← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وغلطه النووي، وحكى عدم الخلاف بين الشافعية في جواز استعمالها (١)، ولم يتابعه أحد من العلماء فيما توصلت إليه من أقوالهم، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما وجه الشافعية فقد سبق الكلام عليه بأنه غلط، وليس قولًا في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ٤١] تحريم استعمال الإناء المأخوذ بغير حق: استعمال المسلم للإناء المغصوب، أو المأخوذ بغير حق في وضوئه أو غسله محرم، وعلى ذلك نفى ابن حزم الخلاف في التحريم بين أهل الإسلام. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "فكان من توضأ بماء مغصوب؛ أو أُخذ بغير حق؛ أو اغتسل به؛ أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء، وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند نفي الخلاف: ١ - حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٧). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وعرضه، وماله" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل مال المسلم على أخيه المسلم حرام، إلا أن

стр. 142

يأخذه بحق، ومن ذلك التحريم؛ أخذه لإنائه بغير حق، فكان استعماله لهذا الإناء محرم بنهي النبي ﷺ (١). النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق؛ لعدم وجود المخالف فى المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٤٢] طهارة جلد ما يؤكل بالذكاة: إذا ذكي ما يؤكل لحمه، فإن جلده طاهر، يجوز استعماله والانتفاع به. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي؛ طاهر جائز استعماله، وبيعه" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) في سياق كلام له: "أن الأديم إنما يطلق على جلد الغنم خاصة، وذلك يطهر بالذكاة بالإجماع" (٣). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والذكاة علة مطهرة إجماعًا" (٤). البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث يقول: "وتحقيقه أن الجلد الطاهر ليس مما نحن فيه - أي: من الخلاف - بالاتفاق" (٥). ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث يقول: "فحل جلد المذكاة قبل الدباغ، وبعده، حيث كان من مأكول اللحم؛ متفق عليه" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الذكاة سببا فى الحل، والجلد جزء من البهيمة، فينتفع بها ما دام أنها مذكاة، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 143

[٨ - ٤٣] نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ: البهيمة إذا ماتت دون ذكاة، فإنها تعتبر ميتة، وهي نجسة، وجلدها مثل ذلك، وهو قبل الدبغ نجس، لا يجوز استعماله. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) معلقًا على قول الماتن: "وكل جلد ميتة، دبغ أو لم يدبغ؛ فهو نجس" حيث يقول: "لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه" (١). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دبغه" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم (٦). • مستند نفي الخلاف: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (٧)، فدل على نجاسة الميتة، وجلدها جزء منها. ٢ - حديث ابن عباس ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ وجد شاة ميتة أُعطيتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هلا انتفعتم بجلدها؟ ". قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها"، وفي لفظ: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" (٨). ٣ - حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ربط حل الانتفاع بالإهاب -وهو الجلد قبل الدبغ-

стр. 144

بالدبغ، أما قبل الدبغ؛ فما زال حكم الميتة منطبقًا عليه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: حُكي عن الزهري قول شاذ في هذه المسألة (١)، بعدم اشتراط الدباغ مطلقًا، بل يجوز استعمال الجلد في اليابس والرطب، دون دباغ، ولم يُذكر له دليل على ذلك، إلا أنه مبني على طهارة الميتة عنده واللَّه أعلم، وهو قول مخالف للأدلة الصريحة الدالة على نجاسة الميتة، والجلدُ منها، ولم يتابعه على ذلك أحد، فيما اطلعت عليه (٢). النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، إلا ما ذكر عن الزهري، وسبق التعليق عليه، واللَّه تعالى أعلم. [٩ - ٤٤] تحريم استعمال وسلخ جلد الإنسان: اللَّه تعالى كرَّم بني آدم، وجعلهم أفضل الخلق، ولذلك يحرم استعمال جلدهم وسلخه، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الدارمي (٤٤٨ هـ) حيث نقل عنه النووي (٣) قوله: "لا يختلف القول أن دباغ جلود بني آدم، واستعمالها حرام" (٤). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن جلد الإنسان، لا يحل سلخه ولا استعماله" (٥). ونقله عنه النووي (٦)، وابن نجيم (٧). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "اتفق أصحابنا على تحريمه -جلد الآدمي- وصرحوا بذلك في كتبهم، منهم إمام الحرمين، وخلائق" (٨). ويقول أيضًا: "وأما جلد الآدمي، والثوب المتخذ من شعره؛ فيحرم استعماله باللبس وبغيره بالاتفاق" (٩)، وعبارته وإن كانت في المذهب إلا أني ذكرتها للاعتضاد.

стр. 145

المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: "ويحرم استعمال جلد الآدمي إجماعًا" (١). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وأما الآدمي، فقد قال بعضهم: إن جلده لا يحتمل الدباغة حتى لو قبلها طهر؛ لأنه ليس بنجس العين، لكن لا يجوز الانتفاع به، ولا يجوز دبغه؛ احترامًا له، وعليه إجماع المسلمين كما نقله ابن حزم، وقال بعضهم: إن جلده لا يطهر بالدباغة أصلا؛ احترامًا له، فالقول بعدم طهارة جلده تعظيم له؛ حتى لا يتجرأ أحد على سلخه ودبغه واستعماله" (٢). عليش (١٢٩٩ هـ) حيث يقول: "وكذا جلد الآدمي إجماعًا -أي ويحرم- لشرفه، ووجوب دفنه، ولو كافرًا" (٣). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى كرم الإنسان وجعله من أفضل الخلق، ومن إكرامه أنه لا تجوز إهانته والعبث بجسده، وسلخ جلده واستعماله من إهانته التي حرمها اللَّه تعالى (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٠ - ٤٥] استحباب تغطية الإناء: إذا كان لدى الإنسان إناء فيه ماء أو لبن، فإنه يستحب له أن يغطيه، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الحكم الذي ذكره (٥)، وهو استحباب تغطية الإناء؛ متفق عليه، وسواء فيه إناء الماء، واللبن، وغيرهما" (٦). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 146

