← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

• وجه الدلالة: في هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشابهة، يذكر الصحابة ﵃ فعل النبي ﷺ في قضاء حاجته، ولم يذكروا عنه ﵊ أنه كان يفرق بين مكان وآخر في الحكم، سوى الأماكن المقدسة، أو التي يكون في التخلي فيها ضرر على الناس؛ فدل ذلك على أن التخلي في أي مكان يجوز، بالضوابط والآداب المعروفة. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (١). • وجه الدلالة: إن الحديث استثنى بعض الأماكن، التي يردها الناس وينتفعون بها، فدل ذلك بمفهومه على إباحة ما دون ذلك. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٧ - ٦٩] النهي عن الاستنجاء باليمين: الاستنجاء باليمين منهي عنه في النصوص الصريحة، وقد نقل الإجماعَ فيه بعضُ العلماء، والمقصود الإجماع على أنه منهي عنه، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ كرهوا الاستنجاء باليمين" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب، لا نهي تحريم" (٣). ونقله عنه الشوكاني (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 177

والحنابلة (١)، وابن حزم (٢). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (٣). ٢ - حديث سلمان الفارسي ﵁، قال: "نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نستنجي باليمين" (٤). • وجه الدلالة: الحديث صريح بدلالة المطابقة على مسألة الباب. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ٧٠] تحريم مباشرة الاستنجاء باليد وعدم إجزائه: إذا أراد المتخلي تنظيف المحل، فإنه يحرم عليه أن يباشره بيده مباشرة، ولا يجزئه ذلك لو فعله. • من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ومحل الاختلاف -أي: الاختلاف في النهي الوارد للكراهة أو للتنزيه- حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة؛ فحرامٌ، غير مجزئ، بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى" (٥). ونقل الصنعاني كلام ابن حجر السابق، ولكن بلفظ آخر، فقال حيث يقول: "أما لو باشر بيده فإنه حرام إجماعًا" (٦). • الموافقون على الإجماع: لم أجد من نص على المسألة بصراحة غير الحنابلة، وابن حزم، أما غيرهم، فيستنبط من كلامهم الموافقة بلا ريب. وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩)، وابن حزم (١٠).

стр. 178

• مستند الإجماع: ١ - حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى أحدكم الخلاء؛ فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" (١). • وجه الدلالة: أن النهي في الحديث السابق متوجه إلى الاستنجاء باليمين، وذلك مفهوم من عرف الناس؛ أنهم لا يستنجون باليد، دون ماء أو حجر، فإذا كان من دونهما؛ فمن باب أولى. ٢ - أن في الاستنجاء باليد مباشرة انتقال للنجاسة، من مكان لآخر، من دون أن يطهر أحدهما الآخر، فلا فائدة إذًا من هذا الاستنجاء. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ٧١] كراهة التخلي في مساقط الثمار: إذا أراد الإنسان التخلي، فإنه يكره له أن يتخلى في مساقط الثمار، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) شارحًا لقول الماتن: "ويكره أن يبول في مساقط الثمار"، حيث يقول: "هذا الذي ذكره متفق عليه، ولا فرق بين الشجر المباح والذي يملكه، ولا بين وقت الثمر وغير وقته؛ لأن الموضع يصير نجسًا، فمتى وقع الثمر تنجس، وسواء البول والغائط، وإنما اقتصر المصنف على البول اختصارًا، وتنبيها للأدنى على الأعلى" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم" (٦).

стр. 179

٢ - حديث معاذ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" (١). • وجه الدلالة: حيث ورد اللعن في الحديث على فاعل ذلك، وسواء كان اللعن من باب الإخبار عن حال الناس، أو لعن من النبي ﷺ ؛ فهو يكفي في كون هذا الفعل منهيًا عنه. • الخلاف في المسألة: الحديث فيه ما يدل على التحريم، حيث فيه ذكر اللعن، وهو لا يكون إلا على الكبائر المحرمات (٢). وهو قول عند الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). ولكن هذا الرأي لا يخالف مسألتنا، فالكراهة نوعان: تنزيهية، وتحريمية، وكلاهما من قبيل المنهيات. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فليس ناقضًا للمسألة؛ لأن التحريم كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠ - ٧٢] استحباب البول في موضع لين: إذا أراد الإنسان البول، فإنه يستحب له أن يختار مكانا ليِّنًا، لكي لا يرتد إليه البول. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويرتاد موضعًا للبول، فإن كانت الأرض الأصلية دقها بعود أو حجر؛ حتى لا يترشش عليه البول" حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (٥).

стр. 180

ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام البهوتي: "ويستحب. . . وارتياده لبوله مكانًا رخوًا"، قال: "بالاتفاق" (١)، أي: على استحبابه. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية (٢)، والحنابلة (٣). ولم أجد كلاما للحنفية، في هذه المسألة، بعد طول بحث، ولكن واللَّه تعالى أعلم أنها لا تخالف أصولهم، فهم قد قالوا: بكراهة البول واقفًا، وفي مهب الريح، وفي أسفل الأرض إلى أعلاها، وعللوا ذلك: بألا يعود عليه رشاش بوله؛ فيتنجس، وهي نفس علة مسألتنا، غير أني لم أجد لهم ذكرًا لمسألتنا (٤). • مستند الاتفاق: حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال، ثم قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" (٥). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث ذكر أنه يرتاد لبوله، أي: يبحث عن مكانٍ أرضه رخوة، لا تردُّ الماء، قال العظيم آبادي: "والحديث فيه مجهول، لكن لا يضر، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك" (٦). النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ٧٣] استحباب تقديم اليسرى للخلاء واليمنى للخروج منه: إذا أراد الإنسان دخول الخلاء، فإنه يستحب له أن يدخل باليسرى، ويخرج باليمنى، وعلى ذلك حكى النووي الاتفاق. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) معلقًا على قول الماتن: "ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى، وفي الخروج اليمنى؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لما

