن بسطام بن مسلم وثقه ابن معين وأَبو زرعة وأَبو داود وغيرهم، وباقي رجاله على شرط مسلم. اه.
стр. 2563
خامسًا: حديث أم عطية سبق تخريجه في باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز ووجه الدلالة منه: أن في منع النساء من اتباع الجنائز دليل على منعهن من زيارتها.
سادسًا: حديث عبد الله بن عمرو في قصة فاطمة لما رحَّمت على أهل بيت ميتهم، وسبق في باب: منع النساء من اتباع الجنائز ووجه الدلالة مثل الحديث السابق.
سابعًا: حديث أبي ذر رواه الحاكم ١/ ٥٣٣ قال: حدثنا أَبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا موسى ابن داود الضبي ثنا يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد عن أبي مسلم الخولاني عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "زر القبور تذكر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد وموعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك أن يحزنك فإن الحزين في ظل الله يتعرض كل خير".
قال الحاكم عقبه: رواته عن آخرهم ثقات. اه.
وتعقبه الذهبي في "التلخيص" فقال: لكنه منكر، ويعقوب هو القاضي أَبو يوسف حسن الحديث، ويحيى لم يدرك أبا مسلم فهو منقطع أو أن أبا مسلم رواه عن رجل مجهول. اه.
* * *
стр. 2564
باب: ما يكره من النياحة على الميت
٥٨٦ - وعن أبي سعيد الخُدرِيِّ ﵁ قال: لَعَن رسولُ الله ﷺ النائحةَ والمُستَمِعَةَ. أخرجه أَبو داود.
رواه أَبو داود ٣١٢٨ وأحمد ٣/ ٦٥ والبغوي في "شرح السنة" ٥/ ٤٣٩ والبيهقي ٤/ ٦٣ كلهم من طريق محمد بن ربيعة عن محمد ابن الحسين بن عطية عن أبيه عن جده عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
قلت: إسناده ضعيف جدًا. آفته آل عطية العوفي الثلاثة؛ فأما محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي. فقد قال عنة الحسين ابن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة. اه.
وقال أَبو زرعة: لين الحديث. اه.
وقال أَبو حاتم: ضعيف الحديث. اه.
وقال البخاري: لم يصح حديثه ... اه.
وقال أَبو جعفر العقيلي: مضطرب الحفظ ... اه.
وقال ابن حبان: كوفي منكر الحديث جدًا. اه.
وقال الذهبي: ضعفوه ولم يترك. اه.
وأما والده الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي فقد قال أَبو حاتم عنه: ضعيف الحديث. اه.
وقال ابن حبان في "الثقات": أحاديثه ليست بنقية. اه.
стр. 2565
وقال البخاري: ليس بذاك. اه.
وقال ابن حبان: منكر الحديث فلا أدري البلية منه أو من ابنه أو منهما معًا. اه.
وأما والده عطية العوفي فقد سبق الكلام عليه (١).
* * *
٥٨٧ - وعن ﷺ أُمِّ عطيةَ ﵂ قالت: أَخَذَ علينا رسولُ الله ﷺ أن لا نَنُوحَ. متفق عليه.
رواه البخاري (١٣٠٦) ومسلم ٢/ ٦٤٥ والنسائي ٧/ ١٤٩ والبيهقي ٤/ ٦٢ كلهم من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح؛ فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سُلَيم، وأم العلاء، وابنةُ أبي سبرةَ امرأةُ معاذ، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ.
وعند البخاري بلفظ: غير خمس نسوة أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.
ورواه مسلم ٢/ ٦٤٦ وأحمد ٦/ ٤٠٨ والبيهقي ٤/ ٦٢ كلهم من طريق عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... وَلَا﴾
стр. 2566
يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: كان منه النياحة. قالت: فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان؛ فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم؛ فقان رسول الله ﷺ : "إلا آل فلان".
ورواه مسلم ٢/ ٦٤٦ وأحمد ٦/ ٤٥٨ كلاهما من طريق هشام عن حفصة عن أمِ عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة ألا تَنُحْنَ؛ فما وَفَتْ منا غير خمسٍ، منهن أم سليم.
ورواه أَبو داود (٣١٢٧) والبيهقي ٤/ ٦٢ كلاهما من طريق أيوب عن حفصة عن أم عطية بنحوه.
ورواه أَبو داود (٣١٣١) من طريق الحجاج عامل لعمر بن عبد العزيز على الرَّبذة، قال: حدثني أَسيد بن أبي أَسِيد، عن امرأة من المبايعات، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا.
* * *
٥٨٨ - وعن عمر ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "المَيِّتُ يُعذَّب بما نِيحَ عليه". متفق عليه.
رواه البخاري (١٢٩٢) ومسلم ٢/ ٦٣٩ والبيهقي ٤/ ٧١ كلهم من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن عمر به مرفوعًا.
