ثانيًا: أثر عائشة رواه البخاري (٥٤١٧) ومسلم ٤/ ١٧٣٦ كلاهما من طريق الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ : أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثمَّ تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثمَّ صنع ثريد؛ فَصُبَّت التلبينة عليها ثمَّ قالت: كلن منها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن".
ثالثًا: أثر عمر بن الخطّاب رواه أحمد بن منيع كما في "المطالب" ٨٣٣ قال: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: كنت أسمع عمر ﵁ يقول: لا يدخل أحد من قريش في باب إلا دخل معه ناس، فلا أدري ما تأويل قوله، حتى طعن عمر ﵁ فأمر صهيبًا ﵁ أن يصلي بالناس ثلاثًا، وأمر أن يجعل للناس طعامًا، فلما رجعوا من الجنازة جاؤوا وقد وُضعت الموائد؛ فأمسك الناس عنها للحزن الذي هم فيه، فجاء العباس بن عبد المطلب ﵁ فقال: يا أيها الناس قد مات ... الحديث.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما سبق (١).
* * *
стр. 2592
باب: ما يقال عند زيارة القبور
٥٩٣ - وعن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه ﵄ قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعَلِّمَهُم إذا خرجوا إلى المقابرِ أن يقولوا: "السلامُ على أهلِ الديارِ مِن المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحقونَ، أسألُ الله لنا ولكُم العافيةَ". رواه مسلم.
رواه مسلم ٢/ ٦٧١ وابن ماجه (١٥٤٧) وأحمد ٥/ ٣٥٣ والنسائيُّ ٤/ ٩٤ والبيهقيُّ ٤/ ٧٩ والبغويُّ في "شرح السنة" ٥/ ٤٦٨ كلهم من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: -في رواية أبي بكر-: السلام على أهل الديار -وفي رواية زهير-: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية هذا لفظ مسلم.
وفي رواية أحمد: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون -قال معاوية في حديثه: أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية (١).
стр. 2593
٥٩٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بقُبورِ المدينةِ، فأقبلَ عليهم بوجهِهِ فقال: "السلامُ عليكم يا أهلَ القبورِ، يَغفِرُ اللهُ لنا ولكُم، أنتُم سَلَفُنا ونحن بالأثَرِ" رواه الترمذيُّ وقال: حسن.
رواه الترمذي (١٠٥٣) وتفرد به قال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمَّد بن الصَّلت عن أبي كُدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر".
قال الترمذي ٤/ ٩: حديث ابن عباس حديث حسن غريب، وأبو كُدينة اسمه يحيى بن المُهلب وأبو ظبيان اسمه حصين بن جُندُب. اه.
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان تكلم فيه.
قال سفيان: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عنه شيئًا قط. اه.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بذاك وقد روى عنه الناس. اه.
قال ابن معين: ضعيف الحديث. اه.
وروي عنه أنَّه وثقه.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. اه.
стр. 2594
وقال النسائي: ليس بالقوي ضعيف. اه.
وقال الدارقطني: ضعيف ولكن لا يترك. اه.
وقد تكلم في روايته عن أبيه قال ابن حبَّان: كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له فربما رفع المراسيل وأسند الموقوف وأبوه ثقة. اه.
وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة:
أولًا: حديث أبي هريرة رواه مسلم ١/ ٢١٨ قال: حدثنا يحيى بن أيوب وسريح بن يونس وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل بن جعفر قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد".
ورواه أبو داود (٣٢٣٧) وأحمد ٢/ ٣٠٠ و ٣٧٥ و ٤٠٨ من طريق العلاء به.
ثانيًا: حديث عائشة رواه مسلم ٢/ ٦٦٩ والنسائيُّ ٤/ ٩٣ كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك وهو ابن أبي نمر عن عطاء ابن يسار عن عائشة؛ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وأتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
стр. 2595
ورواه مسلم ٢/ ٦٦٩ - ٦٧١ من طريق عبد الله بن كثير بن عبد المطلب؛ أنَّه سمع محمَّد بن قيس يقول: سمعت عائشة تحدث؛ فقالت: ألا أحدثكم عن النبي ﷺ وعني. قلنا: بلى ... وفيه قصة خروج النبي ﷺ إلى البقيع وفيه قال الرسول ﷺ : "إنَّ ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم" قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السَّلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون".
* * *
стр. 2596
باب: ما جاء في النهي عن سب الأموات
٥٩٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمواتَ فإنَّهم قد أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا" رواه البخاري، وروى الترمذي عن المغيرة نحوه لكن قال: "فَتَؤذُوا الأحياءَ".
رواه البخاري (١٣٩٣) والنسائيُّ ٤/ ٥٣ وأحمد ٦/ ١٨٠ والبيهقيُّ ٤/ ٧٥ كلهم من طريق الأعمش عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا".
قال البخاري: ورواه عبد الله بن عبد القُدّوس ومحمد بن أنس عن الأعمش.
تابعه علي بن الجعد وابن عرعرة وابن أبي عديّ عن شعبة. اه.
وقد اختلف في سماع مجاهد من عائشة فجرم يحيى بن معين وأبو حاتم ويحيى بن سعيد وشعبة بأنّه لم يسمع من عائشة، وخالفهم ابن المديني فقال: لا أنكر أن يكون مجاهد يلقى جماعة من الصحابة وقد سمع من عائشة. اه.
