← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم" (١). • وجه الدلالة: هذا نص في عدم مؤاخذة المسلم بما حدّث به نفسه، أو همّ به، ما لم يصاحب ذلك قول أو فعل، فمن همّ بالطلاق، ولم يتلفظ به فلا يؤاخذ به، بنص هذا الحديث (٢). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام مالك في رواية عنه، صححها ابن رشد الجد، وقوّاها ابن العربي (٣)، إلى أن من نوى الطلاق بقلبه فإنه يقع بمجرد النية. وهو قول الزهري (٤). • أدلة هذا القول: ١ - حديث عمر بن الخطاب: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٥). • وجه الدلالة: من طلَّق في قلبه، فقد نوى الطلاق، فله ما نواه بنص هذا الحديث. ٢ - لما وقعت الفرقة بنية الردة، جاز أن يقع الطلاق بها، أي: بالنية (٦). ٣ - من كَفَر في نفسه فهو كافو، فكذلك من نوى الطلاق في نفسه فقد طلّق (٧). ثانيًا: ثمة من توقف في هذه المسألة، وهو قول ابن سيرين، فقد سئل عمن طلق في نفسه؛ فقال: أليس اللَّه قد عَلِمَ ما في قلبه؟ قال: بلى، قال: فلا أقول فيها شيئًا (٨). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من طلّق في نفسه ونوى ذلك، لا يقع به طلاق؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام مالك، والزهري من قبله، بوقوع الطلاق بمجرد النية. [٢٤ - ١٩٩] عدم وقوع الطلاق قبل النكاح: إذا قال رجل لامرأة لم يتزوجها بعد: إن تزوجتك فأنت طالق، أو تلك المرأة طالق إن تزوجتها، فإن طلاقه لا يقع، سواء سمى امرأة بعينها، أو أرضًا تنتمي إليها هذه

стр. 2102

المرأة، أم لم يُسمِّ، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: "اتفق أهل العلم على أنه لو نجز طلاق امرأة قبل النكاح. . . أنه لغو" (١). ٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في عصمة أزواجهن. . . وأنه لا يقع على الأجنبيات" (٢). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لا طلاق قبل النكاح عن عائشة، وعلي، . . . ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فيكون إجماعًا" (٣). وقال أيضًا: "لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو لأمة الغير: إن دخلت الدار فأنت حرة، ثم تزوج الأجنبية، وملَكَ الأمة، ودخلتا الدار، فإن الطلاق لا يقع، ولا تعتق الأمة، بغير خلاف نعلمه" (٤). ٤ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "خِطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح، وغيره، لغو، . . . بالإجماع" (٥). ٥ - الصنعانى (١١٨٢ هـ) حيث قال: "إذا قال المطلِّق: إن تزوجت فلانة فهي طالق، مطلق لأجنبية، فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت، وهي زوجته، لم تطلق إجماعًا" (٦). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) فذكره كما قال الصنعاني (٧). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الطلاق قبل النكاح لا يقع، وافق عليه ابن حزم (٨)، سواء سمى امرأة، أو أرضًا تنتمي إليها هذه المرأة، أم لم يُسمِّ. وهو قول علي، ومعاذ، وجابر، وابن عباس، وعائشة ﵃، وابن المسيب، وشريح، والحسن، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وجابر بن زيد،

стр. 2103

ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعروة، وقتادة، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وداود (١). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: الآية ٤٩]. • وجه الدلالة: أخبر اللَّه أن الطلاق بعد النكاح، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن، مما يدل على أنه لا طلاق قبل نكاح (٢). ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (٣). ٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح" (٤). • وجه الدلالة: هذه نصوص صريحة في عدم اعتبار الطلاق قبل النكاح. • الخلاف في المسألة: أولًا: يرى الحنفية (٥)، والإمام أحمد في رواية عنه (٦)، أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهو كما قال، تطلق حين يتزوجها. وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وأعثمان البتي، والزهري، ومكحول، والأوزاعي في رواية (٧). ثانيًا: يرى المالكية (٨) أنه إذا لم يُسمِّ امرأة بعينها، أو قبيلة، أو أرضًا، فلا يلزمه ذلك، وإن سمى امرأة، أو أرضًا، أو قبيلة، لزمه ذلك. وهو قول ابن أبي ليلى،

стр. 2104

والحسن بن صالح بن حي، والنخعي، والشعبي، والليث، والأوزاعي في رواية (١). • أدلة هذين القولين: ١ - أن الحديث نقول بموجبه، فإنه لا طلاق قبل نكاح، لكن إن شرط الطلاق عند النكاح، فقد تحقق المشروط، فيقع النكاح (٢). ٢ - أن قول الزوج: أنتِ طالق إن تزوجتك، ليس تطليقًا للحال، بل هو طلاق يتحقق عند الشرط، وهو التزويج، فيقع (٣). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه لا طلاق قبل النكاح؛ وذلك لما يأتي: ١ - وجود خلاف عن الحنفية، والإمام أحمد في رواية، ومن سبقهم من الصحابة، ومن تلاهم بوقوع الطلاق على هذه الصفة. ٢ - وجود خلاف عن المالكية أنه إن سمى أرضًا، أو امرأة بعينها، فإن طلاقه يقع. [٢٥ - ٢٠٠] تكرار الطلاق، لا يقع منه إلا ما نواه: إذا طلَّق الرجل امرأته، بأن قال لها: أنت طالق، ثم كرر ذلك؛ فإن نوى إيقاع طلقة ثانية وقعت طلقة ثانية، وإن نوى التأكيد فلا يقع إلا واحدة، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالق مرتين، ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت بها طلقتان بلا خلاف" (٤). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في أن من قال لامرأته: أنتِ طالق، ثم كرر ذلك، فإن نوى إيقاع طلقة ثانية، وقع ما نواه، وإن نوى التأكيد لم يقع إلا ما أوقعه قبل التكرار، وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند نفي الخلاف: أن التكرار بلفظ الطلاق وقع لغرض الإيقاع، فيقع ما

стр. 2105

كرره، فإن نوى التأكيد وقع ما أكده (١). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن الرجل إذا طلق امرأته فكرر ذلك، فإن نوى الثانية، أو الثالثة، وقع ما نواه، وإن نوى إفهام المرأة أو التأكيد فيقع واحدة؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٦ - ٢٠١] الإشارة بالطلاق: إذا طلق الرجل امرأته، فقال لها: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه، فإن الطلاق يقع بعدد أصابعه التي أشار بها، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ومن قال لامرأته: أنتِ طالق هكذا، يشير بالإبهام والسبابة والوسطى، فهي ثلاث، . . . ولا خلاف في المسألة" (٢). ٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وإن قال: أنتِ طالق هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثًا، وإن قال: أردت بعدد المقبوضتين قُبِل منه، بلا خلاف أعلمه" (٣). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره العيني من الحنفية، والمرداوي من الحنابلة من أنه لا خلاف أن من قال لامرأته: أنتِ طالق، وأشار بأصابعه، فيقع العدد الذي أشار به، وافق عليه المالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، يعني: ثلاثين، "وهكذا وهكذا وهكذا"، يعني: تسعًا وعشرين، يقول مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين (٦). • وجه الدلالة: أن قوله: "هكذا وهكذا وهكذا"، تصريح في العدد، فمن طلق امرأته، وأشار بأصابعه، وقال هكذا، وقع ما أشار به (٧).

