في "المنتقى" (٤٣٥) كلهم من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب.
قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ ... فذكره.
وفيه زيادة فقال النبي ﷺ : "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها". اهـ.
ورواه البخاري (١٨٢١) ومسلم ٢/ ٨٥٤ وابن ماجه (٣٠٩٣) وعبد الرازق ٤/ ٤٢٩ والدارمي ٢/ ٣٨ والدراقطني ٢/ ٢٩١ والبيهقي ٥/ ١٨٨ كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة به بنحوه.
ورواه البخاري (١٨٢٣) ومسلم ٢/ ٨٥١ كلاهما من طريق سفيان قال: حدثنا صالح بن كيسان عن أبي محمَّد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة به.
وفي رواية عند البخاري: فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، وإنا محرمون.
وخالف في متنه معمر.
فقد روى أحمد ٥/ ٣٠٥ وابن ماجه (٣٠٩٣) والدارقطني ٢/ ٢٩١ كلهم من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه به، وفيه قال: فحملت عليه واصطدته فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ وذكرت أني لم أكن أحرمت، وأني اصطدته لك، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يأكلوه. ولم يأكل منه حين أخبرته أني صدته له.
стр. 3537
قال ابن مفلح في "الفروع" ٣/ ٤١٣: ولأحمد وابن ماجه والدارقطني بإسناد جيد في حديث أبي قتادة السابق. قال: ولم يأكل منه حين أخبرته أني صطدته له، قال أبو بكر النيسابوري: لا أعلم أحدًا قاله غير معمر. وفي "الصحيحين": أنه أكل منه. اهـ.
وقال ابن حزم في "المحلى" ٧/ ٢٥٣: ورواه عن يحيى بن أبي كثير معاوية بن سلام وهشام الدستوائي كلاهما يقول فيه: عن يحيى حدثني عبد الله بن أبي قتادة. ولا يذكران ما ذكر معمر. ولم يذكر فيه معمر سماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة. ورواه أيضًا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة ولم يذكر فيه ما ذكر معمر. ورواه أبو حازم عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة فذكر أن رسول الله ﷺ أكل منه. ثم أيضًا لما ذكر أوجه العمل بين رواية معمر والجماعة قال ابن حزم: نظرنا في ذلك فوجدنا من روى عن عبد الله بن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ أكل منه، قد أثبت خبرًا وزاد علمًا على من روى عنه أنه ﵇ لم يأكل منه. فوجب الأخذ بالزائد. ولا بد وترك رواية من لم يثبت ما أثبته غيره. وبالله التوفيق. اهـ.
وقال ابن الجوزي في "التحقيق" مع "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٤٤٧: قال أبو بكر النيسابوري قوله: اصطدته لك، وقوله: لم يأكل منه، لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر وهو موافق لما روى عثمان أنه صيد له طائر وهو محرم فلم يأكل. اهـ.
стр. 3538
وتعقبه ابن عبد الهادي "المصدر السابق". فقال: هذا الحديث رواه ابن ماجه وفيه: فذكرت أني لم أكن أحرمت، والظاهر أن هذا الذي تفرد به معمر غلط؛ فإن في "الصحيحين" أن النبي ﷺ أكل منه، وفي لفظ لأحمد قال: "أطعمونا" وفي لفظ له: "هذه العضد شويتها وأنضجتها وطيبتها" قال: "فهاتها". قال: فجئته بها فنهسها رسول الله ﷺ حتى فرغ منها. اهـ.
* * *
٧٢٧ - وعن الصَّعبِ بن جَثَّامَةَ الليثيِّ ﵁: أنه أهدى لرسولِ الله ﷺ حمارًا وَحشيًّا، وهو بالأبوَاءِ أو بِوَدَّانَ، فرده عليه وقال: "إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ" متفق عليه.
رواه البخاري (١٨٢٥) و (٢٥٧٣) ومسلم ٢/ ٨٥٠ والترمذي (٨٤٩) والنسائي ٥/ ١٨٤ وابن ماجه (٣٠٩٠) والبيهقي ٥/ ١٩١ والدارمي ٢/ ٣٩ وأحمد ٤/ ٣٧، ٧٢، ٧٣ وابن خزيمة ٤/ ١٧٧ والطيالسي (١٢٢٩) وابن الجارود في "المنتقى" (٤٣٦) كلهم من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا .. فذكره.
ورواه مسلم ٢/ ٨٥١ والبيهقي ٥/ ١٩٣ كلاهما من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أهدى الصعب بن جثامة النبي ﷺ حِمارَ وَحشٍ. وهو محرم فرده عليه وقال: "لولا أنا محرمون لقبلنا منك".
стр. 3539
ورواه شعبة على وجهين، فقال أبو حاتم كما في "العلل" (٨٠٤) لما سئل عن هذا الحديث: شعبة يرويه عن حبيب عن الحسن العرني عن النبي ﷺ مرسل، وشعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ . اهـ.
وخالف في متنه يحيى بن سليمان الجعفي فقد رواه البيهقي ٥/ ١٩٣ من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه. أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح فإن كان محفوظًا فكأنه رد الحي وقبل اللحم، والله أعلم. اهـ.
وتعقبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" فقال: في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري ويحيى بن سليمان ذكره الذهبي في "الميزان" و"الكاشف" عن النسائي: أنه ليس بثقة. وقال ابن حبان: ربما أغرب. والغافقي قال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتمٍ. لا يحتج به. وقال أحمد: كان سيئ الحفظ يخطى خطأ كثيرًا. وكذبه مالك في حديثين فعلي هذا لا يُشتَغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده ولمخالفته للحديث الصحيح. وقول البيهقي: "وقبل اللحم" يرده ما في الصحيح أنه ﵇ رده.
وقال ابن القيم في "الهدي" ٢/ ١٦٤: أما حديث يحيى بن سعيد عن جعفر، فغلط بلا شك فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرواة أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذة المنكرة. اهـ.
стр. 3540
وقد اختلف العلماء فيما إذا قال الصعب أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا بتمامه أو جزء حمار، وفيما إذا كان الحمار مذبوحًا أو حيًّا كل هذا بناءً على اختلاف الروايات.
قال البخاري باب: إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل فجزم ﵀ أن الحمار كان حيًّا مع أن ظاهر الروايات أن الحمار كان ميتًا فعند مسلم بلفظ: أهديت له من لحم حمار وحش.
