أيضًا. وإنما اختلط المسعوديُّ ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد. اهـ.
والذي جعلني أقوّي صحةَ سماع معاوية بن عمرو بن المهلب من المسعودي أمرين:
١ - كونه أسن من وكيع. ووكيع صُحح سماعه من المسعودي.
٢ - أن معاوية بن عمرو هو كوفي، وصحح سماع الكوفيين من المسعودي. كما سبق.
ورواه عن المسعودي جمع من الرواة ولم يتبين متى كان سماعهم.
فقد رواه أحمد ٤/ ١٤١ والطبراني في "الكبير" ٤ / رقم (٤٤١١) والبزار في "كشف الأستار" ٢/ ٨٣ من طريق يزيد ثنا المسعودي به.
ورواه البزار (٣٧٣١)، والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣ كلاهما من طريق إسماعيل بن عمر أبي المنذر، ثنا المسعودي، به.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ٣ لما ذكر هذا الإسناد: والظاهر أنه من تخليط المسعودي. فإن إسماعيل أخذ عنه بعد الاختلاط. اهـ.
وقال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن المسعودي إلا إسماعيل بن عصر، وقد رواه غير إسماعيل فقال: عن عبيد بن رفاعة ولم يقل عن أبيه. اهـ.
وقد اختلف في إسناد الحديث.
стр. 3817
فقد رواه الحاكم ٢/ ١٢، والبيهقي ٥/ ٢٦٣ كلاهما من طريق شريك، عن وائل بن داود عن جميع بن عمير عن خاله أبي بردة قال: سئل رسول الله ﷺ : أيّ الكسب أطيب أو أفضل؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور".
وجميع بن عمير التيمي الكوفي. قال البخاري عنه. فيه نظر. اهـ.
وقال ابن حبان: رافضي يضع الحديث. اهـ. وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس. اهـ. وقال البيهقي ٥/ ٢٦٣: هكذا رواه شريك بن عبد الله القاضي، وغلط فيه في موضعين: أحدهما: في قوله: جميع بن عمير. وإنما هو سعيد بن عمير والآخر في وصله وإنما رواه غيره عن وائل مرسلًا. اهـ.
ثم رواه البيهقي ٥/ ٢٦٣ من طريق محمد بن عبيد ثنا وائل بن داود عن سعيد بن عمير -أبو أمه البراء بن عازب- قال: سئل النبي ﷺ ... ثم قال البيهقي عقبه: هذا هو المحفوظ مرسلًا وقال أيضًا: والصحيح رواية وائل عن سعيد بن عمير عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ٣/ ٥٠٢ في ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري: روى عنه وائل بن داود عن النبي ﷺ : "أطيب الكسب، عمل الرجل بيده" وأسنده بعضهم وهو خطأ .. اهـ.
ورواه الحاكم ٢/ ١٢ والبيهقي ٥/ ٢٦٣ كلاهما من طريق الأسود بن عامر أنبأ سفيان الثوري عن وائل بن داود عن سعيد بن عمير عن عمه، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أفضل؟ قال: "كسب مبرور".
قال البيهقي: وقد أرسله غيره عن سفيان.
стр. 3818
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووائل بن داود وابنه بكر. ثقتان. وقد ذكر يحيى بن معين؛ أن عم سعيد بن عمير البراء بن عازب. وإذا اختلف الثوري وشريك فالحكم للثوري.
والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٦٠ فقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط. وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. وذكر الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ٣ الاختلاف في إسناده.
ثم نقل عن ابن أبي حاتم في "العلل" أنه قال: المرسل أشبه ... اهـ وصححه الألباني.
ولما نقل الألباني في "السلسلة الصحيحة" ٢/ ١٦٠ قول الطبراني: لم يروه عن وائل إلا المسعودي تعقبه فقال: هو ثقة، لكنه كان قد اختلط، وقد خالفه الثوري. اهـ.
وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة:
أولًا: حديث ابن عمر رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" ٣/ ٣٥٢ قال: حدثنا أحمد ثنا الحسن بن عرفة نا قدامة بن شهاب المازني نا إسماعيل بن أبي خالد عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ : أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور".
قلت: رجاله ثقات.
قال الطبراني عقبه: لم يروه عن إسماعيل إلا قدامة، تفرد به الحسن بن عرفة. اهـ.
стр. 3819
وتعقبه الألباني فقال في "السلسلة الصحيحة" ٢/ ١٦٠: هو لا بأس به وبقية رجاله ثقات، فالسند صحيح إن شاء الله. اهـ.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٦٠ - ٦١: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" ورجاله ثقات. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ٣: رجاله لا بأس بهم. اهـ.
لكن قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١١٧٢): سألت أبي عن حديث رواه قدامة بن شهاب المازني عن إسماعيل بن أبي خالد عن وبرة عنه ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطيب الكسب. قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". فقال أبي: هذا حديث باطل وقدامة ليس بالقوي. اهـ. وقال أبو زرعة عن قدامة: ليس به بأس. اهـ. وقال: أبو حاتم. محله عندي محل الصدق. اهـ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: ربما خالف. اهـ.
ثانيًا: حديث أبي هريرة رواه أحمد ٢/ ٣٣٤ قال: حدثنا أبو عامر العقدي عن محمد بن عمار كشاكش. قال: سمعت سعيدًا المقبري يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح".
ورواه أحمد ٢/ ٣٥٧ قال: حدثنا إسحاق، حدثنا محمد بن عمار مؤذن مسجد رسول الله ﷺ به.
قلت: رجاله لا بأس بهم. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ٦١: رواه أحمد ورجاله ثقات. اهـ.
стр. 3820
باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٧٧٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول عامَ الفتح وهو بمكَّة: "إن اللهَ ورسولَه حَرَّم بيعَ الخمرِ والمَيتَةِ والخنزيرِ والأصنامِ". فقيل: يا رسولَ الله! أرأيتَ شحومَ المَيتَةِ، فإنَّه تُطلَى بها السُّفنُ، وتُدهَن بها الجلودُ، ويَستَصبِحُ بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرامٌ" ثم قال رسول الله عند ذلك: "قاتل الله اليهود؛ إنَّ اللهَ لمَّا حرَّمَ عليهم شحومَها جَمَلُوهُ، ثم باعوهُ. فأكلُوا ثَمَنَهُ" متفق عليه.
رواه البخاري (٢٢٣٦) ومسلم ٣/ ١٢٠٧ وأبو داود (٣٤٨٦) والنسائي ٧/ ٣٠٩ والترمذي (١٢٩٧) وابن ماجه (٢١٦٧) وأحمد ٣/ ٣٢٤ و ٤٢٦ والبيهقي ٦/ ١٢ والبغوي ٨/ ٢٦ - ٢٧ كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ ... فذكره.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة.
أولًا: حديث عمر بن الخطاب رواه البخاري (٢٢٢٣) ومسلم ٣/ ١٢٠٧ والنسائي ٧/ ١٧٧ وابن ماجه (٣٣٨٣) وأحمد ١/ ٢٥ والشافعي ٢/ ١٤٩ وعبد الرزاق ٨/ ١٩٥ - ١٩٦ كلهم من طريق سفيان قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: أخبرني طاووس عن ابن
стр. 3821
عباس قال: بلغ عمرَ أن سمرة باع خمرًا. فقال: قاتل الله سَمُرةَ، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهودَ. حُرِّمت عليهم الشحومُ فجَمَلُوها فباعوها" هذا اللفظ لمسلم وابن ماجه. وعند البخاري بلفظ: فقال: قاتل الله فلانًا. ألم يعلم ... هكذا لم يذكر "سمرة" وللحديث طرق أخرى. وفي بعضها اختلاف.