стр. 2106

٢ - أن الإشارة بالأصابع يفيد العلم بالعدد، فهو تصريح في تشبيه الطلاق بعدد الأصابع المشار بها (١). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن من تلفظ بطلاق امرأته، وأشار بأصابعه، وقال: هكذا، فيقع الطلاق بعدد ما أشار به من أصابعه؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٧ - ٢٠٢] الشك في الطلاق: إذا شك الرجل: هل طلق امرأته أم لا؟ فلا يلزمه شيء، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "إن كان الشك في أصله: هل طلق أم لا؟ لم يلزمه الطلاق، . . . وهذا متفق عليه" (٢). ٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "إذا شك: هل طلق أم لا؟ لم تطلق بلا نزاع" (٣). ٣ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "من شك في طلاقه فلا نحكم بوقوعه، قال المحاملي (٤) بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: أولًا: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من شك في أصل الطلاق، لم يلزمه شيء، وافق عليه الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وابن حزم (٨).

стр. 2107

• مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: الآية ٣٦] • وجه الدلالة: جاء الأمر بعدم اتباع ما لا يعني، ولم يتيقنه الإنسان، فيتركه، ويأخذ بما يعلم (١). ٢ - عن عبد اللَّه بن زيد (٢) ﵁ قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٣) • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمره أن يبني على اليقين، وأن يطرح ما شك فيه، فلا عبرة لمن شك في أصل الطلاق، أو في عدده، فيبني على ما تيقن (٤). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الشك إذا وقع في أصل الطلاق، فلا اعتبار به، فلا يقع الطلاق؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٨ - ٢٠٣] الشك في عدد الطلاق: إذا شك الرجل فلم يدر كم طلق امرأته، واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا، فإن الواحدة تلزمه، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من شك: هل طلق امرأته مرة أو مرتين أو ثلاثًا، أن الواحدة له لازمة" (٥). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن حزم من الاتفاق على أن من شك هل طلق واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا، لزمته واحدة، وافق عليه الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). لكن الورع عند الشافعية، والحنابلة هو التزام الأكثر دون الحكم

стр. 2108

بوقوعه. • مستند الاتفاق: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسَراء: الآية ٣٦]. • وجه الدلالة: جاء الأمر بعدم اتباع ما لا يعني، ولم يتيقنه الإنسان، فيتركه، ويأخذ بما يعلم (١). ٢ - عن عبد اللَّه بن زيد ﵁ قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمره أن يبني على اليقين، وأن يطرح ما شك فيه، فلا عبرة لمن شك في أصل الطلاق، أو في عدده، فيبني على ما تيقن (٣). ٣ - الأقل هو اليقين، والزيادة مشكوك فيها، فلا يزول اليقين بالشك (٤). • الخلاف في المسألة: يرى المالكية (٥) أن من شك: هل طلق واحدة، أم اثنتين، أم ثلاثًا، فإنه يلزم بالأكثر، فلو كانت الأكثر هي الثلاث، فلا تحل له المرأة إلا من بعد زوج. • أدلة هذا القول: ١ - عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه" (٦). ٢ - عن الحسن بن علي ﵁ قال: كان مما حفظت من رسول اللَّه ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٧). • وجه الدلالة من الحديثين: الدعوة إلى خروج الإنسان من دائرة الشك، فيعمل بما هو أحوط، والاحتياط هو إيقاع الطلاق.

стр. 2109

٣ - القاعدة عند المالكية تقول: "الشك في الزيادة كتحققها)، فينزل المشكوك فيه هنا بمنزلة المتحقق، فيقع الطلاق للاحتياط (١). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من شك هل طلق واحدة أم اثنتين، أم ثلاثًا أنه يبني على الأقل؛ لوجود خلاف عن المالكية في أمره بالأخذ بالأكثر. [٢٩ - ٢٠٤] طلاق الحر ثلاث، وطلاق العبد طلقتان: للحر أن يطلق ثلاث تطليقات، وللعبد أن يطلق طلقتين، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت متفرقات" (٢). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ولا خلاف في أن الحر الذي زوجته حرة، طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحته أمَة، طلاقه اثنتان" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن رشد من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث، وطلاق العبد اثنتان، وما ذكره ابن قدامة، وابن قاسم من الحنابلة، من أنه لا خلاف أن الحر الذي تحته حرة أن طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحت أمة أن طلاقه اثنتان، وافق عليه الشافعية (٥)، فالطلاق عندهم معتبر بالرجال، فيطلق الحر ثلاث تطليقات، حرة كانت امرأته أو أمة، ويطلق العبد تطليقتين، حرة كانت امرأته أو أمة. وهو قول عثمان، وزيد، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة ﵃، وسعيد بن المسيب، والقاسم ابن محمد، وسالم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى الأنصاري، وربيعة الرأي، وأبي الزناد، وسليمان بن يسار (٦). • مستند الاتفاق: ما ورد من الآيات في ذكر الطلاق؛ نحو: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠].

стр. 2110

• وجه الدلالة: ذكر اللَّه تعالى أن الطلاق مرتان، ثم ذكر أنه إن طلقها ثالثة فلا تحل له إلا من بعد زوج، فيكون طلاق كل زوج ثلاث تطليقات، إلا ما استُثني من الرقيق (١). ٣ - تخصص الآيات الواردة في طلاق الحر، بما ورد في العبد أنه على النصف من الحر في الحدود، وفي العدة، ونحوها، فيكون طلاقه على النصف من طلاق الحر (٢). ٤ - أن مكاتبًا لأم سلمة زوج النبي ﷺ طلق امرأة حرة تطليقتين، فاستفتى عثمان بن عفان فقال: حرمت عليك (٣). ٥ - أن ابن عمر كان يقول: إذا طلق العبد امرأته تطليقتين، فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، حرة كانت أو أمة (٤). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (٥)، والإمام أحمد في رواية عنه (٦)، إلى أن الطلاق معتبر بالنساء، فيملك زوج الحرة ثلاث تطليقات، حرًّا كان أو عبدًا، ويملك زوج الأمة تطليقتين حرًا كان أو عبدًا. وهو قول علي، وابن مسعود ﵄، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والنخعي، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي (٧). • أدلة هذا القول: حملوا ما ورد من الأدلة التي ذكرت الطلاق على أن المراد بها الحرة، لقرائن وردت في كتاب اللَّه؛ منها: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. قالوا: الأمة لا تملك الافتداء بغير إذن المولى (٨)، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية: ٢٣٠]. قالوا: والأمة لا تستيطع أن تنكح نفسها بغير إذن