стр. 2567
تنبيه: وقع في نسخة "البلوغ" تحقيق محمد حامد فقي: عن ابن عمر بدل عمر واللفظ نفسه، وهو خطأ والذي يظهر أنه من النساخ، وتم تصويبه من نسخة "البلوغ" تحقيق سمير الزهيري، وهو الموجود في "تلخيص الحبير" ١/ ١٤٧.
* * *
٥٨٩ - ولهما نَحوُه عن المُغيرةِ بن شُعبةَ.
رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم ٢/ ٦٤٣ والبيهقي ٤/ ٧٢ كلهم من طريق سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة قال: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب؛ فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه فإنه يعذَّب، بما نيح عليه يوم القيامة" هذا لفظ مسلم.
وعند البخاري بلفظ: عن المغيرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد؛ من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". سمعت النبي ﷺ يقول: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه".
ورواه مسلم ٢/ ٦٤٤ والبيهقي ٤/ ٧٢ كلاهما من طريق محمد ابن قيس الأسدي عن علي بن ربيعة به بمثله.
وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي مالك الأشعري وأم سلمة وأبي هريرة وعمر بن الخطاب:
стр. 2568
أولًا: حديث عائشة رواه البخاري (١٢٩٩) ومسلم ٢/ ٦٤٤ كلاهما من طريق عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: لما جاء رسول الله ﷺ جاء قَتْلُ ابن حارثة وجعفرِ بن أبي طالب، وعبدِ الله بن رواحة، جلس رسولُ الله ﷺ يُعرف فيه الحزن. قالت: وأنا أنظر من صائر الباب -شق الباب- فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن؛ فأمره أن يذهب فينهاهن؛ فذهب فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن؛ فذهب. ثم أتاه فقال: والله لقد غلبننا يا رسول الله. قالت: فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: "اذهب فاحثِ في أفواههن من التراب" ... الحديث.
ثانيًا: حديث عبد الله بن مسعود رواه البخاري (١٢٩٧ - ١٢٩٨) ومسلم ١/ ٩٩ كلاهما من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشقَّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". واللفظ لمسلم.
ثالثًا: حديث أبي موسى الأشعري رواه البخاري (١٢٩٦) ومسلم ١/ ١٠٠ كلاهما من طريق يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال: حدثني أَبو بردة بن أبي موسى قال: وجع أَبو موسى وجعًا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله؛ فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق. قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
стр. 2569
وروى البزار في "مختصر زوائده على الكتب الستة والمسند" ١/ ٣٤٨ من طريق إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النوح.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٤: فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط وهو ضعيف. اه.
رابعًا: حديث أبي مالك الأشعري رواه مسلم ٢/ ٦٤٤ قال: حدثنا أَبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا أبان بن يزيد (ح) وحدثني إسحاق بن منصور -واللفظ له- أخبرنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى أن زيدًا حدَّثه أن أبا سلَّام حدثه، أن أبا مالك الأشعري حدَّثه؛ أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنُّجوم والنياحة"، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطرانٍ".
خامسًا: حديث أم سلمة رواه مسلم ٢/ ٦٣٥ قال: حدثنا أَبو بكر ابن أبي شيبة وابن نمير وإسحاق بن إبراهيم كلهم عن ابن عيينة قال: ابن نمير حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن عبيد بن عمير قال: قالت أمَّ سلمة: لما مات أَبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربةٍ لأبكينه بكاء يُتحدَّث عنه؛ فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصَّعيد تريد أن تُسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ -
стр. 2570
وقال: "أتريدين أن تُدْخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ " مرتين فكففتُ عن البكاء فلم أبك.
سادسًا: حديث أبي هريرة رواه مسلم ٢/ ٨٢ قال: حدثنا أَبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أَبو معاوية (ح) وحدثنا ابن نمير -واللفظ له- حدثنا أبي ومحمد بن عبيد كُلُّهم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت".
ورواه أحمد ٢/ ٣٧٧ و ٤٤١ و ٤٩٦ من طريق الأعمش به.
ورواه أحمد ٢/ ٤١٥ و ٤٥٥ و ٥٢٦ والترمذي (١٠٠١) وأَبو داود الطيالسي (٢٣٩٥) من طريق المسعودي وشعبة عن علقمة بن مرثد عن أبي الربيع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أربعة من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: الطعن في الأحساب، والنياحة على الميت، والأنواء، والعدوى، جرب بعير فأجرب مئة؛ فمن أجرب البعير الأول".
وروى ابن حبان في "صحيحه" ٣٢٦/ ١ (١٤٦٥) من طريق الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله حدثتني كريمة بنت الحسحاس المزنية قالت: سمعت أبا هريرة وهو في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من الكفر بالله: شق الجيب والنياحة والطعن في النسب".
