← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأخرى وصف الماء الذي ينزله من السماء بأنه طهور، مما يدل على طهارة ماء السماء، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٧ - ١٧] جواز استعمال الماء الجاري في الطهارة: الماء الجاري هو ما يقابل الدائم والراكد، فإن استعماله في الوضوء جائز، وقد قيد ابن حزم المسألة بما لم تظهر في نجاسة، وهو قيد مهم. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "فأما الجاري؛ فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في قول (٤)، والحنابلة في قول (٥). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. ٢ - حديث أبي سعيد ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٦). • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء أنه طهور ما لم يتغير، هذا ما يدل عليه النصان السابقان، والماء الجاري غير المتغير ينطبق عليه هذا الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﵊: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرق بين الماء الدائم والجاري، فمنع من البول في الماء الدائم لمن أراد الاغتسال، فدل بمفهوم الصفة على أن الجاري لا يتأثر (٨).

стр. 107

• الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذا الاتفاق؛ بأن الشافعي في الجديد (١)، وأحمد في قول له (٢) قالا: بأن الجاري كالراكد، في اعتبار القلتين؛ فينجس ما دون القلتين من الماء الجاري بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير (٣). واستدلوا بمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٤)، فإنه لم يفصل فيه بين الماء الجاري والراكد؛ فدل على أن حكمهما سواء ما لم يكن قلتين (٥). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، فيما إذا كان الماء الجاري أقل من قلتين، وأما ما زاد على ذلك؛ فلم أجد فيه خلافًا، والاتفاق فيه متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ١٨] الطهارة بغير الماء المطلق غير جائزة: إذا توضأ الإنسان من غير الماء المطلق، بأن توضأ بشيء يطلق عليه ماء بالإضافة، كماء الورد أو ماء الشجر أو ماء العصفر، فإن هذا الوضوء غير جائز. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء" (٦). ونقله عنه ابن قدامة (٧)، والنووي (٨)، وابن قاسم (٩). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (١٠). الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات،

стр. 108

أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (١). نقله النووي، وتعقبه بقول ابن أبي ليلى (٢)، وابن قاسم (٣). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة" (٤). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ومنها: أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة". . .، ثم قال: "فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم" (٥). الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث؛ أعني ما يطلق عليه ماء، والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص" (٦). ونقل عبارته ابن الهمام (٨٦١ هـ) بنصها دون إشارة (٧). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بماء الورد، لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٨). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١٠). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الوضوء بالماء، و (ماء) هنا مطلقه، فمن لم

стр. 109

يجد الماء المطلق فيصير للتيمم، ولم يقل: إنه يلجأ إلى غير الماء المطلق، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره (١)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل الخلاف في هذه المسألة كما سبق عن ابن أبي ليلى، والأصم، وقد عقَّب الإمام النووي على نقل الغزالي للإجماع؛ بأنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه (٢)، وعلى قول الأصم؛ بأنه لا يعتد بخلافه (٣). ونقد ابن تيمية نقل ابن حزم للإجماع في هذه المسألة؛ بحكاية قول ابن أبي ليلى والأصم (٤). ونقل المرداوي في "الإنصاف" قولًا عن ابن تيمية في هذه المسألة، وأنقله بنصه، حيث قال: "الطريق الثالث: أنه ينقسم -أي الماء- إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس. وهي طريقة الشيخ تقي الدين، فإن عنده أن كل ماء طاهر تحصل الطهارة به، وسواء كان مطلقًا أو مقيدًا، كماء الورد ونحوه. نقله في "الفروع" عنه في باب الحيض" (٥). وبعد مراجعة كلام ابن مفلح في الفروع، وجدت كلامه غير دال على ذلك، وهذا هو نص كلامه: "وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده؛ فلهذا عنده الماء قسمان: طاهر طهور، ونجس" (٦)، ثم عاد إلى الحديث عن مسائل الحيض. وهذا ليس فيه تصريح بما ذكره المرداوي ﵀. وبعد التأمل ومراجعة كلام ابن تيمية في المسألة، وجدت أنه قال بقول قريب من هذا في مسألة مشابهة، ولعله اشتبهت عليه المسألتان. فهو يقصد إذا اختلط بالماء شيء من المائعات كالدهن والكافور ونحو ذلك، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم تختلف عما نحن بصدده (٧)، أو اختلط بشيء من الطاهرات كالزعفران والأشنان والحمص وغير ذلك (٨).

стр. 110

فتلك اختلفوا فيها؛ لأنها قد يشملها اسم الماء المطلق على الخلاف بينهم، ولكن هذه لا يشملها، فلا يقول إنسان لماء ورد: هذا ماء، ويسكت، وكذا ما شابهه، واللَّه أعلم (١). ولكن بعد مزيد من البحث وجدت أن البعلي في "الإختيارات"، قد نقل هذا القول عنه، فقال: "وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والأصم، وابن شعبان" (٢). هذا ما نقله عنه، ولم أجد من يؤكد هذا الزعم. ونقل الإمام ابن القيم دعوى هذا الإجماع، ونقده بأنه ليس فيه إجماع، ونقل قول الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن في الخل، حيث قالوا: يجوز الوضوء بالخل (٣). وهناك مسألة أخرى، ولكنها قد تعتبر من نواقض هذا الإجماع المحكي، وهي: ما لو سال الماء من الثمر أو الشجر بدون عصر، فقد صرح بجواز الوضوء به صاحب "الهداية" المرغيناني الحنفي، وقد تفرد بذلك (٤). وخالف ابن حزم ﵀ في الماء الذي طُبخ فيه، كالفول والحمص والترمس واللوبيا ما دام يقع عليه اسم الماء، فيجوز الوضوء به (٥). وخالف الحنفية أيضًا، في ماء الزعفران والصابون والأشنان، ولكن بشرط عدم سلب اسم الماء عنه (٦). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ حيث نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وما نقل عن ابن تيمية، وكذلك قول ابن حزم، والمرغيناني، وكل ما سبق يبين وجود الخلاف في المسألة بما لا يدع مجالًا للشك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ١٩] الطهارة بالمائعات سوى الماء غير جائزة: إذا أراد المسلم الوضوء، ووجد مائعًا من المائعات، فإنه لا يجوز له الوضوء به،

стр. 111

وعليه حُكي الإجماع. وقد تشتبه هذه المسألة بالمسألة السابقة (الوضوء بغير الماء المطلق غير جائزة)، والفرق هو: أن تلك المسألة يطلق على المائع فيها اسم الماء، ولكن بالإضافة، فيقال: ماء الورد، وماء الزعفران. أما هذه المسألة، فالمقصود المائعات التي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا، إلا من حيث السيولة فقط، مثل القهوة والنبيذ واللبن. .، سواء كانت ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر (١). ويستثنى من هذه المسألة النبيذ، حيث وقع فيه خلاف مشهور، أما غيره من المائعات فداخل في هذه المسألة. ويؤكد هذا التقسيم أن ابن المنذر فصل هاتين المسألتين، وكذلك فقول ابن أبي ليلى السابق هو في المعتصر فقط كماء الشجر والورد ونحوهما (٢). وقد جعلهما بعض العلماء واحدة (٣)، ورأيت أن أفصل بينهما؛ نظرًا لاختلافهما، واللَّه تعالى أعلم. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا يجوز الاغتسال، ولا الوضوء بشيء من الأشربة سوى النبيذ" (٤). ونقل القرطبي نحو هذه العبارة، دون أن يشير أنها لابن المنذر (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (٦). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية، وهي زوال الحدث" (٧).