لهذا تبع البخاري شيخه ابن المديني فأخرج حديثه عنها، قال العلائي في "جامع التحصيل" ص ٢٧٣: حديثه عنها في "الصحيحين" وقد صرح في غير حديث بسماعه منها. اه.
стр. 2597
أما حديث المغيرة فقد رواه الترمذي (١٩٨٣) وابن حبَّان في "الموارد" (١٩٨٧) والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٢٥) كلهم من طريق أبي داود الحفري قال: حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة أنَّه سمع المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
وعند ابن حبَّان قال: الملائي وأبو داود الحفري به.
وعند أحمد ٤/ ٢٥٢ من طريق وكيع ثنا سفيان به.
ورواه أيضًا ٤/ ٢٥٢ والطبراني في "الكبير" ٢٠/ ٤٢٠ من طريق أبي نعيم ثنا سفيان به.
ورواه أيضًا ٤/ ٢٥٢ من طريق عبد الرحمن ثنا سفيان عن زياد ابن علاقة قال: سمعت رجلًا عند المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٧٦: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اه.
قلت: لكن اختلف في إسناده.
قال الترمذي ٦/ ٢٠٢ وقد اختلف أصحاب سُفيان في هذا الحديث فروى بعضهم مثل رواية الحفري، وروى بعضهم عن سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت رجلًا يحدث عند المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ نحوه. اه.
وقال ابن عبد الهادي في "المحرر" ١/ ١٣٣ وفي سنده اختلاف. اه.
стр. 2598
وفي الباب عن ابن عباس وصخر بن وداعة الغامدي وعائشة وابن عمر:
أولًا: حديث ابن عباس رواه النسائي ٨/ ٣٣ قال: أخبرنا أحمد ابن سليمان قال: أنبأنا عبيد الله عن إسرائيل عن عبد الأعلى أنَّه سمع سعيد بن جبير يقول: أخبرني ابن عباس: أن رجلًا وقع في أبٍ كان له في الجاهلية؛ فلطمه العباس فجاء قومه؛ فقالوا: ليلطمنه كما لطمه؛ فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فصعد المنبر فقال: "أيها الناس أيُّ أهلِ الأرض تعلمون أكرمُ على الله ؟ " فقالوا: أنت فقال: "إن العباس مني وأنا منه، لا تُسُبُّوا موتانا فتؤذوا أحياءنا" فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك استغفر لنا.
قلت: في إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي. قال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه، وكان يحيى يحدثنا عنه. اه.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضعيف الحديث. اه.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ربما رفع الحديث وربما وقفه. اه.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي. اه.
وكذا قال النسائي وزاد. ويكتب حديثه. اه.
وقال ابن عديّ: يحدث بأشياء لا يتابع عليها، وقد حدث عنه الثقات. اه.
стр. 2599
وقال ابن معين: ليس بذاك القوي. اه.
وقال العقيلي: تركه ابن مهدي والقطان. اه.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي عندهم ... أه.
ثانيًا: حديث صخر بن وداعة رواه الطبراني في "الكبير" ٨/ رقم (٧٢٧٨) وفي "الصغير" ١/ ٢١٢ قال: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمَّد بن يوسف الفريابي ثنا سفيان بن عيينة عن يعلي بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر وقد أدرك النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
ورواه ابن عديّ في "الكامل" ٤/ ٢٥٥ من طريق عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم ثنا الفريابي عن سفيان الثوري عن شعبة عن يعلي بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي؛ أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
قال ابن عديّ: ويروي شعبة هذا الحديث عن الأعمش عن مجاهد عن عائشة عن النبي ﷺ فأحسن ظننا بابن أبي مريم أنَّه دخل له في حديث إن لم يكن تعمد وإنما الإسناد: "بارك لأمتي في بكورها".
وقال عن عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم مصري يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل، وقال: يحدث بالأباطيل. اه.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٧٦: فيه عبد الله بن محمَّد ابن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف. اه.
стр. 2600
ثالثًا: حديث عائشة رواه أبو داود الطيالسي رقم (٣٤٩٤) قال: حدثنا إياس بن أبي تميمة عن عطاء: أن رجلًا ذكر عند عائشة فلعنته أو سبته فقيل لها: إنه قد مات؛ فقالت: أستغفر الله له؛ فقيل لها: يا أم المؤمنين لعنتيه ثمَّ استغفرت له؛ فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير".
قلت: رجاله ثقات، وإياس بن أبي تميمة فيروز أبو مخلد البصري وثقه ابن معين وأحمد وأبو حاتم.
قال العجلوني في "كشف الخفاء" ١/ ١٠٦: إسناده جيد. اه.
وروى أبو داود (٤٨٩٩) وقال: حدثنا زهير بن حرب ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه".
ورواه الترمذي (٣٨٩٢) والدارميُّ ٢/ ٥٩ والبيهقيُّ ٧/ ٤٦٨ كلهم من طريق محمَّد بن يوسف الفريابي أخبرنا سفيان عن هشام به وليس فيه "ولا تقعوا فيه".
قلت: رجاله ثقات، لكن أعل بالإرسال.
قال الترمذي ٩/ ٣٩٩: هذا حديث حسن غريب وصحيح من حديث الثوري، وروي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا. اه.
رابعًا: حديث ابن عمر رواه أبو داود (٤٩٠٠) والترمذي (١٠٢٩) والحاكم ١/ ٥٤٢ والبيهقيُّ ٤/ ٧٥ وابن حبان في "الموارد" (١٩٨٦)
стр. 2601
كلهم من طريق محمَّد بن العلاء بن كريب حدثنا معاوية بن هشام عن عمران بن أنس عن عطاء عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم".