وفي رواية أخرى له: أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي ﷺ رجل حمار وحش.
وفي أخرى: عجز حمار وحش يقطر دمًا.
وفي رواية أخرى: أهدي للنبي ﷺ شق حمار وحش فرده.
لهذا قال النووي في "المجموع" ٧/ ٣٢٤ - ٣٢٥ ما حكاه البخاري باطل مردود. اهـ. وذكر الروايات السابقة وهذا قصور منه ﵀؛ لأن البخاري ﵀ أفقه وأعلم فهو لم يبوب هذا التبويب إلا لسعة علمه بالعلل فالبخاري لم يجهل تلك الروايات. بل عرفها وعرف طرقها وعللها فهو يرى أن الحديث فيه اضطراب في لفظة اللحم.
لهذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ٣٢: قوله. "حمارًا وحشيًّا" لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش. أخرجه مسلم لكن بَيَّنَ الحميديُّ صاحب سفيان أنه كان يقول في
стр. 3541
هذا الحديث: "حمار وحش" ثم صار يقول: "لحم حمار وحش" فدل على اضطرابه فيه وقد توبع على قوله: لحم حمار وحش، من أوجه فيها مقال ... اهـ.
ورجح ابن القيم أن المهدي لحمٌ لا حمارٌ كما في "زاد المعاد" ٢/ ١٦٣ وهناك بسط القول. والله أعلم.
وفي الباب عن ابن عباس وعن عبد الرحمن بن عثمان التميمي وجابر وطلحة بن عبيد الله وأبي سعيد الخدري وعلي والبراء وعائشة:
أولًا: حديث ابن عباس رواه مسلم ٢/ ٨٥١ والنسائي ٥/ ١٨٤ والبيهقي ٥/ ١٩٤ كلهم من طريق ابن جريج قال: أخبرني: الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم إلى رسول ﷺ وهو حرام؟ قال: قال: أُهدي له عضو من لحم صيد فرده. فقال: "إنا لا نأكله إنا حرام".
ثانيًا: حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي رواه مسلم ٢/ ٨٥٥ والنسائي ٥/ ١٨٢ كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني محمَّد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير. وطلحة راقد. فمنا من أكل ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة وفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول ﷺ .
ومعنى قوله: "وفق من أكله" أي: صوبه.
стр. 3542
ثالثًا: حديث جابر رواه أحمد ٣/ ٣٦٢ وأبو داود (١٨٥١) والترمذي (٨٤٦) والنسائي ٥/ ١٨٧ والدارقطني ٢/ ٢٩٠. والبيهقي ٥/ ١٩٠ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤ والحاكم ١/ ٦٢١ - ٦٢٢ وابن الجارود في "المنتقى" (٤٣٧) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
قال الحاكم ١/ ٦٢٢: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ.
قلت: فيما قاله نظر فإن المطلب بن عبد الله لم يخرج له صاحبا "الصحيحين" وهو صدوق ومن المكثرين من الإرسال والتدليس.
وقال الترمذي ٣/ ١٩٦: المطلب لا نعرف له سماعًا من جابر. اهـ.
وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" ٢/ ٢٩٦ وقال الترمذي: قال محمَّد -يعني البخاري-: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبه رسول الله ﷺ ، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف له سماعًا من أحد من الصحابة. وقال الدارمي: لا نعرف له سماعًا من أحد من الصحابة. اهـ.
وقال المنذري كما في "مختصر السنن" ٢/ ٣٦٣: قال الترمذي: والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر وقال في موضع آخر: المطلب بن عبد الله بن حنطب. يقال: إنه لم يسمع من جابر. وذكر
стр. 3543
أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من جابر. وقال ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: يشبه أن يكون أدركه. اهـ. انظر "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٨/ ٣٥٩.
قلت: عمرو بن أبي عمرو مختلف فيه قال الحافظ في "تلخيص الحبير" ٢/ ٢٩٦: عمرو مختلف فيه وإن كان من رجال "الصحيحين". اهـ.
وقال النسائي في "السنن" ٥/ ١٨٧: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك. اهـ.
وقال ابن الجوزي في "التحقيق" كما في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٤٤٦: قال يحيى بن معين: عمرو بن أبي عمرو لا يحتج بحديثه. وقال مرة: ليس بالقوي. وقال أحمد بن حنبل: ما به بأس. وقال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. اهـ.
ثم تعقبه ابن عبد الهادي فقال: لكن في إسناد هذا الحديث المطلب بن عبد الله بن حنطب ثقة، إلا أنه لم يسمع من جابر قال ابن أبي حاتم: المطلب عامة أحاديثه مراسيل لم يدرك أحدًا من الصحابة إلا سهل بن سعد وسلمة بن الأكوع وأنسًا أو من كان قريبًا منهم، لم يسمع من جابر. اهـ.
وقال ابن حزم ٧/ ٢٥٣: أما خبر جابر ساقط لأنه عن عمرو بن أبي عمرو وهو ضعيف. اهـ.
стр. 3544
ورواه الدارقطني ٢/ ٢٩٠ والبيهقي ٥/ ١٩٠ كلاهما من طريق عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر بمثله.
وقد اختلف على عمرو بن أبي عمرو على عدة أوجه لهذا جعل ابن التركماني للحديث أربع علل فقال: أحدها: الكلام في المطلب ثانيتها: أنه ولو كان ثقة فلا سماع له من جابر. فالحديث مرسل. ثالثتها: الكلام في عمرو. رابعتها: اختلف عليه فيه. اهـ.
رابعًا: حديث طلحة بن عبيد الله رواه ابن ماجه (٣٠٩٢) وابن أبي عمر كما في "المطالب" (١٢٧٨) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة. عن طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ أعطاه حمارًا وحشيًّا. وأمره أن يفرقه في الرفاق وهم محرمون.
قلت: رجاله ثقات.
قال البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه": إسناده ثقات. وفي "الأطراف": قال يعقوب ابن شيبة: هذا الحديث لا أعلم رواه هكذا غير ابن عيينة وأحسبه أراد أن يختصره فأخطأ فيه. وقد خالفه الناس جميعًا فقالوا في حديثهم: فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يقسمه في الرقاب وهم محرمون. اهـ.
