← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهو يستفيد من النووي في كتابه هذا، وينقل عنه كثيرًا، دون أن يصرح (١). وقد سبق ذكر رأيه في خلاف الظاهرية. بحثت له في رسالتي سبعًا وثلاثين مسألة، منها إحدى عشرة مسألة لم يثبت فيها الإجماع. ١٩ - الإمام ابن الهمام (٨٦١ هـ) من خلال كتابه "فتح القدير ": وجدت أن ابن الهمام يعبر بالإجماع أحيانًا، ويظهر أنه يريد به المذهب بدليل السياق، فهو يناقش الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في المسألة، ثم ينقل صورة أخرى قريبة ويحكي فيها الإجماع، ويبدو أنه يريد الإجماع منهم (٢). ووجدته ينقل حكاية الإجماع عن غيره أحيانًا دون إشارة (٣). بحثت له ثمان مسائل، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. ٢٠ - الإمام ابن نجيم (٩٧٠ هـ) من خلال كتابه "البحر الرائق ": قد يستخدم ابن نجيم مصطلح الإجماع ويريد به المذهب، ولذلك وجدته عبر به في مسألة خلافية مشهورة، حكى الإجماع فيها وحده، بينما عبر عدد من علماء الحنفية بالاتفاق، ويريدون به المذهب مما يقوّي كونه يستخدم لفظ الإجماع في المذهب (٤). وينقل إجماعات النووي دون إشارة (٥)، وكذا ينقل عن ابن حجر (٦)، وابن الهمام دون إشارة أيضًا (٧). وسبق ذكر رأي ابن نجيم في مخالفة المبتدعة.

стр. 72

٢١ - الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ) من خلال كتابه "مغني المحتاج ": لا يكاد الشربيني يذكر إجماعًا إلا وقد حكاه النووي، وينقله دون إشارة، ولم أجده انفرد بشيء من الإجماعات عن النووي، وكتابه مذهبيٌّ في الفقه الشافعي، والإجماع فيه نادر. بحثت له عشرين مسألة، منها خمس مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. وينقل أحيانًا عن ابن المنذر، والمتولي، والماوردي، خصوصًا إذا نقله عنهم النووي. ٢٢ - الإمام الصنعاني (١١٨٢ هـ) من خلال كتابه "سبل السلام ": بحثت له إحدى وعشرين مسألة، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع، ولم أجده ينقل عن غيره كثيرًا. ٢٣ - الإمام الشوكاني (١٢٥٠ هـ) من خلال كتابه "نيل الأوطار ": الشوكاني ﵀ كثيرًا ما ينقل إجماعات النووي، ولكنه لا يشير غالبًا (١)، وينقل كثيرًا عن ابن حجر أيضًا، ودون إشارة غالبًا (٢). وقد يحكي إجماعات خاصة به، لم أجد من حكاها غيره. وسبق ذكر رأي الشوكاني في خلاف الظاهرية. ٢٤ - الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) من خلال "حاشيته على الروض المربع ": ابن قاسم ﵀ لم يكن له إجماعات مستقلة، بل أغلب ما يذكره من الإجماعات هي منقولة عن غيره، وكثيرًا ما ينقل إجماعات ابن المنذر، وابن هبيرة، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، والشوكاني. وكثيرًا ما ينقل إجماعات "الشرح الكبير" ويترك "المغني"؛ وذلك لأن ترتيب "الشرح" و"الروض" واحد، وأنا أعتبر نقله هذا عن ابن قدامة صاحب "المغني"، حيث إنه من المعلوم أن صاحب "الشرح" قد وضع "المغني" على "المقنع"، ونقله بعد

стр. 73

استئذان صاحب "المغني"، وكل ما فيه فهو كلام صاحب "المغني" إلا زيادات قليلة، واللَّه تعالى أعلم. وقد يقع في الوهم ﵀، فمثلًا؛ نقل حكاية النووي (١) الإجماع على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهو وهْمٌ منه، بل حكاه في مسألتين قريبتين، وهما: (جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد)، ومسألة: (فضل وضوء الرجل طاهر) (٢). وقد ينقل ولا يشير ﵀ (٣). * * *

стр. 74

الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه [١ - ١] وجوب الطهارة للصلاة: الطهارة واجبة لمن أراد أداء الصلاة، وعلى ذلك إجماع المسلمين، نقل الإجماع في هذه المسألة عدد من أهل العلم (١). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، إذا وجد المرء إليها السبيل" (٢). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من المسلمين، على أن صلاة التطوع لا تجزئ إلا بطهارة من وضوء، أو تيمم، أو غسل، ولا بد" (٣). وهذا في صلاة التطوع ففي صلاة الفرض من باب أولى. ويقول أيضًا: "واتفقوا على أن كل من صلى قبل تمام فرض وضوئه، أو تيممه إن كان من أهل التيمم؛ أن صلاته باطلة، ناسيًا كان أو عامدًا، إذا أسقط عضوًا كاملًا" (٤). الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "ويعرف فوات الشرط، إما بالإجماع، كالطهارة في الصلاة، . . " (٥). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول عن شرط الطهارة للصلاة: "وهي من شرائط الأداء، لا من شرائط الوجوب بإجماع الأمة" (٦). ويقول: "وقد اجتمعت الأمة على وجوب الوضوء" (٧). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها" (٨).