قال الحاكم ١/ ٥٤٢: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اه.
ووافقه الذهبي.
قلت: في إسناده عمران بن أنس المكي.
قال الترمذي ٣/ ٣٩٥: هذا حديث غريب، وسمعت محمدًا يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث. اه.
وقال العقيلي في "الضعفاء" ٣/ ٢٩٦: لا يتابع على حديثه. اه.
وترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" ٦/ ٤٢٣، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٢٩٣ ولم يوردا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
والحديث ذكره عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" وسكت عنه.
وتعقبه ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٤/ ٢١٢ - ٢١٣ فقال: كذا ذكره مسكوتًا عنه، وهو إنما يرويه معاوية بن هشام عن عمران بن أنس المكي عن عطاء. وعمران بن أنس أبو أنس مكي أهمله ابن أبي حاتم؛ كأنه لم يعرف حاله، وذكره البخاري بحديث عن عائشة ثمَّ قال: لا يتابع عليه، وذكره الترمذي في "جامعه" عن البخاري أنَّه قال: عمران بن أنس المكي منكر الحديث وهو
стр. 2602
القائل: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه، وقد كنت ظننت أنَّه خفى على أبي محمَّد أمر عمران بن أنس هذا واختلط عليه بعمران بن أبي أنس البصري فإذا به لما ذكر الحديث في كتابه "الكبير" اتبعه ما ذكر الترمذي عن البخاري؛ فلا أدري كيف سكت عنه هنا، وهو من أحاديث أحكام التكليف فاعلمه. اه.
وقال النوويّ في "الأذكار" ص ١٤٠ - ١٤١ و"الخلاصة" ٢/ ٩٤٢: رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف. ضعفه الترمذي. اه.
خامسًا: أثر عبد الله بن عمرو رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٦٧ قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: ساب الميت كالمشرف على التهلكة.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي ظاهره الصحة.
* * *
стр. 2603
كتاب الزكاة
стр. 2604
باب: ما جاء في وجوب الزكاة
٥٩٦ - وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليمنِ، فذكر الحديثَ، وفيه: "أن اللهَ قد افْتَرَضَ عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخَذُ مِن أغنيائِهِم فَتُرَدُّ في فُقرائِهِم". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
رواه البخاري (١٣٩٥) ومسلم ١/ ٥١ والترمذي (٦٢٥) وأبو داود (١٥٨٤) والبيهقيُّ ٤/ ١٠١ والدارقطني ٢/ ١٣٦ والطبراني في "الكبير" ١١/ ٣٣٧ والبغوي في "شرح السنة" ٥/ ٤٧٢ كلهم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ؛ فإذا عرفوا الله؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم؛ فإذا فعلوا؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم؛ فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم".
قال الترمذي ٢/ ٢٠٥: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. اه.
وللحديث طرق أخرى.
стр. 2605
وفي الباب عن أبي ذر وابن عمر وأبي هريرة وجابر وابن مسعود وأثر عن ابن عمر: أولًا: حديث أبي ذر رواه البخاري (١٤٦٠) ومسلم ٢/ ٦٨٦ وابن ماجه (١٧٨٥) كلهم من طريق الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة؛ فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة"، قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا -من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله- وقليل ما هم. ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أُخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضي بين الناس" هذا لفظ مسلم.
وعند البخاري بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "والذي لا إله غيره -أو كما حلف- ما من رجل تكون له إبل ... " بنحوه.
ثانيًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (٢٥) ومسلم ١/ ٥٣ كلاهما من طريق شعبة عن واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
стр. 2606
ورواه أحمد ٢/ ٩٨، ١٣٧، ١٥٦ والنسائي ٥/ ٢٨ وابن خزيمة ٤/ ١٢ كلهم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله تعالى له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان فيلزمه أو يطوقه. قال: يقول: أنا كنزك، أنا كنزك".
قلت: إسناده قوي ظاهره الصحة.
ثالثًا: حديث أبي هريرة رواه البخاري (١٣٩٩) و (١٤٠٠) و (٧٢٨٤، ٧٢٨٥) ومسلم ١/ ٥١ كلاهما من طريق الزُّهري قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطّاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر ابن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنَّه الحق.
وروى البخاري (١٤٠٣) قال: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 2607
رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة. ثمَّ يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثمَّ يقول: أنا مالك. أنا كنزك. ثمَّ تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠] ".
وروى مسلم ٢/ ٦٨٠ - ٦٨٢ قال: حدثني سويد بن سعيد حدثنا حفص -يعني ابن ميسرة الصنعاني- عن زيد بن أسلم؛ أن أبا صالح ذكوان أخبره أنَّه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار، فأحميَ عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره. كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقضَى بين العباد فيُرَى سبيله؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يَفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدّ عليه أُخراها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضَى بين العباد فيُرَى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها ... ".
ورواه مسلم ٢/ ٦٨٢ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب كنز لا يؤدي
стр. 2608
زكاته إلا أحمى عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثمَّ يُرَى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها ... " فذكر الحديث بطوله.
رابعًا: حديث جابر بن عبد الله رواه مسلم ٢/ ٦٨٥ قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أُقعد لها يوم القيامة بقاعٍ قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها. ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن". قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء، وحملٌ عليها في سبيل الله، ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه، ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا رأى أنَّه لا بد منه أُدخل يده في فيه فجعل يَقضَمُها كما يقضَمُ الفحلُ".