стр. 181

سواه"، حيث يقول: "وهذا الأدب متفق على استحبابه، وهذه قاعدة معروفة، وهي أن ما كان من التكريم بدئ فيه باليمنى، وخلافه باليسار" (١). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن مسألتنا: "وهذا الأدب متفق على استحبابه" (٢)، ويبدو أنها عبارة النووي، إلا أنه لم يشرْ لذلك. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - حديث عائشة ﵂، قالت: "كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى" (٦). ٢ - حديث حفصة ﵂: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره لما سوى ذلك" (٧). • وجه الدلالة: من هذين الحديثين وغيرهما كثير، تدل على استحباب تقديم اليمين في المكارم والطاهرات، وعلى العكس في الأشياء الدنية والنجاسات، فمن جملتها نأخذ هذا المعنى، فيستحب الدخول للخلاء -وهو موطن نجاسة- باليسرى، والخروج منه باليمنى، وعلى العكس في المسجد (٨). • الخلاف في المسألة: هناك من أخرج هذا الحكم في حال كون الإنسان في الصحراء (٩)، وهذا الخلاف لا يقدح في مسألتنا؛ لخروجه عن توصيفها؛ إذ هي

стр. 182

تتحدث عن الذهاب لمكان معروف، متخذ لهذا الشأن، وهو ما يسمى الحمام، وهي أيضًا في بعض تفصيلات المسألة، والتفصيلات دائما يدخلها الخلاف، والاتفاق غالبا في العموميات. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢ - ٧٤] استحباب عدم رفع الثوب للخلاء حتى يدنو من الأرض: إذا أراد الإنسان أن يتخلى، فإنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، كي لا تنكشف عورته. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) شارحًا قول الماتن: "ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" حيث يقول: "وهذا الأدب مستحب بالاتفاق وليس بواجب" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، "أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه؛ حتى يدنو من الأرض" (٦). • وجه الدلالة: في دلالة السنة الفعلية من النبي ﷺ ، والحديث -وإن كان ضعيفًا- إلا أن علة الفعل في الحديث صحيحة، وهي الستر، وعدم كشف العورة. ٢ - أن عدم رفع الثوب حتى الدنوّ من الأرض أستر للخارج للخلاء، وأحفظ لعورته؛ فيكون أولى (٧).

стр. 183

• الخلاف في المسألة: هناك روايتان لدى الحنابلة في المسألة، بين التحريم والكراهة (١)، لمن فعل ذلك، وعلى كلٍّ؛ فلا يخالف هذا مسألتنا؛ إذ الكراهة للضد استحباب له، والتحريم للضد إيجاب له، وهو استحباب وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٣ - ٧٥] استحباب عدم إطالة القعود للخلاء: إذا دخل الإنسان الخلاء، فإنه يستحب له أن لا يطيل القعود فيه، ونقل النووي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) شارحًا قول الماتن: "ولا يطيل القعود" حيث يقول: "هذا الأدب مستحب بالاتفاق" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - لما يورثه طول القعود من مضار على الإنسان، وذكروا من ذلك أنه يورث مرض الباسور (٦)، ووجع الكبد (٧). وكل ما هو ضار ومهلك للإنسان فهو ممنوع منه، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ٢ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم، إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم، وأكرموهم" (٨).

стр. 184

• وجه الدلالة: استدل الحنابلة بهذا الحديث على تحريم طول المكث في الخلاء، في أحدى الروايتين عندهم، قالوا: لما في طول المكث الزائد من كشف للعورة، دون حاجة لذلك، وكشف العورة محرم، فيكون هذا الفعل محرمًا (١)، والتحريم كراهة للضد وزيادة؛ فلا يعارض اتفاق مسألتنا. وهذه المسألة مبنية عندهم على مسألة كشف العورة، في خلوة دون حاجة، وفيها روايتان عندهم أيضًا (٢). النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤ - ٧٦] النهي عن البول فيما ينجسه البول: البول في الماء الذي يتنجس به منهيٌ عنه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول فيمن يفرق بين الماء القليل والكثير في النهي عن البول فيه: "فإذا كان النص، بل والإجماع؛ دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول، بل تقدير الماء، وغير ذلك، فيما يشترك فيه القليل والكثير؛ كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير؛ مستقلا بالنهي" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" (٧). • وجه الدلالة: حيث نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، وهو ما يكون احتمال تنجسه قوي، فدل ذلك على النهي عن البول فيما ينجسه البول.