стр. 75

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لأن النافلة آكد من هذه الأشياء - يريد قراءة القرآن واللبث بالمسجد -، فإنها تفتقر إلى الطهارة بالإجماع" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "مسألة فيما تجب له الطهارتان: الغسل، والوضوء، وذلك واجب للصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فرضها ونفلها" (٢). ويقول أيضًا: "وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة" (٣). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على وجوب إزالة الخبث: "ولأن البول تتعلق به طهارة حدث وطهارة خبث، والأولى واجبة إجماعًا، . . " (٤)، وهو يريد أنها واجبة لأداء الفريضة. ويقول: "ويدل على وجوب الطلب - للماء - إلى حين الصلاة، أن الوضوء واجب إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء عندما يقوم الإنسان للصلاة، والأمر إنما يكون للوجوب، فدل ذلك على وجوب الوضوء للصلاة (٧). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقبل صلاة من أحدث

стр. 76

حتى يتوضأ" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نص على مسألة الباب بالمطابقة (٢)، فلا تقبل صلاة بغير طهور. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف، وهذه المسألة تعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة، والإجماع فيها قطعي، واللَّه تعالى أعلم. [٢ - ٢] مشروعية الطهارة بالماء: هذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يختلف فيهما اثنان من أهل الإسلام، وقد نُقل فيها الإجماع من عددٍ من العلماء، وهناك ما يدل عليها في المسائل الأخرى، وكثير من مسائل الباب تدل عليها، إما بالتضمن (٣) أو الالتزام (٤). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء بالماء جائز" (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "أما من الإجماع؛ فلا يختلف اثنان من أهل الإسلام، في أن كل متوضئ؛ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه، وهكذا كل عضو في الوضوء. .، " (٦). وهذا فيه إشارة لما نحن بصدده. ويقول أيضًا: "أجمعت الأمة على أن استعمال الماء الذي لم يُبَلْ فيه، ولا كان سؤر حائض، ولا كافر، ولا جنب، ولا من شراب، ولا من غير ذلك، ولا سؤر حيوان غير الناس، وغير ما يؤكل لحمه، ولا خالطته نجاسة، وإن لم تظهر فيه أو ظهرت، على

стр. 77

اختلافهم فيما ينجس من حيوان أو ميت، ولا كان آجنًا متغيرًا من ذاته، وإن لم يكن من شيء حله، ولا مات فيه ضفدع ولا حوت، ولا كان فضل متوضئ من حدث أو مغتسل من واجب، ولا استعمل بعد، ولا توضأت منه امرأة ولا تطهرت منه، ولم يشمس، ولا سخن، ولم يؤخذ من بحر ولا غصب، ولا أدخل فيه القائم من نومه يده قبل أن يغسلها ثلاثًا، ولا حل فيه شيء طاهر فخالطه، غير تراب عنصره فظهر فيه، ولا بل فيه خبز، ولا توضأ فيه ولا به إنسان، ولا اغتسل، ولا وضأ شيئًا من أعضائه به - فيه الوضوء والغسل، حلوًا كان أو مرًّا، أو ملحًا أو زعاقًا، ففرض على الصحيح الذي يجده ويقدر على استعماله ما لم يكن بحضرته نبيذ. . " (١). ويقول أيضًا: "وأجمعوا أن من توضأ وتطهر بالماء كما وصفنا، وإن كان بحضرته نبيذ تمر فقد أدى ما عليه" (٢). الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع" (٣). نقله عنه النووي (٤). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الطهارة تجب بالماء، على كل من لزمته الصلاة، مع وجوده" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧). • مستند الإجماع: الأدلة كثيرة على هذه المسألة، أكتفي باثنين: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حدد الوضوء بالماء، وحدد العدول عنه بعدم وجوده، فدل ذلك بالالتزام على وجوب الوضوء بالماء، وفيه المشروعية وزيادة، واللَّه أعلم. ٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. . . الآية [المائدة: ٦].

стр. 78

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الأعضاء قبل الصلاة، والغسل لا يكون إلا بالماء؛ فدل ذلك على مشروعية الوضوء بالماء. النتيجة: أن الإجماع متحقق، وحكم المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، وأغلب المسائل في باب المياه تدل عليه بالتضمن أو الالتزام، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ٣] طهارة الماء المضاف إلى مقره: المياه التي تضاف إلى مقرها التي هي فيه، وتنسب إليه، كمياه الأنهار والآبار والعيون، مياه طاهرة بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًّا" (١)، والمياه المضافة لمقرها هي من أنواع المياه. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "الضرب الثالث من المضاف: ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر، والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "الحكم الذي ذكره - أي صاحب "المهذب" - وهو جواز الطهارة بما نبع من الأرض مجمع عليه، إلا ما سأذكره إن شاء اللَّه تعالى في البحر وماء زمزم" (٣). وقد كان في عبارة "المهذب" ما يلي: "وما نبع من الأرض، وماء البحار، وماء الأنهار، وماء الآبار" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء كونه طهورًا، فكل مياه الآبار والأنهار المضافة

стр. 79

لمقرها نازلة من السماء، وهي طهورة ما لم تتغير، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: حيث لا يجوز المصير إلى التراب؛ إلا بعدم الماء، وماء الآبار ونحوها تسمى ماء، فيجب الوضوء بها، فهي إذًا طاهرة. ٣ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١). • وجه الدلالة ظاهرة من الحديث بالمطابقة على مياه الآبار، أما غيرها مما أضيف لمقره، كمياه العيون والأنهار فتدخل بالقياس، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٤ - ٤] الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه: إذا حصل تغير الماء، بشيء طاهر يسقط فيه، كورق الشجر والعيدان ونحو ذلك، أو بما ينبت فيه كالطحلب والخز ونحوهما، فإن الماء يبقى على طهوريته بالإجماع (٢). • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء، مما لا ينفك عنه غالبًا، أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، إلا خلافًا شاذًّا، روي في الماء الآجن عن ابن سيرين" (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "الثاني: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب والخز وسائر ما ينبت في الماء، وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء، أو تحمله الريح

стр. 80

فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما، إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف فيها الماء، فهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه. . .، ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (١). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "الماء المتغير بقراره، كزرنيخ (٢) أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه، لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه، والانفكاك عنه" (٣). النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على كلام الشيرازي في "المهذب" بعد أن قال: "إن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو رائحة نظرت، فإن كان مما لا يمكن حفظ الماء منه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة وغيرهما، جاز الوضوء به" قال النووي: "أما قوله -أولًا-: إذا تغير -أي: الماء- بما لا يمكن حفظه منه جاز الوضوء به؛ فمجمع عليه" (٤). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "فما كان من التغير حاصلًا بأصل الخلقة، أو بما يشق صون الماء عنه فطهور باتفاقهم" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية في وجه (٨)، والحنابلة (٩)، وابن حزم (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بأن نتوضأ بالماء، ولا نعدل عنه إلى التيمم