стр. 112

ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول "فصل: فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء؛ كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم -فيما نعلم- أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول عن الطاهر: "وهو قسمان: أحدهما غير مطهر بالإجماع، وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه، . .، والأول ثلاثة أنواع: ما خالطه طاهر فغير اسمه، بأن صار صبغًا أو خلًّا؛ لأنه أزال عنه اسم الماء، أو غلب على أجزائه فصيره حبرًا، . .، أو طبخ فيه فغيره حتى صار مرقًا كماء الباقلاء" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس ﵄، والحسن، فيما حكي عنهما في اللبن (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الطهورية للماء المطلق، وهذه المائعات لا يقع عليها اسم الماء المطلق؛ فلا يجوز الوضوء بها؛ لأنها ليست ماء (٧)، واللَّه أعلم. • الخلاف في المسألة: سبق النقل عن الإمام ابن القيم حيث نقد دعوى الإجماع في المسألة الماضية، وقال: ليس فيه إجماع، ونقل عن الحسن بن صالح بن حي وحميد ابن عبد الرحمن أنهما يقولان بجواز الوضوء بالخل (٨)، وهذا نقض لدعوى الإجماع في المسألتين؛ حيث إن الخل لا يقال فيه ماء، فما يطلق عليه ماء بالإضافة يدخل من باب أولى حيث لا يطلق عليه ماء أصلًا. ونقل البعلي في "اختيارات ابن تيمية" (٩) عنه القول بأن المائعات كلها حكمها حكم الماء، قلت أو كثرت، وهو رواية عن

стр. 113

أحمد (١)، ومذهب الزهري، والبخاري (٢)، وحكي رواية عن مالك (٣). ووجدت كلامًا له نحوه (٤)، غير أنه ليس فيه توضيح، هل هو يقصد أن حكمها كالماء في الوضوء والغسل، أو أنه يقصد في التنجس والطهارة؟ حيث أخذ يتحدث عن مسألة الدهن الجامد والمائع، وتنجسه من سقوط فأر وعدمه، فالكلام غير واضح، واللَّه تعالى أعلم. وعلى كل حال فالمسألة حكي فيها الخلاف، فليست محل إجماع. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف المحكي في المسألة، سواء ثبت خلاف ابن تيمية أو لا، وذلك لخلاف الحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وسبق شبهه عن ابن أبي ليلى في المعتصر، والخلاف في المطبوخ، حيث إن الخلاف هناك يجري هنا لقيام نفس العلة، فالكل ليس ماء مطلقًا، والكل من المائعات، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠ - ٢٠] طهارة الماء الملاقي لمحل طاهر: الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا طاهرًا ليس بنجس فإن الماء يبقى على طهوريته، هذا ما تبينه هذه المسألة. والمقصود هنا هو: أن الماء الطاهر إذا لاقى محلًّا جامدًا طاهرًا، كالإناء والكأس والصخرة والتراب ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "والماء الطاهر إذا لاقى محلًا طاهرًا؛ لم ينجس بالإجماع" (٥). ونقل ابن قاسم هذه العبارة دون إشارة (٦). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع: نوع طاهر بالإجماع كالمستعمل في غسل الأعيان الطاهرة. . . " (٧).

стр. 114

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: هذه المسألة من البدهيات التي تدرك بالعقل، فالماء لا يقدَّم أصلًا إلا في إناء طاهر، ولا يشرب إلا في كأس ونحو ذلك. ولو قلنا بتنجسه أو عدم طهارته لهذا السبب؛ لأصبح مناقضًا للعقل، وجالبًا لمشقة كبيرة. ويمكن أن يستدل أيضًا بالآية الكريمة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن المشروع بنص الآية عدم العدول عن الماء في الوضوء، إلا بعدم وجوده، والماء الملاقي لمحل طاهرٍ هو طاهر في الأصل، ولاقى محلًّا طاهرًا، ولم يغيِّر فيه شيئًا، ولم يستخدم في رفع حدث، ولا إقامة قربة؛ فتنطبق عليه شروط الماء الطهور؛ فكان طهورًا. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢١ - ٢١] طهورية الماء المستعمَل من طاهرٍ لغير قُربة: الماء الطاهر إذا استعمله إنسان في غير رفع الحدث وإقامة القربة، فإن هذا الاستعمال لا يغير من حكم الماء في شيء. وهنا قيد مهم، وهو: أن يكون هذا المستعمِلُ للماء طاهرًا غير محدث، وإلا أصبح الكلام عن المسألة الخلافية المعروفة، وهي حكم الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل (٣). وهناك قيد آخر، وهو أن يكون الماء قليلًا، فأما ما زاد عن ذلك، فغير داخل؛ حيث إنه لا ينجس (٤). وعبارة (لغير قربة) في عنوان المسألة؛ لكي تُخْرج أمرين: ١ - الاستعمال لإزالة الحدث. ٢ - الاستعمال لإقامة قربة، حتى ولو لم يكن وضوءًا كاملًا، كمن غسل يديه بعد الاستيقاظ بنية القربة.