стр. 2111

مولاها (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]. قالوا: أي: يتناكحا بعد طلاق الزوج الثاني، وهذا في الحر والحرة (٢). استدلوا بما روته عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان" (٣). • وجه الدلالة: جعل النبي ﷺ طلاق الإماء اثنتين؛ إذ دخلت لام الجنس على الأَمَة، فيشمل بذلك كل أَمَة، سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، فلا تطلق سوى طلقتين (٤). عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء" (٥). ثانيًا: قال عبد اللَّه بن عمر ﵄ (٦)، وعثمان البتي: ينظر لحال الزوجين، فأيهما كان رقيقًا كان الطلاق بسبب رقه تطليقتين، فالحر يطلق الأمة تطليقتين، وتعتد بحيضتين، والعبد يطلق الحرة تطليقتين، وتعتد بثلاث حيض (٧). ثالثًا: يرى ابن حزم أنه لا فرق بين طلاق الحر وطلاق العبد، فالزوج يطلق ثلاث تطليقات، حرًا كان أو عبدًا، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة (٨). وقواه الزركشي من

стр. 2112

الحنابلة (١). • أدلة هذا القول: ١ - حملوا الآيات الواردة في الطلاق على كل مطلِّق، فإن اللَّه تعالى سوَّى بين طلاق كل ناكح من حر أو عبد، أو عربي أو عجمي، أو مريض أو صحيح (٢). ٢ - أن الطلاق بيد الناكح، وليس بيد سواه، فيستوي فيه الحر والعبد (٣). النتيجة: أولًا: صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث تطليقات، ويحمل ذلك فيما إذا كانت تحته حرة فقط. ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن طلاق الحر ثلاث تطليقات مطلقًا، والعبد تطليقتان؛ وذلك لما يأتي: ١ - أن الحنفية، والإمام أحمد في رواية عنه جعلوا الطلاق معتبرًا بالنساء، فيملك زوج الحرة ثلاث تطليقات، حرًّا كان أو عبدًا، ويملك زوج الأمة تطليقتين، حرًّا كان أو عبدًا. وهو قول علي، وابن مسعود ﵄، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، والنخعي، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي. ٢ - أن ابن عمر ﵄، وعثمان البتي جعلا طلاق الحر إذا كان تحته أمة تطليقتين. ٣ - أن ابن حزم جعل الحر، والعبد يستويان في عدد الطلقات، سواء كان تحت أحدهما حرة، أو أمة. [٣٠ - ٢٠٥] طلاق العبد بيده لا بيد سيده: العبد يملك الطلاق، فله أن يطلق دون إذن سيده؛ فإن الطلاق بيده، وليس بيد سيده، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "ولم يختلف في ذلك أئمة الأمصار كلهم يقول: الطلاق بيد العبد، لا بيد السيد" (٤). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من أنه لا خلاف في أن طلاق

стр. 2113

العبد بيده لا بيد سيده وافق عليه الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم (٤). وهو قول عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر ﵃، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول، والزهري، وداود (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: الآية ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٣١]. • وجه الدلالة: سوّى اللَّه بين طلاق كل ناكح من حر أو عبد، فجعل الطلاق له؛ لأن له الإمساك، وهو الرجعة (٦). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: أتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول اللَّه، سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد رسول اللَّه ﷺ المنبر، فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٧). قال ابن القيم: وإن كان في إسناد هذا الحديث ما فيه، إلا أن القرآن يعضده، وعليه عمل الناس (٨). • الخلاف في المسألة: أولًا: من يرى أن الطلاق بيد السيد وليس بيد العبد؛ وهو قول عبد اللَّه بن عباس، وجابر بن عبد اللَّه ﵄، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار (٩). • دليل هذا القول: تقرر أن العبد لا يجوز له أن ينكح بغير إذن سيده، فللسيد عندئذٍ الخيار بين إجازة النكاح، أو التفريق بينهما (١٠).

стр. 2114

ثانيًا: من يرى أن الطلاق للسيد المشتري، فإذا كان للعبد زوجة فباعه سيده، فالطلاق لسيده الذي اشتراه؛ وهو قول عروة بن الزبير (١). • دليل هذا القول: أن من اشترى عبدًا وله زوجة يمكن أن يرى في هذا عيبًا يرد به النكاح، وللسيد المشتري التخلص من هذا العيب؛ فإن المشتري يملك من العبد ما يملكه البائع من حقوق الخدمة ونحوها، ونكاحه قد يعيق تأدية هذه الخدمة (٢). النتيجة: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن طلاق العبد بيده لا بيد سيده؛ لخلاف ابن عباس، وجابر ﵃، ومن قال بقولهما من التابعين، وكذلك خلاف عروة بن الزبير. [٣١ - ٢٠٦] إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، فلا تحل له إلا من بعد زوج: نقل الإجماع جمع من أهل العلم على أن الرجل إذا طلق امرأته التي دخل بها ثلاث تطليقات أنها لا تحل له إلا من بعد زوج. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنها لا تحل له إلا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي ﷺ " (٣). ٢ - الجوهري (٣٥٠ هـ) حيث قال: "وأجمع أهل العصر الأول أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا تحل للزوج المطلق لها ذلك الطلاق إلا بعد خروجها من عدتها منه، وبعد زوج يجامعها، ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه" (٤). ٣ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "لا يحل له العقد عليها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وللإجماع الثابت فيه" (٥). ٤ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من تزوج امرأة، ثم طلقها طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها، ولم تتزوج، ثم نكحها ابتداء نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة، ثم طلقها ثانية طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها،

стр. 2115

ولم تتزوج، ثم نكحها ثالثة نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة، ثم طلقها طلاقًا صحيحًا: فإنها لا تحل له إلا بعد زوج" (١). ٥ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق امرأته طلقة، أو طلقتين، فله مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره" (٢). ونقله عنه القرطبي (٣). ٦ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا طلق ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره" (٤). وقال أيضًا: "واتفقوا على أن النكاح هاهنا هو الإصابة، واتفقوا على أنه شرط في جواز عودها إلى الأول" (٥). ٧ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "أما البائنة بالثلاث فإن العلماء كلهم متفقون على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا بعد الوطء" (٦). ٨ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، . . . وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه" (٧). ٩ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: "المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] الطلقة الثالثة ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه" (٨). ١٠ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة" (٩). وقال أيضًا: "والمقصود هنا إذا وقع بها الثلاث، حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين، كما دل عليه الكتاب والسنة" (١٠).

стр. 2116

١١ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من طلق زوجته ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها في نكاح صحيح" (١). ١٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: ". . . بالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاثًا أنها تحرم عليه" (٢). ١٣ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: ". . . وجب الوطء بحديث العسيلة، فإنه خبر مشهور يجوز به الزيادة على النص، وهذا لا خلاف فيه" (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا من بعد زوج، ولا بد فيه من الإصابة، هو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعائشة ﵃، ومسروق، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وأبي عبيد (٤). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] • وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا بد أن تنكح المرأة المطلقة زوجًا غير الذي طلقها حتى تحل له، ولا بد أن يجتمع العقد، والوطء؛ لأنه لو عقد عليها دون وطء لا تحل للأول، وإن وطئها دون عقد لا تحل للأول أيضًا، قال الطبري: "لإجماع الأمة جميعًا"، فلا بد من العقد والوطء (٥). ٢ - أن امرأة رفاعة لما تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، أتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجي أبتّ طلاقي، وقد تزوجتُ عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها النبي ﷺ : "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٦). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن المرأة لا تحل لزوجها الذي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره، فيطأها وطءًا صحيحًا. • الخلاف في المسألة: ورد خلاف في المسألة -سبقت الإشارة إليه- على النحو التالي:

