← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

إلى القول بمنع طلاق غير المدخول بها، وهي حائض. • دليل هذا القول: أمر النبي ﷺ ابن عمر بمراجعة امرأته؛ لأنه طلقها وهي حائض، فتجري هذه العلة في كل حائض سواء كان مدخولًا بها أو غير مدخول بها (١). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن طلاق غير المدخول بها إذا كانت طاهرًا أنه لا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن غير المدخول بها، إذا كانت حائضًا، أنه لا بدعة ولا سنة في طلاقها؛ وذلك لوجود خلاف عن زفر من الحنفية، والمالكية في رواية أشهب؛ بمنع طلاق الحائض مدخولًا بها، أو غير مدخول بها. [١٠ - ١٨٥] إذا طلق الرجل ثلاثًا مجتمعات، وقعت ثلاثًا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاث طلقات متواليات، فيقع الطلاق ثلاثًا، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق زوجته أكثر من ثلاث، أن ثلاثًا منه تحرمها عليه" (٢). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أما وقوع الثلاث تطليقات مجتمعات بكلمة واحدة، فالفقهاء مختلفون في هيئة وقوعها كذلك، هل تقع للسنة أم لا؟ مع إجماعهم على أنها لازمة لمن أوقعها" (٣). وقال أيضًا: ". . . وقوع الثلاث مجتمعات غير متفرقات، ولزومها، وهو ما لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى بالأمصار، وهو المأثور عن جمهور السلف" (٤). وقال أيضًا: ". . . الطلاق الثلاث مجتمعات لا يقعن لسُنّة. . . وهم مع ذلك يلزمونه ذلك الطلاق، ويحرمون به امرأته، إلا بعد زوج، كما لو أوقعها متفرقات عند الجميع" (٥). ٣ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: ". . . وليس معناه ما يتوهمه المبتدعة والجهّال من أن طلاق الثلاث إذا قالها الرجل في كلمة لا يلزم، وقد ضربت شرق الأرض

стр. 2067

وغربها، فما رأيت ولا سمعت أحدًا يقول ذلك إلا الشيعة الخارجين عن الإسلام" (١). ٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات في حالة واحدة، أو في طهر واحد يقع؛ ولم يختلفوا في ذلك" (٢). ٥ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وروينا عن عمر ﵁ أنه كان لا يؤتى برجل قد طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربًا، وأجاز ذلك عليه، وكانت قضاياه بمحضر من الصحابة ﵃، فيكون إجماعًا منهم على ذلك" (٣). ٦ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، فهي ثلاث، وإن نوى واحدة، لا نعلم فيه خلافًا" (٤). ٧ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف" (٥). ٨ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "الطلاق الرجعي والبائن، فأما البائن، فهو في أربعة مواضع: وهي طلاق غير المدخول بها، وطلاق الخلع، والطلاق بالثلاث، فهذه الثلاثة بائنة اتفاقًا، . . . " (٦). وقال أيضًا: "وتنفذ الثلاث، سواء طلقها واحدة بعد واحدة اتفاقًا، أو جمع الثلاث في كلمة واحدة" (٧). ٩ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة على أن الطلاق في الحيض لمدخول بها، أو في طهر جامع فيه محرّم؛ إلا أنه يقع، وكذلك جمع الطلاق الثلاث يحرم ويقع" (٨). ١٠ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق" (٩).

стр. 2068

١١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع منهم إنكار، صار إجماعًا" (١). ١٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "إجماعهم ظاهر، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر ﵁ حين أمضى الثلاث" (٢). ١٣ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: "ولا حاجة إلى الاشتغال بالأدلة على رد قول من أنكر وقوع الثلاث جملة؛ لأنه مخالف للإجماع" (٣). ١٤ - ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) فذكره، كما قال ابن الهمام (٤). ١٥ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "من طلق زوجته ثلاثًا بكلمة واحدة، وقعت الثلاث، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء، . . . وحكى ابن رشد إجماع علماء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الرجل إذا طلق ثلاث تطليقات مجتمعات، وقعت ثلاثًا وافق عليه ابن حزم (٦). وهو قول الثوري، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والليث، وعثمان البتي، والحسن بن حي، وإسحاق، وأبي ثور (٧). • مستند الإجماع: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: الآية ٢٤١] قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٧]. • وجه الدلالة: لم يفرق اللَّه بين إيقاع الطلقة الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث في هذه الأحكام، فدل على أن من أوقع الطلقات بأي عدد فقد لزمته، وأنه لما جاز جمع

стр. 2069

الثنتين في الطلاق دفعة واحدة جاز جمع الثلاث (١). عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني أتى رسول اللَّه ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول اللَّه ﷺ ، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أنا أمسكتها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ (٢). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن الطلقات الثلاث إذا وقعت بكلمة واحدة، فإنها تقع، وتبين بها الزوجة؛ لأن عويمرًا طلق زوجته ثلاثًا ولم ينكر عليه رسول اللَّه ﷺ ، فدل على إباحة الطلاق بالثلاث، وأنها تقع (٣). عن محمود بن لبيد (٤) قال: أُخبر رسول اللَّه ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فغضب، ثم قال: "أيُلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم؟ "، حتى قام رجل فقال: يا رسول اللَّه: ألا أقتله؟ (٥). • وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على أن الطلاق بالثلاث قد وقع في عصره ﷺ (٦).

стр. 2070

إن ركانة بن عبد يزيد (١) طلق امرأته البتّة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، وقال: واللَّه ما أردت إلا واحدة، فقال النبي ﷺ : "واللَّه ما أردت إلا واحدة؟ "، فقال ركانة: واللَّه ما أردت إلا واحدة، فردها إليه النبي ﷺ ، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة، وفي ذلك دليل على أنه لو أراد ثلاثًا لوقعت، وإلا لما كان لتحليفه معنى (٣). • الخلاف في المسألة: أولًا: يقع الطلاق بالثلاث واحدة رجعية، وهو ثابت عن ابن عباس، ونقل عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير ﵃، وهو قول طاوس، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن دينار، والحجاج بن أرطاة (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥) في رواية عنهما (٦). وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٧)، وهو قول المجد