وروى البزار في "كشف الأستار" ١/ ٣٧٨ (٨٠٠) قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سلمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سويد
стр. 2571
اليمامي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي ليس هم بتاركيها: الفخر في الأنساب، والطعن في الأنساب، والنياحة. تبعث يوم القيامة النائحة إذا لم تتب عليها درع من قطران".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٣ هو في الصحيح باختصار رواه البزار وإسناده حسن. اه.
قلت: مسلم بن إبراهيم إن كان الفراهيدي فهو ثقة.
وأما شيخ البزار وشيخ شيخه لم أجد من ترجم لهم.
قلت: أصل الحديث في مسلم ١/ ٨٢ (٦٧) كما سبق.
سابعًا: حديث عمر بن الخطاب رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧ (٦٦٨٠) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: لما مات أبو بكر بُكي عليه؛ فقال عمر: إن النبي ﷺ قال: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" وأبوا إلا أن يبكوا؛ فقال عمر لهشام بن الوليد: قم فأخرج النساء؛ فقالت عائشة: إني أُخرجك. قال عمر: ادخل فقد أذنت لك. فقال: فدخل. فقالت عائشة: أمخرجي أنت، أي بُنيّ! فقال: أما لك فقد أذنت. قال: فجعل يخرجهن عليه امرأة امرأة وهو يضربهن بالدرة حتى أخرج أُم فروة. فرق بينهن -أو قال: فرق بين النوائح.
قلت: رجاله ثقات رجال الصحيحين، وهو صحيح.
ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد ١/ ٤٧ وإسحاق في "مسنده" كما في "المطالب" (٨٢٠) وقد صححه الحافظ ابن حجر في
стр. 2572
"الفتح" ٥/ ٧٤ وقد علقه البخاري ورواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٣/ ٢٠٨ قال: أخبرنا عثمان بن عمر أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيّب قال: لما توفي أبو بكر ﵁ أقامت عليه عائشة النوح فبلغ عمر؛ فجاء فنهاهن عن النوح على أبي بكر، فأبين أن ينتهين؛ فقال لهشام بن الوليد: أَخرِجْ إليَّ بنتَ أبي قحافة -يعني أم فروة أختَ أبي بكر الصديق- فعلاها بالدرة ضربات، فتفرق النوائح حين سمعن ذلك، وقال: تُردن أن يعذب أبو بكر ببكائكن؟ إن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
قلت: معمر أثبت في الزهري من يونس بن يزيد؛ فالحديث حديثه.
فقد نقل الحافظ ابن حجر في "مقدمة الفتح" ص ٤٤٥ قال الميموني: سئل أحمد من أثبت في الزهري؟ قال: معمر، قيل فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرة.
وقال الأثرم عن أحمد: كاد يجيء بأشياء -يعني منكرة- ورأيته يحمل عليه.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد يقول: في حديث يونس منكرات. أه. انتهى ما نقله الحافظ ابن حجر.
* * *
стр. 2573
باب: جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة
٥٩٠ - وعن أنس ﵁ قال: شهدتُ بِنتًا للنبيِّ ﷺ تُدفَنُ ورسولُ الله ﷺ جالسٌ عندَ القبرِ فرأيتُ عينَيْهِ تَدمَعان. رواه البخاري.
رواه البخاري (١٣٤٢) والبغويُّ في "شرح السنة" ٥/ ٣٩٤ كلاهما من طريق فليح بن سليمان حدثنا هلال بن علي عن أنس ﵁ قال: شهدت بنت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان فقال: "هل فيكم من أحدٍ لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا. قال: "فأنزل في قبرها" فنزل في قبرها فقبرها.
قال ابن مبارك: قال فليح: أراه يعني الذنب. قال أبو عبد الله ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ أي: ليكتسبوا.
وقال البغوي في "شرح السنة" ٥/ ٣٩٥: أَوَّلَ فليح قوله: "لم يقارف" أي: لم يذنب، وقيل: أي لم يقرب أهله، بدليل أنَّه ذكر الليل، والغالب من ذلك الفعل وقوعه بالليل. اه.
وبهذا جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة.
стр. 2574
وقال الحافظ: يقويه أن في رواية ثابت المذكورة في "التاريخ الأوسط" والحاكم في "المستدرك" بلفظ "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة" فتنحى عثمان.
وفي الباب عن أسامة بن زيد وابن عمر وأنس وجابر بن عبد الله وجابر بن عتيك وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد ومحمد بن لبيد: أولًا: حديث أسامة بن زيد رواه البخاري (١٢٨٤) ومسلم ٢/ ٦٣٥ كلاهما من طريق عاصم الأحول عن أبي عثمان النَّهدي عن أسامة بن زيد قال: كُنّا عند النبي ﷺ ؛ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها في الموت؛ فقال: "ارجع إليها، فأخبرها: أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلُّ شيء عنده بأجلٍ مسمَّى؛ فمُرها فلتصبر ولتحتسب" فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها. قال: فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ ابن جبل وانطلقت معهم فرُفع إليه الصَّبيُّ ونفسُه تقعقع كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرُّحماء".
ثانيًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (١٣٠٤) ومسلم ٢/ ٦٣٦ كلاهما من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عباده شكوى له؛ فأتى رسولُ الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود؛ فلما دخل عليه وجده في غشية. فقال: "أقد
стр. 2575
قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله؛ فبكى رسول الله ﷺ ، فلمّا رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" زاد البخاري "وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
ثالثًا: حديث أنس رواه البخاري (١٣٠٣) ومسلم ٤/ ١٨٠٧ كلاهما من طريق ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "وُلِدَ لي الليلة غلام؛ فسميته باسم أبي إبراهيم" ثمَّ دفعه إلى أم سيف امرأة قين، يقال له أبو سيف. فانطلق يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ ؛ فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك، فدعا النبي بالصَّبيِّ فضمه إليه، وقال: ما شاء الله أن يقول؛ فقال: أنس: لقد رأيتُه وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله، فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" هذا لفظ مسلم.
وروى البخاري (٤٤٦٢) قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه؛ فقالت فاطمة ﵍: وا كربَ أباه. فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه مَن جنةُ الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه؛
стр. 2576
فلما دُفن قالت فاطمة ﵍: يا أنسُ أطابت نفوسُكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب.
رابعًا: حديث جابر بن عتيك ﵁ رواه مالك ١/ ٢٣٣ وعنه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٥ وأبو داود (٣١١١) والنسائيُّ ٤/ ١٣ كلهم من طريق مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث وهو جَدُّ عبد الله بن عبد الله بن جابر -أبو أمية- أنَّه أخبره: أن جابر بن عتيك أخبره: أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به. فلم يجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع" فصاح النُّسوة وبكين؛ فجعل جابر يُسَكِّتُهن؛ فقال رسول الله ﷺ : "دعهن؛ فإذا وجب فلا تبكيَنَّ باكية" قالوا: يا رسول الله! وما الوجوب؟ قال: "إذا مات" فقالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد قضيت جهازك؛ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته".
قلت: رجاله ثقات؛ غير أن عتيك بن الحارث بن عتيك الأنصاري المدني لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا غير أن ابن حبان ذكره في "الثقات".
ورمز له الحافظ في "التقريب" (٤٤٤٧) مقبول، أي في المتابعات، والحديث صححه النوويّ في "الخلاصة" ٢/ ١٠٥٦.
خامسًا: حديث جابر بن عبد الله رواه البخاري (١٢٩٣) ومسلم ٣/ ١٩١٧ - ١٩١٨ والنسائيُّ ٤/ ١٣ كلهم من طريق محمَّد بن
стр. 2577
المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: أُصيب أبي يوم أُحد؛ فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني. قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه؛ فقال رسول الله ﷺ : "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه".
سادسًا: حديث أبي هريرة رواه النسائي ٤/ ١٩ وابن ماجه (١٥٨٧) كلاهما من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء أن سلمة بن الأزرق قال: سمعت أبا هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه؛ فقام عمر ينهاهُن ويطردهُن فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب".
قلت: في إسناده سلمة بن الأزرق حجازي.
قال ابن القطان: لا يعرف حاله ولا أعرف أحدًا من المصنفين في كتب الرجال ذكره. اه.
ورمز له الحافظ في "التقريب" (٢٤٨٣) مقبول. اه. لكن للحديث طريق آخر فقد رواه ابن ماجه (١٥٨٧) من طريق محمَّد ابن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة به، ولم يذكر سلمة بن الأزرق؛ فإن هذا الإسناد محفوظ فهو متصل لأبي محمَّد بن عمرو مات سنة (١٢٠) وله نيف وثمانون أو أكثر، ومات أبو هريرة سنة (٥٨) أو (٥٩) هـ فيكون أدرك ما يقارب خمس عشرة سنة فإمكان السماع وارد، والله أعلم.
стр. 2578
وروى ابن حبَّان كما في "موارد الظمآن" (١٨٩) و (٧٤٣) والحاكم ١/ ٥٣٨ كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما توفي ابن رسول الله ﷺ صاح أسامة بن زيد فقال رسول الله ﷺ : "ليس هذا منا ليس للصارخ حظ. القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يغضب الرب".
قلت: رجاله لا بأس بهم ومحمد بن عمرو بن علقمة سبق الكلام عليه (١).