стр. 115

• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ أو اغتسل للتبرد؛ فإن كان محدثًا؛ صار الماء مستعملًا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود إزالة الحدث، وعن محمد لا يصير مستعملًا؛ لعدم إقامة القربة، وإن لم يكن محدثًا؛ لا يصير مستعملًا بالاتفاق، على اختلاف الأصول" (١). ويقول أيضًا: "فإن كان طاهرًا وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد؛ لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التبرد والتنظيف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). أبو بكر الحدادي الحنفي (٨٠٠ هـ) حيث يقول: "وإذا توضأ الطاهر، ولم ينوها؛ لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٥). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ متوضئ للتبرد؛ لا يصير الماء مستعملًا بالإجماع" (٦). ونقل ابن نجيم هذه العبارة دون إشارة (٧). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول -في سياق كلام له-: "لأن الطاهر -أي الرجل- إذا انغمس لطلب الدلو، ولم يكن على أعضائه نجاسة، لا يصير الماء مستعملًا اتفاقًا؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٨). الرحيباني (١٢٤٣ هـ) حيث يقول: "وكاستعمال الماء في تبرد وتنظف، فلا يصير الماء مستعملًا في ذلك، ولا يكره استعماله بعد ذلك اتفاقًا" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور

стр. 116

عندهم (١)، والشافعية (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﵊ قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٤). • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء الطهارة؛ إلا أن يتغير، وهذا الماء طاهر، ولم يستعمل في رفع حدث أو إقامة قربة، أشبه الماء الطاهر الذي غسل به ثوب طاهر (٥). • الخلاف في المسألة: نقل الحطاب ﵀ قولًا لأصبغ؛ بأنه يترك هذا الماء ويتيمم، فإن صلى به؛ أعاد أبدًا، وقال: "وسواء عنده توضأ به الأول محدثًا أو مجددًا، أو غسل به ثوبًا طاهرًا" (٦). ونقل السرخسي عن الطحاوي ﵀، بأنه قال: إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملًا. وعلق عليه بقوله: "وهذا غلط منه، إلا أن يكون تأويله؛ إن كان محدثًا فيزول الحدث باستعمال الماء، وإن كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملًا" (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، أما ما نقل عن أصبغ، فلم أجد من قال بقوله، ولم يتابعه أحد من المالكية أو غيرهم، فهو شذوذ منه ﵀، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢ - ٢٢] طهارة الندى الباقي على أعضاء المتطهر: الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، حكمه أنه طاهر، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (٨). نقله عنه ابن حجر (٩). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول في معرض استدلاله لمن قال بطهورية الماء

стр. 117

المستعمل: "لأنه إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ به نجاسة؛ فهو ماء طاهر بإجماع" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "فإن غسل البدن من الماء المستعمل لا يجب بالاتفاق" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: أن النبي ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون أبدانهم بعدما يتوضؤون (٧). • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من البدن؛ فلِمَ لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم وجوبه؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق في طهارة الندى الباقي على العضو؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣ - ٢٣] طهارة ما قطر من أعضاء المتطهر على الثياب: الندى أو البلل الباقي على عضو المتطهر، الذي يقطر من العضو على الثوب طاهر، لا يؤثر في طهارة الثوب. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقى على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر؛ دليل على طهارة الماء المستعمل" (٨). نقله عنه ابن حجر (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية في رواية (١٠)،

стр. 118

والمالكية (١)، والحنابلة على المشهور (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: أن النبي ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يغسلون ثيابهم عندما يصيبهم أثر من الوضوء (٤). • وجه الدلالة: حيث إذا كان يجب غسل الماء المستعمل من الثوب؛ فلِمَ لم يفعله النبي ﷺ ، ولا أصحابه، ولم ينقل عنهم؛ فدل ذلك على عدم تأثره؛ إذ الحاجة تدعو لنقله لو ثبت، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو حنيفة في رواية أبي يوسف والحسن بن زياد (٥)، والحنابلة في رواية (٦)، فقالوا: بنجاسة ما يقطر من العضو على الثوب (٧). وأصل هذا القول؛ عند الحديث عن الماء المستعمل، ما حكمه؟ فهناك رواية لأبي حنيفة (٨)، ورواية لأحمد (٩) بأنه نجس، ومن ثم يجب غسله من البدن. بل هناك رواية عن أبي حنيفة، بأن الماء المستعمل مغلَّظ النجاسة (١٠)، فلا بد إذًا من غسلها، ما دامت مغلظة النجاسة. واستدلوا بقول النبي ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة" (١١). قالوا: والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال؛ لأنه ﷺ قد نهى عنهما جميعًا، أي أنه يدل على المساواة بينهما (١٢)، فالماء المستعمل في طهارة نجس. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٤ - ٢٤] الانتفاع بالماء المستعمل في غير الطهارة: إذا كان لدى المسلم ماء مستعملًا في طهارة، وأراد أن يستعمله في شرب أو طبخ أو غيره، فإن ذلك جائز.

стр. 119

• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه الماء المستعمل -منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد ونحوها، مع جوازها به بالاتفاق" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية على القول بطهارة الماء المستعمل، وعلى القول بنجاسته نجاسةً خفيفةً (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: حيث إن الآية تدل على أن الأصل في الماء الطهورية، وهذا الماء لم يتغير بحيث أصبح لا يسمى ماء، فيبقى على أصله فيكون طاهرًا، ويجوز استعماله، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الأصل في استعمال الماء الإباحة، وهذا الماء المستعمل يشمله هذا الحكم، ولا يخرج من هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل يخرجه من هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: يقول الشوكاني ﵀: "الإجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به -أي الماء المستعمل-" (٦). وهذا الكلام يصادم كلام النووي السابق تمامًا، ولكن -واللَّه أعلم- أن الشوكاني ﵀ لا يقصد مسألتنا، بل يقصد مسألة الماء المستعمل في الطهارة. ويظهر أيضًا أنه لا يقصد الإجماع الاصطلاحي، بل يقصد العادة، حيث جرت عادة الناس جميعهم على عدم الاستفادة من الماء الذي يسقط من اليد مثلًا بعد الوضوء، ولا يقصد الإجماع الاصطلاحي، إذ الخلاف في هذه المسألة مشهور. وحتى نتأكد من ذلك؛ فالشوكاني ساق هذا الكلام في معرض الاستدلال لأبي حنيفة ومن معه على نجاسة الماء المستعمل، ثم أجاب على أدلتهم، وأجاب عن هذا الاستدلال بقوله: "وعن الثاني -أي الدليل الثاني- بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه، لا

стр. 120

لنجاسته" (١)، وبهذا يتأكد ما قلناه، واللَّه تعالى أعلم. خالف أبو حنيفة في رواية الحسن (٢)، فقال بعدم جواز الانتفاع بالماء المستعمل على كل حال. وذلك لأن الماء المستعمل نجس نجاسة غليظة، وهو لا يجوز استعماله لتنجيسه الطاهر (٣). وقد قال الحنابلة بنجاسة المستعمل في رواية (٤)، ونص عليه أحمد في ثوب المتطهر (٥)، غير أنهم لم يذكروا تفصيلًا لهذه الرواية. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٥ - ٢٥] عدم جواز الوضوء بالنبيذ المشتد: القول بجواز الوضوء بالنبيذ مشهور عن أبي حنيفة ﵀، ولكن إذا اشتد النبيذ، فأصبح مسكرًا، فإنه يتفق مع الجماهير من العلماء، فيكون إجماعًا بعدم جواز الوضوء به. • من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "فإن كان النبيذ مطبوخًا مشتدًّا، فلا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الوضوء به، حتى جاز من أبي حنيفة" (٦)، وهو يريد أن أبا حنيفة خرق الإجماع، ولكن الصورة التي ذكرها ابن العربي لم يخالف فيها أبو حنيفة، بدليل كلام البابرتي، والعيني الآتيان، وهما من كبار الحنفية. البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث يقول: "وما اشتد منها، وصار مرًّا؛ لا يجوز الوضوء به بالإجماع؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا" (٧). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ووجه احتجاج البخاري به (٨) في هذا الباب (٩)،