стр. 81

إلا عند عدمه، وهذا الماء لا زال يطلق عليه اسم الماء؛ فوجب استعماله (١). ٢ - أنه لا يمكن صون الماء عن مثل هذه الأشياء، فعفي عنها، كما عفي عن النجاسة اليسيرة، والعمل القليل في الصلاة (٢). • الخلاف في المسألة: في مسألة تغير الماء بنحو الطحلب والخز والعيدان، لم أجد خلافا سوى ما نقله الحطاب، حيث نقل قولًا محكيًّا عن الإمام مالك بالكراهة فقط، إذا وجد غير ذلك الماء، وأمكن الاستغناء عنه (٣). ووجدت المرداوي أيضًا حكاه قولًا في المذهب الحنبلي (٤). ولكن هذا القول غير مخالف لمسألتنا في الحقيقة، فليس فيه إلا الكراهة، وهي لا تنافي الجواز، واللَّه تعالى أعلم. وأما مسألة تغيره بورق الشجر، فقد ثبت فيها الخلاف: فخالف في المسألة الشافعية في وجه (٥)، فقالوا: هو غير طهور ولا يعفى عن هذا التغير. ويمكن أن يستدل لهذا المذهب بأن الماء قد تغير ولم يصبح ماءً مطلقًا؛ فلا يتوضأ به. وخالف الشافعية في وجه آخر (٦)، فقالوا بأنه يفرق بين الورق الخريفي والربيعي، فالخريفي لا يضره، وأما الربيعي فيسلبه الطهورية. واستدلوا: بأن الربيعي رطوبة تخالط الماء، وتساقطه نادر فلا يعفى عنه، بخلاف الخريفي. وخالف المالكية في قول (٧)، فقالوا بأنه يفرق بين التغير البين وغير البين؛ فإن كان التغير بَيِّنًا فيضر، وإن لم يكن كذلك فلا. ويمكن أن يستدل لهذا المذهب بأن الماء إذا تغير وأصبح التغير بَيِّنًا؛ لم يصبح ماءً مطلقًا، ولا يسوغ أن نبرر طهورية الماء بالعفو عن اليسير فالتغير بيِّن، بخلاف ما لو

стр. 82

كان التغير يسيرًا غير بين، واللَّه تعالى أعلم. أما الكلام عن الماء الذي تغير بمكثه، وهو الماء الآجن فقد أفردت له مسألة مستقلة؛ لأنه في الحقيقة لم يتغير بشيء آخر وإنما من نفسه بطول المكث، فكان ينبغي إفراده. النتيجة: أن الإجماع متحقق فيما دون مسألة التغير بورق الشجر؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. أما الماء الذي تغير بورق الشجر، فالإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف السابق في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥ - ٥] الماء المتغير بطاهر يأخذ حكمه (١): الماء الذي غيَّره شيء طاهر، كلبن أو عسل أو غيره، فإن هذا الماء يأخذ حكم ذلك الشيء الطاهر الذي غيّره، ولا تبحث المسألة في كونه مطهرًا أو لا. ولكن بشرط أن يكون التغير بحيث يزول اسم الماء عنه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله، وقال الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربته وحمأته (٢)، وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه" (٣). ونقل عنه القرطبي هذه العبارة بذاتها دون إشارة (٤). ويقول: "وهذا إجماع لا خلاف فيه، إذا تغير بما غلب عليه من نجس أو طاهر: أنه غير مطهر" (٥). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الأشياء الطاهرة، التي تنفك منه غالبًا، متى غيرت أحد أوصافه؛ فإنه طاهر عند جميع العلماء" (٦).

стр. 83

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الإجماع: أن الأصل في الأشياء الطهارة، والماء هنا طهور، وبعد تغيره بما أضيف إليه مما هو طاهر في ذاته، فالماء بعد التغير يدور إذًا بين أمرين؛ إما أن يكون طاهرًا أو طهورًا، ولا مجال لاحتمال النجاسة، والطهور طهارة وزيادة، فالماء بعد التغير إما طاهرًا أو طهورًا، على قولين للعلماء في ذلك - ليسا محل بحثنا - (٥)، فدل ذلك على أن الماء إما أن يكون طاهرًا، وهذا عنوان مسألتنا، أو يبقى طهورًا على أصله، وهذه طهارة وزيادة، وعلى الأمرين فهو طاهر في ذاته، وهذا عنوان مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٦ - ٦] جواز الطهارة بالماء الآجِن: إذا وجد المسلم ماء آجنًا، فإنه يجوز أن يتوضأ به، بإجماع العلماء على ذلك. والآجِن: قال في "المصباح": "أجن الماء أجنًا وأجونًا من بابي ضرب وقعد: تغير؛ إلا أنه يشرب، فهو آجِن على فاعل" (٦). وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان، من غير مخالطة شيء يغيره (٧)، وقيل: إنه يدخل في مسألة ما تغير بالطحلب والخز ونحوه (٨). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ): أجمعوا على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز، وانفرد ابن سيرين فقال: لا يجوز (٩). ونقله عنه ابن قدامة (١٠)، والنووي (١١)، وابن مفلح (١٢)، والبهوتي (١٣).

стр. 84

ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث إنه أدخل هذه المسألة في أفراد مسألة تغير الماء بالمخالطة لطاهر، وقد حُكي الإجماع فيها كما سبق، يقول: "وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء، مما لا ينفك عنه غالبًا؛ أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، إلا خلافًا شاذًّا روي في الماء الآجن عن ابن سيرين" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لا تكره الطهارة بماء البحر ولا بماء زمزم ولا بالمتغير بطول المكث -وهو الآجن- ولا بالمسخن ما لم يخف الضرر لشدة حرارته سواء سخن بطاهر أو نجس، وهذه المسائل كلها متفق عليها عندنا، وفي كلها خلاف لبعض السلف" (٢). ثم نقل بعدها حكاية الاتفاق عن ابن المنذر ونقل حكايته الخلاف عن ابن سيرين فقط. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث نقل عنه الرحيباني فقال: "قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه" (٥). ولكن لم أجد هذه العبارة في "المبدع"، سوى نقله حكاية ابن المنذر للإجماع (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحسن، وقتادة، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى (٧)، والحنفية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن الآية مطلقة، فكل ما يطلق عليه اسم الماء يتوضأ به، ولا دليل

