وروى الترمذي (١٦٨٤) وابن خزيمة ٣/ ٢٦٤ وأحمد ٢/ ٨٧ كلهم من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: لما بلغ النبي ﷺ عام الفتح مر الظهران فآذننا بلقاء العدو، فأمر بالفطر فأفطرنا أجمعون.
قال الترمذي ٦/ ٤: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.
قلت: رجاله ثقات. وسعيد بن عبد العزيز التنوخي هو ثقة وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي والنسائي وقد اختلط في آخر عمره قال أبو مسهر كان قد اختلط قبل موته. اهـ.
وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته. وكذا قال حمزة الكناني. وقال ابن معين في رواية الدوري: اختلط قبل موته وكان يعرض عليه فيقول لا أجيزها. لا أجيزها. اهـ. لكنه توبع كما سيأتي
ورواه مسلم ٢/ ٧٨٩ وابن خزيمة ٣/ ٢٥٧ كلاهما من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ربيعة قال: حدثني قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكثور عليه. فلما تفرق الناس عنه. قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه سألته عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا. فذكره بنحوه.
وفيه: "إنكم مصبحو عدوكم. والفطر أقوى لكم، فأفطروا" وكانت عزمةً فأفطرنا ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر
стр. 3082
خامسًا: حديث ابن عمر رواه ابن ماجه (١٦٦٥) قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي ثنا محمد بن حرب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر".
قال البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه": إسناد حديث ابن عمر صحيح، لأن محمد بن المصفى، ذكره ابن حبان في "الثقات" ووثقه مسلمة والذهبي في "الكاشف"، وقال أبو حاتم صدوق. وقال النسائي. صالح. وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين اهـ.
وروى الإمام أحمد ٢/ ٧١ قال: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو طعمة أنه قال كنت عند ابن عمر، إذ جاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إني أقوى على الصيام في السفر. فقال ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يقبل رخصة الله، كان عليه من الإثم مثل جبل عرفة".
قلت: شيخ الإمام أحمد هو حسن بن موسى الأشيب أبو علي البغدادي ثقة من رجال الجماعة. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٢ رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، وإسناد أحمد حسن اهـ.
قلت: بل هو ضعيف من أجل ابن لهيعة، وقد سبق الكلام عليه (١) وأما أبو طعمة؛ فهو الأموي مولى عمر بن عبد العزيز واسمه هلال قال ابن عمار الموصلي: أبو طعمة: ثقة. اهـ.
стр. 3083
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو أحمد الحاكم: رماه مكحول بالكذب. اهـ.
وتعقبه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ١٢/ ١٥٣ فقال: لم يكذبه مكحول التكذيب الاصطلاحي، وإنما روى الوليد بن مسلم عن جابر أن أبا طعمة حدث مكحولًا بشيء. وقال: ذروه يكذب. وهذا محتمل أن يكون مكحول طعن فيه على من فوق أبي طعمة، والله أعلم. اهـ.
وقال الحافظ في "التقريب" (٨١٨٦) مقبول، ولم يثبت أن مكحولًا رماه بالكذب. اهـ.
وله شاهد من حديث عقبة بن عامر الجهني لكن في متنه قصور وفي إسناده ضعف.
فقد رواه الإمام أحمد ٤/ ١٥٨ من طريق ابن لهيعة عن رزيق الثقفي عن ابن شماسة يحدث عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الذنوب مثل جبال عرفة".
قلت: في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف كما سبق. كذلك رزيق الثقفي. ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٥٠٥. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٢: رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" وفيه رزيق الثقفي ولم أجد من وثقه ولا جرحه. وبقية رجاله ثقات. اهـ.
стр. 3084
وروى أبو يعلى كما في "المطالب" (١٠٣٧) والطبري في "تهذيب الآثار" ١/ ١٢٢ (١٧١) كلاهما من طريق جرير عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام وأفطر.
قلت: إسناده ضعيف لأن مسلم. وهو ابو كيسان الملائي وهو ضعيف.
سادسًا: حديث ابن مسعود رواه أبو يعلى في "المقصد العلي" (٥١٢) قال: حدثنا أبو خيثمة حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن عبد السلام عن حماد في إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر ويفطر ويصلي الركعتين لا يدعهما. يقول لا يزيد عليها يعني الفريضة.
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه عبد السلام، والذي يظهر أنه هو ابن أبي الجنوب المديني ولم أجزم بهذا فإن كان هو فهو ضعيف.
قال عنه ابن المديني: منكر الحديث. اهـ.
وقال أبو زرعة: ضعيف. اهـ.
وقال أبو حاتم: شيخ متروك اهـ.
وقال الدارقطني: متروك. اهـ.
سابعًا: حديث عبد الله بن عمرو رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" ١/ ٤٧٠ (١٩١) حدثنا تميم بن المنتصر، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو
стр. 3085
قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ منا الصائم، ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
قال البزار عقبه: لا نعلمه عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد اهـ.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٥٩: رواه البزار وإسناده حسن. اهـ.
قلت: في إسناده شريك بن عبد الله النخعي، وقد اختلط بآخره كما سبق بيانه (١) وفيه أيضًا انقطاع بينه وبين مجاهد.
ثامنًا: أثر ابن عمر رواه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٩٥٥ عن نافع عن ابن عمر كان لا يصوم في السفر.
قلت: إسناده صحيح. رواه الفريابي في كتاب "الصيام" (١٠١) من طريق أيوب عن نافع بلفظ: أن عبد الله بن عمر كان لا يصوم بعرفة ولا في السفر.
ورواه أيضًا الفريابي (٩٩ - ١٠٠) من طريق موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال: إن أحرى لك أن تفطر في السفر.
* * *
стр. 3086
باب: ما جاء فيمن يضعف عن الصوم
٦٦٩ - وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يومٍ مسكينًا، ولا قضاءَ عليه. رواه الدارقطني والحاكم وصحَّحاه.
رواه الدارقطني ٢/ ٢٠٥ والحاكم ١/ ٦٠٧ كلاهما من طريق محمد بن عبد الله الرقاشي ثنا وهيب عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس فذكره.
قلت: رجاله ثقات. وإسناده صحيح.
قال الدارقطني ٢/ ٢٠٥: إسناده صحيح اهـ.