стр. 121

أن المسكر لا يحل شربه، وما لا يحل شربه؛ لا يجوز الوضوء به اتفاقًا" (١). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول في "شرحه للهداية": "وما اشتد منه صار حرامًا، لا يجوز التوضؤ به -أي لا يجوز الوضوء به- إجماعًا؛ لأنه صار مسكرًا حرامًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قيد الوضوء بالماء، فإن لم يوجد فالتيمم، ولم يقل: توضؤوا بأي مائع آخر؛ فدل على اشتراط كون المُتوضَأ به ماء، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْع والمِزْر، فقيل للراوي: وما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: "كل مسكر حرام" (٥). • وجه الدلالة: حيث إن النبي ﷺ حرم النبيذ، وذكر قاعدة تشمل كل ما أسكر؛ فهو داخل في نفس الحكم، فإذا كان شربه حرامًا؛ فالوضوء به من باب أولى. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٦ - ٢٦] الطهارة المتيقنة للماء لا تزول بالشك: إذا تيقن المسلم طهارة الماء، ولكنه شك في نجاسته، فإنه يتوضأ به، ولا يعتبر الشك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (٦)، وهذه

стр. 122

هي الصورة الأولى. القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (١). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول عن البئر الذي سقطت فيه ميتة ولم يُعلم ذلك: "وإن لم يعلم فقد صار الماء مشكوكًا في طهارته ونجاسته، فإذا توضؤوا منها وهم متوضئون، أو غسلوا ثيابهم من غير نجاسة، فإنهم لا يعيدون إجماعًا؛ لأن الطهارة لا تبطل بالشك" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٤). • وجه الدلالة: حيث جعل الأصل عدم خروج شيء، ولا ينتقل منه إلا بيقين، وهو سماع الصوت، أو وجود الريح. وهذا يؤسس لقاعدة: اليقين لا يزول بالشك، التى هى من القواعد الخمس الكلية الكبرى (٥). فالأصل إذًا أنه طاهر، ويبقى على هذا الأصل وهو الطهارة، حتى يثبت الضد، فيكون طاهرًا إذًا (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 123

[٢٧ - ٢٧] الماء المتيقن نجاسته لا تزول بالشك: إذا تيقن المسلم نجاسة الماء، وشك في طهارتها، فإنه لا يتوضأ بهذا الماء. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "وإن تيقن نجاسته، وشك في طهارته، لم يتوضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (١)، وهذه الصورة الثانية. القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والغالب لا يترك للنادر، وبقي الشك غير معتبر إجماعًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن الأصل بقاء الماء على النجاسة المتيقنة، وأما الشك فلا عبرة به (٥). ٢ - أن الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها، ووجود الأخرى وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء، فيكون أيسر من الحديث وأكثر، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وهو أن الماء على نجاسته (٦). وهذا الدليل يصلح للمسألتين الأولى والثانية، على حد سواء. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٨ - ٢٨] طهورية الماء غير المتيقن طهارته ولا نجاسته: إذا لم يتيقن المسلم طهارة الماء ولا نجاسته، فإنه يتوضأ بهذا الماء، والأصل طهارته. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: "وإن لم يتيقن طهارته، ولا نجاسته، توضأ به، هذه الصور الثلاث متفق عليها" (٧)، وهذه الصورة

стр. 124

الثالثة. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الاتفاق: أن الأصل طهارة الماء، ولا ينتقل منه إلا بدليل ولا يوجد، فتبقى المسألة على هذا الأصل (٤) وقد جعل النووي هذه المسألة كالمسألة الأولى (٥)، فالأصل الطهارة وهي المتيقنة، فلا ينتقل منها إلى غيرها إلا بناقل متيقن (٦). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٩ - ٢٩] المشتبَه عليه في طهور وغيره يتوضأ منهما ويصلي مرةً: إذا اشتبه على المسلم ماء طهور بماء غير مطهر، فإنه يتوضأ من كل واحد منهما وضوءًا، ويصلي صلاة واحدة. في العنوان (طاهر وغيره)، ولم أقل: ونجس، لأنه ليس مقصودًا، فلو كان كذلك لنجس أحدهما المتوضئ، ولكن المقصود طاهر غير مطهر (٧). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وإن اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته، توضأ من كل واحد منهما وضوءًا كاملًا، وصلى بالوضوءين صلاة واحدة، لا أعلم فيه خلافًا" (٨). ونقله عنه البهوتي (٩). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الشافعية (١٠). أما الحنفية، فلم أستطع الوصول إلى كلام لهم في المسألة، مع طول بحث. • مستند نفي الخلاف: أن من توضأ بالإناءين أمكنه أداء فرضه بيقين، من غير حرج فيه، كما لو كان الإناءان طهورين ولم يكفه أحدهما، فإنه يستعمل الآخر، فكذلك هنا (١١).

стр. 125

• الخلاف في المسألة: إذا كان الماء الذي بطلت طهارته من قبيل الماء المستعمل، فلا شك في انتقاض المسألة به؛ حيث بينا فيما سبق مسألة طهارة الماء المستعمل، أن لأبي حنيفة وأحمد روايتين بأن الماء نجس إذا استعمل في الوضوء (١)، وهناك رواية لأبي حنيفة أيضًا بأن نجاسته نجاسة مغلظة في هذه الحالة (٢). فإن كان أحد الماءين من هذا القبيل؛ فلا اتفاق في المسألة. وقد خالف المالكية في قول لهم في مسألة الباب (٣)، فقالوا: يتوضأ وضوءين، ولكن يصلي صلاتين. واستدلوا بالقياس على من نسي صلاة من خمس، فإنه يؤديها كلها (٤). وخالف المالكية في قول آخر (٥)، فقالوا: يتحرى أحدهما فيتوضأ به. واستدلوا بالقياس على التحري في الصلاة عندما تشتبه عليه جهة القبلة (٦). وخالف المالكية في قول آخر (٧)، فقالوا: يتيمم ويتركها، ولا يتحرى. واستدلوا بالقياس على الأخت من الرضاع إذا اختلطت بأجنبية (٨). النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٠ - ٣٠] المشتبه عليه بين إناءين ووجد طهورًا توضأ به: إذا اشتبه على المسلم إناءان، ووجد آخر طهورًا، فإنه يلزمه التوضؤ بالطهور، ولا يجوز له التحري والاجتهاد، ولا التيمم. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "إذا لم يجد ماء غير الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورًا غيرهما توضأ به، ولم يجز التحري، ولا التيمم، بغير خلاف" (٩). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول بعد ذكر صورة المسألة، وأن فيها وجهين لدى