ثانيًا: حديث أبي هريرة رواه البخاري (٢٢٢٤) ومسلم ٣/ ١٢٠٨ كلاهما من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب؛ أنه حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود. حرّم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".
* * *
стр. 3822
باب: اختلاف المتبايعين
٧٧٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا اختلفَ المتبايعانِ وليس بينهما بيِّنة. فالقولُ ما يقولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أوْ يَتَتارَكانِ" رواه الخمسة. وصححه الحاكم.
رواه أبو داود (٣٥١١) والنسائي ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣ والدارقطني ٣/ ٢٠ وابن الجارود في "المنتقى" (٦٢٥) والحاكم ٢/ ٥٢ والبيهقي ٥/ ٣٣٢ كلهم من طريق عمرو بن حفص بن غياث قال: حدثنا أبي، عن أبي عُميس قال: حدثني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ ... فذكره. قال الحاكم ٢/ ٥٢: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. ووافقه الذهبي.
وقال البيهقي ٥/ ٣٣٢: هذا إسناد حسن موصول. وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويا. اهـ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٢٩٠: وهذا حديث محفوظ عن ابن مسعود مشهور، أصل عند جماعة العلماء، تلقوه أيضًا بالقبول وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، وقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغنى بها عن الإسناد كما اشتهر حديث "لا وصية لوارث". اهـ. نقله عنه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٣/ ٢٧٥.
стр. 3823
قلت: في إسناده ثلاثة مجاهيل، وهم عبد الرحمن وأبوه وجدّه، ولهذا قال ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦: عبد الرحمن بن قيس هذا، ليس فيه مزيد؛ فهو مجهول الحال، وكذلك أبوه قيس، وكذلك جدّه محمد، إلا أن أشهرهم هو أبو القاسم: محمد بن الأشعث عداده في الكوفيين، روى عنه مجاهد والشعبي والزهري وعُمر بن قيس الماصَر وسليمان بن يسار ... اهـ.
ونقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ١٠٥ مختصرًا.
وقال ابن حزم في "المحلى" ٨/ ٣٦٨: عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث (١) هو مجهول بن مجهول وأيضًا محمد بن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود .. اهـ. وتابعه على إعلاله بالانقطاع عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٣/ ٢٧٠ وبيَّن مرادَ ابن القطان فقال في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٥٢٦ - ٥٢٥: والانقطاع الذي فيه هو -والله أعلم- فيما بين محمد، جدِّ عبد الرحمن وبين ابن مسعود، فإنه عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث. فإذا قال: عن أبيه، فإنما يعني قيسًا، وإذا
стр. 3824
قال: عن جده، فإنما يعني محمد بن الأشعث، وليس هو كما في نفس الإسناد؛ وإنما نسبه فيه إلى جده حين قال فيه: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. وقال أيضًا عن محمد بن الأشعث: أما روايته عن ابن مسعود فمنقطعة، فاعلم ذلك. اهـ.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في "مجموع مؤلفاته" ١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٣: وفي رواية "والمبيع قائم بعينه" قال أحمد: لم يقله إلا يزيد بن هارون وأخطأ، ورواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة. اهـ.
ورواه أحمد ١/ ٤٦٦ من طريق وكيع عن المسعودي عن القاسم عن عبد الله بن مسعود بنحوه مرفوعًا.
قلت: رواية وكيع عن المسعودي كانت قبل الاختلاط، لكن إسناده منقطع؛ لأن القاسم لم يسمع من جده. وبه أعله ابن الجوزي في "التحقيق" (١٥٢٩) مع "التنقيح" وبه أيضًا أعله ابن عبد الهادي والذهبي في "تنقيح التحقيق" ٢/ ٩١.
قال الترمذي ٤/ ٢٧١: وقد روي عن القاسم بن عبد الرحمن عن بن مسعود عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضًا وهو مرسل أيضًا. اهـ.
ورواه ابن الجارود في "المنتقى" (٦٢٤) من طريق عمرو بن قيس عن عمر بن قيس الماصر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: باع عبد الله بن مسعود الأشعث بن قيس سبيًا من سبي الإمارة بعشرين ألفًا، فجاءه بعشرة آلاف. فقال: إنما بعتك بعشرين ألفًا. قال: إنما أخذتها بعشرة آلاف. قال: فإني أرضى في ذلك برأيك
стр. 3825
فقال ابن مسعود ﵁ إن شئت حدثتك عن رسول الله ﷺ فعلت. قال: أجل، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تبايع المتبايعان بيعًا ليس بينهما شهود، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع" قال الأشعث: فإني قد رددت عليك.
قلت: رجاله لا بأس بهم. لكن اختلف في سماع عبد الرحمن من أبيه. قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ٣٦: رجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه. اهـ.
ورواه الترمذي (١٢٧٠) وأحمد ١/ ٤٦٦ والبيهقي ٥/ ٣٣٢ كلهم من طريق عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلف البيعان؛ فالقول قول البائع. والمبتاع بالخيار".
قلت: وفي إسناده انقطاع أيضًا.
لهذا قال الترمذي ٤/ ٢٧١: هذا حديث مرسل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود. اهـ. وقال البيهقي ٥/ ٣٣٢: عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود. اهـ. وبه أعله ابن الملقن في "البدر المنير" ٢/ ٧٦ وابن الجوزي في "التحقيق" (١٥٢٩) وتبعه الذهبي في "تنقيح التحقيق" ٢/ ٩١.
ورواه النسائي ٧/ ٢٠٢ وأحمد ١/ ٤٦٦ والدارقطني ٣/ ١٨ والحاكم ٢/ ٥٥ والبيهقي ٥/ ٣٣٢ كلهم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عبد الله بن مسعود بنحوه.
قال الحاكم ٢/ ٥٦: هذا حديث صحيح ... اهـ.
стр. 3826
قلت: أبو عبيدة لم يدرك أباه. فهو منقطع. وبهذا أعله البيهقي وابن عبد الهادي في "تنقيح أحاديث التعليق" ٢/ ٥٦١، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ٣/ ٢٧٠، والحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٣/ ٣٠.
وهناك طرق أخرى للحديث أتركها اختصارًا. وقد ذكر الزيلعي في "نصب الراية" ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ وابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٥٦١ وبيَّن عللها.
وسئل الدارقطني في "العلل" ٥ / رقم (٨٢٢) عن حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن النبي ﷺ : "إذا اختلف ... " فقال: يرويه القاسم بن عبد الرحمن. واختلف عنه، فرواه عمرو بن قيس الماصر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود. حدَّث به عنه عمرو بن أبي قيس. ورواه معن بن عبد الرحمن عن القاسم. واختلف عنه، فرواه أبو حذيفة عن الثوري عن معن عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود. قاله أحمد بن يونس الضبي عنه. وخالفه عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود الحفري وغيرهما. فرووه عن الثوري عن معن عن القاسم مرسلًا عن ابن مسعود. ورواه أبو حنيفة عن القاسم واختلف عنه، فرواه ابن أبي السري العسقلاني عن المقري عن أبي حنيفة عن القاسم عن أبيه عن جده عبد الله. وتابعه عبد الله بن بزيع. فرواه عن أبي حنيفة والحسن بن عمارة عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود. ورواه ابن أبي ليلى عن القاسم واختلف عنه،
стр. 3827
فرواه موسى بن عقبة عن ابن أبي ليلى عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود، وزاد فيه لفظةً لم يأتِ بها غيره. فقال: "والسلعة قائمة كما هي" وخالفه هشيم، فرواه عن ابن أبي ليلى عن القاسم عن ابن مسعود مرسلًا. قال ذلك أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور عن هشيم. وقيل: عن هشيم عن ابن أبي ليلى عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود. ورواه أباد بن تغلب وعبد الرحمن المسعودي عن القاسم عن ابن مسعود مرسلًا والمحفوظ هو المرسل. اهـ.
ولما ذكر المنذري في "مختصر السنن" ٥/ ١٦٤ بعض الطرق قال: وقد روي هذا الحديث من طرق عن عبد الله بن مسعود كلها لا يثبت. اهـ.
وصححه الألباني بغيره كما في "الإرواء" ٤/ ١٧٢ وقال: وبالجملة فالحديث صحيح لأن له طرقًا. اهـ.
وفي الباب عن ابن عباس رواه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم ٣/ ١٣٣٦ كلاهما من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم. ولكنَّ اليمين على المدعى عليه".
* * *
стр. 3828
باب: ما جاء في ثمن الكلب
٧٧٩ - وعن أبي مَسعودٍ الأنصاريِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ نهَى عن ثمنِ الكلبِ، ومَهرِ البغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهنِ. متفق عليه.
رواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٦٥٦ وعنه رواه البخاري (٢٢٣٧) و (٢٢٨٢) ومسلم ٣/ ١١٩٨ كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري: أن رسول الله ﷺ نهَى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.
ورواه البخاري (٥٧٦١) ومسلم ٣/ ١١٩٩ وأبو داود (٣٤٨١) وابن ماجه (٢١٥٩) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري به.
وفي الباب عن عون بن أبي جحيفة ورافع بن خديج وجابر:
أولًا: حديث عون بن أبي جحيفة رواه البخاري (٢٢٣٨) قال: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال: أخبرني عون بن أبي جحيفة قال: رأيت أبي اشترى حجَّامًا فأمَرَ بمحاجمه فكُسِرت، فسألتُه عن ذلك، قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدَّمِ، وثمن الكلب، وكَسْبِ الأمَةِ، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا ومُوكِله، ولعن المصوِّر.
стр. 3829
ورواه أبو داود (٣٤٨٣) من طريق شعبة به.
ثانيًا: حديث رافع بن خديج رواه مسلم ٣/ ١١٩٩ من طريق محمد بن يوسف قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث عن رافع بن خديج، قال سمعت النبي ﷺ يقول: "شرُّ الكسبِ مهرُ البغي، وثمن الكلبِ، وكَسْبُ الحجام".
ثالثًا: حديث جابر رواه مسلم ٣/ ١١٩٩ والنسائي ٧/ ١٩٠ - ١٩١ وابن ماجه (٢١٦١) وأحمد ٣/ ٣١٧ كلهم من طريق أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّوْرِ؟ قال: زجر النبيُّ ﷺ عن ذلك.
وفي الباب أحاديث ذكر جملة منها الزيلعيُّ في "نصب الراية" ٤/ ٥٢ - ٥٣، وقد ورد استثناء كلب الصيد من حديث أبي هريرة عند الترمذي والبيهقي ٦/ ٦ والدارقطني ٣/ ٧٣. ومن حديث جابر عند أحمد ٣/ ٣١٧ والدارقطني ٣/ ٧٣. ومن حديث ابن عباس عند ابن عدي في "الكامل" ١/ ١٩٧ في ترجمة أحمد بن عبد الله الكندي فيها كلام يطول سيأتي في الباب القادم.
* * *
стр. 3830
باب: جامع في بعض أنواع البيوع الجائزة والمنهي عنها
٧٨٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يسيرُ على جملٍ له أعيا. فأراد أن يُسَيبَهُ. قال: فلحِقَنِي النبيُّ ﷺ ، فدعا لي، وضرَبَه. فسارَ سَيرًا لم يَسِرْ مِثْلَهُ، قال: "بِعْنِيهِ بوُقِيَّة" قلت: لا. ثم قال: "بعنيه" فبعته بوقية، واشترطتُ حُمْلانَهُ إلى أهلي، فلما بلغتُ أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: "أتُراني ماكَسْتُكَ لآخُذَ جَملَكَ؟ خُذ جملَكَ ودَراهِمَكَ فهو لك" متفق عليه. وهذا السياق لمسلم.
رواه البخاري (٢٣٨٥)، (٢٧١٨) ومسلم ٣/ ١٢٢١ وأبو داود (٣٥٠٥) والترمذي (١٢٥٣) والنسائي ٧/ ٢٩٧ كلهم من طريق زكريا عن الشعبي عن جابر بن عبد الله به مرفوعًا.
ورواه البخاري (٢٨٦١) ومسلم ٣/ ١٢٢٣ كلاهما من طريق أبي المتوكل الناجي عن جابر بنحوه.
وللحديث طرق أخرى. ونقل ابن أبي حاتم في "العلل" (١١٢١) عن أبيه أنه ذكر طريق هشيم عن سيار عن أبي هبيرة يحيى بن عباد عن جابر عن النبي ﷺ .. فقال أبو حاتم: صحيح. اهـ.
стр. 3831
٧٨١ - وعنه قال: أعتقَ رجلٌ منَّا عبدًا له عن دُبُرٍ، لم يكنْ له مالٌ غيرُه. فدعا به النبيُّ ﷺ فَباعَه. متفق عليه.
رواه البخاري (٢١٤١) من طريق حسين المُكْتِبِ عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلًا أعتَقَ غلامًا له عن دُبُرٍ، فاحتاجَ، فأخذَه النبيُّ ﷺ فقال: "مَن يشتريه مني؟ " فاشتراه نُعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه.
ورواه أيضًا البخاري (٢٢٣٠) و (٧١٨٦) من طريق سَلَمَةَ بن كُهَيل عن عطاء بن جابر- وضي الله عنه - قال: باع النبيُّ ﷺ المُدَبَّرَ.
ورواه أيضًا البخاري (٢٢٣١) والترمذي (١٢١٩) كلاهما من طريق سفيان عن عمرٍو، سمع جابرًا ﵁ يقول: باعه رسول الله ﷺ . واللفظ للبخاري.
وعند الترمذي: أن رجلًا من الأنصار دَبَّرَ غلامًا له، فمات ولم يترك مالًا غْيرَه. فباعه النبي ﷺ فاشتراه نُعيم بن النَّحَّام.
ورواه مسلم ٢/ ٦٩٢ - ٦٩٣ والنسائي ٧/ ٣٠٤ كلاهما من طريق الليث، وأيوب عن أبي الزبير عن جابر.
* * *
٧٨٢ - وعن مَيمُونةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ﵂: أنَّ فأرةً وقعَتْ في سَمْنٍ، فماتت فيه، فسُئلَ النبيُّ ﷺ عنها. فقال:
стр. 3832
"ألقوها وما حولَها وكُلُوه" رواه البخاري. زاد أحمد والنسائي: "في سَمْنٍ جامدٍ".
رواه البخاري (٥٥٤٠) قال: حدثثا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة ﵃ قالت: سُئل النبي ﷺ عن فأرة ... الحديث. ورواه أيضًا البخاري (٢٣٥) قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا مالك به. ورواه أيضًا (٢٣٦) قال: حدثنا عليُّ بن عبد الله حدثنا معن قال: حدثنا مالك به.
ورواه النسائي ٧/ ١٧٨ قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري عن عبد الرحمن عن مالك به بلفظ: أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمنٍ جامدٍ. فقال: "خذوها وما حولها فألقوه".
قلت: ظاهر إسناد هذه الرواية الصحة. لكن أعرض البخاري عن هذه الزيادة، وفي هذا إشارة إلى إعلالها. كما سبق. ولما عزا ابن عبد الهادي في "المحرر" ٢/ ٤٦٩ الحديث إلى البخاري. قال وعند أبي داود الطيالسي وأحمد والنسائي "في سمن جامد".
وفي هذه الزيادة نظر. اهـ.
ورواه البخاري في باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب (٥٥٣٨) فقال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري قال: أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة. أنَّه سمعَ ابنَ عباسٍ يحدث عن ميمونة بنحوه.
стр. 3833
ورواه أبو داود (٣٨٤١) حدثنا مُسَدَّد قال: ثنا سفيان قال: ثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: أن فأرةً وقعت في سَمْنٍ، فأُخبر النبيُّ ﷺ فقال: "ألقوا ما حولَها وكُلُوا".
ورواه الترمذي (١٧٩٨) من طريق سفيان به.
وقد وقع في إسناد الحديث اختلاف والصواب فيه ما اختاره البخاري.
لهذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٣٤٤: رواه أصحاب "الموطأ" عنه واختلفوا، فمنهم من ذكره عنه هكذا كيحيى بن يحيى وغيره. ومنهم من لم يذكر فيه ميمونة كالقعنبي وغيره. ومنهم من لم يذكر فيه ابن عباس كأشهب وغيره. ومنهم من لم يذكر فيه ابن عباس ولا ميمونة كيحيى بن بكير وأبي مصعب، ولم يذكر واحد منهم لفظة "جامد" إلا عبد الرحمن بن مهدي، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في "مسنده" [(٢٧١٦)]، عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب، ورواه الحميدي والحفاظ من أصحاب ابن عيينة بدونها. وجوَّدوا إسناده فذكروا فيه ابن عباس وميمونة وهو الصحيح. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب مجودًا، اهـ.
* * *
٧٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمْنِ، فإنْ كانَ جامدًا، فألقُوها
стр. 3834
وما حولَها، وإنْ كان مائِعًا فلا تقرَبُوه" رواه أحمد وأبو داود وقد حكم عليه البخاريُّ وأبو حاتم بالوَهْم.
رواه أبو داود (٢٨٤٢) وأحمد ٢/ ٢٣٢، ٢٦٥، ٤٩٠ وابن حبان (١٣٦٤) والبيهقي ٩/ ٣٥٣ كلهم من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا.
وقد جزم النووي بصحته في "المجموع" ٩/ ٣٦ وحسنه في "الخلاصة" ١/ ١٨٢.
قلت: تُكلِّم في هذا الإسناد. وذلك لأن معمرًا ثقة إمام لكن ذكر أن في حديثه بعض الأغاليط.
ولما روى الترمذي (١٧٩٨) حديث ميمونة السابق قال ٦/ ١٠٠ - ١٠١: وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوَه. وهو حديث غير محفوظ. قال: وسمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: وحديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وذكر فيه أنه سئل عنه فقال: "إذا كان جامدًا. فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه" هذا خطأٌ، أخطأ فيه معمر. قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. اهـ.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١٥٠٧): وسألته عن حديث رواه ابن أبي مريم عن عبد الجبار بن عمر الأيلي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ في الفأرة تقع في السمن. قال: "إن
стр. 3835
كان جامدًا" الحديث. قال أبو محمد: ورواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال أبي. كلاهما وهم. والصحيح الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ . اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٣٤٤ عن الذهلي أنه قال في "الزهريات": الطريقان عندنا محفوظان، لكن طريق ابن عباس عن ميمونة أشهر. والله أعلم.
ونحوه نقل ابن عبد البر في "التمهيد" ٩/ ٣٩ - ٤٠.
ومال ابن رجب إلى تقوية الإسنادين فقال في "شرح العلل" ٢/ ٨٣٨: قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد. وانفرد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كاد المنفرد ثقة حافظًا، فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة، في الأسانيد أو في المتون. وقد تقدم الكلام على ذلك. وقد تردد الحفاظ كثيرًا في مثل هذا. هل يرد قول من تفرد بذلك الإسناد لمخالفة الأكثرين له، أم يقبل قوله لثقته وحفظه؟
ثم قال أيضًا: مثال آخر: روى أصحاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ حديث الفأرة في السمن. ورواه معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة. فمن الحفاظ من صحح كلا القولين، ومنهم الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهما. ومنهم من حكم بغلط معمر، لانفراده بهذا الإسناد، منهم الترمذي وأبو حاتم وغيرهم. وذكر الذهلي أن سعيد بن أبي هلال تابع معمرًا على روايته عن الزهري عن سعيد بن
стр. 3836
المسيب إلا أنه أرسله ولم يذكر أبا هريرة. ويدل على صحة رواية معمر أنه رواه بالإسادين كليهما. وأما لفظ الحديث بالتفريق بين الجامد والمائع فقد ذكره معمر عن الزهري بالإسنادين معًا. وتابعه الأوزاعي عن الزهري، فرواه عن عبيد الله عن ابن عباس. وكذلك رواه إسحاق بن راهويه عن سفيان بن عيينة عن الزهري لكنه حمل حديث ابن عيينة على حديث معمر. اهـ. لكن يرد عليه أن معمرًا اضطرب في هذا الحديث وأيضًا على ثقته وجلالته، فقد انتقد عليه بعض الأغاليط لهذا قال ابن عبد الهادي في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٢/ ٥٧١: كذا ذكر عبد الرزاق أن معمرًا كان يرويه أحيانًا من هذا الوجه. فكان يضطرب في متنه. وخالف الحفاظ الثقات الذين رووه بغير اللفظ الذي رواه معمر، وكان معمر معروفًا بالغلط. وأما الزهري فلا يعرف منه غلط أصلًا، فلهذا بين البخاري في "صحيحه" باب إذا وقعت الفأرة في السمن الذائب والجامد. (٥٥٣٨) حدثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت. فسئل النبي ﷺ فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه" قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: ما سمعت الزهريَّ يقول إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ ، ولقد سمعته منه مرارًا. أنبأ عَبْدان، ثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن يونس عن الزهري، عن الدابة تموتُ في الزيت أو السَّمنِ، وهو جامد أو غيرُ جامدٍ،
стр. 3837
الفأرة أو غيرُها، قال: بلغنا أن رسولَ الله ﷺ أمر بفأرةٍ وقعت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطُرح ثم أُكِلَ. ثم رواه من طريق مالك كما رواه ابن عيينة بسنده، ولفظه وأما معمر، فاضطرب في سنده، ولفظه، فرواه تارة عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وقال فيه: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه" وقيل عنه: "وإن كان مائعًا فاستصبحوا به" فاضطرب فيه. وظن طائفة من العلماء أنَّ حديث معمر محفوظ فعملوا به، وممن عمل به: محمد بن يحيى الذهلي فيما جمع من حديث الزهري، وكذلك احتج به أحمد بن حنبل لما أفتى بالفرق بين الجامد والمائع. وكان أحمد يحتج أحيانًا بأحاديث ثم يبين له بعد ذلك أنها معلولة، فيستدل بغيرها. وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر، وبينوا غلطه والصواب معهم. فذكر البخاري هنا عن ابن عيينة أنه سمعه من الزهري موارًا لا يرويه إلا عن عبيد الله، وليس فيه قوله: "ألقوها وما حولها وكلوه" وكذلك رواه مالك وغيره، وذكر حديث يونس أن الزهري سئل عن دابة تموت في السمن الجامد وغيره، فأفتى بأن رسول الله ﷺ أمرّ بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قَرُبَ منها فطُرح. فهذه فُتيا الزهري في الجامد وغير الجامد، فكيف يكون قد روى في هذا الحديث الفرق بينهما، وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث. والزهري أحفظ أهل زمانه حتى يقال له: إنه لا يعرف له غلطة في حديث ولا نسيان، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثًا منه. وقد كتبَ عنه أمير المؤمنين
стр. 3838
سليمانُ بن عبد الملك كتابًا مِن حفظه ثم استعاده من بعد سنة. فلم يخطئ منه حرفًا. فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان الزهري أو معمر لكان نسيان معمر أولى باتفاق أهل العلم بالرجال مع كثرة الدلائل على نسيان مَعْمَر. وقد اتفق أهل العلم على أن معمرًا كثير الغلط على الزهري. قال الإمام أحمد فيما حدَّث به محمد بن جعفر عن غندر عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنَّ غيلان بن سلمة أسلم، وتحته ثمان نسوة. فقال أحمد: هكذا حدَّث به معمر بالبصرة، وجعل حديثه بالبصرة من حفظه، وحدّث به باليمن عن الزهري بالاستقامة. وكذا قال أبو حاتم أنه حدّث به معمر بن راشد بالبصرة وفيه أغاليط. وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة هم البصريون كعبد الواحد بن زياد وعبد الأعلى الشامي.
والاضطراب فإن هذا يقول: إن كان ذائبًا أو مائعا لم يؤكل .. وهذا يقول: إن كان مائعًا فلا تنتفعوا به، واستصبحوا به، وهذا يقول: فلا تقربوه، وهذا يقول: فأمر بها أن تؤخذ وما حولها فتُطرح: ... وهذا يبين أنهم لم يرووه من كتاب بلفظ مضبوط. وإنما رووه بحسب ما ظنه من المعنى فقط. انتهى ما نقله وقاله ابن عبد الهادي.
ولما ذكر الألباني حفظه الله ما رواه أبو داود (٣٨٤٣) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوذَوَيهِ عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ بمثلِ حديث الزهري عن ابن المسيب قال الألباني حفظه الله في
стр. 3839
"السلسلة الضعيفة" ٤/ ٤١ عقبه: وهذا إسناد صحيح إلى معمر بذلك، ولا يشك من كان عنده علم ومعرفة بعلل الحديث، أن رواية معمر هذه أصح من روايته الأولى؛ لموافقتها لرواية مالك ومن تابعه ممن ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكره، وأن روايته تلك شاذة لمخالفتها لرواياتهم وقد أشار إلى ذلك الحميدي في روايته عن سفيان ... وأما المخالفة في المتن، فقد رواه الجماعة عن الزهري باللفظ المتقدم "انزعوها وما حولها فاطرحوه" ليس فيه التفصيل الذي في رواية معمر "فإن كان جامدًا فألقوها .. " لكن في رواية أخرى عنه، أخرجها ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عنه مثل رواية الجماعة بغير تفصيل. اهـ.
تنبيه: حديث ميمونة وأبي هريرة وضعهما في كتاب الأطعمة أولى كما فعل أبو داود والترمذي أو في كتاب الذبائح والصيد كما فعل البخاري. وأيضًا له دلالة في وضعه في كتاب البيوع. وذلك بأن يقال: إذا كان السمن طاهرًا جاز بيعه. وإذا كان نجسًا لم يجز بيعه. ولهذا وضعه ابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ١٨٦ في باب: ما يصح بيعه وما لا يصح.
* * *
٧٨٤ - وعن أبي الزُّبير قال: سألتُ جابرًا عن ثمنِ السِّنَّوْرِ والكلبِ؟ فقال: زجرَ النبيُّ ﷺ عن ذلك. رواه مسلم. والنسائي وزاد: إلا كلبَ صيد.
стр. 3840
رواه مسلم ٣/ ١١٩٩ قال: حدثني سَلَمَةُ بن شَبيبٍ، حدثنا الحسنُ بن أعينَ، حدثنا مَعقِلٌ عن أبي الزُّبَيرِ قال: سألتُ جابرًا عن ثمنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ؟ قال: زجر النبيُّ ﷺ عن ذلك.
ورواه النسائي ٧/ ١٩٠ - ١٩١ و ٣٠٩ قال: أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي قال: حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزُّبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ نَهى عن ثمن السِّنَّوْرِ والكلبِ إلا كلبَ صيدٍ.
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" ٦/ ٧ مع "سنن البيهقي": هذا سند جيد. فظهر أن الحديث بهذا الاستثناء صحيح. والاستثناءُ زيادةٌ على أحاديث النهي عن ثمن الكلب فوجب قبولها. والله أعلم.
قلتُ: رجاله إسناد النسائي ثقات. كما قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٣/ ٤ وإسناده ظاهره الصحة. لكن طعن النسائي في صحته. لهذا قال عقبه ٧/ ١٩١: حديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح. اهـ. وقال أيضًا في موضع آخر ٧/ ٣٠٩: هذا منكر. اهـ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" ٢/ ١٦١: رجاله موثقون لكن قال البيهقي: الأحاديث الصحيحة في النهي عن ثمن الكلب ليس فيها استثناء إنما الاستثناء في الاقتناء فلعله شبه على بعض الرواة. اهـ. وقال أيضًا في "الفتح" ٤/ ٤٢٧: أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته.
قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" ٤/ ٢٩٥ متعقبًا عبد الحق الإشبيلي: ذكر من رواية أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ -
стр. 3841
نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد. من طريق النسائي. ثم قال: أبو الزبير يدلس في حديث جابر فإذا ذكر سماعه منه أو كان من رواية الليث عن أبي الزبير فهو صحيح وهذا من رواية جماعة عنه، ليس فيهم الليث. اهـ.
وقد اختلف في رفعه ووقفه. فقد رواه الدارقطني ٣/ ٧٣ قال: ثنا أبو بكر النيسابوريُّ، نا أحمد بن يوسف السُّلَمي، نا عبيد الله بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن أبي الزُّبير، عن جابر -لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : أنَّه نهَى عن ثمنِ الكلْبِ والسِّنَّوْرِ إلا كلبَ صيدٍ. هكذا شكَّ في رفعه.
ورواه الدارقطني ٣/ ٧٣ من طريق الهيثم بن جميل، نا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا.
ورواه الدارقطني ١/ ٧٣ من طريق سويد بن عمرو، عن حماد به بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب: إلا كلب صيد.
وقال الدارقطني ٣/ ٧٣: ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ . هذا أصحُّ من الذي قبله. اهـ.
ورواه البيهقي ٦/ ٦ من طريق عبد الواحد بن غياث ثنا حماد ثنا أبو الزبير عن جابر قال: نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
قال البيهقي عقبه: فهكذا رواه عبد الواحد وكذلك رواه سويد بن عمرو عن حماد ثم قال: ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ . ورواه عبيد الله بن موسى عن حماد بالشك في ذكر النبي ﷺ فيه. ورواه الهيثم بن جميل عن حماد فقال نهى رسول الله ﷺ . ورواه الحسنُ
стр. 3842
ابن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ . وليس بالقويِّ. والأحاديثُ الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء. وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح عن الاقتناء ولعله شُبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم. اهـ.
ولما روى الترمذي حديث أبي هريرة (١٢٨١) الآتي في استثناء ببيع كلب الصيد، قال: وقد رُوي عن جابر، عن النبي ﷺ نحوُ هذا، ولا يصح إسنادُه أيضًا. اهـ.
وقد ورد الاستثناء أيضًا من حديث أبي هريرة وابن عباس.
أما حديث أبي هريرة. فقد رواه الترمذي (١٢٨١) قال: أخبرنا أبو كُريبٍ، أخبرنا وكيعٌ عن حَمَّادِ بن سَلَمَة عن أبي المُهَزِّم عن أبي هريرة قال: نهَى عن ثمنِ الكلبِ، إلا كلبَ الصيدِ.
قلت: أبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان ضعفه ابن معين وأبو زرعة وشعبة وأبو حاتم والبخاري والنسائي. وتركة ابن مهدي والقطان لهذا قال الترمذي ٤/ ٢٨١: هذا حديث لا يصح من هذا الوجه. وأبو المهزم اسمه يزيد بن سُفيان. وتكلَّم فيه شعبةُ بن الحجاج وضعفه. اهـ.
ورواه البيهقي ٦/ ٦ من طريق أبي الشيخ الأصبهاني ثنا محمد بن يحيى بن مالك الضبي ثنا محمود بن غيلان ثنا مؤمل ثنا حماد بن سلمة، ثنا قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة: نَهَى عن مهرِ البغيِّ، وعَسْب الفحل، وعن ثمن السِّنَّوْرِ وعن الكلبِ إلا كلب صيد.
стр. 3843
قال البيهقي عقبه. فهكذا رواه قيس بن سعد عن عطاء من هذا الوجه عنه. ورواية حماد عن قيس فيها نظر. اهـ.
وذكر ابن حزم في "المحلى" ٩/ ١١ طريق قاسم بن أصبغ نا محمد بن إسماعيل نا ابن أبي مريم نا يحيى بن أيوب حدثني المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة بنحوه.
قال ابن حزم في "المحلى" ٩/ ١١ أما حديث أبي هريرة ففي غاية السقوط. لأن فيه يحيى بن أيوب والمثنى بن الصباح وهما ضعيفان جدًّا. قد شهد مالك على يحيى بن أيوب بالكذب، وجرحه أحمد. وأما المثنى فجرحه بضعف الحديث أحمد، وتركه يحيى وعبد الرحمن. اهـ.
وتابع يحيى بنَ أيوب؛ محمدُ بن سلمة كما عند الدارقطني ٣/ ٧٣: بلفظ: "ثلاث كلهن سحت: كسبُ الحجام سُحتٌ، ومهرُ الزانيةِ سُحتٌ، وثمنُ الكلبِ إلا كلبًا ضاريًا سحتٌ" قال الدارقطني: المثنى ضعيف.
تابع المثنى الوليدُ بن عُبيد الله بن أبي رباح عن عمه عطاء، عن أبي هريرة، كما عند الدارقطني ٣/ ٧٢ ولفظه "ثلاثٌ كلُّهنَّ سُحْتٌ: كَسْبُ الحَجَّام، ومَهرُ البَغِيِّ، وثمنُ الكلبِ إلا الكلبَ الضاري".
لكن قال الدارقطني عقبه: الوليد بن عُبيد الله ضعيف. اهـ. وتبعه على إعلاله البيهقي ٦/ ٦. وقد وثقه ابن معين كما نقله عن ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٩. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه" لهذا قال ابن التركماني
стр. 3844
في "الجوهر النقي" ٦/ ٦: ضعفه الدارقطني، وكأن البيهقي تبعه، ولم يضعفه المتقدمون فيما علمت، بل حكى ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه ثقة. وأخرج له ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه".
وأما حديث ابن عباس. فقد رواه ابن عدي في "الكامل" ١/ ١٩٤ قال: حدثنا أحمد بن علي المدائني حدثنا أحمد بن عبد الله الكندي حدثنا علي بن معبد حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن الهيثم -يعني الصراف- عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: رخص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد.
قلت: وهو معلول. قال ابن عدي عن أحمد بن عبد الله بن محمد أبي علي اللجلاج الكندي: حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة. اهـ. وقال أيضًا عقب هذا الحديث: وهذه الأحاديث لأبي حنيفة لم يحدث بها إلا أحمد بن عبد الله هذا، وهي بواطيل عن أبي حنيفة، ولا يُعرف أحمدُ بن عبد الله هذا إلا بهذه الأحاديث. اهـ. ونقل الذهبي في "الميزان" ١/ ١١٠ عن عبد الحق أنه قال: هذا الحديث باطل. اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" ١/ ٢١٤ عن الدارقطني أنه قال في "غرائب مالك" وفي "سؤالات الحاكم" عنه: اللجلاجُ ضعيف. اهـ.
* * *
стр. 3845
٧٨٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بَريرةُ. فقالت: كاتَبتُ أهلي على تِسْع أواقٍ في كُلِّ عامٍ أُوقِيَّة، فأعينيني. فقلتُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ أنْ أَعُدَّها لَهُم ويكونُ وَلاؤكِ لي، فعلتُ فذهبتْ بَرِيرَةُ إلى أهلِها. فقالت لهم؛ فأبَوْا عليها، فجاءَتْ مِن عِندِهم، ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ. فقالتْ: إنِّي قد عَرَضتُ ذلك عليهم فأبَوْا إلا أن يكون الولاءُ لهم، فسمعَ النبيُّ ﷺ فقال: "خُذِيها واشترطي لهُمُ الولاءَ، فإنَّما الولاءُ لمن أعتَق". ففعلَتْ عائشةُ، ثم قام رسولُ الله ﷺ في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمّا بعدُ، ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ؟ ما كان مِن شرطٍ، ليسَ في كتابِ الله فهو باطلٌ، وإنْ كان مئة شرطٍ، قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُ اللهِ أوثقُ، وإنما الولاءُ لمن أعتقَ". متفق عليه. واللفظُ للبخاري. وعندَ مسلم فقال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء".
رواه البخاري (٢١٦٨) ومسلم ٢/ ١١٤٢ ومالك في "الموطأ" ٢/ ٧٨٠ وأبو داود (٣٩٣٠) كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحوه.
ورواه البخاري (٢٥٣٦) والنسائي ٧/ ٣٠٠ والترمذي (١٢٥٦) كلهم من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بنحوه.