ورواه أحمد ٣/ ٣٢١ والنسائي ٥/ ١٨ وعبد الرزاق ٤/ ٢٧، ٢٩ وابن الجارود (١٢٣) والبيهقيُّ ٤/ ١٨٢ - ١٨٣ كلهم من طرق عن أبي الزبير به.
خامسًا: حديث ابن مسعود رواه ابن ماجه (١٧٨٤) والنسائيُّ ٥/ ٨ وأحمد ١/ ٣٧٧ وابن خزيمة ٤/ ١١ والبيهقي ٤/ ٨١ كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن ابن
стр. 2609
مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحدٍ لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع حتى يطوِّق عنقه" ثمَّ قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠].
قلت: إسناده قوي ظاهره الصحة.
قال المنذري في "الترغيب والترهيب": رواه ابن ماجه والنسائيُّ بإسناد صحيح وابن خزيمة في صحيحه. اه.
سادسًا: أثر ابن عمر رواه البخاري (١٤٠٤)، (٤٦٦١) قال: وقال أحمد بن شبيب ابن سعيد حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر ﵄ فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال ابن عمر ﵄: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له؛ إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال.
وروى الشافعي في "مسنده" (٦١٢) قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يقول: كل مال تؤدي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا، وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن لم يكن مدفونًا.
قلت: رجاله ثقات غير أن ابن عجلان اختلف فيه وسبق الكلام عليه.
стр. 2610
ورواه البيهقي ٤/ ٨٢ - ٨٣ من طريق سويد بن عبد العزيز ثنا عبيد الله بن عمر فذكره مرفوعًا.
قلت: في إسناده سويد بن عبد العزيز تكلم فيه.
قال الإمام أحمد: متروك الحديث. اه.
وقال ابن معين: ليس بشيء. اه.
وقال البخاري: في حديثه نظر لا يحتمل. اه.
ورواه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٥٦ عن عبد الله بن دينار؛ أنَّه قال: سمعت ابن عمر وهو يُسأل عن الكنز ما هو؟ فقال: هو المال الذي لا تؤدي منه الزكاة.
* * *
стр. 2611
باب: ما جاء في زكاة بهيمة الأنعام
٥٩٧ - وعن أنسٍ ﵁ أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ ﵁ كتبَ له "هذه فريضةُ الصدَقَةِ التي فرضَها رسولُ الله ﷺ على المسلمينَ، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَه: في أربعٍ وعشرينَ مِن الإبلِ فما دُونَها الغنمُ ... ". رواه البخاري.
رواه البخاري (١٤٤٨)، (١٤٥٤) وابن ماجه (١٨٠٠) وابن خزيمة ٤/ ٢٧ والبيهقيُّ ٤/ ٥٨ والدارقطني ٢/ ١١٣ كلهم من طريق محمَّد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني أبي قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجَّهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسولُ الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر اللهُ بها رسولَه؛ فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى؛ فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى؛ فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّهٌ طروقةُ الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بلغت -يعني- ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون؛ فإذا بلغت إحدى وتسعين
стр. 2612
إلى عشرين ومئة ففيها حِقتان طروقتا الجملِ؛ فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة ففيها ثلاث؛ فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاة؛ فإذا كانت سائمة الرجلِ ناقصةً من أربعين شاةً واحدةً فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها، وفي الرِّقة ربع العشر؛ فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها.
ورواه أبو داود (١٥٦٧) والنسائيُّ ٥/ ١٨ والبيهقي ٤/ ٨٦ والدارقطني ٢/ ١١٤ والحاكم ١/ ٥٤٨ كلهم من طريق حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك فذكره إلا أن أبا داود لم يذكر جميع لفظه.
قال ابن التركماني في "الجوهر" ٤/ ٨٩ ذكر الدارقطني في كتاب "التتبع على الصحيحين" أن ثمامة لم يسمعه من أنس ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة، وفي "الأطراف" للمقدسي قيل لابن معين: حديث ثمامة عن أنس في الصدقات. قال: لا يصح وليس بشيء ولا يصلح في هذا حديث. قلت -أي ابن التركماني- ثمَّ عبد الله بن المثنى متكلم فيه، قال الساجي: ضعيف منكر الحديث وقال أبو داود: لا أخرج حديثه. اه.
стр. 2613
قلت: لم ينفرد به عبد الله بن المثنى بل تابعه حماد بن سلمة كما سبق، وأيضًا أيوب قال: رأيت عند ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا كتبه أبو بكر الصديق لأنس بن مالك حين بعثه على صدقة البحرين عليه خاتم النبي ﷺ . أخرجه البيهقي ٤/ ٨٧.
وقال البيهقي في "المعرفة" كما نقله الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ٣٣٧: هو حديث صحيح موصول إلا أن بعض الرواة قصر به؛ فرواه كذلك -يعني سند أبي داود- ثمَّ إن بعض من يدعى معرفة الآثار تعلق عليه وقال: هذا منقطع وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، وأنتم لا تجعلون ابن المثنى حجة، ولم يعلم أن يونس بن محمَّد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له وقد أخرجناه في كتاب "السنن". كذلك رواه سريج بن النعمان عن حماد بن سلمة به، ورواه إسحاق بن راهويه وهو إمام عن النضر بن شميل وهو أتقن أصحاب حماد ثنا حماد بن سلمة به ثمَّ أخرجه كذلك. قال: ولا نعلم من الحفاظ أحدًا استقصى في انتقاد الرواة ما استقصاه محمَّد بن إسماعيل البخاري ﵁ مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها، وهو قد اعتمد فيه على حديث ابن المثنى فأخرجه في "صحيحه" وذلك لكثرة الشواهد له بالصحة. اه.