стр. 126

الشافعية: "واتفقوا على أنه إذا جوزنا التحري؛ استحب تركه، واستعمال الطاهر بيقين احتياطًا" (١). وهو يريد اتفاق الشافعية على الأظهر، ولكن ذكرته للاعتضاد فقط. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٢). أما الحنفية، فلم أجد كلامًا لهم في المسألة. • مستند نفي الخلاف: ١ - أن اليقين متوفر، وهو الماء الطهور، ولا يجوز العدول عن اليقين إلى الظن. ٢ - أن من عمل باليقين فقد أسقط الفرض بيقين، بخلاف العامل بالظن، فوجب إسقاط الفرض بيقين، وبطل الاجتهاد في المسألة (٣). • الخلاف في المسألة: كلام النووي السابق ينقض كلام ابن قدامة، ولكن فيه اتفاق على أقل ما قيل في المسألة (٤)، فكلاهما ينص على أن الوضوء من الماء الطاهر بيقين مستحب وأفضل، ولكن الخلاف في لزوم الوضوء به. فقد خالف في هذه المسألة الشافعية في الأصح عندهم، فقالوا: بجواز الاجتهاد في هذه الحال (٥). واستدلوا بأن الصحابة ﵃ كان يسمع أحدهم الحديث عن النبي ﷺ من صحابي آخر، فيعمل به، ولا يفيده إلا الظن، ولا يلزمه أن يأتي النبي ﷺ فيسمعه منه؛ فيحصل له العلم قطعًا (٦). النتيجة: أن نفي الخلاف فى المسألة غير متحقق؛ لوجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣١ - ٣١] طهارة الماء الذي دون القلتين بالمكاثرة: إذا تنجس ماءٌ، وأراد المسلم تطهيره، فإنه يضيف إليه ماءً ليكاثره، حتى يبلغ به

стр. 127

القلتين، ثم يصبح عندئذ طاهرًا (١). • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أما المسألة الأولى، وهي إذا كاثره -أي الماء المضاف إليه- فبلغ قلتين، فيصير طاهرًا مطهرًا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرًا أو نجسًا، قليلًا أو كثيرًا" (٢). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول شارحًا لمتن "المقنع": "قوله: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهَّره، إن لم يبق فيه تغير) وهذا بلا نزاع، إذا كان المتنجس بغير البول والعذرة، إلا ما قاله أبو بكر" (٣). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول شارحًا لكلامٍ للماتن: "يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره، فلا يخلو: إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا، فالأول طهور باتفاق" (٤). • مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: قال ﵊: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وفي لفظ: "لم ينجس" (٥). • وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والماء النجس إذا أضيف إليه ماء طاهر، فأصبح قلتين، وزال التغير منه؛ انطبق عليه الحديث؛ فيكون دليلًا على طهارته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة فى هذه المسألة في احتمال؛ بأنه يصبح طاهرًا لا طهورًا (٦). واستدلوا: بأنه استعمل في إزالة النجاسة، فهو ماء مستعمل. وخالف أبو بكر الحنبلي، فقال: إذا انماعت النجاسة في الماء، فهو نجس لا يطهِّر، ولا يطهَّر (٧). وهذا في حال كون الماء المضاف طاهرًا كثيرًا، والمنجِّس له غير البول والعذرة، كما عبر بذلك المرداوي فيما سبق.

стр. 128

أما إذا كان المنجس هو البول والعذرة، فقد اختلف الحنابلة فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يطهر إلا بإضافة ما لا يمكن نزحه، وهو أكثر من قلتين (١). الثاني: أنه لا يطهر إلا إذا بلغ المجموع ما لا يمكن نزحه (٢). الثالث: أن يطهر بإضافة قلتين طهورين (٣). وبحثت عن رأي الحنفية في ذلك؛ فلم أجدهم يذكرون سوى النزح للماء (٤)، ولم يذكروا المكاثرة بعد طول بحث، ثم وجدت الكاساني أشار إليها إشارة سريعة، ونسبها إلى الشافعية، ورد عليهم بأنه فاسد (٥). وهم يفرقون بين المنجس المائع وغيره، فالعذرة وخرء الدجاج -مثلًا- لا يطهر الماء بالنزح كاملًا، إذا كان بئرًا، وإلا فهو نجس (٦). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، وظاهر من عبارة النووي أنها في المذهب، فلو كان المضاف نجسًا كما قال، لزاد الخلاف في المسألة، ولو كان المضاف قليلًا لزاد الخلاف أيضًا، فهو يذكر مذهب الشافعية فقط، وقد خالفهم في ذلك عدد من أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [٣٢ - ٣٢] الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه: إذا تنجس ماءٌ دون القلتين، فإنه لا يطهر بأخذ بعضه؛ لأنه ينقص عن القلتين التي لا تحمل الخبث. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا قول الماتن: (وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه (٧)، إلا بأخذ بعضه، فإنه لا يطهر؛ لأنه ينقص عن قلتين وفيه نجاسة)، قال: "هذا الذي قاله متفق عليه" (٨).

