← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠٠] تحريم التسعير إذا لم تدع الحاجة إليه: • المراد بالمسألة: التسعير في اللغة: مأخوذ من السعر، وهو: تقويم السلع بثمن لا يتجاوزه (١). • وفي الاصطلاح: أن يقوم ولي الأمر بتحديد أسعار الحاجيات، وإجبار أربابها على بيعها بالسعر المحدد (٢). فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر -إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق- فهذا إلى اللَّه، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها في هذه الحالة لا يجوز باتفاق العلماء (٣). • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على كراهية التسعير للناس، وأنه لا يجوز] (٤). نقله عنه عبد الرحمن بن قاسم (٥). • ابن القيم (٧٥١ هـ) يقول: [ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل] (٦). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٨).

стр. 1052

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن من أكره على بيع ماله بدون رضا منه، فقد أُكِل ماله بالباطل، ومن وقع الإجبار له أن يبيع بسعر لا يرضاه في تجارته فقد سلب الرضا الذي هو حق له في كتاب اللَّه (٢). الثاني: عن أنس ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا، فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (٣). الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا جاء فقال: يا رسول اللَّه، سَعِّر، فقال: "بل أدعو" ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه سَعِّر، فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع! وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس لأحد عندي مظلمة" (٤).

стр. 1053

وجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه ﵇ لم يُسعِّر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني: أنه علل بكونه مظلمة، والظلم حرام (١). النتيجة: صحه الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠١] وجوب التسعير عند حصر البيع في أناس معينين: • المراد بالمسألة: إذا اتفق الناس على ألَّا يبيع نوعا من السلع إلا أناس محددين، وكل من أراد بيع تلك السلعة، فلا بد أن يبيع عن طريقهم، فهنا يجب على ولي الأمر أن يلزم هؤلاء بالشراء من الناس بقيمة المثل، ويلزمهم بالبيع على الناس بقيمة المثل كذلك، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول بعد أن ذكر الحالة الأولى التي يرى وجوب التسعير فيها: [وأبلغ من هذا: أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره، إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد، فها هنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. . .، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا، أو لا يشتروا، إلا بثمن المثل] (٢). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني (٣).

стр. 1054

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنهم إذا كانوا قد منعوا غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سُوِّغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا، أو يشتروا بما اختاروا، كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال. وظلما للمشترين منهم. والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم، أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في هذه الحالة فيه رفع للظلم. الثاني: القياس على الإكراه بحق في البيع: فكما أنه يجوز في بعض الحالات من مثل قضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة وأشباهها، فكذلك هنا إذا ترتب عليه مصلحة (٢). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية على الصحيح عندهم، ووافقهم ابن حزم من

стр. 1055

الظاهرية، والشوكاني، وقالوا بأن التسعير حرام بكل أنواعه وصوره، ولا يجوز للإمام فعله بحال من الأحوال (١). و• دليلهم: عموم حديث أنس بن مالك ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقال الناس: يا رسول اللَّه سَعِّر لنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه هو القابض الباسط الرزاق المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ولا مال" (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ١٠٢] جواز ادخار القوت للنفقة: • المراد بالمسألة: القوت الذي يَدَّخره المرء لنفسه أو عياله مما يحتاجه من النفقة عليهم طوال عامه، وهو من القوت المأخوذ من أرضه ومزرعته، لا مما اشتراه من السوق، لا يعد من الاحتكار المنهي عنه، بل هو جائز لا حرج فيه، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • المهلب (٣) (٤٣٥ هـ) يقول: [فيه -أي: حديث عمر الذي في مستند الإجماع- دليل على جواز ادَّخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحُكْرة، وأن ما ضمَّه الإنسان من زرعه، أو جدَّ من نخله وثمره، وحبسه لقوته لا يسمى حُكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء]. نقله عنه العيني (٤). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [أن يكون المحتكر للطعام من مال نفسه، أو كسب يده. . .، فالحكرة جائزة بلا خلاف] (٥).

стр. 1056

• القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [ولا خلاف بين الفقهاء في جواز ادِّخار ما يرفعه الرجل من أرضه وزراعته، مما لم يشتره من السوق] (١). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [ولا خلاف في أن ما يدّخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز ولا بأس به] (٢). نقله عنه الحطاب (٣). • ابن رسلان (٤) (٨٤٤ هـ) يقول: [ولا خلاف في أن ما يدَّخره الإنسان من قوت، وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به]. نقله عنه الشوكاني، والعظيم آبادي (٥) (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: "أعطى رسول اللَّه ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وَسْق (٨): ثمانين وسقا من تمر،

