← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

التحريم؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها، خاصة القول بالجواز، فهو ناقض للإجماعين. ٨٤] تحريم بيع السلاح لأهل الحرب: • المراد بالمسألة: أهل الحرب -وهم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين، ولا عهدهم (١) - إذا دخلوا بلاد المسلمين بعقد استئمان، فإن بيع السلاح عليهم حرام، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وأما بيع السلاح لأهل الحرب، فحرام بالإجماع] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: من أعظم الإعانة على الإثم والعدوان بيع السلاح على أهل الحرب؛ إذ الأصل أنهم يستعملونه في التقوِّي على المسلمين، والاعتداء عليهم (٥).

стр. 1017

الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لعن اللَّه الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمول إليه، وآكل ثمنها" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يَقْصر اللعن على شارب الخمر، وإنما عَدَّاه على كل من كان سببا فيها، فدل على أن كل من كان سببا في معصية وأعان عليها فإنه شريك في الإثم، كالذي يعطي السلاح لأهل الحرب (٢)، وقد بوب البيهقي على هذا الحديث بقوله: [باب كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي اللَّه به] (٣). الثالث: أنه عقد على عينٍ يُعْصى اللَّه بها، فلم يصح، كإجارة الأمة للزنى والزمر (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٨٥] جواز شراء المسلم للعبد المسلم والكافر: • المراد بالمسألة: إذا أراد المسلم أن يشتري عبدا رقيقا فإن ذلك جائز لا إشكال فيه، لا فرق في ذلك بين أن يكون العبد مسلما أو كافرا، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على جواز شراء المسلم للعبد المسلم والكافر] (٥).

стр. 1018

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه ﷻ بيَّن أن الأصل في البيع أنه على الإباحة، فيبقى هذا الأصل حتى يأتي الصارف الذي يصرفه إلى غيره، فيدخل فيه شراء المسلم للعبد سواء كان مسلما أو كافرا. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). • وجه الدلالة: هذه الآية بيَّن اللَّه فيها أن المحرمات مفصلة في شريعتنا، فإذا لم نجد الأمر مذكورا في المحرمات فهو على الأصل باق على الإباحة، فيدخل في هذا المسألة معنا. الثالث: أن على هذا عمل المسلمين من لدن الصدر الأول إلى الزمان القريب، في شراء العبيد، فمنهم المسلم ومنهم الكافر وهو الأصل فيهم، ولم يظهر النكير من أحد من العلماء. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٨٦] تحريم التفريق بين الوالدة وولدها الذي لم يميز: • المراد بالمسألة: التفريق بين الأرقاء إذا كان بين الوالدة وولدها الصغير الذي لم يميِّز، في المبايعات، وهما مملوكان لشخص واحد، فإنه محرم، بإجماع العلماء.

стр. 1019

• من نقل الإجماع: • ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على ما ثبت به الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "من فرق بين الوالدة وولدها، فرَّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١) إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين] (٢). نقله عنه المواق، وابن القطان، وميارة (٣) (٤). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [ومن هذا الباب: التفرقة بين الوالدة وولدها، وذلك أنهم اتفقوا على منع التفرقة في المبيع بين الأم وولدها] (٥). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز. هذا قول مالك في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي فيه] (٦). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [قال الشافعي والأصحاب رحمهم اللَّه تعالى: يحرم التفريق بين الجارية وولدها الصغير، بالبيع والقسمة والهبة ونحوها، بلا خلاف] (٧). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(فإن فرق -أي: السيد بين الوالدة وولدها- كره ذلك، وجاز العقد) الكراهةُ بالإجماع] (٨). • الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [ويحرم على من ملك جارية وولدها. . .،

стр. 1020

التفريق بين الأم الرقيقة. . .، والولد الرقيق الصغير المملوكين لواحد بنحو بيع. . .، أو هبة، أو قرض، أو قسمة، بالإجماع] (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي أيوب الأنصاري (٢) ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرَّق بين الوالدة وولدها، فرَّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٣). الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ "أنه باع جارية وولدها، ففرَّق بينهما، فنهاه رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، وردَّ البيع" (٤). النتيجة: صحة الإجماع في النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولكن وقع الخلاف بين العلماء، هل النهي على التحريم أم على الكراهة؟ الجمهور على التحريم، والحنفية على الكراهة (٥).