стр. 185

النتيجة: أن الإجماع متحقق، وذلك لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥ - ٧٧] جواز الوضوء في المسجد: الوضوء في المسجد جائز، إلا أن يكون مؤذيًا لأحد (١). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) نقله عنه ابن قدامة (٢) حيث قال: "ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدًا بوضوئه، ولم يبلّ موضع الصلاة، قال ابن المنذر: أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن جريج، وعوام أهل العلم" (٣). ونقله عنه النووي بنحو هذه العبارة (٤)، ونقله ابن مفلح (٥)، والشوكاني (٦) بلفظ الإجماع. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن جريج، والنخعي (٧)، والحنفية (٨)، والمالكية في قول (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١). • مستند الإجماع: ١ - أن أبا هريرة ﵁، وُجد يتوضأ على المسجد (١٢). • وجه الدلالة: فيه فعل صحابي، وهو حجة عند عددٍ من أهل العلم (١٣). ٢ - أن الأصل جواز الوضوء في المسجد، ولا دليل يمنع من ذلك، فيبقى هذا الحكم حتى يأتي الدليل الناقل، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 186

• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول (١)، فقالوا: بعدم جواز الوضوء في المسجد. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، فواجب أن ترفع وتنزه عن أن يتوضأ فيها؛ لما يسقط فيها من غسل الأعضاء من أوساخ، ولتمضمضه فيه ومجّه (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 187

الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب السواك وسنن الوضوء [١ - ٧٨] مشروعية السواك: يشرع للمسلم أن يستاك بالسواك، وقد حكى عدد من العلماء الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "اتفقوا أن السواك لغير الصائم حسن" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قوله: "وفضل السواك مجتمع عليه لا اختلاف فيه" (٢). ونقله عنه العيني (٣). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات، وعند تغير الفم" (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول عن السواك: "واتفق أهل العلم على أنه سنة مؤكدة" (٥). ونقل ابن قاسم نحو عبارته (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فالسواك سنة ليس بواجب، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكى الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا، عن داود أنه أوجبه" (٧). ونقله عنه الحطاب (٨)، والشوكاني (٩)، وابن قاسم (١٠). العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "وقد حكى بعضهم الإجماع، على أنه لا يجب" (١١). وهذا يعني مشروعيته تضمنًا. ولذلك قال أيضًا عن حديث أبي هريرة الآتي: "والمنفي إنما هو الوجوب، دون الاستحباب اتفاقًا" (١٢).

стр. 188

الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول عن السواك: "لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء، والصلاة، مستحب فيهما، وأنه غير واجب" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢). • مستند الاتفاق: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٣). ٢ - حديث عائشة ﵂، قالت: "كان النبي ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك" (٤). • وجه الدلالة: هذان الحديثان يدلان على استحباب السواك ومشروعيته (٥)، ففي الأول يبين ﵊ أنه لولا المشقة على الناس لأمرهم أمرًا لازمًا بالسواك للصلاة. وفي الحديث الثاني من فعل النبي ﷺ ، حيث إنه كان يبتدئ بيته بالسواك، وهذه سنة فعلية، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: هناك خلاف بين العلماء في السواك للصائم، وهذه حالة خاصة، لا تخرم الإجماع العام. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢ - ٧٩] استحباب السواك عند الصلاة: يستحب السواك عند الصلاة، فقبل أن يتوجه إلى ربه، يستحب له أن ينظف فمه بالسواك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات" (٦).

стр. 189

الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء، والصلاة، مستحب فيهما، وأنه غير واجب" (١). وهو يريد نفي الخلاف المذهبي، وذكرته للاعتضاد. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والشافعية (٣). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٤). • وجه الدلالة: ظاهرة من النص بالمطابقة. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ٨٠] استحباب السواك عند تغير الفم: يستحب السواك في عدة مواضع، ومنها إذا تغيرت رائحة الفم، فإنه يستحب عند ذلك أن يغيرها بالسواك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "اتفقوا على استحباب السواك عند أوقات الصلوات، وعند تغير الفم" (٥). ونقله عنه ابن قاسم (٦). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩). • مستند الاتفاق: ١ - حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (١٠).

стр. 190

٢ - حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك (١). • وجه الدلالة: مع تنوع الحالات التي ورد فيها فعل النبي ﷺ مع السواك، إلا أنها تظهر أنه كان يتسوك عند تغير فمه، سواء كان بنوم، أو بطول خروج عن البيت فيكون البطن خاويًا، أو غير ذلك، فهي تدل بمعظمها على استحبابه عند تغير رائحة الفم، ولذا يقول الإمام الشافعي: "واستحب السواك عند كل حال يتغير فيه الفم، وعند الاستيقاظ من النوم، وأكل كل ما يغير الفم، وشربه، وعند الصلوات كلها" (٢). ٣ - ومن المعقول: فالفم عندما تتغير رائحته، فإن الآخرين يتأذون من رائحته، وكذلك الزوجة والأبناء، فكان من المناسب أن يغير رائحته بالسواك وينظفه. النتيجة: أن الاتفاق متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤ - ٨١] مشروعية الختان للرجال: الختان للرجال من سنن الإسلام الحنيف، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على مشروعيته. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن من ختن ابنه، فقد أصاب" (٣). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "والذي أجمع عليه المسلمون؛ الختان في الرجال، على ما وصفنا" (٤). وقال أيضًا: "والختان من ملة إبراهيم، لا يختلفون في ذلك" (٥). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الختان في حق الرجال" (٦). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "إذا لم يخف عليه ضرر الختان، فعليه أن يختتن، فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة، وهو واجب عند الشافعي، وأحمد في المشهور عنه" (٧).