والحنابلة (١). • مستند الاتفاق: حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أَوْك سقاءك (٢)، واذكر اسم اللَّه، وخمِّر إناءك، واذكر اسم اللَّه، ولو أن تعرض عليه شيئًا" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بتغطية الإناء، والأمر على أقل الأحوال للاستحباب، واللَّه تعالى أعلم (٤). النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة (٥)، واللَّه تعالى أعلم. [١١ - ٤٦] عدم جواز الطهارة في جلد الخنزير: إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإنه لا يجوز له أن يتوضأ في إناء نجس، مصنوع من جلد الخنزير، وعلى هذا حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في سياق استدلاله على عدم طهارة جلود السباع بعد الدبغ: "ولا أعلم خلافا؛ أنه لا يتوضأ في جلد الخنزير، وإن دبغ، فلما كان الخنزير حرامًا، لا يحل أكله، وإن ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها، وإن ذكيت؛ كان حرامًا أن ينتفع بجلودها، وإن دبغت، وأن يتوضأ فيها؛ قياسًا على ما أجمعوا عليه من الخنزير، إذ كانت العلة واحدة" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية عدا أبا يوسف (٧)، وقول

стр. 147

عند المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. ٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم أكل الخنزير لما فيه من النجاسة، وما يجلبه من الأمراض، وهذا يشمل جلده لأنه جزء منه. وفي الآية الثانية: وصف اللَّه تعالى الميتة، والدم المسفوح، والخنزير بأنها رجس، والرجس هو النجس (٤)، وما دام أن الخنزير نجس؛ فجلده تبع له. • الخلاف في المسألة: خالف داود (٥)، وابن حزم (٦)، وأبو يوسف (٧)، والمالكية في قول عندهم (٨)، في هذه المسألة، حيث يقولون بطهارة جلد الخنزير إذا دبغ، ولا يفرقون بين ما يؤكل، وما لا يؤكل، ولا غير ذلك، فكل إهاب دبغ فقد طهر عندهم بلا استثناء. واستدلوا: بعموم حديث ابن عباس ﵄، قال: قال ﵊: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٩)، ولم يستثن من هذا العموم شيئا (١٠). وهناك قول محكي عن الزهري، أنه يقول: بجواز الانتفاع بالجلود دون دبغ (١١)، وهو قول شاذ لا دليل له. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة (١٢).

стр. 148

[١٢ - ٤٧] طهارة مأكول اللحم: كل ما يؤكل لحمه من الحيوانات فهو طاهر في ذاته، وقد نفى ابن حزم وجود الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وكل ما يؤكل لحمه؛ فلا خلاف في أنه طاهر" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند نفي الخلاف: قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. • وجه الدلالة: حيث إن كل مأكولِ اللحم حلالٍ هو طيب، فقد أحله اللَّه تعالى، والطيب لا يكون نجسا، بل هو طاهر (٦). النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والمسألة تعتبر من البدهيات، بل من الضروريات، فلو لم يكن المأكول طاهرًا فكيف سيتم حفظ النفس، التي لا تستطيع العيش إلا به (٧)، واللَّه تعالى أعلم. [١٣ - ٤٨] طهارة الخيل: كان ﵊ يركب الخيل، وكذلك صحابته رضوان اللَّه تعالى عليهم، وهي طاهرة باتفاق الأئمة، كما نقله ابن تيمية. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "أما مقاود الخيل ورباطها؛ فطاهر باتفاق الأئمة؛ لأن الخيل طاهرة بالاتفاق" (٨).

стр. 149

• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح ركوب الخيل لنا، ومن لوازم الانتفاع؛ أننا سنتأثر بها، ولم يذكر اللَّه تعالى ولا رسوله ﵊ أننا نتوضأ بعدها، أو أنها نجسة، مع اقتضاء الحاجة له، مما يدل على عدمه. ٢ - أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وسائر المسلمين بعدهم، يركبون الخيل والبغال والحمير في الجهادِ، والحجِ، وسائرِ الأسفار، ولا يكاد ينفك الراكب -في مثل ذلك- عن أن يصيبه شيء من عرقها، أو لعابها، وكانوا يصلون في ثيابهم التي ركبوا فيها، ولم يعدوا ثوبين؛ ثوبًا للركوب وثوبًا للصلاة، مما يؤكد أنهم لم يكونوا يتحرزون منها، مما يعني طهارتها (٦). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٤ - ٤٩] طهارة مقاود الخيل: المقاود: جمع مِقْود بالكسر، الرباط الذي تقاد به الخيل (٧)، ومن المعلوم أن المقود والرباط الذي يكون في الخيل، لا بد أن يتأثر بشيء من لعاب الخيل، أو عرقها، ولكن حكى ابن تيمية الاتفاق على طهارة مقاود الخيل ورباطها. • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "أما مقاود الخيل ورباطها؛