стр. 1021

٨٧] جواز التفريق بين ذوي الأرحام المحرمة إذا كانوا بالغين: • المراد بالمسألة: إذا كان عند بائعٍ عبدان بينهما رحم محرمة: كأن يكون ولد وأمه أو أبوه، أو أخ وأخوه أو أخته ونحوهم، وكانا كبيرين أدركهما سن البلوغ وهما عاقلان صحيحان، فإنه يجوز التفريق بينهما في البيع، بأن يبيعهما لاثنين، أو يبيع أحدهما ويُبْقي الآخر، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن الفرقة بين ذوي الأرحام المحرمة، إذا كانوا كلهم بالغين عقلاء أصحاء غير زَمْنى، جائزة] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وهو رواية عند الحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سلمة بن الأكوع (٤) ﵁ قال: غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر أمَّره رسول اللَّه ﷺ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أَمَرَنا أبو بكر فعرَّسْنا، ثم شنَّ الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، وينظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة (٥)، عليها قشع

стр. 1022

من آدم - قال: القشع: النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقْتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة، وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول اللَّه ﷺ في السوق فقال: "يا سلمة: هب لي المرأة؟ " فقلت: يا رسول اللَّه واللَّه لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا، ثم لقيني رسول اللَّه ﷺ من الغد في السوق، فقال لي: "يا سلمة: هب لي المرأة للَّه أبوك؟ " فقلت: هي لك يا رسول اللَّه، فوالله ما كشفت لها ثوبا. فبعث بها رسول اللَّه ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة (١). • وجه الدلالة: أنه فُرِّق بين المرأة وابنتها، وأقر النبي ﷺ هذا التفريق ولم ينكره، بل جعل البنت فداء لأسرى المسلمين بمكة. فحمل العلماء هذا على أن البنت كانت كبيرة، ولذا جاز التفريق، ومما يدل على كبرها أن سلمة ذكر أنه لم يكشف لها ثوبا، ولو كانت صغيرة لم يكن ثمة حاجة لذكره؛ لأن مثلها لا يكشف لها ثوب. الثاني: عن عبادة بن الصامت (٢) ﵁ يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها". فقيل: يا رسول اللَّه إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل أمدا لمنع التفريق وهو البلوغ والحيض، فدل على أن ما بعده لا حرج فيه. • المخالفون للإجماع: اختلاف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما:

стр. 1023

القول الأول: تحريم التفريق بعد البلوغ. وهو قول: ابن عبد الحكم (١) من المالكية، ومشهور مذهب الحنابلة (٢). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها، فرق بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٣). • وجه الدلالة: أن الحديث جاء عاما، ولم يفرق بين ما كان قبل البلوغ ولا بعده، فيبقى على عمومه. الثاني: أن الوالدة تحتاج إلى ولدها الكبير، وتتضرر بمفارقته، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما (٤). القول الثاني: كراهة التفريق. قال به الشافعية (٥). واستدل هؤلاء بتعليل، وهو: ما يترتب على التفريق بينهما من التشويش والتفرقة، والآثار السيئة، ولذا يقال بالكراهة لا التحريم (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٨٨] النهي عن بيع وشراء وسوم المسلم على أخيه المسلم: • المراد بالمسألة: صورة البيع على البيع: أن يكون البيع وقع بالخيار، فيأتي في

стр. 1024

مدة الخيار رجل فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أحسن منه. وصورة الشراء على الشراء: أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. وصورة السوم على السوم: أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، بعد أن ركن كل منهما للآخر، ولم يتعاقدا بعد، فيقول آخر للبائع: أنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن. أو يقول للمشتري: أنا أبيعه منك بأقل (١). فإذا وقعت صورة من هذه الصور، فإن هذا الفعل منهي عنه، وصاحبه آثم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الجوهري (٢) (حدود: ٣٥٠ هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم الرجل] (٣). نقله عنه ابن القطان (٤). • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [كلهم يكرهون أن يسوم الرجل على سوم أخيه، أو يبيع على بيعه، بعد الركون والرضا] (٥). ويقول أيضا: [ولا خلاف بينهم في كراهية بيع الرجل على بيع أخيه المسلم، وسومه على سوم أخيه المسلم] (٦). • الباجي (٤٧٤ هـ) يقول لما ذكر تفسير الإمام مالك لمعنى البيع على البيع والسوم على السوم: [وهو على ما قال، ولا خلاف فيه] (٧). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيع السائم على سوم أخيه،

стр. 1025

وبيعه على بيع أخيه، مكروه] (١). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وأجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه] (٢). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) في جوابه على سؤال رجل اشترى على شراء أخيه، فنقض البائع البيع الأول، وباع للثاني عندما دفع له أكثر من الأول قال: [الذي فعله البائع غير جائز، بإجماع المسلمين. . .، وهذا البائع لم يترك البيع الأول لكونه معتقدا تحريمه، لكن لأجل بيعه للثاني، ومثل هذا حرام، بإجماع المسلمين] (٣). • أبو زرعة العراقي (٨٢٦ هـ) يقول: [تحريم البيع على بيع أخيه. . .، وهو مجمع عليه. . .، وفي معناه الشراء على شراء أخيه. . .، وهو مجمع على منعه أيضا]. ويقول أيضا: [والسوم على السوم متفق على منعه، إذا كان بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، وإنما يحرم ذلك إذا حصل التراضي صريحا] (٤). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء. . .، وهو مجمع عليه. . .، وأما السوم. . .، فإن كان ذلك صريحا، فلا خلاف في التحريم] (٥). نقله عنه الشوكاني، وعبد الرحمن القاسم (٦). • المرداوي (٨٨٥ هـ) يقول معلقا على كلام صاحب المقنع في النهي عن البيع على البيع والشراء على الشراء: [وهذا بلا نزاع فيهما] (٧). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء على تحريم هذه الصور كلها، وأن فاعلها عاص] (٨).