ولما ذكر الحافظ حديث حماد بن سلمة ورواياته قال في "الفتح" ٣/ ٣١٨: فوضح أن حمادًا سمعه من ثمامة وأقرأه الكتاب فانتفى
стр. 2614
تعليل من أعله بكونه مكاتبه، وانتفى من أعله بكون عبد الله بن المثنى لم يتابع عليه. اه.
وقال ابن حزم في "المحلى" ٦/ ٢٠: وهذا الحديث في نهاية الصحة، وعمل أبي بكر الصديق بحضرة جميع الصحابة لا يعرف له منهم مخالف أصلًا. اه.
وصححه ابن حبَّان وغيره وانتصر الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٥٨ لتصحيحه.
وقال الدارقطني ٢/ ١١٦ عن إسناد حماد بن سلمة: إسناده صحيح وكلهم ثقات.
وقال الحاكم ١/ ٥٤٨: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه هكذا، إنما انفرد بإخراجه البخاري من وجه آخر عن ثمامة ابن عبد الله. اه.
وفي الباب أحاديث ستأتي بعد قليل.
* * *
٥٩٨ - وعن مُعاذ بن جبلٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَهُ إلى اليمنِ، فأمرَه أن يأخذَ مِن كلِّ ثلاثينَ بقرةً تبيعًا أو تبيعةً، ومِن كلِّ أربعينَ مُسِنَّةً، ومن كُلِّ حالمٍ دينارًا أو عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا رواه الخمسة واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبَّان والحاكم.
стр. 2615
رواه أبو داود (١٥٧٦) والنسائيُّ ٥/ ٢٥ والترمذي (٦٢٣) وابن ماجه (١٨٠٣) وابن خزيمة ٤/ ١٩ والبيهقي ٤/ ٩٨ والبغويُّ في "شرح السنة" ٦/ ١٩ والحاكم ١/ ٥٥٥ كلهم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر. هذا لفظ الترمذي.
قلت: اختلف في وصله وإرساله ورجح الترمذي والدارقطني إرساله.
قال الترمذي ٢/ ٢٠٤: هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق: أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ ... وهذا أصح. اه.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ٤/ ١٣٦ عن أبي داود أنَّه قال: هو حديث منكر وبلغني عن أحمد أنَّه كان ينكره. اه.
وقال الحاكم ١/ ٥٥٥: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اه.
قلت: قد اختلف العلماء في سماع مسروق من معاذ.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦٠ ورجح الترمذي والدارقطني في "العلل" الرواية المرسلة، ويقال: إن مسروقًا أيضًا لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم في تقرير ذلك، وقال ابن القطان: هو على الاحتمال، وينبغي أن يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور، وقال ابن عبد البر في التمهيد: إسناده صحيح
стр. 2616
ثابت، وهم عبد الحق فنقل عنه أنَّه قال: مسروق لم يلق معاذًا، وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر إنما قال ذلك في رواية مالك عن حميد بن قيس عن طاووس عن معاذ، وقد قال الشافعي: طاووس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا. انتهى ما نقله وقاله الحافظ ابن حجر.
ولما ذكر الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٣/ ٢٦٩ قول الحاكم: على شرط الشيخين وموافقة الذهبي، قال الألباني: وهو كما قالا، وقد قيل: إن مسروقًا لم يسمع من معاذ فهو منقطع ولا حجة على ذلك، وقد قال ابن عبد البر: الحديث ثابت متصل. اه.
ورواه أحمد ٥/ ٢٤٠ قال: ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب قال: هارون في حديثه قال: وقال: حيوة عن أبي حبيب وقال معاوية: عن حيوة عن يزيد عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا. قال هارون: والتبيع الجذع أو الجذعة ومن كل أربعين مسنة ... الحديث بطوله.
قلت: يحيى بن الحكم هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية معروف اسمه ونسبه لكن حاله فيها جهالة.
وذكر الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص ٤٤٢: أنَّه لم يدرك معاذًا؛ لأن وفاته قديمة.
وأقره الألباني في "الإرواء" ٣/ ٢٦٨.
стр. 2617
ورواه البيهقي ٤/ ٩٨ من طريق حميد بن قيس عن طاووس اليماني أن معاذ بن جبل ﵁ أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مسنة، وأُتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله. فتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ.
وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" ٢/ ١٦٣: هذا هو الصحيح أن معاذ بن جبل قدم معاذ بعدما توفي رسول الله ﷺ وطاووس لم يدرك معاذًا. اه.
قلت: حديث معاذ وإن كان فيه ضعف إلا أن العلماء أخذوا به وما زالوا يفتون به وعليه العمل.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦٠: قال البيهقي: طاووس وإن لم يلق معاذًا إلا أنَّه يماني، وسيرة معاذ بينهم مشهورة، وقال عبد الحق: ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته يعني في النصب، وقال ابن جرير الطبري: صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف فيه: أن في كل خمسين بقرة بقرة؛ فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك فمختلف فيه ولا نص في إيجابه، وتعقبه صاحب "الإمام" بحديث عمرو بن حزم الطويل في الديات وغيرها؛ فإن فيه: في كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وقال ابن عبد البر في "الاستذكار": لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. اه.