стр. 1057

وعشرين وسقا من شعير، فلما ولي عمر قَسْم خيبر، خيَّر أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام، فاختلفن" (١). الثاني: عن عمر ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل اللَّه" (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ ادَّخر قوت أولاده سنة كاملة من حقه من الفيء وليس مما اشتراه من السوق، فدل على جواز الادخار، وأنه ليس من الاحتكار المنهي عنه. الثالث: أن الادخار حبس لقوت نفسه، وليس قصد صاحبه المتاجرة به، فلا تعلق للآخرين به، ولا ضرر عليهم فيه، فيبقى على الأصل وهو الإباحة. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠٣] تحريم الاحتكار المضر بالناس: • المراد بالمسألة: الحكر في اللغة، هو: الحَبْس والإمساك والجمع، والحُكْرة هي: حبس الطعام منتظرا لغلائه (٣). وفي الاصطلاح، هو: شراء ما يحتاجه الناس من طعام ونحوه، وحبسه انتظارا لغلائه وارتفاع ثمنه (٤). إذا حبس البائع من السلع ما يؤدي إلى الضرر بالناس، وإيقاع الضيق عليهم، وكان مقصده البيع بأعلى الأسعار، فإنه قد وقع فيما حرم اللَّه عليه، وإن لم يكن فيه ضرر على الناس فهذا مباح، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء.

стр. 1058

• من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن الحُكْرة المُضِرة بالناس غير جائزة] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [لا خلاف أنه لا يجوز احتكار شيء من الطعام ولا غيره، في وقت يُضرّ احتكاره فيه بالناس، من طعام وغيره، من كتان وحناء وعصفر] (٣). نقله عنه المواق (٤). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [ما لا يضر بالناس شراؤه واحتكاره، لا يُخَطَّأ مشتريه، بالاتفاق] (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء، فقد برئ من اللَّه، وبرئ اللَّه منه" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قيد الوعيد على الاحتكار بقصد المغالاة من

стр. 1059

المحتكِر، وهذا يدل على التحريم إذا قصد به الإضرار بالناس. الثاني: عن معمر بن عبد اللَّه (١) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطئ"، فقلت لسعيد بن المسيب: فلم تحتكر؟ قال: كان معمر يحتكر (٢). • وجه الدلالة: أن تصرف معمر يدل على أن الذي كان يفعله غير الذي روى فيه النهي؛ لأنه لو كان هو لكان فيه تناقضا بين الفعل والرواية، فدل على أنه أراد نوعا خاصا من الاحتكار، وهو الذي يُضر بالناس (٣). الثالث: عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعاما، ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس" (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠٤] مشروعية الإشهاد على البيع: • المراد بالمسألة: من أراد البيع أو الابتياع فإنه يشرع له أن يشهد على عقده رجلين، أو رجل وامرأتين، بل هو المندوب في حقه، وإذا لم يشهد على ذلك فإن العقد تام وصحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول: [ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية -أي: آية الدين- ندب وإرشاد

стр. 1060

إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح، والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب] (١). • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن من باع نقدا وأشهد ببينة عدل. . .، أو باع أو أقرض إلى أجل وأشهد كذلك، وكتب بذلك وثيقة، أنه قد أدى ما عليه، واتفقوا أنه إن باع أو أقرض إلى أجل أو نقدا، ولم يشهد ولا كتب، أن البيع والقرض صحيحان] (٢). نقله عنه ابن القطان (٣). • الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول لما ذكر الخلاف في الإشهاد على النكاح: [ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود، ليس بشرط، ولكنه مندوب إليه ومستحب] (٤). • شهاب الدين القليوبي (٥) (١٠٦٩ هـ) يقول: [وصَرَفَه -أي: الأمر بالإشهاد الذي في آية الدين- عن وجوب الإجماع، وهو أمر إرشاديٌّ، لا ثواب فيه، إلا لمن قصد به الامتثال] (٦)، نقله عنه الجمل (٧)، والبجيرمي (٨) (٩).

стр. 1061

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بالإشهاد عند التبايع، وأقل أحوال الأمر الندب (٣)، والصارف له هو الدليل الآتي (٤). الثاني: عن عمارة بن خزيمة (٥) أن عمه حدثه (٦) وهو من أصحاب النبي ﷺ قال: إن النبي ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي ﷺ

стр. 1062

فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي: "أوليس قد ابتعته منك؟ " قال الأعرابي: لا واللَّه ما بعتك، فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته" فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، قال خزيمة (١): أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: "بم تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول اللَّه، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يشهد على بيعه، ولو كان واجبا لأشهد منذ بداية العقد، ثم مع عدم إشهاده فإنه عد البيع صحيحا ولم يبطله لما أنكر الأعرابي، فدل على أن من لم يشهد فإن بيعه تام وصحيح. الثالث: أن الأمة نقلت خلفا عن سلف عقود المبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا، وذلك منقول من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا. ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها لورد النقل به متواترا مستفيضا، ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أن الأمر مندوب غير واجب (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة جماعة من السلف، فقالوا بوجوب الإشهاد على البيع،