стр. 2071

ابن تيمية، وكان يفتي به سرًّا (١). وإلى هذا القول مال الصنعاني (٢)، والشوكاني (٣)، والشيخ ابن باز من المعاصرين (٤). • أدلة هذا القول: ١ - عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: كان الطلاق على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم (٥). ٢ - عن طاوس أن أبا الصهباء (٦) قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم (٧). ٣ - ذكر ابن القيم أن هذا القول عليه الإجماع قبل عصر عمر ﵁ فقال: "كل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى، أو إقرارًا، أو سكوتًا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة وللَّه الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا" (٨). وقال أيضًا: "وأما أقوال الصحابة: فيكفي كون ذلك على عهد الصديق، ومعه جميع الصحابة، لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حكي في زمانة القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قديم، وإنما حدث الخلاف في زمن عمر ﵁، واستمر الخلاف في المسألة إلى وقتنا هذا" (٩). وقال أيضًا: "فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم؛ لأنه لا يُعرف في عهد الصديق أحد رد ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة عمر ﵁، وهلم

стр. 2072

جرًّا، فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائمًا، وذكره أهل العلم في مصنفاتهم قديمًا وحديثًا" (١). ٤ - وقال ابن تيمية: "لم ينقل أحد عن النبي ﷺ بإسناد مقبول أن أحدًا طلق امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث، بل روي في ذلك أحاديث كلها كذب، باتفاق أهل العلم" (٢). • ثانيًا: من قال: إن الطلاق بالثلاث مجتمعات لا تقع، بل تُرد لأنها بدعة، والبدعة مردودة -حكاه ابن حزم، وابن القيم، دون أن ينسباه لقائله (٣). ونسبه غيرهما لابن إسحاق في رواية، والحجاج بن أرطاه في الرواية المشهورة عنه، وهو قول الرافضة (٤). • أدلة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. • وجه الدلالة: شرط اللَّه أن تقع الطلقة الثالثة في حال يصح من الزوج فيها الإمساك، وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد مراجعة فلا تصح الثالثة إلا بعد مراجعة أيضًا، وما يلزم في الثالثة يلزم في الثانية (٥). ٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٦) • وجه الدلالة: الطلاق بالثلاث ليس عليه أمر النبي ﷺ ، فوجب أن يرد (٧). ٣ - ما وقع في بعض طرق حديث ركانة، فقد روى ابن عباس ﵄ أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول اللَّه ﷺ : "كيف طلقتها؟ "، قال: طلقتها ثلاثًا فى مجلس واحد، قال: "إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت" (٨). • وجه الدلالة: قال ابن إسحاق: أرى أن النبي ﷺ رد على ركانة امرأته؛ لأنه

стр. 2073

طلقها ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأنه كانت بدعة مخالفة للسنة (١). • ثالثًا: التفريق بين المدخول بها وغير المدخول بها، فيقع ثلاثًا بالمدخول بها، وواحدة في غيرها، وهو قول جماعة من أصحاب ابن عباس (٢). • أدلة هذا القول: عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهن عليهم (٣). • وجه الدلالة: ١ - أن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق مرة واحدة، فإذا قال: ثلاثًا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة (٤). ٢ - أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث أبي الصهباء في حق غير المدخول بها، ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين، وموافقة القياس (٥). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن من طلق ثلاثًا لزمته، لوجود خلاف كبير في المسألة. ثانيًا: وقع خلاف كبير بين الفقهاء، وردود وترجيحات كثيرة، حتى نقض ابن القيم دعوى الإجماع في ذلك من عشرين وجهًا، فقال: "فهذه عشرون وجهًا في إثبات النزاع

стр. 2074

في هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير" (١). ثالثًا: لا ينظر لمن لم يوقع شيئًا من طلاق الثلاث؛ لما يأتي: ١ - هذا القول ليس من أقوال أهل السنة، فقد حكي للإمام أحمد فأنكره وقال: هو قول الرافضة (٢). ٢ - هذا القول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٣). ٣ - ما ذهب إليه الحجاج بن أرطاه، وابن إسحاق موافق لقول أهل البدع، وهما ليسا من أهل الفقه، كما قال ابن عبد البر (٤). ٤ - اختلف النقل عن الحجاج بن أرطاه، فتارة توصف الرواية عنه بأنه لا يرى وقوع الطلاق بالرواية المشهورة، وتارة توصف الرواية عنه بأنه يرى الثلاث واقعة ثلاثًا بأنها المشهورة (٥). [١١ - ١٨٦] طلاق الواحدة، أو الثلاث يقع بغير المدخول بها، وتَبيِن به: إذا طلق الرجل امرأته واحدة أو ثلاثًا، وكانت غير مدخول بها؛ فإن الطلاق يلحق بها على أي عدد كان، وتصبح بائنًا، فلا تحل له إلا بعقد جديد إن طلقها واحدة، أو بعد زوج إن طلقها ثلاثًا، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته ولم يدخل بها طلقة أنها قد بانت منه، ولا تحل له إلا بنكاح جديد، ولا عدة عليها" (٦). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وهذا إجماع من العلماء أن البكر والثيب إذا لم يدخل بهما فحكمهما إذا طلقهما قبل الدخول سواء؛ لأن العلة الدخول بها، وبكل واحدة منهما" (٧). وقال أيضًا: ". . . في طلاق الثلاث أنها لازمة في المدخول بها

стр. 2075

وغير المدخول بها أنه لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره، وعلى هذا جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب من أهل الفقه والحديث، وهم الجماعة والحجة" (١). ٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، طلقت ثلاثًا" (٢). ٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قِبَل عدم الدخول، ومن قِبَل عدد التطليقات" (٣). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: ". . . فأما غير المدخول بها فلا تطلق إلا طلقة واحدة، ذكره الحكم عن علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. . . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا" (٤). ٦ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الزوج إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، طلقت ثلاثًا" (٥). ٧ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، تطلق ثلاثًا بالاتفاق" (٦). ٨ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: ". . . طلَّق غير المدخول بها ثلاثًا، وقعن، سواء قال: أوقعت عليك ثلاث تطليقات، أو أنت طالق ثلاثًا، ولا خلاف" (٧). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من أن طلاق الواحدة، وطلاق الثلاث يلحق غير المدخول بها على الصفة التي قالها المطلِّق، وتبين به وافق عليه ابن حزم (٨). وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة ﵃، والحسن البصري في رواية، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعكرمة، والنخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري (٩).