стр. 2117

أولًا: ذهب سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير إلى أنه يكفي حتى تحل المرأة لزوجها الأول مجرد عقد الزوج الثاني. ثانيًا: قال الحسن البصري لا تكفي مجرد الإصابة، بل لا بد من الإنزال. النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا لا تعود لزوجها الأول إلا من بعد أن تنكح زوجًا غيره، ولا بد من الوطء في هذا النكاح. ثانيًا: سبق ذكر قول من خالف في أنه يكفي مجرد العقد، وقد وصف بالشذوذ، وأُعيدُ ما سبق قبل في الجواب عن هذا الخلاف: ١ - لعل سعيد بن المسيب، وابن جبير لم يبلغهما حديث العسيلة، أو لم يصح عندهما، فأخذا بظاهر القرآن (١). ٢ - إن هذا القول لم نعلم أحدًا قال به إلا الخوارج؛ كما قال ابن المنذر (٢). ٣ - إنه قول شاذ، صحت السنة بخلافه، وانعقد الإجماع قبله وبعده (٣). ٤ - من عقد نكاحًا على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضى فسخه؛ ولا يعتبر فيه خلافه؛ لأنه خارج عن إجماع العلماء (٤). ٥ - ما ورد عن سعيد بن جبير لم يوجد مسندًا عنه في كتاب، إنما نقله أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٥). ٦ - إن العسيلة التي لابد من ذوقها بين الزوجين هي مجرد التقاء الختانين بينهما، أما الإنزال فيسمى: "الدبيلة"، فإن الرجل لا يزال في لذة من الملاعبة، حتى إذا أولج فقد عسّل، ثم يتقاطر منه ما فيه عناء نفسه، وإتعاب أعضائه، فالإنزال أقرب إلى الحنظلية منه إلى العسيلية؛ لأنه يبدأ بلذة، ويختم بألم (٦).

стр. 2118

[٣٢ - ٢٠٧] إذا طلقها ثلاثًا فتزوجت غيره، ثم تزوجها الأول، فترجع إليه على ثلاث طلقات: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا فإنها تحرم عليه، ولا تحل له إلا من بعد زوج، فإن طلقها الثاني وعادت إلى الأول، فإنها ترجع إليه، فيملك الزوج عليها ثلاث تطليقات جديدة، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة ثلاثًا، ثم انقضت عدتها، ونكحت زوجًا غيره، ودخل بها، ثم فارقها وانقضت عدتها، ثم ينكحها الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات جديدة" (١). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن المطلق إذا بانت زوجته منه، ثم تزوجها، . . . فهذه ترجع إليه على طلاق ثلاث، بإجماع أهل العلم" (٢). ٣ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "وإن ثلث الطلاق بأن طلقها ثلاثًا، وجدد نكاحها بعد زوج دخل بها وفارقها، وانقضت عدتها منه، عادت بثلاث بالإجماع" (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة من الإجماع على أن المرأة إذا طلقها زوجها الأول بالثلاث، فنكحت غيره، ثم عادت بعد أن طلقها الثاني، عادت إليه بثلاث تطليقات وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: أن طلاق الزوج الثاني للمرأة مثبت لحلها لزوجها الأول، وإثبات الحل يجعله يتسع لثلاث طلقات (٧). ٢ - لا يمكن بناء العقد الثاني على العقد الأول، فيكون نكاحًا مستفتحًا بأحكامه (٨).

стр. 2119

النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا، ثم عادت إليه، أنها تعود إليه بثلاث تطليقات؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٣ - ٢٠٨] إذا طلق امرأته المدخول بها دون الثلاث، تعود إليه برجعة، أو بعقد جديد بعد العدة، وبما بقي عليها من الطلاق: إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة أو طلقتين، فإنها تعود إليه برجعة قبل أن تنتهي عدتها، فإن انتهت عدتها عادت إليه بعقد جديد، وتعود إليه بما بقي عليها من طلاق إن نكحها قبل زوج، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن له الرجعة في المدخول بها ما لم تنقض العدة، فإذا انقضت العدة فهو خاطب من الخطاب" (١). ٢ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "إذا طلقها دون الثلاث، ثم عادت قبل أن تتزوج، فإنها تعود على ما بقي من الطلاق، بلا خلاف" (٢). ٣ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "ما يستبيحه المطلق بالرجعة من غير عقد، وهو ما دون الثلاث في المدخول بها، فيستبيحها الزوج؛ بأن يراجعها في العدة، فإن نكحها قبل زوج، . . . كانت معه على ما بقي من الطلاق، إجماعًا" (٣). ٤ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق نوعان: بائن ورجعي، وأن الرجعي هو الذي ملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها، وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها، . . . ولا خلاف في هذا" (٤). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: ". . . أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة، أو نكاح جديد قبل زوج ثانٍ، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها، بغير خلاف نعلمه" (٥). ٦ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "ولو طلق دون ثلاث وراجع من طلقها، أو جدد نكاحها. . . عادت ببقية الثلاث، أما إذا لم يكن بعد زوج، فبالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الرجل إذا طلق

стр. 2120

امرأته المدخول بها دون الثلاث، أن له رجعتها قبل انتهاء العدة، فإن انتهت العدة تعود إليه بعقد جديد، وتعود بما بقي من الطلاق إن لم تكن تزوجت - وافق عليه الحنفية (١)، وابن حزم (٢). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: الآية ١] وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. ٢ - ما ورد عن عبد اللَّه بن عمر أنه لما طلق امرأته في الحيض، فقال النبي ﷺ لعمر: "مُرهُ فليراجعها. . . " (٣). ٣ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها (٤). • وجه الدلالة: دلت هذه النصوص على حق الزوج في الرجعة ما لم تنته العدة، فإن انتهت، كان خاطبًا من الخطاب إن أراد أن ينكحها، إذا كان الطلاق دون الثلاث. النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته دون الثلاث، فله مراجعتها قبل العدة، وله أن يعقد عليها عقدًا جديدًا بعد العدة، فإن كانت لم تتزوج عادت إليه بما بقي من الطلاق، وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٤ - ٢٠٩] إذا طلق امرأته غير المدخول بها طلقة واحدة، فلا تحل له إلا بعقد جديد: إذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول طلقة واحدة، فإنها تحرم عليه، ولا يحل له مراجعتها؛ لأن الرجعة على المعتدة، وهذه لا عدة عليها؛ وإن أراد أن ينكحها فلا بد من عقد جديد، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - المروزي (٢٩٤ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقة، ولم يدخل بها، أنها قد بانت منه، وليس له عليها رجعة، وليس عليها عدة" (٥). ٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته، ولم يدخل

стр. 2121

بها طلقة أنها قد بانت منه، ولا تحل له إلا بنكاح جديد، ولا عدة له عليها" (١). ٣ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن التي طُلِّقت ولم تكن وُطِئَت في ذلك النكاح. . . فلا عدة عليها أصلًا، وأن لها أن تنكح من يحل له نكاحها، . . . ولا رجعة للمطلق عليها" (٢). وقال أيضًا: "واتفقوا أن التي لا عدة عليها لا رجعة له عليها إلا على حكم ابتداء النكاح الجديد" (٣). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة، ولا يستحق مطلقها رجعتها، . . . وإن رغب مطلقها فيها؛ فهو خاطب من الخطاب، يتزوجها برضاها بنكاح جديد، وترجع إليه بطلقتين، وإن طلقها اثنتين، ثم تزوجها، رجعت إليه بطلقة واحدة، بغير خلاف بين أهل العلم" (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن غير المدخول بها إذا طلقت طلقة واحدة، فلا تحل لزوجها إلا بعقد جديد - وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: الآية ٤٩] • وجه الدلالة: بين أن لا عدة على غير المدخول بها فتبين بمجرد طلاقها، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها، لا رجعة عليها، ولا نفقة لها (٧). ٢ - أن الرجعة إنما تكون في العدة، ولا عدة قبل الدخول (٨). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته غير المدخول بها طلقة واحدة أنها لا تحل له إلا بعقد جديد؛ وذلك لعدم وجود مخالف.