стр. 85

على إخراج الماء الآجن من الماء المطلق (١). ٢ - أنه لا يمكن الاحتراز منه، فأشبه المتغير بما يتعذر صونه عنه (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة ابن سيرين، والقاسم بن مخيمرة (٣)؛ فقالوا بكراهة الوضوء من الماء الآجن. وقد حكاه المرداوي قولًا في مذهب الحنابلة بالكراهة (٤). فالخلاف المحكي هو بالكراهة، وهي لا تنافي الجواز (٥). وعلى فرض كون ابن سيرين يقول بعدم الجواز، كما نقل ذلك ابن المنذر عنه فيما سبق، فقد وصفه ابن رشد بالشذوذ كما سبق، ولم يتابعه على هذا القول أحدٌ من العلماء. أما مخالفة القاسم ورواية الحنابلة، فهي في الكراهة، ولم أجد من نقل القول بعدم الجواز إلا ما حكاه ابن رشد عن ابن سيرين، فلا مخالفة حقيقية إلا منه، واللَّه أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولا يضره مخالفة من خالف، كما سبق بيان ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٧] الماء طاهرٌ مطهِّر: الماء طاهر في نفسه، ومطهر لغيره، سواء من النجاسة أو من الحدث، وعلى ذلك حكى عدد من العلماء الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات، وأنه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات" (٦). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنه مطهر لها" (٧). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية

стр. 86

والحكمية جميعًا" (١). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في سياق نقاشه لمسألة: "وقد دلت هذه المسألة على أحكام منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير، أو غير ذلك. . . " ثم قال بعد ذلك: "وهذا قول عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه؛ هو نار" (٣)، واستثناؤه لماء البحر هنا لا يقدح في أصل الإجماع، فماء البحر أحد أفراد هذه المسألة، وسيأتي نقاشها في مسألة مستقلة إن شاء اللَّه تعالى. القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر" (٤). النووي (٦٧٦ هـ) - في سياق نقاشٍ له -: "أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع" (٥). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وحاصله أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وعدم تنجس الماء إلا بالتغير، بحسب ما هو المراد المجمع عليه" (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: وصف اللَّه تعالى الماء بأنه طهور، وهو فعول متعدٍّ، فهو طاهر في نفسه، ومتعدٍّ مطهِّرٌ لغيره. ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال ﵊: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٧).

стр. 87

• وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، فقد وصف الماء بأنه طهور. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، بل هي من القطعيات الشرعية، فالماء طاهر في ذاته، ومطهرٌ لغيره، واللَّه تعالى أعلم. [٨ - ٨] فضل وضوء الرجل طاهر: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فوجد فضل وضوء رجل، فإنه يجوز له أن يتوضأ به، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وفيه (١)؛ أنه لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله في فضل وضوء الرجال إجماع من العلماء، وللَّه الحمد" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل" (٣). وقال بعدها: "ويؤيده أنا لا نعلم أحدًا من العلماء منعها فضل الرجل" (٤). وقال أيضًا: "وأما تطهير المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع أيضًا" (٥). ونقله عنه بلفظ الإجماع الحافظ العراقي (٦)، وابن حجر (٧)، والشوكاني (٨)، كلاهما بلفظ الاتفاق، وتعقباه أيضًا. ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وأما تطهر المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١٠)، والحنابلة على الصحيح (١١)، وابن حزم (١٢). • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل

стр. 88

ميمونة (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل امرأة، وهي مسألة اشتهر الخلاف فيها، ومن باب أولى جواز الاغتسال بفضل الرجل، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث عائشة ﵂، أنها كانت تغتسل مع النبي ﷺ من إناء واحد (٢). • وجه الدلالة: كونها تغتسل بفضل رجل وهو النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها؛ فدل على جواز ذلك (٣)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نقل الطحاوي خلافًا في المسألة، فقال: "فذهب قوم إلى هذه الآثار (٤)، فكرهوا أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بهذا كله" (٥). ونقل الحطاب ﵀ قولًا بعدم جواز الوضوء بفضل الرجل (٦)، وهو وجه ضعيف عند الحنابلة (٧). واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن سرجس ﵁، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل ولكن يشرعان جميعًا" (٨). وخالف ابن عمر، والشعبي، والأوزاعي في المسألة، فقالوا بعدم جواز الوضوء

стр. 89

بفضل الرجل، ولكن مقيدًا بما إذا كانت جنبًا (١). ولم يذكر لهم دليلًا. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، مع أن القوم الذين أبهمهم الطحاوي ليسوا معروفين، ولم يوضح مقصدهم من الكراهة، هل هي التنزيهية أو التحريمية؟ ولكن حكاية الحطاب صريحة، أزالت الشك والريبة، وقواها الوجه الضعيف عند الحنابلة، وبهما لا يتحقق الإجماع في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٩ - ٩] جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد: إذا توضأ الرجل والمرأة، أو الرجال والنساء معًا في إناء واحد، فإن وضوءهم جائز بالإجماع (٢). • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "وهو قول عامة الفقهاء؛ أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد" (٣)، والاغتسال نوع من الطهارة، وحكمه والوضوء واحد في هذه المسألة. الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث نقل عنه ابن حجر (٤)، والشوكاني (٥) حكايته الإجماع في المسألة (٦). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا في جواز توضؤ الرجلين والمرأتين معًا" (٧). القرطبي (٦٢٦ هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته، ووضوئهما معًا، من إناء واحد، إلا شيئًا روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة" (٨). ونقله عنه ابن حجر (٩)، والشوكاني (١٠). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة واغتسالهما جميعًا من إناء واحد" (١١).