ونحو هذا نقل المزي في "تحفة الأشراف" ٤/ ٢١٧ عن يعقوب بن شيبة.
قلت: ووجه المخالفة أن الحديث رواه النسائي ٥/ ١٨٣ وعبد الرزاق ٤/ ٤٣١ وابن حبان ١١/ ٥١١ (٥١١١) والبيهقي
стр. 3545
٦/ ١٧١ كلهم من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري أنه أخبره عن البهزي أن رسول الله ﷺ ... فذكره بنحوه.
وتابع مالك يزيد بن هارون كما عند أحمد ٣/ ٤٥٣.
واختلف أيضًا في إسناده فرواه النسائي ٧/ ٢٠٥ والحاكم ٣/ ٦٢٤ كلاهما من طريق يزيد بن الهاد عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث به ولم يذكر فيه البهزي.
ورواه أحمد ٣/ ٤١٨ قال: ثنا هشيم قال: أنا يحيي عن محمَّد بن إبراهيم قال: أخبرني عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمير بن سلمه الضمري قال: إن رسول الله ﷺ فذكره بنحوه.
فالحديث وإن كان ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على "المطالب": ظاهر هذا الإسناد الصحة لكنه معلول بَيَّنَ ذلك عليُّ بن المديني في كتاب "العلل"، وأنه قال: لا بن عيينة: إن الناس يخالفونك. لا يقولون: عن عيسى بن طلحة عن أبيه فقال: الحديث، قد قصصت لك، وكنت أظنه عن أبيه قال علي: الصواب عن عيسى بن طلحة عن البهزي. اهـ.
وسئل الدارقطني في "العلل" ٤/ ٢٠٩ (٥١٥) عن هذا الحديث فقال: هو حديث تفرد به ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن طلحة. ووهم فيه وغيره يرويه عن يحيى بن سعيد وبسنده عن عمير بن سلمة الضمري عن النبي ﷺ -
стр. 3546
وبعضهم قال: عن عمير بن سلمة عن رجل من بهز، والصواب قول من قال: عمير بن سلمة. كذلك رواه يزيد الهاد وعبد ربه بن سعيد ويحيى بن أبي كثير عن محمَّد. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ٥/ ٣٣: قال أبو عمر: الصحيح أنه لعمير بن سلمة والبهزي كان "صائد الحمار". ثم قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: عن البهزي أي عن قصة البهزي ولذلك نظائر ذكرها ابن عبد البر في "التمهيد" ... وبذلك جزم موسى بن هارون في حديث البهزي كما نقله الدارقطني في "العلل". وتعكر عليه رواية عباد بن العوام ويونس بن راشد عن يحيى قال فيها: إن البهزي حدثه. ويمكن أن يجاب بأنهما غيرا قوله: عن البهزي إلى قوله: إلى البهزي ظنا أنها سواء لكون الرواي غير مدلس فيستوي في حقه الصيغتان. اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٨٩٨): سألت أبي عن حديث رواه ابن الهاد عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ وهو حرم إذا حمار معقور ... قال: فسمعت أبي يقول: روى هذا الحديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمَّد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن البهزي عن النبي ﷺ قال أبي: ورواه الأوزاعي وقصر به ولم يجوده. قلت: لأبي: أيهما أشبه؟ قال: حديث ابن الهاد أشبه؛ لأن في حديث ابن الهاد ذكر البهزي والحديث عن عمير وكان المجني على الحمار البهزي. اهـ.
стр. 3547
خامسًا: حديث أبي سعيد الخدري في قصة صيد أبي قتادة رواه ابن حبان في "الموارد" (٩٨٤) والبزار في "مختصر زوائده على الكتب الستة والمسند" ١/ ٤٥٠ كلاهما من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه محرمين حتى نزلوا بعسفان بثنية الغزال. فإذا هم بحمار وحش فجاءه أبو قتادة وهو حِلٌّ فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدوا أبصارهم فيفطن، فرآه فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه السوط. فقال: ناولنيه. فقلنا: لا نعينك عليه، فحمل عليه فعقره قال: ثم جعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله ﷺ بين أظهرنا. وكان تقدمهم. فلحقوه فسألوه فلم ير به بأسًا، وأظنه قال: "هل معكم منه شيء؟ " شك عبيد الله.
قال البزار عقبه: لا نعلم أسند عبيد الله عن عياض إلا هذا ولا عنه إلا عبيد الله. اهـ. كذا في الأصل ولعل صوابه إلا عبد الأعلى.
وقال ابن حجر في تعليقه على "الزوائد": وهو إسناد صحيح. اهـ.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١: رجاله ثقات. اهـ.
قلت: هو كما قال ويشهد له حديث أبي قتادة السابق.
سادسًا: حديث علي بن أبي طالب رواه ابن ماجه (٣٠٩١) قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا عمران بن محمَّد بن أبي ليلى عن أبيه عن
стр. 3548
عبد الكريم عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي ابن أبي
طالب قال: أتى النبي ﷺ بلحم صيد وهو محرم فلم يأكله.
قال البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه": في إسناده عبد الكريم، وهو أبو المخارق وهو ضعيف. اهـ. وقد تقدم الكلام عليه (١).
قلت: وعمران بن محمَّد بن أبي ليلى ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٦/ ٣٠٥ ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا ووثقه ابن حبان.
وأما والده محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو ضعيف قال الإِمام أحمد: كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه. وقال مرة: ضعيف. اهـ.
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. اهـ.
وقال ابن المديني: كان سيئ الحفظ واهي الحديث. اهـ.
وقال الحافظ في "التقريب" ٦٠٨١: صدوق سيئ الحفظ جدًّا. اهـ.
ورواه أحمد ١/ ١٠٠ قال: ثنا هاشم بن سليمان يعني ابن المغيرة (٢) عن علي بن زيد بن جدعان ثنا عبد الله بن الحارث بن
стр. 3549
نوفل الهاشمي قال: كان أبي الحارث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان فأقبل عثمان ﵁ إلى مكة فقال عبد الله بن الحارث: فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء حجلًا، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عُراقًا للثريد فقدمناه إلى عثمان وأصحابه. فأمسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده، ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال: عثمان من يقول في هذا؟ فقالوا: عليّ. فبعث إلى علي ﵁. فجاء، قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيد لم نصطده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حل فأطعمونا فما بأس، قال: فغضب عليّ وقال: أَنشُد الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أُتي بقائمة حمار وحش فقال رسول الله ﷺ : "إنا قومٌ حُرُمٌ فأطعموه أهل الحل" فشهد اثنا عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ . ثم قال عليّ: أنشُدُ الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أتى ببيض النعام، فقال رسول الله ﷺ : "إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل" قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وَرِكَه عن الطعام، فدخل رحله، وأكل ذلك الطعام أهل الماء.