стр. 2076

• مستند الإجماع: أن المطلق قد أتى بالعدد الذي تصير به المرأة طالقًا، فتصير الصيغة الموضوعة لإنشاء الطلاق متوقعًا حكمها عند ذكر العدد (١). • الخلاف في المسألة: أولًا: إذا طلق الرجل امرأته غير المدخول بها ثلاثا، فلا يقع إلا واحدة. وهو قول الحسن البصري في رواية، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي الشعثاء (٢)، وعمرو بن دينار (٣). • دليل هذا القول: عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهن عليهم (٤). • وجه الدلالة: تأول أصحاب هذا القول أن طلاق غير المدخول بها ثلاثًا يقع واحدة، وهو الذي كان على زمان النبي ﷺ (٥). ثانيًا: بالإضافة إلى ما سبق من حكاية الإجماع على أن طلاق الواحدة أو الثلاث تقع على غير المدخول بها، وذكر الخلاف في ذلك، فقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق غير المدخول بها في حالتين؛ بناءً على اختلاف صيغة اللفظ بالطلاق. الحالة الأولى: إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. الحالة الثانية: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق. الحالة الأولى: إذا قال الزوج لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

стр. 2077

خلاف بين الفقهاء في اعتبار التلفظ بالطلاق بهذه الصيغة هل يقع واحدة أم ثلاثًا، وهذا الخلاف على قولين: القول الأول: يرى الحنفية (١)، والشافعية في "الجديد" (٢)، والحنابلة في المذهب (٣) أن التلفظ بالطلاق بهذه الصيغة لا يقع إلا واحدة، سواء قال ذلك واحدة أو أكثر. وقال به على، وزيد، وابن مسعود ﵃، وعكرمة، والنخعي، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوري، وأبو عبيد، وابن المنذر (٤). • دليل هذا القول: أن المرأة غير المدخول بها قد بانت بالطلقة الأولى، فيقع ما بعدها لغوًا؛ لأنه أوقعه على طلاق بائن (٥). القول الثاني: يرى المالكية (٦)، والإمام الشافعي في القديم (٧)، والحنابلة في رواية (٨)، أنه يقع ما تلفظ به بهذه الصيغة، فإن كانت واحدة وقعت واحدة، وإن كانت اثنتين وقعت اثنتين، وإن كانت ثلاثًا وقعت ثلاثًا، وهو قول الأوزاعي، والليث (٩). • دليل هذا القول: وقع لفظ الطلاق هنا متصلًا، فيقتضي وقوعه تامًا كما تلفظ به المطلق (١٠). الحالة الثانية: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق. إذا وقع الطلاق بهذه الصيغة، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:

стр. 2078

القول الأول: يرى الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في رواية (٣) أنه لا يقع بها إلا واحدة، وهو قول الثوري، وأبي ثور (٤). • دليل هذا القول: الطلاق هنا مرتب قدم بعضه على بعض، فإذا وقع ما تقدم منه، منع من وقوع ما تأخر عنه (٥). القول الثاني: يرى المالكية (٦)، والحنابلة في رواية (٧) أنه يلزمه الثلاث، وهو قول الأوزاعي والليث، وابن أبي ليلى (٨). • دليل هذا القول: أن الواو في قوله: "طالق وطالق"، يقتضي الجمع، فيقع ما تلفظ به، سواء كان اثنتين أم ثلاثًا (٩). • ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في أن من اعتبر الطلاق واحدة، أن له أن يتزوج المرأة بمهر جديد وعقد جديد، ويكون خاطبًا من الخطاب، أما من اعتبر الطلاق يقع ثلاثًا فإنها لا تحل له إلا من بعد زوج (١٠). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن من طلق امرأته غير المدخول بها واحدة فإنه يقع واحدة. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن من تلفظ بالطلاق في غير المدخول بها ثلاثًا أنه يقع ثلاثًا؛ وذلك لوجود خلاف كبير في المسألة. [١٢ - ١٨٧] جد الطلاق وهزله سواء: إذا تلفظ الزوج بالطلاق، فإنه مؤاخذ به، سواء تكلم به جادًّا أو هازلًا ونقل

стр. 2079

الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال في باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم (١). ٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن طلاق الجد والهزل سواء". ونقله عنه ابن قدامة (٢). ٣ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع" (٣). ٤ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلًا أن الطلاق يلزمه" (٤). ٥ - الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث قال: "وهزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقًا" (٥). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "فدل على وقوع الطلاق من الهازل، وأنه لا يحتاج إلى النية في الصريح، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكى غير واحد اتفاق أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، وإن قال: كنت هازلًا" (٦). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن جد الطلاق وهزله سواء، وأنه يقع وافق عليه الحنفية (٧). وهو قول عمر، وابن مسعود ﵄، وعطاء، وعبيدة السلماني، وأبي عبيد، والثوري (٨). • مستند الإجماع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (٩).

стр. 2080

• الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى أن طلاق الهزل لا يقع، وأن الذي يقع هو ما أوقعه المُطلِّق مختارًا بلسانه، قاصدًا بقلبه (١). • أدلة هذا القول: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢). • وجه الدلالة: صح أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به، فيدخل فيه طلاق الهازل، ما لم ينو (٣). ٢ - قال ابن حزم عن حديث: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، إنه خبر موضوع (٤). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن جد الطلاق وهزله سواء؛ وذلك لخلاف ابن حزم في عدم اعتبار طلاق الهازل. [١٣ - ١٨٨] طلاق زائل العقل بغير سكر لا يقع: قد يزول عقل الإنسان بسبب عارض من مرض يؤثر في عقله؛ كالأورام ونحوها، أو نوم، أو إغماء، أو جنون دائم، فربما تلفظ بالطلاق، وهو على هذه الحال، فلا يقع طلاقه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز" (٥). ٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن المجنون، والمعتوه لا يجوز طلاقه" (٦). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه أن لا طلاق له" (٧).

стр. 2081

٣ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الصبي والمجنون لا يقع" (١). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر، أو ما في معناه لا يقع طلاقه" (٢). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه، فلا طلاق له" (٣). وقال أيضًا: "وسواء زال عقله لجنون، أو إغماء، أو نوم، أو شرْب دواءٍ، أو إكراه على شرب خمر، أو شَرِب ما يزيل عقله شربه، ولا يعلم أنه مزيل للعقل، فكل هذا يمنع وقوع الطلاق رواية واحدة، ولا نعلم فيه خلافًا" (٤). وقال أيضًا: ". . . لا طلاق في إغلاق، . . . ويدخل في هذا المعنى المبرسم (٥) إجماعًا" (٦). ٥ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "ولهذا لم يكن لشيء من أقواله التي تسمع منه في المنام حكم باتفاق العلماء، فلو طلق، أو أعتق، أو تبرع، أو غير ذلك في منامه، كان لغوًا" (٧). وقال أيضًا: "وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، . . . ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه، ولا شراؤه، ولا نكاحه، ولا طلاقه، ولا إقراره، ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو" (٨). ٦ - ابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "فلا ينفذ طلاق مجنون، اتفاقًا" (٩). ٧ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع" (١٠). ٨ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "لو سكر بالبنج والدواء، لا يقع طلاقه بالإجماع، كالنائم" (١١).