стр. 191

ونقله عنه ابن قاسم (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٤). • وجه الدلالة: ظاهرة من الحديث، حيث اعتبر الختان من الفطرة، وهو استحسان له، مما يدل على مشروعيته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحسن في المسألة (٥)، فقال: بالترخيص فيه، فإذا أسلم الكافر لا يبالي أن لا يختتن. ويقول: أسلم الناس الأسود، والأبيض، لم يُفتش أحد منهم، ولم يختتنوا (٦). ولكن هذا لا ينافي أن يكون يقول بالمشروعية، حيث إنه رخص فيه، والرخصة لا تكون إلا في مقابل العزيمة. وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب مطلقا (٧)، ولكن هذا لا يعني أنه غير مشروع. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥ - ٨٢] إباحة الختان للنساء: الختان للنساء مباح، وقد حكى ابن حزم الاتفاق على ذلك. والحديث في هذه المسألة عن الإباحة، التي هي دون مرتبة الاستحباب، فليس المقصود أن كل العلماء قالوا: إنه مباح فحسب، فهناك من قال باستحبابه وبوجوبه،

стр. 192

والمسألة لا تنكرها، ولكن المهم أن لا يكون هناك من يخالف الإباحة، بأن يقول: بالتحريم لختان النساء. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على إباحة الختان للنساء" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذكر الختان بصيغة العموم، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، مما يدل على إباحته للمرأة، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل" (٧). • وجه الدلالة: حيث في الحديث بيان أن النساء كن يختتن على عهد النبي ﷺ ، وأقل أحواله الإباحة (٨). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ٨٣] مشروعية الختان للإناث: شرع اللَّه تعالى للإناث الختان (الخفاض)، وقد حُكي الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الختان في

стр. 193

حق الرجال، والخفاض (١) في حق الإناث مشروع" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٦). • وجه الدلالة: حيث ذكر الختان بصيغة العموم، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، مما يدل على مشروعيته للمرأة كما هو للرجل، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٨٤] إبراهيم ﵇ أول من اختتن: إبراهيم ﵊ جد نبينا محمد ﵊ هو أول من سن سنة الختان، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن" (٧). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول عن إبراهيم ﵊: "وكان أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن نحو قص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وأعطاه اللَّه الذكر الجميل في الدنيا، فاتفقت الأمم عليه" (٨)، في كلامه إشارة للاتفاق، وليس صريحًا. القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على أن إبراهيم عليه الصلاة

стр. 194

والسلام أول من اختتن" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو هريرة ﵁ (٢)، وابن المسيب (٣)، والشافعية (٤). أما الحنفية والحنابلة، فقد بحثت في كتبهم كثيرًا، إلا أنني لم أجد نصًّا منهم في مسألتنا، بأن إبراهيم هو أول من اختتن. • مستند الإجماع: لم أجد ما يدل على ذلك، إلا ما ورد من الأمر باتباع ملة إبراهيم، في قوله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]. • وجه الدلالة: الآية الكريمة كأن فيها إشارة، على أنه الأول في اتباع هذه الفطرة، حيث أمرنا باتباع ملته، وكان من ملته أنه يختتن ﵊، لما روى أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" (٥) (٦). النتيجة: كما سبق، فإنني لم أجد كلامًا للحنفية والحنابلة على مسألتنا، غير أنهم لم يذكروا مخالفة لها، ولم أجد عند غيرهم مخالفًا أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [٨ - ٨٥] تقليم الأظفار سنة: تقليم الأظفار من سنن الفطرة، وفيها إزالة للخبث من جسد الإنسان، وقد حُكي الإجماع على سنيتها. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسن" (٧). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأما قص الأظفار، وحلق العانة؛ فمجتمع على

стр. 195

ذلك أيضًا" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أما تقليم الأظفار فمجمع على أنه سنة، وسواء فيه الرجل والمرأة، واليدان والرجلان" (٢). العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "فإن قيل قد قدمتم الاتفاق، على أن حلق العانة، وتقليم الأظفار سنة، وليس بواجب" (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "قوله (٤): (تقليم الأظفار). . . وهو سنة بالاتفاق أيضًا" (٥). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وتقليمها سنة إجماعا" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٩). ٢ - حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء" ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذكر تقليم الأظفار من سنن الفطرة. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٩ - ٨٦] الاستحداد سنة: الاستحداد: هو استعمال الحديدة في إزالة شعر العانة، وصار كناية عن حلق العانة (١١).

стр. 196

• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط حسن" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأما قص الأظفار، وحلق العانة؛ فمجتمع على ذلك أيضًا، إلا أن من أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يومًا، وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما حلق العانة؛ فمتفق على أنه سنة أيضًا" (٣). العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "الاستحداد استفعال من استعمال الحديد في حلق العانة، وهو مستحب إجماعًا" (٤). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: " (الاستحداد) هو حلق العانة، سمِّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى، وهو سنة بالاتفاق" (٥). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "يسن للرجل والمرأة حلقها إجماعًا" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٩). ٢ - حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذكر الاستحداد من سنن الفطرة. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 197

[١٠ - ٨٧] نتف الإبط سنة: يسن للمسلم أن ينتف إبطه، وهو من النظافة والطهارة التي جاء بها الإسلام، وحكى عدد من العلماء الاتفاق على سنيته. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسن" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما نتف الإبط؛ فمتفق أيضًا على أنه سنة" (٢). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "قوله (٣): (ونتف الإبط) هو سنة بالاتفاق أيضًا" (٤). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "يسن قلع شعر إبطه إجماعًا" (٥). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الاتفاق: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٩). ٢ - حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عدَّ نتف الإبط من سنن الفطرة. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 198

[١١ - ٨٨] غسل البراجم سنة: غسل البراجم في يد المسلم سنة مستحبة. والبراجم هي: العُقد التي في ظهور الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم. ومعناه: تنظيف المواضع التي تشنج، ويجتمع فيها الوسخ (١). وقال العراقي: "والبراجم جمع برجمة بضمها، وهي عقد الأصابع التي في ظاهر الكف" (٢). • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما غسل البراجم؛ فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة، غير مختصة بالوضوء" (٣). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الاتفاق: حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء"، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذكر غسل البراجم من سنن الفطرة. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٢ - ٨٩] حلق اللحية لا يجوز: أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية، وقد اتفق العلماء على تحريم حلق اللحية بالكلية. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلةٌ لا تجوز، وكذلك الخليفة، والفاضل، والعالم" (٨).