سابعًا: حديث أسماء بنت يزيد رواه ابن ماجه (١٥٨٩) قال: حدثنا سويد بن سعيد ثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال له المعزي إما أبو بكر وإما عمر: أنت أحق من عظم الله حقه، قال رسول الله ﷺ : "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب. لولا أنَّه وعد صادق وموعود جامع، وأن الآخر تابع للأول لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل مما وجدنا، وإنا بك لمحزونون". قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ١/ ٢٨٣: إسناده حسن. اه.
قلت: في إسناده شهر بن حوشب سبق الكلام عليه (٢).
стр. 2579
وأما سويد بن سعيد إذا حدث من حفظه فهو ضعيف سيئ الحفظ، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح.
وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٣١١: هذا إسناد حسن في الشواهد. اه.
ثامنًا: حديث محمود بن لبيد رواه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٤٢ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ... وفيه: ودمعت عيناه فقالوا: يا رسول الله تبكي وأنت رسول الله. قال: "إنما أنا بشر تدمع العين ويخشع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون".
قلت: رجاله ثقات وإسناده قوي.
قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٣١٠: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، ومحمود بن لبيد صحابي صغير. اه.
* * *
стр. 2580
باب: ما جاء في الدفن بالليل
٥٩١ - وعن جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَدْفِنُوا موتاكُم بالليلِ إلا أن تُضْطَرُّوا" أخرجه ابن ماجه، وأصله في مسلم، لكن قال: زَجَرَ أن يُقبَرَ بالليلِ حتَّى يُصلِّيَ عليه.
رواه ابن ماجه (١٥٢١) قال: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي ثنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد المكي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا".
قلت: رجاله ثقات. غير إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي.
قال أحمد: متروك الحديث. اه.
وقال ابن معين: ليس بثقة، وليس بشيء. اه.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث. اه.
وقال البخاري: سكتوا عنه. اه.
وقال النسائي: متروك الحديث. اه.
وقال ابن المديني: ضعيف لا أكتب عنه شيئًا. اه.
وقال الدارقطني: منكر الحديث. اه.
وقال الفلاس: كان عبد الرحمن ويحيى لا يحدثان عنه. اه.
стр. 2581
تنبيه: إبراهيم بن يزيد المكي له ترجمة في "التهذيب" وفي بعض النُّسخ لم يذكر أنَّه من رجال ابن ماجه، والصواب أنَّه من رجال ابن ماجه، وأصل الحديث في مسلم بغير هذا اللفظ.
فقد رواه مسلم ١/ ٦٥١ والنسائي ٤/ ٣٣ كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يحدِّث، أن النبي ﷺ خطب يومًا؛ فذكر رجلًا من أصحابه قبض في كفن غير طائل وقبر ليلًا؛ فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرَّجل حتى يُصلِّيَ عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : "إذا كفَّن أحدُكم أخاه فليحَسِّن كفنَه".
تنبيه: في هذا الحديث التصريح بأن سبب الزَّجر عن الدفن بالليل إذا دفن قبل الصلاة عليه كما قال النوويّ في "الخلاصة" ٢/ ٩٧٢ وقرر في "شرح مسلم" أن العلة هي من أجل ترك الصلاة أو رداءة الكفن.
وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي ذر وابن عباس، وأثر في دفن فاطمة بنت النبي ﷺ وأثر عن أبي هريرة:
أولًا: حديث عائشة رواه البخاري (١٣٨٧) قال: حدثنا معلي بن أسد حدثنا وهيب عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفِّنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عِمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم
стр. 2582
الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كانت يُمرَّضُ فيه، به رَدعٌ من زعفران. فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما. قلت: إن هذا خَلَقٌ. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلَةِ؛ فلم يتوفَّ حتى أمسى من ليلةِ الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح.
وروى ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ٣٠٤ قال: أخبرنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا صالح بن أبي الأخضر أخبرنا الزهري حدثني رجل من بني غنم: أنهم سمعوا صريف المساحي ورسول الله ﷺ يدفن ليلًا.
وروى أيضًا ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ٣٠٤ قال: أخبرنا وكيع ابن الجراح عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري قال: دفن النبي ﷺ ليلًا. فقالت بنو ليث: كُنا نسمع صريف المساحي ورسول الله ﷺ يدفن بالليل.
قلت: الإسناد الأوّل فيه صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام بن عبد الملك تكلم فيه.
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأحمد: صالح يحتج به؟ قال: يستدل به ويعتبر به. اه.
وقال ابن معين: ليس بالقوي. اه.
وقال مرة: ضعيف وزمعة بن صالح أصلح منه. اهـ.