стр. 129

• مستند الاتفاق: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: قال ﵊: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وفي لفظ: "لم ينجس" (١). • وجه الدلالة: الحديث فيه أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، هذا منطوقه، ويدل بمفهومه على أن الماء إذا قلَّ عن ذلك؛ فإنه يحمل الخبث، فإذا نزح منه؛ فبطريق الأولى أنه لا يطهر، وأنه يحمل الخبث (٢). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية (٣)، والحنابلة، فقالوا: يطهر بذلك (٤). وأما الحنفية، فيقولون: لو سقطت فأرة فقط في بئر، فإنه لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوًا وجوبًا، فهم يطهرون الماء بالنزح، ولا يذكرون نقصه عن القلتين وزيادته (٥). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل التي تؤكد أن النووي يستخدم عبارة: الاتفاق في المذهب، إلا أن تدل قرينة أو تصريح بأنه يريد الإجماع في الحكاية، واللَّه تعالى أعلم. [٣٣ - ٣٣] التطهر بالماء المسخن جائز: إذا كان الماء ساخنًا، وأراد المسلم الوضوء منه، فإن تسخينه له جائز. وقال الإمام الشافعي: "لأن الماء له طهارة النار، والنار لا تنجس الماء" (٦). • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول عن أثر الوقود في الماء: "فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك، فلا يؤثر باتفاق العلماء" (٧). ويقول أيضًا: "وأما إذا تيقن طهارته؛ فلا نزاع فيه" (٨). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "وأما مسألة التطهر بالماء المسخن، فاتفقوا على جوازه إلا ما روي عن مجاهد" (٩). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق: عمر، وابن عمر، وابن عباس،

стр. 130

وسلمة بن الأكوع ﵃، والحسن (١)، والحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الاتفاق: ١ - أن الماء المسخن لا يخرج عن كونه ماءً مطلقًا، فيكون على الأصل، وهو كونه طهورًا (٥). ٢ - أن عمر ﵁، أنه كان يتوضأ بالحميم (٦)، ولا شك أن مكانة عمر معروفة، ولو كان تسخين أثر لبلغه من كثرة ملازمته للمصطفى ﵊. • الخلاف في المسألة: سبق ذكر مخالفة مجاهد، وأنه كره الوضوء بالماء المسخن (٧)، ولم يُفصل هل الكراهة للتنزيه أو للتحريم. وقال ابن المنذر: "وليس لكراهيته لذلك معنى" (٨). ولم أجد من تابعه في ذلك أبدًا، ولم أجد له دليلًا، إلا أن يقال: أن الماء المسخن جدًّا قد يعوق المتوضئ من إسباغ الوضوء. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، ومخالفة مجاهد لا تضر، إذ هي شذوذ، ولم يتابعه عليها أحد، واللَّه تعالى أعلم. [٣٤ - ٣٤] الماء المسخن بالنجاسة: إذا سخن الماء بنجاسة، ولكن لا يتحقق وصول شيء منها للماء، فإن الماء ليس بنجس بالاتفاق. وقد اختلف في هذه المسألة، من حيث الكراهة وعدمها (٩)، ولكن هذه ليست مسألتنا. والمسخن بالنجاسة ثلاثة أقسام: ١ - أن يتحقق وصول شيء من النجاسة إلى الماء.

стр. 131

٢ - أن لا يتحقق وصول شيء منها، ولكن الحائل غير حصين. ٣ - أن لا يتحقق وصول شيء منها، والحائل حصين (١)، وهذه مسألتنا. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وأما المسخن بالنجاسة، فليس بنجس باتفاق الأئمة، إذا لم يحصل له ما ينجسه" (٢). ونقله عنه ابن قاسم (٣). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الاتفاق: ١ - أن الماء المطلق طهور، ما لم يتيقن أنه نجس، فالأصل في المياه أنها طهورة، ما لم يأت ناقل متيقن منه، وفي هذه المسألة لم يأت هذا الناقل؛ فنبقى على الأصل أن الماء طهور، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن النجاسة هنا قد استحالت، وأصبحت دخانًا، وهي كالميتة إذا أصبحت ملحًا أو ترابًا لا أثر لها (٧). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولكن يأتي هنا الخلاف في المسألة السابقة المحكي عن مجاهد، فهو يكره الماء المسخن مطلقًا، وقد ذكرت هناك أنه شذوذ منه ﵀، واللَّه تعالى أعلم. [٣٥ - ٣٥] النهي عن غمس يد المستيقظ في الإناء قبل غسلها: إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء، فإنه لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن فوائد حديث أبي هريرة الآتي بالمستند: "هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا، وهي النهي عن غمس

стр. 132

اليد في الإناء قبل غسلها، وهذا مجمع عليه" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر المستيقظ من النوم بغسل اليدين قبل إدخالها الإناء، والأمر يتضمن النهي عن مخالفته، فدل على النهي عن غمس اليد بالإناء قبل غسلها (٧)، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 133

الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب الآنية [١ - ٣٦] تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب: آنية الذهب والفضة جاءت النصوص في تحريم استعمالها في الأكل والشرب، وقد حكى الإجماع على التحريم عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) نقل الإجماع على تحريم الشرب، في آنية الذهب والفضة، إلا عن معاوية بن قرة (١). نقل ذلك عنه الشوكاني (٢). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها -أي: آنية الذهب والفضة-" (٣). وقال أيضًا: "واختلف العلماء في الشرب، في الإناء المفضض، بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب وغيره" (٤). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن استعمال أواني الذهب، أو الفضة في المأكول، والمشروب، والطيب منهي عنه" (٥). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وحكى أصحابنا عن داود، أنه قال: إنما يحرم الشرب، دون الأكل والطهارة وغيرهما، وهذا الذي قاله غلط فاحش، ففي حديث حذيفة، وأم سلمة (٧) من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب كما سبق،

стр. 134

وهذان نصان في تحريم الأكل، وإجماعٌ من قَبل داود حجةٌ عليه" (١). وقال بعدها: "قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول الشافعي في القديم" (٢). ونقله عنه الصنعاني (٣)، وابن قاسم (٤). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام، على الزوجين الذكر والأنثى" (٥). ونقله عنه ابن قاسم (٦). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "فيحرم استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع" (٧). الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث يقول: "فمن المحرّم؛ الإناءُ من ذهب وفضة بالإجماع، للذكر وغيره" (٨). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على تحريم الأكل والشرب، في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالإجماع، وأما الأكل فأجازه داود" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١٠)، وابن حزم (١١). • مستند الإجماع: ١ - حديث حذيفة بن اليمان ﵄، أن النبي ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (١٢). ٢ - حديث أم سلمة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ : "الذي يشرب في آنية الفضة، إنما