стр. 2122

[٣٥ - ٢١٠] من طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، فمات أحدهما في العدة، فإنهما يتوارثان: نُقل الإجماع على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقًا يملك رجعتها فيه، ومات أحدهما في العدة، فإنهما يتوارثان. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق زوجته مدخولًا بها طلاقًا يملك رجعتها، وهو صحيح أو مريض، فمات، أو ماتت قبل أن تنقضي عدتها، فإنهما يتوارثان" (١). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن من طلق زوجته طلاقًا يملك فيه رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة، أن عليها عدة الوفاة، وترثه" (٢). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "اتفقوا أن من طلق امرأته -التي نكحها نكاحًا صحيحًا- طلاق سنة، وهي ممن يلزمها عدة من ذلك الطلاق، فطلقها مرة، أو مرة بعد مرة، فله مراجعتها شاءت أم أبت، بلا ولي ولا صداق، ما دامت في العدة، وأنهما يتوارثان، ما لم تنقض العدة" (٣). ٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "فإن كانت العدة من طلاق رجعي، فمات أحد الزوجين قبل انقضاء العدة، ورثه الآخر بلا خلاف" (٤). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "والرجعية زوجة، يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه، بالإجماع" (٥). وقال أيضًا: "إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها، لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة، سواء كان في المرض أو في الصحة، بغير خلاف نعلمه" (٦). ٥ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "اتفق الناس أن المطلقة الرجعية ترث وتورث في العدة، وقع الطلاق في المرض أو الصحة" (٧). ٦ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "وقيد بالبائن؛ لأن في الرجعي يرثها وترثه في

стр. 2123

العدة، وإن طلق في الصحة لقيام النكاح، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في طلاق يملك الرجعة بعد الدخول يتوارثان في العدة" (١). ٧ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "ويتوارثان -أي: الزوج المريض وزوجته- في عدة طلاق رجعي بالإجماع" (٢). ٨ - الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث قال: "ويتوارثان، أي: من طلق مرضًا والمطلقة، فى عدة طلاق رجعي إجماعًا" (٣). ٩ - البهوتي (١٠٥١ هـ) حيث قال: "بل يتوارثان في طلاق رجعي، ما دامت فى العدة، سواء كان في المرض أو الصحة، . . . بغير خلاف" (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، فمات أحدهما في العدة أنهما يتوارثان، هو قول أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ (٥). • مستند الإجماع: أن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح، فتبقى زوجته بعد الطلاق، وقبل انتهاء العدة، فيلحقها كل ما يلحق الزوجة قبل الطلاق من ظهار وإيلاء، ولعان، ونحوه (٦)، فيرثها وترثه بما جاء في آيات المواريث. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّساء: الآية ١٢]. النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا، ثم مات أحدهما قبل انقضاء العدة، فإن الآخر يرث صاحبه؛ وذلك لعدم وجود مخالف. * * *

стр. 2124

[٣٦ - ٢١١] من طلق زوجته في صحته طلاقًا بائنًا، فلا يتوارثان، سواء مات أحدهما في العدة أو بعدها: سبق القول فيمن طلق امرأته، وهو مريض، ثم مات في مرضه ذلك أنها ترثه، أما إن طلق امرأته، وهو صحيح، وكان الطلاق بائنًا، ثم مات أحدهما قبل العدة أو بعدها، فلا يرث أحدهما الآخر، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث قال: "لا ترث مبتوتة في عدة كانت، أو غير عدة، . . . وأجمع المسلمون أنه إذا طلقها ثلاثًا، ثم آلى منها لم يكن موليًا، وإن تظاهر لم يكن متظاهرًا، وإذا قذفها لم يكن له أن يلاعنها، ويبرأ من الحد، وإن ماتت لم يرثها، فلما أجمعوا جميعًا أنها خارجة من معاني الأزواج، لم ترثه" (١). ٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن من طلق امرأته ثلاثًا، وهو صحيح، في كل قرء تطليقة، ثم مات أحدهما، أن لا ميراث للحي منهما من الميت" (٢). وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن المطلقة ثلاثًا لو ماتت لم يرثها المطلِّق؛ وذلك لأنها غير زوجته" (٣). ٣ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "قسم يقطع التوارث بينهما، وهو الطلاق البائن في الصحة. . . فلا يرثها ولا ترثه، سواء كان الموت في العدة أو بعدها؛ لارتفاع النكاح بينهما، وهذا إجماع" (٤). ٤ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن المطلقة ثلاثًا على حكم السنة، والتي انقضت عدتها من الطلاق الرجعي، ومن الخلع، ومن الفسخ، لا ترثه ولا يرثها" (٥). ٥ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث، فإن كان ذلك في حال الصحة، فمات أحدهما، لم يرثه صاحبه. . . بالإجماع" (٦).

стр. 2125

٦ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وإن طلقها فى الصحة طلاقًا بائنًا أو رجعيًّا، فبانت بانقضاء عدتها، لم يتوارثا إجماعًا" (١). ٧ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أنه لو طلقها في الصحة في كل طهر واحدة، ثم مات أحدهما لا يرثه الآخر" (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن من طلق زوجته في صحته طلاقًا بائنًا، فلا يتوارثان، سواء مات أحدهما فى العدة أو بعدها -وافق عليه المالكية (٣)، وهو قول عبد اللَّه بن الزبير ﵄ (٤). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]. • وجه الدلالة: حرّم اللَّه تعالى على الرجل أن ينكح امرأته إذا طلقها ثلاثًا إلا بعد زوج، فلما كانت لا تحل له فلا توارث بينهما إذًا. ٢ - أن سبب استحقاق الإرث بين الزوجين هو النكاح، فلما انقطعت عُرَى النكاح، فلا يلحقه شيء من تبعاته كالإرث (٥). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا طلق امرأته، وهو صحيح طلاقًا بائنًا، فلا توارث بينهما، سواء مات أحدهما في العدة أو بعدها؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٧ - ٢١٢] الطلاق يلحق المعتدة من طلاق رجعي: إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها فيه، فإنها لا تزال زوجته، فله أن يلحقها طلقة أخرى أو طلقتين، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أنه إن أتبع الطلقة التي ذكرنا للتي وطئها طلقة ثانية بعد الأولى، وقبل انقضاء عدتها، أنها أيضًا لازمة له، . . . واتفقوا إن لم يتبع الطلقة الأولى ثانية، أو لم يتبع الثانية ثالثة، أن له ذلك" (٦).