стр. 199

• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الاتفاق: حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب" (٥). وجه الدلالة من وجهين: ١ - أن النبي ﷺ أمر بتوفير اللحى، والأمر يقتضي الوجوب، فكان الحلق منافيًا لمقتضى الأمر، فهو محرم، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن النبي ﷺ بدأ الأمر بمخالفة المشركين، ومخالفتهم واجبة، فكأنه أمر ثانٍ على توفير اللحى، ومن خالف الأمر فقد ارتكب محرمًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: هناك من قال: يؤخذ من اللحية، وبينهم خلاف في مقدار ما يؤخذ (٦)، ولكن هذا لا يخالف مسألتنا، فهي في حلقها بالكلية. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٣ - ٩٠] إباحة حلق الرأس وحبسه: حلق المسلم لرأسه مباح، وكذا حبسه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "قد أجمع العلماء في جميع الآفاق على إباحة حبس الشعر، وإباحة الحلاق، وكفى بهذا حجة" (٧). ونقله عنه ابن قدامة (٨)، والقرطبي (٩)، والبهوتي (١٠)، والرحيباني (١١).

стр. 200

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن جعفر ﵄، أن النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم"، ثم قال: "ادعوا بني أخي"، فجيء بنا، قال: "ادعوا لي الحلاق" فأمر بنا فحلق رؤوسنا (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بحلق رؤوسهم، والنبي ﷺ لا يأمر إلا بمباح أو أكثر، وهذا يدل على الإباحة (٥). • الخلاف في المسألة: خالف بعض الشافعية، فقالوا بأنه بدعة في غير المولود وإسلام الكافر والحج والعمرة (٦)؛ لأن النبي ﷺ لم يحلق رأسه إلا في النسك (٧). وخالف أحمد في رواية بالكراهة في ذلك (٨)، وروي عن عمر، وابن عباس ﵄ (٩)، قال أحمد: كانوا يكرهون ذلك (١٠). واستدلوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج: "سيماهم التحليق" (١١)، فجعله علامة لهم (١٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 201

[١٤ - ٩١] حلق الرأس في غير النسك ليس قربة: إذا أراد إنسان أن يحلق رأسه في غير نسك، فإن فعله هذا لا يُتقرب به، ولا يسن، وحُكي الاتفاق على ذلك (١). • من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وليس حلق الرأس في غير نسك بسنة، ولا قربة باتفاق المسلمين" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق بعض الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإتفاق: أن المسنون والمتقرَّب به في الإسلام لا يشرع إلا أن يدل دليل على السنية أو القربة، ولا دليل على ذلك في غير النسك، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، حتى يأتي ناقل عنها (٦). • الخلاف في المسألة: خالف بعض الحنفية، وعبروا بأنه سنة (٧). لم أجدهم ذكروا دليلًا، إلا أنهم جعلوه من باب النظافة (٨). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥ - ٩٢] كراهة القزع: حلق الإنسان لبعض رأسه وتركه للبعض منهي عنه، وهو ما يسمى بالقزع (٩)، وقد

стр. 202

حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على كراهة القزع، إذا كان في مواضع متفرقة، إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه" (١). ونقله عنه ابن حجر (٢)، والشوكاني (٣). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول شارحًا لكلام ابن قدامة في "المقنع": "قوله: (ويكره القزع) بلا نزاع، وهو أخذ بعض الرأس، وترك بعضه" (٤). وهو يريد المذهب بلا شك، وذكرته للاعتضاد فقط. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عائشة ﵂ (٥)، والحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الإجماع: حديث ابن عمر ﵄، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن القزع، فقيل لنافع: ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض" (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن القزع، ومجرد نهي النبي ﷺ يدل على الكراهة؛ إذ أن النهي أتى في مقابل الجواز المطلق للحلق، فيكون للكراهة حتى تأتي قرينة على التحريم، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف بعض المالكية -فيما نقله عنهم النووي- بالقول بجوازه في الغلام (١١)، وهو مخالف لمنصوص الإمام مالك، فقد قال: لا يعجبني ذلك في الجواري، ولا الغلمان، ووجّه ذلك بأنه قزع (١٢).