ورواه أحمد ١/ ١٠٠ قال: ثنا هدبة عن خالد ثنا همام ثنا على ابن زيد به بنحوه مختصرًا.
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ١٦٨ من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد أن عثمان هكذا.
стр. 3550
قال أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" ٢ / رقم (٧٨٣) إسناده صحيح. اهـ.
قلت: الحديث مداره على علي بن زيد جدعان وهو ضعيف كما سبق (١).
وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٢٩.
ورواه أبو داود (١٨٤٩) وقال: حدثنا محمَّد بن كثير أنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه بنحوه.
ورواه عبد الرزاق ٤/ ٤٢٧ عن معمر عن يزيد بن أبي زياد قال: سمعت عبد الله بن الحارث به بنحوه.
فالحديث اختلف في إسناده.
لهذا قال الدارقطني لما سئل عنه في "العلل" ٣/ ٢٥٥: يرويه علي بن زيد بن جدعان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عليٍّ مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ . ورواه حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن عليٍّ مرفوعًا قال ذلك سليمان بن كثير عن حميد. وقال عبيد الله بن تمام: عن حميد عن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن عليٍّ ورفعه أيضًا. ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن علي ولم يرفعه. ورواه عبد الكريم عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن عليٍّ عن النبي ﷺ . اهـ.
стр. 3551
سابعًا: حديث البراء بن عازب رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ٢٢٢ قال: ثنا أحمد بن الحسن بن هارون بن سليمان بن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان الفقيه الكوفي ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا داود بن مهران ثنا حماد بن شعيب الحماني في أبي الزبير عن طاووس عن ابن عباس عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ : نزل مر الظهران فأهدي له عضو صيد فرده على الرسول وقال: "اقرأ ﵇ وقيل له: لولا أنا حرم ما رددناه عليه".
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن أبي الزبير إلا حماد بن شعيب تفرد به داود. اهـ.
قلت: في إسناده حماد بن شعيب الحماني الكوفي ضعيف.
ضعفه النسائي وأبو زرعة وابن معين.
ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٣٠: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف. اهـ.
ثامنًا: حديث عائشة رواه أحمد ٦/ ٤٠ وأبو يعلى في "المقصد العلي" (٥٦٤) كلاهما من طريق سفيان عن عبد الكريم عن قيس بن مسلم الجدلي عن الحسن بن محمَّد بن علي عن عائشة: أن النبي ﷺ أهدي له وشيقة ظبي وهو محرم فردها.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٣٠: رواه أحمد وأبو يعلى وزاد قال سفيان: الوشيقة لحم يطبخ ثم ييبس، ورجال أحمد رجال الصحيح. اهـ.
стр. 3552
قلت: في الإسناد المذكور عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف وقد سبق الكلام عليه (١).
وقد رواه أبو يعلى بأسانيد مدارها على عبد الكريم بن أبي المخارق.
ورواه أحمد ٦/ ٢٢٥ قال: ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن قيس بن مسلم به بمثله.
تنبيه: أحاديث الباب لا تعتبر مضطربة لإمكان الجمع بينها وهو أنه ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز له أكله، فأما ما لم يصده من أجله، بل صاده لنفسه أو لحلال، لم يحرم على المحرم أكله، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وقول إسحاق وأبي ثور.
وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٢/ ٢٦٤: قال ابن عبد البر: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب. قال: وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب، وإذا حملت على ذلك لم تتضاد، ولم تختلف، ولم تتدافع. وعلى هذا يجب أن تحمل السنن, ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. اهـ.
وقال ابن القيم أيضًا: وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على التفصيل. اهـ. وهذا صريح حديث جابر السابق وهذا التفصيل
стр. 3553
قرره ابن قدامة في "المغني" ٣/ ٢٨٨ - ٢٩٣ والنووي في "المجموع" ٧/ ٣٠١ - ٣٠٤ وابن مفلح في "الفروع" ٣/ ٤١٢ وهو قول الجمهور.
قال الترمذي ٣/ ١٩٦: حديث جابر حديث مفسّر، والمطلب لا نعرف له سماعًا عن جابر، والعمل [على] هذا عند بعض أهل العلم. لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسًا، إذا لم يصطده أو لم يصطد من أجله. قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب، وأقيس، والعمل على هذا وهو قول أحمد وإسحاق. اهـ.
وقال ابن قدامة في "المغني" ٣/ ٢٩٣: ولنا ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ... " وهو أحسن حديث في الباب، وهذا صريح في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها ... اهـ.
* * *
стр. 3554
باب: ما يقتل المحرم من الدواب
٧٢٨ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ من الدَّوابٍّ كُلُّهُنَّ فاسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: العقربُ، والحِدأَةُ، والغُرابُ، والفأرَةُ، والكلبُ العَقورُ" متفق عليه.
رواه البخاري (٣٣١٤) ومسلم ٢/ ٨٥٧ وأحمد ٦/ ٨٧ والترمذي (٨٣٧) والدارمي ٢/ ٣٦ والبيهقي ٥/ ٥٠٩ كلهم من طريق الزهري عن عروه عن عائشة به مرفوعًا.
ورواه مسلم ٢/ ٨٥٦ والنسائي ٥/ ١٨٨ وابن ماجه (٣٠٨٧) وأحمد ٦/ ٩٧ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٦٧ والبيهقي ٥/ ٢٠٩ كلهم من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت عائشة به مرفوعًا.
ورواه مسلم ٢/ ٨٥٦ والبيهقي ٥/ ٢٠٩ كلاهما من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبيد الله بن مقسم يقول: سمعت القاسم بن محمَّد يقول: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ به مرفوعًا وفيه زيادة: قال: فقلت للقاسم: أفرأيت الحية؟ قال: تقتل بصغرٍ لها، أي: بمذلة وإهانة. اهـ.