стр. 2126

٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في عصمة أزواجهن، أو قبل أن تنقضي عددهن في الطلاق الرجعي" (١). وقال أيضًا: "لا خلاف بين المسلمين في ارتدافه في الطلاق الرجعي" (٢). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن رشد، وابن حزم من الاتفاق على أن الطلاق يلحق المعتدة من طلاق رجعي وافق عليه الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: أن الرجعية زوجة يلحقها الطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، وإذا مات أحدهما في العدة ورثه الآخر (٦). النتيجة: صحة ما ذكر من الاتفاق على أن المعتدة من طلاق رجعي يلحقها الطلاق؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٨ - ٢١٣] لا يلزم الإشهاد على الطلاق: إذا طلق الرجل امرأته، فلا يلزمه أن يشهد على طلاقه إياها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث قال: "لم ألق مخالفًا حفظت عنه من أهل العلم أن حرامًا أن يطلق بغير بينة على أنه -واللَّه تعالى أعلم- دلالة اختيار، ولا فرض يعصي به من تركه، ويكون عليه أداؤه" (٧). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "ولا نعلم خلافًا في أن من طلق، ولم يشهد أن الطلاق له لازم" (٨). ٣ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "وقد ظن بعض الناس أن الإشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع، وهذا خلاف الإجماع، وخلاف الكتاب والسنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به" (٩).

стр. 2127

٤ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز" (١). ٥ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق" (٢). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "ويسن الإشهاد على الرجعة، وليست شرطًا فيها، . . . لوقوع الإجماع على عدم وجوبه في الطلاق" (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه لا يلزم الإشهاد على الطلاق وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥). • مستند الإجماع: قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: الآية ٢] • وجه الدلالة: كل من راجع في العدة فلا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة، فذكر الإشهاد في الرجعة، ولم يذكره في الطلاق (٦). النتيجة: تحقق الإجماع على أنه لا يجب الإشهاد على الطلاق؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٩ - ٢١٤] متعة الطلاق غير مقدرة، بل هي بالمعروف: إذا طلق الرجل امرأته، ولم يكن سمى لها مهرًا، فإن لها المتعة، وهذه المتعة غير مقدرة بل هي بالمعروف، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لم يختلف العلماء أن المتعة التي ذكر اللَّه في كتابة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: الآية ٢٤١] وقوله : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٦] أنها غير مقدرة ولا محدودة، ولا معلوم مبلغها، ولا معروف قدرها معرفة وجوب لا يتجاوزه، بل هي

стр. 2128

على الموسع قدره، وعلى المقتر أيضًا بقدره، متاعًا بالمعروف، كما قال ، لا يختلف العلماء في ذلك" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من أن متعة الطلاق غير مقدرة؛ بل هي بالمعروف وافق عليه الشافعية (٢)، والإمام أحمد في رواية عنه، هي المذهب (٣)، وابن حزم (٤). وهو قول الحسن البصري، ورجحه الطبري (٥). • مستند نفي الخلاف: قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: الآية ٢٤١] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: الآية ٤٩]. • وجه الدلالة من الآيات: دلت الآيات على أن للمطلقات متعة، وأنها غير مقدرة، بل هي بالمعروف، حسب حال الزوج من الغنى والفقر (٦). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية (٧)، والإمام أحمد في رواية عنه (٨) إلى أن المتعة تقدر بثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة، فلا تزيد على نصف المهر، ولا تقل عن خمسة دراهم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي (٩). • دليل هذا القول: أن هذا التقدير مروي عن عائشة، وابن عباس ﵃ (١٠). ثانيًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه (١١) إلى أن أعلاها خادم، وأدناها كسوة

стр. 2129

تجزئها في صلاتها. • أدلة هذا القول: ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قدر أعلى المتعة بخادم (١). ٢ - تقدير أقلها بكسوة: أن الكسوة الواجبة في الشرع ما يكفي لستر العورة في الصلاة، فوجب ألا تقل عن ذلك (٢). النتيجة: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن متعة الطلاق غير مقدرة؛ بل هي بالمعروف؛ وذلك لما يأتي: ١ - خلاف الحنفية، والإمام أحمد في رواية عنه بتقديرها، بحيث لا يتجاوز بتقديرها نصف المهر. ٢ - خلاف عن الإمام أحمد في رواية عنه: أن أعلاها خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها. [٤٠ - ٢١٥] صحة التوكيل في الطلاق: يجوز أن يقيم الزوج وكيلًا عنه في إيقاع الطلاق على زوجته، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "والأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج، أو بيد من جعل إليه" (٣). ٢ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "وأجمعوا على أن قوله لأجنبي: طلق امرأتي؛ توكيل" (٤). وقال أيضًا: ". . . أنه لو أضاف الأمر بالتطليق إلى الأجنبي، ولم يقيده بالمشيئة، كان توكيلًا بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الكاساني، وابن عبد البر من الإجماع على صحة التوكيل في الطلاق وافق عليه الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وهو قول الحسن،

стр. 2130

النخعي (١). • مستند الإجماع: ١ - عن فاطمة بنت قيس ﵂، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: واللَّه ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة" (٢). • وجه الدلالة: أن وكيل زوج فاطمة بنت قيس طلقها بمحضر من رسول اللَّه ﷺ فأمضاه، مما يدل على جواز التوكيل في الطلاق (٣). ٢ - لما جازت الوكالة في النكاح مع تغليظ حكمه، كان جوازها في الطلاق أولى (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى أن التوكيل في الطلاق لا يجوز (٥). • أدلة هذا القول: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: الآية ١٦٤]. قال ابن حزم: فلا يجوز عمل أحد عن أحد، إلا حيث أجازه القرآن أو السنة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا يجوز كلام أحد عن كلام غيره إلا من حيث أجازه القرآن أو السنة، ولم يأت في طلاق أحد عن أحد بتوكيله إياه قرآن ولا سنة، فهو باطل (٦). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أنه يجوز التوكيل في الطلاق؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن حزم. [٤١ - ٢١٦] الطلاق بغير العربية يقع: لا يشترط في الطلاق أن يتم باللغة العربية، فلو طلق العجمي بلغته، لوقع صريحًا أو كناية، حسب لغتهم، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن العجمي إذا طلق لسانه وأراد الطلاق، أن الطلاق لازم له" (٧). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وصريح الطلاق بالعجمية. . . إذا أتى بها

стр. 2131

العجمي؛ وقع الطلاق بغير نية، . . . ولا خلاف أنه إذا نوى بها الطلاق كانت طلاقًا" (١). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر، وابن قدامة من الإجماع على صحة الطلاق بغير العربية وافق عليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن حزم (٤). وهو قول الشعبي، والنخعي، والحسن البصري، والثوري، وإسحاق (٥). • مستند الإجماع: أن للعجم ألفاظًا يستعملونها في الطلاق، فأشبهت ألفاظه في العربية، فما كان صريحًا بلغتهم، وقع طلاقًا صريحًا بلا نية، وما كان كناية عن الطلاق لم يقع الطلاق فيه إلا بنية (٦). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الطلاق يقع بكل لغة، من العرب ومن غيرهم كل بلغته، ويقع صريحًا وكناية بلغة غير العربي؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٤٢ - ٢١٧] تفويض الطلاق إلى الزوجة يصح: يجوز تفويض الطلاق إلى الزوجة، ومعناه: أن يجعل الرجل الطلاق لامرأته (٧). ومن تفويض الطلاق للزوجة أن يقول لها: طلقي نفسك، أو اختاري (٨)، أو أمرك بيدك، أو ملّكتكِ نفسكِ. ونُقل الإجماع على جواز تفويض الرجل الطلاق إلى امرأته. • من نقل الإجماع: الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: ". . . تفويض الطلاق للزوجة؛ وهو جائز بالإجماع" (٩).

стр. 2132

• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الشربيني من الشافعية من الإجماع على جواز تفويض الطلاق إلى الزوجة وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨]. ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: لما أُمر رسول اللَّه ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا؛ فلا عليك أن لا تتعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: "إن اللَّه جل ثناؤه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨] إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] "، قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبويّ؟ . فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ ما فعلت (٤). • وجه الدلالة: دلت هذه النصوص أن النبي ﷺ لما خير نساءه فاخترنه أن ذلك ليس بطلاق، ولا يقع به فرقة، وعلى أنه يجوز أن يعطي الزوج زوجته مدة يوم، أو أكثر لتختار نفسها، فإن اختارته لم يكن طلاقًا (٥). • الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى أنه لا يصح تفويض الطلاق للزوجة، فلو أن المرأة اختارت زوجها، أو اختارت الطلاق، أو لم تختر شيئًا، سواء كرر التخيير لها، أو اختارت الطلاق ألف مرة -كما قال- لم يكن شيء، وكله سواء، فلا يقع به طلاق أبدًا (٦). • دليل هذا القول: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨]. • وجه الدلالة: نص اللَّه أن نساء النبي ﷺ إن أردن الدنيا، ولم يردن الآخرة، فإنهن يطلقن حينئذٍ من قبله ﷺ مختارًا لذلك (٧).

стр. 2133

النتيجة: عدم تحقق الإجماع على صحة تفويض الرجل الطلاق إلى زوجته؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن حزم بعدم صحة تفويض الطلاق للزوجة. [٤٣ - ٢١٨] إذا خير الرجل امرأته في الطلاق كان لها الخيار في المجلس على الفور: إذا قال الرجل لامرأته: اختاري، فلها أن تختار أن تفارق زوجها، أو أن تبقى معه ما دامت في المجلس، فإذا قامت فلا خيار لها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ١ - المزني (٢٦٤ هـ) حيث قال: "ولا أعلم خلافًا أنها إن طلقت نفسها قبل أن يتفرقا من المجلس، وتحدث قطعًا لذلك، أن الطلاق يقع عليها، فيجوز أن يقال لهذا الموضع: إجماع" (١). ٢ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "إنه على الفور في المجلس؛ لأنه قبول تمليك، . . . ولأنه (٢) ذَكَر الإجماع فيه أنها إذا طلقت نفسها على هذه الصفة كان إجماعًا" (٣). ٣ - المرغيناني (٥٩٣ هـ) حيث قال: "وإذا قال لامرأته: اختاري، ينوي بذلك الطلاق، أو قال لها: طلقي نفسك، فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها. . . بإجماع الصحابة" (٤). ٤ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "أما الإجماع: فإنه روي عن جماعة من الصحابة، مثل عمر، وعثمان، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر، وعائشة ﵃، أن المخيرة إذا اختارت نفسها في مجلسها، وقع الطلاق" (٥). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "قضى عمر، وعثمان، في الرجل يخير امرأته، أن لها الخيار ما لم يتفرقا، . . . ونحوه عن ابن مسعود، وجابر، ولم نعرف لهم مخالفًا من الصحابة، فكان إجماعًا" (٦). ٦ - البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث قال: ". . . لإجماع الصحابة؛ روي عن عمر،

стр. 2134

وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وزيد، وعائشة أنهم قالوا: إذا خير الرجل امرأته كان لها الخيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت فلا خيار لها، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع" (١). ٧ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "وإذا قال لامرأته: اختاري، ينوي بذلك الطلاق، أو قال لها: طلقي نفسك، فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وهذا الشرط بإجماع الصحابة" (٢). ٨ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "وإن قال لها: طلقي نفسك، فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها؛ لأن المخيرة لها خيار المجلس بإجماع الصحابة" (٣). ٩ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) فذكره كما قال ابن الهمام (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الرجل إذا خير امرأته في الطلاق، كان لها الخيار في المجلس على الفور وافق عليه الإمام مالك في رواية (٥). وهو قول عمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة ﵃، وقال به عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: خيّرنا رسول اللَّه ﷺ ، فاخترنا اللَّه ورسوله، فلم يُعَدَّ ذلك علينا شيئًا (٧). ٢ - أن عمر وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ كانا يقولان: إذا خيرها فاختارت نفسها، فهي واحدة، وهو أحق بها، وإن اختارت زوجها، فلا شيء (٨). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام مالك في رواية عنه (٩)، والإمام أحمد في

стр. 2135

رواية عنه أيضًا (١) إلى أن ذلك لها على التراخي، ما لم يبطله الزوج أو يطأها. وقال به الزهري، وقتادة، وأبو عبيد (٢)، وابن المنذر (٣). • دليل هذا القول: عن عائشة ﵂ قالت: لما أُمر رسول اللَّه ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا؛ فلا عليك أن لا تتعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: "إن اللَّه جل ثناؤه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] "، قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبويّ؛ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ ما فعلت (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما جعل لها أن تستشير أبويها دل ذلك على أن الخيار لها على التراخي (٥). ثانيًا: يرى ابن حزم أنه ليس هناك تخيير، ومن فعله لم يكن شيئًا، سواء اختارت نفسها، أو اختارت الطلاق (٦). وعلى قول ابن حزم لا اعتبار للخلاف السابق عنده، سواء في قول من قال: الخيار لها في المجلس فقط، أم من قال لها ذلك بعده. • دليل هذا القول: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨]. • وجه الدلالة: نص اللَّه أن نساء النبي ﷺ إن أردن الدنيا، ولم يردن الآخرة، فإنهن يطلقن حينئذٍ من قِبَله ﷺ مختارًا لذلك (٧). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من خير امرأته أن لها الخيار في المجلس؛ وذلك لما يلي: ١ - وجود خلاف عن الإمام مالك في رواية عنه، وعن الإمام أحمد في رواية عنه

стр. 2136

أيضًا، ومن سبقهم من السلف أن لها الخيار على التراخي. ٢ - أن هناك خلافًا عن ابن حزم يبطل القول بتخيير المرأة أو تمليكها نفسها، سواء اختارت نفسها أم اختارت زوجها، حتى لو قالت: أختار الطلاق. [٤٤ - ٢١٩] إذا خير الرجل امرأته لمدة يوم أو أكثر فلها ذلك: إذا خير الرجل امرأته، وجعل لها الحق ليوم أو أكثر، فلها أن تطلق نفسها خلال المدة التي خيرها زوجها فيها، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "ولا خلاف فيمن خير امرأته مدة يوم أو أيام أن ذلك لها إلى انقضاء المدة" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن عبد البر من أنه لا خلاف أن من جعل أمر امرأته بيدها لمدة يوم أو أكثر فلها ذلك وافق عليه الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند نفي الخلاف: عن عائشة ﵂ قالت: لما أُمر رسول اللَّه ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا؛ فلا عليك أن لا تتعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: "إن اللَّه جل ثناؤه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨] إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: الآية ٢٩] "، قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ ما فعلت (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد جعل لعائشة الخيار حتى تستأمر أبويها، ومعلوم أن ذلك قد يستغرق يومًا، أو أكثر. • الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى عدم اعتبار تخيير المرأة، سواء اختارت