стр. 3846
ورواه مسلم ٢/ ١١٤٣ والنسائي ٧/ ٣٠٠ كلاهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة وفيه: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "اشتريها وأعتقيها. فإن الولاء لمن أعتق". وللحديث طرق أخرى.
* * *
٧٨٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: نهَى عمرُ عن بيعِ أُمهاتِ الأولادِ. فقال: لا تُباعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ، يستَمتِعُ بها ما بدا له. فإذا ماتَ فهي حرَّة. رواه مالكٌ والبيهقيُّ وقال: رفعَهُ بعض الرُّواةِ، فوهِمَ.
رواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٧٧٦ عن نافع عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر بن الخطاب قال: أيُّما وليدة ولدت من سيدها: فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورِّثها. وهو يستمتع بها فإذا مات فهي حُرَّة.
ومن طريق مالك رواه البيهقي ١٠/ ٣٤٢ وقرن معه عمر بن محمد وعبد الله بن عمر. وتابعهم على وقفه عبيد الله بن عمر كما عند الدارقطني ٤/ ١٣٤.
قلت إسناده موقوف صحيح وقد روي مرفوعًا. فقد رواه الدارقطني ٤/ ١٣٤ قال: حدثنا أبو بكر الشافعي نا قاسم بن زكريا المقري نا محمد بن عبد الله المخزومي القاضي نا يونس بن محمد من أصل كتابه نا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر:
стр. 3847
أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن بيع أمهات الأولاد. وقال: "لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْن ولا يُورَثْن، يستمتعُ بها سيدُها ما دام حيًّا، فإذا ماتَ فهي حُرَّةٌ".
قلت: إسناده قويّ ظاهره الصحة. وخالف عبد العزيز بن مسلم فليح بن سليمان. فقد رواه الدارقطني ٤/ ١٣٤ من طريق فليح بن سليمان عن عبد الله بن دينار به موقوفًا وتابعه على وقفه سليمان بن بلال وسفيان كما عند البيهقي ١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
وقد اختلف الأئمة في ترجيح الوقف أو الرفع. ولما ذكر عبد الحق الحديث مرفوعًا في "الأحكام الوسطى" ٤/ ٢٢ قال عقبه: هذا يُروَى من قول ابن عمر ولا يصح مسندًا. اهـ.
وتعقبه ابن القطان؛ فقال في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٢/ ٨٨: كذا قال: إنه يُروَى من قول ابن عمر، وليس كذلك، وإنما يروى موقوفًا من قول عمر من حديث يرويه عبد العزيز بن مسلم القسملي وهو ثقة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، فاختلف عنه. فقال عنه يونس بن محمد، وهو ثقة، وحدث به من كتابه عن النبي ﷺ . وقال عنه يحيى بن إسحاق وفليح بن سليمان: عن عمر، لم يتجاوزوه وكلُّهم ثقات، وهذا كله ذكره الدارقطني فاعلمه. اهـ.
ونقل قول ابن عبد الحق مرة أخرى وتعقبه فقال كما في كتابه "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٤٤٦: وعندي أن الذي أسنده خير من الذي وقفه. وفي كلامه هذا خطأ وهو قوله: إنه موقوف على ابن عمر، وإنما هو موقوف على عمر، رفعه يونس بن محمد بن عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ورواه
стр. 3848
يحيى بن إسحاق وفليح بن سليمان عن عبد العزيز بن مسلم عن عمر نحوه غير مرفوع. اهـ.
ولما روى البيهقي ١٠/ ٣٤٣ طريق سفيان قال: هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن دينار، وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي ﷺ وهو وهم ولا يحل ذكره. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٤/ ٢٤٠: قال الدارقطني: الصحيح وقفه عن ابن عمر عن عمر، وكذا قال البيهقي وعبد الحق. وكذا رواه مالك في "الموطأ" موقوفًا على عمر. وقال صاحب "الإلمام": المعروف فيه الوقف. والذي رفعه ثقة، قيل: لا يصح مسندًا. اهـ.
ولما ذكر الألباني ﵀ طريق عبد العزيز بن مسلم المرفوع.
قال في "الإرواء" ٦/ ١٨٨: وهذا إسناد ظاهره الصحة، فإن رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد خالفه فليح بن سليمان .. وفليح بن سليمان وإن كان من رجال الشيخين، فهو كثير الخطأ. كما قال الحافظ في "التقريب" وعليه فروايته مرجوحة، ورواية عبد العزيز بن مسلم هي الراجحة. اهـ. ثم نقل قول عبد الحق وطرفًا من تعقب ابن القطان. ثم قال الألباني ﵀: وكان ينبغي أن يحكم لابن القطان على عبد الحق. لولا أن سفيان الثوري قد رواه أيضًا عن عبد الله بن دينار به مثل رواية فليح. أخرجه البيهقي ١٠/ ٣٤٨. فهذه المتابعة من سفيان لفليح، تعكس النتيجة، وتحملنا على أن نحكم لعبد الحق على ابن القطان؛ يعني أن الصواب في الحديث موقوف، وهو ما ذهب إليه الدارقطني والبيهقي كما في "التلخيص"
стр. 3849
٧/ ٢١٤، لا سيما وقد أخرجه مالك ٢/ ٧٧٦ / ٦ من طريق نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: فذكره موقوفًا. اهـ.
ورواه الدارقطني ٤/ ١٣٤ وابن عدي في "الكامل " ٤/ ١٧٧ كلاهما من طريق عبد الله بن مطيع عن عبد الله بن جعفر نا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن بيعِ ... الحديث.
قلت: عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني ضعيف كما سبق (١) وبه أعل الحديث ابن عدي والزيلعي في "نصب الراية" ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
* * *
٧٨٧ - وعن جابر ﵁ قال: كنَّا نَبيعُ سَرارِينَا؛ أمهاتِ الأولادِ والنبيُّ ﷺ حَيٌّ، لا نَرَى بذلكَ بأسًا. رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن حبان.
رواه النسائي في "الكبرى" ٣/ ١٩٩ وابن ماجه (٢٥١٧) وأحمد ٣/ ٣٢١ والدارقطني ٤/ ١٣٥ وابن حبان (١٢١٥) كلهم من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزُّبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ... فذكره.
قلت: رجاله ثقات وإسناده ظاهره الصحة. ورواه عن ابن جريج كلٌّ من عبد الرزاق والمكي بن إبراهيم.
стр. 3850
وصحح إسناده النووي في "المجموع" ٢/ ٢٤٣.
وقال ابن عبد الهادي في "المحرر" ٢/ ٤٧٠: رواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني، وإسناده على شرط مسلم. اهـ.
قال الألباني وحمه الله كما في "الإرواء" ٦/ ١٨٩: هذا سند صحيح متصل على شرط مسلم. اهـ.
ورواه أبو داود (٣٩٥٤) وابن حبان (١٢١٦) والحاكم ٢/ ٢٢ والبيهقي ١٠/ ٣٤٧ كلهم من طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: بعنا أمهاتِ الأولادِ على عهدِ رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا.
قال الحاكم ٢/ ٢٢: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح. اهـ. ووافقه الذهبي. وقال الألباني حفظه الله كما في "الإرواء" ٦/ ١٨٩: وهو كما قالا. اهـ.