стр. 203

ولم أجد هذا القول في كتبهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق في غير الغلمان؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. أما الغلمان: فلم أجد ما يؤكد كلام النووي في كتب المالكية، فإن صح النقل، فلا إجماع في الغلمان، وإلا فالإجماع صحيح في الغلمان أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [١٦ - ٩٣] مشروعية الأخذ من الشارب: الأخذ من الشارب سنة من سنن الفطرة، وقد أجمع على ذلك العلماء. وعبرت بالأخذ؛ لأتجنب الخلاف في المسألة، فهناك خلاف هل الواجب القص؛ أو الحلق؟ وهذا العنوان يشمل الاثنين. وهناك أمر آخر وهو: أن المشروعية تشمل الاستحباب، وما فوقه (١)، وناقض المسألة -إن وجد- فهو من قال بالإباحة، أو ما دونها، وهذا ما سنراه في المسألة إن شاء اللَّه تعالى. • من نقل الإجماع: الجوهري (٣٥٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن إحفاء الشارب من السنة؛ إلا مالكًا فإنه كرهه" (٢). وهذا مبني على الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه، فهو يقول -مالك- بالقص، لا الإحفاء بمعنى الحلق؛ لأنه يعتبره مثلة. ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن قص الشارب، وقطع الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، حسنٌ" (٣). ونقل عنه ابن مفلح حكاية الإجماع، حيث قال: "وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب، وإعفاء اللحية فرض" (٤). وراجعت كلامه فوجدته نص على فرضيته، ولم يحك إجماعًا (٥)، ولعل ابن مفلح

стр. 204

اشتبه عليه كلامه في "المراتب" مع "المحلى"، وكذا حكاه ابن قاسم (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أنه لا بد للمسلم من قص شاربه، أو حلقه" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما قص الشارب، فمتفق على أنه سنة" (٣). العراقي (٨٢٢ هـ) حيث يقول: "فيه استحباب قص الشارب، وهو مجمع على استحبابه" (٤). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول شارحًا لحديث الفطرة: "قوله: (وقص الشارب) هو سنة بالاتفاق" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٨). ٢ - حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى" (٩). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ ذكره من سنن الفطرة في الحديث الأول، والأمر به في الحديث الثاني، وهو يكفي في المشروعية، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٧ - ٩٤] استحباب التيامن في الطهارة: إذا أراد المسلم الطهارة فإنه يستحب له أن يتيامن فيها، وعليه حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن الأفضل أن

стр. 205

يغسل اليمنى قبل اليسرى، وأجمعوا أن رسول اللَّه ﵊ كذلك كان يتوضأ، وكان ﵊ يحب التيامن في أمره، كما في طهوره، وغسله، وغير ذلك من أموره" (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وغسل الميامن قبل المياسر لا خلاف بين أهل العلم -فيما علمنا- في استحباب البداءة باليمنى" (٢). ونقله عنه ابن حجر (٣)، والشوكاني في "النيل" (٤)، وابن قاسم (٥). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واستثني منه -أي: من الترتيب- تقديم اليمين بالإجماع" (٦). وقال أيضًا: "وتقديم اليمنى سنة بالإجماع، وليس بواجب بالإجماع" (٧). ونقله عنه الحافظ ابن حجر (٨)، والشوكاني في "النيل" (٩)، وابن قاسم (١٠). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء أنه يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل ولبس الثوب. . " (١١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث يدل على استحباب البداءة بالميامن، ولا خلاف فيه" (١٢). • مستند الإجماع: ١ - حديث عائشة ﵂، "أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (١٣). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم" (١٤).

стр. 206

• وجه الدلالة: ظاهر من ذكر حب النبي ﷺ للتيمن في الحديث الأول، وفي الثاني من الأمر بالبدء بالميامن، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال النووي: "وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع" (١). وعلى كل حال، فالقول بالوجوب لا ينافي الاستحباب في كونهما في درجة المشروعية. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ٩٥] جواز تقديم اليد اليسرى في الطهارة: إذا أراد المسلم الوضوء، وقدم اليسرى على اليمنى، فإن وضوءه صحيح، ولا إعادة عليه بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا إعادة، على من بدأ بيساره قبل يمينه في الوضوء" (٢). ونقله عنه النووي، وقال بعده: "وكذا نقل الإجماع فيه آخرون" (٣). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل اليمنى أنه لا إعادة عليه" (٤). وقال أيضًا: "لأن اليمنى واليسرى لا تنازع بين المسلمين في تقديم إحداهما على الأخرى" (٥). وقال أيضًا: "وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل يمناه أنه لا إعادة عليه" (٦).

стр. 207

ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "قوله (١): (فإذا غسل يديه)، فذكر مجموعهما، ولأجل هذا اتفق العلماء على سقوط الترتيب بينهما -أي: اليمنى واليسرى" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه" (٣). وقال أيضًا: "ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافًا" (٤). ونقله ابن قاسم (٥). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وتقديم اليمنى سنة بالإجماع، وليس بواجب بالإجماع" (٦). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه، كان تاركًا للاختيار، وكان وضوؤه صحيحًا من غير نزاع أعلمه بين الأئمة" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨). • مستند الإجماع: حديث عائشة ﵂، "أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (٩). • وجه الدلالة: قولها ﵂: (يحب) يفيد الاستحباب، وأنه كان يفعل ذلك، ويحبه، ولكن لم يأمر به على الإلزام، وإلا قالت: كان يأمر، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: سبق نقل النووي في المسألة الماضية عن الشيعة (١٠) أنهم يقولون بوجوب تقديم اليمين، وأنه لا يعتد بخلافهم. ونسب المرتضى الشيعي هذا القول للشافعي فيما نقله عنه ابن حجر (١١)، وغلطه فيها.