стр. 1026

• عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول بعد ذكر صورة بيع المسلم على أخيه المسلم: [واتفق أهل العلم على كراهته] (١). ويقول أيضا: [(ويحرم أيضا شراؤه على شرائه) بلا خلاف] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" (٤). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا" (٥). الثالث: عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه" (٦). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ نهى عن البيع على البيع، ويقاس عليه الشراء على الشراء، ونهى عن السوم على السوم، والنهي في الأصل أنه على

стр. 1027

التحريم. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة وهو النهي عن هذه الصور الثلاث التي نص عليها العلماء، ومن الملاحظ أن من العلماء من ذكر الكراهة، ومنهم من نص على التحريم، ولا يمكن الجزم بحكاية الإجماع على التحريم إلا إذا قلنا بأن الكراهة التي ذكرها العلماء المراد بها التحريمية، وهذا هو الظاهر، فالعلماء الذين ذكروا الكراهة، وهم ابن عبد البر وابن هبيرة وعبد الرحمن القاسم، علماء مذاهبهم كلهم ينصون على التحريم ولم يذكروا الكراهة، ولم أجد من نص على الكراهة إلا الحنفية، وقد تقدم المراد بهذا عندهم. ٨٩] النهي عن سوم المسلم أو الذمي على سوم الذمي: • المراد بالمسألة: إذا رضي الذمي بثمن كان بينه وبين البائع في سلعة وركن إليه، فجاء مسلم أو ذمي آخر، وعرض على البائع مثل الثمن الذي عرضه الأول أو أكثر منه، فإن هذا منهي عنه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطحاوي (٣٢١ هـ) يقول: [قال الأوزاعي: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه، ولا نعلم أحدا قال بذلك غير الأوزاعي. . .، واتفقوا على كراهة سوم الذمي على الذمي] (١). • الجوهري (حدود: ٣٥٠ هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم الرجل ولا الكتابي الذمي، إلا الأوزاعي، فإنه أباحه له على سوم الذمي] (٢). نقله عنه ابن القطان (٣). • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أجمع العلماء على كراهة سوم الذمي على سوم المسلم، وعلى سوم الذمي، إذا تحاكموا إلينا] (٤).

стр. 1028

ويقول أيضا: [قد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي] (١). ويقول أيضا: [لا أعلم خلافا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه، وأنه والمسلم في ذلك سواء، إلا الأوزاعي، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه] (٢). ويقول أيضا: [وأجمع الفقهاء أيضا على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في سومه إلا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه. . .، وإذا أطلق الكلام على المسلمين، دخل أهل الذمة، والدليل على ذلك اتفاقهم على كراهية سوم الذمي على الذمي، فدل على أنهم مرادون] (٣). نقل العبارة الأخيرة أبو زرعة العراقي (٤). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [ومن غريب الفقه أن الأوزاعي يقول: يجوز مساومة المسلم على الذمي. . .، وسائر العلماء على منعه] (٥). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٧).

стр. 1029

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القاعدة الفقهية: أن كل حكم بين مسلم وذمي، فإنه يكون على حكم الإسلام، فيدخل في ذلك سومه على سوم الذمي (١). الثاني: أن لهم عهدًا وذمة، ومن العهد أن لا يرزأوا في أبدانهم ولا في أموالهم، ولا في أولادهم، ومن الرزء السوم عليهم (٢). • المخالفون للإجماع: خالف في مسألة سوم المسلم على الذمي جماعة من العلماء، وقالوا: يجوز سوم المسلم على الذمي، وهم: الأوزاعي (٣)، وابن حربويه (٤) من الشافعية (٥)، والحنابلة في المنصوص عنهم (٦). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يستام الرجل على

стр. 1030

سوم أخيه". وفي لفظ: "لا يسم المسلم على سوم أخيه" (١). • وجه الدلالة: أن هذه الألفاظ صريحة في قصر النهي على المسلم خاصة، ويفهم منه عدم دخول الذمي في الحكم. الثاني: أن الذمي ليس كالمسلم، فحرمته ليست كحرمته؛ ولذا لم تجب إجابة دعوته للوليمة، ولا كذلك أن ينصحه، ونحوها من الحقوق، فلا يصح أن يُلْحق في الحكم به (٢). النتيجة: صحة الإجماع في النهي عن سوم الذمي على سوم الذمي إذا تحاكموا إلينا؛ وذلك لعدم الاطلاع على المخالف فيها. وعدم صحة الإجماع في النهي عن سوم المسلم على سوم الذمي؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٩٠] صاحب السلعة أحق بالسوم: • المراد بالمسألة: السوم في اللغة: الكلمة تدل على طلب الشيء وابتغائه (٣). يقال: سام البائع السلعة سوما، أي: عرضها للبيع، وطلبها بثمن يذكره. وسام المشتري المبيع واستامه: طلب شراءه بالثمن الذي تقرر به البيع (٤). والتساوم بين اثنين: أن يعرض البائع سلعته بثمن ما، ويطلبها الآخر بثمن دونه (٥). ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي. ويراد بالمسألة هنا: أن صاحب السلعة المالك لها، إذا أراد بيع سلعته، وعرضها لهذا الغرض، فإنه أحق بسوم سلعته، ممن يطلبون سلعته، وذلك بأن يذكر لهم سعرها الذي يَرْغبه لها، بلا خلاف بين العلماء.