стр. 2082

٩ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "وفيه دليل على أن الثلاثة (١) لا يتعلق بهم تكليف، وهو في النائم المستغرق إجماع" (٢). ١٠ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع" (٣). ١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أنه لا يقع (٤) من مجنون، ولا نائم" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من ذهب عقله بلا سكر، فإن طلاقه لا يقع، وافق عليه ابن حزم (٦). وهو قول عثمان، وعلى ﵄، وسعيد ابن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبي قلابة، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي ثور (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٨). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق" (٩). • وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على أن كل طلاق يقع فهو معتبر، إلا ما صدر عن مجنون، أو نائم، أو صغير لا تمييز له.

стр. 2083

النتيجة: تحقق الإجماع على أن من زال عقله بسبب جنون، أو نوم، أو إغماء، أو مرض يؤثر في عقله، فإن طلاقه لا يقع؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [١٤ - ١٨٩] طلاق الصبي لا يقع: إذا طلق الصبي امرأته فإن طلاقه لا يقع؛ لما ورد من اشتراط العقل والبلوغ في المطلق حتى يقع طلاقه، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن طلاق الصبي والمجنون لا يقع" (١). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره البغوي من الشافعية من الاتفاق على أن طلاق الصبي لا يقع وافق عليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والإمام أحمد في رواية عنه (٤)، وابن حزم (٥). وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوري، وأبي ثور، وأبي عبيد (٦). • مستند الاتفاق: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق" (٧). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن كل طلاق يقع فهو معتبر إلا ما صدر عن مجنون أو نائم أو صغير. • الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه هي المذهب إلى أن الصبي الذي يعقل معنى الطلاق (٨) يقع طلاقه، وإن لم يبلغ (٩). وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق (١٠).

стр. 2084

• أدلة هذا القول: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: أتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول اللَّه سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد رسول اللَّه ﷺ المنبر، فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما؛ إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٢). ٣ - أن طلاق الصبي الذي يعقل معنى الطلاق وقع من عاقل، أشبه طلاق البالغ، فيقع (٣). النتيجة: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الصبي لا يقع؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية هي المذهب بوقوعه من الصبي الذي يعقل معنى الطلاق وإن لم يبلغ الحلم. [١٥ - ١٩٠] طلاق السفيه لازم له: السفه: ضعف في العقل، وسوء في التصرف، وأصله من الخفة في الحركة، والسفيه: الجاهل الذي قل عقله، فلا يحسن التصرف (٤). فإذا صدر الطلاق ممن وصف بأنه لا يحسن التصرف؛ فإن طلاقه واقع، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن طلاق السفيه لازم له" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية من الإجماع على أن

стр. 2085

طلاق السفيه يقع وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: أن السفيه مكلف، تصح منه عباداته ونحوها، وهو مالك لمحل الطلاق، فيقع طلاقه كالرشيد (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب أبو يوسف من الحنفية (٥)، وابن أبي ليلى، وعطاء إلى منع وقوع طلاق السفيه (٦). • أدلة هذا القول: ١ - أن السفيه محجور عليه في جميع تصرفاته، فلا يقع طلاقه، كما لا يقع بيعه وشراؤه (٧). ٢ - أن البضع يجري مجرى المال، بدليل أنه يملكه بمال، ويصح أن يزول ملكه عنه بمال، فلم يملك التصرف فيه، كما لا يملكه في المال (٨). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن طلاق السفيه يقع؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن أبي ليلى، وعطاء بعدم وقوع طلاق السفيه. ثانيًا: لم يرد خلاف أبي يوسف في أي من كتب الحنفية، إنما ذكر هذا الخلاف عنه أحد المالكية، فلا ينظر إليه. [١٦ - ١٩١] طلاق الغضبان لا يقع: إذا طلق الرجل امرأته وهو غضبان، وكان في حالة لا يشعر بما يقول، فإن طلاقه لا يقع، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "والغضب على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا

стр. 2086

نزاع (١)، . . . " (٢). وقال أيضًا: "والغضبان الذي يمنعه الغضب من معرفة ما يقول وقصده، فهذا من أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المبرسم، والمجنون، والسكران، بل أسوأ حالًا من السكران؛ لأن السكران لا يقتل نفسه، ويلقي ولده من علو، والغضبان يفعل ذلك، وهذا لا يتوجه فيه نزاع أنه لا يقع طلاقه، والحديث يتناول هذا القسم قطعًا (٣) " (٤). وقال أيضًا: ". . . أن يبلغ به الغضب نهايته، بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه" (٥). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن القيم من أنه لا خلاف في أن طلاق الغضبان لا يقع، ويُقصَد بالغضبان هنا الذي لا يشعر بما يقول كما قاله ابن القيم، وافق عليه الحنفية (٦). • مستند نفي الخلاف: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق (٧) " (٨). • وجه الدلالة: فسر أبو داود الإغلاق -كما فسره غيره- بأنه الغضب، فلا يقع

стр. 2087

عندئذٍ لغضبان طلاق (١). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣) إلى أن طلاق الغضبان يقع، وإن اشتد غضبه عند المالكية، ولم يفرق الشافعية بين حالات الغضب التي ذكرها ابن القيم. وهو قول ابن عباس، وعائشة، وأفتى به جمع من الصحابة ﵁ (٤). • دليل هذا القول: أن طلاق غالب الناس إنما هو في حال الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لكان لكل أحد أن يقول في كل ما جناه: كنت غضبانًا (٥). النتيجة: أولًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في عدم وقوع طلاق الغضبان، سواء كان في أشد حالات الغضب، أو في أقلها؛ لما يأتي: ١ - خلاف المالكية في أن طلاق الغضبان يقع، وإن اشتد غضبه. ٢ - خلاف الشافعية في أن طلاق الغضبان يقع، ولم يفرقوا بين حالة وحالة من حالات الغضب. ثانيًا: قال ابن حجر: القول بعدم وقوع طلاق الغضبان لم يوجد إلا عند متأخري الحنابلة، ولم يوجد عند أحد من متقدميهم، إلا ما أشار إليه أبو داود (٦). [١٧ - ١٩٢] طلاق المريض يقع: إذا طلق المريض امرأته، فإن طلاقه يقع، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يقع طلاق