стр. 2583
قال سعيد بن عمرو البردعي: قلت لأبي زرعة: زمعة بن صالح وصالح بن أبي الأخضر واهيان. قال: أما زمعة فأحاديثه عن الزهري كأنه يقول مناكير، وأما صالح فعنده عن الزهري. كتابان أحدهما عرض والآخر مناولة فاختلطا جميعًا وكان لا يعرف هذا من هذا. اه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ضعيف الحديث. اه.
وقال البخاري وأبو حاتم: لين. اه.
وقال أيضًا البخاري والنسائيُّ: ضعيف. اه.
وقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره.
وفي الإسناد أيضًا رجل لم يسم وهو رجل من بني غنم، وأيضًا محمَّد بن عبد الله الأنصاري لم أميزه.
وأما الإسناد الثاني فهو مرسل وفيه أيضًا صالح بن أبي الأخضر.
وله طرق أخرى فقد رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٢٠ عن ابن جريج وغيره عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت: ما شعرنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل.
وهذا إسناد رجاله ثقات.
ورواه البيهقي ٣/ ٤٠٩ من طريق يونس بن بكير عن أبي إسحاق قال: حدثتني فاطمة بنت محمَّد امرأة عبد الله بن أبي بكر، قال
стр. 2584
ابن إسحاق: وأدخلتني عليها سمعته منها عن عمرة عن عائشة أنها قالت: والله ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء.
قلت: رجاله لا بأس بهم غير أن فاطمة بنت محمَّد لم أجد لها ترجمة.
ورواه ابن المنذر في "الأوسط" ٥/ ٤٥٩ من طريق محمَّد بن إسحاق عن فاطمة بنت محمَّد عن عمرة به بنحوه.
ثانيًا: حديث جابر رواه أبو داود (٣١٦٤) والحاكم ١/ ٥٢٣ والبيهقيُّ ٤/ ٥٣ كلهم من طريق محمَّد بن مسلم الطائفي قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله قال: رأى ناسٌ نارًا في المقبرة فأتوها؛ فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: "ناولوني صاحبكم" فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. هذا لفظ أبو داود.
وعند البيهقي: وإذا هو الرجل الأَوّاه الذي يرفع صوته بالذكر.
قلت: رجاله ثقات، ومحمد بن مسلم بن سوسن الطائفي من رجال مسلم والأربعة. اختلف فيه، والذي يظهر أنَّه لا بأس به ويخطئ أحيانًا.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أضعف حديثه. اه.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثقة لا بأس به وابن عيينة أتيت منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه
стр. 2585
فليس به بأس وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار ومحمد بن مسلم أحب إلى من داود العطار في عمرو. اه.
وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. اه.
وقال عبد الرزاق: ما كان أعجب محمَّد بن مسلم إلى الثوري. اه.
وقال البخاري عن ابن مهدي: كتبه صحاح. اه.
وقال أبو داود: ليس به بأس. اه.
قال الحاكم ١/ ٥٢٣: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اه.
ووافقه الذهبي، وفيما قالاه نظر؛ لأنَّ محمَّد بن مسلم الطائفي روى له مسلم في الشواهد كذا نص الذهبي في "الميزان" ٤/ ٤٠ في ترجمته.
وأبعد النوويّ فقال في "المجموع" ٥/ ٣٠٢: رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. اه.
وقال في "الخلاصة" ٢/ ٩٧٠: رواه أبو داود على شرط "الصحيحين".اه. وفيه نظر؛ لأن البخاري إنما روى عنه تعليقًا كما ذكره المزي في "تحفة الأشراف" ٢/ ٢٦٢ رقم (٢٥٦٣).
ثالثًا: حديث أبي ذر رواه الحاكم ١/ ٥٢٣ قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمَّد بن عقبة الشيباني حدثني أبي ثنا وكيع عن شعبة (ح) وأخبر الحسين بن علي ثنا محمَّد بن إسحاق ثنا بندار ثنا محمَّد ثنا شعبة عن أبي يونس وهو حاتم بن أبي صغيرة قال: سمعت رجلًا
стр. 2586
كان بمكة وكان روميًا -وفي حديث شعبة اسمه وقاص- يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت وهو يقول في دعائه: أوه أوه، فقال رسول الله ﷺ : "إنه لأوَّاه"، قال أبو ذر: فخرجت ذات ليلة فإذا النبي ﷺ في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه المصباح.
ورواه أبو يعلى كما في "المطالب" (٨٢٢) قال: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن شعبة عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلًا بمكة كان أصله روميًا يحدث عن أبي ذر ﵁ قال: كان رجل يطوف بالبيت يقول: أوه .. أوه في دعائه. قال: فخرجتُ ليلة فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلًا على المصباح.
قلت: رجاله ثقات، غير أنَّه في إسناده رجل لم يسم.
لهذا قال الحاكم: إسناد معضل. اه.
ووافقه الذهبي.