стр. 1031

• من نقل الإجماع: • ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [لا خلاف بين الأمة أن صاحب السلعة أحق الناس بالسوم فى سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلا له، أو لمن وكله على البيع] (١). نقله عنه ابن حجر، والعيني (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا بني النَّجار (٤) ثامنوني بحائطكم هذا" قالوا: لا واللَّه! لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أراد أن يشتري من بني النجار أرضا يتخذها مسجدا له بعد مهاجره إلى المدينة، ساوم أهلها عليها، وطلب منهم أن يخبروه بالثمن على سبيل المساومة، فيذكر لهم ثمنا يختاره ثم يقع التراضي عليه والتعاقد، وهذا يدل على أن الأفضل هو البدء بما بدأ به النبي ﷺ وهو أمره لهم بالبدء بالسوم (٦). الثاني: أن صاحب السلعة أعرف بسلعته بمدخلها ومخرجها، وما فيها

стр. 1032

وعليها، فكان من الحكمة والعقل أن يبدأ هو بذكر الثمن قبل طُلَّابها. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩١] جواز بيع المزايدة: • المراد بالمسألة: بيع المزايدة هو: أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعم، حتى تقف على آخر زائد فيها، فيأخذها (١). وهو جائز لا كراهة فيه، بإجماع العلماء. ويطلق عليه بعض الفقهاء: بيع الفقراء، وبيع من كسدت بضاعته (٢). • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد] (٣). نقله عنه ابن حجر، والصنعاني (٤). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [والمزايدة مباحة بالإجماع] (٥). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة] (٦). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وهذا أيضا إجماع، فإن المسلمين

стр. 1033

يبيعون في أسواقهم بالمزايدة] (١). نقله عنه ابن ضويان (٢). • ابن النجار (٣) (٩٧٢ هـ) يقول: [وهذا إجماع، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (٤). • البهوتي (١٠٥١ هـ) يقول: [فأما المزايدة في المناداة فجائز إجماعا، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (٥). • عبد الرحمن البعلي (٦) (١١٩٢ هـ) يقول: [وأما المزايدة في المناداة قبل الرضا، فجائزة بالإجماع] (٧). • الرحيباني (١٢٤٣ هـ) يقول: [و (لا) يحرم (زيادة في مناداة) قبل الرضا إجماعا، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة] (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٩).

стр. 1034

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ باع حِلسا وقَدَحا، وقال: "من يشتري هذا الحلس والقدح؟ " فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ﷺ : "من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ " فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ باع الحلس والقدح مزايدة، ولم يقتصر على السوم الأول من الرجل الأول، فدل فعله على الجواز. الثاني: أن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة في كل زمان ومكان من غير نكير (٢). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما: الأول: كراهة بيع المزايدة مطلقا. وهذا قال به: إبراهيم النخعي، وأيوب السختياني (٣) وعامر الشعبي، وعقبة (٤) (٥).

стр. 1035

واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث سفيان بن وهب (١) ﵁ قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن بيع المزايدة" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المزايدة، وأقل أحوال النهي الكراهة. الثاني: جواز بيع المزايدة في المواريث والمغانم فقط. وهذا قال به: الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول (٣)، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه (٤). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: ما جاء عن زيد بن أسلم (٥) قال: سئل ابن عمر ﵄ عن بيع المزايدة فقال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر إلا الغنائم

стр. 1036

والمواريث" (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل عذر من حكى الإجماع في المسألة، إما أنه حكاه في معرض الاستدلال لمسألة أخرى، فيقع التجوز في الحكاية، كما هو ظاهر صنيع ابن عبد البر، أو كانت حكايته من باب حكاية الإجماع السكوتي، والخلاف في الاحتجاج به ظاهر ومعروف، كما يظهر من صنيع ابن قدامة، أما الباقون فهم نقلة عن غيرهم، خاصة ممن عرف عنهم العناية بالفقه المذهبي دون غيره. واللَّه أعلم. ٩٢] جواز بيع الحاضر للحاضر والبادي للبادي: • المراد بالمسألة: الحاضر: ضد البادي، والحاضرة ضد البادية. والحاضر: من كان من أهل الحضر (٢)، وهو ساكن الحاضرة، وهي: المدن والقرى والريف، وهي أرض فيها -عادة- زرع وخصب. والبادي: ساكن البادية، وهي: ما عدا ما ذكر من المدن والقرى والريف. وهو الذي عليه الجمهور (٣). وقيل: إن البادية يشمل المقيم في البادية، وكل من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء أكان بدويا، أم كان من قرية، أو أي بلدة أخرى. وهو قول عند المالكية، ورأي الحنابلة (٤). وبعض المالكية يعبر عن البادي بالعمودي، والعمودي هو: البدوي، نسبة إلى عمود؛ لأن البدو يسكنون الخيام. ويراد بالمسألة: أن الحاضر إذا باع حاضرا مثله، والبادي إذا باع باديا مثله،

стр. 1037

فإن البيع بينهما جائز إذا توفرت شروطه وأركانه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [اتفقوا أن بيع الحاضر للحاضر، والبادي للبادي جائز] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها" (٤). الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ " قال: لا يكون له سمسارا (٥). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحاضر للبادي، فدل على أن بيع الحاضر للحاضر، والبادي للبادي صحيح وتام. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1038

٩٣] جواز تولي البادي البيع لنفسه: • المراد بالمسألة: البادي: - وهو من سكن البادية، أو من دخل البلدة من غير أهلها، على القول الآخر -إذا قدم بالسلعة، وقام بالبيع بنفسه، فإن البيع جائز لا إشكال فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠) يقول: [واتفقوا على أن بيع البادي لسلعة نفسه، جائز] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" (٣). الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ " قال: لا يكون له سمسارا (٤). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحاضر للبادي، فدل على أن بيع البادي لنفسه صحيح وتام، بل هو الأصل، بناء على العلة التي من أجلها وقع النهي.

стр. 1039

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩٤] بطلان البيعتين في بيعة: • المراد بالمسألة: هذه المسألة قد اختلف العلماء في بيان صورتها على أقوال عدة، كل يتأول في بيان المعنى المراد منها على ما يوافق مذهبه (١)، وإليك بيان هذه الأقوال: الأول: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم نقدا، أو بخمسة عشر نسيئة إلى سنة، فيقبل المشتري من غير تعيين لأحد الثمنين. قال بهذا التفسير: الثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وابن حزم من الظاهرية (٢). الثاني: أن يقول: بعتك بستاني هذا بكذا على أن تبيعني دارك بكذا. قال بهذا التفسير: الحنفية، والشافعية في القول الآخر لهم، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٣). الثالث: أن يقول له: بعتك هذا بعشرة دنانير على أن تعطيني بها صرفها كذا دراهم. قال به: الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، والشافعي في قول آخر لهما، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن حزم (٤). الرابع: أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة. وهي نفس بيع العينة. اختار هذا التفسير ابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة (٥).

стр. 1040

وقد جاء في موطأ الإمام مالك أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد، حتى أبتاعه منك إلى أجل. فسئل عن ذلك عبد اللَّه بن عمر، فكرهه ونهى عنه. قال ابن عبد البر: [هذا الحديث عند مالك فيه وجهان: أحدهما: العينة. والثاني: أنه من باب بيعتين في بيعة؛ لأنها صفقة جمعت بيعتين أصلها البيعة الأولى] (١). وظاهر هذا أنه يقول بالتفريق بين العينة، وبين البيعتين في بيعة. الخامس: أن يقول: بعني سلعتك هذه بدينار نقدا، أو بشاة موصوفة إلى أجل، ويقع التفرق بينهما على لزوم البيع من غير تعيين لأحدهما. قال بهذا التفسير الإمام مالك (٢). السادس: أن يتبايعا سلعتين بثمنين مختلفين على أنه تلزمه إحدى البيعتين، مثل: أن يتبايعا هذا الثوب بدينار، والثوب الآخر بدينارين على أن المشتري يختار أحدهما. أو سلعة واحدة بثمنين مختلفين، مما يجوز أن يُحَوَّل بعضها في بعض. مثل: بعتك هذا السلعة بدينار وثوب، أو ثوب وشاة. قال به الإمام مالك (٣). السابع: أن يقول رجل لآخر: اشتر لي، أو اشتر السلعة نقدا بكذا، أو بما اشتريتها به، وبعها مني بكذا إلى أجل. فيكون داخلا في بيع ما ليس عند البائع. ذكر هذا التفسير المالكية (٤). الثامن: أن يقول: بعني هذا التمر الصيحاني عشرة آصع بدينار، والعجوة خمسة عشر بدينار. قال به الإمام مالك (٥). التاسع: هو أن يسلفه دينارا في قفيز بر إلى شهر، فإذا حل الأجل وطالبه بالبر، قال: بعني القفيز الذي لك عليّ بقفيزين إلى شهرين. فهذا بيع ثان قد دخل على