стр. 208

وبعض الشيعة نسب القول بالوجوب للفقهاء السبعة؛ وهو تصحيف من الشيعة، وهو غير صحيح أيضًا (١). ونسب بعض الشافعية هذا القول إلى الإمام أحمد، وهو غير صحيح أيضًا (٢)، وقد سبق النقل عن ابن قدامة بما يخالفه، وقال الزركشي: هو منكر، وهما في حكم اليد الواحدة (٣). ولابن حزم كلام محتمل للوجوب، حيث قال: "ولا بد في الذراعين والرجلين من الابتداء باليمين قبل اليسار كما جاء في السنة" (٤). ولكن ذلك لم يثبت، وراجعت كلامه في صفة الوضوء، فلم يشر لذلك لا من بعيد، ولا من قريب (٥). فلم يصرح بالوجوب، والواجب حمل كلامه على ما وافق الإجماع؛ حتى يثبت الضد (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، وقد سبق مناقشة خلاف الشيعة وعدم اعتباره في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ٩٦] استحباب تثليث غسل أعضاء الوضوء: يستحب لمن توضأ أن يغسل أعضاءه ثلاثًا، وهذا يشمل جميع الأعضاء سوى الرأس؛ فالخلاف فيه مشهور، ولا يدخل في حديث من نقلت عنه من العلماء، في هذه المسألة. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء" (٧).

стр. 209

ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكملُ الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء، ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان، وهذا لا خلاف فيه" (١). ونفيه للخلاف هنا يحتمل كونه في مسألة الزيادة على الثلاث، وفي مسألتنا، وكونه في المسألتين معا, ولكن كونه في المسألتين أظهر، حيث إن السياق يدل لذلك، واللَّه تعالى أعلم. سند بن عنان (٥٤١ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في ثبوت فضيلة التكرار" (٢) أي في غسل الأعضاء، فيما نقله عنه الحطاب (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة، هو مرة مرة، إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما" (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أما حكم المسألة: فالطهارة ثلاثًا ثلاثًا مستحبة في جميع أعضاء الوضوء بإجماع العلماء، إلا الرأس؛ ففيه خلاف للسلف" (٥). ونقل عنه الشوكاني حكايته للإجماع في ذلك (٦). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول شارحًا لعبارة "المقنع" في سنن الوضوء: "قوله: (والغسلة الثانية والثالثة) بلا نزاع" (٧). وهو يقصد النزاع في المذهب بلا شك. ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "ومنها التثليث في حق كل واحد بالإجماع" (٨)، وهو يريد تثليث المضمضة والاستنشاق هنا، إلا أن كلامه ينساق أيضًا على غيرها. ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) في سنن الوضوء: " (وتثليث الغسل) وذلك للإجماع على طلبه، ويحصل بتحريك اليد ثلاثًا, ولو في ماء قليل" (٩). الصنعاني (١١٨٢ هـ) شارحًا حديث عثمان (١٠): " (دعا بوضوء) أي: بماء يتوضأ به

стр. 210

(فغسل كله ثلاث مرات) هذا من سنن الوضوء بإتفاق العلماء" (١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة" (٢). وقال أيضًا: "وقد قدمنا أن التثليث سنة بالإجماع" (٣). • مستند الإجماع: ١ - حديث عثمان ﵁، أنه وصف وضوء رسول اللَّه ﷺ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا (٤). ٢ - حديث علي ﵁، أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا (٥). • وجه الدلالة: ظاهر من السنة الفعلية للنبي ﵊. • الخلاف في المسألة: خالف بعض العلماء في المسألة، وقالوا بعدم المشروعية. وقد نَقَل النووي حكاية هذا القول عن بعض الشافعية (٦)، نسبوه لبعض العلماء، وأنكر أن يكون صحيحًا، فقال: "وحكى بعض أصحابنا عن بعض العلماء أنه لا يستحب الثلاث، وعن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وكلاهما غلط، ولا يصح هذا عن أحد، فإن صح؛ فهو مردود بالأحاديث الصحيحة" (٧)، قال هذا بعد حكايته للإجماع في المسألة كما سبق، مما يعني أنه يرى أن لا خلاف في المسألة معتبر. وحُكي عن مالك بأنه لم ير التوقيت لا بواحدة ولا بثلاث (٨). واستدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، حيث الأمر بالغسل فقط، ولم يحدد (٩).

стр. 211

ولكن المعروف عنه موافقة الجمهور، بل عنه رواية بكراهة النقض عن الثلاث (١). وبعد مزيد من البحث، وجدت القرافي نقل عن صاحب "الطراز" وغيره (٢) تفسيرًا لما نقل عن مالك في ذلك، بأنه يريد به نفي الوجوب (للثلاث)، لا نفي الفضيلة، وهذا يتوافق مع قول الجمهور وللَّه الحمد. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز بمشروعية التثليث إلا في الرجلين (٣)، وهو قول عند المالكية (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الرجلين، بلا إشكال، فالنقل فيها واضح؛ لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. أما بقية الأعضاء فالنقل فيها -كما سبق- غير واضح، فالنووي نفى وجود الخلاف، وغلط من نقله، وأما ما نُقل عن مالك فغير قوي أيضًا, ولولا أن من نقله غير ابن عبد البر لنفيت صحته، مع أنه سبق نقل نفيه للخلاف في المسألة، والمسألة محل إشكال عندي، ولكن الأظهر أن المسألة إجماعية، وما نقل فيها فهو شاذ إن صح؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة والصريحة، ولمخالفته الإجماع، واللَّه أعلم (٥). [٢٠ - ٩٧] التثليث في الوضوء غير واجب: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه لا يجب عليه أن يغسل أعضاءه ثلاثًا، وعلى ذلك حكي الإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث والجنابة تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد" (٦). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما" (٧).