стр. 90

ويقول أيضًا: "وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين" (١). ونقله عنه العراقي (٢)، وابن حجر (٣)، والشوكاني (٤)، والأخيران بلفظ الاتفاق. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز" (٥). ويقول أيضًا: "فأما اغتسال الرجال والنساء جميعًا من إناء واحد؛ فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا؛ فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا أو النساء دون الرجال جميعًا أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه" (٦). ويقول: "فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده؛ فقد خرج عن إجماع المسلمين وفارق جماعة المؤمنين" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃، وعكرمة، والشعبي (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن عمر ﵁، قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان النبي ﷺ جميعًا (٩). • وجه الدلالة: حيث حكى ابن عمر وقوع صورة هذه المسألة في عهد النبي ﷺ بين الصحابة، ولم ينكر ذلك ﵊، فدل على صحة ذلك. ٢ - حديث عائشة ﵂، أنها كانت تغتسل مع النبي ﷺ من إناء واحد (١٠). • وجه الدلالة: أن عائشة كانت تغتسل مع النبي ﷺ من إناء واحد، وهذا لا يختلف عما إذا كانوا أشخاصًا أو شخصين، وهذا مطابق لمسألتنا (١١). • الخلاف في المسألة: أما وضوء الرجل والمرأة معًا، فقد حكى ابن حزم الخلاف

стр. 91

فيه (١) هل يجزئ أو لا؟ بخلاف ما لو كانوا أكثر من ذلك، فقد نقل الاتفاق كما سبق نقله فى بداية المسألة. أما وضوء الرجلين أو المرأتين فأكثر، فنقل ابن حجر قولًا لأبي هريرة ﵁ يخالفه، بأنه كان ينهى عنه، ونقل حكاية ابن عبد البر للخلاف عن قوم أيضًا (٢). ونقل الحطاب ﵀ قولًا بأنه لا يتوضأ أحدهما بفضل الآخر مطلقًا، سواء كانا جميعًا أو لا (٣). واستدلوابنهي أبي هريرة ﵁ (٤) عن ذلك. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وظاهر مما سبق أن الخلاف كان قديمًا، فقد خالف أبو هريرة ﵁، وتبعه من تبعه، واللَّه أعلم. [١٠ - ١٠] الماء المتغير بنجاسة يأخذ حكمها: إذا تغير الماء بالنجاسة، سواء تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه؛ فإنه ينتقل من الطهورية إلى النجاسة، وسواء كان الماء قليلًا، أو كثيرًا، ما دام قد تغير. • من نقل الإجماع: الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا" (٥). ونقله عنه البيهقي (٦)، والنووي (٧)، وابن حجر (٨)، وابن قاسم (٩). ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث في سياق نقاش الخلاف في معنى حديث أبي سعيد الآتي بالمستند، قال: "مع إجماع جميعهم على أن الماء ينجس بغلبة لون النجاسة عليه أو

стр. 92

طعمه أو ريحه" (١). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير، إذا وقعت فيه النجاسة، فغيرت للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، أنه نجس، ما دام كذلك" (٢). ونقله عنه ابن قدامة (٣)، والنووي (٤)، والبهوتي (٥)، والصنعاني (٦)، والشوكاني (٧). الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر، فغلبت على طعم مائها أو ريحه أو لونه، أن ماءها قد فسد" (٨). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي حلت فيه نجاسة، فأحالت لونه أو طعمه؛ فإن شربه لغير ضرورة، والطهارة به على كل حال، لا يجوز شيء من ذلك على عظيم اختلافهم في النجاسات" (٩). البيهقي (٤٥٨ هـ) حيث يقول: "والحديث (١٠) غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا، واللَّه أعلم" (١١). ونقله عنه النووي (١٢). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "الماء لا يخلو تغيره من أن يكون بنجاسة، أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة؛ فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر، ولا مطهر" (١٣). ونقل هذه العبارة القرطبي دون إشارة (١٤). ويقول أيضًا: "وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقًا" (١٥). ويقول: "وظاهر قوله ﵊: "الماء لا ينجسه شيء" (١٦)، يعني إلا

стр. 93

ما غلب عليه وظهر فيه من النجاسة، بدليل الإجماع على ذلك" (١). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا" (٢). ابن هبيرة (٥٦٠) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة؛ نجس قل أو كثر" (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه أو لونه أو ريحه، أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف؛ أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة؛ فلا خلاف فيه" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واعلم أن حديث بئر بضاعة (٧) عام مخصوص، خص منه المتغير بنجاسة؛ فإنه نجس للإجماع" (٨). وقال بعد نقل إجماع ابن المنذر: "ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا وغيرهم، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا، قليلًا أو كثيرًا، تغير تغيرًا فاحشًا أو يسيرًا، طعمه أو لونه أو ريحه؛ فكله نجس بالإجماع" (٩). ونقله عنه ابن نجيم (١٠). ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) حيث يقول: "الاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة؛ امتنع استعماله" (١١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق" (١٢). ويقول أيضًا: "إذا وقع في الماء نجاسة فغيرته تنجس اتفاقًا" (١٣).

стр. 94

ويقول أيضًا: "والماء لنجاسته سببان: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه. فالمتفق عليه: التغير بالنجاسة" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "أن الماء الجاري، وإن كان قليلًا لا تؤثر فيه النجاسة، إلا إذا غيرته، فإنه ينجس إجماعًا" (٣). ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيثما يقول: "وهذا لأن حقيقة الخلاف؛ إنما هو في تقدير الكثير الذي يتوقف تنجسه على تغيره، للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا به" (٤) أي بالتغير. يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (٥). ونقل عبارته ابن نجيم (٦). زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: "ولا ينجس الماء الكثير إلا بتغير، وإن قل التغير، بنجاسة ملاقية له، للإجماع المخصص لخبر الترمذي: "الماء طهور لا ينجسه شيء (٧) " (٨). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيثما يقول عن النجاسة: "إن غيرت الماء؛ ضرت باتفاق، وإن لم تغيره، فيكره استعماله مع وجود غيره" (٩). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيثما يقول: "اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ لا تجوز الطهارة به؛ قليلًا كان الماء أو كثيرًا؛ جاريًا كان أو غير جارٍ، هكذا نقل الإجماع في كتبنا" (١٠). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيثما يقول شارحًا لمتن "المنهاج": " (فإن غيره) أي: غير النجس الملاقي الماء القلتين، ولو يسيرًا، حسًّا أو تقديرًا فنجس بالإجماع المخصص للخبر السابق" (١١).