رابعًا: حديث ابن عباس رواه الترمذي (١٠٥٧) قال: حدثني أبو كريب ومحمد بن عمرو السواق قالا: حدثنا يحيى بن اليمان عن المنهال بن خليفة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج، فأخذه من قِبَلِ القِبلة وقال: "رحمك الله إن كنت لأواهًا تلاّءً للقرآن"، وكبر عليه أربعًا.
قال الترمذي ٤/ ١٤: حديث حسن. اه.
стр. 2587
قلت: في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف كما سبق (١)، لكن لعله يحسن بشواهد، ولعل هذا هو مغزى الترمذي.
خامسًا: أثر دفن فاطمة بنت رسول الله ﷺ رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٢١ عن ابن جريج وعمرو بن دينار: أن حسن بن محمَّد أخبره أن فاطمة بنت النبي ﷺ دفنت بالليل.
قلت: رجاله ثقات، والحسن بن محمَّد هو الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمَّد المديني وأبوه يعرف بابن الحنفية.
ورواه ابن المنذر في "الأوسط" ٥/ ٤٦٠ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن عليًا دفن فاطمة بنت النبي ﷺ ليلًا.
قلت: إسناده قوي.
ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٦ قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن معمر به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦ قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن حسن بن محمَّد: أن فاطمة دفنت ليلًا.
سادسًا: أثر أبي هريرة رواه البيهقي ٢/ ٤٥٩ قال: أنبأ أبو الحسن ابن الفضل القطان ثنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد العزيز وحرملة قالا: ثنا ابن وهب أخبرني مخرمة عن أبيه عن
стр. 2588
نافع: أنَّه صلى مع أبي هريرة ﵁ على عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين صلوا الصبح.
قلت: مخرمة بن بكير بن عبد الله الأشج اختلف في حاله وتكلم في سماعه من أبيه. قال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: ثقة ولم يسمع من أبيه شيئًا إنما يروي من كتاب أبيه. اه.
وقال ابن أبي خيثمة قلت لابن معين: مخرمة بن بكير، فقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه منه. اه.
وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه. اه.
وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر. اه.
وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة؛ فقلت: حدثك أبوك. فقال: لم أدرك أبي هذه كتبه. اه.
وقال النسائي: ليس به بأس. اه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث. اه.
وقال ابن عديّ: عند ابن وهب ومعن وغيرهما عن مخرمة أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنَّه لا بأس به. اه.
* * *
стр. 2589
باب: ما جاء في صنع الطعام لأهل الميت
٥٩٢ - وعن عبدِ الله بن جَعفرٍ ﵄ قال: لَمَّا جاءَ نَعيُ جَعْفَرٍ حينَ قُتِل، قال النبيُّ ﷺ : "اصنَعُوا لآل جَعفرٍ طعامًا؛ فقد أتاهُم ما يَشغَلُهُم" أخرجه الخمسة إلا النسائي.
رواه أبو داود (٣١٣٢) والترمذي (٩٩٨) وابن ماجه (١٦١٠) وأحمد ١/ ٢٠٥ والبغويُّ في "شرح السنة" ٥/ ٤٦٠ والحاكم ١/ ٥٢٧ كلهم من طريق جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر به مرفوعًا.
قلت: رجاله ثقات غير أن خالد بن سارة ويقال: ابن عبيد بن سارة المخزومي المكي لم أجد من وثقه غير أن ابن حبَّان ذكره في "الثقات"، لكن مثله يقبل حديثه حيث إن الترمذي قوَّى حديثه فقال ٣/ ٣٨٠: هذا حديث حسن صحيح. اه.
وأيضًا روى عنه عطاء بن أبي رباح.
ولهذا قال الذهبي في "الميزان" ١/ ٦٣٠: ما وثق، لكن يكفيه أنَّه روى عنه أيضًا عطاء. اه.
وقال في "الكاشف" (١٣٢٣) وثق. اه.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٤٦: صححه ابن السكن. اه.
стр. 2590
وقال الحاكم ١/ ٥٢٨: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اه.
ووافقه الذهبي.
ولما نقل ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٤٠٣ قول عبد الحق: جعفر ثقة .. تعقبه فقال: كذا قال ولم يبين لم لا يصح، وذلك أن خالد بن سارة لا تعرف حاله، وروى عنه ابنه وعطاء بن أبي رباح قاله البخاري، وأهمله ابن أبي حاتم كسائر من يجهل أحوالهم، ولا أعلم له إلا حديثان هذا أحدهما. اه.
وفي الباب عن أسماء وأثر عائشة وعمر بن الخطّاب:
أولًا: حديث أسماء رواه ابن ماجه (١٦١١) قال: حدثنا يحيى ابن خلف أبو سلمة قال: ثنا عبد الأعلى عن محمَّد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى الجرار قالت: حدثتني أم عون ابنة محمَّد بن جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم؛ فاصنعوا لهم طعامًا" قال عبد الله: فما زالت سُنَّة حتى كان حديثًا فترك.