стр. 150

فطاهر باتفاق الأئمة؛ لأن الخيل طاهرة بالاتفاق" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الاتفاق: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح ركوب الخيل، وهو لا يكون غالبا إلا برباط ومقود، ولو كانت ليست طاهرة لنبَّه اللَّه تعالى أو رسوله ﵊، وما دام لم يبيّن فالأصل طهارته، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥ - ٥٠] طهارة الكبد والطحال: الكبد والطحال للحيوان المأكول طاهرة، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "فالدم هنا -يريد آية البقرة- يراد به المسفوح؛ لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وإنما قاس على الكبد والطحال؛ لأنهما طاهران بالإجماع" (٧). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: "ومنها -في سياق ذكره للدماء الطاهرة- الكبد

стр. 151

والطحال، وهما وإن، ولا خلاف في طهارتهما" (١)، وهي عبارة مذهبية ذكرتها للاعتضاد. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال" (٣). • وجه الدلالة: ظاهرةٌ من الحديث، فما دام أنهما أحلَّا لنا، فالله تعالى يحل الطيبات، ويحرم الخبائث؛ فهي طيبة طاهرة إذًا، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥ - ٥١] طهارة المسك: المسك ريح طيب يحبه الناس، وهو طاهر بإجماع المسلمين، كما حكاه عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الباجي (٤٧٤ هـ) -في سياق حديثه عن طهارة المسك-: "وقد أجمع المسلمون على طهارته" (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "المسك طاهر بالإجماع" (٥). ونقله عنه ابن حجر (٦)، وابن عابدين (٧)، وابن قاسم (٨). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك، إلا ما حكي عن عمر من كراهته" (٩).

стр. 152

الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول عن المسك: "وحكي الإجماع على طهارته" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أطيب الطيب المسك" (٥). • وجه الدلالة: ظاهر من الحديث، فقد وصف المسك بالطيّب، وهو لا يكون إلا لطاهر. ٢ - حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، أنها قالت: "كأني أنظر إلى وَبِيص (٦) الطيب، في مفرق رسول اللَّه ﷺ وهو محرم" (٧)، وفي لفظ: "المسك" (٨). • وجه الدلالة: السنة الفعلية من النبي ﷺ ، مما يدل على طهارته، فقد استعمله، وهو في وقت عبادة، مما يدل على طهارته، وإلا لاجتنبه ﵊. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الضحاك، فقال: إنه دم وميتة، فهو نجس عنده (٩). ونقل عن عمر ﵁، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وعطاء (١٠)، والحسن (١١)، كراهتهم له. ولكن قال ابن المنذر: "لا أحسبه يصح" (١٢)، يريد عن عمر، وقال عن مخالفة

стр. 153

غيره: "ولا نعلم تصح كراهية ذلك إلا عن عطاء" (١). وقد أشار ابن حجر للخلاف في المسألة، ولم ينسبه لأحد في موضع (٢)، وأشار إليه في موضع آخر، وقال: "هو منقول عن الحسن، وعطاء، وغيرهما"، ثم قال بعد ذلك: "ثم انقرض هذا الخلاف، واستقر الإجماع على طهارة المسك، وجواز بيعه" (٣). وفي موضع ثالث؛ حكى الإجماع فيه كما سبق، ثم نقل حكاية كراهته عن عمر (٤). وقد حكى ابن عابدين قولا بعدم طهارته، معللا له بأن المسك من دابة حية، ولكنه لم يذكر صاحب القول، وعلق عليه بقوله: "وهذا القول لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه" (٥). ونقل الحطاب عن المازري، أنه حكى عن طائفةٍ قولا بنجاسته، ولم يعلق عليه (٦)، مع أنه نقل حكاية الإجماع على طهارته (٧). ولم أجد خلافًا لدى الحنابلة في المسألة، ولكن أشكل عليَّ أن المرداوي نقل عن ابن مفلح، ما يوحي بوجود احتمال للحنابلة في المسألة. فبعد أن ذكر طهارة المسك، ولم يشر لخلاف فيه، وأشار بعدها إلى الخلاف في فأرته، قال: "قال في "الفروع": ويحتمل نجاسة المسك؛ لأنه جزء من حيوان، لكنه ينفصل بطبعه" (٨). ولكن عندما راجعت الفروع، وجدت عبارته كالآتي: "فصل، ودود القز، والمسك، وفأرته طاهر. وقال الأزجي: فأرته طاهرة، ويحتمل نجاستها؛ لأنه جزء من حيوان حي، لكنه ينفصل بطبعه؛ كالجنين" (٩). والكلام هنا يحتمل أمرين: الأول: أن قوله: "يحتمل نجاستها" راجع إلى الفأرة، حيث لم يشر للمسك،

стр. 154

وتحدث بصيغة التأنيث، والمسك مذكّر، وهذا هو الأظهر، وهو الذي يتوافق مع سائر كلام الحنابلة (١)، ولكن يشكل عليه الآتي. الثاني: أن قولَه راجعٌ إلى المسك، كما نقل المرداوي، ويدل له أنه قال: "لأنه جزء"، ولم يقل: "لأنها"، والمرداوي إمام في المذهب ويبعد أن يفوت عليه مثل هذا. ولكن الأظهر أن المرداوي وهم في ذلك، لأن هذا الاحتمال لم يذكره غيره، ولم يُذكر له قائل، واللَّه تعالى أعلم. هذا ويمكن أن يستدل لهذا القول: بأن أصله دم، والدم نجس، وهو جزء منفصل من حيوان حي؛ فهو كالميتة. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، فمما سبق؛ يتبين أن الخلاف في المسألة موجود، وإن كان خلافًا ضعيفًا؛ فالإجماع لا يتحقق مع وجود المخالف، أما ما ذكره ابن حجر من أن الخلاف انقرض، وأن الإجماع استقر بعده؛ فالجواب عليه من وجهين: الأول: أن هذه مسألة أصولية مشهورة، وهي: ما إذا اختلف علماء عصر متقدم، في مسألة ما، ثم اتفق علماء عصر متأخر، في نفس المسألة؛ فهل يعتبر اتفاقهم إجماعًا شرعيًّا أو لا؟ اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين؛ بالاعتبار، وعدمه (٢). ويكفي أنها مسألة خلافية، فمن العلماء من لا ينظر إلى المسألة من الأصل، ولا يعتبره إجماعًا، فلا يعتد بإجماع كهذا، ما دام أنه يوجد من لا يعتبره، ولكن يمكن أن يكون حجة أو دليلًا لمن يرى ذلك. الثاني: من خلال ما سبق عرضه، فيما ورد من خلافٍ في المسألة؛ يتبين أن الخلاف انتشر، والقائلون به ليسوا قلةً، وهذا يكفي في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 155