стр. 1063

منهم: أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، والضحاك (١)، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وابن جرير الطبري، وهو قول الظاهرية، وقول عند الحنفية (٢). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: الآية التي استدل بها الجمهور، وقالوا: بأن الأمر فيها للوجوب، جريا على الأصل في باب الأمر (٣). الثاني: القياس على النكاح: فكما أنه واجب فيه، فكذلك البيوع، بجامع المعاوضة في كل منهما (٤). النتيجة: صحة الإجماع على مشروعية الإشهاد على البيع، وكذلك على من باع أو ابتاع ولم يشهد فإن العقد صحيح؛ وذلك لعدم المخالف فيها. أما الإجماع على أن الإشهاد على الندب فلا يصح؛ لثبوت الخلاف فيها. وعليه فتكون عبارة ابن حزم أدق في حكاية الإجماع. ١٠٥] جواز وقوع البيع في غير المسجد: • المراد بالمسألة: إذا وقع التبايع بين المتبايعين في أي مكان خارج المسجد، فإن العقد جائز وصحيح، إذا توفرت باقي الشروط والأركان، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن البيع الصحيح إذا وقع في غير المسجد

стр. 1064

جائز] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تُنْشَد فيه ضالة، وأن يُنْشد فيه شعر" (٤). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشد ضالة، فقولوا: لا رد اللَّه عليك ضالتك" (٥). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن البيع والابتياع في المسجد، وأمر بالدعاء على من فعله،

стр. 1065

فدل على أنه إذا وقع البيع خارج المسجد، فإنه صحيح ولازم. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ لعدم المخالف فيها. * * *

стр. 1066

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع ١] عدم لزوم شروط العاقدين بعد لزوم العقد: • المراد بالمسألة: إذا اشترط العاقدان أو أحدهما شرطا من الشروط الجائزة بعد أن تم العقد بينهما، وصار لازما لهما، فإنه غير مؤثر على البيع، ولا يكون ملزما لهما، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٧ هـ) يقول: [واتفقوا أن كل شرط وقع بعد تمام البيع فإنه لا يضر البيع شيئًا] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). • يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل عقلي، وهو: أن البيع قد تم بشروطه وأركانه بدون هذا الشرط، فإذا شرط أحدهما شرطا بعد

стр. 1067

تمام العقد، فإنه يختل أحد شروط العقد وهو الرضا، فالطرف الثاني دخل ورضي بالعقد بدون هذا الشرط، وربما لا يرضى به، واللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٢] مشروعية اشتراط المتعاقدين شرطا من مقتضيات العقد أو فيه مصلحة لهما: • المراد بالمسألة: الشروط التي تصدر من المتعاقدين في البيوع، لا تخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الشرط الصادر من أحد المتعاقدين من مقتضيات العقد، أي: واجب بالعقد من غير اشتراط: كاشتراط تسليم المبيع، وقبض الثمن، وخيار المجلس، والتصرف في المبيع، ونحوها، لا فرق بين أن يكون شرطا واحدا في العقد أو يجمع بين شرطين منهما. الحالة الثانية: أن يكون الشرط الصادر من أحد المتعاقدين فيه مصلحة لهما: كاشتراط الخيار مدة معينة، أو الرهن، أو تأجيل الثمن مدة محددة. أو يكون اشتراط صفة معينة مقصودة في المبيع: كاشتراط أن يكون العبد صانعا أو كاتبا ونحوها. فهاتان الحالتان من الشروط متفق على جواز اشتراطهما، أما الأولى فاشتراطها غير مؤثر في العقد وجودا وعدما. أما الثانية: فيلزم الوفاء بها من قبل المشترط عليه. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [الشروط المقارنة للبيع، ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من مقتضى العقد: كالتسليم، وجواز التصرف في المبيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه. . .]. نقله عنه العيني (٢).

стр. 1068

• ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: ما هو من مقتضى العقد: كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكما، ولا يؤثر في العقد. الثاني: تتعلق به مصلحة العاقدين: كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة. أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع: كالصناعة والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا] (١). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [الشرط خمسة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى العقد: بأن باعه بشرط خيار المجلس، أو تسليم المبيع، أو الرد بالعيب، أو الرجوع بالعهدة، أو انتفاع المشتري كيف شاء، وشبه ذلك، فهذا لا يفسد العقد بلا خلاف. . . الضرب الثاني: أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد لكن فيه مصلحة للعاقد: كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة، ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خياطا، أو كاتبا ونحوه، فلا يبطل العقد أيضا بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط] (٢). نقله عنه الشوكاني (٣). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [(وهي -أي: الشروط- ضربان: صحيح، وهو ثلاثة أنواع، أحدها: شرط مقتضى البيع: كالتقابض، وحلول الثمن ونحوه، فلا يؤثر فيه. الثاني: شرط من مصلحة العقد: كاشتراط صفة في الثمن، كتأجيله، أو الرهن، أو الضمين، أو صفة في المبيع نحو: كون العبد كاتبا، أو خصيا، أو صانعا، أو مسلما، والأمة بكرا، والدابة هملاجة (٤)، والفهد صيودا) فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به. . .، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا] (٥). • ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [قوله: (ثم جملة الأمر فيه) أي: في الشرط (أنه