ورواه الإِمام أحمد ٦/ ٢٠٩ من طريق المسعودي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "الحية فاسقة والعقرب فاسقة والغراب فاسق والفأرة فاسقة".
стр. 3555
قلت: في إسناده المسعودي وهو مختلط وقد سبق الكلام عليه.
وفي الباب عن ابن عمر وحفصة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وأبي رافع:
أولًا: حديث ابن عمر رواه البخاري (٣٣١٥) ومسلم ٢/ ٨٥٩
وأحمد ٢/ ٥٠ ومالك في "الموطأ" ١/ ٣٥٦ كلهم من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة".
ورواه البخاري (١٨٢٦) ومسلم ٢/ ٨٥٨ وابن ماجه (٣٠٨٨) والنسائي ٥/ ١٨٩ ومالك في "الموطأ" ١/ ٣٥٦ والدارمي ٢/ ٣٦ كلهم من طريق نافع عن ابن عمر بمثله.
ورواه مسلم ٢/ ٨٥٧ وأحمد ٢/ ٨ والبيهقي ٥/ ٢١٠ كلهم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه بمثله.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٨٢٣): سألت أبي عن حديث رواه نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "خمس يقتلن في الحرم". ورواه الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي ﷺ قال أبي: كنا ننكر حديث الزهري حتى رأينا ما يقويه. أخبرنا أبو محمَّد عبد الرحمن قال: حدثنا أبي قال: حدثنا مسدد عن أبي عوانة عن زيد بن جبير عن ابن عمر. قال: حدثتني إحدى نسوة رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ . قال أبي: يعني أخته حفصة، فعلمنا
стр. 3556
أن حديث الزهري صحيح، وأن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ إنما سمعه من أخته حفصة. اهـ.
قلت: ويشكل على قول الإِمام أبي حاتم: أن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث ما ورد من التصريح بسماع ابن عمر من الرسول ﷺ كما سبق قبل قليل.
لكن أشار المعلمي في "التنكيل" وابن رجب في "شرح العلل" أن صيغ التحديث أحيانًا لا تضبط. إما من المصنف أو الراوي. فيظهر ترجيح أن ابن عمر لم يسمعه من النبي ﷺ ومن المعلوم أن هذا ليس بعلة قادحة.
ومما يقوي هذا ما نقله ابن أبي حاتم في "العلل" (٨٤٥) عن أبيه أنه قال لما سئل عن هذا الحديث: رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ وهذا الصحيح. ومما يبين صحة هذا الحديث أن ابن عمر لم يسمع هذا من النبي ﷺ إنما رواه زهير وغيره عن زيد بن جبير عن ابن عمر قال: أخبرتني بعض نسوة النبي ﷺ ، قال أبي: ولم يسم ابن عمر لزيد بن جبير حفصة. إذ كان زيد غريبًا منه وسماها لسالم أن كانت عمة سالم. اهـ.
فالخلاصة: أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث.
لهذا قال العراقي في "طرح التثريب" ٥/ ٥٧: ولا يضر الاختلاف فالحديث مقبول سواء كان من رواية ابن عمر عن النبي ﷺ أو بواسطة حفصة مقبول أو غيرها من أمهات المؤمنين. اهـ.
стр. 3557
ورواه مسلم ٢/ ٨٥٩ وأحمد ٢/ ٣٢ كلاهما من طريق محمَّد بن إسحاق عن نافع بن عبيد الله عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس لا جناح في قتل ما قُتل منهن في الحرم" فذكر مثله.
ورواه أحمد ٢/ ٣٠ البيهقي ٥/ ٢١٠ والدارقطني ٢/ ٢٣٢ كلهم من طريق الحجاج بن أرطأة عن وبرة عن ابن عمر به مرفوعًا. وزاد فيه: الذئب.
ويظهر أن الحجاج بن أرطأة لم يضبطه وبه أعله البيهقي.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٤/ ٣٠: وحجاج ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة. فرواه موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة. اهـ.
وقال الألباني حفظه الله في "الإرواء" ٤/ ٢٢٤: هذا إسناد ضعيف لعنعنة الحجاج وذكر الذئب فيه غريب ... اهـ.
قلت: وسبق الكلام على حال الحجاج بن أرطأة (١).
ثانيًا: حديث حفصة رواه البخاري (١٨٢٨) ومسلم ٢/ ٨٥٨ والنسائي ٥/ ٢١٠ والبيهقي ٥/ ٢١٠ كلهم من طريق يونس عن الزهري عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قالت حفصة زوج النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب كلهم فاسق لا حرج على من قتلهن: العقرب والغراب والحدأة. والفأرة والكلب العقور".
стр. 3558
ورواه البخاري (١٨٢٧) ومسلم ٢/ ٨٥٨ وأحمد ٦/ ٢٨٥ كلهم من طريق زيد بن جبير: أن رجلًا سأل ابن عمر ما يقتل المحرم من الدواب؟ فقال. أخبرتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه أمر بقتل أو أمر أن يقتل ... فذكره.
والذي يظهر أن التي أخبرته هي حفصة لظاهر سياق المتن وهو كذلك صنيع مسلم في "صحيحه".
ثالثًا: حديث عبد الله بن مسعود رواه البخاري (٤٩٣١) ومسلم ٢/ ١٧٥٥ والبيهقي ٥/ ٢١٠ كلهم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فوثبت علينا حية، فقال رسول الله ﷺ . "اقتلوها" فابتدرنا فسبقتنا فقال رسول الله ﷺ : "وقيت شركم كما وقيتم شرها" وهذا الحديث ليس صريح في هذا الباب لكن وضعه ابن مفلح في "الفروع" ٣/ ٤٣٨ تحت هذا الباب وتبعته.
رابعًا: حديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد ٣/ ٣ وأبو داود (١٨٤٨) والترمذي (٨٣٨) وابن ماجه (٣٠٨٩) والبيهقي ٥/ ٢١٠ والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ١٦٦ كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ سئل عما يقتل المحرم؟ قال: "الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي" وعند ابن ماجه زيادة في آخره قيل له:
стр. 3559
لم قيل لها: الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله ﷺ استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت.
زاد الطحاوي: قال يزيد: وعدَّ غير هذا، فلم أحفظ. قال: ولم سميت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ رسول الله ﷺ ذات ليلة ... فذكره وقد حسنه الترمذي.
قلت: في تحسينه نظر؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وقد سبق الكلام عليه (١).