стр. 95

الحصكفي (١٠٨٨ هـ) حيث يقول: "وبتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح ينجس الكثير، ولو جاريًا إجماعًا" (١). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وإنما حكموا بعدم طهورية ما غيرت النجاسة أحد أوصافه؛ للإجماع على ذلك" (٢). الدسوقي (١٢٣٠ هـ) حيث يقول: "أما لو علم أن المغير مما يضر؛ ضر اتفاقًا، كان الماء قليلًا أو كثيرًا" (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ خرج عن الطهورية" (٤). ويقول أيضًا: "فما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا؛ فلا يحمل الخبث، ولا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا أن يتغير أحد أوصافه؛ فنجس بالإجماع" (٥). ويقول أيضًا: "وأما ما دون القلتين، فإن تغير؛ خرج عن الطهارة بالإجماع" (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٧). زاد أبو أمامة الباهلي ﵁ في روايته: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (٨). • وجه الدلالة: حيث قال ﵊: "إلا ما غلب"، أي فإنه يتنجس إذا غلبت النجاسة. ولكن الحديث ضعفه عدد من أهل العلم (٩)، واعتدوا بالإجماع، كما صرح بذلك عدد منهم، وسبقت الإشارة إلى ذلك.

стр. 96

٢ - أن الماء إذا تغير بالنجاسة، فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، لم يصبح ماء، وانتقل إلى مسمى آخر بحسب ما غيره، فلم يجز أن يتوضأ به؛ لأنه أصبح متغيرًا بالنجاسة، وما غيرته النجاسة أصبح منها، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع في هذه المسألة متحقق بلا شك، فقد رأينا أن عددًا كبيرًا من العلماء صرح بهذا الإجماع، ولم يذكر لهم مخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١ - ١١] الماء الكثير الواقع فيه نجاسة ولم يتغير فهو طهور: الماء لا يخلو حاله إذا وقعت النجاسة فيه من حالتين: إما أن يكون قليلا فتغيره النجاسة، فيأخذ حكمها. وإما أن يكون كثيرًا؛ فلا يخلو من حالتين: إما أن يتغير، فيكون حكمه حكمها. وإما أن لا يتغير، فيكون حكمه الطهارة، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع في هذه المسألة. أما تقدير الكثرة، فقد قدرها البعض بما إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه (١)، والبعض قدرها بما زاد عن القلتين (٢)، وعلى العموم فتقدير الكثرة ليست مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له طعمًا أو لونًا أو ريحًا، أنه بحاله ويتطهر منه" (٣). ونقله عنه ابن قدامة (٤)، وابن قاسم (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة، بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما، فإنه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته" (٦). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (٧) أن الماء إذا غلب على

стр. 97

النجاسات وغمرها طهرها، وكان الحكم له لا لها، ولو كان إذا اختلط بالنجاسات لحقته النجاسة ما كان طهورًا، ولا وصل به أحد إلى الطهارة، وهذا مردود بأن اللَّه سماه طهورًا، وأجمع المسلمون على ذلك في كثيره، وإن اختلفوا في معانٍ من قليله" (١). ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه". نقله عنه الموَّاق (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر" (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في حديثه عن البرك التي صنعت موردًا للحاج، يشرب منها، ويجتمع فيها ماء كثير: "فتلك لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، لا نعلم أحدًا خالف في هذا" (٤). ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) حيث يقول: "لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير لا تؤثر فيه النجاسة" (٥). ونقله عنه العراقي (٦)، ونقل الشوكاني عبارته دون أن ينسبها إليه (٧). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "أن هذا الحديث (٨) عام، فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر، الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر" (٩). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول شارحًا كلامًا للمؤلف: "يعني أن الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس، ولم يغيره؛ فإنه على طهوريته، ويعلم قدر الكثير من تحديد القليل الآتي، ثم إن هذا الكثير إن اتفقت الأمة على أنه كثير؛ فلا خلاف في طهوريته، سواء خلط بنجس أو طاهر" (١٠).

стр. 98

ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (١). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع" (٢). محمد صديق حسن خان (١٣٠٧ هـ) حيث يقول في سياق كلامٍ له: "بعد إجماعهم على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر" (٣). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "والمصانع الكبار لا تنجس بالاتفاق إلا بالتغير" (٤)، وهو يريد بالمصانع هنا المياه الكثيرة التي كانت موردًا للحجاج. • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى الماء طهورًا، والماء هنا مطلق، فكل ما يطلق عليه ماء فهو طاهر، حتى يتغير أحد أوصافه وينتقل مسماه، وما دام لم يتغير الماء الكثير فهو على أصله، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف الماء بأنه طهور بإطلاق، ثم أكد ذلك بأنه لا ينجسه شيء إلا ما غلب على أحد أوصافه فغير اسمه، وما دام أن الماء لم يتغير فهو على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٢ - ١٢] إذا اختلط الماء بما يوافقه في الطهورية فهو طهور: إذا اختلط الماء مع شيء من التراب، ولم ينقله ذلك إلى مسمى آخر، كأن أصبح طينًا؛ فإن ذلك لا يضره. وهنا قيد مهم وهو: أن لا يكون ذلك بفعل فاعل، بل الاختلاط من اللَّه تعالى دون تصرف أحد.

стр. 99

• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة، والطهورية، كالتراب إذا غير الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء". . .، ثم قال: "ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (١). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "كما فى أجزاء الأرض، نحو الطين والجص والنورة، فإن التوضؤ بالماء الذي اختلط بهذه الأشياء يجوز بالاتفاق، إذا كان الخلط به قليلًا" (٢). الحطَّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "أما ما ألقته الريح -يعني التراب- فإنه لا خلاف أنه لا يضر" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد جعل التراب بدلًا عن الماء فى حال عدمه، فهو طاهر مطهِّر، ولا يمكن أن ينقل الماء من طهوريته ما دام مثله في الطهورية (٥). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سمى الأرض طهورًا، والمقصود التراب، في إشارة للتيمم، فالطهور إذا خالط طهورًا لا يغير من حكمه شيئًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حُكي عن إمام الحرمين الجويني، أنه قال بأن التراب غير مطهر، وإنما علقت به إباحة بسبب الضرورة. وقد أنكر عليه ذلك النووي وأبطله (٧). وهذا خلاف شاذ، لم أقف على من وافقه، ولا عبرة به.