стр. 2618
وفي الباب عن جابر وأبي سعيد الخدري وابن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وبهز بن حكيم وعلي بن أبي طالب:
أولًا: حديث جابر سيأتي بعد عدة أبوب.
ثانيًا: حديث أبي سعيد سيأتي أيضًا.
ثالثًا: حديث ابن عمر رواه أبو داود (١٥٦٨) والترمذي (٦٢١) وأحمد ٢/ ١٤ - ١٥ والبيهقيُّ ٤/ ٨٨ والحاكم ١/ ٥٤٩ كلهم من طريق سفيان بن الحسين عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثمَّ عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: "في خمسٍ من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياهٍ، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمسٍ وعشرين ابنة مخاض إلى خمسٍ وثلاثين؛ فإذا زادت واحدةً ففيها ابنة لبونٍ إلى خمسٍ وأربعين؛ فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين؛ فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمسٍ وسبعين؛ فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبونٍ إلى تسعين؛ فإذا زادت واحدةً ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبونٍ، وفي الغنم في كلّ أربعين شاةٍ شاةً إلى عشرين ومئة؛ فإن زادت واحدة فشاتان إلى مئتين؛ فإن زادت واحدةً على المئتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مئة؛ فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كلِّ مئة شاةٍ شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المئة، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة
стр. 2619
الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب".
قال الزهري: إذا جاء المصدق قسمت الشاة أثلاثًا ثلثًا شرارًا وثلثًا خيارًا وثلثًا وسطًا؛ فأخذ المصدق من الوسط، ولم يذكر الزهري البقر.
قلت: رجاله ثقات؛ غير أن فيه علة وهي أن سفيان بن حسين الواسطي وإن كان ثقة إلا أنه تكلم في حديثه عن الزهري.
قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري، لا يدفع وحديثه عن الزهري ليس بذاك إنما سمع منه بالموسم. اه.
وكذا قال الدوري عن ابن معين.
وقال المروزي عن أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهري. اه.
وقال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري. اه.
وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: أما روايته عن الزهري فإن فيها تخاليط يجب أن يجانب وهو ثقة في غير الزهري. اه.
لكن تابعه على رفعه سليمان بن كثير عند ابن ماجه (٥٧٧) والبيهقي ٤/ ٨٨ وسليمان بن كثير لين في الزهري.
لكن الحديث له شواهد كما سبق من حديث أنس.
ونقل البيهقي ٤/ ٨٨ عن الترمذي في كتاب "العلل" أنه قال: سألت محمَّد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا وسفيان بن حسين صدوق. اه.
стр. 2620
وقال الترمذي ٢/ ٢٠٣: حديث ابن عمر حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين. اه.
وقال ابن عدي ٣/ ١٢٥: قد رواه جماعة عن الزهري عن سالم عن أبيه فوقفوه. اه.
رابعًا: حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي (٦٢٢) وفي "العلل الكبير" ١/ ٣١٠ وابن ماجه (١٨٠٤) والبيهقي ٤/ ٩٩ كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة".
قال الترمذي ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤: هكذا رواه عبد السلام بن حرب عن خصيف وعبد السلام ثقة حافظ، وروى شريك هذا الحديث عن خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله. وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من عبد الله أبيه. اه.
وأيضًا في إسناده خصيف بن عبد الرحمن سيئ الحفظ وقد اختلط بآخره وسبق الكلام عليه (١).
стр. 2621
قال عبد الحق الأشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٢/ ١٦٢: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وقد وصله خصيف عن أبي عبيدة عن أمه عن عبد الله، والذي رواه مقطوعًا أحفظ. اه.
وتعقبه ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٢/ ٢٠٦ فقال: كذا وقع هذا الكلام منه وهو خطأ وتغيير للواقع في "كتاب الترمذي" فإنه يفهم منه أن الموصول من رواية خصيف، والمقطوع من غير روايته وليس كذلك، وما رواه في الحالين إلا خصيف، ولكنه اختلف عليه فعبد السلام بن حرب، وهو حافظ لا يذكر عن أمه ويجعله مقطوعًا، وشريك وهو ممن ساء حفظه، يذكر عن أمه فيجعله موصولًا وكلاهما يرويه عن خصيف عن أبي عبيدة. اه.
وقال الترمذي في "العلل الكبير" ١/ ٣١٠: سألت محمَّد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: رواه شريك عن خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله قال: قلت له: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وقال: هو كثير الغلط. اه.
وضعف حديث معاذ النووي في "المجموع " ٥/ ٤١٦.
خامسًا: حديث ابن عباس رواه البيهقي ٤/ ٩٩ قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأ علي بن عمر ثنا أبو سهيل بن زياد ثنا جعفر بن محمَّد الفريابي ثنا عمرو بن عثمان ثنا بقية حدثني المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن، أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة جذع أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة بقرة
стр. 2622
مسنة. فقالوا: فالأوقاص. قال: فقال ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه، فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله عن الأوقاص فقال: "ليس فيها شيء".
قلت: إسناده ضعيف.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦٠: هذا موصول لكن المسعودي اختلط، وتفرد بوصله عنه بقية بن الوليد وقد رواه الحسن بن عمارة عن الحكم أيضًا لكن الحسن ضعيف، ويدل على ضعفه قوله فيه: إن معاذًا قدم على النبي ﷺ من اليمن فسأله ومعاذ لما قدم على النبي ﷺ كان قد مات. اه.
قلت: حديث الحسن بن عمارة رواه البيهقي ٤/ ٩٨ عنه عن الحكم به.
قال البيهقي ٤/ ٩٨: وله شاهد أجود منه. اه. يعني به حديث المسعودي.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦٠: قال ابن عبد البر: ورواه قوم عن طاووس عن ابن عباس عن معاذ إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه. اه.
وروي من مسند معاذ كما سبق.
والحديث أعله عبد الحق ببقية فقال في "الأحكام الوسطى" ٣/ ١٩٠: بقية لا يحتج به. اه.
وتعقبه ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ١٠٩ فقال لم يعرض لمن هو أضعف منه وهو المسعودي. اه.
стр. 2623
وقال أيضًا ابن القطان في كتابه "بيان الوهم الإيهام" ٤/ ١٦٧ لما نقل قول عبد الحق: أعرض من إسناده عن المسعودي وهو جدًا مختلط، ورأى أن علة الخبر إنما هي كونه من رواية بقية. اه.
سادسًا: حديث بهز بن حكيم سيأتي الكلام عليه في الباب بعد القادم.
سابعًا: حديث علي رواه أبو داود (١٥٧٢) والدارقطني ٢/ ١٠٣ والبيهقي ٤/ ١١٦ من طريق زهير عن أبي إسحاق عن الحارث وعاصم ابن ضمرة عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "في البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة وليس على العوامل شيء".
قلت: أبو إسحاق اختلط بآخره، وسماع زهير بن أبي معاوية كان بعد الاختلاط.
قال أبو زرعة كما في "الكواكب النيرات" (٨٦): زهير بن معاوية ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. اه.
وقد رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي موقوفًا كما عند عبد الرزاق (٨٦٤٢) وسماع سفيان من أبي إسحاق كان قبل الاختلاط.
ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣٠ والدارقطني ٢/ ١٠٣ من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق مرفوعًا.
وسيأتي الكلام على الحديث موسعًا في باب: ما جاء في أول ليس في العوامل صدقة. حديث رقم (٦٠٤).
стр. 2624
باب: أين تؤخذ صدقة الماشية
٥٩٩ - وعن عَمرِو بن شُعيب عن أبيه عن جَدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تُؤخَذُ صدقاتُ المسلمينَ على مياهِهِم" رواه أحمد، ولأبي داود: "ولا تُؤخَذُ صدقاتُهم إلا في دُورِهم".
رواه أبو داود (١٥٩١) وأحمد ٢/ ١٨٠ والبيهقي ٤/ ١١٠ كلهم من طريق محمَّد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم". هذا لفظ أحمد، وعنده أيضًا بسياق أتم من هذا بلفظ: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح قام في الناس خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، إنه ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإِسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلفَ في الإِسلام، والمسلمون يَدٌ على من سواهم؛ تكافأ دماؤهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم؛ تُرَدُّ سراياهم على قَعَدِهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم".
قلت: إسناده لا بأس به؛ وقد أعله الشوكاني في "نيل الأوطار" ٤/ ١٥٦ فقال: الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في "التلخيص" وفي إسناده محمَّد بن إسحاق وقد عنعن. اه.
وقد صرح بالتحديث عند البيهقي وأحمد ٢/ ٢١٦، وقد توبع فقد تابعه عبد الرحمن بن الحارث وأسامة بن زيد كما سيأتي.
стр. 2625
أولًا: متابعة عبد الرحمن بن الحارث رواها أحمد ٢/ ٢١٥ قال: حدثنا إبراهيم بن العباس وحسين بن محمَّد قالا: ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب به.
وقد تكلم في عبد الرحمن بن أبي الزناد، وشيخه عبد الرحمن ابن الحارث.
قال النسائي عن عبد الرحمن بن الحارث: ليس بالقوي. اه.
وقال أحمد: متروك. اه.
وذكره ابن حبان في "الثقات" ووثقه ابن سعد والعجلي وقال ابن معين: ليس به بأس. اه.
وقال أبو حاتم: شيخ. اه.
وقال الحافظ في "التقريب" (٣٨٣١): صدوق له أوهام. اه.
وأما ابن الزناد فقد قال ابن معين عنه: ضعيف. اه.
وقال مرة أخرى: لا يحتج بحديثه وهو دون الدراوردي. اه.
وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. اه.
وقال النسائي: لا يحتج به. اه.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق وفي حديثه ضعف سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب. اه.
وقال الترمذي والعجلي: ثقة. اه.
стр. 2626
وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه. اه.
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٣٨٦١): صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا. اه.
ثانيًا: متابعة أسامة بن زيد كما هي عند البيهقي ٤/ ١١٠ وأحمد ٢/ ١٨٤ كلاهما من طريق ابن المبارك عنه به مرفوعًا.
وفي إسناده أسامة بن زيد تركه أحمد وغيره وجعله البعض أسامة ابن زيد الليثي، وعلى كلٍّ فإن من اسمه أسامة بن زيد في الكتب الستة ضعيف عدا الصحابي.
وفي الباب عن ابن عمر وعمران بن حصين وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص:
أولًا: حديث ابن عمر رواه ابن ماجه (١٨٠٦) قال: حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد ثنا محمَّد بن الفضل ثنا ابن المبارك عن أسامة ابن زيد عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم".
قلت: في إسناده أسامة بن زيد وسبق الكلام عليه.
ولهذا أعله البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه" فقال ١/ ٣١٨: هذا إسناد ضعيف بضعف أسامة. اه.
وتعقبه الألباني فقال في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٣٨٢ لما نقل قول البوصيري: لعله أراد أنه أسامة بن زيد العدوي فإنه ضعيف، والأقرب ما ذكرنا أنه الليثي؛ فإنه هو الذي ذكر في الرواة عن عمرو ابن شعيب دون العدوي وكلاهما من شيوخ ابن المبارك. اه.
стр. 2627
وقال أيضًا في أسامة بن زيد الليثي خلاف، وهو حسن الحديث. اه.
وقد اختلف في إسناده فرواه أحمد ٢/ ١٨٤ ثنا عبد الصمد عن عبد الله بن المبارك ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٢٦٤) قال: حدثنا ابن المبارك به، وسيأتي الكلام على هذا الحديث بعد قليل.
قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٣٨٢: لما ذكر إسناد ابن عمر السابق: محمَّد بن الفضل هو السدوسي الملقب بـ "عارم" وهو ثقة ولكنه كان اختلط؛ فلا يعتد بمخالفته المتقدمين عبد الصمد وهو ابن عبد الوارث والطيالسي وإسنادهما حسن. اه.
ثانيًا: حديث عمران بن حصين رواه الترمذي (١١٢٣) وأبو داود (٢٥٨١) كلاهما من طريق بشر بن المفضل عن حميد الطويل قال: حدَّث الحسن عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإِسلام".
ورواه أحمد ٤/ ٤٤٣ من طريق حماد بن سلمة أنا حميد به بنحوه.
ورواه أيضًا ٤/ ٤٣٩ من طريق الحارث بن عمير عن حميد به بنحوه.
قلت: رجاله لا بأس بهم وصححه الترمذي ٤/ ٨٦ فقال: هذا حديث حسن صحيح. اه.
стр. 2628
وصححه أيضًا ابن حبان ورواه أحمد ٤/ ٤٢٩ قال: حدثنا محمَّد ابن جعفر ثنا شعبة عن أبي قزعة عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار".
وقد اختلف في سماع الحسن من عمران بن حصين، قال: بهز ابن أسد: سمع الحسن من عمران بن حصين.
ونقل العلائي في "جامع التحصيل" ص ١٦٣: عن علي بن المديني أنه قال: لم يسمع من عمران بن حصين ونقل أيضًا ص ١٦٤ عن ابن المديني أنه قال: سمعت يحيى -يعني القطان- وقيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين، فقال: أما عن ثقة فلا، وذكر صالح بن أحمد أنه أنكر على من يقول عن الحسن حدثني عمران بن حصين أي أنه لم يسمع عنه. اه.
ولهذا لما نقل الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ص ١٧١ تصحيح الترمذي وابن حبان قال: وهو متوقف على صحة سماع الحسن من عمران، وقد اختلف في ذلك. اه.
ثالثًا: حديث عائشة رواه البيهقي ٤/ ١١٠ والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" كلاهما من طريق عبد الملك بن محمَّد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات أهل البادية على مياههم وبأفنيتهم".
قلت: رجاله لا بأس بهم وعبد الملك بن محمَّد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي بغداد ثقة قاله الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ٤٠٨.
стр. 2629
ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٧٩: إسناده حسن. اه.
رابعًا: حديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد ٢/ ١٨٤ - ١٨٥ قال: ثنا عبد الصمد عن عبد الله بن المبارك ثنا أسامة بن زيد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم".
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٢٦٤) قال: حدثنا ابن المبارك به.
زاد: "أو عند أفنيتهم" لكن ذكر البيهقي ٤/ ١١٠ أن الشك من أبي داود.
قلت: رجاله لا بأس بهم غير أسامة بن زيد وسبق الكلام عليه.
قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٢/ ٣٨٢ إسنادهما حسن. اهـ.
فائدة:
روى أبو داود (١٥٩٢) قال: حدثنا الحسن بن علي ثنا يعقوب سمعت أبي يقول: عن محمَّد بن إسحاق في قوله: "لا جلب ولا جنب" قال: أن تصدق الماشية في مواضعها ولا تجلب إلى المصدق، والجنب عن هذه الفريضة أيضًا، لا يجنب أصحابها، يقول: ولا يكون الرجل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، ولكن تؤخذ في موضعه يعني صدقته. اه.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٧١ فسر مالك الجلب والجنب بخلاف ما فسره به ابن إسحاق فقال: الجلب أن
стр. 2630
تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق، والجنب أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر، حتى إذا دنا تحول الراكب على الفرس للجنوب فيسبق. ويدل على هذا التفسير زيادة أبي داود وهي قوله في الرهان: لا جرم. قال ابن الأثير: له تفسيرات فذكرهما وتبعه المنذري في "حاشيته".اه.
وذكر الخطابي في "معالم السنن" ٢/ ٢٠٥: أن معنى لا جنب ألا يجنب أصحاب الأموال عن مواضعهم، أي لا يبعدون عنها حتى يحتاج المصدق إلى أن يتبعهم ويمعن في طلبهم فكما يرعى جانبهم عليهم أن يرعوا جانبه أيضًا. اه.
وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" ٤/ ١٥٧: الحديث يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها لأن ذلك أسهل. اه.
* * *