قلت: في إسناده أم عيسى الجزار ويقال: الخزاعية لا يعرف حالها كما قال الحافظ في "التقريب" (٨٧٥٤)، وأما أم عون بنت محمَّد بن جعفر بن أبي طالب فقد رمز لها الحافظ في "التقريب" (٨٧٥٠) مقبولة. اه. وسبق الكلام على حالها.
стр. 2591
ثانيًا: أثر عائشة رواه البخاري (٥٤١٧) ومسلم ٤/ ١٧٣٦ كلاهما من طريق الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ : أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثمَّ تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثمَّ صنع ثريد؛ فَصُبَّت التلبينة عليها ثمَّ قالت: كلن منها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن".
ثالثًا: أثر عمر بن الخطّاب رواه أحمد بن منيع كما في "المطالب" ٨٣٣ قال: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: كنت أسمع عمر ﵁ يقول: لا يدخل أحد من قريش في باب إلا دخل معه ناس، فلا أدري ما تأويل قوله، حتى طعن عمر ﵁ فأمر صهيبًا ﵁ أن يصلي بالناس ثلاثًا، وأمر أن يجعل للناس طعامًا، فلما رجعوا من الجنازة جاؤوا وقد وُضعت الموائد؛ فأمسك الناس عنها للحزن الذي هم فيه، فجاء العباس بن عبد المطلب ﵁ فقال: يا أيها الناس قد مات ... الحديث.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما سبق (١).
* * *
стр. 2592
باب: ما يقال عند زيارة القبور
٥٩٣ - وعن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه ﵄ قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعَلِّمَهُم إذا خرجوا إلى المقابرِ أن يقولوا: "السلامُ على أهلِ الديارِ مِن المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحقونَ، أسألُ الله لنا ولكُم العافيةَ". رواه مسلم.
رواه مسلم ٢/ ٦٧١ وابن ماجه (١٥٤٧) وأحمد ٥/ ٣٥٣ والنسائيُّ ٤/ ٩٤ والبيهقيُّ ٤/ ٧٩ والبغويُّ في "شرح السنة" ٥/ ٤٦٨ كلهم من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: -في رواية أبي بكر-: السلام على أهل الديار -وفي رواية زهير-: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية هذا لفظ مسلم.
وفي رواية أحمد: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون -قال معاوية في حديثه: أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية (١).
стр. 2593
٥٩٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بقُبورِ المدينةِ، فأقبلَ عليهم بوجهِهِ فقال: "السلامُ عليكم يا أهلَ القبورِ، يَغفِرُ اللهُ لنا ولكُم، أنتُم سَلَفُنا ونحن بالأثَرِ" رواه الترمذيُّ وقال: حسن.
رواه الترمذي (١٠٥٣) وتفرد به قال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمَّد بن الصَّلت عن أبي كُدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر".
قال الترمذي ٤/ ٩: حديث ابن عباس حديث حسن غريب، وأبو كُدينة اسمه يحيى بن المُهلب وأبو ظبيان اسمه حصين بن جُندُب. اه.
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان تكلم فيه.
قال سفيان: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عنه شيئًا قط. اه.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بذاك وقد روى عنه الناس. اه.
قال ابن معين: ضعيف الحديث. اه.
وروي عنه أنَّه وثقه.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. اه.
стр. 2594
وقال النسائي: ليس بالقوي ضعيف. اه.
وقال الدارقطني: ضعيف ولكن لا يترك. اه.
وقد تكلم في روايته عن أبيه قال ابن حبَّان: كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له فربما رفع المراسيل وأسند الموقوف وأبوه ثقة. اه.
وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة:
أولًا: حديث أبي هريرة رواه مسلم ١/ ٢١٨ قال: حدثنا يحيى بن أيوب وسريح بن يونس وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل بن جعفر قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد".
ورواه أبو داود (٣٢٣٧) وأحمد ٢/ ٣٠٠ و ٣٧٥ و ٤٠٨ من طريق العلاء به.
ثانيًا: حديث عائشة رواه مسلم ٢/ ٦٦٩ والنسائيُّ ٤/ ٩٣ كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك وهو ابن أبي نمر عن عطاء ابن يسار عن عائشة؛ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وأتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
стр. 2595
ورواه مسلم ٢/ ٦٦٩ - ٦٧١ من طريق عبد الله بن كثير بن عبد المطلب؛ أنَّه سمع محمَّد بن قيس يقول: سمعت عائشة تحدث؛ فقالت: ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وعني. قلنا: بلى ... وفيه قصة خروج النبي ﷺ إلى البقيع وفيه قال الرسول ﷺ : "إنَّ ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم" قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السَّلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون".
* * *