[١٦ - ٥٢] جواز البول في الآنية: إذا أراد المسلم أن ينام، وأعد له آنية للبول فيها، فإن ذلك جائز، وقد نفى الشوكاني علمه بالخلاف في هذه المسألة. • من نقل نفي الخلاف: الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث (١) يدل على جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا" (٢). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لعبارة البهوتي: "ويكره أيضًا بوله في إناء بلا حاجة"، قال: "لا خلاف في جوازه" (٣). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية على الأظهر، فلم يذكروا هذا في الحديث عن المكروهات عند التبول (٤)، والمالكية على الأظهر، حيث لم يذكوا المسألة، إلا أنهم ذكروا كراهة ذلك في الأواني النفيسة، وسكتوا على ذلك (٥)، مما قد يدل على عدم كراهة ذلك في الأواني العادية، وصرح الشافعية بالجواز (٦)، والحنابلة في قولٍ لهم (٧)، ولم يذكر ابنُ قدامة غيرَه بقوله: "لا بأس"، ولم يشر إلى اختلاف الأصحاب (٨). • مستند نفي الخلاف: حديث أميمة بنت رقيقة عن أمها ﵂، قالت: "كان للنبي ﷺ قدح من عيدان (٩)، تحت سريره، يبول فيه بالليل" (١٠).

стр. 156

• وجه الدلالة: حيث فيه فعل النبي ﷺ ، وفيه دلالة على الجواز (١)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في الصحيح من مذهبهم، فقالوا بكراهة البول في الإناء من غير حاجة (٢). ولم أجد لهم دليلًا، ولكن ربما خوفًا من انتشار البول على صاحبه، ككراهة البول في الأرض الصلبة، أو لتنجيس الإناء بعده، واللَّه تعالى أعلم. ولكن القول بالكراهة لا ينافي الجواز، فلا يعتبر ناقضًا، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 157

الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء [١ - ٥٣] استحباب قول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عند دخول الخلاء: الخُبُث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، وهم ذكران الجن وإناثهم (١). وإذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يقول ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول شارحًا لحديث أنس الآتي في المستند: "وقوله: (إذا دخل الخلاء) أي: إذا أراد دخوله، وكذا جاء مصرحًا به في رواية للبخاري، وهذا الذكر مجمع على استحبابه، وسواء فيه البناء والصحراء" (٢). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن هذا الذكر: "وهذا الذكر مجمع على استحبابه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٧). • وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألة الباب بالمطابقة، ففيه قول النبي ﷺ لها، وهي سنة فعلية (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 158

[٢ - ٥٤] كراهة الكلام عند التخلي: إذا كان الرجل في الخلاء، فإنه يكره له الكلام أثناءه، حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف، من كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه" (١). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "والحديث (٢) دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل فيه التحريم، وتعليله بمقت اللَّه عليه، أي: شدة بغضه لفاعل ذلك؛ زيادة في بيان التحريم، ولكنه ادعى في "البحر" (٣): أنه لا يحرم إجماعًا، وأن النهي للكراهة، فإن صح الإجماع، وإلا فإن الأصل هو التحريم" (٤). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة، الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، فإن صلح الإجماع؛ صلح للصرف، عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة" (٥). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: "أن رجلا مر ورسول اللَّه ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه" (٩). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يخرج

стр. 159

الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن اللَّه يمقت على ذلك" (١). • وجه الدلالة: في الحديث الأول: سلم الرجل على النبي ﷺ ، فلم يرد عليه، ولم يتحدث معه، مما يدل على الكراهه للكلام وقت التخلي، والكراهة مأخوذة من مجرد الفعل، إذ هي غاية ما يدل عليه الفعل. أما الحديث الثاني: فقد ذكر ﵊ أن من يتخلى، ويتحدث، ممقوت عند اللَّه تعالى، وهذا يدل على التحريم، لا الكراهة فحسب. ولكن يجاب عن ذلك بأن الحديث قيَّد المقت بأمرين إذا هما اجتمعا، وهما: كشف العورة لبعضهما، والتحدث لبعض. فإذا الفعل بعض موجبات المقت فهو مكروه (٢)، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ٥٥] مشروعية الاستنجاء بالماء: إذا تخلى المسلم، فإنه يسن له أن يستنجي بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "قال اللَّه تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] فجاء النص والإجماع بأنه غسل الفرج والدبر بالماء" (٣). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول معددًا سنن الوضوء، وذكر منها: "والاستنجاء بالماء، وهو كان أدبًا في عصر النبي ﷺ وصار سنة بعد عصره بإجماع الصحابة كالتراويح" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٥)، . . . . . . .