стр. 2088

المريض" (١)، وابن جزي (٧٤١ هـ) حيث قال: "طلاق المريض نافذ كالصحيح، اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء المالكية من الاتفاق على صحة طلاق المريض وافق عليه الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الاتفاق: استدلوا بعموم الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر الطلاق دون أن تفرق بين المريض وغيره في حكم الطلاق؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله ﷺ "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" (٧). أن الظهار والإيلاء يصح من المريض، فأولى أن يصح منه الطلاق (٨). • الخلاف في المسألة: ذهب الشعبي، وعمرو بن عبيد (٩) (١٠)، إلى أن طلاق المريض غير صحيح، فليس له طلاق، وهي زوجته كما كانت. • دليل هذا القول: لا ينفذ لمريض طلاق؛ لأجل التهمة في الهرب من ميراث زوجته (١١). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن طلاق المريض يصح كما يصح طلاق غير المريض؛ وذلك لوجود خلاف عن الشعبي وغيره. [١٨ - ١٩٣] إذا طلق المريض امرأته ثلاثًا، ورثته إن مات، ولا يرثها إن ماتت: إذا طلق المريض امرأته ثلاثًا، ومات في مرضه الذي طلقها فيه، فإنها ترثه، ولا

стр. 2089

يرثها إن ماتت، وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء طلاق الفارِّ، كأنه طلقها ليفر من أن ترثه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وقد أجمعوا على أن الزوج لا يرثها إن ماتت في العدة، ولا بعد انقضاء العدة إذا طلقها ثلاثًا وهو صحيح، أو مريض" (١). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال بعد أن ذكر الصحابة الذين ورّثوا امرأة المريض منه: ". . . ولا أعلم لهم مخالفًا من الصحابة، إلا عبد اللَّه بن الزبير، فإنه قال: لا أرى أن ترث المبتوتة بحال من الأحوال، وجمهور علماء المسلمين على ما روي عن الصحابة في ذلك" (٢). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إن عثمان ﵁ ورَّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا" (٣). ٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "بإجماع الصحابة توريث امرأة الفارّ" (٤). ٥ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "أما الإجماع: فلأن عثمان ﵁ ورّث تماضر بنت الأصبغ بن زياد الكلبية، من عبد الرحمن بن عوف لما بتّ طلاقها، وهي في العدة بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على توريث امرأة المريض منه إذا طلقها في مرضه ومات في ذلك المرض، وهي في العدة، وعدم توريثه منها إن ماتت هي هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف ﵁، وقال به عروة، وشريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، وربيعة الرأي، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري (٦). • مستند الإجماع: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورّثها

стр. 2090

عثمان بن عفان منه بعد انقضاء عدتها (١). • وجه الدلالة: هذا عثمان ﵁ ورّث امرأة عبد الرحمن بن عوف منه لما بتّ طلاقها وهو مريض، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكره عليه أحد منهم، فصار إجماعًا (٢). • الخلاف في المسألة: يرى الإمام الشافعي في الجديد (٣)، والإمام أحمد في رواية عنه (٤)، وابن حزم (٥) أنها لا ترثه. وبه قال عبد اللَّه بن الزبير ﵁، وأبو ثور، وداود (٦). • أدلة هذا القول: ١ - استدلوا بظاهر الآيات في توريث الزوجات، قالوا: والمبتوتة ليست بزوجة عند جماعة المسلمين (٧). ٢ - عن ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل الذي يطلق المرأة فيبتها ثم يموت وهي في عدتها فقال عبد اللَّه بن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف ﵁ تماضر بنت الأصبغ الكلبية فبتها ثم مات وهي في عدتها فورثها عثمان ﵁، قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة (٨). ٣ - أنها إذا ماتت في العدة فإن الرجل لا يرثها، فلو كانت زوجة لورثها كما ترثه (٩). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن المرأة إذا طلقت ثلاثًا أنها ترث زوجها إذا

стр. 2091

مات في مرضه الذي طلقها فيه؛ للخلاف الوارد عن عبد اللَّه بن الزبير، والإمام الشافعي في الجديد، والإمام أحمد في رواية عنه، وأبي ثور، وابن حزم في عدم توريثها. وعبد اللَّه بن الزبير من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وهو معاصر لعثمان ومن بعده، ولم ينته عصر الإجماع بعد، حتى يُدعى إجماع الصحابة على توريث امرأة الفارّ. [١٩ - ١٩٤] طلاق الأخرس صحيح: إذا طلق الرجل امرأته، وكان أخرس لا يستطيع الكلام، فإن إشارته بالطلاق تقوم مقام الكلام، فتطلق زوجته، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين: أحدهما: من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلق بالإشارة، طلقت زوجته، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في صحة طلاق الأخرس، وأن إشارته بالطلاق تقوم مقام تلفظه به وافق عليه الحنفية في الصحيح لديهم، وعليه الفتوى (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند نفي الخلاف: أن الأخرس لا طريق له إلى تبيين مراده إلا بالإشارة، فيقع طلاقه بالإشارة، فتقوم إشارته مقام كلامه (٦). • الخلاف في المسألة: أولًا: يرى بعض الحنفية (٧)، والمتولي (٨) من. . . . . . .

стр. 2092

الشافعية (١) أن الأخرس إن كان قادرًا على الكتابة فلا يقع طلاقه إلا بالكتابة دون الإشارة. وهو قول النخعي، والثوري، وأبي ثور (٢). • دليل هذا القول: أن الضرورة في قبول إشارة الأخرس قد اندفعت بقدرته على الكتابة فيصار إليها، وهي أقوى من الإشارة (٣). ثانيًا: يرى الحسن البصري، وقتادة أن طلاق الأخرس لا يقع، فيطلق عنه وليه (٤). • دليل هذا القول: أن الأخرس لا يستطيع الكلام، فيقوم وليه مقامه، فيطلق عنه (٥). النتيجة: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن طلاق الأخرس صحيح؛ وذلك لما يلي: ١ - وجود خلاف عن بعض الحنفية، والمتولي من الشافعية، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي ثور -يقيد وقوع طلاق الأخرس فيما إذا لم يقدر على الكتابة، فإن قدر على الكتابة، فلا تعتبر إشارته. ٢ - وجود خلاف عن الحسن البصري وقتادة يجعل التطليق لولي الأخرس، وليس له. [٢٠ - ١٩٥] الطلاق بلفظ الطلاق والفراق والسراح؛ لفظ صريح يقع به الطلاق: إذا تلفظ الرجل بلفظ الطلاق، أو الفراق، أو السراح، فإن هذه ألفاظ صريحة يقع بها الطلاق، ولا تحتاج إلى نية، ونقل الاتفاق على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن ألفاظ الطلاق: طلاق وما تصرف من هجائه مما يفهم معناه" (٦).

стр. 2093

٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لم يختلف فيمن قال لامرأته: قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها، وغير المدخول بها" (١). ٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق والفراق والسراح متى أوقع المكلف لفظة منها، وقع بها الطلاق، وإن لم ينوِه" (٢). ٤ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته: قد طلقتك أنه من صريح الطلاق في المدخول بها، وغير المدخول بها" (٣). ٥ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الطلاق، والفراق، والسراح صريح لا يفتقر إلى نية" (٤). ٦ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن لفظ الطلاق وما تصرّف منه صريح" (٥). • الموافقون على الاتفاق: أولًا: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن لفظ الطلاق لفظ صريح يقع به الطلاق وافق عليه الحنفية (٦). ثانيًا: ما ذكره قاضي صفد من الشافعية، وابن هبيرة من الحنابلة من الاتفاق على أن لفظ الفراق، ولفظ السراح لفظان يدلان على الطلاق صراحة -وافق عليه المالكية في رواية (٧). • مستند الاتفاق: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٣١]. • وجه الدلالة: أن لفظ الطلاق، والفراق، والسراح ألفاظ ورد بها القرآن، ويراد بها الفرقة بين الزوجين، فتكون صريحة في الطلاق، والفراق، والسراح كلفظ الطلاق تمامًا (٨).

стр. 2094

• الخلاف في المسألة: أولًا: لم يختلف الفقهاء في أن لفظ الطلاق لفظ صريح يدل على الطلاق، ولا يحتاج فيه إلى نية. ثانيًا: وقع خلاف بين الفقهاء في لفظي الفراق، والسراح: هل يفتقران إلى نية حتى يقع بهما الطلاق أم لا؟ . فقد ذهب الحنفية (١)، والمالكية في رواية (٢)، وهو القديم عند الشافعية (٣)، وذكره الغزالي بصيغة التمريض، وقال: لا بأس به (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥)، ورجحه ابن قدامة، وابن القيم (٦)، وهو قول ابن حزم (٧) -إلى أن اللفظ الصريح في الطلاق لفظة واحدة فقط؛ وهي لفظة "الطلاق" وما تصرف منها، نحو: التطليق، وأنت طالق، وأنت الطلاق، وطلقتك، دون لفظ "الفراق، والسراح"، فهما من ألفاظ الكناية لا تقع إلا بنية. • أدلة هذا القول: ١ - أنه ثبت في عرف الشرع استعمال هذا اللفظ -الطلاق- صراحة، فيدل على الطلاق صراحة (٨). ٢ - أن لفظ الفراق، والسراح يستعملان في غير الطلاق كثيرًا، فلا يدلان على الطلاق إلا بنية (٩). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن لفظ الطلاق، وما تصرف منه لفظ صريح في الطلاق يدل عليه؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن لفظ الفراق، والسراح ألفاظ صريحة تدل على الطلاق بلا نية؛ لخلاف الحنفية، والمالكية في رواية، والشافعية في القديم، والمذهب عند الحنابلة، وابن حزم، على أنهما لا يدلان على الطلاق إلا بنية.

стр. 2095

[٢١ - ١٩٦] صريح الطلاق يلزم نواه المطلِّق، أم لم ينوه: ثبت في المسألة السابقة الإجماع على أن اللفظ الصريح في الطلاق هو الطلاق وما تصرّف منه، وعلى هذا إذا طلَّق الرجل امرأته باللفظ الصريح وما تصرّف منه فإن طلاقه يقع، سواء نواه أم لم ينوِه، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنوِ به طلاقًا" (١). ونقله عنه الشربيني (٢). ٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أجمع المسلمون على أن الطلاق يقع إذا كان بنية، وبلفظ صريح" (٣). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ذكرنا أن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية، بل يقع من غير قصد، ولا خلاف في ذلك" (٤). ٤ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ولا يفتقر إلى النية؛ لأنه صريح فيه لغلبة الاستعمال على الطلاق، . . . وهذا بإجماع الفقهاء" (٥). ٥ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "وأما كونه لا يفتقر إلى النية فنقل فيه إجماع الفقهاء" (٦). ٦ - ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث قال: "فمتى أتى بصريح الطلاق وقع، نواه أو لم ينوه، بغير خلاف" (٧). ٧ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: ". . . عدم توقفه على النية، ونقل فيه الإجماع" (٨). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن لفظ "الطلاق" لفظ صريح يدل على الطلاق بلا نية وافق عليه ابن حزم (٩).

стр. 2096

• مستند الإجماع: ١ - أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ لما طلق امرأته في حال الحيض، أمره رسول اللَّه ﷺ أن يراجعها (١)، ولم يسأله هل نوى الطلاق أم لم ينوِ، ولو كانت النية شرطًا لسأله، ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، فدل على وقوع الطلاق من غير نية (٢). ٢ - أن ما يعتبر له القول يكتفى فيه به، من غير نية، إذا كان صريحًا فيه كالبيع (٣). ٣ - أن القصد من النية هو تعيين المبهم، ولا إبهام في الطلاق إذا أتى بلفظه الصريح (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه (٥)، وداود (٦) إلى أن الطلاق الصريح لا يقع إلا بنية، وزاد الإمام أحمد: أو قرينة غضب، أو سؤال المرأة الطلاق (٧). • دليل هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٥]. ٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٨). • وجه الدلالة من النصين السابقين: دل النصّان على أنه لا عمل إلا بنية، وأن الإنسان غير مؤاخذ بما لم ينوِ، وأن العمل إذا لم يقترن بالنية فهو غير مقبول (٩). ٣ - رُفع لعمر بن الخطاب أن امرأة قالت لزوجها: سَمِّني، فسماها الظبية، فقالت: ما قلت شيئًا، قال: فهات ما أسميك به، قالت: سمني خلية طالقًا، قال: أنت خلية طالق، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (١٠).

стр. 2097

• وجه الدلالة: هذا حكم من أمير المؤمنين عمر بعدم الوقوع لمّا لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق، بل قصد لفظًا لا يقع به الطلاق، فكان لا بد من النية (١). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن اللفظ الصريح في الطلاق يقع إذا لم ينوه؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية عنه، وداود؛ إذ يريان أنه لا يقع إلا بنية. [٢٢ - ١٩٧] ألفاظ الكناية في الطلاق لا تقع إلا بالنية: يقسِّم الفقهاء الطلاق من حيث اللفظ إلى صريح وكناية (٢)، فالصريح كلفظ الطلاق وما تصرّف منه، ولفظ الفراق والسراح على الخلاف السابق في اعتبارهما من الصريح أو من الكناية. والكناية مثل: أنت بائن، أنت خلية، أنت حرة، أمرك بيدك، اختاري، ونحوها من الألفاظ (٣). فإذا وقع الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية فلا بد فيه من النية، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "ولا خلاف أنه لا يقع الطلاق بشيء من ألفاظ الكناية إلا بالنية" (٤). ٢ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: "وكما يقع الطلاق بالصريح، يقع بالكنايات مع النية، بالإجماع" (٥).

стр. 2098

٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأما الكناية فيقع بها الطلاق مع النية بالإجماع، ولا يقع بلا نية" (١). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الكاساني من الحنفية، والرافعي، والنووي من الشافعية من الإجماع على أن كنايات الطلاق لا تقع إلا بنية، هو قول الأوزاعي، وأبي عبيد، وحمّاد بن أبي سليمان (٢). • مستند الإجماع: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: إن ابنة الجون (٣) لما أدخلت على رسول اللَّه ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" (٤). ٢ - ما ورد في قصة كعب بن مالك (٥) في قصة توبته: جاءه رسول رسول اللَّه ﷺ فقال له: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال كعب: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها (٦). • وجه الدلالة من الحديثين: أن لفظ: "الحقي بأهلك"، ولفظ: "الاعتزال"، من ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية، فلا تعتبر بغير نية من تلفظ بها (٧). ٣ - كُتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ من العراق، أن رجلًا قال لامرأته: حبلك على غاربك، فكتب عمر إلى عامله: أن مرهُ أن يوافيني بمكة في الموسم، فبينا عمر يطوف بالبيت، إذ لقيه الرجل فسلّم عليه، فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا الذي أمرتَ أن أُجلب عليك، فقال له عمر: أسألك برب هذه البنيّة، ما أردت بقولك: حبلك على

стр. 2099

غاربك؟ فقال له الرجل: أردت بذلك الفراق، فقال عمر: هو ما أردت (١). • وجه الدلالة: استحلف عمر ﵁ الرجل ماذا أراد بما تلفظ به، فلما أخبره الرجل بنيته، قال: هو ما أراد، مما يدل على اعتبار النية في كنايات الطلاق. ٤ - أن ألفاظ الكناية قد يراد بها الطلاق عند النطق بها، وقد يراد بها غيره، ولا يفهم المقصود منها من حيث الظاهر، فلا بد من نية المكلف حتى تكون هذه الألفاظ معتبرة في الطلاق (٢). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أن كنايات الطلاق منها ما يقع بلا نية؛ مثل: أنت خلية، وبريّة، وبائن، وبتة، وبتلة. وهذه تسمى كنايات ظاهرة. ومنها ما لا يقع إلا بنية؛ مثل: اخرجي، اذهبي، انصرفي، ذوقي، اغربي. وهذه تسمى كنايات خفية، أو محتملة. ثم اختلف هؤلاء فيما يقع بالكنايات الظاهرة من طلاق: • أولًا: يرى المالكية، والإمام أحمد في رواية عنه، أنها تقع ثلاث تطليقات. وهو قول علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃، وعمر بن عبد العزيز (٥). • دليل هذا القول: أن هذا يروى عن علي، وابن عمر، ولا مخالف لهما، فيكون إجماعًا (٦). • ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها أبو الخطاب، أنه يقع ما نواه من عدد، إن واحدة، فواحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا. • دليل هذا القول: أن الكنايات الظاهرة أحد نوعي الطلاق، فإذا نوى واحدة لم يزد عليها، وإن نوى أكثر وقع ما نواه (٧).

стр. 2100

النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن ألفاظ الكنايات في الطلاق لا تقع بغير نية المتلفظ بها؛ وذلك لوجود خلاف عن المالكية والحنابلة، بأن هناك ألفاظ كنايات تقع بلا نية. [٢٣ - ١٩٨] مجرد النية لا يقع بها طلاق: إذا حدّث الرجل نفسه بطلاق امرأته؛ فنوى طلاقها، فإنه لا يقع، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث قال: "والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الرجل إذا حدِّث نفسه بالطلاق، لم يكن شيئًا حتى يتكلم به" (١). ونقله عنه الشوكاني (٢). ٢ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "والإجماع على أن العازم على طلاق زوجته لا يلزمه بعزمه الطلاق" (٣). ٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "وإذا نوى طلاق زوجته لم يقع طلاق، باتفاق العلماء" (٤). وقال أيضًا: ". . . وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحًا في النكاح في الاستدامة، وهذا مما لا نعرف فيه نزاعًا، وإذًا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكر من الإجماع على أن من نوى طلاق امرأته فلا يقع طلاقه، وافق عليه الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨)، وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، والحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإسحاق (٩). • مستند الإجماع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تجاوز