وبه أعله عبد الحق في "الأحكام الوسطى" ٤/ ١٩٩ وتبعه ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٤٧٥.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ٢٩٤: في إسناده يزيد بن أبي زياد. وهو ضعيف وإن حسنه الترمذي، وفيه لفظة منكرة وهي قوله: ويرمي الغراب ولا يقتله. اهـ.
وقال البوصيري في تعليقه على "زوائد سنن ابن ماجه": في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وإن أخرج له مسلم. اهـ.
قلت: وجهة نكارتها هو ما سبق من حديث عائشة وابن عمر وحفصة وغيرهم وفيها الأمر بقتل الغراب.
وقال الألباني حفظه الله كما في "الإرواء" ٤/ ٢٢٦: هذا إسناد ضعيف من أجل يزيد بن أبي زياد، وإن أخرج له مسلم؛ فإنما أخرج له مقرونًا بغيره، ومع ضعفه فقد اختلط بآخره. اهـ.
стр. 3560
خامسًا: حديث أبي هريرة رواه أبو داود (١٨٤٧) والبيهقي ٥/ ٢١٠ كلاهما من طريق حاتم بن إسماعيل قال: حدثني محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور".
قلت: إسناده لا بأس به.
قال الألباني حفظه الله كما في "الإرواء" ٤/ ٢٢٥: هذا إسناد جيد. اهـ.
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/ ١٦٣ من طريق يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان به.
ومحمد بن عجلان المدني وثقة الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وادعى أن اختلطت عليه صحيفة عن أبي هريرة فأجاب عنها ابن حبان. وحديث هذا موافق لحديث الثقات. كما سبق.
سادسًا: حديث ابن عباس رواه أحمد ١/ ٢٥٧ قال: ثنا عثمان بن محمد ثنا جرير عن ليث عن طاووس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "خمس كلُّهنَّ فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم: الفأرة والعقرب والحية والكلب العقور والغراب".
ورواه البزار كما في "كشف الأستار" ٢/ ١٦ من طريق جرير به.
قلت: في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف كما سبق.
стр. 3561
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٢٩: فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكن مدلس. اهـ.
ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ٢٢١
من طريق عاصم بن عمر عن حميد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس بنحوه.
قال البزار عقبه: لم يروه عن عطاء إلّا حميد ولا عنه إلّا عاصم تفرد به ابن نافع. اهـ.
قلت: في إسناده عاصم بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف كما سبق.
سابعًا: حديث أبي رافع رواه البزار كما في "مختصر زوائده على الكتب الستة والمسند" ١/ ٤٥٠ قال: حدثنا غسان بن عبد الله ثنا عبيد الله ثنا يوسف بن نافع ثنا عبد الرحمن ابن أبي الموال عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، قال: بينا رسول الله ﷺ في صلاته إذ ضرب شيئًا فإذا هي عقرب ضربها فقتلها. وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٢٩: فيه يوسف بن نافع ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ولم يذكر فيه شيئًا وذكره ابن حبان في "الثقات". اهـ.
قلت: وشيخ البزار غسان بن عبد الله لم أجد من ترجم له.
* * *
стр. 3562
باب: ما جاء في الحجامة للمحرم
٧٢٩ - وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ احتَجَمَ وهو مُحرِمٌ. متفق عليه.
رواه البخاري (٥٦٩٥) ومسلم ٢/ ٨٦٢ وأبو داود (١٨٣٥) والنسائي ٥/ ١٩٣ والبيهقي ٥/ ٦٤ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٥٧ كلهم من طريق عمرو بن دينار عن طاووس وعطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ ... فذكره.
ورواه البخاري (١٩٣٨ - ١٩٣٩) والترمذي (٧٧٥) كلاهما من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم.
قلت: سبق الكلام على هذا الحديث في باب: الحجامة للصائم.
وفي الباب عن أنس وابن بحينة وعائشة وأثر عن عمر ومرسل عن سليمان بن يسار:
أولًا: حديث أنس رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٩ من طريق خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن حميد عن أنس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم.
قلت: رجاله ثقات وخالد بن مخلد القطواني من رجال البخاري ومسلم.
стр. 3563
قال الإمام أحمد: له أحاديث مناكير. اهـ.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. اهـ.
وقال ابن معين: ما به بأس. اهـ.
وقال أبو داود: صدوق ولكن يتشيع. اهـ.
قلت: لعل الراجح أنه صدوق ويحذر من أفراده.
ولهذا قال ابن عدي: هو عندي إن شاء الله لا بأس به. اهـ.
ورواه أبو داود (١٨٣٧) والنسائي ٥/ ١٩٤ وأحمد ٣/ ١٦٤ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٥٩ كلهم من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به.
قلت: إسناده ظاهره الصحة.
وقال أبو داود ١/ ٥٦٩ لما رواه عن أحمد بن حنبل: سمعت أحمد قال: ابن أبي عروبة أرسله. يعني عن قتادة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٠/ ١٥٤: رجاله رجال الصحيح؛ إلّا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر وليست هذه بعلة قادحة. اهـ.
ثانيًا: حديث ابن بحينة رواه البخاري (٥٦٩٨) ومسلم ٢/ ٨٦٢ والبيهقي ٥/ ٦٥ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٥٧ وابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٩ كلهم من طريق سليمان بن بلال عن علقمة بن أبي علقمة
стр. 3564
عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة: أن النبي ﷺ احتجم بطريق مكة، وهو محرم وسط رأسه.
وفي رواية للبخاري بلحي جمل، بدل طريق مكة.
ثالثًا: حديث جابر رواه النسائي ٥/ ١٩٣ قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم قال. حدثنا أبو الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم من وثء كان به.
قلت: رجاله كلهم ثقات.
ورواه أبو داود (٣٨٦٣) وأحمد ٣/ ٣٥٧ كلاهما من طريق هشام عن أبي الزبير به بلفظ. احتجم على وركه من وثء كان به.
وعند أحمد بلفظ. وهو محرم من ألم كان بظهره أو بوركه شك هشام.
ورواه ابن ماجه (٣٠٨٢) من طريق ابن خثيم عن أبي الزبير به مرفوعًا بلفظ: احتجم وهو محرم، عن رهصة أخذته.
رابعًا: حديث عائشة رواه البزار كما في "كشف الأستار" ٢/ ١٦ (١٠٩٨) قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة. حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة. أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم.