стр. 160

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: حديث أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (٣). • وجه الدلالة: أن أنسًا ذكر من فعل النبي ﷺ أنه كان يستنجي بالماء، وهذا يكفي في إثبات المشروعية. • الخلاف في المسألة: نُقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي ﷺ استنجى بالماء. نقله الحطاب المالكي في "المواهب"، وقال: "قلت: وهذان النقلان غريبان، والمنقول عن ابن حبيب، أنه منع الاستجمار مع وجود الماء، بل لا أعرفهما في المذهب" (٤). وقوى كونهما يقصدان الماء العذب (٥). وهذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء (٦). واستدلوا بكون هذا الفعل، غير موجود في عهد النبي ﷺ ، إلا أنهم محجوجون بالأحاديث الصريحة الصحيحة في ذلك. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف من الصحابة والتابعين في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤ - ٥٦] جواز الاستجمار بالأحجار: إذا دخل الإنسان الخلاء، وتغوط، فإنه يشرع له أن يستجمر بالحجارة، وهذا على وجه العموم، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء

стр. 161

بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أيضًا على أن الحجارة تزيلها - النجاسة - من المخرجين" (٣). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥). الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع" (٦). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "قال في "البحر" (٧): والاستجمار مشروع إجماعًا" (٨). ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث يقول: "ولنا أن القليل عفو إجماعًا؛ إذ الاستنجاء بالحجر كاف بالإجماع" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: "أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار" (١١).

стр. 162

• وجه الدلالة: أن النبي ﵊ أمره بأن يأتيه بثلاثة أحجار، وهذا تشريع منه ﵊، فدل على أن هذا العمل مشروع. ٢ - حديث سلمان ﵁، قال: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (١). • وجه الدلالة: ظاهر من أمره ﵊ بعدم الاكتفاء بدون ثلاثة أحجار، مما يدل على المشروعية وزيادة. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥ - ٥٧] مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء: إذا أراد الإنسان تطهير المحل، فإنه يشرع له أن يستجمر، ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حكى الكاساني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) بعد ذكره فعل الصحابة، أنهم أصبحوا يتبعون الحجارة الماء حيث يقول: "ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة، كالتراويح" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. • وجه الدلالة: أنه لما نزلت هذه الآية في أهل قباء، سألهم رسول اللَّه ﷺ عن شأنهم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء (٦)، فقد ذكروا أن فعلهم الذي أثنى اللَّه تعالى عليهم به هو الجمع بين الاستجمار والاستنجاء (٧).

стр. 163

٢ - أن الحجر يزيل عين النجاسة؛ فلا تصيبها يده، ثم يأتي بالماء فيطهر المحل، فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن (١). • الخلاف في المسألة: يأتي هنا الخلاف السابق في مسألة مشروعية الاستنجاء بالماء، ومن خالف هناك يخالف هنا بالتبع. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف المعتبر، وعلى هذا، لا يتحقق إجماع في هذه المسألة، حيث يوجد من قال بعدم شرعية الاستنجاء بالماء أصلًا، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ٥٨] الاستجمار بغير الحجارة: إذا أراد المسلم الاستجمار، فإن استعماله للطاهر المنقي جائز، ما لم يكن طعامًا. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الاستنجاء بالحجارة، وبكل طاهر، ما لم يكن طعامًا، أو رجيعًا، أو نجسًا، أو جلدًا، أو عظمًا، أو فحمًا، أو حُمَمَة جائز" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية في قول (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة على المذهب (٦). • مستند الاتفاق: ١ - حديث سلمان ﵁، قال: "لقد نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم" (٧). ٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: "نهى النبي ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد خص في هذين الحديثين هذه الأشياء؛ فيدل بمفهوم المخالفة أن ما عدا المستثنى في النصوص غير داخل في الحكم معها، بل

стр. 164

يجوز الاستجمار بها. ٣ - أن العبرة بتنقية المحل، وأن لا يكون المنقي شيئا محترمًا، ولا نجسًا، فإذا لم يكن هذا، ولا ذاك، وكان منقيًا للمحل؛ فلا مانع من استِخدامه. • الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذه الدعوى بأن الخلاف في المسألة معروف، وأن هناك روايتين معروفتين عن أحمد (١)، إحداهما بأن الاستجمار بغير الحجارة لا يجزئ (٢). ولم أجد لهم دليلًا، وقد يستدل لهذا القول بأن الوارد في النصوص، إنما هو مقتصر على ذكر الحجارة فقط؛ فيقتصر عليه. وقد وجدته قولًا للمالكية أيضًا، ونقله الحطاب عن داود، وأصبغ (٣). وقد عللوا ذلك: بأن الاستنجاء بالأحجار رخصة؛ فيجب الاقتصار عليها (٤). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٥٩] جواز الاستجمار مع وجود الماء: إذا أراد الإنسان تنقية المحل، فإنه يجوز له أن يستجمر مع وجود الماء، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: "اتفاق الجميع على جواز صلاة المستنجي بالأحجار مع وجود الماء، وعدم الضرورة، في العدول عنه إلى الأحجار" (٥). الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول: "وجميع الفقهاء على أن الاستجمار يجزي مع وجود الماء، وقال ابن حبيب: ليس الاستجمار يجزي؛ إلا مع عدم الماء، ولعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وإلا فهو خلاف الإجماع، فيما علمناه" (٦). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء

стр. 165

بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة" (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة ﵃" (٢). الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "لأن الطهارة من الأنجاس بالماء، شرط جواز الصلاة، فلا بد منها، إلا أنه اكتفى بغير الماء في موضع الاستنجاء؛ للضرورة؛ أو الإجماع" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٤). • مستند الإجماع: حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﵊ قال: "تجزئ عنه"، ولم يفصل بوجود الماء، أو مع عدمه، وترك التفصيل في المقال، ينزل منزلة العموم في المقال، كما يقول الأصوليون، فيكون دليلًا على إجزاء الاستجمار، مع وجود الماء. • الخلاف في المسألة: نقل الخلاف في هذه المسألة، عن بعض المالكية منهم ابن حبيب، أنهم يقولون بأنه لا يجوز الاستجمار؛ إلا مع عدم الماء (٦). ولكن بعد طول بحث، لم أجده ذكر عن غير ابن حبيب، بل لم ينص أحد من المالكية في هذا القول بأنه قول البعض، بل ينسبونه إلى ابن حبيب فقط، هذا فيما اطلعت عليه، ورأيته عند غيرهم ينسب إلى بعض المالكية (٧)، بل حاول الباجي تأويل قوله؛ بأنه لعله أراد بذلك وجه الاستحباب، وجعله خلاف الإجماع (٨).

стр. 166

النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، إلا أن يعلم مخالفون غير ابن حبيب، أما خلاف ابن حبيب، فقد أوله البعض، ولم يتابعه عليه أحد، واللَّه تعالى أعلم. [٨ - ٦٠] الاستنجاء بالماء أطيب: إذا تخلى الإنسان، فإن الأفضل له أن يستنجي بالماء، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "وعليه العمل عند أهل العلم؛ يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأيُّ الأمرين كان، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الثوري، وابن المبارك؛ وإسحاق (٣)، والحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث أنس ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يستنجي بالماء مع وجود الأحجار وتوفرها، فدل على أنه أطيب. ٢ - أن الاستنجاء بالماء يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف والإنقاء (٨). • الخلاف في المسألة: سبق نقل قول لمالك وابن حبيب أنهما أنكرا كون النبي ﷺ استنجى بالماء.

стр. 167

وسبقت مناقشة ذلك (١). وأن هذا القول محكي عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والحسن (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٩ - ٦١] جواز الاستجمار في السفر والحضر: إذا أراد المتخلي الاستجمار، فإنه يباح له ذلك في الحضر والسفر، وعليه حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب، وأن الأحجار رخصة وتوسعة، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: أن جميع النصوص الواردة (٧) في الاستجمار عامة، ولم تقيد السفر دون الحضر، فتبقى على عمومها حتى يأتي مخصص، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٠ - ٦٢] عدم وجوب الاستنجاء من النوم: إذا استيقظ المسلم من نومه، وأراد الوضوء، فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب

стр. 168

الاستنجاء من النوم والريح (١). نقله عنه البجيرمي (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول -بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (٣). ونقله ابن قاسم (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (٥). المتولي (٤٧٨ هـ) حيث نقل عنه الشربيني (٦) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح". ونقله عنه أيضًا الرملي (٧)، والجمل (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩)، والمالكية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فأمر بالوضوء مباشرة، ولم يأمر بالاستنجاء، فدل على أنه لا يجب في كل الحالات، فإذا لم يكن موجب له فلا يجب، كما في مسألتنا. ٢ - أن الوجوب من الشرع، ولم يرد بالاستنجاء هنا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ها هنا (١١). • الخلاف في المسألة: قال النووي حيث يقول: "وحُكي عن قوم من الشيعة أنه يجب، والشيعة لا يعتد بخلافهم" (١٢).

стр. 169

وهو قولٌ عند الحنابلة (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١١ - ٦٣] عدم وجوب الاستنجاء من الريح: إذا خرج من المسلم ريحٌ، وأراد الوضوء، فإن الاستنجاء لا يجب عليه، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حكايته الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح (٢). نقله عنه البجيرمي (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول -بعد مسألة للخرقي هي: وليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء-: "لا نعلم في هذا خلافًا" (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر" (٥). المتولي (٤٧٨ هـ) حيث نقل عنه الشربيني (٦) حكايته الإجماع في هذه المسألة، فقال: "نقل المتولي وغيره الإجماع، على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح". ونقله عنه أيضًا الرملي (٧)، والجمل (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩)، والمالكية (١٠). • مستند الإجماع: يستند في هذه المسألة بما استند عليه في المسألة السابقة. • الخلاف في المسألة: الخلاف المذكور في النوم يندرج هنا، وما قيل هناك يقال في

стр. 170

مسألتنا (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٢ - ٦٤] الحجر ذو الثلاثة أحرف يجزئ في الاستجمار: إذا استجمر المتخلِّي بحجر له ثلاثة أحرف، فإن ذلك جائز له، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الفرغاني (٥٩٣ هـ) حيث يقول: "فإنه لو استنجى بحجر، له ثلاثة أحرف؛ جاز بالإجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور (٣)، والشافعية على الصحيح (٤)، والحنابلة في المشهور (٥). • مستند الإجماع: حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالاستطابة بثلاثة أحجار، والمقصود هنا عدد المسحات، وليس عدد الممسوح به، ولا فرق بين أن يمسح بثلاثة أحجار، أو أن يمسح بحجر كبير، له ثلاثة أحرف (٧). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (٨)، والشافعية في وجه شاذ (٩)، ونقل عن أبي إسحاق إبراهيم بن جابر (١٠)، والحنابلة في رواية (١١).