стр. 1041

البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيرد أوكسهما، وهو الأول، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مربيين. هذا التفسير قال به الخطابي (١) لما ذكر رواية: "فله أوكسهما أو الربا" (٢) قال: [فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه] (٣). ثم ذكره. فالمعنى -كما ترى- قد وقع الخلاف فيه بين العلماء، وبعض هذه الأقوال هي في حقيقتها صور كما هو ظاهرٌ مِن ذِكْر بعض العلماء لها، كابن حزم مثلا. أما التفاسير التي جاءت عن الإمام مالك ومن وافقه فيجمعها ما ذكره ابن رشد في تعريف البيعتين في بيعة حين قال: [تناول البيع مبيعين، لا يتم مع لزومه للمتبايعين أو لأحدهما إلا في أحد المبيعين] (٤). ويدخل فيه الصحيح والفاسد، ولذا أجاز الإمام مالك بعض هذه الصور. والمقصود هنا: أن ما جاء في حديث أبي هريرة يُعدُّ من الأمور المنهي عنها، وإذا وقعت فهي باطلة شرعا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن بيعتين في بيعة باطل] (٥). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [فأما المنطوق به في الشرع، فمنه: نهيه ﷺ . . .، عن بيعتين في بيعة. . .، فهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها] (٦). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول لما ذكر ما جاء عن الشافعي في تفسير البيعتين في

стр. 1042

بيعة من تفسيرين لها: [وعلى التقديرين: البيع باطل بالإجماع] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين في بيعة" (٣). وفي رواية: قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (٤). الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع وسلف، وعن بيعتين في صفقة واحدة، وعن بيع ما ليس عندك" (٥). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، والنهي يقتضي تحريم المنهي عنه، وبطلانه كذلك. النتيجة: صحة الإجماع في النهي عن بيعتين في بيعة، وأنه إذا وقع يعد باطلا. أما المعنى فقد تبين وقوع الخلاف فيه بين المذاهب كما سبق. ٩٥] صحة شراء السلعة التي باعها بأقل من ثمنها في غير مجلس العقد: • المراد بالمسألة: إذا باع سلعة ولم يقبض ثمنها، ثم اشتراها من المشتري بأقل

стр. 1043

من ثمنها الذي باعها عليه، وهي على حالها لم تتغير، ولم يكن ذلك في مجلس العقد، بل بعد مدة منه، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [واستدل أيضا -أي: الشافعي- على جواز العينة بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها، ممن اشتراها منه بعد مدة، فالبيع صحيح] (١). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [وأيد ما ذهب إليه الشافعي -أي: في تجويزه العينة- بأنه قد قام الإجماع على جواز البيع من البائع بعد مدة، لا لأجل التوصل إلى عوده إليه بالزيادة] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن الآية دليل على أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة ما لم يأت نص بالتحريم، وهو كذلك في مسألتنا، فليس ثمة نص على تحريمها، فتبقى على الأصل.

стр. 1044

الثاني: أن البائع ما دام أنه لم يشتر السلعة في مجلس العقد، بل وجد المشتري يبيعها في السوق، فإن الربا غير متحقق في العقد، وعليه فيكون حاله حال الرجل الأجنبي إذا أراد شراء السلعة، ولا فرق. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة جماهير العلماء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، فقالوا: لا يجوز للبائع أن يشتري السلعة ممن اشترها منه بأقل من ثمنها نقدا مطلقا، سواء كان في مجلس العقد أو بعد مدة، ما دامت العلقة موجودة بين البائع والمشتري (١). ويستدل لهؤلاء بدليل من المعقول وهو: أن شبهة العينة لا زالت قائمة، ولا فرق بين أن يكون شراء البائع للسلعة في مجلس العقد أو بعده، فالتواطؤ ليس شرطا في تحقيق معنى العينة المحرمة، وما كان شبهة فهو ملحق بالحقيقة، سدا للذريعة. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٩٦] جواز بيع المشتري السلعة من البائع بمثل الثمن أو أكثر منه: • المراد بالمسألة: إذا اشترى البائع من المشتري السلعة، لكن بمثل ما اشتراها منه أو أكثر، فإن البيع جائز، بإجماع العلماء، سواء كان قبل نقد الثمن في البيع الأول، أو بعده. • من نقل الإجماع: • الجصاص (٣٧٠ هـ) لما أورد أثر سعيد بن المسيب حين سئل عن رجل باع طعاما من رجل إلى أجل، فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه. فقال: هو ربا. قال: [ومعلوم أنه أراد شراءه بأقل من الثمن الأول؛ إذ لا