стр. 1069

إما أن يقتضيه العقد) كشرط أن يحبس المبيع إلى قبض الثمن ونحوه فيجوز؛ لأنه مؤكد لموجب العقد. أو لا يقتضيه، لكن ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له: كشرط الأجل في الثمن، والمثمن في السلم، وشرط في الخيار، فكذلك هو صحيح؛ للإجماع على ثبوته شرعا رخصة] (١). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [إن كان الشرطان المجموعان من مقتضى البيع، كاشتراط حلول الثمن، مع تصرف كل منهما فيما يصير إليه، صح بلا خلاف] (٢). ويقول أيضا: [وكل شرط لا ينافي مقتضى العقد، لا ينافي البيع، بالاتفاق] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم، ما وافق الحق منها" (٥). • وجه الدلالة: هذا الحديث أصل في إباحة الشروط بين المتعاقدين ما لم يكن

стр. 1070

الشرط محرما في الشرع، فيدخل فيه ما إذا كان الشرط من مقتضى العقد، أو فيه مصلحة للمتعاقدين (١). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله. قال: "بعنيه بوقية (٢) "، قلت: لا. ثم قال: "بعنيه" فبعته بوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي. فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك" (٣). • وجه الدلالة: أن جابر اشترط نفعا معلوما في المبيع، وأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه شرطه، فإذا جاز اشتراط نفع معلوم من قبل أحد المتعاقدين، فمن باب أولى جواز اشتراط ما فيه مصلحة للمتعاقدين. الثالث: أن اشتراط ما هو من مقتضى العقد إنما هو تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه؛ ولذا كان وجوده كعدمه، لا تأثير له على العقد (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٣] صحة اشتراط المشتري صفة مقصودة في المبيع: • المراد بالمسألة: إذا اشترط المشتري في المبيع صفة مقصودة، ملائمة للعقد، مما لا يعد المبيع بعد فقدها معيبا، فإن البيع والشرط صحيحان، وملزمان للطرفين، وإذا فقد المشروط في السلعة فإن للمشتري حق الفسخ، باتفاق

стр. 1071

العلماء. مثال ذلك: أن يشترط في الفهد أن يكون صيودا، وفي الدابة أن تكون هملاجة، ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا اشترى فهدا على أنه صيود، ودابة على أنها هملاجة، صح البيع] (١). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [إذا اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة، مما لا يعد فقده عيبا، صح اشتراطه، وصارت مستحقة، يثبت له خيار الفسخ عند عدمها، مثل: أن يشترط مسلما، فيبين كافرا، أو يشترط الأمة بكرا أو جعدة أو طباخة، أو ذات صنعة، أو لبن، أو أنها تحيض، أو يشترط في الدابة أنها هملاجة، أو في الفهد أنه صيود، وما أشبه هذا، فمتى بان خلاف ما اشترطه، فله الخيار في الفسخ، والرجوع بالثمن، أو الرضا به، ولا شيء له، لا نعلم بينهم في هذا خلافا] (٢). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد لكن فيه مصلحة للعاقد: كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة، ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خياطا أو كاتبا ونحوه، فلا يبطل العقد أيضا بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط] (٣). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [أجمع الفقهاء المعروفون -من غير خلاف أعلمه من غيرهم- أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه: كاشتراط كون العبد كاتبا، أو صانعا، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك، شرط صحيح] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٥).

стр. 1072

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم، ما وافق الحق منها" (١). • وجه الدلالة: هذا الحديث أصل في إباحة الشروط بين المتعاقدين ما لم يكن الشرط محرما في الشرع، فيدخل فيه ما إذا شرط أحدهما منفعة مقصودة في المبيع (٢). الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" (٣). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: ["من اشترط شرطا" أي: مشروطا، وقوله: "ليس في كتاب اللَّه" أي: ليس المشروط في كتاب اللَّه، فليس هو مما أباحه اللَّه، كاشتراط الولاء لغير المعتق، والنسب لغير الوالد. . .، ونحو ذلك مما لم يبحه اللَّه بحال، ومن ذلك تزوج المرأة بلا مهر، ولهذا قال: "كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" وهذا إنما يقال إذا كان المشروط يناقض كتاب اللَّه وشرطه، فيجب تقديم كتاب اللَّه وشرطه، ويقال: "كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق" وأما إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص اللَّه على حله، بل سكت عنه، فليس هو مناقضا