стр. 171

واستدلوا (١) بقوله ﵇: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٣ - ٦٥] الاستنجاء بماء زمزم مجزئ: إذا استنجى المتخلي بماء زمزم، فإن ذلك يجزئه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: "ثم لو استنجى به -ماء زمزم- مع حرمته أجزأه إجماعًا" (٣). ونقله النووي (٤)، وزكريا الأنصاري (٥). البجيرمي (١٢٢١ هـ) حيث يقول: "ولو من ماء زمزم، ويجزئ إجماعا" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي ذر ﵁، قال: قال النبي ﷺ في ماء زمزم أنها "طعام طعم" (١٠). ٢ - حديث جابر ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "ماء زمزم لما شُرب له" (١١). • وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث وغيرها، تدل على بركة هذا الماء، وينبغي أن يشرف ويكرم عن استخدامه في الرذائل. ولكن إذا استخدم في الاستنجاء، لا يعني هذا أنه لا يجزئ، فهو ماء. وقد قال ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].

стр. 172

فالأصل في الماء أنه طهور، مطهر لغيره، وأحق ما يكون ذلك في ماء زمزم. • الخلاف في المسألة: هناك مسألة خلافية، وهي حكم إزالة النجاسة بماء زمزم، اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، بين الإباحة والكراهة والتحريم (١). ولكن هذه ليست مسألتنا، حيث تتحدث عن الإجزاء وعدمه. وهنا إشكال! وهو: أن من قال بالتحريم، أليس معنى ذلك؛ أنه غير مجزئ؟ هذا محل نظر (٢)، ولكن بعد البحث، وجدت أن ممن قال بالحرمة؛ نص على الإجزاء، فليس بلازم هذا الإلزام (٣). وبعد التأمل والبحث مزيدًا، وجدت أن ممن قال بالتحريم - وهو ابن شعبان من المالكية - نُقل عنه تعليله لهذا القول بأنه مطعوم (٤)، والمطعوم لا يجزئ الاستنجاء به، في قولٍ للعلماء (٥)، وبالتالي فهو غير مجزئ. ولكن أنكر الحطاب كونه علل بهذا التعليل، ونقل عنه نقلًا، يفيد أنه يعلل بتكريم هذا الماء المبارك فقط (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم التأكد من وجود المخالف المعتبر، حيث من خلال ما سبق لم يثبت مخالفة أحد من العلماء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٤ - ٦٦] تحريم استقبال القبلة بالتخلي واستدبارها: إذا أراد المسلم التخلي، فإنه يحرم عليه أن يستقبل القبلة بغائط أو بول، ولا يستدبرها (٧). • من نقل الإجماع: ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ويحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة"، قال: "إجماعًا" (٨).

стр. 173

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع مجاهد، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز (١)، والحنفية في الاستقبال، وفي الاستدبار على رواية (٢) (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" (٦). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى في الحديثين عن استقبال القبلة واستدبارها بقضاء الحاجة، وهذا يدل على التحريم (٨)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة عائشة (٩)، وابن عمر فيما رُوي عنهما، وعروة بن الزبير، وداود بن علي (١٠)، وربيعة (١١)، فقالوا: يجوز استقبال القبلة واستدبارها. وهي رواية عن أحمد (١٢). واستدلوا (١٣) بحديث ابن عمر، وفيه: "رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللَّه ﷺ قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة" (١٤). وخالف الحنفية في رواية (١٥)، بأنه يجوز الاستدبار دون الاستقبال.

стр. 174

واستدلوا (١) بحديث ابن عمر السابق (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٥ - ٦٧] عدم تحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي: إذا أراد المسلم أن يتخلى، فإن استقباله لبيت المقدس بالتخلى ليس حرامًا، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث نقل عنه الشوكاني (٣) حكايته الإجماع في هذه المسألة (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول -في معرض حديثه عن حديث النهي عن استقبال بيت المقدس بالتخلي (٥) -: "فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه -أي: النهي-؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم من يعتد به حرّمه" (٦). ونقله عنه الرملي (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] • وجه الدلالة: حيث نسخ في هذه الآية كون بيت المقدس قبلة للمسلمين، ولهذا لا يكره استقباله بالتخلي؛ لكونه ليس قبلة (١١). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة عدد من أهل العلم، وقالوا: بتحريم استقبال بيت المقدس بالتخلي، منهم إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والزهري (١٢)، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة (١٣).

стр. 175

واستدلوا بحديث معقل بن أبي معقل الأسدي ﵁، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط" (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٦ - ٦٨] جواز التخلي فيما عدا المسجد: قضاء الحاجة في المسجد لا يجوز، ولا إشكال في ذلك، وأما ما عدا ذلك من المواطن؛ فالأصل فيها أنه يجوز، ولكن بدون الإخلال بالضوابط الأخرى. فمثلا؛ لا يجوز أن يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم، أو أماكن جلوسهم، أو في الماء الراكد، وسبق الحديث عنه في مسألة سابقة، وهكذا مما يؤذي الناس ويضر بهم. أما ما عدا ذلك فإنه يجوز التخلي فيه. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وإلا فقد جاء النص والإجماع، بأن البول والغائط جائز، فيما عدا المسجد" (٢). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على هذه المسألة، وذلك لأنها أمر بدهي، ولكن هم يشيرون لها عندما يتحدثون عن الأماكن التي يكره التخلي فيها، فمعناه أن غيرها يجوز التخلي فيها. وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال لي النبي ﷺ : "خذ الإداوة"، فأخذتها فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته (٧).