стр. 212

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ولأن فيه غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع" (١). ويقول: "فإن الثلاث لا تجب بالإجماع" (٢). ويقول: "أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة" (٣). وقال بعدها بقليل: "والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، وهو مجمع عليه، ولم يثبت عن أحد خلافه" (٤). ونقله عنه الشوكاني (٥). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول في سياق حديثه عن قول بعض العلماء بوجوب التثليث: "وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور (٦)، وهو محجوج بالإجماع" (٧). ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث يقول عن وجوب الغسلات الثلاث: "لكن انعقد الإجماع على خروج اثنتين منهما"، أي: الثانية والثالثة عن الوجوب (٨). ونقله عنه ابن نجيم (٩). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وأما التثليث فغير واجب بالإجماع، وفيه خلاف شاذ" (١٠). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة" (١١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (١٢). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل الأعضاء، ولم يحدد عدد الغسل، فيكفي ما يحصل به الغسل، ولو كان مرة واحدة أو مرتين (١٣).

стр. 213

٢ - حديث ابن عباس ﵄، قال "توضأ رسول اللَّه ﷺ مرة مرة" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ورد عنه أنه توضأ بغسل الأعضاء مرة واحدة، وهذه سنة فعلية، ولو كان التثليث واجبًا لالتزم به ﵊ (٢). • الخلاف في المسألة: نقل النووي عن بعض الشافعية حكايتهم قولًا عن بعض العلماء بوجوب التثليث، ولكنه أنكر صحته، ولم يعتبره (٣). ونقله ابن حجر أيضًا عن بعض العلماء، وأنكره أيضًا (٤). ونُقل عن ابن أبي ليلى مخالفته بقوله بوجوب التثليث (٥). واستُدل (٦) لهذا القول بظاهر حديث عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده، أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، فأما ما نقله النووي وابن حجر؛ فلم يذكروا عالمًا معينًا ولم يتابعهم عليه أحد، وأنكره أيضًا، مما يقوي شذوذه، وأما ابن أبي ليلى؛ فلم يثبت عنه، بالإضافة إلى مخالفة الأحاديث الصحيحة, واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ٩٨] إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت: إذا غسل المتوضئ عضوه مرة واحدة، وكانت سابغة، فإنها مجزئة له، وعلى ذلك الإجماع. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده

стр. 214

شيء" (١). ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث نقل عنه النووي حكايته الإجماع في المسألة (٢). نقله عنه النووي (٣)، وابن قاسم (٤). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن من توضأ مرة مرة، فأسبغ الوضوء؛ أن ذلك يجزيه" (٥). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "والغسلة الواحدة إذا أوعبت تجزئ بإجماع العلماء؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قد توضأ مرة مرة، ومرتين، وثلاثة، وهذا أكثر ما فعل من ذلك ﵊، وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير في الثنتين، والثلاث، إلا إن ثبت أن شيئًا من ذلك نسخ لغيره، فقف على إجماعهم فيه" (٦). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء أن غسلة واحدة سابغة في الرجلين، وسائر الوضوء تجزئ" (٧). وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة أن من توضأ مرة واحدة سابغة؛ أجزأه" (٨). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الوضوء مرة مرة مسبغة في الوجه والذراعين والرجلين يجزئ" (٩). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية، وهي الحدث والجناية تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها العدد" (١٠). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق، كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة" (١١). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "لأنا لا نعلم أن أحدًا يقول بحرمة الاقتصار عليها" (١٢)، أي: الواحدة.

стр. 215

الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٢). • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن عباس ﵄ "توضأ النبي ﷺ مرة مرة" (٣). ٢ - حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁، أن النبي ﷺ "توضأ مرتين مرتين" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ توضأ بغسلة واحدة للعضو، ومرتين، وهذه سنة فعلية يجب الأخذ بها، على أنها دليل على جواز الاقتصار على غسلة واحدة، وأنها مجزئة، وأن الثلاث غير ملزمة، ولكن بشرط الإنقاء، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نُقل عن ابن أبي ليلى أنه لا يجزئ ما دون الثلاث، نقله النووي، ثم قال: "وهذا مذهب باطل، لا يصح عن أحد من العلماء، ولو صح؛ لكان مردودًا بإجماع من قبله" (٥). ولكن عن مالك قول بوجوب اثنتين فما فوق (٦). وهنا كلام مشكل للحطاب، حيث قال: "أن المقتصر على الواحدة تارك للفضل، وتارك الفضل مقصر، ولا يجوز الاقتصار على الواحدة بإجماع، كما لا تجوز الزيادة على الثلاث، إذا عم بها بإجماع" (٧). قال هذا الكلام بعد أن نقل كلامًا للقرافي، ثم قال بعده: (انتهى)، والظاهر أنه يقصد أنه كلام القرافي. وقد راجعت كلام القرافي، فوجدت الكلام السابق، ولم أجد اللاحق (٨)، فالظاهر أن هناك تصحيفًا، أو وهمًا في دعوى الإجماع، ويحمل كلام الحطاب على الكراهة، وقال بعدها: "لأنا لا نعلم أن أحدًا يقول بحرمة الاقتصار عليها -أي: على الواحدة" (٩)، واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →