← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

والإحسان ليس بواجب، فدل على أن المتعة على سبيل الإحسان والتفضل. ثانيًا: لو كانت المتعة واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ولم يخص بها المحسنين دون غيرهم (١). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول، وقبل فرض المهر تجب لها المتعة؛ لخلاف الإمام مالك في رواية عنه، هي قول أصحابه من بعده، وقول جماعة من السلف، بأن المتعة مستحبة وليست واجبة. [١٦ - ١٢٩] المتوفى عنها زوجها بعد تسمية المهر، لا متعة لها: إذا توفي الرجل، وقد سمى لامرأته الصداق، فلا متعة لها، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وأما المتوفى عنها، فلا متعة لها بالإجماع" (٢). وذكره في الكافي (٣). ٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "وأما المتوفى عنها، فلا متعة لها، بلا خلاف" (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة من الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها، التي سمى لها صداقها، لا متعة لها، وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]. • وجه الدلالة: لم يتناول النص الأمر بالمتعة لمن توفي عنها

стр. 1962

زوجها، وإنما تناول المطلقات، فدل على أنها لا تجب لغيرهن (١). ٢ - أن المتوفى عنها زوجها أخذت العوض المسمى لها في العقد، فلم يجب لها بهذا العقد غير المسمى (٢). النتيجة: تحقق الإجماع على أن لا متعة لمن توفي عنها زوجها، إذا كان سمى لها المهر؛ لعدم وجود مخالف. [١٧ - ١٣٠] جواز عفو المرأة عن صداقها: إذا عفت المرأة عن صداقها أو عن بعضه، أو وهبته بعد قبضه، جاز ذلك لها، ونقل الاتفاق على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وإذا عفت المرأة عن صداقها الذي على زوجها، أو عن بعضه، أو وهبتة بعد قبضه، وهي جائزة الأمر في مالها، جاز ذلك وصح، ولا نعلم فيه خلافًا" (٣). ٢ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها، نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه" (٤). ٣ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: يعفو النساء الرشيدات عن النصف فيسقط، وهو متفق عليه" (٥). ٤ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ)، فذكره كما قال ابن قدامة (٦). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء المالكية، والحنابلة من الاتفاق على جواز أن تعفو المرأة عن صداقها، أو بعضه، وافق عليه الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الاتفاق: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ

стр. 1963

لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. • وجه الدلالة: إذا فرض الرجل لزوجته مهرًا، فإنه يجوز لها أن تعفو عن صداقها بعد وجوبه؛ لأنها أصبحت مالكة له، وتملك التصرف في مالها (١). ٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. • وجه الدلالة: أباح اللَّه للزوج أكل ما تطيب نفسه من مال زوجته، ولا يكون ذلك إلا بإباحتها لزوجها (٢). النتيجة: صحة ما ذكر من الاتفاق على أنه يجوز للمرأة أن تعفو عن صداقها، كله أو بعضه، أو تهبه بعد قبضه؛ لعدم وجود مخالف. [١٨ - ١٣١] جواز عفو السيد عن صداق أَمَتِه: إذا زوج السيد أمَته فله أن يعفو عن صداقها، ونفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال عند حديثه عن عفو الولي عن الصداق: "أما السيد في أمَته فلا خلاف في ذلك؛ لأنه يجتمع فيه من قال: العبد يملك، ومنهم من قال: لا يملك؛ لأنهم لا يختلفون أنه لا يجوز للعبد هبة شيء مما بيده" (٣). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من المالكية من أنه لا خلاف أن للسيد أن يعفو عن صداق أمته، وافق عليه الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه،

стр. 1964

إلا أن يشترطه المبتاع" (١). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن المملوك لا يملك شيئًا أصلًا، وما أضيف للعبد من المال في هذا الحديث إنما هو للاختصاص والانتفاع، ولذلك يقال: السرج للدابة، ونحو ذلك، وعلى هذا إذا كان مال العبد لسيده، فللسيد أن يعفو عن صداق أمته؛ لأنها لا تملك، ولا مال لها (٢). ١ - السيد هو المستحق لصداق أمَته، فله أن يعفو عنه (٣). ٢ - لا يثبت للسيد على عبده دين؛ بدليل ما لو أتلف ماله، فإنه لا ضمان عليه في الحال، ولا بعد العتق (٤). النتيجة: صحة ما ذكر أنه لا خلاف أن للسيد أن يعفو عن صداق أمته. [١٩ - ١٣٢] لا يحل لأحد أن يطأ فرجًا وهب له دون رقبته، بغير صداق: الوطء المشروع لا يكون إلا بطريقين: الأولى: النكاح الشرعي الصحيح. الثانية: ملك اليمين. فإذا وُهِبَ فرج لرجل ليطأه؛ فينظر: إن كانت أمَةً وهبت له فيحل له وطؤها بملك اليمين، وإن كانت وهبت له مع دفع صداق، فهذا زواج له شروطه. وإن كانت حرةً، فإذا وهبت فرجها لشخص ليطأها فهو زنى، فإن الحرة لا توطأ إلا بنكاح صحيح يسمى فيه المهر. ولا يجوز لأحد أن يتزوج بلا مهر إلا النبي ﷺ ، فإن ذلك من خصائصه ﷺ (٥) ونَقَل الإجماع على أنه لا يجوز هبة فروج النساء دون مهر -والمهر لا يكون إلا بنكاح شرعي صحيح- جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن هبة فروج النساء، أو عضو من عبد أو أمَة، أو عضو من حيوان لا يجوز ذلك، وكذا الصدقة به،

стр. 1965

والعطية، والهدية" (١). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وهب له وطؤه دون رقبته، بغير صداق" (٢). وكذا قال في الاستذكار (٣). ٣ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "إذا أحلت المرأة جاريتها لزوجها فهي إعارة الفروج. . . مذهب طاوس أن الإحلال جائز. . . ولم يثبت، وما هو إلا إجماع" (٤). ٤ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: "وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح أنه يباح وطء الجارية بإذن مالكها. . . وإن قيل إن ذلك مذهبه؛ لكن الإجماع انعقد بعده على التحريم" (٥). ٥ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "ولم يجعل خالصًا له من دون المؤمنين إلا الموهوبة التي تهب نفسها للنبي ﷺ ، فجعل هذا من خصائصه: له أن يتزوج الموهوبة بلا مهر، وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين" (٦). ٦ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وهب له دون الرقبة بغير صداق" (٧). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من أنه لا يحل أن توهب الفروج دون رقبتها، وافق عليه الحنفية (٨)، والحنابلة (٩). وهو قول ابن عمر ﵄، والحسن البصري، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، والثوري (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾. • وجه الدلالة: أمر اللَّه بحفظ الفرج، ووطء الفرج بغير استباحة شرعية ينافي الحفظ المأمور به، والاستباحة الشرعية لا تكون إلا بالزواج، أو ملك اليمين،

стр. 1966

فلا يجوز وطء امرأة بغير صداق، أو ملك يمين (١). ٢ - عن حبيب بن سالم (٢) أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير (٣)، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول اللَّه ﷺ ؛ إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه قد أحلتها له، فجلده مائة (٤). ٣ - جاء رجل إلى عبد اللَّه بن عمر ﵄ فقال: إن أمي أحلت لي جاريتها؟ فقال عبد اللَّه بن عمر: فإنها لا تحل لك إلا بإحدى ثلاث: هبة بتة، أو شراء، أو نكاح (٥). ٤ - عن نافع أن ابن عمر سئل عن امرأة أحلت جاريتها لزوجها، فقال ابن عمر: لا أدري، لعل هذا لو كان على عهد عمر لرجمه، إنها لا تحل لك جارية إلا جارية إن شئت بعتها، وإن شئت أعتقتها، وإن شئت وهبتها، وإن شئت أنكحتها (٦). ٥ - من أحل فرج جاريته، ولم يهب رقبتها، فما طابت نفسه بإخراجها عن ملكه؛ فعلى هذا فما أحل من فرجها فهو حرام مردود؛ لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٧)، فلا ينفذ عليه هبة الفرج (٨).

стр. 1967

• الخلاف في المسألة: يرى ابن عباس ﵄، وطاوس، وسفيان الثوري، وعطاء، أن المرأة إذا أحلت لزوجها جاريتها، فله أن يصيبها، وأن ذلك حلال (١)، وله أن يطأ الجارية بإذن مالكها، دون أن يملك رقبتها (٢). أدلة هذا القول: ١ - عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا يقول: قال ابن عباس: إذا أحلت امرأة الرجل، أو ابنته، أو أخته له جاريتها، فليصبها، وهي لها (٣). ٢ - عن طاوس أنه قال: هي أحل من الطعام، فإن ولدت فولدها للذي أحلت له، وهي لسيدها الأول (٤). ٣ - عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء. قال: كان يُفعل، يحل الرجل وليدته لغلامه، وابنه، وأخيه، وأبيه، والمرأة لزوجها، وما أحب أن يفعل ذلك، وما بلغني عن ثبت، وقد بلغني أن الرجل يرسل وليدته إلى ضيفه (٥). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع في أنه لا يحل وطء حرة من باب الهبة إلا بصداق، حتى يكون نكاحًا شرعيًّا مستوفيًا لأركانه وشروطه. ثانيًا: عدم ثبوت الإجماع في الإماء خاصة، لوجود خلاف صحيح عن ابن عباس، وعطاء، وطاوس.

стр. 1968

• ثالثًا: انتُقِد خلاف طاوس، وعطاء بأنه لم يثبت عنهما، فلم يثبته ابن العربي، والرافعي (١)؛ وأثبت ابن حزم خلاف ابن عباس، وطاوس، وقال: هو في غاية الصحة عنهما، ولكنا لا نقول به، إذ لا حجة في قول أحد دون رسول اللَّه ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾، فقول اللَّه أحق أن يتبع (٢). [٢٠ - ١٣٣] يكون الصداق كله للمرأة بموت أحد الزوجين بعد التسمية: إذا مات أحد الزوجين بعد تسمية الصداق، فإن جميع الصداق يصبح ملكًا للمرأة، سواء وطئها زوجها أم لا، ونقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من مات أو ماتت، وقد سمى لها صداقًا صحيحًا، ووطئها أم لم يطأها، فلها جميع ذلك الصداق" (٣). ٢ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "لا خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية، أنه يتأكد المسمى" (٤). ٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على أن الصداق يجب كله بالدخول أو بالموت" (٥). ٤ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها، وقد سمى لها، أن لها ذلك المسمى كاملًا، والميراث، وعليها العدة" (٦). ٥ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "ويجب جميعه بالدخول، أو بالموت اتفاقًا" (٧). ٦ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "وبموت أحد الزوجين يستقر المهر بالاتفاق" (٨).

стр. 1969

٧ - البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث قال: "وإن تزوجها، ولم يسم لها مهرًا، ثم تراضيا على تسمية، فهو لها؛ إن دخل بها، أو مات عنها، بالاتفاق" (١). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن المرأة تملك الصداق كله بموت أحد الزوجين، وافق عليه الحنابلة (٢). • مستند الاتفاق: ١ - أن موت أحد الزوجين لا يبطل به عقد النكاح بدليل التوارث بينهما (٣). ٢ - استحقت المرأة المهر بالعقد، والعقد لم ينفسخ بسبب الموت، بل انتهى، لأن العقد يتم للاستمرار، فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر، وإذا انتهى يتقرر فيما مضى (٤). ٣ - موت أحد الزوجين ينهي العقد، ويستقر به العوض، كانتهاء الإجارة (٥). • الخلاف في المسألة: أولًا: لم يختلف الفقهاء في ملك الزوجة للمهر بموت أحد الزوجين، إذا مات أحدهما حتف أنفه (٦). ثانيًا: إذا مات أحد الزوجين مقتولًا، سواء قتل نفسه، أو قتله غيره، أو قتل أحد الزوجين صاحبه؛ فهل تملك المرأة المهر؟ خلاف على أقوال: • القول الأول: ذهب الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية في أصح القولين (٩)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (١٠)، إلى أن المرأة تملك المهر، في جميع حالات القتل، سواء قتل أحدهما نفسه، أو قتله أجنبي، أو قتل أحد الزوجين صاحبه. • أدلة هذا القول: ١ - القتل يصير تفويتًا للحق عند زهوق الروح، والمهر في تلك الحالة ينتقل للورثة، فلا يحتمل السقوط (١١).

стр. 1970

٢ - أن هذه فرقة حصلت بانقضاء الأجل، فلا يسقط المهر، كما لو مات أحدهما حتف أنفه (١). • القول الثاني: ذهب زفر من الحنفية (٢)، والشافعية في أحد القولين (٣) إلى أن المهر يسقط إذا قتلت المرأة نفسها. • أدلة هذا القول: ١ - أن النكاح انفسخ بسبب من جهة المرأة، فهو كما لو ارتدت (٤). ٢ - أن المرأة فوتت على الزوج حقه في المبدل، فيسقط حقها في البدل (٥). • القول الثالث: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن المرأة إذا قتلت نفسها، فلها نصف المهر (٦). • دليل هذا القول: أن المرأة قد ماتت قبل أن يمسها زوجها، فلا تملك إلا نصف المسمى، ولا تستحق المسمى إلا بالدخول (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. النتيجة: أولًا: صحة ما ذكر من الاتفاق على أن المرأة تملك صداقها، إذا مات أحد الزوجين حتف أنفه. ثانيًا: صحة الاتفاق على أن المرأة تملك الصداق بموت زوجها قتلًا، سواء قتل نفسه، أو قتله أجنبي. ثالثًا: إذا قتلت المرأة نفسها فلم يتحقق الاتفاق على ملكها لمهرها، لوجود خلاف عن زفر من الحنفية، وقول عند الشافعية بأنه يسقط حقها في المهر، ورواية عن الإمام أحمد أن لها نصف المهر.

стр. 1971

[٢١ - ١٣٤] إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول، وقبل تسمية الصداق، فإن الآخر يرث صاحبه: إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول، وقبل أن يسمي الصداق، فإن الآخر يرث صاحبه، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "المفوضة التي لم يسمِّ لها صداقًا، إذا مات الزوج، أو ماتت المرأة، توارثا بلا خلاف" (١). ٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "أما المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول، أو ماتت، فإنهما يتوارثان بالإجماع" (٢). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أما الميراث فلا خلاف فيه؛ فإن اللَّه تعالى فرض لكل واحد من الزوجين فرضًا، وعقد الزوجية ها هنا صحيح ثابت، فيورث به؛ لدخوله في عموم النص" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). ٤ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "فإن مات قبل الدخول، وقبل الفرض، . . . فلها الميراث، اتفاقًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن أحد الزوجين إذا مات قبل الدخول، وقبل تسمية الصداق، فإنهما يتوارثان، وافق عليه الحنفية (٦). وهو قول علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس ﵃، والحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، وطاوس، وقتادة (٧). • مستند الإجماع: قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. • وجه الدلالة: أصبحت المرأة زوجة للرجل الذي عقد عليها بمجرد العقد، وإن خلا عن المهر، فهما زوجان يتوارثان لصحة نكاحهما (٨).

стр. 1972

النتيجة: تحقق الإجماع على أن أيًّا من الزوجين إذا مات قبل الآخر، ولم يسمَّ الصداق، فإن أحدهما يرث الآخر، بسبب عقد النكاح الذي بينهما، وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٢ - ١٣٥] مهر البغي مُحرّم: البغي: هي المرأة الزانية (١)، وما تأخذه على الزنى فهو مُحرّم، ولا مهر لها أصلًا إن هي مكنت من نفسها غير مكرهة، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "فأما مهر البغي -والبغي: الزانية - ومهرها: ما تأخذه على زناها- فمجمع على تحريمه" (٢). ٢ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "ومهر البغي فلا خلاف في تحريمه، وهو ما تستأجر به المرأة نفسها على الزنى" (٣). ٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "أما مهر البغي؛ فهو ما تأخذه الزانية على الزنى، وسماه مهرًا لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين" (٤). ٤ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "مهر البغي، وهو ما تأخذه الزانية في مقابلة الزنى بها. . . ولا نزاع بين الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلًا من نفسها فزنى بها، أنه لا مهر لها" (٥). ٥ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: ". . . فإنا عرفنا تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن، من الإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم مهر البغي، وافق عليه الحنفية (٧)، وابن حزم (٨).

стр. 1973

• مستند الإجماع: ١ - عن أبي مسعود الأنصاري (١) ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (٢). ٢ - عن رافع بن خديج (٣) ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام" (٤). • وجه الدلالة: ورد النهي في الحديثين عن مهر البغي، مما يدل على تحريمه. النتيجة: تحقق الإجماع على أن مهر البغي محرّم؛ وذلك لعدم وجود مخالف. * * *

стр. 1974

الفصل التاسع: مسائل الإجماع في وليمة العرس [١ - ١٣٦] وليمة العرس مستحبة: وليمة العرس من الأمور التي تشرع وتسن عند النكاح، ونقل الاتفاق على استحباب فعلها عند النكاح جمع من أهل العلم. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن وليمة العرس مستحبة" (١). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنة في العرس مشروعة، لما روي أن النبي ﷺ أمر بها وفعلها" (٢). وقال أيضًا: "وكونه أمر بشاة فلا خلاف في أنها لا تجب" (٣). ٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "أما وليمة العرس فسنّة مأمور بها باتفاق العلماء" (٤). ٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ولا خلاف أن الوليمة في العرس سنة مشروعة، وليست بواجبة" (٥). ٥ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "وهي غير واجبة اتفاقًا" (٦). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "تسن وليمة العرس، بلا خلاف بين أهل العلم" (٧). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على استحباب وليمة العرس، وأنها سنة مشروعة، وافق عليه المالكية (٨). • مستند الاتفاق: ١ - عن أنس بن مالك ﵁، أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى

стр. 1975

رسول اللَّه ﷺ وبه أثر صفرة، فسأله رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: "كم سقت إليها؟ "، قال: وزن نواة (١) من ذهب، قال رسول اللَّه ﷺ : "أولم، ولو بشاة" (٢). ٢ - عن أنس ﵁ قال: ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب (٣)، أولم بشاة (٤). ٣ - عن أنس ﵁ قال: قام النبي ﷺ يبني بصفية (٥)، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فأمر بالأنطاع فبسطت، فالقى عليها التمر والأقط والسمن (٦). • وجه الدلالة: جاءت الأحاديث من قول النبي ﷺ وفعله تحث على فعل الوليمة عند النكاح، مما يدل على استحبابها ومشروعيتها (٧). ١ - مما يدل على الاستحباب ما رواه الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٨). فهذا يدل على عدم وجوبها؛

стр. 1976

لكونه لا يجب في المال إلا الزكاة (١). ٢ - أن طعام وليمة العرس يصنع بسبب السرور الحادث من النكاح، فهو شبيه بسائر الولائم (٢). ٣ - أن سبب هذه الوليمة هو عقد النكاح، وهو غير واجب، ففرعه أولى بعدم الوجوب (٣). ٤ - تقاس الوليمة على السلام؛ فإن السلام ليس بواجب، لكن رده واجب (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب الشافعية في أحد الوجهين (٥)، والإمام أحمد في رواية عنه (٦)، وابن حزم (٧)، إلى القول بوجوب وليمة العرس. • أدلة هذا القول: حملوا الأمر الوارد في الأحاديث التي تحث على الوليمة على الوجوب (٨). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن حكم وليمة العرس هو الاستحباب؛ وذلك لوجود خلاف عن الشافعية في أحد الوجهين، والإمام أحمد في رواية عنه، وابن حزم الظاهري، القائل بالوجوب. [٢ - ١٣٧] الإجابة إلى وليمة العرس واجبة: نقل الإجماع على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، لمن دُعيَ إليها، جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على وجوب الإتيان إلى وليمة العرس" (٩). ونقله عنه ابن قدامة (١٠)، والشربيني (١١)، وابن

стр. 1977

قاسم (١). ٢ - القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث قال: "لم يُختلف في وجوب إجابة دعوة الوليمة التي هي مختصة بطعام العرس" (٢). ونقله عنه النووي (٣)، وابن حجر (٤)، والصنعاني (٥)، والشوكاني (٦). ٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "فيه الأمر بحضورها (٧)، ولا خلاف في أنه مأمور به" (٨) • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، وافق عليه الحنفية في قول (٩)، وابن حزم (١٠). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" (١١). ٢ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" (١٢). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله" (١٣). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: دلت هذه الأحاديث على وجوب إجابة الدعوة إلى وليمة العرس. ١ - تقاس الوليمة على السلام؛ فإن السلام ليس بواجب، لكن رده واجب، فتكون

стр. 1978

إجابة الدعوة واجبة، سواء قلنا بوجوب الوليمة أو باستحبابها (١). ٢ - أن في إجابة الدعوة تآلفًا، وفي تركها ضررًا وتقاطعًا (٢). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية في قول (٣)، والمالكية في المذهب كما قال اللخمي (٤) (٥)، والشافعية في أحد الوجهين (٦)، وقول لبعض الحنابلة (٧)، اختاره ابن تيمية (٨)، إلى القول باستحباب إجابة الدعوة إلى وليمة العرس. • دليل هذا القول: حملوا الأمر الوارد في الأحاديث التي فيها إجابة الدعوة على الاستحباب (٩). ثانيًا: ذهب الشافعية في وجه آخر (١٠)، والحنابلة في قول (١١)، إلى أن إجابة الدعوة في وليمة العرس فرض كفاية. • دليل هذا القول: أن المقصود من الوليمة ظهورها وانتشارها، ليقع الفرق بين النكاح والسفاح، فإذا وجد المقصود بمن حضر، سقط الوجوب عمن تأخر (١٢). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على وجوب إجابة الدعوة في وليمة العرس؛ لما يأتي: ١ - وجود خلاف عن الحنفية في قول، والمالكية في المذهب، والشافعية في وجه، وقول عند الحنابلة بأن إجابة الدعوة في وليمة العرس مستحبة.

стр. 1979

٢ - وجود خلاف عن الشافعية في وجه، وقول عند الحنابلة بأنها فرض كفاية. [٣ - ١٣٨] لا حد لأكثر ما يولم به، ولا حد لأقله: من الأمور المشروع فعلها عند العرس، صنع وليمة، ودعوة الناس إليها، وقد يولم المتزوج بقليل، أو بكثير، فله ذلك، فإنه لا حد لكثير الوليمة أو قليلها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزئ، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة" (١). ٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك" (٢). ٣ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ)، فذكره كما قال ابن حجر (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الشافعية من الإجماع، والشوكاني على أنه لا حد لأكثر ما يولم به، ولا حد لأقله، وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أنس ﵁ قال: ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة (٨). ٢ - عن أنس ﵁ قال: قام النبي ﷺ يبني بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فأمر بالأنطاع فبسطت، فالقى عليها التمر والأقط والسمن (٩).

стр. 1980

٣ - عن صفية بنت شيبة (١) ﵂ قالت: أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير (٢). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: ثبت في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ أولم بشاة، وأولم بمدين من شعير، مما يدل على أنه لا حد لأكثر الوليمة، ولا حد لأقلها. النتيجة: تحقق الإجماع على أنه لا حد لأكثر ما يولم به، ولا حد لأقله؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٤ - ١٣٩] لا تجب الإجابة إلى غير وليمة العرس: إذا دُعي شخص إلى وليمة، ولم تكن هذه الوليمة وليمة عرس، فإن الإجابة إلى هذه الدعوة غير واجبة، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "لا اختلاف بين الفقهاء أن وليمة غير العرس لا تجب" (٣). ٢ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: "وليمة ما عدا العرس لا تجب، للإجماع" (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الشافعية من الإجماع على عدم وجوب الإجابة لوليمة غير وليمة العرس، وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). وهو قول سفيان الثوري (٨). • مستند الإجماع: ١ - دُعيَ عثمان بن أبي العاص (٩) إلى ختان، فأبى أن يجيب،

стр. 1981

فقيل له، فقال: إنّا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولا ندعى له (١). ٢ - حمل الفقهاء الأحاديث (٢) التي جاءت تأمر بإجابة الدعوة إلى الوليمة على وليمة العرس خاصّة؛ لأنه ورد في بعض روايات هذه الأحاديث التصريح بوجوب الإجابة إلى وليمة العرس (٣). ٣ - ما ورد في السنة من وجوب إجابة الدعوة إلى مطلق الوليمة، ينصرف إلى وليمة العرس؛ لما ثبت عند أهل اللغة من أن الوليمة هي طعام العرس خاصّة (٤). ٤ - أنه يستحب إعلان التزويج، وكثرة الجمع فيه، بخلاف غيره، فإن الأمر بالإجابة إليه محمول على الاستحباب (٥). • الخلاف في المسألة: ذهب بعض علماء الشافعية (٦)، وابن حزم (٧)، إلى القول بوجوب إجابة الدعوة فى غير وليمة العرس، وهو قول عبيد اللَّه بن الحسن العنبري (٨) (٩). • أدلة هذا القول: ١ - حملوا الأمر الوارد في الأحاديث التي تحث على إجابة

стр. 1982

الدعوة في الوليمة، على وليمة العرس وغيرها (١). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه" (٢). ٣ - إذا قيل قد جاء في بعض الأحاديث: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" (٣)، فيقال: نعم؛ لكن الآثار التي ورد فيها زيادة غير العرس مع العرس، يجب الأخذ بها؛ لأنه لا يحل ترك رواية العدل إذا ثبتت (٤). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الإجابة لغير وليمة العرس غير واجبة؛ لخلاف بعض الشافعية، وابن حزم الظاهري، وعبيد اللَّه بن الحسن العنبري القائلين بالوجوب. [٥ - ١٤٠] من علم بالمنكر في الوليمة فلا يُجِيب: إذا دعي شخص إلى وليمة، سواء كانت وليمة عرس أو غيره، وكان في هذه الوليمة منكر، كالغناء ونحوه، فإن كان يقدر على إزالته كان له أن يجيب، وإن كان لا يقدر على إزالته فإن الإجابة لا تجب عليه، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من دعي إلى وليمة عرس، لا لهو فيها، ولا هي من حرام، ولا منكر فيها فأجاب، فقد أحسن" (٥). ٢ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء على أنه إذا رأى منكرًا، أو خاف أن يراه أنه لا يجيب (٦) " (٧). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن العربي المالكي، وابن حزم، من الاتفاق على عدم وجوب إجابة الدعوة إذا كان فيها منكر، وافق عليه الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)،

стр. 1983

لغير القادر عن إزالة المنكر. • مستند الاتفاق: ١ - روى سفينة (١) أن رجلًا أضاف علي بن أبي طالب، فصنع له طعامًا، فقالت فاطمة: لو دعونا رسول اللَّه ﷺ فأكل معنا، فدعوه، فجاء، فوضع يده على عضادتي (٢) الباب، فرأى القرام (٣) قد ضُرِبَ به في ناحية البيت، فرجع، فقالت فاطمة لعلي: الحقه فقل له: ما رجعك يا رسول اللَّه؟ فقال: "إنه ليس لي أن أدخل بيتًا مزوقًا" (٤). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن المدعو لوليمة إذا رأى فيها منكرًا، فله أن يرجع. ٢ - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري أن رجلًا صنع طعامًا فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى يكسر الصورة (٥). • وجه الدلالة: دل هذا الأثر عن أبي مسعود ﵁ أن المدعو إذا استطاع أن يغير المنكر فله أن يجيب، وإذا لم يستطع فلا تلزمه الإجابة. • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية إلى القول بوجوب إجابة الدعوة إن كان قادرًا على إزالة المنكر، واستحباب إجابتها إن لم يكن قادرًا على إزالته، ويصبر، وهذا كله في حق غير المقتدى به (٦).

стр. 1984

فإن كان ممن يقتدى به لزمه الإجابة؛ لتغيير المنكر، فإن لم يقدر على التغيير ينصرف؛ لما في بقائه من شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين (١). • أدلة هذا القول: ١ - أن تغيير المنكر فرض، فكان في إجابة الدعوة إقامة الفرض، ومراعاة السنة (٢). ٢ - أن إجابة الدعوة سنة، ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير، كصلاة الجنازة واجبة الإقامة وإن حضرتها نياحة (٣). ثانيًا: ذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، إلى القول بأنه إن كان قادرًا على إزالة المنكر لزمه الحضور، فإن لم يقدر لزمه أن يرجع، ولم يفرقوا بين من كان يقتدى به أو غيره. • أدلة هذا القول: ١ - استدلوا بحديث سفينة المتقدم، وقالوا: هذا النبي ﷺ انصرف لما رأى المنكر (٦). ٢ - أنه بحضوره، وقدرته على الإنكار، يجمع بين واجبين: تلبية الدعوة، وإزالة المنكر (٧). النتيجة: ما ذكر من الاتفاق على عدم وجوب إجابة الدعوة إذا كان فيها منكر غير صحيح؛ لخلاف الحنفية، والشافعية، والحنابلة بوجوب الإجابة للقادر على إزالة المنكر، فإن لم يقدر انصرف إن كان ممن يقتدى به عند الحنفية، ومطلقًا عند الشافعية والحنابلة. [٦ - ١٤١] إباحة أخذ النثار في العرس: إذا نثر (٨) أهل العرس شيئًا على من حضر، فإنه يباح أخذه، ونقل الإجماع على

стр. 1985

إباحة أخذه والتقاطه جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "أما نثر السكر واللوز في العرس، أو غير ذلك من طيب أو دراهم، فمباح إجماعًا" (١). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "الخلاف إنما هو في كراهية ذلك، أما إباحته فلا خلاف فيها، ولا في الالتقاط" (٢). وقال أيضًا: "وأما إذا قسم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز، والسكر، وغيره، فلا خلاف أن ذلك حسن، غير مكروه" (٣). ٣ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: ". . . وأما الإباحة والالتقاط فلا خلاف فيهما" (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الماوردي من الشافعية، وابن قدامة، وابن قاسم من الحنابلة من الإجماع على إباحة أخذ النثار في العرس، وافق عليه الحنفية (٥). وهو قول الحسن، وقتادة، والنخعي، وأبي عبيد (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن عبد اللَّه بن قرط (٧) ﵁ قال: قُرِّب إلى رسول اللَّه ﷺ خمس بدنات أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها، قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: "من شاء اقتطع" (٨). • وجه الدلالة: أن هذا الفعل من رسول اللَّه ﷺ جارٍ مجرى النثار، مما يدل على إباحة أخذه (٩).

стр. 1986

٢ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ حضر في إملاك، فأتي بأطباق عليه جوز ولوز وتمر، فنثرت، فقبضنا أيدينا، فقال: "ما لكم لا تأخذون"، فقالوا: لأنك نهيت عن النهبى، فقال: "إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، خذوا على اسم اللَّه تعالى"، فجاذبنا وجاذبناه (١). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية (٢)، والشافعية في وجه (٣)، والإمام أحمد في رواية، وهي المذهب (٤)، إلى القول بكراهة النثار في العرس وغيره. وهو قول أبي مسعود البدري ﵁، وعبد اللَّه بن يزيد الخطمي (٥) ﵄، وعكرمة، وابن سيرين، وعطاء، وزبيد اليامي (٦) (٧). • أدلة هذا القول: ١ - عن عبد اللَّه بن يزيد الأنصاري (٨) ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة (٩). ٢ - عن عمران بن الحصين ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من انتهب نهبة فليس

стр. 1987

منا" (١). ٣ - عن ثعلبة بن الحكم (٢) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "النهبة لا تحل" (٣). • وجه الدلالة من هذه الأحاديث: قالوا: إن النثار يشبه النهبة المنهي عنها، فيشترك معها في الحكم، فيكون منهيًّا عنه على سبيل الكراهة (٤). ٤ - ربما أخذ النثار من يكرهه صاحب النثار لشرهه، ودناءة نفسه، ويحرمه ممن يحب صاحبه (٥). ٥ - أن في هذا دناءة، واللَّه يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها (٦). ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى تحريم النثار، وتحريم التقاطه (٧). • دليل هذا القول: حملوا النهي الوارد في أدلة القول الثاني على التحريم (٨)، فيحرم النثار قياسًا على النهبة. النتيجة: عدم تحقق الإجماع على إباحة النثار في العرس، وإباحة التقاطه؛ وذلك لما يأتي: ١ - وجود خلاف عن المالكية، والشافعية في وجه، ورواية عن الإمام أحمد في كراهية النثار، ومن سبقهم من السلف، وهم: أبو مسعود البدري، وعبد اللَّه بن يزيد الخطمي ﵄، وعكرمة، وابن سيرين، وعطاء، وزبيد اليامي. ٢ - وجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية عنه، بتحريم النثار.

стр. 1988

الفصل العاشر: مسائل الإجماع في عشرة النساء [١ - ١٤٢] تحريم وطء الحائض: يحرم على الرجل وطء زوجته الحائض، ويحرم عليه ذلك قبل أن تطهر، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الطبري (٣١٠ هـ) حيث قال: ". . . لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر" (١). ونقله عنه القرطبي (٢). وقال أيضًا: ". . . وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلِها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها" (٣). وقال أيضًا: ". . . إجماع من الجميع أنها لا تحل لزوجها بانقطاع الدم حتى تطهر" (٤). وقال أيضًا: ". . . إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها" (٥). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن وطء الحائض في فرجها ودبرها حرام" (٦). وقال أيضًا: "واتفقوا على أن من وطئ من بَزَّ (٧) الدم الأسود ما بين ثلاثة أيام إلى سبعة أيام، في أيام الحيض المعهود، ولم تر بعد ذلك شيئًا غيره، فقد وطئ حرامًا" (٨). ٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه يحرم وطء الحائض في الفرج

стр. 1989

حتى ينقطع حيضها" (١). ٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء. . . والرابع: الجماع في الفرج" (٢). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء في الفرج محرم بهما" (٣). ٦ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "أن يباشرها بالجماع في الفرج، فهذا حرام بإجماع المسلمين، بنص القرآن العزيز، والسنة الصحيحة" (٤). وقال أيضًا: "أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض" (٥). ٧ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة" (٦). ٨ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "ولا يجوز وطؤها في الحيض بلا نزاع" (٧). ٩ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: "ويمنع الحيض قربان زوجها ما تحت إزارها، أما حرمة وطئها عليه فمجمع عليها" (٨). ١٠ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "فأما لو جامع، وهي حائض، فإنه يأثم إجماعًا" (٩). ١١ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "تحريم النكاح (١٠). . . فبإجماع المسلمين، وبنص القرآن العزيز، والسنة الصريحة" (١١). ١٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "دلت الآية على تحريم وطء الحائض حال جريان دم الحيض، وهو إجماع" (١٢). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي

стр. 1990

الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. • وجه الدلالة: أمر اللَّه باجتناب جماع النساء في زمن الحيض، ثم أمر بإتيانهن من حيث أمر باعتزالهن، مما يدل على تحريم جماعهن زمن الحيض (١). ٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (٢). • وجه الدلالة: دل الحديث على إباحة مباشرة الحائض، عدا النكاح، مما يدل على تحريم جماعها زمن الحيض (٣). النتيجة: تحقق الإجماع على تحريم وطء الحائض زمن حيضها، ولا يجوز إتيانها ما لم تطهر؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٢ - ١٤٣] تحريم وطء الزوجة في الدبر: يحرم على الرجل أن يطأ امرأته في دبرها، ونقل الإجماع على تحريم ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الطبري (٣١٠ هـ) حيث قال: ". . . وفي إجماع الجميع على أن اللَّه تعالى ذِكْره، لم يطلق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرّمه في حال الطهر، ولا حرّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله حال الحيض" (٤). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن وطء الحائض في فرجها، ودبرها حرام" (٥). ٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز للرجل أن يأتي زوجته، ولا أمَته في الموضع المكروه" (٦). ٤ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "اتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها، حائضًا كانت أو طاهرًا، لأحاديث كثيرة مشهورة" (٧).

стр. 1991

٥ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "الإتيان في دبر المرأة حرام بإجماع الفقهاء" (١). وقال أيضًا: "انعقد الإجماع على تحريم إتيان المرأة في الدبر؛ وإن كان فيه خلاف قديم فقد انقطع، وكل من روي عنه إباحته فقد روي عنه إنكاره" (٢). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "ويحرم وطؤها في الدبر بالإجماع" (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم وطء الزوجة في الدبر، وافق عليه المالكية في المشهور عنهم (٤). وهو قول علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وابن عمر في قول عنه، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس (٥). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. • وجه الدلالة: حرّم اللَّه الوطء في زمن الحيض لأجل الأذى، فكان الدبر أعظم بالتحريم؛ لأنه أعظم أذى (٦). ٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. • وجه الدلالة: أمر اللَّه أن تؤتى المرأة في قبلها، فدل على تحريم إتيانها في الدبر (٧). ٣ - عن خزيمة بن ثابت (٨) ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن اللَّه لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن" (٩).

стр. 1992

٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ملعون من أتى امرأة في دبرها" (١). ٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، هلكت! قال: "وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي الليلة؛ قال: فلم يرد عليه رسول اللَّه ﷺ شيئًا، قال: فأوحي إلى رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، "أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة" (٢). ٦ - عن جابر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "استحيوا من اللَّه، إن اللَّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في حشوشهن" (٣). ٧ - أنه إجماع الصحابة إذ روي عن علي، وابن عباس وابن مسعود، وأبي الدرداء ﵃، وليس لهم مخالف، فكان إجماعًا (٤). فقد سئل علي عن ذلك؛ فقال: سفلت سفل اللَّه بك، أما سمعت اللَّه يقول: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] (٥).

стр. 1993

وسأل رجل ابن عباس عن ذلك فقال: هذا يسألني عن الكفر (١). • الخلاف في المسألة: حكي عن الإمام مالك في كتاب له يسمى: "السر" (٢)، وابن الماجشون (٣) من المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥)، القول بإباحة إتيان النساء في أدبارهن. ونقل هذا القول عن ابن عمر، وعن نافع مولاه، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي (٦) (٧). • أدلة هذا القول: ١ - أخرج البخاري أن ابن عمر قال في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قال: في الدبر (٨). ٢ - استدل محمد بن كعب القرظي، ومن معه بقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]. • وجه الدلالة: قال: تقدير ذلك تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الزوجات لما عيب عليهم من تركه من زوجاتهم، وفعله مع الذكران (٩).

стр. 1994

٣ - فسّر سعيد بن المسيب، ومن معه، قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: أين شئتم (١). ٤ - ومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. • وجه الدلالة: دل على أن جميعهن لباس يستمتع به على عمومه (٢). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، لما ورد عند البخاري من إباحة ابن عمر للوطء في الدبر، وإن كان نقل عنه خلاف ذلك، كما سيأتي بيانه. ثانيًا: لم يسلم قول من قال بإباحة وطء الزوجة في الدبر من انتقاد؛ وكان على النحو التالي: ١ - ما ورد عن ابن عمر أنه أباح ذلك فقد نقل عنه أنه رجع عنه. قال الطحاوي: هذا ابن عمر قد روي عنه ضد ما ذكر من الإباحة، وإذا كان كذلك؛ كأنه لم يرو عنه فيه شيء (٣). ٢ - عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين (٤)؟ ٣ - قال ميمون بن مهران: ما رواه نافع أن ابن عمر أباح وطء النساء في أدبارهن؛ إنما قال ذلك بعدما كبر، وذهب عقله (٥). ٤ - ما ذهب إليه محمد بن كعب القرظي فيه نظر! لأن معنى الآية التي استدل بها ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] مما فيه تسكين للشهوة، وذلك لا

стр. 1995

يكون إلا في الموضع الذي أمر اللَّه به، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، مما يدل أن الموضع المختص لذلك هو موضع الولد (١). ٥ - ما استُدلَّ به من قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أنه شامل للمسالك، فلا حجة فيه؛ إذ هي مخصصة بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومخصصة أيضًا بأحاديث صحيحة حسان، وشهيرة، رواها عن رسول اللَّه ﷺ اثنا عشر صحابيًّا بمتون مختلفة؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار (٢). ٦ - أما ما ورد عن الإمام مالك بإباحة ذلك؛ فقد أخبره ابن وهب (٣)، وعلي بن زياد (٤)، أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أن يجيز ذلك؛ فنفر من ذلك، فقال: كذبوا عليّ، كذبوا عليّ، كذبوا عليّ، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهل يكون الحرث إلا موضع المنبت (٥)؟ ٧ - حذاق أصحاب الإمام مالك ينكرون أن يكون لمالك كتاب اسمه "السر"، والإمام مالك أجل من أن يكون له كتاب سر، قال الحطاب: أما كتاب السر فمنكر (٦).