стр. 176

• وجه الدلالة: في هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشابهة، يذكر الصحابة ﵃ فعل النبي ﷺ في قضاء حاجته، ولم يذكروا عنه ﵊ أنه كان يفرق بين مكان وآخر في الحكم، سوى الأماكن المقدسة، أو التي يكون في التخلي فيها ضرر على الناس؛ فدل ذلك على أن التخلي في أي مكان يجوز، بالضوابط والآداب المعروفة. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (١). • وجه الدلالة: إن الحديث استثنى بعض الأماكن، التي يردها الناس وينتفعون بها، فدل ذلك بمفهومه على إباحة ما دون ذلك. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٧ - ٦٩] النهي عن الاستنجاء باليمين: الاستنجاء باليمين منهي عنه في النصوص الصريحة، وقد نقل الإجماعَ فيه بعضُ العلماء، والمقصود الإجماع على أنه منهي عنه، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ كرهوا الاستنجاء باليمين" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب، لا نهي تحريم" (٣). ونقله عنه الشوكاني (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 177

والحنابلة (١)، وابن حزم (٢). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (٣). ٢ - حديث سلمان الفارسي ﵁، قال: "نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نستنجي باليمين" (٤). • وجه الدلالة: الحديث صريح بدلالة المطابقة على مسألة الباب. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ٧٠] تحريم مباشرة الاستنجاء باليد وعدم إجزائه: إذا أراد المتخلي تنظيف المحل، فإنه يحرم عليه أن يباشره بيده مباشرة، ولا يجزئه ذلك لو فعله. • من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ومحل الاختلاف -أي: الاختلاف في النهي الوارد للكراهة أو للتنزيه- حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة؛ فحرامٌ، غير مجزئ، بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى" (٥). ونقل الصنعاني كلام ابن حجر السابق، ولكن بلفظ آخر، فقال حيث يقول: "أما لو باشر بيده فإنه حرام إجماعًا" (٦). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على المسألة بصراحة غير الحنابلة، وابن حزم، أما غيرهم، فيستنبط من كلامهم الموافقة بلا ريب. وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩)، وابن حزم (١٠).

стр. 178

• مستند الإجماع: ١ - حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى أحدكم الخلاء؛ فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (١). • وجه الدلالة: أن النهي في الحديث السابق متوجه إلى الاستنجاء باليمين، وذلك مفهوم من عرف الناس؛ أنهم لا يستنجون باليد، دون ماء أو حجر، فإذا كان من دونهما؛ فمن باب أولى. ٢ - أن في الاستنجاء باليد مباشرة انتقال للنجاسة، من مكان لآخر، من دون أن يطهر أحدهما الآخر، فلا فائدة إذًا من هذا الاستنجاء. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ٧١] كراهة التخلي في مساقط الثمار: إذا أراد الإنسان التخلي، فإنه يكره له أن يتخلى في مساقط الثمار، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) شارحًا لقول الماتن: "ويكره أن يبول في مساقط الثمار"، حيث يقول: "هذا الذي ذكره متفق عليه، ولا فرق بين الشجر المباح والذي يملكه، ولا بين وقت الثمر وغير وقته؛ لأن الموضع يصير نجسًا، فمتى وقع الثمر تنجس، وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا، وتنبيها للأدنى على الأعلى" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (٦).

стр. 179

٢ - حديث معاذ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" (١). • وجه الدلالة: حيث ورد اللعن في الحديث على فاعل ذلك، وسواء كان اللعن من باب الإخبار عن حال الناس، أو لعن من النبي ﷺ ؛ فهو يكفي في كون هذا الفعل منهيًا عنه. • الخلاف في المسألة: الحديث فيه ما يدل على التحريم، حيث فيه ذكر اللعن، وهو لا يكون إلا على الكبائر المحرمات (٢). وهو قول عند الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). ولكن هذا الرأي لا يخالف مسألتنا، فالكراهة نوعان: تنزيهية، وتحريمية، وكلاهما من قبيل المنهيات. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فليس ناقضًا للمسألة؛ لأن التحريم كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠ - ٧٢] استحباب البول في موضع لين: إذا أراد الإنسان البول، فإنه يستحب له أن يختار مكانا ليِّنًا، لكي لا يرتد إليه البول. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويرتاد موضعًا للبول، فإن كانت الأرض الأصلية دقها بعود أو حجر؛ حتى لا يترشش عليه البول" حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (٥).

стр. 180

ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ويستحب. . . وارتياده لبوله مكانًا رخوًا"، قال: "بالاتفاق" (١)، أي: على استحبابه. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (٢)، والحنابلة (٣). ولم أجد كلاما للحنفية، في هذه المسألة، بعد طول بحث، ولكن واللَّه تعالى أعلم أنها لا تخالف أصولهم، فهم قد قالوا: بكراهة البول واقفًا، وفي مهب الريح، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، وعللوا ذلك: بألا يعود عليه رشاش بوله؛ فيتنجس، وهي نفس علة مسألتنا، غير أني لم أجد لهم ذكرًا لمسألتنا (٤). • مستند الاتفاق: حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال، ثم قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" (٥). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث ذكر أنه يرتاد لبوله، أي: يبحث عن مكانٍ أرضه رخوة، لا تردُّ الماء، قال العظيم آبادي: "والحديث فيه مجهول، لكن لا يضر، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك" (٦). النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ٧٣] استحباب تقديم اليسرى للخلاء واليمنى للخروج منه: إذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يدخل باليسرى، ويخرج باليمنى، وعلى ذلك حكى النووي الاتفاق. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى، وفي الخروج اليمنى؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لما
следующие страницы →