قال البزار عقبه: أسنده غير واحد، ورواه بعضهم عن أبي عاصم عن ابن أبي مليكة مرسلًا. اهـ.
стр. 3565
قلت: رجاله ثقات عدا شيخ البزار لم أقف على ترجمة له.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٣٢: إسناده حسن. اهـ.
خامسًا: أثر ابن عمر رواه الشافعي في "مسنده" (٨٣٤) قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: لا يحتجم المجرم إلّا أن يضطر إليه مما لا بد له منه.
قلت: إسناده صحيح.
سادسًا: مرسل سليمان بن يسار رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٩ قال: حدثنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم على ذؤابتيه بمكان يدعى لحي جمل.
قلت: رجاله ثقات وهو مرسل كما قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٣/ ١٦٢.
* * *
стр. 3566
باب: ما جاء في فدية الأذى
٧٣٠ - عن كَعبِ بن عُجْرَةَ قال: حُمِلْتُ إلى رسولِ الله ﷺ والقملُ يَتناثَرُ على وَجهِي، فقال: "ما كنتُ أَرَى الوَجَعَ بلغَ بكَ ما أَرَى! تَجِدُ شاةً؟ " قلت: لا. قال: "فَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ أو أطعِمْ سِتَّةَ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ". متفق عليه.
رواه البخاري (١٨١٥) ومسلم ٢/ ٨٦٠ وأبو داود (١٨٦٠) والترمذي (٢٩٥٣) والنسائي ٥/ ١٩٤ - ١٩٥ ومالك في "الموطأ" ١/ ٤٠٧ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧ والبيهقي ٥/ ٥٤ - ٥٥ كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال ... فذكره.
ورواه البخاري (١٨١٦) و (٤٥١٧) ومسلم ٢/ ٨٦١ وابن ماجه (٣٠٧٩) والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨ والبيهقي ٥/ ٥٥ كلهم من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن معقل بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل. قال: قعدت إلى كعب وهو في المسجد فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ فقال كعب: نزلت فيَّ. كان بي أذى من رأسي فحُمِلت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي. فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى. أتجد شاة؟ " فقلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ
стр. 3567
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: "صومُ ثلاثة أيام أو إطعامُ ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين". قال: فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة.
وفي رواية لمسلم: "أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
ورواه ابن ماجه (٣٠٨٠) من طريق أسامة بن زيد عن محمد بن كعب عن كعب بن عجرة بنحوه.
وفي إسناده أسامه بن زيد هو متكلم فيه. لكن يشهد له ما سبق.
وللحديث طرق أخرى عن كعب بن عجرة.
* * *
стр. 3568
باب: تحريم حرم مكة
٧٣١ - وعن أبي هريرة قال: لما فَتَحَ الله على رسوله مكَّةَ. قام رسولُ الله ﷺ في الناس فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه. ثم قال: "إنَّ اللهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفيلَ، وسَلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنينَ، وإنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبلي، وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نهارٍ، وإنَّها لن تَحِلَّ لأحدٍ بَعدِي. فلا يُنَفَّرُ صَيدُها. ولا يُختلَى شَوكُها، ولا تَحِلُّ ساقِطَتُها إلّا لِمُنشِدٍ، ومَن قُتِلَ له قَتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرينِ" فقال العباس: إلّا الإذخِرَ يا رسولَ الله، فإنّا نَجعلُهُ في قُبورِنا وبُيوتنا فقال: "إلّا الإذخِرَ". متفق عليه.
رواه البخاري (٢٤٣٤) ومسلم ٢/ ٩٨٨ وأبو داود (٢٠١٧) والدارمي ٢/ ٢٦٥ والبيهقي ٥/ ١٩٥ والطحاوي عن "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٤٠ كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني أبو هريرة به مرفوعًا.
وفي "الصحيحين" وغيرهما زيادة: فجاء رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاة فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: "اكتبوا لأبي شاة".
وفي الباب عن ابن عباس وأبي شريح العدوي وصفية بنت شيبة وابن عمر وأبي سعيد الخدري:
стр. 3569
أولًا: حديث ابن عباس رواه البخاري (٣١٨٩) ومسلم ٢/ ٩٨٦ وأبو داود (٢٠١٨) والنسائي ٥/ ٢٠٣ وأحمد ١/ ٢٥٩ والبيهقي ٥/ ١٩٥ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٢٩٤ كلهم من طريق منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة لكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم الفتح: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلّا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلّا من عرفها. ولا يختلي خلاه" فقال العباس: يا رسول الله إلّا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: "إلّا الإذخر".
ورواه البخاري (٢٤٣٣) من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها ولا تحلُّ لقطتها إلّا لمنشد ولا يختلى خلاها". فقال ابن عباس: يا رسول الله إلّا الإذخر، فقال: "إلّا الإذخر".
وروى البخاري (١٧٣٩) وأحمد ١/ ٢٣٠ كلاهما من طريق فضيل بن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس به مرفوعًا بلفظ: "يا أيها الناس أي يوم هذا؟ " قالوا: يومٌ حرام. قال: "فأي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: "فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا". فأعادها مرارًا. . . .
стр. 3570
وروى أبو نعيم في "معرفة الصحابة" ٣/ ١٩٩ (١٢٧١) وابن سعد في "الطبقات" ٤/ ٢٩٥ كلاهما من طريق ابن خثيم قال: حدثني أبو الطفيل عن ابن عباس ﵄. قال: إن رسول الله ﷺ بعث تميم بن أسيد الخزاعي يجدد أنصاب الحرم، وكان إبراهيم ﵇ وضعها يريها إياه جبريل ﵊.
قلت: في إسناد أبي نعيم عمرو بن مالك الراسبي وهو ضعيف.
وفي إسناد ابن سعد الواقدي وهو متروك كما سبق (١).
ورواه الأزرقي ٢/ ١٢٧ وفي إسناد الأزرقي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو متروك كما سبق (٢).
وقد حسنه الحافظ ابن حجر فقال في "الإصابة" ١/ ١٩١. أخرجه أبو نعيم. . إسناده حسن. اهـ.
ورواه الفاكهي في "تاريخ مكة" ٢/ ٢٧٣ والأزرقي ٢/ ١٢٩ كلاهما من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس بنحوه ولم يذكر فيه تميمًا.