وقال النووي في "المجموع" ٢/ ٢٤٣: رواه أبو داود بإسناد صحيح. اهـ.
ووقع في رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي عن ابن جريج به زيادة: ولا ينكر ذلك علينا. وإسناده ضعيف. قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٨٠٦): قال أبي: هو حديث منكر، والحسن بن زياد ضعيف الحديث ليس بثقة ولا مأمون.
وأما شاهده الذي أشار إليه الحاكم. فهو ما رواه أحمد ٣/ ٢٢ والحاكم ٢/ ٢٢ - ٢٣ والنسائي في "الكبرى" ٣/ ١٩٩ كلهم من
стр. 3851
طريق شعبة عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال. كنا نبيع أمهاتِ الأولاد على عهد رسول الله ﷺ .
قلت: إسناده ضعيف لأن فيه زيدًا العميَّ وسبق الكلام عليه (١).
لهذا لما نقل ابن الملقن في "البدر المنير" ٩/ ٧٥٩ تصحيح الحاكم للحديث تعقبه فقال فيه نظر، فإن في إسناده زيدًا العمي، وحاله معلومة بالضعف، ولما ذكره العقيلي من حديثه قال: المتن يروى عن غير زيد العمي بإسناد جيد، وأشار إلى حديث جابر السالف. اهـ.
وبه أعله النسائي في "الكبرى" ٣/ ١٩٩ والعقيلي وتبعهما الزيلعي في "نصب الراية" ٣/ ٢٨٩ وابن الجوزي وأيضًا ابن عبد الهادي كما في "تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" ٣/ ٥٧٢ ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٤/ ٢٤١: إسناده ضعيف.
اهـ. وكذا قال الألباني ﵀ كما في "الإرواء" ٦/ ١٨٩.
* * *
٧٨٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهَى النبيُّ ﷺ عن بَيع فَضْلِ الماء. رواه مسلم. وزاد في رواية: وعن بيعِ ضِرَاب الجمل.
стр. 3852
رواه مسلم ٣/ ١١٩٧ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا وكيع (خ) وحدَّثني محمد بن حاتم حدثنا يحيى بن سعيد جميعًا عن ابن جريج عن أبي الزُّبير عن جابر بن عبد الله قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن بيع فضلِ الماء.
ورواه أيضًا مسلم ٣/ ١١٩٧ قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح بن عبادة حدثنا ابن جريج به بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل وعن بيع الماء والأرض لتُحرَثَ. فعَن ذلك نهَى النبيُّ ﷺ .
ورواه النسائي ٧/ ٣١٠ قال: أخبرني إبراهيم بن الحسن عن حجاج قال: قال ابن جريج به بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء وبيع الأرض للحرث؛ يبيع الرجل أرضه وماءه، فعن ذلك نهى النبي ﷺ .
* * *
٧٨٩ - وعن ابن عُمرَ ﵄ قال: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَن عَسْبِ الفَحْلِ. رواه البخاري.
رواه البخاري (٢٢٨٤) وأبو داود (٣٤٢٩) والنسائي ٧/ ٣١٠ والترمذي (١٢٧٣) وأحمد ٢/ ٤ كلهم من طريق علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر بمثله مرفوعًا.
* * *
стр. 3853
٧٩٠ - وعنه؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، وكان بيعًا يتبايَعُه أهلُ الجاهليةِ. كان الرَّجلُ يَبتاعُ الجَزُورَ إلى أن تُنتَجَ الناقةُ، ثم تُنتَجَ التي في بطنِها. متفق عليه. واللفظ للبخاري.
رواه البخاري (٢١٤٣) ومسلم ٣/ ١١٥٣ ومالك في "الموطأ" ٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤ وأَبو داود (٣٣٨٠)، (٣٣٨١) والنسائي ٧/ ٢٩٣ والترمذي (١٢٢٩) وأحمد ١/ ٥٦ و ٢/ ١٥، ٦٣، ٧٦ من طرق عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه عن نافع جمع منهم مالك والليث وأيوب وجويرية بنت أسماء ومحمد بن إسحاق.
* * *
٧٩١ - وعنه؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيعِ الولاء وعن هِبَتِهِ. متفق عليه.
رواه البخاري (٦٧٥٦) ومسلم ٢/ ١١٤٥ ومالك في "الموطأ" ٢/ ٧٨٢ وأحمد ٢/ ٩ و ٧٩ وأَبو داود (٢٩١٩) والترمذي (١٢٣٦) والنسائي ٧/ ٣٠٦ وابن ماجة (٢٧٤٧) كلهم من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر بمثله مرفوعًا.
* * *
стр. 3854
٧٩٢ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيع الحصاةِ، وعن بيعِ الغررِ. رواه مسلم.
رواه مسلم ٣/ ١١٥٣ وأَبو داود (٣٣٧٦) والترمذي (١٢٣٠) والنسائي ٧/ ٢٦٢ وابن ماجة (٢١٩٤) وأحمد ٢/ ٣٧٦ و ٤٣٦ و ٤٣٩ و ٤٩٦ والبيهقي ٥/ ٢٦٦ و ٣٠٢ و ٣٣٨ والدارقطني ٣/ ١٥ - ١٦ وابن الجارود في "المنتقى" (٥٩٠) كلهم من طريق عبيد الله بن عمر حدثني أَبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بمثله مرفوعًا:
* * *
٧٩٣ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبِعْه حتى يَكتالهُ" رواه مسلم.
رواه مسلم ٣/ ١١٦٢ من طريق الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا.
* * *
٧٩٤ - وعنه قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن بَيعَتَينِ في بَيعةٍ. رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان. ولأبي داود: "مَن باع بَيعتَينِ في بَيعَةٍ فله أوْكَسُهُما أو الرِّبا".
رواه أحمد ٢/ ٤٣٢ و ٤٧٤ و ٥٠٣ والنسائي ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦ والترمذي (١٢٣١) والبيهقي ٥/ ٣٤٣ وابن حبان في "الموارد" (١١٠٩)
стр. 3855
وابن الجارود في "المنتقى" (٦٠٠) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا باللفظ الأول قال الترمذي ٤/ ٢٢٧: حديث حسن صحيح. اهـ.
قلت: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وهو صدوق له أوهام. أخرج له الجماعة.
لهذا قال الألباني ﵀ في "الإرواء" ٥/ ١٤٩ إسناده حسن. اهـ. وصحح النووي الحديث في "المجموع" ٩/ ٣٣٨ و ٣٤١.
وقال المنذري في "مختصر السنن" ٥/ ٩٨: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد والمشهور عن محمد بن عمرو من رواية الدراوودي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري أنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة. اهـ. وصحح الحديث ابن الملقن في "البدر المنير" ٦/ ٤٩٦.
ورواه أَبو داود (٣٤٦١) وابن حبان في "الموارد" (١١١٠) وفي "الإحسان " ٧/ ٢٢٦ وقم (٤٩٥٣) والحاكم ٢/ ٥٢ والبيهقي ٥/ ٣٤٣ كلهم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسُهُما أو الرِّبَا".
قال الحاكم ٢/ ٥٢: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ. ووافقه الذهبي ونقل الألباني أن ابن حزم صحَّحه في "المحلى" ٩/ ١٦ وتعقبه فقال في "الإرواء" ٥/ ١٥٠. إنما هو حسن فقط،