стр. 135

يجرجر في جوفه نار جهنم" (١). • وجه الدلالة: النهي في الحديثين صريح، حيث قال: "لا تشربوا"، "ولا تأكلوا". • الخلاف في المسألة: تلخص لنا من البحث السابق، مخالفة ثلاثة من العلماء، هم: الأول: معاوية بن قرة، ولم يفصل قوله من نقله، غير أني وجدته في "المصنف"، أباح الشرب بإناء الفضة (٢). الثاني: داود الظاهري، وقد نص من نقل خلافه، أنه يحرم الشرب فقط، ويبيح الأكل وغيره، وليس له في ذلك مستند، غير أن الشوكاني تعذر له، بأنه ربما لم يبلغه الحديث (٣)، ولم يتابعه على هذا ابن حزم، بل لم يشر لهذا القول إطلاقا (٤). الثالث: الشافعي في قول قديم، نسبه إليه العراقيون من أصحابه، ونفاه المحققون من الشافعية، إلا أنه محكي عنه، أنه يقول بالكراهة التنزيهية فقط (٥). النتيجة: لا بد من تفصيل المسألة، فأما الشرب في آنية الذهب؛ فلم يثبت فيه خلاف، إلا ما حكي عن الشافعي في القديم، بأنه كراهة تنزيه. ومردود عليه بالوعيد الشديد في الأحاديث، وهو لا يكون إلا في المحرم تحريمًا شديدًا. وعلى أية حال، فقد رجع عنه، ولا يعتبر قولًا له، ما دام قد رجع عنه، ولم يتابعه عليه أصحابه، ولم يفرعوا عليه، كما قال النووي (٦). وأما الشرب في آنية الفضة؛ فأجازه معاوية بن قرة، وخلافه هنا مصادم للنص مباشرة، وأما خلاف الشافعي؛ فسبقت مناقشته. وأما الأكل فيهما فخالف داود، وخلافه مصادم للنص، وذكر النووي أنه مخالف

стр. 136

للإجماع، الذي وقع قبله، ولكن لم أجد من حكى الإجماع قبل داود، فهو متوفى في سنة مائتين وسبعين للهجرة، أي: قبل ابن المنذر، وكذلك الشافعي ومعاوية، ولذا فالأقرب أن يقال: إن المسألة تحقق فيها الإجماع بعد الخلاف، وهي مسألة أصولية معروفة، والأقرب أنه يكون حجة ظنية لا إجماعًا قطعيًا، واللَّه تعالى أعلم. [٢ - ٣٧] تحريم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء: تحريم الأكل والشرب في آنية النقدين يشمل الرجل والمرأة، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن هذا التحريم -الاستعمال- في حق الرجال والنساء" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستوي في تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الرجال والنساء، وهذا لا خلاف فيه" (٢). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام، على الزوجين الذكر والأنثى" (٣). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "فيحرم استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع" (٤). الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث يقول: "فمن المحرّم؛ الإناءُ من ذهب وفضة بالإجماع، للذكر وغيره" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث حذيفة بن اليمان ﵄، أن النبي ﷺ قال: "لا تشربوا

стр. 137

في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (١). ٢ - حديث أم سلمة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ : "الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم" (٢). • وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث عامة، فلم تفرق بين الجنسين، والتخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل يستثني أحدهما، فتبقى عامة (٣). ٣ - أن السبب الذي حرم استعمال آنية الذهب والفضة لأجله موجود في الجنسين، فيكون الحكم شاملا لهما (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ٣٨] تحريم استعمال الإناء المطلي إذا أمكن فصله: إذا طلي الإناء بالذهب أو الفضة، وأمكن فصل الذهب أو الفضة عن الإناء، فإن استعمال الإناء حرام عندئذ، وقد حكى الصنعاني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "واختلفوا في الإناء المطلي بهما، هل يلحق بهما -أي: إناءي الذهب والفضة- في التحريم أو لا؟ فقيل: إن كان يمكن فصلهما حرم إجماعا؛ لأنه مستعمل للذهب والفضة" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: حديث حذيفة بن اليمان ﵄، أن النبي ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (١٠).

стр. 138

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حرم الأكل والشرب في إناءي الذهب والفضة، كما في هذا الحديث وغيره، والإناء المطلي بأحدهما فيه ذهب وفضة بلا شك، وإذا أمكن فصلهما عنه، فإن الفصل واجب، وإلا سيفضي إلى التساهل في النهي، وإلى التحايل عليه، فمُنِعَ الشرب والأكل إلا بالفصل سدًّا للذريعة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: الكلام في هذه المسألة من حيث الخلاف، يقال فيه ما قيل عن الخلاف في مسألة استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، وقد سبقت، ومن خالف هناك خالف هنا من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق بعد الخلاف؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد زمن المخالفين المتقدمين، واللَّه تعالى أعلم. [٤ - ٣٩] جواز استعمال الإناء المضبب: إذا كان لدى المسلم إناء مضبب بالذهب أو الفضة، فإنه يجوز له أن يشرب ويأكل فيه، وحكى الصنعاني الإجماع على ذلك. والمضبب هو: ما أصابه شق ونحوه، فيوضع عليه صفيحة تضمه وتحفظه، وتوسع الفقهاء في إطلاق الضبة على ما كان للزينة بلا شق ونحوه (١). • من نقل الإجماع: الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وأما الإناء المضبب بهما، فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية في قولٍ (٤)، والشافعية في الذهب على طريقٍ لديهم، والفضة على قولٍ (٥)، والحنابلة في قول، على أن تكون الضبة يسيرة، وأن تكون للحاجة (٦).

стр. 139

• مستند الإجماع: ١ - حديث أنس ﵁، "أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْب (١) سلسلة من فضة" (٢). • وجه الدلالة: السنة الفعلية في الفضة، وأما الذهب، فبالقياس على الفضة، والأصل استواءهما في الأحكام إلا بدليل، فإن الأصل تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة، وما دام أن النبي ﷺ رخص في الضبة في الفضة والأصل المنع، دل على عدم جريان المنع في الضبة مطلقا، ومن خصص عليه الدليل، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن هذا القدر من الذهب أو الفضة الذي على الإناء، إنما هو تابع له، والعبرة للمتبوع دون التابع، فلا عبرة بالضبة ولا حكم لها (٣). • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في طريقٍ (٤)، بتحريم الذهب قولًا واحدًا، لحاجة ولغيرها، وفي الفضة على قول (٥). واستدلوا بأثر عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة (٦)، والذهب من باب أولى. وخالف المالكية في قول (٧)، والحنابلة في قول (٨)؛ فقالوا: لا يجوز مطلقًا. واستدلوا بأن هذا فيه سرف وخيلاء، فأشبه الذهب والفضة الخالصة (٩). وخالف الحنابلة في قول آخر (١٠)، فقالوا: لا يجوز إذا كان كثيرًا. وذلك لما فيه من الإسراف (١١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 140

[٥ - ٤٠] جواز استعمال الأواني الثمينة بسبب صنعتها: الأواني المصنوعة التي تكون نفيسة بصنعتها، لا بجوهرها؛ كالمصنوعة من الزجاج ونحوه، استعمالها جائز بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن الصباغ (٤٧٧ هـ) حيث نقل عنه النووي (١)، والشوكاني (٢) حكايته الإجماع على جواز استعمال الأواني الثمينة بسبب صنعتها (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية على الصحيح (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - أن العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة غير موجودة في الآنية الثمينة بصنعتها؛ لأن هذه الآنية لا يعرفها إلا خواص الناس، فلا تنكسر قلوب الفقراء؛ لأنهم لا يعرفونها، فلذلك هي جائزة لعدم علة التحريم (٨). ٢ - أن الأصل جواز استعمالها، ولا دليل ينقلها عن هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال الشوكاني: "ولم يمنعها إلا من شذ" (٩)، وهو يريد مسألة استعمال الجواهر النفيسة، ولكن مسألتنا في النفيسة بصنعتها، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الشافعية في مسألتنا، في وجه ضعيف، حكاه أحد الشافعية غلطًا (١٠)، فقال بتحريم استعمال هذه الأواني.

стр. 141

وغلطه النووي، وحكى عدم الخلاف بين الشافعية في جواز استعمالها (١)، ولم يتابعه أحد من العلماء فيما توصلت إليه من أقوالهم، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما وجه الشافعية فقد سبق الكلام عليه بأنه غلط، وليس قولًا في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ٤١] تحريم استعمال الإناء المأخوذ بغير حق: استعمال المسلم للإناء المغصوب، أو المأخوذ بغير حق في وضوئه أو غسله محرم، وعلى ذلك نفى ابن حزم الخلاف في التحريم بين أهل الإسلام. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "فكان من توضأ بماء مغصوب؛ أو أُخذ بغير حق؛ أو اغتسل به؛ أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء، وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند نفي الخلاف: ١ - حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٧). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وعرضه، وماله" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل مال المسلم على أخيه المسلم حرام، إلا أن

стр. 142

يأخذه بحق، ومن ذلك التحريم؛ أخذه لإنائه بغير حق، فكان استعماله لهذا الإناء محرم بنهي النبي ﷺ (١). النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق؛ لعدم وجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٤٢] طهارة جلد ما يؤكل بالذكاة: إذا ذكي ما يؤكل لحمه، فإن جلده طاهر، يجوز استعماله والانتفاع به. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي؛ طاهر جائز استعماله، وبيعه" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) في سياق كلام له: "أن الأديم إنما يطلق على جلد الغنم خاصة، وذلك يطهر بالذكاة بالإجماع" (٣). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والذكاة علة مطهرة إجماعًا" (٤). البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث يقول: "وتحقيقه أن الجلد الطاهر ليس مما نحن فيه - أي: من الخلاف - بالاتفاق" (٥). ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث يقول: "فحل جلد المذكاة قبل الدباغ، وبعده، حيث كان من مأكول اللحم؛ متفق عليه" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الذكاة سببا فى الحل، والجلد جزء من البهيمة، فينتفع بها ما دام أنها مذكاة، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 143

[٨ - ٤٣] نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ: البهيمة إذا ماتت دون ذكاة، فإنها تعتبر ميتة، وهي نجسة، وجلدها مثل ذلك، وهو قبل الدبغ نجس، لا يجوز استعماله. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) معلقًا على قول الماتن: "وكل جلد ميتة، دبغ أو لم يدبغ؛ فهو نجس" حيث يقول: "لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه" (١). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دبغه" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم (٦). • مستند نفي الخلاف: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (٧)، فدل على نجاسة الميتة، وجلدها جزء منها. ٢ - حديث ابن عباس ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ وجد شاة ميتة أُعطيتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هلا انتفعتم بجلدها؟ ". قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها"، وفي لفظ: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" (٨). ٣ - حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ربط حل الانتفاع بالإهاب -وهو الجلد قبل الدبغ-

стр. 144

بالدبغ، أما قبل الدبغ؛ فما زال حكم الميتة منطبقًا عليه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حُكي عن الزهري قول شاذ في هذه المسألة (١)، بعدم اشتراط الدباغ مطلقًا، بل يجوز استعمال الجلد في اليابس والرطب، دون دباغ، ولم يُذكر له دليل على ذلك، إلا أنه مبني على طهارة الميتة عنده واللَّه أعلم، وهو قول مخالف للأدلة الصريحة الدالة على نجاسة الميتة، والجلدُ منها، ولم يتابعه على ذلك أحد، فيما اطلعت عليه (٢). النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، إلا ما ذكر عن الزهري، وسبق التعليق عليه، واللَّه تعالى أعلم. [٩ - ٤٤] تحريم استعمال وسلخ جلد الإنسان: اللَّه تعالى كرَّم بني آدم، وجعلهم أفضل الخلق، ولذلك يحرم استعمال جلدهم وسلخه، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الدارمي (٤٤٨ هـ) حيث نقل عنه النووي (٣) قوله: "لا يختلف القول أن دباغ جلود بني آدم، واستعمالها حرام" (٤). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن جلد الإنسان، لا يحل سلخه ولا استعماله" (٥). ونقله عنه النووي (٦)، وابن نجيم (٧). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "اتفق أصحابنا على تحريمه -جلد الآدمي- وصرحوا بذلك في كتبهم، منهم إمام الحرمين، وخلائق" (٨). ويقول أيضًا: "وأما جلد الآدمي، والثوب المتخذ من شعره؛ فيحرم استعماله باللبس وبغيره بالاتفاق" (٩)، وعبارته وإن كانت في المذهب إلا أني ذكرتها للاعتضاد.

стр. 145

المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: "ويحرم استعمال جلد الآدمي إجماعًا" (١). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وأما الآدمي، فقد قال بعضهم: إن جلده لا يحتمل الدباغة حتى لو قبلها طهر؛ لأنه ليس بنجس العين، لكن لا يجوز الانتفاع به، ولا يجوز دبغه؛ احترامًا له، وعليه إجماع المسلمين كما نقله ابن حزم، وقال بعضهم: إن جلده لا يطهر بالدباغة أصلا؛ احترامًا له، فالقول بعدم طهارة جلده تعظيم له؛ حتى لا يتجرأ أحد على سلخه ودبغه واستعماله" (٢). عليش (١٢٩٩ هـ) حيث يقول: "وكذا جلد الآدمي إجماعًا -أي ويحرم- لشرفه، ووجوب دفنه، ولو كافرًا" (٣). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى كرم الإنسان وجعله من أفضل الخلق، ومن إكرامه أنه لا تجوز إهانته والعبث بجسده، وسلخ جلده واستعماله من إهانته التي حرمها اللَّه تعالى (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٠ - ٤٥] استحباب تغطية الإناء: إذا كان لدى الإنسان إناء فيه ماء أو لبن، فإنه يستحب له أن يغطيه، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الحكم الذي ذكره (٥)، وهو استحباب تغطية الإناء؛ متفق عليه، وسواء فيه إناء الماء، واللبن، وغيرهما" (٦). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،
следующие страницы →