ثانيًا: حديث أبي شريح العدوي الكعبي رواه البخاري (١٠٤) ومسلم ٢/ ٩٨٧ والنسائي ٥/ ٢٠٥ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٣٠٠ كلهم من طريق ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن
стр. 3571
لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغدَ من يوم الفتح.
سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به. أنه حَمِد الله وأثنى عليه. ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإنْ أحدًا ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها. فقولوا له: إن الله أذن لرسول الله ﷺ ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب"، فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخربة.
ثالثًا: حديث صفية بنت شيبة رواه ابن ماجه (٣١٠٩) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا يونس بن بكير ثنا محمد بن إسحاق ثنا أباد بن صالح عن الحسن بن مسلم بن يناف عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح فقال: "يا أيها الناس إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يأخذ لقطتها إلّا منشد" فقال العباس: إلّا الإذخر فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ : "إلّا الإذخر".
قال البوصيري في تعليقه على "زوائد ابن ماجه": هذا الحديث وإن كان صريحًا في سماعها من النبي ﷺ لكن في إسناده أبان بن صالح وهو ضعيف. اهـ.
قلت: أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم.
стр. 3572
قال أبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن شيبه وابن معين ثقة. اهـ.
وقال النسائي: ليس به بأس. اهـ.
وضعفه ابن عبد البر في "التمهيد" فقال: أبان بن صالح ضعيف. اهـ.
وقال ابن حزم في "المحلى" أبان. ليس بالمشهور. اهـ.
وتعقبهما الحافظ ابن حجر في "التهذيب" ١/ ٨٢ فقال: وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه. فلم يضعف أبان بن صالح أحد قبلهما ويكفي فيه قول ابن معين. اهـ.
وقال الألباني حفظه الله كما في "الإرواء" ٤/ ٢٤٩: سند جيد. اهـ.
قلت: إسناده إذًا لا بأس به ويشهد له الأحاديث السابقة.
رابعًا: حديث ابن عمر رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ٢٦٤ قال: حدثنا محمد بن علي المكي الصائغ ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ثنا عبد الله بن موسى التيمي عن عيسى بن أبي عيسى الخياط. عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرَّم حَرَمَه [مكة] فهو حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يحتش حشيشه ولا ترفع لقطته إلّا لإنشادها ولا يستحل صيده".
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن نافع إلّا عيسى. اهـ.
قلت: هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأن عيسى بن أبي عيسى الحناط ويقال له كذلك: الخياط كما نص عليه الحافظ في "التقريب" (٥٣١٧) ونص كذلك على أنه متروك. اهـ.
стр. 3573
قال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد وذكر عيسى الحناط فلم يرضه، وذكر له حفظًا سيئًا، وقال: كان منكر الحديث وكان لا يحدث عنه. اهـ.
وقال عنه ابن معين: ليس بشيء. اهـ.
وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. اهـ.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي مضطرب الحديث. اهـ.
ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٨٣: فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط. وهو ضعيف. اهـ.
قلت: كذلك في إسناده عبد الله بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن طلحة التيمي تكلم فيه.
قال عنه يحيى بن معين: صدوق كثير الخطأ. اهـ.
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ما أرى بحديثه بأسًا.
قلت: يحتج بحديثه؟ قال: ليس محله ذاك. اهـ.
وقال الآجري عن أبي داود عن أحمد: كل بلية منه. اهـ.
وقال ابن حبان: يرفع الموقوف ويسند المرسل لا يجوز الاحتجاج به. اهـ.
وقال العقيلي: لا يتابع. اهـ.
خامسًا: حديث أبي سعيد رواه مسلم ٢/ ١٠٠١ من طريق يحيى بن أبي إسحاق أنه حدث عن أبي سعيد مولى المهري: أنه أصابهم بالمدينة جهد وشدة، وأنه أتى أبا سعيد الخدريَّ فقال له: إني كثير
стр. 3574
العيال، وقد أصابتنا شدة، فأردت أن أنقل عيالي إلى بعض الريف. فقال أبو سعيد: لا تفعل، الزم المدينة، فإنا خرجنا مع النبي ﷺ -أظن أنه قال: - حتى قدمنا عُسفان. فأقام بها ليالي، فقال الناس: والله ما نحن ها هنا في شيء، وإن عيالنا لخلوف ما نأمن عليهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما هذا الذي بلغني من حديثكم؟ -ما أدري كيف قال- والذي أحلف به، أو والذي نفسي بيده: لقد هممت أو إن شئتم -لا أدري أيتهما قال- لآمُرَنَّ بناقتي تُرحَل، ثم لا أَحُلّ لها عقدة حتى أقدم المدينة".
وقال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرمًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاحٌ لقتالٍ. ولا تخبط فيها شجرة إلّا لعلف. . .".
الشاهد قوله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة".
وسيأتي أحاديث أخرى في باب ما جاء أن الإمام يخطب بمنى يوم النحر.
* * *
стр. 3575
باب: ما جاء في تحريم المدينة
٧٣٢ - وعن عبد اللهِ بن زيدِ بنِ عاصمٍ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، ودَعا لأهلِها، وإنِّي حَرَّمْتُ المدينةَ كما حرَّمَ إبراهيمُ مكَّةَ، وإنِّي دَعَوتُ في صَاعِها ومُدِّها، بمِثلِ ما دعا إبراهيمُ لأهلِ مكَّةَ". متفق عليه.
رواه البخاري (٢١٢٩) ومسلم ٢/ ٩٩١ والبيهقي ٥/ ١٩٧ كلهم من طريق عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم الأنصاري عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله ﷺ . . . فذكره.
* * *
٧٣٣ - وعن عليِّ بنِ أبي طالب ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عَيرٍ إلى ثَوْرٍ". رواه مسلم.
رواه البخاري (٣١٧٩) و (٦٧٥٥) ومسلم ٢/ ٩٩٥ وأبو داود (٢٠٣٤) والترمذي (٢١٢٨) وبن حبان في "صحيحه" ٩/ ٣٢ - ٣٣ والبغوي في "شرح السنة" ٧/ ٣٠٧ والبيهقي ٥/ ١٩٦ كلهم من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلّا كتاب الله وهذه الصحيفة، -قال: وصحيفة معلقة في قِراب سيفه- فقد كذب. فيها