стр. 2137

نفسها أو اختارت زوجها، أو خيرها في الطلاق ألف مرة، فليس ذلك بشيء (١). • دليل هذا القول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٨]. • وجه الدلالة: نص اللَّه أن نساء النبي ﷺ إن أردن الدنيا، ولم يردن الآخرة، فإنهن يطلقن حينئذٍ من قبله ﷺ مختارًا لذلك (٢). النتيجة: أولًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن من جعل أمر امرأته بيدها لمدة يوم أو أكثر فلها ذلك؛ لخلاف ابن حزم الذي لا يرى التخيير أصلًا. ثانيًا: يمكن حمل نفي الخلاف على أنه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في هذه المسألة. [٤٥ - ٢٢٠] تعليق الطلاق بالزمن المستقبل يقع: إذا علق الزوج طلاق امرأته على زمنٍ مستقبل، كان يقول: أنت طالق غدًا، أو يقول: أنت طالق اليوم، أو أنت طالق إذا جاء الشهر، وهكذا. . . فقد نقل الاتفاق عدد من الفقهاء على أنه يقع الطلاق في الزمن الذي حدده. • من نقل الاتفاق: ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: ". . . أن يقول: إن قدم زيد فأنت طالق، فلا يقع الطلاق قبل وجود الصفة، سواء بصفة مضافة إليها بدخول الدار، أو مضافة إلى غيرها كقدوم زيد، وهذا متفق عليه" (٣). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن الطلاق إلى أجل أو بصفة واقع إن وافق وقت الطلاق، . . . واتفقوا أنه إذا كان الأجل في وقت الطلاق أن الطلاق قد وقع" (٤). ٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: "وأما تعليق الطلاق بالأفعال المستقبلية: فإن الأفعال التي تعلق بها توجد على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يمكن أن يقع أو لا يقع، كدخول الدار، وقدوم زيد، فهذا يقف وقوع الطلاق فيه على وجود الشرط بلا

стр. 2138

خلاف" (١). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لو قال: أنت طالق إن قدم زيد، فإنها لا تطلق قبل قدومه؛ بالاتفاق" (٢). وقال أيضًا: "أنت طالق في النهار، فإن كانت في النهار طلقت، وإن كانت في الليل طلقت إذا جاء النهار، وهذا كله مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ولا أعلم فيه مخالفًا" (٣). وقال أيضًا: "أن يقول: أنت طالق، ثم يصله بشرط أو صفة؛ مثل قوله: إن دخلت الدار، أو بعد شهر، أو قال: إن دخلت الدار بعد شهر؛ فهذا يصح إذا كان نطقًا بغير خلاف" (٤). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الجمهور من الاتفاق على أن من علق طلاق امرأته بالزمن المستقبل، فإنه يقع عند وجود ما علق عليه وافق عليه الحنفية (٥). وهو قول ابن عباس، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد (٦). • مستند الاتفاق: ١ - أن الطلاق معلق بشرط لا يتحقق إلا في الزمن المستقبل، فإذا تحقق الشرط، وقع الطلاق (٧). ٢ - أن قول المطلِّق: أنت طالق إذا قدم زيد، أو إذا جاء الغد، يقع؛ لأن "إذا" اسم زمن مستقبل معناه: أنت طالق غدًا وقت قدوم زيد، وإن لم يقدم زيد في غدٍ لم تطلق (٨). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام مالك إلى أن الطلاق إذا علق بالزمن المستقبل فإنه يقع في الحال، سواء قال: أنت طالق غدًا، أو قال: بعد شهر، أو قال: اليوم، فتطلق في الحال (٩). وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، ويحيى

стр. 2139

ابن سعيد الأنصاري، وربيعة، والليث (١). • دليل هذا القول: تعليق الطلاق بالأجل، كالوطء إلى أجل، وهو نكاح المتعة، فلما كان نكاح المتعة باطلًا؛ لأنه إلى أجل كان الطلاق إلى أجل باطلًا أيضًا، فيقع على الفور (٢). ثانيًا: يرى ابن حزم أنه لا يقع بذلك طلاق أبدًا، سواء قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو ذكر وقتًا ما، فلا تكون طالقًا بذلك، لا الآن، ولا إذا جاء رأس الشهر (٣). • أدلة هذا القول: ١ - لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علّمنا اللَّه الطلاق على المدخول بها، وغير المدخول بها، وليس هذا فيما علّمناه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: الآية ١] (٤). ٢ - كل طلاق لا يقع حين إيقاعه، فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه (٥). النتيجة: أولًا: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن تعليق الطلاق على زمن مستقبل أنه يقع إذا تحقق ما علق عليه؛ لما يأتي: ١ - خلاف عن الإمام مالك، ومن سبقه من السلف بإيقاعه فور التكلم به. ٢ - خلاف عن ابن حزم الذي منع هذا الطلاق، ورأى أنه لا يقع به شيء. ثانيًا: الغريب أن ابن حزم يحكي الاتفاق على أن الطلاق إلى أجل يقع عند الأجل في كتابه مراتب الإجماع، وينفي ذلك في كتابه المحلى (٦).

стр. 2140

[٤٦ - ٢٢١] تعليق الطلاق بالزمن الماضي لا يقع: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق أمس، أو الشهر الماضي، فلا يقع طلاقه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "ولو قال: أنت طالق أمس، وقد تزوجها اليوم. . . لم يقع شيء. . . ولا خلاف فيه للفقهاء" (١). ٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "ولو قال: أنت طالق أمس، أو في الشهر الذي خرج، وقد تزوجها اليوم، لم يقع شيء، بإجماع الفقهاء" (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الحنفية من الإجماع على أن تعليق الطلاق بالزمن الماضي لا يقع وافق عليه الإمام الشافعي في أحد القولين (٣)، والإمام أحمد في رواية عنه (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن المطلِّق أسند الطلاق إلى حالة منافية لمالكية الطلاق، فكان حاصله إنكارًا للطلاق فيلغو، فكان كقوله: أنت طالق قبل أن أُخلَق (٥). ٢ - أنه حين تعذر تصحيح الطلاق إنشاءً، أمكن تصحيحه إخبارًا عن عدم النكاح، أي: طالق أمس عن قيد النكاح إذا لم تنكحي، أو عن طلاق زوج كان لها (٦). ٣ - أن الطلاق رفع للاستباحة، ولا يمكن رفعها في الزمن الماضي، فلا يقع الطلاق (٧). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٨)، والإمام الشافعي في قول (٩)، والحنابلة في المذهب، واختاره القاضي أبو يعلى (١٠) أن من قال لامرأته: أنت طالق أمس، أن طلاقه يقع.
следующие страницы →