стр. 2101

عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم" (١). • وجه الدلالة: هذا نص في عدم مؤاخذة المسلم بما حدّث به نفسه، أو همّ به، ما لم يصاحب ذلك قول أو فعل، فمن همّ بالطلاق، ولم يتلفظ به فلا يؤاخذ به، بنص هذا الحديث (٢). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام مالك في رواية عنه، صححها ابن رشد الجد، وقوّاها ابن العربي (٣)، إلى أن من نوى الطلاق بقلبه فإنه يقع بمجرد النية. وهو قول الزهري (٤). • أدلة هذا القول: ١ - حديث عمر بن الخطاب: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٥). • وجه الدلالة: من طلَّق في قلبه، فقد نوى الطلاق، فله ما نواه بنص هذا الحديث. ٢ - لما وقعت الفرقة بنية الردة، جاز أن يقع الطلاق بها، أي: بالنية (٦). ٣ - من كَفَر في نفسه فهو كافو، فكذلك من نوى الطلاق في نفسه فقد طلّق (٧). ثانيًا: ثمة من توقف في هذه المسألة، وهو قول ابن سيرين، فقد سئل عمن طلق في نفسه؛ فقال: أليس اللَّه قد عَلِمَ ما في قلبه؟ قال: بلى، قال: فلا أقول فيها شيئًا (٨). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من طلّق في نفسه ونوى ذلك، لا يقع به طلاق؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام مالك، والزهري من قبله، بوقوع الطلاق بمجرد النية. [٢٤ - ١٩٩] عدم وقوع الطلاق قبل النكاح: إذا قال رجل لامرأة لم يتزوجها بعد: إن تزوجتك فأنت طالق، أو تلك المرأة طالق إن تزوجتها، فإن طلاقه لا يقع، سواء سمى امرأة بعينها، أو أرضًا تنتمي إليها هذه

стр. 2102

المرأة، أم لم يُسمِّ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أنه لو نجز طلاق امرأة قبل النكاح. . . أنه لغو" (١). ٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في عصمة أزواجهن. . . وأنه لا يقع على الأجنبيات" (٢). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لا طلاق قبل النكاح عن عائشة، وعلي، . . . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا" (٣). وقال أيضًا: "لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو لأمة الغير: إن دخلت الدار فأنت حرة، ثم تزوج الأجنبية، وملَكَ الأمة، ودخلتا الدار، فإن الطلاق لا يقع، ولا تعتق الأمة، بغير خلاف نعلمه" (٤). ٤ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "خِطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح، وغيره، لغو، . . . بالإجماع" (٥). ٥ - الصنعانى (١١٨٢ هـ) حيث قال: "إذا قال المطلِّق: إن تزوجت فلانة فهي طالق، مطلق لأجنبية، فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت، وهي زوجته، لم تطلق إجماعًا" (٦). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) فذكره كما قال الصنعاني (٧). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الطلاق قبل النكاح لا يقع، وافق عليه ابن حزم (٨)، سواء سمى امرأة، أو أرضًا تنتمي إليها هذه المرأة، أم لم يُسمِّ. وهو قول علي، ومعاذ، وجابر، وابن عباس، وعائشة ﵃، وابن المسيب، وشريح، والحسن، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وجابر بن زيد،

стр. 2103

ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعروة، وقتادة، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وداود (١). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: الآية ٤٩]. • وجه الدلالة: أخبر اللَّه أن الطلاق بعد النكاح، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن، مما يدل على أنه لا طلاق قبل نكاح (٢). ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (٣). ٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح" (٤). • وجه الدلالة: هذه نصوص صريحة في عدم اعتبار الطلاق قبل النكاح. • الخلاف في المسألة: أولًا: يرى الحنفية (٥)، والإمام أحمد في رواية عنه (٦)، أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهو كما قال، تطلق حين يتزوجها. وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وأعثمان البتي، والزهري، ومكحول، والأوزاعي في رواية (٧). ثانيًا: يرى المالكية (٨) أنه إذا لم يُسمِّ امرأة بعينها، أو قبيلة، أو أرضًا، فلا يلزمه ذلك، وإن سمى امرأة، أو أرضًا، أو قبيلة، لزمه ذلك. وهو قول ابن أبي ليلى،

стр. 2104

والحسن بن صالح بن حي، والنخعي، والشعبي، والليث، والأوزاعي في رواية (١). • أدلة هذين القولين: ١ - أن الحديث نقول بموجبه، فإنه لا طلاق قبل نكاح، لكن إن شرط الطلاق عند النكاح، فقد تحقق المشروط، فيقع النكاح (٢). ٢ - أن قول الزوج: أنتِ طالق إن تزوجتك، ليس تطليقًا للحال، بل هو طلاق يتحقق عند الشرط، وهو التزويج، فيقع (٣). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه لا طلاق قبل النكاح؛ وذلك لما يأتي: ١ - وجود خلاف عن الحنفية، والإمام أحمد في رواية، ومن سبقهم من الصحابة، ومن تلاهم بوقوع الطلاق على هذه الصفة. ٢ - وجود خلاف عن المالكية أنه إن سمى أرضًا، أو امرأة بعينها، فإن طلاقه يقع. [٢٥ - ٢٠٠] تكرار الطلاق، لا يقع منه إلا ما نواه: إذا طلَّق الرجل امرأته، بأن قال لها: أنت طالق، ثم كرر ذلك؛ فإن نوى إيقاع طلقة ثانية وقعت طلقة ثانية، وإن نوى التأكيد فلا يقع إلا واحدة، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالق مرتين، ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت بها طلقتان بلا خلاف" (٤). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في أن من قال لامرأته: أنتِ طالق، ثم كرر ذلك، فإن نوى إيقاع طلقة ثانية، وقع ما نواه، وإن نوى التأكيد لم يقع إلا ما أوقعه قبل التكرار، وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند نفي الخلاف: أن التكرار بلفظ الطلاق وقع لغرض الإيقاع، فيقع ما

стр. 2105

كرره، فإن نوى التأكيد وقع ما أكده (١). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن الرجل إذا طلق امرأته فكرر ذلك، فإن نوى الثانية، أو الثالثة، وقع ما نواه، وإن نوى إفهام المرأة أو التأكيد فيقع واحدة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٦ - ٢٠١] الإشارة بالطلاق: إذا طلق الرجل امرأته، فقال لها: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه، فإن الطلاق يقع بعدد أصابعه التي أشار بها، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ومن قال لامرأته: أنتِ طالق هكذا، يشير بالإبهام والسبابة والوسطى، فهي ثلاث، . . . ولا خلاف في المسألة" (٢). ٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وإن قال: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثًا، وإن قال: أردت بعدد المقبوضتين قُبِل منه، بلا خلاف أعلمه" (٣). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره العيني من الحنفية، والمرداوي من الحنابلة من أنه لا خلاف أن من قال لامرأته: أنتِ طالق، وأشار بأصابعه، فيقع العدد الذي أشار به، وافق عليه المالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، يعني: ثلاثين، "وهكذا وهكذا وهكذا"، يعني: تسعًا وعشرين، يقول مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين (٦). • وجه الدلالة: أن قوله: "هكذا وهكذا وهكذا"، تصريح في العدد، فمن طلق امرأته، وأشار بأصابعه، وقال هكذا، وقع ما أشار به (٧).
следующие страницы →