стр. 100

النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، وأما خلاف إمام الحرمين فخلاف شاذ منه ﵀، ولا ينقض الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [١٣ - ١٣] طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة: إذا كان شيء نجس قريبًا من الماء، مجاورًا له، ولكنه خارجه، ولا يمسه، فإنه لا يؤثر على طهارة الماء. • من نقل نفي الخلاف: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام الماتن: "وقوله: (كما لو تغير بجيفة بقربه) يعني: جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه، وفي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعًا، بل الماء طهور بلا خلاف" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول عن حالات التغير للماء: "أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، بغير خلاف نعلمه؛ لأنه تغير بمجاورة" (٣)، ثم قال بعد ذكر الحالات كلها: "فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث" (٤). ونقله عنه البهوتي (٥). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول عن الماء: "إذا تغير بمجاورة شيء له، فإن تغيره بالمجاورة لا يسلبه الطهورية، وسواء كان المجاور منفصلًا عن الماء، أو ملاصقًا له، فالأول؛ كما لو كان إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة، أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير، ولا خلاف في هذا" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧). • مستند نفي الخلاف: ١ - أن الماء في هذه الحالة لم يحصل له تغير، بحيث اختلطت به النجاسة فغيرته، فهو باق على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الماء هنا يصح أن يطلق عليه بأنه من الماء المطلق، وهو ما يكفي في كونه طهورًا، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 101

[١٤ - ١٤] طهارة ما تغير بمجاورة دون مخالطة: إذا تغير الماء بمجاورة طاهر من غير مخالطة، ولم تخرج به عن كونه ماء مطلقًا، فإنه يجوز الوضوء به، وهو ماء طهور. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "الضرب الثالث من المضاف: ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: . .، الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، لا يخرج به عن إطلاقه، . .، ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٢)، والمالكية في قول (٣)، والشافعية في قول (٤). • مستند نفي الخلاف: ١ - أن هذا التغير الطارئ على الماء، لا يخرجه عن كونه ماء مطلقا؛ فيجوز التطهر به؛ لأنه ماء مطلق (٥). ٢ - أن هذا الماء تغير بالمجاورة، وهي أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه دون مخالطة، وهي متفق على أنها لا تؤثر على الماء (٦). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (٧)، والشافعية في قول (٨)، والحنابلة في وجه (٩)، فقالوا بأنه لا يتطهر بهذا الماء. ولم أجد لهم دليلًا إلا التعليل بالتغير، فما دام أنه تغير؛ فقد خرج عن أوصاف الماء المطلق، فلا يكون طهورًا. النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، ويظهر مما سبق شهرة الخلاف وكثرته، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 102

[١٥ - ١٥] ماء البحر طهور: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإن ماء البحر له طهور، وعليه حُكي إجماع العلماء. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "أرأيت رجلًا بال في البحر، أينجس بوله ماء البحر؟ فإن قال: لا، قيل: ماء البحر ماء دائم، وقيل له: أفتنجس المصانع الكبار؟ فإن قال: لا، قيل: فهي ماء دائم، وإن قال: نعم، دخله عليه ماء البحر، فإن قال: وماء البحر ينجس؛ فقد خالف قول العامة مع خلافه السنة" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء، أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرض عليه ولا التفت إليه" (٢). وقال: "فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، . . وهذا إجماع من علماء الأمصار الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى" (٣). الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبد اللَّه بن عمر" (٤). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا" (٥)، وهذا يعني أنه يرى أن خلافهم غير معتبر، حيث حكم عليه بالشذوذ. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (٦).

стр. 103

ويقول: "قد دلت هذه المسألة على أحكام، منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير أو غير ذلك. . . وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه، هو نار، وحكاه الماوردي (١) عن سعيد بن المسيب" (٢). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر، ولا خلاف في جواز التطهير به، وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه" (٥). الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر. . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (٦). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن أقوال الصحابة المخالفة: "ولا حجة في أقوال الصحابة، لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر، وابن عباس ﵃ (٨)، والحنفية (٩). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرط جواز التيمم بعدم الماء، والماء مطلق هنا، فما يطلق عليه ماء؛ يجوز التطهر به سواء كان عذبًا أو مالحًا، ومن خصص فعليه بالدليل،

стр. 104

ولا دليل مخصص، فبقي الحكم على الأصل المبيح، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١). • وجه الدلالة: حيث نص النبي ﷺ على طهورية ماء البحر، ولا عبرة بالاجتهاد بمقابل النص (٢). • الخلاف في المسألة: روي الخلاف في هذه المسألة عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة ﵃، وأبي العالية (٣)، وابن المسيب (٤)، ونسب الترمذي مسألة الباب إلى أكثر الفقهاء، ثم نقل القول المخالف ونسبه لبعض الصحابة (٥). وقد أشار ابن حزم لوجود خلاف في هذه المسألة (٦). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما (٧). وبعد طول بحث في هذه المسألة، لم أجد من قال بهذا القول غير هؤلاء الخمسة،

стр. 105

بل صرح ابن عبد البر بأنه لم يتابعهم أحد من علماء الأمصار (١)، مما يعني أن قولهم اندرس بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الصدر الأول بلا إشكال، ولكن هناك من قال بتحققه بعد ذلك كما سبق. وبهذا يكون قد تحقق الإجماع بعد الخلاف، وقد اختلف الأصوليون على قولين في هذه المسألة، والصحيح أنه إجماع ظني معتبر، تحرم مخالفته ويجب العمل به على من أخذ بهذا القول (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [١٦ - ١٦] ماء السماء طهور: الماء الذي ينعم اللَّه تعالى به على الناس فينزله من السماء، لا شك أنه طهور، يُتطهر وينتفع به، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على جواز الطهارة بماء السماء" (٣). الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر، . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى علل إنزال الماء من السماء للتطهير، وفي الآية

стр. 106

الأخرى وصف الماء الذي ينزله من السماء بأنه طهور، مما يدل على طهارة ماء السماء، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٧ - ١٧] جواز استعمال الماء الجاري في الطهارة: الماء الجاري هو ما يقابل الدائم والراكد، فإن استعماله في الوضوء جائز، وقد قيد ابن حزم المسألة بما لم تظهر في نجاسة، وهو قيد مهم. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "فأما الجاري؛ فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في قول (٤)، والحنابلة في قول (٥). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. ٢ - حديث أبي سعيد ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٦). • وجه الدلالة: أن الأصل في الماء أنه طهور ما لم يتغير، هذا ما يدل عليه النصان السابقان، والماء الجاري غير المتغير ينطبق عليه هذا الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﵊: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرق بين الماء الدائم والجاري، فمنع من البول في الماء الدائم لمن أراد الاغتسال، فدل بمفهوم الصفة على أن الجاري لا يتأثر (٨).

стр. 107

• الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذا الاتفاق؛ بأن الشافعي في الجديد (١)، وأحمد في قول له (٢) قالا: بأن الجاري كالراكد، في اعتبار القلتين؛ فينجس ما دون القلتين من الماء الجاري بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير (٣). واستدلوا بمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٤)، فإنه لم يفصل فيه بين الماء الجاري والراكد؛ فدل على أن حكمهما سواء ما لم يكن قلتين (٥). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، فيما إذا كان الماء الجاري أقل من قلتين، وأما ما زاد على ذلك؛ فلم أجد فيه خلافًا، والاتفاق فيه متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ١٨] الطهارة بغير الماء المطلق غير جائزة: إذا توضأ الإنسان من غير الماء المطلق، بأن توضأ بشيء يطلق عليه ماء بالإضافة، كماء الورد أو ماء الشجر أو ماء العصفر، فإن هذا الوضوء غير جائز. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء" (٦). ونقله عنه ابن قدامة (٧)، والنووي (٨)، وابن قاسم (٩). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (١٠). الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات،

стр. 108

أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (١). نقله النووي، وتعقبه بقول ابن أبي ليلى (٢)، وابن قاسم (٣). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة" (٤). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ومنها: أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة". . .، ثم قال: "فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم" (٥). الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث؛ أعني ما يطلق عليه ماء، والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص" (٦). ونقل عبارته ابن الهمام (٨٦١ هـ) بنصها دون إشارة (٧). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بماء الورد، لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٨). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١٠). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الوضوء بالماء، و (ماء) هنا مطلقه، فمن لم

стр. 109

يجد الماء المطلق فيصير للتيمم، ولم يقل: إنه يلجأ إلى غير الماء المطلق، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره (١)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل الخلاف في هذه المسألة كما سبق عن ابن أبي ليلى، والأصم، وقد عقَّب الإمام النووي على نقل الغزالي للإجماع؛ بأنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه (٢)، وعلى قول الأصم؛ بأنه لا يعتد بخلافه (٣). ونقد ابن تيمية نقل ابن حزم للإجماع في هذه المسألة؛ بحكاية قول ابن أبي ليلى والأصم (٤). ونقل المرداوي في "الإنصاف" قولًا عن ابن تيمية في هذه المسألة، وأنقله بنصه، حيث قال: "الطريق الثالث: أنه ينقسم -أي الماء- إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس. وهي طريقة الشيخ تقي الدين، فإن عنده أن كل ماء طاهر تحصل الطهارة به، وسواء كان مطلقًا أو مقيدًا، كماء الورد ونحوه. نقله في "الفروع" عنه في باب الحيض" (٥). وبعد مراجعة كلام ابن مفلح في الفروع، وجدت كلامه غير دال على ذلك، وهذا هو نص كلامه: "وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده؛ فلهذا عنده الماء قسمان: طاهر طهور، ونجس" (٦)، ثم عاد إلى الحديث عن مسائل الحيض. وهذا ليس فيه تصريح بما ذكره المرداوي ﵀. وبعد التأمل ومراجعة كلام ابن تيمية في المسألة، وجدت أنه قال بقول قريب من هذا في مسألة مشابهة، ولعله اشتبهت عليه المسألتان. فهو يقصد إذا اختلط بالماء شيء من المائعات كالدهن والكافور ونحو ذلك، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم تختلف عما نحن بصدده (٧)، أو اختلط بشيء من الطاهرات كالزعفران والأشنان والحمص وغير ذلك (٨).

стр. 110

فتلك اختلفوا فيها؛ لأنها قد يشملها اسم الماء المطلق على الخلاف بينهم، ولكن هذه لا يشملها، فلا يقول إنسان لماء ورد: هذا ماء، ويسكت، وكذا ما شابهه، واللَّه أعلم (١). ولكن بعد مزيد من البحث وجدت أن البعلي في "الإختيارات"، قد نقل هذا القول عنه، فقال: "وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والأصم، وابن شعبان" (٢). هذا ما نقله عنه، ولم أجد من يؤكد هذا الزعم. ونقل الإمام ابن القيم دعوى هذا الإجماع، ونقده بأنه ليس فيه إجماع، ونقل قول الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن في الخل، حيث قالوا: يجوز الوضوء بالخل (٣). وهناك مسألة أخرى، ولكنها قد تعتبر من نواقض هذا الإجماع المحكي، وهي: ما لو سال الماء من الثمر أو الشجر بدون عصر، فقد صرح بجواز الوضوء به صاحب "الهداية" المرغيناني الحنفي، وقد تفرد بذلك (٤). وخالف ابن حزم ﵀ في الماء الذي طُبخ فيه، كالفول والحمص والترمس واللوبيا ما دام يقع عليه اسم الماء، فيجوز الوضوء به (٥). وخالف الحنفية أيضًا، في ماء الزعفران والصابون والأشنان، ولكن بشرط عدم سلب اسم الماء عنه (٦). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ حيث نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وما نقل عن ابن تيمية، وكذلك قول ابن حزم، والمرغيناني، وكل ما سبق يبين وجود الخلاف في المسألة بما لا يدع مجالًا للشك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ١٩] الطهارة بالمائعات سوى الماء غير جائزة: إذا أراد المسلم الوضوء، ووجد مائعًا من المائعات، فإنه لا يجوز له الوضوء به،
следующие страницы →