стр. 1045

خلاف أن شراءه بمثله أو أكثر منه جائز] (١). • الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [ولو اشترى ما باع بمثل ما باع، قبل نقد الثمن، جاز بالإجماع. . .، وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن] (٢). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [واعلم أن شراء ما باع بأقل مما باع، قبل نقد الثمن لا يجوز عندنا. . .، وبعد نقد الثمن يجوز عندنا أيضا، وبالمثل أو الأكثر يجوز بالإجماع، سواء كان قبل نقد الثمن أو بعده] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأصل في المعاملات الإباحة، بنص القرآن كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥) ولا يَحْرمُ إلا ما حرمه اللَّه كما أخبر عن ذلك فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٦) وهذه المعاملة قد توفرت فيها شروط البيع وأركانه، وانتفت موانعه، فتبقى على الأصل الذي جعله اللَّه في كتابه (٧). الثاني: أن المقصود من المنع إنما هو من أجل الذريعة إلى الربا، وهي منتفية هنا إذا باعه بأكثر أو مثل ما اشتراها به (٨). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1046

٩٧] جواز بيع السلعة المباعة نسيئة بعد نقد الثمن بأقل منه: • المراد بالمسألة: لو اشترى سلعة بألف ريال، سواء كانت حالة أو مؤجلة، ثم قبض المشتري السلعة، وقبض البائع الثمن، وبعدها باعها على البائع بأقل من ثمنها الذي اشتراها به، فإن البيع جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [(ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة، فقبضها، ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن) بمثل أو أكثر جاز. . .، وقيد بقوله: نقد الثمن؛ لأن ما بعده يجوز بالإجماع بأقل من الثمن] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن البيع في هذه الصورة قد تمت شروطه وأركانه، ولم يقم مانع من الموانع يمنع صحته، فبقي على الأصل وهو الجواز. الثاني: أن الخوف في هذه الصورة أن يكون ذريعة إلى الربا، فإذا كان البائع اشترى السلعة من المشتري بعد قبض الثمن فقد انتفى محظور الربا هنا، وعاد

стр. 1047

البيع كأنه بيع جديد مستقل، كما لو كان المشتري أجنبيا. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩٨] جواز بيع المشتري السلعة للبائع بعرض أقل مما اشتراها منه: • المراد بالمسألة: العرْض، -بالراء الساكنة- وهو: كل ما ليس بنقد من المتاع (١). • والمقصود بالمسألة: إذا باع المشتري السلعة على البائع بأقل مما اشتراها منه، لكن البيع كان بعروضٍ وليس بنقود، كأن تكون ثيابا وأقمشة ونحوها، فإن البيع صحيح، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وإن اشتراها بعرْض، أو كان بيعها الأول بعرْض، فاشتراها بنقد جاز، وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافا] (٢). نقله عنه المرداوي، وعبد الرحمن القاسم (٣). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [فإن اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز، ولا نعلم فيه خلافا] (٤). نقله عنه المرداوي (٥). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(ومن اشترى جارية بألف درهم، حالة أو نسيئة، فقبضها، ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول، لا يجوز البيع الثاني. وقال الشافعي: يجوز؛ لأن الملك) أي: ملك المشتري (قد تم فيها) أي: في الجارية (بالقبض، فصار البيع من البائع ومن غيره سواء، وصار) أي: حكم هذا (كما لو باع بمثل الثمن الأول، أو بالزيادة) من الثمن الأول (أو بالعرض) يعني: باعها منه بالعرض قبل نقد الثمن، وقيمة العرض أقل من قيمة الألف،

стр. 1048

يجوز بالإجماع] (١). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [إذا اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد، جاز بغير خلاف نعلمه] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الأصل في المعاملات أنها على الإباحة إذا توفرت الشروط والأركان، وانتفت الموانع، كما هو الحال في هذه المسألة. الثاني: أن التحريم إنما كان من أجل شبهة الربا، وقد انتفت هذه الشبهة هنا؛ إذ لا ربا بين الأثمان والعروض (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩٩] جواز التورق من أجل التجارة والانتفاع والقنية: • المراد بالمسألة: التورق: مأخوذ من الورق، وهو في الأصل: يطلق على الخير والمال (٥)، ويراد بالوَرِق: الدراهم المضروبة من الفضة، وقيل: الفضة سواء كانت مضروبة أم غير مضروبة (٦).

стр. 1049

• وفي الاصطلاح: أن يشتري من يحتاج مالا سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالة، ثم يبيعها على أجنبي نقدا (١). وهذا المصطلح اختص به الحنابلة من بين المذاهب، وبقيت المذاهب يذكرون صورة التورق ضمن صُور العينة (٢). • والمقصود بالمسألة: إذا احتاج المشتري إلى شراء سلعة، ولم يكن عنده نقد حاضر، فاشتراها بأكثر من قيمتها مؤجلة، وكان قصده ذات السلعة: إما من أجل القنية، أو الانتفاع بها، وذلك مثل: أن يشتري بيتا ليسكنه، أو سيارة ليركبها، أو طعاما ليأكله، أو المتاجرة بها، كأن يشتري قمحا ليتجر به في بلد آخر، أو لينتظر به زيادة السوق، وخلا من قصد ذات الدراهم، فإن هذا جائز، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [ولو كان مقصود المشتري الدرهم، وابتاع السلعة إلى أجل، ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا يسمى: التورق، ففي كراهته عن أحمد روايتان، والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك فيما أظن. بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع، أو القنية، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل، بالاتفاق] (٣). ويقول أيضا: [المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل والشرب واللبس والركوب، وغير ذلك. الثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها، فهذان نوعان جائزان بالكتاب والسنة والإجماع] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٥).