стр. 1996

٨ - قال ابن جزي: وقد افترى من نسب جوازه لمالك (١). [٣ - ١٤٤] العزل عن الحرّة لا يكون إلا بإذنها: ليس للزوج أن يعزل (٢) عن امرأته الحرّة إلا بإذنها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لا خلاف بين العلماء أيضًا في أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به" (٣). وذكره في الاستذكار (٤)، ونقله عنه ابن حجر (٥)، والعيني (٦)، والشوكاني (٧). ٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه ليس له العزل عن الحرة إلا بإذنها" (٨). ونقله عنه ابن حجر (٩)، والشوكاني (١٠)، وابن قاسم (١١). ٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وأما المنكوحة؛ فإن كانت حرة، يكره له العزل من غير إذنها، بالإجماع" (١٢). ٤ - القرافي (٦٨٤ هـ)، حيث قال في معرض حديثه عن العزل عن الحرة: "قال صاحب القبس: اجتمعت الأمة على جوازه" (١٣). ٥ - البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث قال: "عزل عن أمته المملوكة له، ولا إذن فيه إلى أحد، وعزل عن المرأة الحرة، والإذن فيه إليها، وهذان بالاتفاق" (١٤). ٦ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "فأجمعوا في الحرة أن العزل لا يجوز بغير

стр. 1997

رضاها" (١). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن العزل عن الحرة لا يكون إلا بإذنها، هو قول على، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب الأنصاري (٢)، والحسن بن علي (٣)، وخباب (٤) ﵁، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، والنخعي (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر العزل عند رسول اللَّه ﷺ فقال: "ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، "فإنه ليست نفس مخلوقة إلا اللَّه خالقها" (٦). ٢ - عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ ، والقرآن ينزل (٧). ٣ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها (٨).

стр. 1998

• وجه الدلالة: دلت الأحاديث على أن العزل كان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأنه لا يكون إلا بإذن الحرة، وأن الجماع من حقها، فلا يكون العزل إلا بإذنها (١). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الشافعية في أحد الوجهين (٢)، والحنابلة في قول (٣)، وابن حزم (٤)، إلى منْع العزل مطلقًا، سواء أذنت أم لا. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود ﵁ (٥). • دليل هذا القول: عن جدامة بنت وهب (٦) قالت: حضرت رسول اللَّه ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" (٧). • وجه الدلالة: كل شيء أصله الإباحة حتى يأتي ما ينقله إلى التحريم، والعزل كان مباحًا فجاء ما ينقله إلى التحريم، بنص هذا الحديث (٨). ثانيًا: لا يحرم على الرجل أن يعزل عن امرأته الحرة، سواء أذنت أم لم تأذن، وهو قول لبعض متأخري الحنفية، خصوصًا عند فساد الزمان (٩)، والشافعية في الوجه

стр. 1999

الآخر، وهو المذهب كما قال النووي (١)، وقول عند الحنابلة (٢). • دليل هذا القول: الخوف من فساد الزمان على الولد، عذر مسقط لإذن المرأة في العزل (٣). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه ليس للزوج أن يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، وذلك لما يأتي: ١ - وجود خلاف في منع العزل مطلقًا، أذنت أم لم تأذن، وهو وجه عند الشافعية، وقول عند الحنابلة، وقول ابن حزم، ومن سبقهم من الصحابة ﵁. ٢ - وجود خلاف بالإباحة مطلقًا، أذنت أم لم تأذن، وهو قول لمتأخري الحنفية، والمذهب عند الشافعية، وقول عند الحنابلة. [٤ - ١٤٥] العزل عن الزوجة الأمَة لا يكون إلا بإذن مولاها: إذا لم يستطع رجل مسلم أن يتزوج حرة لعدم الطول، فتزوج أمَة، فلا يحق له أن يعزل عنها إلا بإذن مولاها، ونقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن لا عزل عن الأمة المتزوجة إلا بإذن مولاها" (٤). ٢ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وأما المنكوحة؛ فإن كانت حرة يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع. . . وإن كانت أمة فلابد من الإذن أيضًا بلا خلاف" (٥). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الكاساني، وابن العربي من الاتفاق على أن العزل عن الزوجة الأمة يكون الإذن فيه إلى الولي، وافق عليه الحنابلة في المذهب (٦). • مستند الاتفاق: ١ - يكون الإذن إلى الولي؛ لأن الولد له وليس للأمَة (٧). ٢ - أن زواج الرقيق حق للسيد؛ لأجل المالية، ولأجل النسل (٨).

стр. 2000

• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، واختاره الطحاوي (١)، والحنابلة في قول؛ صوبه المرداوي (٢)، إلى أن الإذن يكون للأمة، وليس للولي. أدلة هذا القول: ١ - أن قضاء الشهوة من حق المرأة، والعزل يوجب نقصانًا في ذلك الحق، فكان الإذن لها (٣). ٢ - أنها زوجة تملك المطالبة بالوطء بالفيئة، والفسخ عند تعذره بالعنة (٤). ثانيًا: ثمة من جعل ذلك للزوج، ولا يحتاج فيه إلى الإذن، سواء من المولى، أو من الأمة، وهو قول الشافعية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦). أدلة هذا القول: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها (٧). • وجه الدلالة: دل الحديث بمفهومه على أن العزل لا يكون إلا بإذن الحرة، فدل على جوازه بلا إذنٍ لغير الحرة (٨). ٢ - أن العار يلحق بالزوج من استرقاق ولده، فله العزل، بلا إذن (٩). ثالثًا: ذهب الشافعية في وجه (١٠)، والحنابلة في قول (١١)، وابن حزم (١٢)، إلى منع العزل مطلقًا، سواء كان العزل عن حرة، أو عن أمةٍ مزوجة، أو عن أمة مملوكة. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود ﵁ (١٣). • دليل هذا القول: عن جدامة بنت وهب قالت: حضرت رسول اللَّه ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" (١٤).
следующие страницы →