وقال الحاكم ١/ ٦٠٧: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه اهـ. ووافقه الذهبي. وللأثر عدة طرق عن ابن عباس
فقد رواه البيهقي ٤/ ٢٣٠ وابن الجارود في "المنتقى" (٣٨١) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك، وهما يطيقان الصوم، أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحامل والمرضع إذا خافتا، أفطرتا، وأطعمتا، مكان كل يوم مسكينًا.
стр. 3087
قلت: إسناده قوي ورجاله ثقات.
ورواه أبو داود (٢٣١٨) وابن الجارود في "المنتقى" (٣٨١) والبيهقي كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة إلا أنه وقع في رواية أبي داود "عروة" بدل عزرة.
ولعل الراجح هو "عزرة" بدليل ما وقع عند ابن الجارود والبيهقي وكذلك أيضًا رواه البيهقي ٤/ ٢٣٠ من طريق أبي داود به وفيه قال "عزرة" لهذا قال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٤/ ١٨ - ١٩. أما رواية أبي داود فهي شاذة، وقد وقع فيها "عروة" بدل "عزرة" وهو تصحيف بدليل رواية الجماعة، وأيضًا فقد رواه البيهقي من طريق أبي داود فقال "عزرة" على الصواب اهـ. وقال أيضًا ٤/ ١٨: إسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين
ورواه البخاري (٤٥٠٥) والدارقطني ٢/ ٢٠٥ كلاهما من طريق روح، ثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سمع ابن عباس يقرؤها (وعلى الذين يُطَوَّقُونَهُ فدية طعام مسكين) (١) قال ابن عباس: ليست منسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكينا.
قال الدارقطني ٢/ ٢٠٥: هذا إسناد صحيح. اهـ.
ورواه الدارقطني ٢/ ٢٠٥ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عطاء عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
стр. 3088
واحد ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. زاد طعام مسكين آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى. اهـ.
قال الدارقطني عقبه: هذا إسناد صحيح اهـ. وصححه أيضًا الألباني في "الإرواء" ٤/ ١٨.
وروى الدارقطني ٢/ ٢٠٦ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله ثنا الحسن بن عرفة ثنا روح ثنا سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير؛ أن ابن عباس قال. لأُمّ ولدٍ له حُبلَى أو مُرضع: أنتِ من الذين لا يُطِيقون الصيامَ عليك الجزاءُ، وليس عليك القضاء
قال الدارقطني ٢/ ٢٠٦: إسناده صحيح اهـ.
ورواه أيضًا ٢/ ٢٠٧ من طريق هشام عن قتادة به بلفظ. أنه كانت له أَمَةٌ تُرضِع فأجهضت، فأمرها ابن عباس أن تُفطِر، يعني وتُطعِم ولا تقضي. قال الدارقطني ٢/ ٢٠٧: هذا صحيح اهـ.
وروى عبد الرزاق ٤/ ٢٢١ عن معمر عن أيوب قال: سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس، أنها ليست بمنسوخة؛ فكان يقرؤها (يُطَوَّقُونَهُ). هي في الشيخ الذي كلف الصيام ولا يطيقه فيفطر ويطعم
قلت: إسناده صحيح.
وأصل التخير في الحديث متفق عليه من حديث سلمة بن الأكوع فقد رواه البخاري (٤٥٠٦) ومسلم (١١٤٥) وأبو داود (٢٣١٥)
стр. 3089
والترمذي (٧٩٨) والنسائي ٤/ ١٩٠ كلهم من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية بعدها فنسختها
وفي الباب عن معاذ وأثر عن أنس بن مالك وأبي هريرة وابن عمر وأيضًا عن أنس.
أولًا: حديث معاذ رواه أبو داود (٥٠٧) وأحمد ٥/ ٢٤٦ والحاكم ٢/ ٣٠١ والبيهقي ٤/ ٢٠٠ كلهم من طريق المسعودي عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن معاذ قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال. فذكر الحديث بطوله وفيه: وفي الصوم قال. فإن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويصوم، يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر أفطر، ويطعم كل يوم مسكينًا أجزأه ذلك، فهذا حول. فأنزل الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم وساق الحديث. واللفظ لأبي داود.
قال الحاكم ٢/ ٣٠١: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. اهـ.
стр. 3090
ووافقه الذهبي.
قلت: ليس كما قالا. لأنه فيه المسعودي، وقد اختلط. وسبق الكلام عليه.
وأعله البيهقي بالانقطاع فقال ٤/ ٢٠٠: هذا مرسل، عبد الرحمن لم يدرك معاذًا. اهـ. وتبعه النووي في "المجموع" ٦/ ٢٤٩.
ثانيًا: حديث أنس بن مالك الكعبي رواه الترمذي (٧١٥) وأبو داود (٢٤٠٨) وابن ماجه (١٦٦٧) وأحمد ٤/ ٣٤٧ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٣١٥ كلهم من طريق أبي هلال الراسبي، ثنا عبد الله بن سودة عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشير قال: أغارت علينا خيل لرسول الله ﷺ فانتهيت أو قال فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل، فقال: "اجلس فأصب من طعامنا هذا" قلت: إني صائم، قال: "اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله تعالى وضع شطر الصلاة - أو نصف الصلاة - والصومَ، عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى" والله لقد قالهما جميعًا أو أحدهما، قال: فتلهفت نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ . هذا لفظ أبي داود.
وعند البقية بلفظ: "وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام".
قلت: رجاله ثقات، غير أبي هلال الراسبي واسمه محمد بن سليم مولى بني سلمة بن لؤي فيه كلام يسير ولعل الصواب أن حديثه حسن
стр. 3091
قال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء" وسمعت أبي يقول: يحول منه. اهـ.
وقال ابن معين: صدوق. اهـ. وقال مرة: ليس به بأس. اهـ.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ.
وقال أحمد بن حنبل: يحتمل في حديثه، إلا أنه يخالف في قتادة، وهو مضطرب الحديث اهـ.
وقال ابن سعد: فيه ضعف. اهـ.
وقال أبو داود: أبو هلال ثقة، ولم يكن له كتاب وهو فوق عمران القطان اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٥٩٢٣): صدوق فيه لين. اهـ.
وقال الترمذي ٣/ ٦٧. حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد. اهـ.
ثالثًا: أثر أبي هريرة رواه الدارقطني ٢/ ٢٠٨ قال: حدثنا أبو صالح الأصبهاني ثنا أبو مسعود ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، أن أبا حمزة حدثهم عن سليمان بن موسى عن عطاء عن أبي هريرة قال: من أدركه الكبر فلم يستطيع أن يصوم رمضان فعليه لكل يوم مد قمح.
قلت: في إسناده عبد الله بن صالح وفيه ضعف وقد سبق الكلام عليه.
стр. 3092
أما سليمان بن موسى أظنه الأموي لأنه من تلاميذ عطاء كما وقع في هذا الإسناد فإن كان هو فقد وثقه ابن معين.
وقال أبو حاتم: محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه. اهـ.
وقال البخاري: عنده مناكير اهـ.
وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث اهـ. وقال مرة أخرى في حديثه شيء. اهـ.
رابعًا: أثر ابن عمر رواه الشافعي في "الأم" ٧/ ٢٥١ وعنه البيهقي ٤/ ٢٣٠ قال: الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًّا من حنطة.
قلت: إسناده صحيح.
وروى عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ٢١٨ عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر وتطعم ولا قضاء عليها.
خامسًا: أثر أنس بن مالك رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٢٠ عن معمر عن ثابت البناني قال: كبر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق فكان يفطر ويطعم.
قلت: إسناده ظاهره الصحة وله عدة طرق عن أنس
стр. 3093
فقد رواه الطبراني في "الكبير" ١/ ٢٤٢ رقم (٦٧٥) من طريق هشام الدستوائي ثنا قتادة أن أنسًا ﵁ ضعف عن الصيام قبل موته عامًا فأفطر وأطعم كل يوم مسكينًا.
قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٦٧: رجاله رجال الصحيح اهـ.
ورواه البيهقي ٤/ ٢٧١ من طريق حميد عن أنس بنحوه
ورواه الدارقطني ٢/ ٢٠٧ من طريق عمران بن حدير عن أيوب عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عامًا، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبعهم.
* * *
стр. 3094
باب: ما جاء في كفارة الفطر في رمضان
٦٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: هَلَكتُ يا رسولَ الله. قال: "وما أهلَكَكَ؟ " قال: وقعتُ على امرأتي في رمضانَ. فقال: "هل تَجِدُ ما تُعتِقُ رَقَبَةً؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيعُ أنْ تصومَ شَهريْنِ مُتَتابِعَينِ؟ " قال: لا. قال: "فهل تَجِدُ ما تُطعِمُ سِتِّينَ مسكينًا؟ " قال: لا ثم جَلَسَ، فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمرٌ. فقال: "تَصَدَّقْ بهذا" فقال: أعَلَى أفقرَ مِنّا؟ فما بين لابَتَيْتَها أهلُ بيتٍ أحوجُ إليه مِنّا، فضحكَ النبيُّ ﷺ حتى بَدَتْ أنيابُه ثم قال: "اذهبْ فأطعِمْهُ أهلَكَ". رواه السبعة واللفظ لمسلم.
رواه البخاري (١٩٣٦) ومسلم ٢/ ٧٨١ والترمذي (٧٢٤) وأبو داود (٢٣٩٢) وابن ماجه (١٦٧١) والنسائي في "الكبرى" ٢/ ٢١١ وأحمد ٢/ ٢٠٨، ٢٨١ والدارقطني ٢/ ١٩٠ والبغوي في "شرح السنة" ٦/ ٢٨٢ والبيهقي ٤/ ٢٢١، ٢٢٢ ومالك في "الموطأ" ١/ ٢٩٦ كلهم من طريق الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: فذكره.
وعند أحمد زيادة. ينتف شعره ويدعو ويله فقال رسول الله ﷺ : "مالك؟ ".
стр. 3095
قلت: رواه عن الزهري جمع من الثقات. فقد رواه مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد عنه به بلفظ: أن النبي ﷺ أمر رجلًا أفطر في رمضان. أو أن رجلًا أفطر في رمضان. ولم يذكروا أن الفطر كان بالجماع بل أبهموا وخالفهم معمر ويونس وشعيب وابن عيينة وإبراهيم بن سعد وابن أبي عتيق والأوزاعي والليث بن سعد ومنصور بن المعتمر وإبراهيم بن عامر وعقيل وغيرهم كلهم رووه عن الزهري وفيه ذكر الجماع وهو الأرجح.
لهذا قال البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٥٦: قال معمر ويونس وشعيب وإبراهيم بن سعد وابن عيينة وابن أبي عتيق والأوزاعي: وقعت بأهلي، فقال: "هل تجد رقبة؟ " قال: لا. وحديث هؤلاء أبين اهـ.
وقال الدارقطني في "العلل" ١٠/ رقم (١٩٨٨) لما سئل عنه: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك بن أنس، واختلف عنه في متنه فرواه القعنبي ومعن وأصحاب "الموطأ" عن مالك وقالوا فيه إن رجلًا أفطر في رمضان مبهمًا.
ورواه حماد بن مسعدة والوليد بن مسلم عن مالك فقالا فيه: أفطر بجماع.
وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك. ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن عياض وشبل بن عباد بهذا الإسناد وقالوا فيه: إن رجلًا أفطر في رمضان كما قال
стр. 3096
أصحاب "الموطأ" عن مالك. وكذلك قال عمار بن مطر عن إبراهيم بن سعد. وكذلك قال أشهب بن عبد العزيز عن الليث بن سعد ومالك عن الزهري وقالوا: كلهم في أحاديثهم: إن النبي ﷺ بين العتق أو الصيام أو الإطعام.
ورواه نعيم بن حماد وابن عيينة، فتابعهم على أن فطره كان مبهمًا وخالفهم في التخير، ورواه عن الزهري أكثر عددًا بهذا الإسناد. وقالوا فيه: إن فطره كان بجماع وأن النبي ﷺ أمره أن يعتق فإن لم يجد صام، فإن لم يستطع أطعم منهم عراك بن مالك ويونس بن يزيد وعقيل بن خالد وشعيب بن حمزة ومعمر وإبراهيم بن سعد ومحمد بن أبي عتيق والليث بن سعد والنعمان بن راشد والأوزاعي والحجاج انتهى كلام الدارقطني.
فالذي يظهر أن رواية مالك وابن جريج ويحيى بن سعد وقع فيها اختصار أو أنها كانت بالمعنى.
لهذا قال ابن حزم في "المحلى" ٦/ ١٨٦: لما ذكر رواية مالك واين جريج ويحيى بن سعيد قال: روى من ذكرنا عن الزهري مجملًا مختصرًا، ورواه الآخرون الذين ذكرنا قبل وأتوا بلفظ الخبر كما وقع وكما سئل ﵇ وكما أفتى، وبينوا فيه أن تلك القصة كانت وطء لامرأته ورتبوا الكفارة كما أمر بها رسول الله ﷺ . وأحال مالك وابن جريج ويحيى صفة الترتيب وأجملوا الأمر. اهـ.
وقال ابن قدامة في "المغني" ٣/ ٦٧: أما الدليل على وجوب الترتيب؛ فالحديث الصحيح الذي رواه معمر ويونس والأوزاعي
стр. 3097
والليث وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم عن الزهري .. فذكر الحديث وفيه الترتيب، ثم قال: وهذا لفظ الترتيب والأخذ بها أولى من رواية مالك؛ لأن فيه أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولأن الترتيب زيادة والأخذ بالزيادة متعين ولأن حديثنا لفظ النبي ﷺ وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بـ"أو" لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت على الترتيب ككفارة الظهار والقتل اهـ.
وقال عبد الله في "مسائله" ٢/ رقم (٨٨٢): سألت أبي ﵀ عن رجل يجامع أهله في شهر رمضان؟ قال: اختلفوا في حديث الزهري، فقال. مالك وابن جريج عن الزهري في الحديث، عليه عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا على التخير قال أبي: وخالفهما ابن عيينة وإبراهيم بن سعد وعدة، فقالوا عن الزهري في الحديث: عليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر على الصيام فإطعام ستين مسكينًا، وخالفوهما، ولم يقل هؤلاء على التخير، والحيطة عندي فيما قال هؤلاء. وأما مالك وابن جريج فحافظان، ابن جريج سمعه من الزهري سماع، يقول: حدثنا ابن شهاب ومالك وابن جريج متثبتان اهـ.
стр. 3098
وقد رواه البخاري بألفاظ أجمعها لفظ: أن أبا هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكت قال: "مالك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيما تمر، والعرق المكتل، قال "أين السائل؟ " فقال: أنا قال: "خذ هذا فتصدق به" فقال الرجل على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "أطعمه أهلك".
وعند مالك بلفظ. فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر، بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. هكذا بلفظ التخير ولعله من تصرف الرواة لأن أكثر طرقه بالترتيب كما سبق.
قال الترمذي ٣/ ٧٥: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح اهـ.
وقال الدارقطني ٢/ ١٩٠: هذا إسناد صحيح اهـ.
ورواه أبو داود (٢٣٩٣) والدارقطني ٢/ ١٩٠ كلاهما من طريق هشام بن سعد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان، وفيه قال: فأتى بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا وقال فيه "كله أنت وأهل بيتك وصم يومًا، واستغفر الله".
стр. 3099
قال ابن مفلح في "الفروع" ٣/ ٨٧. إسناده جيد. اهـ.
قلت: أعل هذه الزيادة ابن القطان وغيره.
قال الزيلعي في "نصب الراية" ٢/ ٤٥٣: قال ابن القطان: وعلة هذا الحديث، ضعف هشام بن سعد.
وقال عبد الحق في "أحكامه" طرق مسلم في هذا الحديث أصح وأشهر، وليس فيها: صم يومًا، ولا مكتلة التمر، ولا الاستغفار، وإنما يصح القضاء مرسلًا. اهـ. ما نقله الزيلعي.
وقال البرذعي كما في كتاب "الضعفاء" لأبي زرعة الرازي وأجوبته على أسئلة البرذعي ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ مع كتاب "أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة". سمعت أبا زرعة يقول: هشام بن سعد واهي الحديث. أتقنت ذلك عن أبي زرعة، وهشام عند غير أبي زرعة أجل من هذا الوزن فتفكرت فيما قال أبو زرعة، فوجدت في حديثه وهمًا كبيرًا، من ذلك أنه حدث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة "في قصة الوقاع في رمضان" وقد روى أصحاب الزهري قاطبة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن وليس من حديث أبي سلمة، وقد حدث به وكيع عن هشام عن الزهري عن أبي هريرة، كأنه أراد الستر على هشام، في قوله عن أبي سلمة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ١٦٣: لما ذكر إسناد الزهري عن حميد: هكذا توارد أصحاب الزهري. وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفسًا منهم
стр. 3100
ابن عيينة، والليث ومعمر، ومنصور عند الشيخين، والأوزاعي، وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري ومالك وابن جريج عند مسلم، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة وخالفهم هشام بن سعيد فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وغيره قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة. أخطأ فيه هشام بن سعد اهـ.
فالذي يظهر أن هشام بن سعد أخطأ فيه فخالف أصحاب الزهري الحفاظ في سنده ومتنه
لهذا نقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ١٦٣ عن البزار وابن خزيمة وأبي عوانة أنهم قالوا: أخطأ فيه هشام بن سعد اهـ.
وقال ابن رجب في "شرح العلل" ٢/ ٢٩٣ هو حديث في إسناده مقال، تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه اهـ.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٧/ ١٦٨: هشام بن سعد لا يحتج به في حديث ابن شهاب. اهـ.
وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" ٢/ ٢٣١: وطريق مسلم أصح وأشهر وليس فيه "صم يومًا" وإنما يصح حديث القضاء مرسلًا. اهـ.
وتعقبه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٤٣٥ (١١٨٧) فقال: كذا أجمل تعليل حديث أبي داود وهو حديث يرويه أبو داود ثم إسناد هشام بن سعد وقال. فعلة هذا الحديث ضعف هشام بن سعد. اهـ.
стр. 3101
وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٣/ ٢٧٣: هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ .. والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإن أصحابه الأثبات الثقات، كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما.
وقال أيضًا ابن القيم: وقال الدارقطني: رواتها ثقات. ورواه ابن أبي أويس عن الزهري وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه وتابعه أيضًا هشام بن سعد عنه قال. كلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، وهم أربعون نفسًا. لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" ٥/ ٢٢٤: لم يأمر النبي ﷺ الذي جامع أهله في رمضان بصوم بل أمره بالكفارة فقط. وقد جاء ذكر أمره بالقضاء في حديث ضعيف ضعفه أحمد بن حنبل وغيره .. اهـ. ومما يدل على أن هشامًا وهم فيه عن الزهري أن أصحاب الزهري الحفاظ رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة ولم يذكروا هذه الزيادة.
وقال البيهقي ٤/ ٢٢٦: ورواه هشام بن سعد عن الزهري إلا أنه خالف الجماعة في إسناده. فقال عن أبي سلمة عن أبي هريرة اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "النكت" ٢/ ٦٧٨: قال العلائي: تفرد به هشام بن سعد وهو متكلم فيه سيئ الحفظ، وخالف فيه عامة
стр. 3102
أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم فإنه عندهم عنه عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. لا عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة. اهـ. أي زيادة "وصم يومًا مكانه واستغفر الله" ثم قال الحافظ ابن حجر في "النكت" أيضًا ٢/ ٦٧٩. وذكر أبو عوانة في "صحيحه" حديث هشام بن سعد هذا. وقال. غلط هشام بن سعد.
وأورده ابن عدي في مناكير هشام بن سعد. قال أبو يعلى الخليلي: أنكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري عن أبي سلمة وقالوا. وإنما رواه الزهري عن حميد، قال. ورواه وكيع عنه عن أبي هريرة ﵁ منقطعًا قال أبو زرعة الرازي أراد وكيع الستر على هشام بن سعد بإسقاط أبي سلمة. اهـ.
وذكر البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٥٦ حديث هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة وقال. ولم يصح أبو سلمة اهـ.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ١٧٢: ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري.
وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري، وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة وحديث الليث عن الزهري في "الصحيحين" بدونها. اهـ.
قلت: رواية أبي أويس عند الدارقطني ٢/ ٢١٠
وقال في كتاب "تعليقات الدارقطني على كتاب المجروحين لابن حبان" ص ١٤٨ قال أحمد بن حنبل في رواية الأثرم وأبو أويس
стр. 3103
عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: حديث الجماع. فقال فيه: تقضي يومًا مكانه. وسماع مالك بن أنس وأبي أويس من الزهري واحد مالك لا يقول هذا، كأنه منكر اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٦٥٣): سئل أبو زرعة عن حديث أبي أويس عن الزهري - يعني عن حميد بن عبد الرحمن - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في رجل أفطر يومًا من رمضان. قال: "عليه يوم مكانه" قال: ليس هذا بصحيح لم يقل هذا الحرف واحد يعني من الثقات. اهـ.
ورواه ابن ماجه (١٦٧١) قال: حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا عبد الجبار بن عمر حدثني يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن. وفيه قال: "وصم يومًا مكانه".
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه عبد الجبار بن عمر الأيلي ضعيف صاحب مناكير ولعل هذا منها وقد ضعفه ابن معين، وأبو داود والترمذي.
وقال البخاري: عنده مناكير. اهـ.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ليس بقوي. اهـ
وقال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف ليس محله الكذب. اهـ.
وقال النسائي: ليس بثقة. اهـ.
وبه أعله البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه" فالذي يظهر أنه لا يصح أمره قضاء يوم مكانه من جهة الإسناد.
стр. 3104
لهذا قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٥/ ٢٢٥. وأما أمره للمجامع بالقضاء. فضعيف، وضعفه غير واحد من الحفاظ وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحدٌ أمرَه بالقضاء، ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه ولما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولًا منه. اهـ.
لكن يمكن أن يقال وإن لم يثبت من جهة السند فإنه ثابت من جهة القياس لأن الذمة مشغولة به وليس كالصلاة لأن الصلاة وقتها مضيق بخلاف قضاء الصوم فوقته موسع ما لم يدركه رمضان آخر ولهذا قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٧/ ١٦٨ - ١٦٩ لما أعل إسناد حديث هشام بن سعد قال: ومن جهة النظر والقياس لا يسقط القضاء لأن الكفارة عقوبة الذنب الذي ارتكبه. والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده وكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى القضاء للبدل بالهدي فكذلك قضاء ذلك اليوم والله أعلم اهـ.
وقد ورد في الحديث لفظ: "هلكتُ وأهلكتُ" وهذا مما يدل على أنه أكرهها، ولولا ذلك لم يكن مهلكًا لها كما ذكره ابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ٣٠٢.
فقد روى الدارقطني ٢/ ٢١٠ قال: ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا عبيد بن محمد بن خلف ثنا أبو ثور ثنا معلى بن منصور ثنا سفيان بن عيينة عن الترمذي أخبره حميد بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: هلكت، وأهلكت قال:
стр. 3105
"ما أهلكك؟ " قال: وقعت على أهلي .. فذكر الحديث قال ابن الجوزي كما في "التحقيق مع التنقيح" ٢/ ٣٠٢. فإن قالوا: قد قال أبو سليمان الخطابي: المعلى بن منصور من رجال هذا الحديث، ليس بذاك قلنا: ما عرفنا أحدًا طعن في المعلى ... اهـ.
وتعقبه ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٢٠٣ فقال الإسناد لا بأس به، ومعلى بن منصور محتج به في "الصحيحين". اهـ.
ورواه أيضًا الدارقطني ٢/ ٢١٠ قال ثنا النيسابوري ثنا محمد بن عزيز قال حدثني سلامة بن روح عن عقيل عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل فقال: هلكت، وأهلكت فذكر الحديث.
قال ابن مفلح في "الفروع" ٣/ ٨٧: ضعف هذه الزيادة البيهقي وصنف الحاكم ثلاثة أجزاء في إبطالها. اهـ.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه سلامة بن روح وبه أعله ابن الجوزي وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٣٠٣ الإسناد مقارب وسلامة متكلم فيه، قال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث، وقد ذكر البيهقي هذه اللفظة وتكلم عليها، فقال بعد أن رواه هذا الحديث لا يرضاه أصحاب الحديث، وروي بسند إلى الأوزاعي قال: حدثني الزهري حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني أبو هريرة قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل. فقال:
стр. 3106
يا رسول الله؛ هلكت وأهلكت .. ضعف شيخنا أبو عبد الله الحافظ هذه اللفظة "وأهلكت" وحملها على أنها أدخلت على محمد بن شبيب الأرغياني من رجال هذا الحديث.
فقد رواه أبو علي الحافظ عن محمد بن شبيب بالإسناد الأول دود هذه اللفظة، ورواه العباس بن الوليد عن عقبة بن علقمة دون هذه اللفظة، ورواه كافة أصحاب الأوزاعي دونها ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري عن الزهري، إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري وكان شيخنا يستدل على كونها في تلك الرواية أيضًا خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف المعلى بن منصور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وإن كان أصحاب سفيان رووه عنه دونها، والله أعلم انتهى كلام ابن عبد الهادي.
ورواه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٩٧ عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره وينتف شعره، وفيه: "هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ ".
وهو وهم قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢١/ ٨. قوله: "هل تستطيع أن تهدي بدنة" غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح، ولا مدخل للبدن أيضًا في كفارة الواطئ في رمضان عند جمهور العلماء. وذكر البدن هو الذي أنكر على عطاء في هذا الحديث اهـ.
وروى البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٢٧٠ من طريق محمد وعون أنهما قالا لسعيد بن المسيب. إن عطاء الخراساني حدثنا
стр. 3107
عنك. أن النبي ﷺ أتاه رجل وقع بأهله في رمضان فأمره أن يعتق رقبة. فقال: كذب ما حدثته إنما قال: تصدق تصدق. اهـ.
وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وجابر وابن عمر وعبد الله بن عمرو ومرسل عن سعيد بن المسيب.
أولًا: حديث عائشة رواه البخاري (١٩٣٥) ومسلم ٢/ ٧٨٣ وأبو داود (٢٣٩٥) كلهم من طريق محمد بن جعفر بن الزبير أخبره؛ أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه؛ عن عائشة أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: احترقت، قال رسول الله ﷺ "لم؟ " قال وطئت امرأتي في رمضان نهارًا. قال: "تصدق تصدق" قال ما عندي شيء، فأمره أن يجلس فجاءه عَرَقَانِ فيهما طعام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به هذا لفظ مسلم.
وفي رواية له قال: "اجلس" فجلس، فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام فقال رسول الله ﷺ . "أين المحترق آنفًا؟ " فقام الرجل، فقال رسول الله: "تصدق بهذا" فقال: يا رسول الله أغيرنا؟ فوالله! إنا لجياع، ما لنا شيء قال: "فكلوه".
وعند البخاري فأتى النبي ﷺ بمكتل يدعى العَرَق، فقال: "أين المحترق؟ " قال أنا. قال. "تصدق بهذا". اهـ.
وعند أبي داود: فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام فقال النبي ﷺ : "أين المحترق آنفًا؟ " ... اهـ.
قلت: الذي يظهر من سياق هذه القصة أنها هي قصة المجامع وقد حدث بها أبو هريرة وعائشة.
стр. 3108
لهذا لما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ١٦٢ لفظ مسلم قال: استدل به مالك حيث جزم في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق ولا حجة فيه، لأن القصة واحدة وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها وأوردتها عائشة مختصرة أشار إلى هذا الجواب الطحاوي والظاهر أن الاختصار من بعض الرواة. اهـ.
ثانيًا: حديث أبي هريرة رواه الدارقطني ٢/ ١٩١ قال: حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا أحمد بن سنان، ثنا يزيد بن هارون ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة أن رجلًا أكل في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينًا.
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن فيه أبا معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي.
وبه أعله الدارقطني ٢/ ١٩١ فقال: ليس بالقوي. اهـ.
وقال ابن معين: كان أميًا، ليس بذاك. اهـ.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه كان صدوقًا لكنه لا يقيم الإسناد ليس بذاك اهـ.
وقال الترمذي: تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا اهـ.
وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. اهـ.
وقال علي ابن المديني: كان ضعيفًا، ضعيفًا اهـ.
стр. 3109
وبه أعله ابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ٣٠٧.
ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ١١٦ من طريق ليث بن أبي سليم عن عطاء عن مجاهد عن أبي هريرة بنحوه.
قلت: في إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف اختلط بآخره. وسبق الكلام عليه (١)
لهذا قال النووي في "المجموع" ٦/ ٣٣٠: وهذا السند أيضًا ضعيف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. اهـ.
والحديث مشهور عن أبي هريرة كما رواه الثقات لكن مقيد بالوطء "الجماع".
كما قال البيهقي ٤/ ٢٢٣، ٢٢٦ - ٢٢٧ وهكذا رواه ابن خزيمة ٣/ ٢٢٢ من طريق حبيب بن أبي ثابت وإبراهيم بن عامر والزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ورواه ابن ماجه (١٦٧١) من طريق يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي ٤/ ٢٢٦ من طريق يحيى وعطاء وإبراهيم بن عامر عن ابن المسيب به.
ثالثًا: حديث جابر رواه الدارقطني ٢/ ١٩١ قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا أحمد بن خالد بن عمرو الحمصي، ثنا أبي ثنا
стр. 3110
أبي ثنا الحارث بن عبيدة الكلاعي ثنا مقاتل بن سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "من أفطر يومًا من رمضان في الحضر؛ فليهد بَدَنةً، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا من تمر للمساكين".
قلت: إسناده ضعيف جدًا، لأن فيه مقاتل بن سليمان والحارث بن عبيدة. وفي متنه نكارة
أما مقاتل بن سليمان فهو صاحب بدعه تركه أهل الحديث، قال البخاري: منكر الحديث، سكتوا عنه اهـ.
وقال في موضع آخر: لا شيء البتة. اهـ.
وقال النسائي: كذاب اهـ.
وقال في موضع آخر: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة، فذكر منهم مقاتل بن سليمان اهـ.
وقال ابن معين: ليس بثقة. اهـ.
وقال الدارقطني: يكذب وعده في المتروكين اهـ.
وأما الحارث بن عبيدة فهو الحمصي الكلاعي. قال أبو حاتم: ليس بالقوي. اهـ.
وقال الدارقطني: ضعيف. اهـ.
رابعًا: حديث ابن عمر رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ١١٦ وأبو يعلى في "المقصد العلي" (٥٢٠) كلاهما من طريق سهل بن زنجلة الرازي، ثنا الصباح بن محارب،
стр. 3111
عن هارون بن عنترة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أفطرت يومًا من رمضان، قال: "من غير عذر ولا سفر؟ " قال: نعم، قال: "بئس ما صنعت" قال: أجل، فما تأمرني؟ قال: "أعتق رقبة" قال: والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط، قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: لا أستطيع ذلك. قال "فأطعم ستين مسكينًا" قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي. قال: فأُتي النبيُّ ﷺ بمكتل فيه تمر، فقال: "تصدق بهذا على ستين مسكينًا" قال: إلى من أدفعه يا رسول الله؟ قال: "إلى أفقر من تعلم" قال. فما أهل بيت أجوع منا، قال: "فغديها على عيالك".
قال الطبراني عقبه لم يروه عن حبيب إلا هارون انفرد به الصباح.
قلت: إسناده حسن فإن سهل بن زنجلة والصباح بن محارب التيمي قال عن كل منهما أبو حاتم. صدوق. اهـ.
وأما هارون بن عنترة الشيباني فقد وثقه الإمام أحمد وابن معين، وقال أبو زرعة. لا بأس به، مستقيم الحديث. اهـ.
وأما حبيب بن أبي ثابت فهو من رجال الجماعة، وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم وغيرهم لكنه مدلس وقد عنعن في هذا الإسناد، لكن نص على سماعه من ابن عمر، ابن خزيمة والعجلي.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٦٧ - ١٦٨: رجاله ثقات. اهـ.
وروي عن ابن عمر من وجه آخر وفيه ذكر الجماع. قال البرذعي كما في كتاب "الضعفاء لأبي زرعة وأجوبته على أسئلة البرذعي"
стр. 3112
٢/ ٧٦٠ مع كتاب "أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة" قلت: مكي بن إبراهيم عن العمري عن نافع عن ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: وقعت على أهلي في رمضان، فقال: حديث منكر. اهـ.
خامسًا: حديث عبد الله بن عمرو رواه ابن خزيمة ٣/ ٢٢٤ قال: حدثنا محمد بن العلاء بن كريب وهارون بن إسحاق قالا: ثنا أبو خالد، قال هارون. قال: حجاج وأخبرني عمرو بن شعيب وقال محمد بن العلاء عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد وقع بأهله في رمضان، فذكر الحديث، وقال في آخره "فصم يومًا واستغفر الله"
قلت: في إسناده الحجاج بن أرطاة صدوق مدلس كثير الخطأ والتدليس وقد سبق الكلام عليه (١). وهو وإن وقع تصريحه بالتحديث في هذا الإسناد إلا أنه اختلف في ثبوت تصريحه بالتحديث
فقد رواه ابن خزيمة ٣/ ٢٢٤ عن محمد بن العلاء بن كريب عن الحجاج عن عمرو بن شعيب به. هكذا بصيغة العنعنة
وتابعه على ذكر العنعنة في الإسناد ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢/ ٥١٧ قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو بن شعيب به وفيه قال: "صم يومًا مكانه"
وكذا رواه هارون بن يزيد عن حجاج عن عمرو بن شعيب به كما عند البيهقي ٤/ ٢٢٦ وفي آخره قال البيهقي وزاد فيه: قال عمرو وأمره أن يقضي يومًا مكانه.
стр. 3113
ورواه أحمد ٢/ ٢٠٨ قال: ثنا يزيد أنبأ الحجاج عن عطاء وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بنحوه مرفوعًا.
ورواه ابن خزيمة ٣/ ٢٢٤ من طريق أبي خالد عن الحجاج عن عمرو بن شعيب به.
سادسًا: مرسل سعيد بن المسيب، رواه في "الموطأ" ١/ ٢٩٧ عن عطاء بن عبد الله الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جار رجل أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلكت الأبعد. فقال له رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " فقال: أصبت أهلي، وأنا صائم في رمضان فقال له رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " فقال: لا، فقال: "هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ " قال لا، قال: "فاجلس" فأتي رسولُ الله ﷺ بعرق تمر، فقال: "خذ هذا فتصدق به" فقال: ما أحد أحوج مني. فقال: "كله، وصم يومًا مكان ما أصبت".
قال مالك: قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب: كم في ذلك العرق من تمر؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين
ورواه الشافعي في "المسند" ص ١٠٥ من طريق مالك به.
ورواه البيهقي ٤/ ٢٢٧ من طريق الشافعي به.
قلت: رجاله أئمة ثقات. وأما عطاء بن عبد الله الخراساني فقد وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي والدارقطني لكن يخطئ كثيرًا لهذا ذكره البخاري في كتاب "الضعفاء" وقال ابن حبان. كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به. اهـ.
стр. 3114
ومما يدل على أنه أخطأ في هذا الحديث أنه رواه عطاء على أوجه مختلفة، ثم إن ابن المسيب أنكر عليه أنه حدثه بهذا
فقد ذكره البخاري في "الضعفاء" (٢٧٨) ثم قال: قال سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب حدثني القاسم بن عاصم قال: قلت لسعيد بن المسيب: إن عطاء الخراساني حدثني عنك. أن النبي ﷺ أمر الذي وقع على امرأته في رمضان بكفارة الظهار. فقال: كذب علي عطاء ما حدثته إنما بلغني أن النبي ﷺ قال له "تصدق تصدق" اهـ.
وقد اختلف في لفظه فروي أنه في الإفطار عمدًا لا في الجماع
فقد رواه مسدد كما في "المطالب" (١٠٣٥) قال حدثنا يحيى عن ابن عجلان عن المطلب عن سعيد بن المسيب قال إن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: إني أفطرت يومًا في رمضان قال "تصدق لما صنعت وصم يومًا مكانه واستغفر الله"
ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٠٤ قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان به.
لهذا قال البيهقي ٤/ ٢٢٧. وروي من أوجه أخرى عن سعيد بن المسيب واختلف عليه في لفظ الحديث. والاعتماد على الأحاديث الموصولة. اهـ.
ويعني بالموصول حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة السابق في أول هذا الباب والله أعلم.
стр. 3115
باب: الجنب يدركه الفجر وهو يريد الصوم
٦٧١ - وعن عائشةَ وأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصبِحُ جُنُبًا مِن جِماع ثم يَغتَسِلُ ويَصومُ. متفق عليه. وزاد مسلم في حديث أم سلمة: ولا يقضي.
رواه البخاري (١٩٢٥ - ١٩٢٦) ومسلم ٢/ ٧٨٠ وأبو داود (٢٣٨٨) والترمذي (٧٧٩) والنسائي في "الكبرى" ٢/ ١٨٣ والبغوي في "شرح السنة" ٦/ ٢٧٩ والبيهقي ٤/ ٢١٤ والدارمي ٢/ ١٣ كلهم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة عن أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، أنهما قالتا إن رسول الله ﷺ ليصبح جنبًا من جماع، من غير احتلام في رمضان، ثم يصوم. هذا اللفظ لمسلم هكذا من مسند عائشة وأم سلمة جميعًا ومنهم من فرق كما سيأتي في أحاديث الباب.
وعند عبد الرزاق ٤/ ١٨٠ والدارمي وقع أن أبا بكر أخبره عن أبيه فذكره ولا يضر هذا الاختلاف لأن الحديث سمعه الأب والابن من أم سلمة وعائشة جميعًا كما في رواية البخاري الآتية.
وعند البخاري قال أبو بكر بن عبد الرحمن: كنت أنا وأبي حين دخلنا على عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم .. اهـ. وفي
стр. 3116
آخره قصة رجوع أبي هريرة عندما كان يفتي أن من أصبح جنبًا فلا صيام له ولما بلغه الحديث قال هن أعلم اهـ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٢/ ٤٧ لما ذكر الإسناد الأول روى هذا الحديث قوم عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة وأم سلمة ولا معنى لذكر أبيه فيه، لأنه شهد القصة مع أبيه كلها عند أبي هريرة وعند عائشة وأم سلمة هذا محفوظ من رواية سمي وغيره جماعة وبالله التوفيق اهـ.
وقال الترمذي ٣/ ١٢٣: حديث عائشة وأم سلمة حسن صحيح اهـ.
تنبيه: قال الحافظ في "الفتح" ٤/ ١٤٣: في رواية شعيب أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان - أي ابن الحكم - وإخبار عبد الرحمن بما ذكر لمروان كان بعد أن أرسله مروان إلى عائشة وأم سلمة، بين ذلك في "الموطأ" وهو عند مسلم أيضًا من طريقه، ولفظه: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أُمَّيِ المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك .. فذكره. اهـ. راجع كلام الحافظ بطوله للأهمية.
وفي الباب عن عائشة وحدها وأم سلمة كذلك، وأثر عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر:
أولًا: حديث عائشة رواه البخاري (١٩٣٠) ومسلم ٢/ ٧٨٠ والبيهقي ٤/ ٢١٤ كلهم من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير
стр. 3117
وأبي بكر بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: قد كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب. من غير حلم فيغتسل ويصوم.
ورواه مسلم ٢/ ٧٨١ وأبو داود (٢٣٨٩) والشافعي في "المسند" (٦٩١) والبيهقي ٤/ ٢١٣ كلهم من طريق عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري عن أبي يونس مولى عائشة أخبره عن عائشة: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله! تدركني صلاة الفجر وأنا جنب. أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم " فقال: لست مثلنا! قد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر. فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي".
ثانيًا: حديث أم سلمة رواه مسلم ٢/ ٧٨٠ والبيهقي ٤/ ٢١٤ كلاهما من طريق هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد ربه عن عبد الله بن كعب الحميري، أن أبا بكر حدثه، أن مروان أرسله إلى أم سلمة يسأل عن رجل يصبح جنبًا، أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع لا من حلم ثم لا يفطر ولا يقضي
ورواه مسلم ٢/ ٧٨١ من طريق ابن جريج. أخبرني محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار أنه سأل أم سلمة: عن رجل يصبح جنبًا، أيصوم؟ قالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم.
стр. 3118
ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٣ قال: حدثنا عبدة عن يحيى بن سعيد عن عراك بن مالك عن عبد الملك بن أبي بكر أن أم سلمة بنحوه.
ثالثًا: أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق ٤/ ١٨١ عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال: ما أبالي أن أصيب امرأتي ثم أصبح جنبًا ثم أصوم، أتيت حلالًا.
قلت: رجاله ثقات وابن سيرين لم يدرك ابن مسعود فإسناده منقطع.
وروى ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٣ قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: جاء عبد الله بن مرداس إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني أصبحت وأنا جنب أفأتم صومي؟ قال عبد الله: أصبحت فحل لك الصلاة، وحل لك الصيام، واغتسل وأتم صومك.
ورواه عبد الرزاق ٤/ ١٨١ عن الثوري عن جامع بن أبي راشد قال: حدثنا عبد الله بن مرداس قال: جاءني رجل من الحي فقال: إني مررت بامرأتي في القمر فأعجبتني فجامعتها في شهر رمضان، فنمت حتى أصبحت فقلت. عليك بعبد الله بن مسعود أو بأبي حكيم المزني، فأتى عبد الله فسأله، فقال: كنت جنبًا لا تحل لك الصلاة. فاغتسلت فحلت لك الصلاة وحل لك الصيام فصم.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ١٥٠: عبد الله بن مرداس لم أجد من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
стр. 3119
قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٢٤ وترجم له ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ١٩٨ وقال: عبد الله بن مرداس المحاربي روى عن عبد الله، وكان قليل الحديث. اهـ.
رابعًا: أثر علي بن أبي طالب رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٤ قال حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: إذا أصبح الرجل وهو جنب فأراد أن يصوم، فليصم إن شاء.
قلت: في إسناده الحارث بن عبد الله الأعور وهو متروك
قال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث فقال: مثلك يسأل عن ذا الحارث كذاب. اهـ.
وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. اهـ.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه اهـ.
وقال النسائي: ليس بالقوي. اهـ. وقال مرة: ليس به بأس. اهـ.
وقال الدارقطني: ضعيف. اهـ.
خامسًا: أثر ابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة جميعًا رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٤ قال: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة وزيد بن ثابت وابن عباس في الرجل يصبح وهو جنب، قالوا: يمضي على صومه.
قلت: رجاله كلهم ثقات وعمار مولى بني هاشم اسمه عمار بن أبي عمار وثقه أحمد وأبو داود، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة لا بأس به. اهـ.
стр. 3120
وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ.
وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. اهـ.
وقال أبو داود، قلت لأحمد: روى شعبة عنه حديث الحيض، قال لم يسمع غيره، قلت تركه عمدًا قال: لا لم يسمع. اهـ.
قلت: ولعل هذه الرواية عن أبي هريرة بعد رجوعه كما ثبت رجوعه في "صحيح البخاري" كما سبق.
سادسًا: أثر ابن عمر رواه البيهقي ٤/ ٢١٩ من طريق ابن وهب أخبرني الليث بن سعد أن نافعًا حدثه أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لو نودي بالصلاة والرجل على امرأته لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام قام واغتسل وأتم صومه.
قلت: رجاله ثقات، وإسناده قوي.
وقال النووي في "المجموع" ٦/ ٣١١ إسناده صحيح. اهـ.
* * *