стр. 1050

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن هذه الآية تفيد أن الأصل في المبايعات أنها على الإباحة ما لم يرد دليل بالمنع، وهو كذلك في المسألة معنا لم يرد دليل بمنعها (٢). الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن هذا المعاملة نوع من المداينات التي تدخل في عموم هذه الآية (٤). الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه حرم أكل أموال الناس إلا ما وقع عليه التراضي بينهم، وهذا البيع بهذه الصورة واقع على هذا الوجه، فهو داخل في هذا العموم (٦).

стр. 1051

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠٠] تحريم التسعير إذا لم تدع الحاجة إليه: • المراد بالمسألة: التسعير في اللغة: مأخوذ من السعر، وهو: تقويم السلع بثمن لا يتجاوزه (١). • وفي الاصطلاح: أن يقوم ولي الأمر بتحديد أسعار الحاجيات، وإجبار أربابها على بيعها بالسعر المحدد (٢). فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر -إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق- فهذا إلى اللَّه، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها في هذه الحالة لا يجوز باتفاق العلماء (٣). • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية التسعير للناس، وأنه لا يجوز] (٤). نقله عنه عبد الرحمن بن قاسم (٥). • ابن القيم (٧٥١ هـ) يقول: [ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل] (٦). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٨).

стр. 1052

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن من أكره على بيع ماله بدون رضا منه، فقد أُكِل ماله بالباطل، ومن وقع الإجبار له أن يبيع بسعر لا يرضاه في تجارته فقد سلب الرضا الذي هو حق له في كتاب اللَّه (٢). الثاني: عن أنس ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا، فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (٣). الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا جاء فقال: يا رسول اللَّه، سَعِّر، فقال: "بل أدعو" ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه سَعِّر، فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع! وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس لأحد عندي مظلمة" (٤).

стр. 1053

وجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه ﵇ لم يُسعِّر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني: أنه علل بكونه مظلمة، والظلم حرام (١). النتيجة: صحه الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠١] وجوب التسعير عند حصر البيع في أناس معينين: • المراد بالمسألة: إذا اتفق الناس على ألَّا يبيع نوعا من السلع إلا أناس محددين، وكل من أراد بيع تلك السلعة، فلا بد أن يبيع عن طريقهم، فهنا يجب على ولي الأمر أن يلزم هؤلاء بالشراء من الناس بقيمة المثل، ويلزمهم بالبيع على الناس بقيمة المثل كذلك، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول بعد أن ذكر الحالة الأولى التي يرى وجوب التسعير فيها: [وأبلغ من هذا: أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره، إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد، فها هنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. . .، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا، أو لا يشتروا، إلا بثمن المثل] (٢). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني (٣).

стр. 1054

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنهم إذا كانوا قد منعوا غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سُوِّغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا، أو يشتروا بما اختاروا، كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال. وظلما للمشترين منهم. والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم، أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في هذه الحالة فيه رفع للظلم. الثاني: القياس على الإكراه بحق في البيع: فكما أنه يجوز في بعض الحالات من مثل قضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة وأشباهها، فكذلك هنا إذا ترتب عليه مصلحة (٢). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية على الصحيح عندهم، ووافقهم ابن حزم من

стр. 1055

الظاهرية، والشوكاني، وقالوا بأن التسعير حرام بكل أنواعه وصوره، ولا يجوز للإمام فعله بحال من الأحوال (١). و• دليلهم: عموم حديث أنس بن مالك ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقال الناس: يا رسول اللَّه سَعِّر لنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه هو القابض الباسط الرزاق المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ولا مال" (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ١٠٢] جواز ادخار القوت للنفقة: • المراد بالمسألة: القوت الذي يَدَّخره المرء لنفسه أو عياله مما يحتاجه من النفقة عليهم طوال عامه، وهو من القوت المأخوذ من أرضه ومزرعته، لا مما اشتراه من السوق، لا يعد من الاحتكار المنهي عنه، بل هو جائز لا حرج فيه، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • المهلب (٣) (٤٣٥ هـ) يقول: [فيه -أي: حديث عمر الذي في مستند الإجماع- دليل على جواز ادَّخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحُكْرة، وأن ما ضمَّه الإنسان من زرعه، أو جدَّ من نخله وثمره، وحبسه لقوته لا يسمى حُكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء]. نقله عنه العيني (٤). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [أن يكون المحتكر للطعام من مال نفسه، أو كسب يده. . .، فالحكرة جائزة بلا خلاف] (٥).
следующие страницы →