стр. 1073

لكتاب اللَّه وشرطه، حتى يقال: كتاب اللَّه أحق وشرطه أوثق، فقوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب اللَّه" أي: مخالفا لكتاب اللَّه. وسواء قيل: المراد من الشرط المصدر أو المفعول، فإنه متى خالف أحدهما كتاب اللَّه خالفه الآخر، بخلاف ما سكت عنه. فهذا أصل] (١). فدل هذا الحديث على أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما خالف كتاب اللَّه. الثالث: أن رغبات المتبايعين مختلفة متباينة، فلو لم يصح اشتراط ذلك لفاتت الحكمة التي شرع لأجلها البيع (٢). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فقال بمنع الاشتراط في هذه الحالة (٣). ولابن حزم رأي في الشروط عموما، خالف فيه عامة العلماء، فهي على البطلان عنده إلا ما دل الدليل على إباحته، وهي سبعة شروط فقط، هي: الأول: اشتراط الرهن فيما تبايعاه إلى أجل مسمى. الثاني: اشتراط تأخير الثمن إن كان دنانير أو دراهم إلى أجل مسمى. الثالث: اشتراط أداء الثمن إلى الميسرة، وإن لم يذكرا أجلا. الرابع: اشتراط صفات في المبيع التي يتراضيانها معا، ويتبايعان ذلك الشيء على أنه بتلك الصفة. الخامس: اشتراط أن لا خلابة. السادس: بيع العبد أو الأمة، فيشترط المشتري مالهما أو بعضه مسمى معينا، أو جزءا منسوبا مشاعا في جميعه، سواء كان مالهما مجهولا كله، أو معلوما كله، أو معلوما بعضه مجهولا بعضه. السابع: بيع أصول نخل فيه ثمرة قد أبرت قبل الطيب أو بعده، فيشترط المشتري الثمرة لنفسه أو جزءا معينا منها، أو مسمى مشاعا في جميعها (٤).

стр. 1074

ولم أجد له سلفا في هذه المسألة، بل وحتى موافق له من المتأخرين. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف. ٤] بطلان الشرط الذي ينافي مقصود العقد: • المراد بالمسألة: الشرط الذي يخالف ما من أجله تعاقد المتعاقدان، يعد شرطا باطلا، باتفاق العلماء، وذلك مثل: أن يبيعه السلعة بشرط ألَّا يبيعها، أو ألَّا يتصرف فيها، أو أن يوقفها، أو أن يبيعه طعاما بشرط أن لا يأكله، ونحوها، لا فرق بين أن يكون شرطا واحدا أو أكثر من شرط في العقد. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [ومن الأصول المجتمع عليها عند الفقهاء، أنه لا يجوز أن يشترط على البائع في عقد الصفقة، منعه من التصرف في ثمن ما باعه، ولا على المبتاع مثل ذلك فيما ابتاعه] (١). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشُرِط فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين، بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء، ومثل هذا الشرط باطل، بالاتفاق] (٢). • الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول: [واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان] (٣). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان ليسا من مقتضى البيع، ولا من مصلحته] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٥).

стр. 1075

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن في اشتراط البائع ما ينافي مقصود العقد، تحجيرا على المشتري في السلعة التي اشتراها، وعدم حصول منفعة مقصودة من الاشتراط، فكأنه بهذا تَصرَّف في ملك المشتري بغير حق (١). الثاني: أن في اشتراط ما ينافي المقصود بالعقد الجمع بين المتناقضين؛ لأن المقصود من العقد إطلاق تصرف المشتري في العين المباعة، واشتراط مثل هذا يناقض هذا المقصود، ومثل هذا تناقض تنزه عنه الشريعة، ويأباه ذوو العقول المستقيمة (٢). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٥] منع اشتراط تأخير تسليم البيع في بيوع الأعيان إلى أجل لا يؤمن فيه هلاكه: • المراد بالمسألة: الشروط من المتعاقدين مختلفة باختلاف الشرط الذي يكونان قد تواضعا عليه، فإذا اشترط أحدهما في بيع من بيوع الأعيان وليست الديون، أن يتأخر في تسليم العين إلى أجل لا يؤمن معه هلاك العين قبله، فإنه لا يجوز هذا الشرط، سواء كان الثمن دينا أو نقدا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [لا أعلم خلافا أنه لا يجوز شراء عين مرئية، غير مأمون هلاكها، بشرط تأخير قبضها إلى أجل لا يؤمن قبله ذهابها. . .، وقد أجمعوا أن من شرط بيع الأعيان، تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد صفقة فيه، نقدا كان الثمن أو دينا] (٣). ويقول أيضا: [وقد أجمعوا أنه من اشترى شيئا من الحيوان معينا، واشترط ألا يسلمه إلا بعد شهر أو نحوه، أن ذلك لا يجوز] (٤).

стр. 1076

نقل الجملة الأولى ابن القطان (١). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها: تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصفقة] (٢). نقله عنه ابن الشاط (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة ﵂ في قصة بريرة (٥) وفيه، قام رسول اللَّه ﷺ في الناس، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن كل شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، والشروط التي تخالف مقتضى العقد ليست في كتاب اللَّه، فيدخل فيها اشتراط عدم تسليم المبيع في بيوع الأعيان؛ إذ أن مقتضى العقد التسليم، والتأجيل

стр. 1077

ينافيه (١). الثاني: أن التأجيل في الأعيان لا منفعة فيه للبائع، إذ هي موجودة في الحالين على صفة واحدة، والعقد يوجب تسليمها، فلا فائدة في تأخيرها (٢). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٦] بطلان البيع بشرط السلف: • المراد بالمسألة: يراد بالسلف هنا: القرض، وقد جاء تفسير هذه المسألة عن إمامين: الأول: الإمام مالك، حيث يقول: [أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا، على أن تسلفني كذا وكذا] (٣). وإذا وقع مثل هذا فإنه في الغالب تقع الزيادة في ثمن المبيع، بسبب القرض. الثاني: الإمام أحمد، حيث يقول: [أن يقرضه قرضا، ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه في الثمن] (٤)، ويتضح ذلك بالمثال: حين يقول الرجل للآخر: أقرضك مائة ريال إلى سنة، على أن تشتري مني هذه السلعة بمائة، وهي لا تساوي إلا خمسين ريالا. وما ذكره الإمام أحمد هو عكس ما ذكره الإمام مالك، وهذا من اختلاف التنوع وليس التضاد، فالمراد واحد وهو الجمع بين البيع والقرض، وإجماع العلماء منعقد على تحريم أن يقع البيع من البائع ويشترط القرض في العقد ولو وقع فإن العقد باطل. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [ولا خلاف بين الفقهاء بالحجاز والعراق أن البيع إذا انعقد على أن يسلف المبتاع البائع سلفا، مع ما ذكر من ثمن السلعة، أو سلف البائع المبتاع مع سلعته المبيعة سلفا ينعقد على ذلك، والصفقة بينهما أن

стр. 1078

البيع فاسد عندهم؛ لأنه يصير الثمن بالسلف مجهولا، والسنة المجتمع عليه أنه لا يجوز الثمن إلا معلوما] (١). ويقول أيضا: [أجمع العلماء على أن من باع بيعا على شرط سلف يسلفه أو يستسلفه، فبيعه فاسد مردود] (٢). نقل عنه العبارة الأولى ابن القطان (٣). • الباجي (٤٧٤ هـ) يقول لما ذكر نهي النبي ﷺ عن بيع وسلف (٤): [وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك] (٥). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف، وهو أن يبيع السلعة على أن يسلفه سلفا، أو يقرضه قرضا] (٦). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٧). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [ومن المسموع في هذا: نهيه ﷺ عن بيع وسلف، اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة] (٨). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه، أو شَرَط المشتري ذلك عليه، فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (٩). • أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف] (١٠). • القرافي (٦٨٤ هـ) يقول: [إجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين] (١١). ابن جزي (١٢) (٧٤١ هـ) يقول: [البيع باشتراط السلف من أحد المتبايعين، وهو

стр. 1079

لا يجوز بإجماع، إذا عزم مشترطه عليه] (١). الحطاب (٩٥٤ هـ) يقول: [واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (٤). الثاني: أن هذا ذريعة إلى الربا المحرم شرعا، فهو قد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لم يقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك (٥). الثالث: أنه إنما أقرضه على أن يحابيه في الثمن، فيدخل الثمن في حد الجهالة (٦)، فإذا سقط الشرط صار الباقي من المبيع ما يقابله من الثمن مجهولا. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1080

٧] صحة الشرط الذي ثبت بالسنة والإجماع: • المراد بالمسألة: أَيُّ شرط يشترطه المتعاقدان، وهو ثابت بالسنة أو مجمع عليه بين العلماء، ولم يرد ذكره في كتاب اللَّه، فهو شرط صحيح، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول في معرض كلامه على معنى قوله ﷺ : "ليس في كتاب اللَّه": [الشرط الذي ثبت جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ". . . أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (٣). وجه الدلالة في الحديث من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ بيَّن أن الشروط التي ليست في كتاب اللَّه شروط باطلة، فدل بالمفهوم أن الشروط التي جاءت في كتاب اللَّه تعد شروطا صحيحة، يجب الوفاء بها، والمقصود بكتاب اللَّه حكم اللَّه -كما مر تقريره- فيدخل في هذا الشروط التي نصت السنة على جوازها، أو أجمع العلماء عليها.

стр. 1081

الثاني: أن هذه الشروط جاءت في سنة النبي ﷺ ، وأجمع العلماء عليها، وقد جاء في كتاب اللَّه الأمر باتباع السنة، واتباع سبيل المؤمنين، فتدخل ضمنا في كتاب اللَّه (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٨] بطلان الشروط التي تخالف كتاب اللَّه في العقد: • المراد بالمسألة: الشروط التي تكون بين المتعاقدين، إذا كان الشرط يخالف حكم اللَّه الذي جاء به، سواء في كتابه، أو في سنة نبيه ﵇، ويتضمن تحليل ما حرم اللَّه، أو تحريم ما أحل اللَّه، فإن هذا الشرط باطل، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن من اشترط في البيع شروطا لا تحل، أنه لا يجوز شيء منها] (٢). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [وهذا الحديث الشريف المستفيض -أي: حديث عائشة في قصة بريرة- الذى اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف، أو العتق، أو الهبة، أو البيع، أو النكاح، أو الإجارة، أو النذر، أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه اللَّه على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى اللَّه عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة، باتفاق المسلمين، في جميع العقود: الوقف، وغيره] (٣). ويقول أيضا: [فمتى كان الشرط يخالف شرط اللَّه ورسوله، كان باطلا. . .، وإذا وقعت هذه الشروط، وفَّي منها بما أمر اللَّه به ورسوله، ولم يوفِّ منها بما نهى اللَّه عنه ورسوله، وهذا متفق عليه بين المسلمين] (٤).

стр. 1082

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ". . . أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (٢). • وجه الدلالة: أن الحديث نص على أن الشروط التي ليست على حكم اللَّه، فهي باطلة، حتى وإن كثرت. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المسلمون عند شروطهم، ما وافق الحق من ذلك" (٣). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على أن الشروط التي توافق الحق هي التي يجب الوفاء بها، والتي لا توافقه لا يجوز الوفاء بها، وهذا يفسر معنى "كتاب اللَّه" في الحديث السابق.

стр. 1083

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩] بطلان الشرط المحرم من أحد المتعاقدين: • المراد بالمسألة: إذا اشترط أحد المتعاقدين شرطا في العين محرما شرعا، مثل: أن يشترط في الجارية أن تكون مغنية، أو صانعة للخمر، فإن الشرط باطل، باتفاق المسلمين. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [اشتراط كونها -أي: الجارية المباعة- تصنع الخمر والنبيذ شرط باطل، باتفاق المسلمين] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن أخذ الجارية على هذا الشرط فيه إقرار لها على هذه المعصية، وإعانة لها على الإثم والعدوان، خاصة وأنها من المعاصي التي يتعدى ضررها على الآخرين (٤). الثاني: أن الشرط في ذاته محرم شرعا، فلا يجوز اشتراطه، كما لا يجوز له التعاقد عليه استقلالا، مثل: أن يشتري عصيرا لعمله خمرا، أو سلاحا ليقاتل به المسلمين (٥).

стр. 1084

الثالث: القياس على الشرط الذي يخالف مقتضى العقد، فإذا كان فاسدا باتفاق العلماء، فمن باب أولى الشرط الذي يكون محرما بالشرع. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٠] بطلان اشتراط الولاء عند بيع العبد: • المراد بالمسألة: الولاء هو: ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه، أو سبب عقد الموالاة (١). والعرب في الجاهلية كانت تبيع الولاء وتهبه، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، وجعلَ الولاءَ كالنسب (٢). ويراد بالمسألة: أن البائع إذا باع العبد، وشرط على المشتري، فقال له: إن أعتقته فإن الولاء يكون لي، فإن الشرط باطل، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • النووي (٦٧٦ هـ) حين ذكر مسألة شراء الشيء الفاسد، وذكر قول أبي حنيفة في التفريق بين ما ليس بمال عند أحد؛ كالميتة والدم، فإنه لا يملكه، ولا يصح تصرفه، وبين ما ليس كذلك، فإنه لا يملكه بالعقد، ولا يجب بالإقباض، فإن أقبضه ملكه ملكا ضعيفا، استدل له فقال: [واحتج له بقصة بريرة، فإن عائشة ﵂ شرطت لهم الولاء، وهو شرط فاسد بالاتفاق] (٣). • الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول: [فيه دليل -أي: حديث عائشة في قصة بريرة- على أن شرط البائع للعبد أن يكون الولاء له لا يصح، بل الولاء لمن أعتق بالإجماع] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٥).

стр. 1085

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول اللَّه ﷺ جالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي ﷺ فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت عائشة، ثم قام رسول اللَّه ﷺ في الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه؟ ! ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (١). • وجه الدلالة: أن أهل بريرة اشترطوا لهم الولاء، فأنكر النبي ﷺ عليهم هذا الشرط، وعَدَّه من الشروط المخالفة لكتاب اللَّه، فدل على بطلانه (٢). الثاني: أن إطلاق البيع يقتضي تصرف المشتري في المبيع على اختياره؛ لأنه إنما بذل الثمن في مقابلة الملك، والملك يقتضي إطلاق التصرف، فالمنع منه يؤدي إلى تفويت الغرض، فيكون الشرط باطلا (٣). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1086

١١] جواز العربون إذا رُدَّ على المشتري عند عدم رغبته بالعقد: • المراد بالمسألة: العربون في اللغة: هو ما عُقِد به المُبَايعة من الثمن، وفيه عدة لغات: العَرَبون، بفتح العين والراء، وعلى وزن عُصْفور، وعُرْبان على وزن عثمان، وأَرَبون، وأُرْبان، وبحذف الهمزة فتكون الرَّبون، وقيل: سمي بذلك؛ لأن فيه إعرابا لعقد البيع، أي: إصلاحا وإزالةَ فساد؛ لئلا يملكه غيره باشترائه (١). وفي الاصطلاح عند الفقهاء استعمل على معنيين، هما: الأول: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءا من الثمن، على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك الجزء للبائع (٢). وهذا هو المعنى المشهور. الثاني: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءا من الثمن، فإن أخذ السلعة حسبه من الثمن، وإلا رده إليه، فلا يكون للبائع شيء. وهذا نَصَّ على ذكره المالكية، والبعلي (٣) من الحنابلة (٤)، وكأن تسميته بالعربون تسمية مجازية، وليست حقيقة. والاستعمال الثاني هو المراد بالمسألة معنا، وهو جائز عند جميع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [ويحتمل أن يكون بيع العربان. . . أن يجعل العربان عن البائع من ثمن سلعته إن تم البيع، وإلا رده، وهذا وجه جائز عند الجميع]. ولما ذكر كلام الإمام مالك حين قال: [في الرجل يبتاع ثوبا من رجل،

стр. 1087

فيعطيه عربانا على أن يشتريه، فإن رضيه أخذه، وإن سخطه رده، وأخذ عربانه، إنه لا بأس به]، قال أبو عمر: [لا أعلم في هذا خلافا] (١). نقله عنه أبو عبد اللَّه القرطبي، والعظيم آبادي (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عبد الرحمن بن فروخ (٤) أن نافع بن عبد الحارث (٥) اشترى دارا بمكة من صفوان بن أمية (٦) بأربعة آلاف، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة (٧).

стр. 1088

• وجه الدلالة: أن هذا وقع في زمن عمر وبإقراره وهو أنه أجاز العربون الذي يكون فيه عوض من غير مقابل، إذا لم يستقر المشتري على شراء السلعة، فإذا كان هذا جائزا، فمن باب أولى أن يجوز إذا لم يكن ثمة عوض. الثاني: أنه إذا تم البيع بينهما فقد تم بشروطه وأركانه، وإذا لم يتم لم يكن فيه ضرر على أحدهما. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٢] عدم دخول العيب الحادث في البراءة من العيب: • المراد بالمسألة: إذا شرط البائع على المشتري أن يكون بريئا من كل عيب بالسلعة، ووقع عيب فيها بعد البيع، سواء كان قبل القبض أو بعده، فإن العيب الحادث لا يدخل في البراءة التي شرطها البائع، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • السرخسي (١) (٤٨٣ هـ) يقول: [ولو كان شرط البراءة من كل عيب به، فهذا يفسد العيب الموجود، فلا يتناول الحادث بالاتفاق] (٢). • الحداد (٨٠٠ هـ) يقول: [وإن قال البائع: على أني بريء من كل عيب به، لم يدخل الحادث بعد البيع قبل القبض إجماعا] (٣). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(ويدخل في هذه البراءة) ش: إنما قال: في هذه البراءة، احترازا عن البراءة التي شرطها البائع في قوله: بعته على أني بريء من كل عيب به، فإنه لا يبرأ عن الحادث، بالإجماع] (٤). • ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [وأجمعوا أن البيع لو كان بشرط البراءة من كل

стр. 1089

عيب به، لا يدخل الحادث في البراءة] (١). • ابن نجيم (٩٧٠ هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو أبرأه من كل عيب به، لا يدخل الحادث] (٢). نقله عنه ابن عابدين (٣). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: [وأجمعوا أنه لو أبرأه من كل عيب به، لا يدخل الحادث] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وهو الوجه المشهور عند الشافعية، وهو رأي الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن لفظه يدل على عدم عموم البراءة، فهو خاص بالموجود دون غيره، فيقتصر عليه (٦). الثاني: أن البراءة من العيب الحادث يعد إسقاطا للشيء قبل ثبوته، فلا يسقط، كما لو أبرأه عن ثمن ما يبيعه له (٧). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه عندهم، وقالوا بصحة الإبراء لو اشترط البراءة عن العيب الحادث (٨).

стр. 1090

ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بالقياس على البراءة من المجهول؛ فكما أنه يصح، فكذلك البراءة من العيب الحادث، بجامع أن العيب في كل منهما لا يعلمه أحد من المتعاقدين، وربما وجد وربما لا يوجد. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. * * *
следующие страницы →